النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ - بسنده أيضاً من أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر )). وكان يرتب الراشدين من السابقين على أزمانهم فأفضلهم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم على . ولقد نرى الشافعى يتجه إلى الحكم فى الخلاف الذى وقع بين الإمام على رضى الله عنه ، وبين معاوية بن أبى سفيان . فيرى أن معاوية وأصحابه كانوا الفئة الباغية ، ولذلك اتخذ فى كتاب السير سنة على فى معاملة البغاة حجة (١) . ٩٦ - هذه جملة آراء الشافعى فى الخلاف بين الصحابة وفى الإمامة بإجمال(٢) ولكن الشافعى مع هذه الآراء كان ككل مسلم تقى يحب آل النبى (١) وكان لا يستحسن الخوض كثيراً فيما كان بين على ومعاوية ويستحسن قول عمر بن عبد العزيز عندما سئل عن رأيه فى أهل صفين: دماء طهر اللّه منها يدى، فلا أحب أن أخضب منها لسانى . (٢) وقد وجدنا فى الأم فصلا فى باب إمامة الصلاة، وتكلم فيه فى الإمامة العامة ابتدأه بفضل قريش ثم فضائل الأنصار ، ثم فضل الأئمة ، وترتيبهم ننقله لك وها هو ذا : أخبرنا الربيع : قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعى ، قال حدثنى ابن أبى فديك عن ابن أبى ذؤيب، عن ابن شهاب ، أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قدموا قريشاً ، ولا تقدموها ، وتعاموا منها ، ولا تعالموها أو تعلموها . وقال الشافعى أخبرنا ابن أبى فديك عن ابن أبى ذؤيب ، عن حكيم بن أب حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز وابن شهاب يقولان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهان قريشا أهانه الله . وقال أخبرنا ابن أبى فديك عن ابن أبى ذؤيب عن الحارث بن عبد الرحمن أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: أنتم أولى الناس بهذا الأمر ماكنتم مع الحق إلا أن تعدلوا ، فتلحوا كما تلحى هذه الجريدة ، يشير إلى جريدة فى يده . قال الشافعى : أخبرنا يحيى بن سليم بن عبد الله بن عثمان بن خيم عن إسماعيل ابن عبيد بن رفاعة الأنصارى، عن أبيه عن جده رفاعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى : أيها الناس إن قريشاً أهل إمامة من بغاها العواثير أكبه الله لمنخرية = - ١٤٢ - ٠ ٠ الشافعى أخبر نى عبد العزيز بن محمد الدارودى عن = ( يقولها ثلاث مرات ) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادى محمد إبراهيم بن الحارث التيمى أن قتادة بن النعمان وقع بقريش، فكأنه نال منهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا قتادة لا تشتم قريشاً . فإنك لملك ترى منها رجالا أو يأتى منها رجال تحتقر عملك من أعمالهم . وفعلك من أفعالهم. وتغبطهم إذا رأيتهم، لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذى لها عند اللّه ، وقال الشافعى : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تجدون الناس معادن، فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا )) ، وقال الشافعى : أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال: ((أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوباً ، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية . وقال حدثنى عمى محمد بن العباس عن الحسن بن القاسم الأزرقى ، قال : وقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ثنية تبوك، وقال: ما هناك شام، وأشار بيده إلى جهة الشام، وما هاهنا يمن وأشار بيده إلى جهة المدينة . وقال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة : أقبل الطفيل بن عمر الدوسى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال يا رسول الله إنَ دوساً قد عصت وأبت فادع الله عليها ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكت دوس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد دوساً وأت بهم)) وقال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدارودى عن محمد بن عمرو بن علقمة بن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لولا الهجرة لكنت ادرءاً من الأنصار ، ولو أن الناس سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت وادى الأنصار أو شعبهم . وقال أخبرنا عبد الكريم بن محمد الجرجانى قال حدثنى ابن الفسيل عن رجل سماه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فى مرضه ، فخطب فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الأنصار قد قضوا الذى عليهم وبقى الذى عليكم فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيهم . وقال غيره عن الحسن ما لم يكن فيه حد ، وقال الجرجانى فى حديث إن النبى صلى الله عليه = - ١٤٣ - ٠ ٠ ٠ ٠ ٠ ، . = وسلم حين خرج، يهش إليه النساء والصبيان من الأنصار ، فرق لهم ثم خطب وقال هذه المقالة . وقال حدثنى بعض أهل العلم قال إن أبا بكر قال : ما وجدت أنا لهذا الحى مثلا إلا ما قال الطفيل الغنوى : تلاقى الذين يلقون منا لملت أبو أن" يملونا ولو أن أمنا إلى حجرات أدفأت وأظلت هم خلطونا بالنفوس وألجثوا بنا نعلنا فى الواطئين وزلت جزى الله عنا جعفراً حين أزلفت قال الربيع : هذا البيت ليس فى الحديث . وقال الشافعى : حدثنا عبد الكريم ابن محمد الجرجانى عن المسعودى عن القاسم بن عبد الرحمن أنه قال : ما من المهاجرين أحد إلا وللأنصار عليه منة، ألم يوسعوا فى الديار ويشاطروا فى الثمار ، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة )) وأخبرنا الشافعى قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد بن عمرو بن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينا أنا أنزع على بئر أستقى (قال الشافعى يعنى فى النوم، ورؤيا الأنبياء وحى ) فجاء ابن أبى قحافة ، فنزع ذنوباً أو ذنوبين - وفيهما ضعف، والله يغفر له - ثم جاء عمر بن الخطاب فنزع حتى استحالت فى يده غربا ، فضرب الناس بعطن ، فلم أر عبقرياً يفرى فرية وزاد مسلم بن خالد فأروى الظمئة وضرب الناس بعطن قال الشافعى: قوله ، وفى نزعه ضعف يعنى قصر مدته ، وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذى بلغه عمر فى طول مدته وقوله فى عمر : فاستحالت فى يده غربا - والغرب الدلو العظيم - إنما تنزعه الدابة ولا ينزعه الرجل بيده . لطول مدته وتزيده فى الإسلام لم يزل بعظم أمره ومناصحته للمسلمين كما تمنح الدلو العظيم ، وقال الشافعى : أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جبير بن مطعم عن أبيه عن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن شىء فأمرها أن ترجع فقالت يا رسول الله إن رجعت لم أجدك كأنها تعنى الموت قال فأتى أبا بكر . قال الشافعى حدثنا يحيى بن سليم عن جعفر بن محمد = - ١٤٤ - صلى الله عليه وسلم وعترته الطاهرة المباركة ، وتلك نزعة مخلصة تصيب قلب المسلم المخلص ، ولقد روينا لك عن الشافعى ما يدل على ذلك ، وأنه كان لا يبالى أن يرمى بأنه رافضى إذا كان كل محب لآل محمد رافضياً . فليشهد الثقلان أنى رافضى إن کان رفضاً حب آل محمد ولقد اتهم كما رأيت من حياته بانضمامه للعلويين الذين خرجوا على الرشيد بل قيل : إنه بايع من اختاروه إماماً ، ولا ندرى أكانت هذه التهمة ناشئة عن شبهة ، وهى اشتهاره بحب آل النبى ومجاهرته بذلك ، أم كانت التهمة منبعثة عن وقائع ثابتة صحيحة ، ولعله كان يؤلمه مانزل وينزل بالعلوية من الاضطهاد وهم آل النبى ومنهم عثرته ، فدفعه ذلك إلى الخروج مع الخارجين أم كان ذلك اندفاعة الصبا ، وقد كان فى ميعة الشباب وحدته ، ومهما يكن من الأمر فقد كانت التهمة ، وقيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً، وكما اتهم بخروجه بسبب محبته لعترة النبي صلى الله عليه وسلم على أقرب الفروض الثلاثة إلى مايقوله الجمهور - قد اتهم أيضاً بأنه رافضى بسبب إعجابه بعلى رضى اللّه عنه ، وإن كان قد فضل عليه أبا بكر والاثنين من بعده ، وبسبب أنه كان يأخذ بسيرة على فى حربه مع الخارجين عليه ، ويعتبرها الحجة فى باب البغاة . أما إعجابه بعلى فأمر قد تضافرت به الأخبار عنه أنه ذكر على بن أبى طالب فى مجلسه فقال رجل مانفر الناس عن على إلا لأنه كان لا يبالى بأحد، فقال الشافعى رضى الله عنه : كان فيه أربع خصال لاتكون خصلة واحدة للإنسان إلا يحق له ألا يبالى بأحد : إنه كان زاهداً، والزاهد لايبالى بالدنيا وأهلها ، وكان عالماً ، والعالم لا يبالى بأحد ، وكان شجاعاً والشجاع لا يبالى بأحد ، وكان شريفاً والشريف لا يبالى بأحد . ١ = عن أبيه عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب قال ولينا أبو بكر خير خليفة، الله رحمه وأحناه علينا)) ١ هـ باختصار قليل جداً. - ١٤٥ - ولقد قال فى على رضى الله عنه : وكان على كرم اللهوجهه قدخص بعلم القرآن والفقه ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعاه ، وأمره أن يقضى بين الناس ، وكانت قضاياه ترفع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فيمضيها)). وأما أخذه بسيرة على فى معاملة البغاة ، فمدون ثابت فى كتاب الأم وغيره من أصول مذهبه ، والتعليل ما ذكرناه . وقد بين ذلك الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه ، فقد جاء فى مناقب الشافعى للآبرى : قيل لأحمد بن حنبل إن يحيى بن معين ينسب الشافعى إلى الشيعة ، فقال أحمد ليحيى بن معين : كيف عرفت ذلك، فقال يحيى : نظرت فى تصنيفه فى قتال أهل البغى ، فرأيته قد احتج من أوله إلى آخره بعلى ابن أبى طالب فقال أحمد: ياعجباً لك، فيمن كان يحتج الشافعى فى قتال أهل البغى ، فإن أول من ابتلى من هذه الأمة بقتال أهل البغى هو على ابن أبى طالب ، فخجل ابن معين . وهكذا نجد الشافعى رضى الله عنه يتحرى القصد والاعتدال فى آرائه دائماً فهو يحب علياً ويعجب به ويعتبر الخارجين عليه بغاة ، ويعتبر معاملته لهم حجة يأخذ بها ، ولكنه لا يدفعه الحب إلى تقديمه على أبى بكر وعمر وعثمان ، حتى إذا قيل له فى ذلك ، ذكر محبته لعلى ، ثم قال: وليس الأثر كما نتمنى . فقه الشافعى ٩٧ - لم يتجه الشافعى إلى تكوين مذهب مستقل ، أو آراء فقهية مستقلة عن آراء مالك ، إلا بعد أن غادر بغداد فى رحلته الأولى إليها سنة ١٨٤ هـ ، فإنه قبل ذلك كان يعد من أصحاب مالك ، يدافع عن آرائه ، ويناهض أهل الرأى دفاعا عن فقه أهل المدينة ، حتى سمى ناصر الحديث ، وقد بلغ فى ذلك غايته ، وأنطق المحدثين بحجتهم كما بينا . ( م ١٠ - الشافعى) - ١٤٦ - وبعد أن أقام الشافعى ببغداد فى هذه الرحلة أمداً غير قصير درس فيه على محمد كتبه ، وجادل أهل الرأى وناظرهم - أحس بأنه لابد أن يخرج للناس بمزيج من فقه أهل العراق وأهل المدينة ، واتجه إلى دراسة آراء مالك دراسة ناقد فاحص ، لادراسة متعصب لها مدافع عنها . ولعل المجادلة عن رأى مالك وإن دفعت إليها الحمية له ، قد هدته إلى عيوب فيه ، كمانفذ ببصيرته إلى محاسن وعيوب فقهاء العراق فى مجادلتهم ، وفى دراسة فقههم وآرائهم فكان لابد حينئذ من فكر جديد واتجاه جديد ، ثم إن المناقشة فى الفروع وجهته إلى تعرف أصولها والبحث عن ضوابطها ، ومقاييسها ، فخرج من بغداد ، وقد أخذ يرسم خطوطاً جديدة . ٩٨ - ذهب إلى مكة ، واتخذ له حلقة فى المسجد الحرام ، وبذلك ابتدأ مذهبه ، وإنا نقسم عمله فى تكوين آرائه وإعلانها إلى ثلاثة أدوار ، ( أولها ) کان مکة(ثانیہا ) کان ببغداد عندما قدمها ثانية ( ثالثها) کان بمصر، وفی کل دور من هذه الأدوار تخرج عليه تلاميذ دارسوه وذاكروه ونشروا عنه ما أنتجه فى هذا الدور . وليس بين أيدينا ما يحددلنا عمله حداً كاملا فى هذه الأدوار الثلاثة ، وإنما نستطيع أن نقارب ولانباعد بطريق الظن ، لا بطريق اليقين ، لأنا نلمح فى كل دور ثمرة له قد تتميز قليلا أو كثيراً عن ثمرات الدور الذى قبله وبعده . لقد أقام بمكة بعد مغادرته بغداد فى رحلته الأولى إليها مدة ربما بلغت تسع سنوات ، وكانت أخصب حياته العملية ، لأنه كان قد بلغ أشده، إذ كان فيها قبل الأربعين ، ومابعدها من سنين قريبة ، ولأنه كان قد اطلع على الآراء المختلفة لعلماء جيله ، ودارسهم ، وأخذ كل ما عندهم ، أوجله، ولأنه قد جمع برحلاته أكثر ماعند أهل كل بلد من أحاديث، فاجتمع بين يديه ثروة من الأحاديث لم تكن له من قبل ، ثم نظر فيها فوجد التعارض بينها أحياناً ، فأخد يرجح بعضاً على بعض فى العمل ، إما من ناحية السند، - ١٤٧ - وإما من ناحية نسخ بعضها لبعض ، ثم يبنى استنباطه على أساس الثابت المحكم منها ، ثم أخذ يدرس أدلة القرآن بجوار ما جمع من أدلة السنة ، وانهى من ذلك إلى مقام السنة من القرآن ، وهكذا . ونستطيع أن نقول ان تفكيره فى هذه الفترة كان فى الكليات أكثر منه فى الفروع ، ولعل أكثر دروسه فى حلقته كان يتجه بها هذا الاتجاه يدارس فيها تلاميذه طرائق الاستنباط ووسائله ، ويوازن بين المصادر الفقهية ، وينعرض للفروع بمقدار ما يوضح نظرياته . ولعل تلك الدراسة الكلية هى التى استرعت الإمام أحمد بن حنبل عندما رأى الشافعى فى حلقة درسه بمكة ، وجعلته يترك حلقة ابن عبينة ، وهو يروى عن الزهرى إلى حلقة الشافعى ، حتى إذا لامه لائم فى ذلك قال له : ((اسكت)) فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول ، وذلك لا يضرك ، أما إن فاتك عقل هذا الفتى ، فإنى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة ، ما رأيت أحداً أفقه فى كتاب الله من هذا الفتى القرشى ، ثم لعل مجيئه بهذه الكليات هو الذى جعل أحمد يقول فيه: كان الفقه قفلاعلى أهله ، حتى فتحه الله بالشافعى . ولقد كانت أول ثمرة من ثمرات ذلك الدور الخصب هو تلك الرسالة التى كتبها إلى عبد الرحمن بن مهدى ، وكانت بطلبه ، فلقد ذكرنا فيما أسلفنا من القول أن عبد الرحمن بن مهدى كتب إلى الشافعى، وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معانى القرآن ، ويجمع فنون الأخبار فيه ، وحجة الإجماع ، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة ، وقد بينا أن ذكر كونه شاباً يجعلنا تميل إلى أن كتابته لها كانت والشافعى بمكة ، ولكن بعض الروايات تذكر أن تلك الكتابة كانت ، وهو ببغداد ، ولا بد أن يكون ذلك عند قدومه إليها القدمة الثانية ، وعلى أى حال فهى ثمرة دراسته بالبيت الحرام . ٩٩ - قدم الشافعى بتلك الدراسة إلى بغداد ، ونشرها فى حلقاتها ، فكانت أمراً جديداً عندهم ، حتى لقد قال الكرابيسى : ما كنا ندرى - ١٤٨ - ما الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ، حتى سمعنا الشافعى يقول : الكتاب ، والسنة ، والإجماع (١) . وكان قدوم الشافعى بغداد سنة ١٩٥ ، وكانت إقامته فيها نحو ثلاث سنوات هى الدور الثانى من أدوار اجتهاده ، وفيها أخذ يستعرض آراء الفقهاء الذين عاصروه وتبعوه بل آراء الصحابة والتابعين ، يعرضها على ما وصل إليه من أصول كلية ، ويرجح بينها على مقتضى هذه الأصول ، ثم يدلى بآرائه التى يراها تنطبق على أصوله فهو يستعرض خلاف بعض الصحابة وسبيه ، كخلاف على وابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، ويستعرض خلاف أبى حنيفة وأبى ليلى برواية أبى يوسف ، ويسمى ذلك اختلاف العراقيين ، ثم يستعرض سير الواقدى والأوزاعى ، وهكذا يستعرض الآراء المختلفة ، ويطبقها على ما انتهى إليه من أصول ، ويختار من بينها ما يراه أقرب لأصوله ، أو يخرج عنها جميعاً برأى جديد إن لم يجد واحداً منها ينطبق على هذه الأصول ، وكان ثمة مسوغ لردها جميعاً . وقد التقى فى هذا الدور بتلاميذ آخرين تلقوا عنه ذلك الفقة الذى كان دراسة عميقة لآراء الفقهاء ، ثم استخلاص خيرها أو إبداء آراء جديدة منها . ١٠٠ - انتقل الشافعى إلى مصر سنة ١٩٩ وبقى بها نحواً من أربع سنوات وافته بعدها منيته بأرضها ، وفيها كان الشافعى قد تكامل نموه ، ونضجت آراؤه ، واختبر العمل بها فأنتج الاختبار فكراً جديداً ، ثم رأى فى مصر ما لم يكن قد رآه من قبل ، ورأى فيها عرفاً وحضارة ، وآثاراً (١) قال أبو نور لما قدم علينا الشافعى دخلنا عليه فكان يقول: إن اللّه تعالى قد يذكر العام ويريد به الخاص، ويذكر الخاص ويريد به العام ، وكنا لا نعرف هذه الأشياء، فسألنا عنها الشافعى، فقال إن اللّه تعالى يقول ((إن الناس قد جمعوا لكم)) والمراد أبو سفيان وقال تعالى، يا أيها النبى إذا طلقتم النساء)) فهذا خاص والمراد عام، وهذا كلام فى الأصول ما كانوا به قبل الشافعى . - ١٤٩ - للتابعين، فأخذ يدرس آراءه السابقة كلها على ضوء ما هدته إليه التجرية والسن ، والبلد الذى نزل فيه ، فكتب رسالته فى الأصول كتابة جديدة زاد فيها وحذف منها ، وأبقى لب رسالته القديمة ، ودرس آراءه فى الفرع فعدل عن بعضها إلى جدید لم يقله ، وکان له بذلك قديم قد رجع عنه، وجديد قد اهتدى إليه ، وقد يتردد بين الجديد والقديم ، فيذكر الرأيين من غير أن يرجع عن أولهما ، وهكذا ، وإن شئت أن تقول إن ذلك الدور هودور التمحيص، فقل ، فقد درس فيه آراءه كلها ، درس فيه أصوله ناقداً لها فاحصاً كاشفاً ، فهذا الذى كان يتسامى فلا يترك قولا منغير نقد ولا تمحيص ولا كشف لمحاسنه ومساويه ، وقربه من السنة أو بعده عنها- قد أخذ أيضاً يدرس آراء نفسه هذه الدراسة الناقدة الفاحصة الكاشفة . ثم هو یدون ما انتهى إليه من دراسته ، فيدون رسالته ، ويكتبمسائل كثيرة له ، أو يملى أخرى، ويروى عنه أصحابه جملة آرائه فى تلك الفترة، وينقلون عنه خلافاته مع غيره من الفقهاء ، وبذلك لم يمت الشافعى إلا وقد ترك تركة مثرية من الفقه والاستنباط . نقل فقه الشافعى نقل فقه الشافعى عن طريقين ، أحدهما تلاميذه ، وثانيهما كتبه التى كتبها أو أملاها بعض تلاميذه . ولنتكلم فى كل من هذين المصدرين بكلمة موجزة ، قبل أن نتجه إلى دار سة آرائه الفقهية . ١٠١ - تلامذته : كان للشافعى تلاميذ نقلوا فقهه فى كل دور من الأدوار الثلاثة التى بيناها ، فكان له تلاميذ تلقوا عنه بمكة ، وله تلاميذ تلقوا عنه ببغداد فى قدمته الثانية ، وله تلاميذ تلقوا آخر دراساته بمصر . فمن صحبه مكة أبو بكر الحميدى، وقد كان فقهياً محدثاً ثقة حافظاً ، وقد ء - ١٥٠ - توفى سنة ٢١٩ بمكة ، وكان قد خرج مع الشافعى إلى مصر ، ثم عاد إيها بعد موته ، ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن محمد العباسى بن عثمان بن شافع المطلبي ، وكان حافظاً للحديث ثقة فيه ، ولكنه لم ينقل عنه شئ فى الفقه، نشأ بمكة ، وتوفى بها سنة ٢٣٧ ، ومنهم أبوبكر محمد بن إدريس، ويقول عنه ابن عبد البر ، صحب الشافعى ولا أعلم فى أى سنة مات ، وأخذعنهبمكة، ومنهم أبو الوليد موسى ابن أبى الجارود صحب الشافعى، وكتب كتبه، وتفقه عليه ، وأخذ بقوله قبل خروجه إلى بغداد . ١٠٢ - هؤلاء بعض من تفقهوا عنه بمكة وجاء ذكرهم بين أصحابه. ومن أصحابه ببغداد أبو على الحسن الصباح الزعفرانى ، ولم يكن بين تلاميذ الشافعى أفصح منه لساناً ، ولا أبصر منه باللغة العربية والقراءة ، وقد روى عنه الخطيب البغدادى أنه قال: قال قدم علينا الشافعى ، واجتمعنا إليه ، فقال التمسوا من يقرأ لكم ، فلم يجترئ أحد أن يقرأ عليه غيرى ، وكنت أحدث القوم سنا ، ما كان فى وجهى شعرة ، وإنى لأتعجب اليوم من انطلاق لسانى بين يدى الشافعى ، وأتعجب من جسارتى يومئذ ، وجاء عنه أيضا : لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعى ، قال من أى العرب أنت؟ فقلت ما أنا بعربى ؛ وما أنا إلا من قرية يقال لها الزعفرانية ، قال لى فأنت سيد هذه القرية )) . قرأ عليه كتاب الشافعى القديم المعروف بالبغدادى وكتبه عنه ، ولقد جاء فى الانتقاء : وكان الزغفرانى يقرأ كتب الشافعى ببغداد للناس ، ولم يقرأ على الشافعى أحد غيره ، مات سنة ٢٦٠ هـ . ومنهم أبو على الحسين ين على الكرابيسى ، وكان عالماً مصنفاً متقناً ؛ وكانت فتوى السلطان تدور عليه ، وكان نظاراً جدلياً ، وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق ، فلما قدم الشافعى جالسه وقرأ كتبه من الزعفرانى ، جاء فى طبقات ابن السبكى عن الكربيسى: لما قدم الشافعى قدمته ، قلت - ١٥١ - له أتأذن لى أقرأ عليك الكتب ؟ فأبى، وقال خذ كتب الزعفرانى ، فقد أجزتها لك ، وقد توفى الكرابيسى سنة ٢٥٦ هـ . ومنهم أبو ثور الكلبى ، وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق، حتى صحب الشافعى ، وأخذ عنه ، وسمع منه كتبه ، فصار أميل للشافعى فى كتبه التى ألفها مستقبلا بآرائه ، وقد توفى سنة ٢٤٠ هـ . ومنهم أبو عبد الرحمن أحمدبن محمدبن يحيى الأشعرى البصرى ، وكان يوصف بالشافعى لذبه عن صحبه ببغداد ، إذكان يناظر عن ذلك المذهب، وكان من جلة العلماء وحذاق المتكلمين ، والعارفين بالإجماع والاختلاف، وكان رفيعاً عند ذوى السلطان وذوى الأقدار ، عالماً بالحديث والأثر ، متسعاً فى العلم ، مع تمكن فى النظر والجدل ، وهو أول من خلف الشافعى بالعراق فى الذب عن أصوله ، ومذهبه ، والنصرة لقوله ، حتى وصف به كما أشرنا ، وله مصنفات كثيرة جليلة ، وقد توفى ببغداد . وممن أخذ عن الشافعى ، وإن لم يعرف بالتبعية له فى مذهبه - الإمام أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه . وقد قال فيه ابن عبد البر فى الانتقاء : وكان من جلة العلماء وأصحاب الحديث الحفاظ ، وكان نبيل القدر ، وله كتب كثيرة ، ومصنفات فى الفقه ، ولم يلتق بالشافعى ، إلا أنه كتب كتبه ، وله اختيار كاختيار أبى ثور إلا أنه أميل إلى معانى الحديث واتباع السلف، توفى بنيسا بور سنة ٢٧٧ هـ . الموسمك ١٠٣ - ومن أصحابه بمصر حرملة بن يحيى بن حرملة ، وکان جليلا نبيل القدر يقال إن الشافعى نزل عنده ، ويقول ابن عبد البر : روى عن الشافعى من الكتب مالم يروه الربيع ، منها كتاب الشروط ، ثلاثة أجزاءٌ، ومنها كتاب السنن ، عشرة أجزاء، ومنها كتاب ألوان الإبل والغنم وصفاتها وأسنانها ، ومنها كتاب النكاح ، وكتب كثيرة انفرد بروايتها عن الربيع ، توفى مصر سنة ٢٦٦ هـ وكان من أصحاب الشافعى . - ١٥٢ - ومنهم أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطى، وقد استخلفه الشافعى فى حلقته وآثره على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم مع عظيم محبتهلا بن عبد الحكم، ولكنه آثر الحق على الأخوة والمحبة كشأنه رحمه اللّه دائماً ، كان البويطى عالماً فقهياً زاهداً ، اتهم بأنه لا يقول مقالة المعتزلة فى مسألة خلق القرآن ، فحبس حتى مات فى محبسه ببغداد سنة ٢٣١ ، قال فيه ابن السبكى فى طبقاته، يرحم الله أبا يعقوب لقد قام مقام الصديقين ، قال الساجن كان البويطى وهو فى الحبس يغتسل كل جمعة ، ويتطيب ، ويغسل ثيابه ، ثم يخرج إلى باب السجن ، إذا سمع النداء ، فيرده السجان ويقول ارجع رحمك الله ، فيقول البويطى ، اللهم إنى أجبت داعيك فمنعونى . وقال فيه ابن السبكى فى المختصر المشهور الذى اختصر من كلام الشافعى قال أبو عاصم : فى غاية الحسن على نظم أبواب المبسوط ، قلت وقفت عليه وهو مشهور. ١٠٤ - وقد جاء فى معجم الأدباء لياقوت عن مختصر البويطى هذا فى أثناء بيان الكتب التى لم يسمعها الربيع من الشافعى : كتاب مختصر البويطى رواه الربيع عن الشافعى ، وإن عبارة ياقوت هذه غريبة . ومنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنى كان فقهياً عالماً ، راجح المعرفة عارفاً بوجوه الحدل حسن البيان ، له فى مذهب الشافعى كتب كثيرة ، منها المختصر الكبير ، ومنها المختصر الصغير ، ويسمى المختصر الكبير المبسوط، ولذا قال فيه ابن حجر : صنف المبسوط والمختصر من علم الشافعى .. وكان آية فى الحجاج والمناطرة عابداً عاملا متواضعاً غواصاً فى المعانى ، مات سنة ٢٦٤، وقد شرح مختصره كثيرون منهم أبو إسحاق المروزى ، وأبو العباس ابن سريح . ومنهم محمد بن عبدالله بن عبد الحكم ، وقد قال فيه ابن حجر فى توالى التأسيس : قال أبو عمرو الصرفى كان أهل مصر لا يعدلون به أحداً ، وقال - ١٥٣ - المزنى نظر إليه الشافعى فأتبعه بصره ، وقال : وددت لو أن لى ولداً مثله ، وعلى ألف دينار . وقال أبو إسحاق الشيرازى انتهت إليه رياسة العلم بمصر ... وكانت وفاة محمد فى ذى القعدة سنة ٢٥٨ ، وروايات الكتب المختلفة تفيد أنه كان أثراً عند الشافعى ، كانت بينهما مؤاخاة صادقة ، وموادة صافية . ولما مرض الشافعى ، وأحس بدنو منيته ، وطلب إليه أصحابه أن يذكر من يخلفه فى حاتمته ، أشار إلى البوحطى دون ابن عبد الحكم ، وكان قد استشرف لها ، وأرادها . ولكن الشافعى وإن كان يحب ابن عبد الحكم رأى فى البويطى مالم يره فى صديقه ووديده ، ويقال إن ذلك أغضبه ، حتى أنه بعد وفاة الشافعى ترك مذهبه إلى مذهب مالك ، وأخذ يردد عليه ، ومهما يكن من أمره بعد الشافعى فقد سمع من الشافعى كتبه ، ويقولون إنه سمع منه كتاب أحكام القرآن ، وكتاب الرد على محمد بن الحسن ، والسنن ، وروى عن الشافعى كتاب الوصايا ، ويقولون إنه لم يرو عن غيره . وإنه من المقرر أن كتاب الوصابا من الكتب التى لم يسمعها الربيع عن الشافعى ، ولعله أخذه من ابن عبدالحكم هذا ، ومنهم الربيع بن سليمان بن داود الجيزى أبو محمد الأزدى بالولاء، قال فيه ابن السبكى ، كان رجلا فقيهاً صالحاً ، روى عن الشافعى وعبد الله ابن وهب وإسحاق بن وهب ، وعبدالله بن يوسف وغيرهم ، وروى عنه داود والنسائى وأبو بكر بن أبى داود ، وأبو جعفر الطحاوى وغيرهم، وتوفى فى ذى الحجة سنة ست وخمسين ومائتين ، وقيل سنة ٢٥٧ وهو الذى روى عن الشافعى أن قراءة القرآن بالألحان مكروهة وأن الشعر بعد المات يتبع الجسد قياساً على حال الحياة، أى أنه يطهر بالدباغة . هذا ماذكره ابن السبكى عنه فى طبقاته ، فهو يذكر أنه روى الحديث عن الشافعى ، وأنه روى عنه. مسألتين فى الفقه . وهل كانت له صحبة وملازمة ، كالبويطى المزنى والربيع بن سليمان المرادى الذى سنبين حاله؟ وهل روى عنه الكتب ، أو اختصر آراءه - ١٥٤ - كالسابقين ؟ لم يبين ابن السبكى شيئاً من ذلك ، وقد قال فى كل صاحب لازم الشافعى ما أخذه عنه من الكتب، وما ألفه فى المذهب ، فلماذا لم يذكر هنا شيئاً ؟ يظهر أنه لم يأخذ عنه فقهاً كثيراً ، ومن المؤكد أنه لم يرو عنه كتباً ، فلم يذكر أحد ممن كتبوا فى الطبقات أنه قد روى عنه كتباً ، ويظهر أن صحبته للشافعى موضع نظر ، وإن ذكر أنه روى عنه بعض الحديث ومسائل فى الفقه ، ولذا قال ياقوت فى معجمه عند ذكر أصحاب الشافعى . والربيع بن سليمان بن داود بن الأعرج الجيزى: مولهر الأزد؛ وأظنه صحب الشافعى ومات فى سنة ست وخمسين ومائتين ، وقبره بالجيزة . وإذا كانت صحبته موضع نظر ، وإذا كان الرواة جميعاً لم يذكروا أنه روى كتباً ، فليس لنا أن نقول إنه راوى كتب الشافعى ، لأن الذى رواها هو سميه ربيع بن سليمان المرادى على ما ذكره الرواة جميعاً ، فإذا أطلق الاسم عند رواية الكتب انصرفت إليه . ١٠٥ - والربيع بن سليمان راوى الكتب ( هو أبو محمد ) بن عبد الجبار ابن كامل المرادى بالولاء ، المؤذن ، كان يؤذن فى الجامع الأكبر جامع الفسطاط ، إلى أن مات ، ولم يؤذن أحدفى المنارة قبله . قال ابن عبد البر فى الانتقاء، صحب الشافعى طويلا ، وأخذ عنه كثيراً وخدمه ، وكانت الرحلة إليه فى طلب كتب الشافعى ، وقال فيه ياقوت : هو صاحب الشافعى المشهور بصحبته ، ومات سنة ٢٧٠ ، وهو آخر من روى بمصر (١) عن الشافعى ، وكان جليلا (١) يظهر أن الربيع اتصل بالشافعى قبل مجيئه إلى مصر، فقد جاء فى توالى التأسيس لابن حجر: ((قال : لزمت الشافعى قبل أن يدخل مصر ، وكانت له جارية سوداء ، يعمل الباب من العلم، ثم يقول يا جارية قومى فأسرجى، فتسرج له ، فيكتب ما يحتاج إليه ثم يطفىء السراج ، فدام على ذلك سنة ، فقلت يا أبا عبد الله إن هذه الجارية منك فى جهد ، فقال لى إن السراج يشغل قلبى : قال وسألى عن أهل مصر ، فقلت هم فرقتان فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عليه، وفرقة مالت إلى أبى حنيفة وناضلت عليه ، فقال : أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله فسآتيهم بشىء أعظم به عن القولين جميعاً. قال الربيع: ففعل ذلك واللّه حين دخل مصر)). - ١٥٥ - مصنفاً ، حدث بكتب الشافعى كلها ، ونقلها الناس عنه، وقال البهقى فىآخر كتابه مناقب الشافعى : الربيع بن سليمان المرادى هو راوية كتب الشافعى الجديدة على الصدق والإتقان ، فربما فاتته صفحات من كتاب، فيقول: قال الشافعى ، أويرويها عن البويطى عن الشافعى ، وصارت الرواحل تشد إليه من أقطار الأرض لسماع كتب الشافعى ، وقد ذكر ابن حجر العسقلانى فى توالى التأسيس ، أن الربيع كان على حوائج الشافعى ، فربما غاب فى حاجة فيعلم له ، فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته . تتضافر الأقوال فى الكتب التى تصدت لبيان أخبار الشافعى ، وأخبار تلاميذه بأن راوى كتب الشافعى الجديدة هو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادى المؤذن ، ولذلك إذا أطلقت كلمة الربيع عند رواية الكتب انصرفت إليه ، لأنه هو الذى اشتهر بروايتها ، ولذلك قال النووى : اعلم أن الربيع حيث أطلق فى كتب المذهب: المرادى، وإن أرادوا الجيزى قيدوه بالجيزى، ويقال للمرادى راوية الشافعى، وهناك كتب لم يروها الربيع ، بل نقلها عن غيرها، ونقلت عن غيره، ولنترك الكلام الآن فيه مرجئين ذاك إلى الكلام فى الكتب . هؤلاء بعض أصحاب الشافعى الذين رووا مذهبه فى أدوار اجتهاده ، وتلقفوا كلماته و فتاویه ، و تداولوا كتبه ،ونشروها بين الناس ، وورثوها الأجيال من بعدهم ، فتناقلتها خلفاً عن سلف ، وبذلك كانوا المصدر الحق لنشرآرائه ، والمصدر الثانى هو الكتب : الكتب ١٠٦ - كان المجتهدون فى عصر الصحابة والتابعين يمتنعون عن أن يدونوا فتاويهم أو اجتهادهم ، بل امتنعوا عن تدوين السنة ، ليبقى المدون من أصول الدين الكتاب وحده ، وهو عمود هذه الشريعة ، ونورها المبين، - ١٥٦ - وحبل الله الممدود إلى يوم القيامة ، إلى أن اضطر العلماء لتدوين السنة ولتدوين الفتاوى والفقه . جاءت النحل المختلفة فدونت أقوالها ، جاء الشيعة فدونوا آراء أئمتهم ، وجاء المعتزلة فدونوا آراء علمائهم ، واضطر المحدثون أن يدونوا الحديث الصحيح ليتميز من الكلام المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك اتجه الفقهاء إلى تدوين آرائهم ، فأبو حنيفة قد أثر عنه بعض الكتب، وأبو يوسف قد كتب كتاب الخراج للرشيد ، وله كتب غيره ، ومحمدبن الحسن يدون آراء العراقيين ، ويحكم تصنيفها ، فجاء الشافعى إذن فى عصر قد اتجه العلماء فيه إلى تدوين آرائهم ، وآراء شيوخهم ، فاتجه إلى تدوين اتجاههم. ويذكر بعض الرواة أن أول تأليفه كان للرد على فقهاء الرأى ، فقدقال البويطى : قال الشافعى اجتمع على أصحاب الحديث، فسألونى أن أضع رداً على كتاب أبى حنيفة ، فقلت لا أعرف قولهم ، حتى أنظر فى كتبهم ، فأمرت فكتبت لى كتب محمد بن الحسن ، فتظرت فيها سنة ، حتى حفظتها ، ثم وضعت الكتاب البغدادى . وإذا صح ذلك الخبر فإنه يدل على أن أول كتاب للشافعى كان يحاكى بتدوينه طريقة أهل العراق فى تدوين الآراء ، وعلى أن أول كتبه كان فى الرد والمناظرة ، وأنه لم يكتبه وله آراء مستقلة ، بل كان يدافع فيه عن فقه الحديث ، أو فقه أهل المدينة ، أو فقه مالك بالذات ، لأنه كان يطلب المدنيين ، ولأنه كان عقب أن اطلع الشافعى على كتب محمد بن الحسن ، وذلك بلا ريب كان فى قدمته الأولىإلى بغداد أى قبل أن يستقيم لهرأى فى الاجتهاد، يستقل به عن طريقة مالك رضى الله عنهما. ومهما يكن من قول فى شأن ذلك الكتاب ، فإن الشافعى بعد أن استقل بطريقته فى الاجتهاد والبحث والفتيا ، أخذ يؤلف الكتب، ويدون المبادىء فيها التى وضعها للاستنباط ، وآراءه فى المسائل المختلف فيها ، ثم يدون - ١٥٧ - السنن ، والخلاف بين الصحابة ، ويختار من بين الآراء المختلفة رأياً يرجحه وبعتنقه ، ولم نعرف له تأليفاً ذكر أنه ألفه بمكة ، ولم يذكر أحد من المؤرخين شيئاً عن بعض مصنفاته أنه كتب بمكة ، اللهم إلا إذا صح ما نميل إليه ، وهو أنه كتب الرسالة إلى عبد الرحمن بن مهدى ، وهو بمكة ، أما بعد مجيئه إلى بغداد سنة ١٩٥ فإنه قد ذكرت مؤلفات كثيرة بها . ولعله کان یکتب کتبه مكة ، ولکنه کان لا يرويها للناس ويعلنها إليهم ليتروى فيها ، حتى إذا وصل إلى بغداد ، وقد أنضجتها كثرة الدراسة والمراجعة والفحص والتمحيص أعلنها لتلاميذه ، ونشرها بين صحابته ، ثم تولوا هم بعد ذلك نشرها فى الآفاق ، ثم لما جاء إلى مصر أعاد النظر فيما كتب فغير وبدل ، وزاد ونقص طلباً للكمال . ١٠٧ - أعلن الشافعى فى بغداد كتبه ، أعلن الرسالة فيها ، وأقرأ تلاميذه كتبه ، وقد نقلنا لك أن الزعفرانى قال : قدم علينا الشافعى واجتمعنا إليه، فقال: ((التمسوا من يقرأ لكم)) وهذا يدل على أنه كانت عنده كتب قد كتبها وأعدها ، وهو يقرئها تلاميذه ، وينشرها ، وما فيها من علم بينهم . وقد حمل هذه الكتب تلاميذه وأشهر من رواها الزعفرانى والكرابيسى ، وقد سميت كتبه التى كتبها بالعراق فى الفقه والفروع (الحجة) ، ويقول ملا كاتب جلبى فى كتاب الحجة هذا : هو مجلد ضخم ألفه بالعراق ، وإذا أطلق القديم فى مذهبه يراد به هذا التصنيف . ولقد سمى ابن النديم ما رواه الزعفر عن الشافعى من الكتب - المبسوط فهل المبسوط والحجة واحد ؟ بمراجعة بيان ما اشتمل مبسوط الزعفرانى الذى ذكره الفهرس ، وقال إنه المبسوط الذى رواه الربيع بمصر . نجده يشتمل على كل كتب الشافعى فى الفروع والحجاج والمناظرة والخلاف ، وإذن يصح لنا أن نقول إن كتاب الحجة الذى هو القديم عند ملا كاتب جلبى الذى سماه ابن النديم فى فهرسه المبسوط وهو الذى يسمى الأم ، بعد أن غير فيه - ١٥٨ - الشافعى وبدل ، وزاد ونقص بمصر ، كما سنبين إن شاء الله تعالى، ولقد قال البيهقى فى مناقب الشافعى : وكتاب الحجة الذى صنفه ببغداد حمله عنه الزعفرانى ، وله كتب أخرى حملها الحسين بن على الكرابيسى ، وأبو عبد الرحمن بن يحيى الشافعى ، وقد وقع لى نسخ كتاب السير رواية أبى عبد الرحمن ، وفيه زيادات كثيرة ليست عند غيره ، ولأبى الوليد موسى ابن أبى الجارود مختصر يرويه عن الشافعى فيه زيادات . ١٠٨ - جاء الشافعى مصر ، وفيها أعاد النظر فى كتبه ، وفى آرائه، وفى مذهبه ، فغير وبدل، ووضع كتبه الجديدة، وأملى مسائل كثيرة ، وروى عنه أصحابه مسائل ، وقد أثر عنه فى مصر کتاب الأم ، وروى عنه کتاب السنن ، ولقد قال السيوطى فى حسن المحاضرة : وصنف بها ( أى بمصر) كتبه الجديدة كالأم والأمالى الكبرى ، والإملاء الصغير . ولقد قال ابن حجر فى توالى التأسيس : قال أبو الحسين الآبرى حدثنا الزبير ابن عبد الواحد ، حدثنى محمد بن سعيد ، أخبرنا الفريانى أبو سعيد قال الربيع : أقام الشافعى ها هنا (أى بمصر ) أربع سنين ، فأملانى ألفاً وخمسمائة ورقة وخرج كتاب الأم ألفى ورقة ، وكتاب السنن وأشياء كثيرة كلها فى مدة أربع سنين ، وقد اختصر البويطى ما سمع عن الشافعى بمصر ، فدون ذلك فى كتاب سماه المختصر ، ودون المزنى كتاباً كذلك سماه المختصر ، وكل هذا يبين فقه الشافعى فى مصر ، وآراءه التى انتهى إليها ، ومات رضى الله عنه . وإن الربيع بن سليمان المرادى قد روى كل ما كتبه الشافعى ، وأملاه بمصر ، وإليه كانت تشد الرحال، ولقد لازم الشافعى طول إقامته بمصر ، بل لقد روى أنه لازمه مدة قبل مجيئه إلى مصر ، كما جاء فى توالى التأسيس لابن حجر ، ولقد سمى ابن النديم ما رواه الربيع مبسوطً ، كما سمى ما رواه الزعفرانى مبسوطاً ، والزعفرانى هو ناقل كتب الشافعى ببغداد ، كما أن الربيع ناقلها بمصر. - ١٥٩ - ١٠٩ - ونريد أن نشير هنا إلى مسألة ذات شأن ، وهى تتصل بالمغايرة بين كتب الشافعى القديمة ، والجديدة فقد توهم عبارات كثيرين من المتقدمين الذين أرخوا للشافعى ، وتصدوا للكلام فى كتبه أن الشافعى لما جاء إلى مصر أنشأ كتبه الجديدة فيها إنشاء جديداً لم يكن متصلا بالأول ، ووقع ذلك الإيهام فى نفوس بعض المتأخرين موقع التصديق ، فقبلوه على أنه حقيقة واقعة مقررة ثابتة ، ولقد استكثر بسبب ذلك بعض الكتاب أن تكون السنون الأربع التى أقامها بمصر كافية لتصنيف كل هذه الكتب ، وإن الذى يتفق مع المعقول أن الشافعى لا يصنف من جديد فى الموضوعات التى كتب فيها من قبل ببغداد ، إنما ينظر فيما كتب فما يراه صالحاً للبقاء ، ولم يتغير فيه رأيه أبقاه وأقرأه أصحابه ، فنقلوه عنه وما يتغير فيه رأيه بكتبه أو يمليه على ما انتهى إليه ، واستقر فكره عليه ، فإنه ليس من المعقول أن ينقض كاتب كل ماكتبه ، فى دور من أدواره الفكرية ، بأن يرجع عنه جملة، ثم يكتبه جملة . ولقد تأيد ذلك القول بعبارات قد وردت، فقد جاء فى توالى التأسيس لابن حجر : قال البيهقى، وبعض كتبه الجديدة لم يعدتصنيفها، وهى الصيام والحدود ، والرهن الصغير ، والإجارة ، والجنائز ، فإنه أمر بقراءة هذه الكتب عليه فى الجديد وأمر بتحريق ما يغير اجتهاده فيه . قال وربما تركه اكتفاء بمانبه عليه من رجوعه فى مواضع أخرى ، قلت : وهذه الحكاية مفيدة ترفع كثيراً من الإشكال الواقع بسبب مسائل اشتهر عن الشافعى الرجوع عنها ، وهى موجودة فى بعض هذه الكتب . ١١٠ - وعبارة البيهفى وتعليق ابن حجر عليها يستفاد منهما أن الشافعى كان فى تأليفه الجديد ينظر إلى القديم ، فما لا يتغير فيه رأيه قط يبقيه . ومايغير فيه اجتهاده يصنفه ثم يحرق القديم ، وربما يترك بعض ما تغير فيه رأيه اكتفاء بما نبه به من تغيير رأيه فى موضع آخر من كتابته ، وكأنه فى هذا يقرأ - ١٦٠ - القديم من غير أن يغير فى عبارته ، ثم يعرض مايوجب الرجوع ويصنفه وينبه إلى ذلك ، وقد يرجع عن بعض الجديد ، وكثيراً مانرى الربيع يروى قول الشافعى فى كتبه ، ثم يذكر آخر رأى له ، لأنه جاء بعد قراءة الكتب وسماعها ، وقدوجدنا ابن النديم الذى يسمى كتب القديم المبسوط ، ويسمى كتب الربيع المكتوبة بمصر المبسوط أيضاً ، وجدناه يقول فى ترجمة الزعفرانى روى المبسوط عن الشافعى على ترتيب ما رواه الربيع ، وفيه خلف يسير وليس يرغب الناس فيه ، ولايعملون عليه ، وإنما يعمل الفقهاء على ما رواه الربيع ، ولاحاجة بنا إلى تسمية الكتب التى رواها الزعفرانى ، لأنها قلت واندرس أكثرها )). إن كون ترتيب المبسوط الذى رواه الربيع على ترتيب المبسوط الذى رواه الزعفرانى ، وإن كون الخلاف بينهما فى الترتيب يسيراً ، ومبسوط الزعفرانى كان ببغداد ، ومبسوط الربيع كان بمصر - هذا يدل على أن الأصل واحد ، ولكن حصل تغيير وتبديل وزيادة وحذف فيما كتب فى بغداد ، فكان هو الكتاب الجديد بمصر . وإن شئت الحق الصريح الواضح فإنا نقول إن الكتب الجديدة هى تمحيص وزيادة فى الكتب القديمة ، فالرسالة القديمة ليهافى الرسالة الجديدة، ولكن بعد تحقيق وتمحيص ، وزيادة وحذف ، وكذلك سائر كتبه ، وإن الشافعى المناظر المجادل الذى كان يقلب الآراء على وجوهها ، الذى كان يناقش لطلب الحق ، ولا يناقش لطلب الغلبة قط ــ لابد أنه كان دائماً يفحص آراءه كما يفحص آراء غيره ، ثم يكرر وزنها على ما يستخرج من أصول ، فيبقى أو يعدل ، وقد أثر عنه آراء مختلفة فى المسألة الواحدة فى أزمان متباعدة أو متقاربة : فكان يرى الرأى ثم يرجع عنه ، إما لحديث عثر عليه ، أو لقياس أقرب اهتدى إليه ، أو لفتوى صحابى لم يكن على علم بها ، وكذلك شأن الباحث الذى يطلب الحق لا يبغى سواه ، والمتجدد الحى