النص المفهرس
صفحات 161-180
- ١٦١ - فى تفكيره الذى لاتأخذه الغرة فيخدع برأيه ، ويظنه الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . إن الشافعى كان يتشكك فى آرائه دائماً شأن المخلصين ، وقد كان توقع الخطأ فى أقواله يلازمه طول مدة اجتهاده ، حتى لقد كان يقول كما روى البويطى عنه : لقد ألفت هذه الكتب ، ولم آل فيها ، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ لأن الله تعالى قال. (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)) فما وجدتم فى كتبى هذه مما يخالف الكتاب والسنة ، فقد رجعت عنه. ١٠٩ - وقبل أن نترك الكلام فى تدوين كتبه نشير إلى مسألة قد جاءت فيما مضى عرضاً ، ولها قيمة كبيرة عند الباحثين ، تلك أن الكتب التى رواها أصحاب الشافعى قسمان : قسم يذكره المؤرخون والرواة منسوباً الشافعى، فيقولون كتاب الأم للشافعى والرسالة له، واختلاف العراقيين له، واختلاف مالك واختلاف على وعبد الله وهكذا ، وقسم يذكرونه منسوباً إلى أصحابه ، على أنه تلخيص لأقواله فيقولون مختصر البويطى ، . ومختصر المزنى ، ولا شك أن هذا القسم الأخير هو تأليف أصحابه . وتلخيصهم لأقواله ، وإن كانت نسبة الآراء فى هذا القسم إلى الشافعى لاتقل عن نسبته فى الأول ، ولكن للشافعى فى الأول المعنى والصياغة، وله فى الثانى المعنى فقط ، وأما الصياغة وتأليف العبارة ، فلصاحبه الشأن فيه ککتب الإمام محمد بالنسبة للمذهب الحنفى ، والقسم الأول تأليفه بلا نزاع ، وقد كان ( الشافعى تأليف لاشك فى ذلك ، والنزاع منه إنكار لمتضافر التاريخ ، فلا . يلتفت إليه ، والحمد لله لم ينازع أحد فى ذلك . وإن الرواة ذكروا طريقة تأليف الشافعى للكتاب ، فبعضه يكتبه ، (وبعضه كان يمليه ، ولقد روى الربيع بعض طرق الشافعى فى التأليف فقال الزمت الشافعى قبل أن يدخل مصر، وكانت له جارية سوداء ، فكان يعمل ( م ١١ - الشافعى ) ٦٠ - ١٦٢ - الباب من العلم ، ثم يقول ياجارية قومى، فاسرجى ، فتسرج له فيكتب. ما يحتاج إليه ثم يطفى السراج ، فدام على ذلك سنة قلت يا أبا عبد الله إن هذا الجارية منك فى جهد ، فقال لى إن السراج يشغل قلبى ، فالشافعى يتأمل فى هدأة الليل ويفكر ، ويسير الرأى فى تأمل عميق يخشى على الضوء. أن يؤثر فيه ، حتى إذا اهتدى إلى الفكرة أضاء المصباح فدونها ، ثم أطفأه. ليتفكر فى غيرها . وهكذا وخادمه منه فى جهد كما نبهه الربيع . ولقد كان كثيراً ما يكتب بالمسجد ، فقد روى عن طريق حر ملة قال : كان الشافعى يجلس إلى هذه الأسطوانة فى المسجد ، فيلقى له طنفسه ، فيجلس عليها ، وينحنى لوجهه ، لأنه كان مسقاماً فيصنف . ولقد كان يستعين بكتب غيره عند تصنيفه الكتب ، ليعلم ما فيه من .. أحاديث ، أو آثار فقهية ، ولينقدها ويناقشها - وقد جاء فى توالى التأسيس: وقدم الشافعى : فبقى بمصر أربع سنين وضع هذه الكتب فيها وكان أقدم معه من الحجاز كتب ابن عيينة، وخرج إلى يحيى بن حسان فكتب. عنه ، وأخذ كتباً من أشهب فيها مسائل . وكان يضع الكتب بين يديه ، ويصنف ، فإذا ارتفع له كتاب ، جاء ابن هرم ، فكتب ، ويقرأ عليه. البويطى، وجميع من يحضر يسمع فى كتاب ابن هرم ، ثم ينسخونه بعد ، وكان الربيع على حوائج الشافعى، فربما غاب فى حاجة ، فيعلم له ، فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته . هذه الأخبار تدل على أن الشافعى رضى الله عنه كان يدون بنفسه ، وبصنف من غير إملاء ، وتراها لا تنص فقط عليه ، بل تبين بعض التفصيل. طريق كتابته ثم نقل تلاميذه ما كتبه ثم سماعهم عنه . وكان الشافعى يملى أحياناً ، وأن المستقرىء لكتاب الأم يجد فيه كثيراً -. عبارة أملى علينا الشافعى ، ومن ذلك : ١ - فى الصلح أخبرنا الربيع بن سليمان قال أملى علينا الشافعى . ٢ - وفى الحوالة أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعى إملاء .. - ١٦٣ - ٣ - وفى الوكالة أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعى إملاء . ٤ - وفى وثيقة الحبس أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعى إملاء . ٥ - وفى ( تغيير وصية العتق ) أخبرنا الربيع بن سليمان قال حدثنا الشافعى إملاء . ٦ - وفى ( الوليمة) أخبرنا الربيع بن سليمان قال حدثنا الشافعى إملاء. ٧ - وفى النكاح المفسوخ ، قال الربيع من ها هنا أملى علينا الشافعى رحمه الله تعالى هذا الكتاب . ٨ - وفى (إقرار الوارث) أخبرنا الربيع قال حدثنا الشافعى إملاء . وهكذا ترى أن الشافعى كان على أحياناً ، وكان يكتب أحياناً ، وينسخ تلاميذه ما يكتب ويقرءونه عليه(١) . کتاب الأم ١١٠ - وكتاب الأم الذى جاء ذكره منسوباً للشافعى من أى نوع هو ؟ أهو تصنيف الشافعى بكتابته أو إملائه . أم هو حكاية أقواله ؟ إن الإجابة التى تعرض الخاطر بادى الرأى أن كتاب الأم هو كتاب الشافعى كتبه أو أملاه ، هكذا تضافرت الأخبار ، وهكذا نقلت الكتب، وهكذا تلقى العلماء خلفاً عن سلف ، وأثر النقل عن أصحاب الشافعى كالمزنى. والربيع والبويطى ، ثم تلقى العلماء ذلك النقل بالقبول لأنهم لم يجدوا ما يرده ، وعاينوا كتاب الأم ، ورأوه بين أيديهم ، ووازنوا بينه وبين كتب حكت أقوال الشافعى ، واختصرت أقواله ، ولم يدع فيها أنه ألفها وصنفها ، وصاغ عبارتها ، وأملاها . لم يشذ عن هذا الإجماع أحد ، ولكن جاء فى كتاب تصوف اسمه(قوت القلوب ) ومؤلفه متصوف عبارة فى باب الأخوة سيقت استطراداً ، ومنها (١) راجع فى هذا بحثنا فيما كتبه المرحوم الأستاذ حسين والى، ونشرته مجلة الأزهر وموضوعه ( كتاب الأم) . - ١٦٤ - ما يفيد أن البويطى هو الذى صنف كتاب الأم وأعطاه الربيع ، وصار يعرف به ، ولنذكر عبارته مع طولها ، لتعرف لأى غرض سيقت ، وهل هى تدل على أن ذلك رأى بنى على تحقيق فى مسألة معينة ، وإن كان فيها تحقيق فهو فيما سيقت له من غرض ، وهو الأخوة والصحبة ، قال أبو طالب فى قوت القلوب فى باب الأخوة فى اللّه والصحبة وأحكام المؤاخاة ما نصه : وقد كان الشافعى رضى الله عنه آخى محمد بن عبدالحكم المصرى، وكان يحبه ويقربه ، ويقول ما يقيمنى بمصر غيره ، واعتل محمد فعاده الشافعى، فحدثنى القرشى عن الربيع ، قال سمعت الشافعى ينشد شعراً وقد عاد محمداً : فمرضت من حذرى عليه مرض الحبيب فعدته فبرئت من نظرى إليه وأتى الحبيب يعودنى ما شك أهل مصر أن الشافعى يفوض أمر حلقته إليه ، وأنه يستخلفه بعد موته ، ويأمر الناس بالحضور عنده ، حتى سئل عن علته ، فقيل له يا أبا عبد الله : من تجلس بعدك ، ومن يكون صاحب الحلقة ، وهم يظنون أنه يشير إلى محمد ، فاستشرف لذلك محمد ، وتطاول لها ، وكان جالساً عندرأسه فقال سبحان الله !! أيشك فى هذا! أبو يعقوب البويطى، فأنكر لذلك محمد ووجد فى نفسه ، ومال أصحابه إلى أبى يعقوب البويطى ، وقد كان محمد حمل علم الشافعى ومذهبه ، ، وفارق مذهب مالك . إن البويطى كان أزهد وأروع فحمل الشافعى نصحه للدين ، والنصيحة للمسلمين ولم يداهن فى ذلك ، بل وجه الأمر إلى أبى يعقوب وآثره ، لأنه كان أولى، فلما قبض الشافعى رضى الله عنه انتقل محمد بن عبد الحكم من مذهبه. وفارق أصحابه ورجع إلى مذهب مالك ، وروى كتب أبيه عن مالك ، وتفقه فيها، فهو اليوم من كبار أصحاب مالك رضى الله عنه ، وأخمل البويطى رحمه الله نفسه، واعتزل عن الناس بالبويطة من سواد مصر، وصنف كتاب - ١٦٥ - الأم الذى ينسب الآن إلى الربيع بن سليمان ويعرف به ، وإنما هو جمع البويطى ولم يذكر نفسه فيه ، وأخرجه إلى الربيع ، فزاد فيه وأظهره ، وسمعه الناس منه ، وقد كان البويطى حمل فى المحنة ، ورفع من مصر إلى السلطان ، وحبس فى شأن القرآن ، فحدثنا الربيع قال : كتب البويطى من السجن بحثنى على المجالس ، ويأمرنى بالمواظبة على العلم ، والرفق بالمتعلمين، والإقبال عليهم ، وأن أتواضع لهم ، وقال كثيراً ما كنت أسمع الشافعى رضى الله عنه يقول : أهين لهم نفسى لكى يكرمونها(١) ولن تكرم النفس التى لا تهينها ١١١٠ - هذه كلمة أبى طالب المكى التى ساقها للاستشهاد بقصة الشافعى والبويطى وابن عبد الحكم على أن الوفاء للآخرة لا يتقاضى الصديق أن يؤثر محبته على الدين ، والنصيحة لله والمسلمين ، ثم استطرد فذكر زهد البويطى وإيثاره الخمول مما يتفق مع النزعات فى التصوف . (١) ترى هنا الفعل مرفوعا بعد كى واللام، والظاهر أنه كان يجب النصب ، ولم نر تصويباً لذلك إلا أن كان يجوز جعل كى المصدرية مهملة عن العمل كما جاز إهمال أن قياساً على ما المصدرية، ولذا وردت قراءة بالرفع فى قوله تعالى: (( لمن أراد أن يتم الرضاعة . (٢) قوت القلوب ج ٤ ص ١٣٥ و ١٣٦ فأخذ هذا النص الغزالى ووضعه فى كتابه الإحياء من غير أن يبين مصدره ، وقد كان قوت القلوب ثانى الكتابين اللذين أخذ عنهما الإحياء ، والأول الرسالة القشيرى . وهذا النص قد جاء فى الغزالى فقابله بمصدره من قوت القلوب (( واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق فى أمر يتعلق بالدين، بل من الوفاء المخالفة ، فقد كان الشافعى رضى الله عنه آخى محمد بن عبد الحكم ، وكان يقربه ، ويقول ما يبقينى بمصر غيره ، فاعتل محمد ، فعاده الشافعى رحمه الله ، فقال : فرضت من حذرى عليه مرض الحبيب فعدته . = فبرئت من نظرى إليه .: وأتى الحبيب يعودنى - ١٦٦ - فهل يصح أن نأخذ من هذا الكلام أن أبا طالب يطعن فى نسبة الأم إلى الشافعى عن طريق الربيع ، وأن طعنه مقدم على توثيق غيره هذه النسبة وعلى تضافر العلماء عليها ؟ من أجل أن يساق كلام العالم مساق الطعن ، الراد لأقوال العلماء يجب أن يكون قد عنى بالموضوع عناية بحث وتمحيص، وأن يبين ذلك بأدلة من السند والمتن يرجح بها قوله ، وينقض بها ما قاله غيره ، وخصوصاً إذا كان غيره كثرة متضافرة ، تلقى الأخلاف كلامها بالقبول ، وإلا ما استقر علم ، ولا استقام الناس إلى حقيقة مقررة ثابتة إذا كان مجرد ذكر عالم يخالف أمراً سجله التاريخ كافياً لبطلانه ، وإثبات نقيضه أو إثارة الغبار حوله ، والشك فيه . لقد ساق أبو طالب القصة للترغيب فى الزهد ، وإثارة الله على المحبة ولبعض الصوفية والوعاظ طريق واسع فى باب الترغيب والترهيب ، يسوقون فيه ضعيف الأخبار ، والآثار ، كما يسوقون مقبولها ، ويستسيغون ذلك ، = رظن الناس لصدق مودتهما أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل الشافعى فى علته التى مات فيها رضى الله عنه من تجلس بعدك يا أبا عبد الله، فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومىء إليه، فقال الشافعى سبحان الله ؟ أيشك فى هذا ؟ أبو يعقوب البويطى، فأنكر لذلك محمد ، ومالى أصحابه إلى البويعطى مع أن محمداً كان قد حمل عنه مذهبه كله ، لكن كان البويطى أفضل وأقرب إلى الزهد والورع فنصح الشافعى اللّه وللمسلمين، وترك المداهنة، ولم يؤثر رضا الخلق على رضا الله فلما توفى انقلب محمد ابن عبد الحكم عن مذهبه، ورجع إلى مذهب أبيه ، ودرس كتب مالك رحمه الله ، وهو من كبار أصحاب مالك رحمه اللّه، وآثر البويطى الزهد والخمول ، ولم يعجبه الجمع والجلوس} فى الحلقة واشتغل بالعبادة، وصنف كتاب الأم الذى نسب الآن إلى الربيع بن سليمان، ويعرف به ، وإنما صنفه البويطى، ولكن لم يذكر نفسه . ولم ينسبه إلى نفسه، فزاد الربيع فيه، وتصرف وأظهره ( الإحياء جـ ٢ ص ١٦٦ ). - ١٦٧ - ولا ينفرون منه ولذلك کان فی کتاب أبى طالب(١) کما کان فی تابعه کتاب إحياء علوم الدين للغزالى الأخبار الضعيفة ، بل الأخبار الموضوعة ، وقد تصدى لبيان ضعف الضعيف . ووضع الموضوع المخرجون لأحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وإذا كان ذلك هو الشأن لأحاديث رسول اللّه، فكيف يكون الشأن فى أخبار غيره ممن ليس له هذه المكانة من الدين . .. وإذا كانت لأخبار كتب المتصوفة هذه المنزلة ، فما كان لأحد أن يلتفت إلى قصة البويطى والربيع على أنها حقيقة ترد غيرها ، أو تثير الشك حول ما هو مقرر ثابت ، ولذلك لم يلتفتوا إليها ، ومروا عليها ، ولم يعيروا نظراً فاحصاً عالمين أنها لا تقوى على الفحص والكشف ، أو هى لم تسق على أنها رأى معتنق ، أو خبر صادق ثابت الصدق . ٠ ١١٢ - وإذا اعتبرنا مثل هذا الكلام فإنه يجب لأجل قبوله أن نزنه · بالميزان الذى تقبل به الأخبار ، وقد وجدنا الذين قالوا إن الأم كتاب الشافعى ينقلون ذلك بسند يتصل إلى الشافعى ، ثم يذكرون رواته عن الشافعى مباشرة بأسانيد متصلة بأصحابه ، ولكن ذلك الخبر الذى جاء فى قوت القلوب جاء مجرداً عن النسبة غير منسوب إلى أحد ، وليس منسوباً إلى القرشى الذى ذكر فى طى الرواية ، لأن المنسوب إلى القرشى الذى يصل سنده إلى الربيع هو رواية البيتين من الشعر ، ولا يصلح الكلام لأن يكون بهذا السند ، لأنه يؤدى إلى أن يكون راوى زهد البويطى وادعاء الربيع كتبه - هو الربيع نفسه ولا يكون بذلك قد أعلن نفسه وأخفى البويطى ، بل يكون قد أخفى نفسه ، وأعلن البويطى ، وهذا نقيض المدعى والسياق . (١) كتاب قوت القلوب بالذات قد طعن أهل الخبرة فى أحاديث كثيرة ساقها، وجرح صاحبه لأجلها ، وقد جاء فى تاريخ ابن كثير ، الجزء الحادى عشر ص ٣١٩ فى شأن أبى طالب وقوت القلوب ما نصه (( قال العتيقى كان رجلا صالحاً مجتهداً فى العبادة وصنف كتاباً سماه قوت القلوب وذكر فيه أحاديث لا أصل لها ، فكيف يكون ذلك الكتاب صادقا فى : أخباره ، ويقف ضد كثرة المؤرخين . - ١٦٨ - وإذا فرضنا فى التنزل وقلنا إن لما ذكره سنداً ، فهل سنده يقوى على، الوقوف أمام الأستاذ التى تصحح النسبة ، وتوثق صدقها، وقد تلقاها الناس. بالقبول"، فمن هو القرشى الذى تحمله ذلك السند تحميلا؟ إنه مجهول، فالسند. إليه كلا منذ ، لأن أساس قبول الرواية العلم بحال الراوى ، وكونه ممن. يغلب عليه الصدق ، ولا يعلم شىء من ذلك عن هذا القرشى ، ولذلك يرد. ولا يقبل ، وخصوصا أنه يخالف ما جاء به الثقات وما استقر عليه العلماء . إن هذا الكلام الذى ساقه أبو طالب المكى يفيد بظاهره أن الشافعى. لم يصنف كتاب الأم ، وإنما الذى صنفه البويطى ، ونشره الربيع منسوباً إلى الشافعى ، وهذا يخالف الإجماع ، وما استقر عليه أهل العلم ، ولكن قد يراد به أن البويطى هو الذى جمع ماكتب الشافعى ، وما أملاه ثم أعطاه الربيع فزاد فيه ونشره على أنه من روايته ، ويكون المراد من التصنيف هو هذا الجمع، وتفسير الكلام على هذا الوضع يكون أقرب إلى الحق من. الأول ، إذ قد قاله بعض العلماء ، ولكن يرده أمران : أحدهما - أن الربيع كان من الملازمين للشافعى مدة إقامته بمصر ، وأنه ربما غاب فى بعض حوائج الشافعى ، فإذا رجع قرأعلى الشافعىمافاته، وعلى ذلك يكون من البعيد أن يكون البويطى عنده من كتب الشافعى المصرية. ما ليس عند الربيع ، نعم إن مكانه من الفقه أكبر من مكان الربيع ، ولكن. المسألة مسألة نقل ورواية ، لا مسألة علم ودراية . ثانيهما - إجماع العلماء على أن راوى كتب الشافعى هو الربيع ، حتى لقد كانت تشد إليه الرحال ، وقد كان ثقة لا يكذب ، لم يطعن فيه علماء. الحديث ، بل تلقوا روايته بالقبول ، ومن الكذب أن ينقل كتب الشافعى عن غيره ، وينسبها إلى نفسه ، ولقد أثار بعض المتقدمين ذلك ، فقد جاء فى. التهذيب لابن حجر: قال أبو الحسين الرازى: أخبرنى على بن محمد أبى حسان. الزيادى محمص قال سمعت أبا يزيد القراطيسى يقول : سماع الربيع بن سليمان. - ١٦٩ - من الشافعى ليس بالثبت ، وإنما أخذ أكثر الكتاب من آل البويطى بعد موت البويطى ، قال أبو الحسين الرازى، وهذا لايقبل من أبىيزيد ، بل البويطى كان يقول : الربيع أثبت فى الشافعى منى ، وقد سمع أبو زرعة الرازى كتب الشافعى كلها من الربيع قبل موت البويطى بأربع سنين )) . ولقد قال الراوى عن الربيع كما جاء فى كتاب الأم المطبوع بمصر جـ٢ ص ٩٣ : أخبرنا الربيع بن سليمان المرادى بمصر سنة سبع ومائتين قال: أخبرنا محمد بن إدريس الشافعى رحمه الله ، وهذا بعد موت الشافعى بثلاث. سنين ، وقبل موت البويطى بأربع وعشرين سنة (١) فالكتاب على هذا قد نقله ذلك الراوى عن الربيع قبل موت البويطى بأربع وعشرين سنة . × ١١٣ - والخلاصة أن الأخبار متضافرة ، والإسناد متصلة مثبتة أن الشافعی رضی الله عنه کان یدون کتبه ، وأنه دون کتباً بالعراق ، ودون مثلها بمصر ، وكان يكتب ثم يقرىء ما كتب تلاميذه ، ثم ينسخونه ، وأحياناً كان يملى ، وأن الربيع بن سليمان هو الذى روى كتب الشافعى التى انتهى إليها، ودون آخر آرائه فيها ، وأن العلماء كانوا يشدون الرحال إليه لنقل كتب الشافعى ، وأن الربيع قد سمع جل هذه الكتب عن الشافعى، وأن مالم يسمع من أبواب الفقه قد ذكره هو فى روايته ، وقد نصت عليه كتب التاريخ ، وهذا ياقوت يحصى مالم يسمعه الربيع عن الشافعى من أبواب الفقه فيقول فى معجمه : والذى لم يسمعه الربيع من الشافعى رضى الله عنه وأرضاه كتاب الوصايات الكبير ، وكتاب اختلاف أهل العراق على على وعبدالله، وكتاب ديات الخطأ ، وكتاب قتال المشركين ، وكتاب الإقرار بالحكم الظاهر، وكتاب الأحباس وكتاب اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، و کتاب مسألة الجنین ، و کتاب وصية الشافعى، و کتاب ذبائح بنى إسرائيل، وكتاب غسل الميت ، وكتاب ماينجس الماء مما خالطه ، وكتاب الأمالى فى الطلاق . (١) راجع فى هذا بحث أستاذنا الكبير المرحوم حسين والى . - ١٧٠ - والربيع كان يحتاط كل الاحتياط ، فهو يذكر العبارات التى وجدها فى "نسخة منقولة عن الشافعى وسمعها منه ، ولو كان فيها خطأ فى النقل ، فيثبته ثم يبين الخطأ، ومالم يسمعه يقول لم أسمعه، ففى غسل الميت يقول لم أسمع هذا الكتاب من الشافعى ، وإنما أقرؤه على المعرفة ، وفى كتاب إحياء الموات يقول ، ولم أسمع هذا الكتاب ، وإنما أقرؤه على معرفة أنه من كلامه . وقد كان أحياناً يعلق على المنقول، فهو يذكر أحياناً بعض أقوال الشافعى ثم يبين أن له فى المسألة قولا آخر يكون قد سمعه منه ، ولم يدونه، وأحياناً يقول رجع عن هذا القول بعد ، وهكذا . وقد نبهنا فيما نقلنا عن ابن حجر إلى أن الشافعى قد كان يرجع عن بعض أقواله المدونة ، ويبقى المدون كما هو، لأن الرجوع كانبعدالتدوين، فيكتفى بالتنبيه بالرجوع ، فكان الربيع يروى الكتاب كما سمعه مدوناً ، ثم يبين أنه رجع عن هذا الرأى ، أو أن آخر أقواله هو كذا . هذا وإذا كان للأديب أن يحكم بمقتضى الذوق البيانى ، فإن القارئ لكتاب الأم المتذوق لبليغ عباراته ، يجزم بأنها لا تصدر إلا عن كاتب بليغ مالك عنان البيان ، وذلك هو الشافعى ، ثم إنه بالموازنة بين أبواب الأم ، والكتب التى لم يثر شك فى نسبتها إلى الشافعى كالرسالة يرى أن الأسلوب بواحد ، وأن الاختلاف اليسير أحياناً بينهما فى القوة البيانية لاختلاف الموضوع ، أو لأن ذلك يعترى الكتّاب البلغاء عادة ، فتختلف أساليبهم قوة وضعفا ، وإن كانت الروح واحدة على اختلاف حال الكاتب من راحة وتعب ، وقوة وضعف ، وصحة وسقام . المجموعة الفقهية المطبوعة عصر ١١٤ - طبعت بمصر مجموعة فقهية فيها فقه الشافعى ، وبعض ما جاء بالهامش لم يطبع على أنه من الأم وهو ليس منه ، ففيه مسند الشافعى وفيه - ١٧١ - مختلف الحديث للشافعى ، وما فى الصلب ليس كله من الأم ، ففيه الرسالة الجديدة اللهم إلا إذا اعتبرنا كل ما رواه الربيع من الأم ، كما سمى ابن النديم كل ما رواه الربيع مبسوطاً ، وتكون حينئذ كلمة المبسوط مرادفة للأم تطلقان على معنى واحد ، وهو كل ما رواه الربيع عن الشافعى بمصر ، فتكون الرسالة الجديدة منه ، ولكن أكثر العلماء على أن الرسالة شىء غير الأم لأن الرسالة فى أصول الفقه ، والأم فى الفقه ، والشافعى كان يسمى الرسالة اسماً خاصاً بها ، وهو الكتاب . ومهما يكن من أمر الرسالة فإن مصحح كتاب الأم لم يعتبرها منه ، إذ لم تعتبر كذلك فى النسخ التى نقلت عنها النسخة المطبوعة ، بل أنه أشار إلى أن ما فى الصلب فيه زيادات وجدت فى كتب أخرى غير الأم ، ولذلك يقول: ((اعلم أنه قد حصلت لنا عدة نسخ من الأم ، ومنها بعض أجزاء عتيقة بخط ابن النقيب منقولة من نسخة بخط سراج الدين البلقيني ، تفردت بزيادات مترجمة ، معزوة لبعض مؤلفات الشافعى رحمه الله ، مثل كتاب اختلاف الحديث ، وكتاب اختلاف مالك والشافعى ونحوهما ، وربما كان فى هذه الزيادات تكرار بعض ما اتفقت عليه النسخ ، ولكنها مع ذلك لاتخلو من فوائد من فروع وتوجيهات للإمام رحمه اللّه ، ولهذا أثبتنا تلك الزيادات بهامش هذا المطبوع ، إن اتسع ذلك ، وإلا جعلناها فى الصلب بعد عبارة الأم مفصولا بينهما ، والله المستعان . فما فى الصلب ليس كله من الأم ، ولكن الأم مفصول عن الزائد عليه معلمة تلك الزيادة بما يبين أنها زيادة ، وهى تعليقات من سراج الدين البلقينى اقتبسها من كتب الشافعى . وعلى ذلك يكون الأم فى هذه المجموعة متميزاً ، ولقد تتبعنا الأبواب التى سردها ابن حجر نقلا عن البيهقى على أن الأم مشتمل عليها ، فوجدنا هذه الأبواب فى كتاب الأم بالترتيب الذى نقل عن البيهقى مع خلاف يسير ، - ١٧٢ - وهذا يرشح قول من يقول إن كل ما احتوت عليه هذه النسخة على أنهمن الأم هو من الأم . ١١٥ - ولكن تجىء فى هذه النسخة فى أحيان كثيرة عبارة سألت الشافعى عن كذا فقال كذا ، وعبارة سئل الشافعى عن كذا فأجاب بكذا ، وكلمة حدثنا الشافعى إملاء أو أملى علينا . وكلمة أخبرنا الربيع بن سليمان ، قال قلت الشافعى كذا ، ثم قد كان فيه بيان لبعض أقوال رجع عنها ، .و حكايات أقوال أخرى تساق فى بعض الأحوال، وهكذا، وإنه بالموازنة بين الرسالة فى هذا ، والأم تجد الرسالة خالية من كل هذا إلا من السند فى أول كل جزء منها . وإذا كان كتاب الأم قد اشتمل على كل هذا ، فهل لنا أن نقول إن الشافعى كتبه] أو أملاه وبوبه ، ونقل عنه بهذا الترتيب وذلك التبويب ، إن المسألة ثلاثة فروض : الفرض الأول أن الشافعى قد كتب هذا الكتاب أو أملاه وأنه كان يأمر بتدوين الأسئلة التى توجه إليه ، ثم يملى الإجابة عنها ، وأنه قد قرىء عليه كل ما دون من الأسئلة والأجوبة ، وبذلك لا يكون ثمة ما يمنع من نسبة الكتاب إلى الشافعى تأليفاً وتصنيفاً ، وأنه سمى باسمه فى حياته، وما جاء من رجوع فى بعض أقواله من تعليق الربيع . الفرض الثانى أن يكون الشافعى قد دون مسائل مختلفة بقلمه ، وأملى بعضها بعيارته ، ثم لما انتقل إلى ربه جاء الربيع فجمع ما دون وما أملى فى الفروع من تلقاء نفسه ، أو أجاب به عن سؤال فى مجموعة واحدة سميت الأم فدون ما سمعه وما لم يسمعه مما دونه غيره ، مشيراً إلى أنهلم يسمعه، كما يلمس . المتتبع لكلامه ، ويشترك هذا الفرض مع سابقه فى أن ما اشتمل عليه كتاب الأم كان بتدوين الشافعى أو إملائه ، ولكنهما يفترقان فى الجمع والتبويب والترتيب ، فعلى الفرض الأول كل هذا الشافعى ، وعلى الفرض الثانى كل هذا للربيع . الفرض الثالث : أن يكون الأم ليس من تأليف الشافعى، بل هوجمع - ١٧٣ - لأقواله المدونة التى كتبها أو أملاها بعبارته ، وآرائه فى المسائل العلمية التى تدراسها مع تلاميذه ورووها عنه ، وقد جمعكل ذلك بعدالشافعى، وتكون نسبة هذه الكتب إلى الشافعى كنسبة كتب الإمام محد إلى فقهاء العراق ، من حيث أنها حاكية لأقوالهم من غير أن يكون التأليف لهم . وإن هذا الفرض مردود لإجماع العلماء على نسبة كتاب الأم الشافعى ولأن الربيع كما يبدو من ثنايا الكتب كان ينشر عبارات مكتوبة مدونة . ولذا تراه كان يصحح خطأ المكتوب بعد أن ينقله بنصه ، كما ترى فى الجزء ٢ ص ٩ فقد قال ، وهكذا فى البقر لا يختلف إلا فى خصلة واحدة ، فإذا وجب عليه مسنة والبقر ثيران ، فأعطى ثوراً أجزأه منه إذا كان خيراً من تبيع، انظر الربيع يصححها فيقول : قال الربيع أظن أن مكان مسنة تبيع )) ولو كان الربيع يحكى أقوال الشافعى من غير ملاحظة النص لذكر الصواب من غير أن يحمل نفسه عناء نقل المكتوب ، ثم تصويبه بعد ذلك . إن الكلام الذى يعقب العبارات التى تشكك فى نسبة الكلام إلى الشافعى بعبارته ، مثل أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعى بعبارته - يدل على أن الكلام بعده للشافعى بنصه إما بتحريره بقلمه أو بإملائه بلسانه . فمثلا فى أول كتاب جماع العلم جاء : أخبرنا الربيع ابن سليمان (١) قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعى ، قال لم أجد أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف فى أن فرض الله عز وجل اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه بأن الله عز وجل لم يجعل لمن بعده إلا اتباعه ثم ينقل كلاماً يستغرق نحو اثنتى عشرة صفحة كاملة ، مما يجعلنا نعتقد أن مكتوباً بين يديه ينقل عنه ما روى ونقل . وأخيراً أسلوب الشافعى فإن الكتاب كله نسيج وحده فى جزالة اللفظ وجماله ، وعمق المعنى وإحكامه ، وهو يحاكى كل المحاكاة أسلوب الرسالة (١) الأم الجزء الثانى ص ٣. - ١٧٤ - التى لاشك فى نسبتها إلى الشافعى تحريراً وتعبيراً ، ولو كان الذين اختلفوا فى هذا المقام حكموا البيان والأسلوب فى القضية لقضى حتمًا بأن الأم من عبارة الشافعى كتابة أو إملاء . بقى الفرضان الأولان وليس بين أيدينا ما يرجح أحدهما على الآخر وإن كنا نميل إلى ثانيهما ، وذلك لنقل الربيع الرجوع فى بعض الأقوال ، فلو كان الجمع والشافعى حى لنسب الرجوع إليه . و کیفما كان الفرض الذی نختاره ، فالكتاب کله للشافعی لیسلأحد تزید عليه فيه إلا ما كان من تعليق الربيع وتنبيهاته ، وهى تؤكد النسبة ولا تنفيها. هذا وقد أجمع العلماء بلانزاع على صدق ما جاء فى الأم من آراء منسوبة للشافعى فهو الحجة الأولى فى مذهبه ، والنقل الأول الصحيح لآرائه فی الجدید . دراستنا لفقه الشافعى ١١٦ - فى هذا القسم من بحثنا ندرس بمعونة الله فقه الشافعى، ونقصد فى هذه الدراسة إلى أصول الاستنباط فى هذا الفقه وارتباط هذه الأصول بالفروع مفصلين بعض التفصيل فى بيان الأصول والقواعد الكلية ، محملين كل الإجمال فى الإشارة إلى الفروع ، فإن ذلك باب مترامى الآفاق متسع المدى لا يحيط هذا البحث به ، ثم هذه الفروع مدونة فى كتب ذلك المذهب ولا يهمنا من هذه الفروع ، إلا مقدار ارتباطها بذلك الإمام وأصول المذهب وقواعده الكلية العامة التى تتفرع منها الفروع المختلفة ، وسنجد أن أصول الشافعى وقواعده الكلية التى تضمنها كتبه ، فقد نقلت لنا من هذا الشىء الكثير ، تكشف لنا عن المسالك التى سلكت فى سبيل تنمية هذا المذهب بالتخريج على أصوله واتباع قواعده ، والسير على مناهج صاحبه . ١١٧ - وقبل أن نخوض فى بيان فقه الشافعى على ذلك النحو ننبه إلى أمر ثابت وهو أن الشافعى قد روى عنه أصحابه قولين أو ثلاثاً فى المسألة - ١٧٥ - الواحدة ، وقد يثبت رجوعه عن أحدهما ، وربما لا يثبت ، فيبقى القولان. ثابتين فى المذهب منسوبين إليه ؛ وقد رأينا فى الأم ؛ وهو فقه الشافعى ، فى آخر أدوار اجتهاده كما علمت ، وهو الذى استقر عليه وانتهى إليه ، ورأينا فيه حكاية لأكثر من قول فى مسائل ، يبين فى الأم أحد القولين ، ويعلن. الربيع فينبه إلى القول الثانى ، وهو قد يذكر فى الأم قولين ، فينبه الربيع إلى قول ثالث ، ولنضرب على ذلك الأمثلة : ١ - جاء فى البيع فى بيان لزومه فإذا كان هذا لزم كل واحد منهما البيع ، ولم يكن رده إلا بخيار أو عيب بجده أو شرط يشرطه ، أو خيار رؤية إن جاز خيار الرؤية . . هذا حكم يقرر أن الشافعى يعتبر خيار الرؤية. على وجه من وجوه النظر ، ولكن يجىء بعد ذلك - هذا النص : قال. الربيع قد رجع الشافعى عن خيار الرؤية . ٢ - وفى بيع الصرف يبين أنه يجوز بيع سيف فيه ذهب بفضة أو سيف فيه فضة بثمن هو ذهب فيقول : إذا كانت الفضة مع سيف ، اشترى بذهب، وإن كان فيه ذهب، اشترى بفضة ، وإن كان فيه ذهب وفضة لم يشتر بذهب ولا فضة واشترى بعرض ، وهذا نص الشافعى ؛ ولكن جاء بعدذلك: قال الربيع ، وفيه قول آخر أنه لا يجوز أن يشترى شىء فيه فضة مثل مصحف أو سيف وما أشبه بذهب ولا ورق لأن فى هذه البيعة صرفاً وبيعا ، ولا يدرى ما حصة البيع من حصة الصرف . ٣ - وفى وجوب الزكاة على المدين بدين مساو لما فى يده من المال قد جاء فى الأم ما نصه : وإذا كانت فى يدى رجل ألف درهم وعليه مثلها فلاز كاة عليه .. ولكن يجى بعد ذلك ؛ قال الربيع. آخر قول الشافعى إذا كانت فى يده ألف وعليه ألف فعليه للزكاة ، قال الربيع من قبل أن الذى فى يديه إن تلف كان منه ، وإن شاء وهبها ، وإن شاء تصدق بها ؛ فلما كانت فى جميع أحكامها مالا من ماله ، وقد قال الله عز وجل (( خذ من أموالهم صدقة ؛ تطهر هم وتزکهم بها)». - ١٧٦ - ٤ - وفى الغصب يبين الشافعى أنه إذا غصب شخص طعاماً ، ثم "أطعمه صاحبه الذى غصب، إن أكله غير عالم ، فالضمان على الغاصب ثابت ، وإن أكله عالماً بأنه طعامه فقد وصل إليه ماله فلا ضمان ، وهذا نص الأم ، ولو غصبه طعاماً ، وأطعمه إياه ، والمغصوب لا يعلم كان مقطوعا بالإطعام ، وكان عليه ضمان الطعام ، وإن كان المغصوب يعلم أنه طعامه ، فأكله فلاشيء عليه وإن قبل أن سلطانه إنما كان على أخذ طعامه ؛ فقد أخذه . ولكن جاء بعد ذلك : قال الربيع ، وفيه قول آخر: إنه إذا أكله عالماً أو غير عالم ، فقد وصل إليه شيئه ، ولا شى على الغاصب ، إلا أن يكون قد نقص عمله فيه شيئاً ، فيرجع بما نقصه العمل (١). ٥ - ونجد الأم ينص على القولين فى صلبه فى المدين الذى منع من التصرف فى ماله إذا أقر بعد المنع لشخص بدين ، أيدخل مع الغرماء الذين ثبتت ديونهم بالبينة قبل ، أم لا يدخل ، فيذكر قولين ، ويوجه كلا القولين، ثم يختار واحداً منهما ، ولأترك الكلمة له : وإذا أقر الرجل بعد وقف القاضى ماله بدين لرجل أو حق من وجه من الوجوه ، وزعم أنه لزمه قبل وقف ماله ، ففى ذلك قولان : أحدهما أن إقراره لازم له ، ويدخل من أقر له فى هذه الحال مع غرمائه الذين أقر لهم قبل وقف ماله ، وقامت لهم البينة ومن قال هذا القول ، قال أصله قياساً على المريض يقر بحق لزمه فى مرضه ، فيدخل المقر له مع أهل الدين الذين أقر لهم فى الصحة ، أو كانت لهم بينة فهذا يحتمل القياس .. وبه أقول، والقول الثانى إنه إن أقر بحق لزمه بوجه من الوجوه فى . شىء مما فى يديه جعل إقراره لازماً له فى مال، إن حدث له بعد هذا ، وأحسن ما يحتج به من قال هذا : وقف ماله هذا فى حاله هذه لوفائه كرهنه ماله لهم ، فيبدءن فيعطون حقوقهم ، فإن فضل فضل كان لمن أقر له ، وإن لم يفضل فضل كان ما لهم فى ذمته ، (١) الأم ج ٣ ص ٢٧٧ . ١ 1 - ١٧٧ - ويدخل هذا أمر يتفاحش، من أنه ليس بقياس على المريض بوقف ماله، ( ولا على المحجوز فيبطل إقراره ، بكل حال ؛ ويدخله أن الزهن لا يكون إلا معروفاً بمعروف ، ويدخل هذا أنه مجهول ، لأن من جاء على غرمائه أدخله فى ماله ، وما وجد له من مال لا يعرفه ولا غرماؤه أعطاه غز ماءه . . وينتهى من الأم إلى أنه يذكر قولين ويختار أحدهما وهو الأول كما رأيت ، ولكن جاء تلميذه المزنى فبين فى مختصره أن الشافعى اختار الثانى : الإملاء . سوأن المزنى يراه . ولذا يقول المزنى فى هذا المقام ، قلت أنا هذا أصح ، وبه قال فى الإملاء ، وننتهى من هذا بالجمع بين ما جاء فى الأم وما جاء فى الإملاء أن الشافعى رضى الله عنه له قولان فى هذه المسألة(١). ٦ - وقد جاء فى الأم فى تغرير الزوج بالزوجة بأن يذكر لها نسبا غير نسبه فتقبله على ذلك ، ثم تتبين الحقيقية ؛ وأن نسبه دون ما ذكر ؛ ونسبها أكبر من نسبه . إن فى المسألة قوانين من غير أن يرجح : أحدهما أن لها الخيار ، والثانى أنه باطل وهذا نصه : ( انتسب لها إلى نسب فوجدته من غير ذلك النسب ، ومن نسب دونه ونسبها فوق نسبه كان فيها قولان : أحدهما أن لها الخيار؛ لأنه منكوح بعينه ، وغرر بشىء وجد دونه ، والثانى أن النكاح مفسوخ ؛ كما ينفسخ لو أذنت فى رجل بعينه، فزوجت غيره كأنها أذنت فى عبد الله : ابن محمد الفلانى فزوجت عبد الله بن محمد من غير بنى فلان، فكان الذى زوجته غير من أذنت بتزويجه(٢) . ٧ - إذا باع شخص زر عا أو ثمراً لم يخرج زكاته ؛ فإن الشافعى يرى أن الجزء المعادل للزكاة ، وهو العشر فى حال السقى من غير آلة ، ونصف العشر فى حال السقى بآلة لا يصح بيعه لأنه لايملكه ، وإنما هو ملك السائل والمحروم ؛ وسائر المستحقين للصدقات ، وعلى ذلك إذا باع ثمر البستان (١) الأم ج ٣ ص ١٨٦ و ١٨٧ ومختصر المزنى على هامش الجزء الثانى من ٢٢٢. (٢) = ٥ ص ٢٤ من الأم . (م ١٢ - الشافعى ) - ١٧٨ - الذى قد استحقّت فيه زكّاةَ من غير أن يبين ، ثم تبين للمشترى ذلك بعد .. فقد قال فى الأم فيه قولان : أحدهما أن المشترى بالخيار بين أن يأخذ الباقى بعد الصندقة من الكل بحصته من الثمن ، أو يفسخ البيع؛ لأنه لم يسلم إليه. ما كان المعقود عليه ؛ والثانى أن له الخيار بين أن يأخذ الباقى بكل الثمن ، وبين أن يرد البيع، لأن جزء الصدقة لم يكن فى المعقود عليه ، ويحكى الربيع قولا ثالثا ، وهو أن البيع باطل ، لأنه بيع ما لم يملك . وإليك المنص : قال الشافعى: ولو باعه ثمرة حائطه وسكت عما وصفت من أجزاء. الصدقة ، وكم قدرها كان فيه قولان : أحدهما أن يكون المشترى بالخيار فى أخذ ما جاوز الصدقة بحصته من ثمن الكل ، وذلك تسعة أعشار الكل ، أو تسعة أعشار ونصف عشر الكل ، أويرد البيع ، لأنه لم يسلم إليه كل ما اشترى ، والثانى إن شاء أخذ الفضل عن الصدقة بجميع الثمن ، وإن شاء ترك ، قال الربيع : وللشافعى فيه قول ثالث : أن الصفقة كلها باطلة ، من قبل أنه باعه ما ملك وما لم يملك فلما جمعت الصفقة حرام البيع وحلال البيع بطلت الصفقة كلها . فهنا نرى للشافعى ثلاثة أقوال فى مسألة واحدة . ٨٠ - إذا رهن شخص ثمرة تخرج شيئا فشيئا فالرهن واقع على الثمرة. الموجودة وقت الرهن ، ولذا يجب قطعها لكى يصح الرهن ، ولكيلا يختلط المرهون بغير المرهون ، فإذا لم يقطعها حتى خرجت غيرها. وأشكل. الأمر فلم يعرف المرهون من غير المرهون فما حكم الرهن ؟ الشافعى يذكر قولين : أحدهما أن الرهن يفسد لاختلاط المرهون بغير المرهون، كالبيع إذا اختلط المبيع بغير المبيع . الثانى أن الرهن لا يفسد والقول قول الراهن. فى مقداره ، ويبقيه على الرهن إذا كان حنطة أو ثمراً فاختلط بغيره . وإليك كلام الشافعى والربيع : فإن كان من الثمر شىء نخرج فرهنه إياه، وكان يخرج بعده غيره، فلا يتميز الخارج عن الأول المرهون. - ١٧٩ - الم يجز الرهن فى الأول، ولا فى الخارج، لأن الرهن حينئذ ليس بمعروف ، ولا يجوز الرهن فيه حتى يقطع مكانه ، أو يشترط أنه يقطع فى مدة قبل أن تخرح الثمرة التى بعده أو بعدما تخرج قبل أن يشكل : أهى من الرهن الأول أم لا، فإذا كان هذا جاز، وإن ترك حتى تخرج بعده ثمرة لا يتميز حتى يعرف ففيها قولان : أحدهما أن يفسد الرهن كما يفسدَ البيع، لأنى لا أعرف الرهن من غير الرهن ، والثانى أن الرهن لا يفسد ، والقول قول الراهن فى قدر الثمرة المرهونة من المختلطة بها كما لو رهنه حنطة أو ثمراً فاختلطت بحنطة للراهن أو ثمرة كان القول قوله فى قدر الحنطة التى رهن مع يمينه . (( قال الربيع ، وللشافعى قول آخر فى البيع أنه إذا باعه ثمراً فلم يقبضه حتى حدثت ثمرة أخرى فى شجرها لاتتميز الحادثة من المبيع قبلها كان البائع بالخيار بين أن يسلم له الثمرة الحادثة مع المبيع الأول ، فيكون قد زاده خيراً أو ينقض البيع، لأنه لا يدرى ما باع مما حدث من الثمرة)). ١١٨ - هذه أمثلة مما عثرنا عليه عند قراءتنا للجموعية الفقهية المنسوبة الشافعى وتلاميذه وهى كاشفة عما وراءها ومبينة ، وإن لم تكن هى كل ما وجدناه من أقوال مختلفة للشافعى رضى الله عنه . وقد اتخذ بعض المغرضين فى الماضى من تعدد أقوال الشافعى سبيلا منه ، وزعم أن اضطراب القول فى المسألة الواحدة دليل على النقص فى الاجتهاد ، وعدم الجزم دليل على نقص العلم ، والحق أن التردد عند تعارض الأقيسة وتصادم الأدلة ليس دليل النقص ، ولكنه دليل الكمال فى العقل ، ودليل الكمال فى القصد، أما دلالته على الكمال فى العقل، فلأنه لم يرد أن يهجم باليقين فى مقام الظن ، ولا بالظن فى مقام الشك ، فليس ذلك دأب العلماء ، وكلما رأيت باحثًا يحقق ويردد ولا يريد أن يكوّن أسير فكرة قبل أن يأسره الدليل ، ويستحوذ عليه البرهان، فاعلم أنه العالم، وإن رأيت امرأ يهاجم باليقين فى الرجحان ، وبالرجحان فى مقام الشك ((فَاعلم أن ذلك ناشى ءعن نقص فى الإحاطة بالموضوع، وعدم الأخذ به من كل أطرافه ، كمن قصر - ١٨٠ - نظره وأصبح لا يرى بعض الأشياء فأنكر وجودها ، لأنه لا يراها وما علم أن ذلك نقص فى علمه ، وخطأ فى حسه . وأما دلالة التردد على كمال القصد والإخلاص فى طلب الحق فلأنه لا يحكم إلا بعد أن يرى رأى العين ، فإن لم تتوافر لديه الأسباب رجح وقارب ولم يباعد ، وإن لم تتوافر الأسباب لذلك ألقى بتردده ، وبين تعارض الأدلة ، وتصادم الأمارات ، وإن تجاوز هذه الحدود كان تلبيساً ، وماذاك شأن من يطلب الحق لذات الحق ، لا يريد به غلباً ، ولا يريد به سبقاً، ولقد كان الشافعى من أهل ذلك المقام ، فهذا الذى كان يناظر ويقرع الخصوم ، ويحيط بهم فى مجارى تفكيرهم ، كان يقسم أنه ما جادل طلباً للغلبة قط . ١١٩ - ولقد عقد فخر الدين الرازى فى كتاب مناقب الشافعى فصلاً لاختلاف الأقوال عند الشافعى ، أو الأقوال المنسوبة للشافعى ، سواء أكانت قد جاءت على لسانه ، أم جرت من قلمه ، كالذى نقلنا لك من الأم ومختصر المزنى ، أم نسبها الشافعية إلى مذهبه ، وقد قسم اختلاف الأقوال المنسوبة إليه رضى الله عنه إلى خمسة أقسام : القسم الأول : المسائل التى يذكرون فيها قولين بالنقل والتخريج ، وهى أن يذكر الشافعى مسألتين متشابهتين فى بابين ، ثم يذكر الجواب فى أحدهما بالنفى وفى الآخر بالإثبات ، والأصحاب . ينقلون جواب كل واحدة من المسألتين فى الأخرى، ويقولون: ((فيه قولان)) بالنقل والتخريج ، وهذا فى الحقيقة ليس من الشافعى ، بل من الأصحاب والمحققون من الأصحاب لا يذكرون هذين القولين . القسم الثانى : أن يكون للشافعى قولان : أحدهما قديم وهو الذى صنفه فى بغداد ، والآخر جديد ، وهو الذى صنفه بمصر ، والجديد بالنسبة للقديم كالناسخ له ، والقديم بمنزلة المنسوخ . قال البيهقى قرأت فى كتاب زكريا ابن يحيى الساجى بإسناده عن البويطى، قال سمعت الشافعى رضى الله عنه يقول : لا أجعل فى حل من روى عنى كتابى البغدادى ، ولا يجد الرازى فى