النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ -
ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ، ولا تجرى عليه الآفات ، ولا تحل به
العاهات . وكل ما خطر بالبال ، وتصور بالوهم فغير مشبه له ، ولم يزل أولا
سابقاً ، متقدماً للمحدثات ، موجوداً قبل المخلوقات ، ولم يزل عالماً قادراً
حياً ، ولا يزال كذلك لاتراه العيون . ولا تدركه الأبصار . ولا تحيط به
الأوهام ، ولا يسمع بالأسماع . شىء ، لا كالأشياء ، عالم قادر حى ،
لاكالعلماء القادرين الأحياء ، وإنه القديم وحده ، ولا قديم غيره ، ولا إله
سواه . ولا شريك له فى ملكه ، ولا وزير له فى سلطانه ، ولا معين على
إنشاء ما أنشأ ، وخلق ما خلق ، لم يخلق الخلق على مثال سبق ، وليس خلق
شىء بأهون عليه من خلق شىء آخر ، ولا بأصعب عليه منه ، لا يجوز عليه
اجترار المنافع ، ولا تلحقه المضار ، ولا يناله السرور واللذات، ولا يصل
إليه الأذى والآلام ، وليس بذى غاية فيتناهى ، ولا يجوز عليه الفناء ،
ولا يلحقه العجز والنقص ، تقدس عن ملامسة النساء ، وعن اتخاذ الصحابة
والأبناء)) اهـ قوله .
وقد بنوا على هذا الأصل استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة
لاقتضاء ذلك الجسمية والجهة ، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات (١) ،
وإلا تعدد القدماء فى نظرهم ، وبنوا على ذلك أيضاً أن القرآن مخلوق لله
سبحانه ، لنفيهم عنه سبحانه صفة الكلام .
(ب) وأما العدل ، فقد بين معناه المسعودى فى مروج الذهب ، فقال :
هو أن الله لا يحب الفساد ، ولا يخلق أفعال العباد ، بل يفعلون ما أمروا
به ، ونهوا عنه ، بالقدرة التى جعلها الله لهم ، وركبها فيهم ، وإنه لم يأمر
إلا بما أراد ، ولم ينه إلا عماكره . وإنه ولى كل حسنة أمر بها (٢) ، برىء من
كل سيئة نهى عنها ، لم يكلفهم مالا يطيقون ، ولا أراد منهم مالا يقدرون عليه
وأن أحداً لا يقدر على قبض ولا بسط ، إلا بقدرة اللّه التى أعطاهم إياها،
(١) وليس هذا محل إجماع منهم .
(٢) احتجوا على ذلك بظاهر قوله تعالى: (( ما أصابك من حسنة فن اللّه، وما أصابك
من سيئة فن نفسك)).

- ١٢٢ -
وهو المالك لها دونهم ، يفنيها إذا شاء ولو شاء لجبر الخلق على طاعته ،
ومنعهم اضطرارياً عن معصيته ، ولكان على ذلك قادراً ، ولكنه لا يفعل ،
إذا كان فى ذلك رفع المحنة، وإزالة للبلوى.)) ١ هـ
وقد ردوا بهذا الأصل على الجبرية الذين قالوا : إن العبد فى فعله غير
مختار ، فعدوا ذلك ظلماً ، لأنه لا معنى لأمر الشخص بأمر يضطره الآمر
إلى مخالفته ، ولا لنهيه عن أمر يضطره الناهى إلى فعله ، وقد بنوا على
ذلك الأصل كما رأيت أن العبد خالق لأفعاله ، ولكنهم لاحظوا فى ذلك
تنزيه الله عن العجز فقالوا إن هذا بقدرة أودعه اللّه إياها وخلقها، فهو
المعا ، المانح ، وله القدرة التامة على سلب ما منح ، وإنما أعطى ليتم التكليف .
(جـ) وأما الوعد والوعيد فهو أن يجازى من أحسن بالإحسان ، ومن
أساء بالسوء ، لا يغفر لمرتكب الكبائر ما لم يتب .
(د) وأما القول بالمنزلة بين المنزلتين فقدبين وجهة نظر هم فيه الشهر ستانى
بقوله ((ووجه تقريره أنه قال ( أى واصل بن عطاء) إن الإيمان عبارة
عن خصال خير إذا اجتمعت سمى المرء مؤمناً، وهو اسم مدح ، والفاسق
لم يستجمع خصال الخير ، ولا استحق اسم المدح ، فلا يسمى مؤمناً ،
وليس هو بكافر مطلق أيضاً ، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة
فيه ، لا وجه لإنكارها ، ولكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير
توبة فهو من أهل النار خالداً فيها ، إذ ليس فى الآخرة إلا الفريقان : فريق
فى الجنة ! وفريق فى السعير ، ولكنه تخفف عنه النار وتكون دركته فوق
حركة الكفار)) (١) اهـ .
(١) والمعتزلة مع اعتقادهم أنه فى منزلة بين المنزلتين يرون أنه لا مانع من أن يطلق عليه
اسم المسلم تميزاً له عن الذميين لا مدحاً وتكريماً قال ابن أبى الحديد وهو من شيوخهم : إنا
وإن كنا نذهب إلى أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً ولا مسلماً ، فإنا نجيز أن يطلق عليه هذا
الفظ إذ قصد تمييزه عن أهل الذمة، وعابدى الأصنام ، فيطلق عليه مع قرينة حال أو لفظ
يخرجه عن أن يكون مقصوداً به التعظيم والثناء والمدح ((شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد)).

- ١٢٣ -
(هـ) وأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فقد قرروا وجوبهما
على المؤمنين نشراً لدعوة الإسلام ، وهداية للضالين ، وإرشاد للغاوين ،
وكل بما يستطيع ، فذو البيان ببيانه ، وذو السيف يسيفه .
٨٣ - طريقتهم فى الاستدلال على عقائدهم : کانوا یعتمدون فى بيان
عقائدهم على القضايا العقلية ، دون الآثار النقلية . وكانت ثقتهم بالعقل
لا يحدها إلا احترامهم لأوامر الشرع ، كل مسألة من مسائلهم يعرضونها
على العقل ، فما قبله أقروه ، ومالم يقبله رفضوه .
وقد سرى إليهم ذلك النحو من البحث العقلى: (١) من مقامهم فى العراق
وفارس، وقد كانت تتجاوب فيهما أصداء لمدنیات وحضارات قديمة (ب) ومن
سلائلهم غير العربية فقد كان أكثرهم من الموالى (جـ) ولتصديهم للرد على
المخالفين (د) ولسريان كثير من آراء الفلاسفة الأقدمين إليهم ،
ولاختلاطهم بكثير من اليهود والنصارى وغيرهم ، ممن كانوا حملة هذه
الأفكار ونقلتها إلى العربية .
وكان من آثار اعتمادهم على العقل أنهم كانوا يحكمون بحسن الأشياء
وقبحها عقلا ، وكانوا يقولون : المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر
العقل ، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع ، والحسن والقبيح صفتان
ذاتيتان للحسن والقبيح ، وقال الجبائى: (( كل معصية كان يجوز أن يأمر
الله سبحانه بها ، فهى قبيحة للنهى ، وكل معصية كان لا يجوز أن يبيحها الله
سبحانه فهى قبيحة لنفسها كالجهل به ، والاعتقاد بخلافه، وكذلك كل ماجاز
ألا يأمر الله سبحانه به فهو حسن للأمر به ، وكل مالم يجز إلا أن
يأمر به فهو حسن لنفسه )) .
وقد بنوا على هذه الفكرة وجوب الصلاح والأصلح لله، فقد قال
جمهورهم : إن الله لا يصدر عنه إلاما فيه صلاح، فالصلاح واجب له ، ولا
شىء مما يفعله جلت قدرته إلا وهو صالح ، ويستحيل عليه سبحانه أن
يفعل غير الصالح .

- ١٢٤ -
٨٤ - دفاعهم عن الإسلام : دخل فى الإسلام طوائف من المجوس ،
والصابئة ، واليهود ، والنصارى ، وغير هؤلاء وأولئك، ورءوسهم ممتلئة
بكل مافى هذه الأديان من تعاليم جرت فى نفوسهم مجرى الدم فى الجسم ،
وتغلغلت فيها ، واستقرت فى ثناياها ، ففهموا الإسلام على ضوئها ومنهم من
كان يظهر الإيمان خشية السلطان، ويبطن غيره، وأخذوا ينشرون بين المسلمين
مايفسد عليهم دينهم ، ويشككهم فى عقائدهم ، ويدسون بينهم أفكاراً وآراء
ما أنزل الله بها من سلطان، وقد ظهرت ثمار غرسهم ، واستغلظت سوق نبتهم
فوجدت فرق هادمة تحمل اسم الإسلام . وهى معاول هدامة، فكان المحسمة،
والمشبهة ، والزنادقة ، وغيرهم ، وقد تصدى للدفاع دون هؤلاء فرقة درست
المعقول ، وفهمت المنقول فكانت المعتزلة، تجردوا للدفاع عن الدين وما كانت
الأصول الخمسة التى تضافروا على تأييدها، وتآزروا على نصرها ، إلا وليدة
المناقشات الحادة التى كانت تقوم بينهم وبين مخالفيهم، والتوحيد الذى اعتقدوه
على الشكل الذى أسلفنا كان للرد على المشبهة والمجسمة ، والعدل كان للردعلى
الجهمية ، والوعد والوعيد ، كان للرد على المرجئة ، والمنزلة بين المنزلتين
ردوا به على الخوارج الذين كفروا مرتكب الذنب صغيراً أو كبيراً .
وفى عهد المهدى ظهر المقنع الخراسانى ، وكان يقول بتناسخ الأرواح،
واستغوى طائفة من الناس وسار إلى ماوراء النهر، فلاقى المهدى عناء فى التغلب
عليه ، ولذلك أغرى بالزنادقة ، فكان يتتبعهم ليقضى عليهم بسيف السلطان
ولكن السيف لايقضى على رأى، ولا يميت مذهباً، ولذا شجع المعتزلة وغيرهم
فى الرد عليهم ، وأخذهم بالحجة ، وكشف شبهاتهم وفضح ضلالاتهم ، فمضوا
فى ذلك غير وانين .
٨٥ - مناصرة الخلفاء للمعتزلة : ظهر المعتزلة فى العصر الأموى، فلم يجدوا
من الأمويين معارضة لهم ، لأنهم لم يثيروا شغباً، ولم يعلنوا حرباً ، بل كانوا
طائفة لاعمل لها إلا الفكر وقرع الحجة بالحجة ، والدليل بالدليل ، ووزن
الأمور بمقاييسها الصحيحة ، لا يتعرضون للسياسة إلا بقدر محدود، وحجتهم
فيما يرون بيان لاسنان ، وسلاحهم دليل قوى ، لاسيف مشهور .

- ١٢٥ -
ويحكى المسعودى فى مروج الذهب: (( أن يزيد بن الوليد كان يرى
رأى المعتزلة ويعتقد بصحة أصولهم الخمسة)) .
ولما جاءت الدولة العباسية ، وكان سيل الإلحاد والزندقة قدطم - وجد
خلفاؤها فى المعتزلة سيفاً مسلولا على الزنادقة فلم يفلوه ، وحرباً شعواء منهم
على الإلحاد فلم يخمدوها ، حتى جاء المأمون فشايعهم ، وقربهم ، ورأى
ما بينهم وبين الفقهاء من خلاف ، فكان يعقد المناظرات بين الفريقين ، لينتهوا
إلى رأى واحد ، ولكنه سقط سقطة ما كان لمثله أن يقع فيها ، وهو أنه أراد -
أو من حوله - أن يحمل الفقهاء والمحدثين على رأى المعتزلة فى القرآن بقوة
السلطان، وما كانت قوة الحكم لنصرة الآراء، وحمل الناس على غير مايعتقدون،
وإذا كان من المحرم الإكراه فى الدين فكيف يحل حمل الناس على عقيدة
ليس فى مخالفتها كفر، بل تنزيه، فقد حاول أن يحمل الفقهاء على القول بخلق القرآن،
فأجابه بعضهم إلى رغبته تقية ورهباً، لا إيماناً واعتقاداً، وتحمل آخرون العنت
والإهانة والسجن الطويل ، ولم يقولوا غير ما يعتقدون ، واستمرت تلك الفتنة
طول خلافة المعتصم والواثق ، لوصية المأمون بذلك، وزاد الواثق الإكراه على
نفى الرؤية وهو الرأى الذى يراه المعتزلة . ولما جاء المتوكل رفع هذه المحنة ،
وترك الأمور تأخذ سيرها، والآراء تجرى فى مجاريها ، وللناس فيها ما يختارون .
٨٦ - منزلة المعتزلة عند معاصربهم : شن الفقهاء والمحدثون الغارة على
المعتزلة ، فكان هؤلاء بين عدوين كلاهما أيدٍ قوى الزنادقة ومن على شاكلتهم
من ناحية ، والفقهاء والمحدثون من ناحية أخرى، وإنك لترى فى مجادلات
الفقهاء ومحاورتهم تشفيعاً على المعتزلة . كلما لاحت لهم بارقة ، وإذا سمعت
الشافعى وابن حنبل وغيرهم يذمون علم الكلام ، ومن يأخذ العلم على طريقة
المتكلمين فإنما المعتزلة أرادوا بذمهم ، وطريقتهم أرادوا بتزييفهم ، ولكن
ما السر فى كراهية الفقهاء لهم ، وكلا الفريقين يسعى لنصرة الدين، لا يألوا جهداً
فى تأييده . ولا يدخر وسعاً فى إقامته ؟ يظهر لى أن عدة أمور تضافرت ،
فأوجدت ذلك العداء ، وتعاونت فسبيت تلك البغضاء ، وهذا بعض منها :

- ١٢٦ -
( أ) خالف المعتزلة طريقة السلف الصالح فى فهم عقائد الدين الحنيف ،
كان القرآن هو الورد المورود الذى يلجأ إليه كل من يتعرف صفات اللّه ،
وما يجب الإيمان به من العقائد ، لا يصدرون عن غيره ، ولا يطمئنون لسواه،
كانوا يفهمون العقائد من آيات القرآن ، وهى بينات ، وما اشتبه عليهم حاولوا
فهمه بما توحيه أساليب اللغة ، وهم بها خبراء ، وإن تعذر عليهم فهم شىء
توقفوا غير مبتغين فتنة ، ولاراغبين فى زيغ ، ولاسالكين غير سبيل الحق القويم.
وقد كان ذلك ملائماً للعرب كافياً لهم ، لأنهم قوم أميون ليسوا أهل علوم
ولا منطق ولا فلسفة ، وقد خالف المعتزلة ذلك النهج ، وحكموا العقل فى
كل شىء وجعلوه أساس بحثهم ، وساقهم شره عقولهم إلى محاولة اكتناه
كل أمر فكان كل ذلك صدمة للفقهاء لم يألفوها ، فجردوا عليهم ألسنتهم .
وأشاعوا عنهم قالة السوء ، وما كان أكثر المعتزلة فى الحقيقة إلا كما قال
أحد العلماء الأوروبيين: ((إنا لم نسمع من المعتزلة صوت المخالفين للدين،
ولكن سمعنا صوت الضمير المتدين الذى يناضل عن كل ما يليق بالله تعالى
وعلاقته بعبده)» .
(ب) قام المعتزلة بمجادلة الز نادقة والثنوية وغيرهم ، وكل مجادلة نوع من
النزال والمحاربة، والمحارب مأخوذ بطرق محاربه فى القتال ، مقيد بأسلحته ،
متعرف لخططه . دارس لمراميه ، متقص لغاياته ، وكل ذلك من شأنه أن
يجعل الخصم متأثراً بخصمه ، آخذاً عنه بعض مناهجه، فالمعتزلة قد تأثروا إلى
حدما بآراء مخالفيهم وأفكارهم ، وما أحسن قول نيبرج فى ذلك : من نازل عدواً
عظما فى معركة فهو مربوط به ، مقيد بشرط القتال ، وتقلب أحواله ، ويلزمه
أن يلاحق عدوه فی حر کاته وسكناته ، وقيامه وقعوده . وربما تؤثر فيه روح
العدو وحيله ، كذلك فى معركة الأفكار ، وفى الجملة فللعدو تأثير فى تكوين
الأفكار ليس بأقل من تأثير الحليف فيه ، حتى إن بعض الحنابلة قد شكا أن
أصحابه انقطعوا إلى الرد على الملحدين انقطاعاً أداهم إلى الإلحاد ، فلا غرو
بعد ذلك إذا رأيت شذوذاً فى آراء بعض المعتزلة لتأثرهم بهذه المجادلة

- ١٢٧ -
(جـ) كانت طريقة المعتزلة فى معرفة العقائد عقلية خالصة ، لايعتمدون
على نص ، اللهم إلا إذا كان موضوع الكلام حكما شرعياً ، أو له صلة بحكم
شرعى فجل اعتمادهم على العقل كما أسلفنا ، وللعقل نزوات، لذلك وقع بعضهم
فى كثير من الهنات دفعتهم إليهم نزعتهم العقلية الخالصة ، كقول أبى الهذيل من
أتمتهم إن أهل الجنة غير مختارين ، لأنهم لو كانوا مختارين لكانوا مكلفين،
والآخرة دار جزاء لا دار تكليف ، وفى ذلك شطط عقلى ، لأن الاختيار
لا يستلزم التكليف ، وذكر الخياط أنه رجع عن هذا القول .
مثل هذا النوع من الشذوذ الفكرى كان يقع من بعضهم ، فيسير بين
الناس عنهم ، ومعه قالة السوء عامة ، من غير أن تخص المسىء، قال الله تعالى
واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة )) .
(د) خاصم المعنزلة كثيرين من رجال كانت لهم منزلة كبيرة فى الأمة ولم
ينزعوا كلامهم فى خصومتهم ، وانظروا إلى قول الجاحظ عن رجال الحديث
والفقه: ((وأصحاب الحديث والعوام هم الذين يقلدون ولايحصلون، ولا يتخیرون،
والتقليد مرغوب عنه فى حجة العقل ، منهى عنه فى القرآن .. )» إلى أن قال :
(( وأما قولهم النساك والعبادمنا، فعباد الخوارجوحدهم أكثر عدداً من عبادهم
على قلة عدد الخوارج فى جنب عددهم ، على أنهم أصحاب نية ، وأطيب
طعمة ، وأبعد من التكسب، وأصدق ورعاً ، وأقل زياً ، وأدوم طريقة ،
وأبذل للمهجة ، وأقل جمعاً ومنعاً ، وأظهر زهداً وجهداً)) فكان الطعن
فى مذاب هؤلاء بمر القول سبباً فى نفور الأمة من المعتزلة .
(هـ) كان من خلفاء بنى العباس من شايع المعتزلة وناصرهم، واعتنق
مذاهبهم ، وتعصب لها ، فأراد أن يحمل الناس على اعتناقها ، فآذى الفقهاء
والمحدثين ، وابتلاهم وأنزل بهم المحنة ، فصبروا وصابروا ، واستدرت
محنتهم عطف الناس عليهم وسخطهم على من كان سبب البلية ، ومن استحلهذه
القضية ، فرجعت تلك الآلام وبالا على المعتزلة فى سمعتهم ، لأنهم أصل
البلاء وخلطاء الخلفاء والأمراء ، صدوراً عن رأيهم ونفذوا بتدبيرهم ،

- ١٢٨ -
ومنهم من دافع عن هذا الإرهاق وذلك الاضطهاد . انظر إلى قول الجاحظ
فى تبرير عمل الخلفاء فى امتحانهم الفقهاء والمحدثين : وبعد فنحن لم نكفر
إلا من أوسعناه حجة ، ولم نمتحن إلا أهل التهمة ، وليس كشف المتهم من
التجسس ، ولا امتحان الظنين من تك الأستار ، ولو کان کل کشفهتکا،
وكل امتحان تجسساً لكان القاضى أمتك الناس لستر، وأشد الناس تتبعاًلعورة )).
إن انهزام الآراء التى تناصرها القوة المادية أمر محتوم ، لأن القوة المادية
رعناء هوجاء من شأنها الشطط ، والخروج على الجادة ، وكل رأى يعتمد
على هذه القوة فى تأييده تنعكس عليه الأمور ، لأن الناس يتظننون فى قوة
دلائله ، إذ لو كان قوياً بالبرهان ، ما احتاج فى النصرة إلى السلطان .
( و) كان كثيرون من ذوى الإلحاد بحدون فى المعتزلة عشاً يفرخون فيه
بمفاسدهم وآرائهم ، ويلقون فيه دسهم على الإسلام والمسلمين ، حتى إذا تبدت
أغراضهم أقصاهم المعتزلة عنهم ، فابن الراوندى كان يعد منهم ، وأبو عيسى
الوراق ، وأحمد بن حائط ، وفضل الحدثى ، كانوا ينتمون إليهم ، وكل
هؤلاء اہموا بأنهم أحدثوا الأحداث فى الإسلام ، وأتوا بالمنكرات ،و کانمهم
من استؤجر من اليهود لإفساد عقيدة المسلمين ، وانتماؤهم للمعتزلة أول أمرهم،
وإن فصلوا عنهم عند ظهور شنائعهم يجعل رشاشاً مما لطخوا به ينال سمعة المعتزلة
وإن أقسموا جهد أيمانهم أنهم منهم براء ، فإن الاتهام أسبق إلى الأذهان من البراءة .
٨٧ - اتهام الفقهاء والمحدثين لهم : اشتدت حملة أولئك على المعتزلة
فاتهموهم فى كل شىء حتى أن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى أفتى بأن من صلى
خلف المعتزلى يعيد صلاته ، والإمام أبو يوسف عدهم من الزنادقة ،
والإمام مالك لم يقبل الشهادة من أحدهم . وسرت مقالة السوء إلى ما ينتمى
إليهم ، حتى اتهموهم بالفسق وانتهاك المحرمات . وفى الحق إن كل خصومة
تؤدى إلى الملاحاة لابد أن تؤدى إلى المهاترة ، ورمى الخصم خصمه بالحق
والباطل ، فكثير من التهم التى وجهت إلى المعتزلة لم تصدر عن إنصاف.

- ١٢٩ -
بل كان التحيز رائد المتهمين ، والتعصب باعثهم ، وكل تعصب يسد مسامع
الإدراك فى ناحية من النواحى ، فالمعتزلة فيهم خير كثير ، ( ولو انتمى
إليهم بعض المتهمين فى دينهم المأخوذين بإئمهم ) إذ أن لهم سابقة الفضل
بالدفاع عن الإسلام ، فقد تفرق أتباع واصل فى الأقطار الإسلامية رادين
على أهل الأهواء ، وكان عمرو بن عبيد حرباً على الزنادقة مشبوبة ،
لا يحمد أوارها ، وكان صديقاً لبشار بن برد ، فلما علم منه الزندقة سعى
فى نفيه من بغداد فنفى منها ، ولم يعد إلا بعد موت عمرو .
وكان منهم العباد الزهاد ، فعمرو بن عبيد هذا (١) يقول فيه الجاحظ
( متعصباً ) : إن عبادته تفى بعبادة عامة الفقهاء والمحدثين .
وقال الواثق لأحمد بن أبى دؤاد وزيره لم لم تول أصحابى ( المعتزلة )
القضاء كما تولى غيرهم ، فقال يا أمير المؤمنين إن أصحابك يمتنعون عن ذلك،
وهذا جعفر بن مبشر وجهت إليه بعشرة آلاف درهم ، فأبى أن يقبلها ،
فذهبت إليه بنفسی ، و استأذنت فأبى أن يأذن لى ، فدخلت من غیر إذن، فسل
سيفه فى وجهى ، وقال الآن حل لى قتلك، فانصرفت عنه، فكيف أولى القضاء مثله.
ومن الغريب أن جعفراً هذا حمل إليه بعض أصحابه درهمين فقبلهما ،
فقيل له : كيف ترد عشرة آلاف درهم وتقبل درهمين ؟ فقال أرباب
العشرة أحق بها منى ، وأنا أحق بهذين الدرهمين ، لحاجتى إليهما ،
وقد ساقهما الله إلى من غير مسألة ، وأغنانى بهما عن الشبهة والحرام .
فهذه نفس قوية تسدكل باب للشبهات اشتبه فى مال السلطان ، لظنه أنه
جمع من غير الطرق المحللة ، فرفض العطاء ، وقبل الدرهمين حلالا طيباً .
(١) كان المنصور يبالغ فى تعظيم عمرو بن عبيد وقيل إنه رثاه بقوله :
صلى الإله عليك من متوسد
قبراً مررت به على مران
قبراً تضمن مؤمناً متخشعاً
عبد الإله ودان بالقرآن
فصل الحديث بحجة وبيان
وإذا الرجال تنازعوا فى شبهة
أبقى لنا عمراً أبا عثمان
. ولو أن هذا الدهر أبقى صالحاً
( م ٩ - الشافعى)

- ١٣٠ -
من هذا السياق ترى أن المعتزلة كان منهم الزهاد ومنهم المقتصدون،
وقليل منهم ساء ما يفعلون ؟ ،
مناظرات المعتزلة وعلم الكلام
٨٧ - تكون علم الكلام من مجموع مناظرات المعتزلة مع خصومهم ،
سواء أكانوا من الرافضة والمجوس والثنوية ، وسائر أهل الأهواء أم من
رجال الفقه والحديث وغيرهم ، فهم مركز الدائرة ، وقطب الرحى ،
شغلوا الأمة الإسلامية بمجادلاتهم ومناظراتهم نحو ثلاثة قرون ، ازدحمت
فيها بهم مجالس الأمراء والوزراء والعلماء وتضاربت فيها الآراء ، وتناحرت
المذاهب وتجاوبت فيها أصداء الفكر الإسلامى، وقد زين بزينة فارسية أو يونانية
أو هندية ، وقد امتازوا فى جدلهم بميزات واختصوا بخصائص جعلت لهم
لوناً خاصاً ونحلة خاصة ، لاتختلف فى جملتها عما دعا إليه الدين ، وإن
تباينت طرق استنباطها ، وتخالفت مقدماتهم الاستنباطية عن مقدمات غيرهم
من جماهير الأمة الإسلامية ، وأوضح ميزاتهم فى الجدل ما يأتى :
١ - مجانبتهم التقليد، ومجافاتهم الاتباع لغيرهم من غير بحث وتنقيب
ووزن للأدلة ومقايسة للأمور ، الاحترام عندهم للآراء لا للأسماء ،
وللحقيقة لا للقائل ، ولذلك لم يقلد بعضهم بعضاً ، وقاعدتهم التى يسبرون
عليها كل مكلف مطالب بما يؤديه إليه اجتهاده فى أصول الدين ، ولعل
ذلك هو السبب فى افتراقهم إلى فرق كثيرة .
منهم الواصلية (١) والهذيلية (٢) والنظامية (٣) والحائطية (٤) والبشرية (٥)
والمعمرية(٦) والمزدارية (٧) والثمامية (٨) والهشامية (٩) والجاحظية (١٠)
والخياطية (١١) والجبائية (١٧).
(١) أصحاب واصل بن عطاء
(٣) أصحاب النظام.
(٢) أصحاب أبى الهذيل العلاف
(٤) أصحاب أحمد بن حائط
(٥) أصحاب بشر بن المعتمر
(٦) أصحاب معمر بن عباد
السلمی
(٧) أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبى موسى الملقب بالمزدار
(٨) أصحاب
ثمامة بن أشرس النميرى
(٩) أصحاب هشام بن عمر الفوطى
(١٢) أصحاب الجبائى.
(١١) أصحاب أبي الحسين الخياط
(١٠) أصحاب الجاحظ

- ١٣١ -
٢ - اعتمادهم على العقل فى إثبات العقائد، وقد اتخذوا من القرآن مدداً
حتى لايذهب بهم الشطط إلى الخروج عن جادته ، ولم تكن معرفتهم بالحديث
كبيرة لأنهم ما كانوا يأخذون به فى العقائد ، ولا يحتجون به .
٣ - أخذهم من مناهل العلوم التى ترجمت فى عصرهم، فقدضربوابسهم
فى تلك العلوم ، ونالوا منها ما يساعدهم فى اللحن بالحجة ومقارعة الخصوم
ومصارعة الأقوام فى ميدان الكلام ، وقد انضم إليهم كل مسلم مثقف بالثقافة
الأجنبية التى غذت العقل العربى فى ذلك العصر، فقد رأى مايلائمه فى آراء
المعتزلة التى كانت جامعة بين الروح الدينية التى تظلها ، وفكرة التنزيه التى
تسيطر عليها ، والأفكار الفلسفية التى ترضى التهمة العقلية ، لذلك كان بين
رجالها كثيرون من الكتاب الممتازين ، ومن العلماء المبرزين ، والفلاسفة
الفاهمين جمع عظيم .
٤ - اللسن والفصاحة والبيان : فقد كان بين رجالها خطباء مصاقع ،
مجادلون قد مرسوا بالجدل ، فعرفوا أفانينه ، وخبروا طرقه وعرفوا كيف
يصرعون الخصوم ، ويلوون عليهم المقاصد ، وهذا واصل بن عطاء كبير هم
خطيب عليم بخواطر النفوس حاضر البديهة ، قوى الارتجال ، وهذا النظام
من شيوخهم كان ذكياً بليغاً حاد اللسان ، أديباً شاعراً ، وهذا أبوعثمان عمرو
الجاحظ الذى يقول فيه أحد الصابئة ثابت بن قرة : أبو عثمان الجاحظ
خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين ومدره المتقدمين والمتأخرين ، إن تكلم
حكى سحبان فى البلاغة وإن ناظر ضارع النظام فى الجدل ، شيخ الأدب ،
ولسان العرب ، كتبه رياض زاهرة ، ورسائله أفنان مثمرة ما نازعه منازع
إلا رشاه آنفاً ولاتعرض له متعرض إلا قدم له التواضع استبقاء.
٨٨ - خصوم المعتزلة : جادل المعتزلة: ١- الروافض والثنوية والجهمية،
وسائر أهل البدع .
٢ - والفقهاء والمحدثين وسنتكلم الآن عن جدهم مع
الكفار والزنادقة والجهمية ومن إليهم ، ثم الفقهاء والمحدثين .

- ١٣٢ -
٩٨ - مجادلتهم للكفار وأهل الأهواء : فى آخر العصر الأموى وصدر
الدولة العباسية كثر الزنادقة وغيرهم من أهل الأهواء وكانوا تارة يكشفون
القناع، وأحياناً ينفثون تعاليمهم مستترين بلباس الإسلام متسربلين بسرباله
ليدسوا السم من غير أن يشعر بهم أحد ، فلايحترس منهم المتدينون ، فكانوا
أشد عداوة على الإسلام من غيرهم وأعظم نكاية له ، وأهدى إلى مقاتله لا غترار
بعض الناس بهم ، فتصدى لهم المعتزلة ، وصارعوهم فى كل ميدان ظنوا أنهم
يحاربون الإسلام فيه ، فقد فرق واصل أصحابه فى الأمصار لمحاربة الزنادقة
فيها ، ودافع بنفسه. ومن مؤلفاته كتاب (ألف مسألة) للرد على المانوية ، وكذلك
فعل خلفاؤه من بعده و كان جدهم بقوة ونهوض دليل وفصاحة وبيان ،
وقدرة على الإقناع اكتسبوها من علومهم وممارستهم الجدال، حتى إن كثيرين
من خصومهم كانوا يغمدون السلاح ويلقون إليهم السلم عند لقائهم وكثير
منهم كان يسلم بعد نقاشهم ، وهذا أبو الهذيل العلاف أسلم على يديه أكثر من
ثلاثة آلاف رجل من المجوس والثنوية ، لحذقه وبراعته فى المناظرة ، وقوة
ما يدعو إليه ، وضعفما یلوون ألسنتهم به .
ولكى نعطيك صورة ما كان يجادل به المعتزلة ومقدار قوة استدلالهم
ننقل لك بعضاً ما روى من هذه المناقشات : جاء فى الانتصار أن المانوية
تزعم أن الصدق والكذب متضادان ، وأن الصدق خير ، وهو النور ،
والكذب شر، وهو الظلمة . قال لهم (إبراهيم النظام) حدثونا عن إنسان
قال قولاكذب فيه ، من الكاذب؟ قالوا الظلمة . قال فإن ندم بعد ذلك على
ما فعل من الكذب ، وقال قد كذبت وأسأت ، من القائل قد ((كذبت ))
فاختلطوا عند ذلك ولم يدروا ما يقولون ، فقال (إبراهيم النظام): إن زعمتم
أن النور هو القائل قد كذبت وأسأت فقد كذب ، لأنه لم يكن الكذب منه ،
ولا قاله والكذب شر، فقد كان من النور شر، وهذا هدم قولكم، وإن قلتم
إن الظلمة قالت : قد كذبت وأسأت فقد صدقت ، والصدق خير. فقد كان
من الظلمة صدق وكذب ، وهما عندكم مختلفان خيراً وشراً على حكمكم)).

- ١٣٣ -
انظر إلى ذلك التتبع ، وأخذ الطرق على المناقش حتى يفحمه ، وكذلك
كانت مناقشة المعتزلة للكفار وغيرهم ممن على شاكلتهم ، ومع هذا يجب أن
نقرر أنه مع هذه المناقشة الحادة التى كانت تقوم بينهم وبين المعتزلة ، كان
هؤلاء يحسنون فى معاملتهم ، وتلك أخلاق العلماء تتسع صدورهم لمودة
مخالفيهم فى الدين ، حتى يهديهم اللّه سواء السبيل.
٩٠ - مجادلتهم مع الفقهاء والمحدثين : من المقرر فى كتب علم النفس
أن المختلفين إن تقاربا فى العقيدة كان الجدال أشد، والملاحاة أحد (١)، وذلك
ما كان ، فإن موضع الخلاف بين المعتزلة والفقهاء هين متدارك ، لا يكفر
به مخالف ، ولا يخرج به عن نهج الذين مجادل ، ولكن الجدال بينهما كان
عنيفاً ، والمهاترة قد راجت سوقها ، ولعل السبب فوق ما سبق أن الاختلاف
كان اختلاف عقلية ومنطق ، وطرائق تفكيرهم فى فهم هذا الدين القويم ،
فالفقهاء والمحدثون يتعرفون دينهم من القرآن والسنة ، وعملهم العقلى فهم
نصوص الكتاب الكريم ، وتعرف الصحيح من المأثور عن الرسول الأمين،
ويعدون طلب الدين من غير هذا الطريق شططاً وتحيفاً وعوجاً ، والمعتزلة
يرون أن إثبات العقائد بالأقيسة العقلية جائز إن لم يكن واجباً ، ما دامت
لم تخالف نصاً فى الدين بل تؤيده ، وهم لذلك يستخدمون المنطق والبحوث
الفلسفية ، فى إثبات عقائد الإسلام بها ، وأولئك الفقهاء جافونها ويرون
الوقوف عند النص ، حتى لا تزل الأقدام فى مزالق الضلال ، ومخاطر
الأوهام ، والعقل يخدع ويغتر فيضل .
وليس معنى هذا الكلام أنه لم یکن هناك خلاف ، بل كان بينهما خلاف
فى جزئيات كثيرة ، ولكنه لا يصيب لب العقيدة ، ولذلك هم لا يكفرون
الفقهاء والمحدثين ، وهؤلاء لا يكفرونهم ، بل يعدونهم مبتدعة .
وجدالهم كان صورة لاختلاف هاتين العقليتين، واقرأ مجادلتهم فى مسألة
(١) ذكر هذه القضية وأثبتها جوستاف لوبون، فى كتابه ((الآراء والمعتقدات)).

- ١٣٤ -
خلق القرآن . نجد المعتزلى منطلقاً وراء الأقيسة العقلية من غير أى قيد يقيد
به نفسه إلا التنزيه ، والفقيه أو المحدث متوقف متحفظ ، غير متهجم على ما لم
ينص عليه فى كتاب ولا سنة ، وقد علمت أن الجمهور كان وراء الفقهاء
والمحدثين على ما أسلفنا .
٩١ - المأثور من مجادلات المعتزلة : كان العصر العباسى عصر
المناظرات حقاً ، وكانت هى ميدان البيان ومظهر الفصاحة واللسن ، وقد
كان المعتزلة فرسان الحلبة فى المناظرات فى العقائد.
وقد كثرت مجالس مناظراتهم ، فقد تناظروا بين أيدى الأمراء ، وفى
المساجد وفى كل مكان يصلح للجدل والمناظرة ، ولكن المأثور من
المناظرات قليل بالنسبة لما كان ، ولعل اضطهاد المعتزلة فى عصر المتوكل،
وما والاه ، وكراهية الجماهير الإسلامية لهم ، كان سبباً فى ضياع كثير من
آثارهم . واندثار أكثر مناظراتهم ، وما بقى على قلته يعطينا صورة من قوة
جدلهم ؛ ويبين لنا أنهم قوم خصمون .

القبي الثاني
آراؤه وفقهه

- ١٣٦ -
آراء الشافعى
٩٢ - لانريد أن نذكر فى هذا المقام آراء الشافعى فى التفسير ، ولا فى
اللغة ، بل المقصد الأول لنا هودراسة آراء الشافعى الفقهية، فلا يهمنا إلا دراسة
آرائه فى الفقه ومذهبه فيه وفى أصوله ، وإن كان له رأى فى علوم أخرى
تبلغ به مرتبة الحجة فيها ، ولكن قد كثر كلام الذين ترجموا للشافعى فى
مذهبه فى الإمامة ، ثم تكلموا فى رأيه فى علم الكلام واتجاهه إلى دراسة
العقائد ، ولما كان ذلك له بعض الصلة بالدراسة الفقهية، فلنشر إلیهبكلمة،
ثم نتجه وشيكاً إلى فقهه .
رأيه علم الكلام والإمامة
٩٣ - بغض إلى الشافعى علم الكلام، كما بغض إلى الفقهاء والمحدثين
فى عصره، والشافعى كان فقيهاً محدثاً، وإنما بغض إليهم ذلك العلم، لأن الذين
شادوا بنيانه وأقاموا دعائمه هم المعتزلة ، وطريقتهم كانت تخالف طريقة
السلف الصالح فى فهم العقائد من الدين الكريم ، والشافعى ككل فقيه محدث
كان يؤثر الاتباع على الابتداع ولو فى الاستدلال مادام الأمر يتصل بالعقيدة،
ولأن المعتزلة اتجهوا بدراسة العقيدة اتجاهاً فلسفياً ، وذلك لا يتفق مع
نزعة الشافعى ، ككل فقيه محدث ، ثم المعتزلة أثاروا مسائل معقدةشائكة
لا يسهل على العقل البشرى الجزم فى قضيتها .
لذلك أثر عن الشافعى النهى عن الاشتغال بعلم الكلام فقد كان يقول:
حكمى فى أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ، ويحملوا على الإبل منكسين ،
ويطاف بهم فى العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة ،
وأخذ فى الكلام . وكان يقول : إياكم والنظر فى الكلام ، فإن الرجل لوسئل
عن مسألة فى الفقه وأخطأ فيها كان أكثر شىء أن يضحك منه ، كما لوسئل
عن رجل قتل رجلا، فقال ديته بيضة، ولوسئل عن مسألة فى الكلام فأخطأ نسب

- ١٣٧ -
إلى البدعة )) وكان يقول : ، رأيت أهل الكلام يكفر بعضهم بعضاً ،
ورأيت أهل الحديث يخطىء بعضم بعضاً ، والتخطئة أهون من الكفر .
وبلغ بغض الشافعى لطريقة علماء الكلام ألا يعدهم علماء ، فقد روى
الربيع عنه أنه قال: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم، وفيها كتب الكلام لم
تدخل كتب الكلام فى تلك الوصية (١) .
وقد علل الرازى نهى الشافعى عن علم الكلام وبغضه بما قلنا أولا ، وبأن
المعتزلة قد حرضوا الخلفاء على أذى العلماء وقد كانوا هم القوامين على هذا
العلم. فقد قال الفخر الرازى: إن الفتن العظيمة وقعت فى ذلك الزمان بسبب
خوض الناس فى مسألة القرآن ، وأهل البدع استعانوا بالسلطان ، وقهروا
أهل الحق ، ولم يلتفتوا إلى دلائل المحققين ، وتلك الحكايات والواقعات
مشهورة ، فلما عرف الشافعى أن البحث عن هذا العلم فى ذلك الزمان ليس
لطلب الحق ، وليس للّه، وفى اللّه ، بل لأجل الدنيا، والسلطنة ، فلاجرم
إن تركه وأعرض عنه ، وحرم من اشتغل به .
ولكن هل كان الشافعى مع نهيه عن علم الكلام على جهل به، يقول الفخر
الرازى إنه كان يعلمه ، وقد ذكر أخباراً منقولة تدل على أنه ما كان يجهله،
فقد روى عن المزنى أنه قال : كنا على باب الشافعى رحمه الله نتناظر فى
الكلام فخرج الشافعى إلينا ، فسمع بعض ما كنا فيه ، فرجع عنا ، ثم خرج
إلينا وقال، ما منعنى عن الخروج إليكم إلا أننى سمعتكم تتناظرون فى الكلام
أتظنون إنى لا أحسنه ، لقد دخلت فيه ، حتى بلغت مبلغاً عظيما ، إلا أن
الكلام لا غاية له ، تناظروا فى شىء إن أخطأتم فيه يقال أخطأتم ، ولا يقال
كفرتم . ولا شك أن هذا الخبر يدل على أن الشافعى كان على إلمام بهذا العلم
وبالمسائل التى يخوض العلماء فيها ، ولكنه بغض إليه السير فيه لأن المؤمن
لا يصل منه إلى طائل، وأن مسائله شائكة : المخطىء يكفر ولا يخطأ كما أشار
(١) راجع هذا النقل، والنقول السابقة فى كتاب مناقب الشافعى الرازى.

- ١٣٨ -
هو ، ومعقول أن يكون الشافعى على إلمام بذلك العلم ، لأن الشافعى الذى كان
يجد فى طلب المعرفة أنى كانت ، والذى اشتهر بالرحلة فى طلب العلم ومناقشة
أهل الفرق والمذاهب لابد أن يكون قد اطلع على أبواب ذلك العلم ، وإن
الشافعى قد نهى عنه ، وليس الشافعى العاقل هو الذى ينهى عن أمر لا يعرف
موضوعه ، ولا يتصوره ، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، وكيف
يتصور أن ينهى الشافعى عن علم لا يتصوره ولا يعرفه .
٩٤ - ومع أن الشافعى كان يبغض الناس فى علم الكلام ليبعدوا عنه
ولا يخوضوا فيه ، كان له كلام فى كثير من أبوابه ، لأن أبوابه تتعلق بالعقيدة،
ومستحيل أن يكون مثل الشافعى ليس له كلام فى العقيدة ، وآراؤه فى كثير
منها تتفق مع آراء الجماعة الإسلامية التى لم تشذ ، ولم تقتبس من آرائه الفلاسفة
وغيرهم ، ولقد كان يسأل أحياناً من مناظريه عن أدلة التوحيد ، وعن أدلة
النبوة ، ومن ذلك أن بشراً المريسى سأله ما الدليل على أن محمداًرسول اللّه،
فقال رضى الله عنه: الدليل عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: ((القرآن
المنزل وإجماع الناس (١) والآيات التى لا تليق بأحد غيره)).
وقد قبسوا من بعض فتاويه رأيه فى الصفات وكونها ليست شيئاً مغايراً
للذات ، فقد روى أنه قال من حلف بعلم الله أو بحق الله، إن أراد بعلم الله
معلومه ، وبقدرة الله مقدوره ، وبحق اللهما وجب على العباد ، فهذا لا يوجب
الكفارة ، لأن هذا حلف بغير الله، وإن أراد به الحلف بصفات اللّه فهذا
يوجب، ويقول الفخر الرازى فى التعليق على هذه الفتيا : وهذا يدل على
أن صفات الله ليست أغياراً لذاته ، لأنه زعم أن الحلف بغير الله لا يوجب
الكفارة، وزعم أن الحلف باللّه يوجب الكفارة: کانهذا دليلا على أنه يعتقد
أن صفات الله عز وجل ليست أغياراً لذاته (٢).
(١) يفسر الرازى إجماع الناس بتواتر القرآن من لدن محمد إلى عصر الشافعى .
(٢) هذا الرأى أخذ به أكثر المعتزلة ونرى الرازى يميل إليه.

- ١٣٩ -
ولقد كان يقول كما يقول الفقهاء المحدثون إن القرآن كلام الله غير
مخلوق، ويقول إن الله سبحانه وتعالى يقول فى كتابه العزيز: ((وكلم اللّه
موسى تكليما)) .
وكان يعتقد رؤية الله يوم القيامة ، ويستدل عليها من القرآن بقوله تعالى
((كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون )) ويقول : لما حجب عن الكفار فى
السخط دل على أن الأولياء يرونه فى الرضا ، وهذا التفسير سير على مذهبه
فى الدلالات ، وهو الأخذ بمفهوم المخالفة .
ويؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره ، ويستنبط الرازى من خطبه
الرسالة التى وضعها فى الأصول أنه يرى أن اللّه يخلق أفعال الإنسان بمشيئته ،
وكسب الإنسان . ولقد حكى الربيع عن الشافعى أنه كان يقول : الناس لم
يخلقوا أعمالهم ، بل هى من خلق الله عز وجل .
ولقد كان الشافعى رضى الله عنه رأى فى حقيقة الإيمان أثر عنه، فقدكان
يقول الإيمان تصديق وعمل ، وكان يحتج لذلك ، ويدعو إليه ، وإذا كان
الإيمان تصديقاً وعملا فهو يزيد وينقص بزيادة العمل ونقصه .
وقد احتج الشافعى لهذا الرأى بأدلة منها أن الله سبحانه وتعالى لما صرف القبلة
عن بيت المقدس قال قوم أرأيت صلاتنا التى كنا نصليها إلى بيت المقدس ماحالها،
فأنزل الله تعالى ((وما كان الله ليضيع إيمانكم)) فسمى الصلاة إيماناً، واحتج
لزيادة الإيمان ونقصه أيضاً بقوله تعالى ((وإذا أنزلت سورة ، فمنهم من
يقول أيكم زادته هذه إيماناً)) وقوله تعالى فى سورة الكهف: (( إنهم فتية
آمنوا بربهم وزدناهم هدى)).
... وهكذا نرى الشافعى يعلن عقيدته ، ومايراه فى بعض المسائل التى
خاض فيها علماء الكلام من غير أن ينغمس فيه انغماساً ، ويخوض فى فلسفته
التى أضلت أفهاماً ، وتحيرت بها عقول ، فقد كان انصرافه إلى الفقه والحديث
ويستريض باللغة والشعر .

- ١٤٠ -
الإمامة
٩٥ - والآن ننتقل إلى مسألة يخوض فيها علماء الكلام ، وتمس
بعض النواحى الفقهية وهى الإمامة ، ويعتقد الشافعى أن الإمامة لابد منها
ويعمل تحت ظلها المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويقاتل بها العدو ، وتؤمن
بها السبل، ويؤخذ بها للضعيف من القوى ، حتى يستريح بر ، ويستراح
من فاجر ، كما قال على بن أبى طالب رضى الله عنه .
ولقد كان يرى أن الإمامة فى قريش كما يرى جمهور المسلمين، وإن
الإمامة قد تجئ من غير بيعة ، إن كانت ثمة ضرورة ، حتى لقد أثر عنه أنه
قال فيما يروى حرملة تلميذه : كل قرشى علا الخلافة بالسيف ، واجتمع
عليه الناس فهو خليفة، فالعبرة عنده فى الخلافةَ فى أمرين : كون المتصدى لها
قرشياً ، واجتماع الناس عليه ، سواء أكان الاجتماع سابقاً على إقامته خليفة
كما فى حال الانتخاب والبيعة ، أم لاحقاً لتنصيبه خليفة ، كحال المتغلب
الذى ذكره رضى الله عنه .
ويظهر أنه لم يشترط سوى القرشية ، فلم يشترط الهاشمية ، أو لم ير أن
إمامة غير الهاشميين باطلة مطلقاً ، كما يرى الإمامية ، بدليل أنه روى عنهأن
الخلفاء الراشدين خمسة : الأربعة السابقون . وعمر بن العزيز رضى الله
عنهم جميعاً ، ولو أنه كان يشترط الهاشمية لصحة الإمامة ما اعتبر عمر بن عبدالعزيز
خليفة ، لأنه أموى ، وليس بها شمى وما ولى هاشمى سوى على .
هذا هو الذى اشتهر عن الشافعى رضى الله عنه فى آرائه فى الخلافة ،
وقد اشتهر عنه أيضاً أنه كان يرى أن أبا بكر أولى بالخلافة من على رضى الله
عنهما يحديثين (أحدهما) ماروى بسنده من أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ،
فسألته عن شىء ، فأمرها أن ترجع ، فقالت يارسول الله إن رجعت فلم
أجدك كأنها تعنى الموت ، فقال صلى الله عليه وسلم فأتى أبابكر ، وهذه إشارةمنه
صلى الله عليه وسلم إلى أن أبا بكر هو القائم بعده ( ثانيهما) مارواه الشافعى