النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ - التى إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن ، وقد أصبت بالذى كتبت به بعد ذلك ، إن شاء الله تعالى ، ووقع منى بالموقع الذى تحب ، وما أجد أحداً ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه منى ، والحمد لله رب العالمين ، ولا شريك له . وأما ما ذكرت من قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهرانى أصحابه ، وما علمهم اللّه منه ، وإن الناس صاروا به تبعاً لهم فيه ، فكما ذكرت ، وأما ما ذكرت من قول الله تعالى: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ، رضى الله عنهم . ورضوا عنه. وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم)) فإن كثيراً من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد فى سبيل اللّه ابتغاء مرضاة الله، فجندوا الأجناد ، واجتمع إليهم الناس ، فأظهروا بين ظهرانينهم كتاب اللّه وسنة نبيه . ولم يكتموهم شيئاً علموه ، وكان فى كل جند منهم طائفة يعلمون كتاب الله وسنة نبيه، ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة ، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم ، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم ، بل كانوا يكتبون فى الأمر اليسير لإقامة الدين ، والحذر من الاختلاف - بكتاب الله وسنة نبيه . فلم يتركوا أمراً فسره القرآن . أو عمل به النبى صلى الله عليه وسلم أو ائتمروا فيه بعده ، وإلا علموه وفهموه ، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصر، والشام ، والعراق على عهد أبى بكر وعمر وعثمان ، ولم يزالوا عليه حتى قبضوا ، لم يأمروهم بغيره فلا نراه يجوز لأجنادهم المسلمين أو يحدثوا اليوم أمراً لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم مع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا بعد فى الفتيا فى أشياء كثيرة ، ولولا أنى قد عرفت أن قد علمتها ، كتبت بها إليك ، ثم اختلف التابعون فى أشياء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - سعيد بن المسيب . - ٦٢ - ونظراؤه أشد الاختلاف ، ثم اختلف الذين كانوا من بعدهم ، فحضرتهم بالمدينة وغيرها ، وعلى رأسهم يومئذ ابن شهاب، وربيعة بن أبى عبد الرحمن، وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت ، وسمعت قولك فيه ، وقول ذوى الرأى من أهل المدينة ، يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر وكثير بن فرقد وغير كثير ممن هو أسن منه ، حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه ، وذاكرتك أنت وعبد العزيز ابن عبد الله بعض ما نعيت به على ربيعة من ذلك فكنتما من الموافقين فيما أنكرت ، تكرهان منه ما أكرهه ، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير ، وعقل أصيل ولسان بليغ ، وفضل مستبين ، وطريقة حسنة فى الإسلام ، ومودة صادقة لإخوانه عامة ولنا خاصة ، رحمه الله وغفر له ، وجزاه بأحسن من عمله، وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا ، فربما كتب له فى الشىء الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاثة أنواع ، ينقض بعضها بعضاً . ولا يشعر بالذى مضى من رأيه فى ذلك ، فهذا الذى يدعونى إلى ترك ما أنكرت تركى إياه . وقد عرفت أيضاً عيب إنكارى إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر ، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله، لم يجمع منهم إمام قط فى ليلة مطر ، وفيهم أبو عبيدة بن الجراح ، وخالد بن الوليد ، ويزيد ابن أبى سفيان ، وعمرو بن العاص ، ومعاذ بن جبل ، وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أعلمكم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل))، ويقال: ((يأتى معاذ يوم القيامة بين يدى العلماء برتوة (١))) وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن أبى رباح ، وكان أبو ذر بمصر ، والزبير بن العوام ، وسعيد بن أبى وقاص ، وبحمص سبعون من أهل بدر ، وبالعراق ابن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وعمران بن حصين . ونزلها أمير المؤمنين على كرم الله وجهه سنين . وكان معه من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط . ومن ذلك القضاء بشهادة الواحد ويمين صاحب الحق ، وقد عرفت أنه (١) رتوة معناة خطوة . - ٦٣ - لم يزل يقضى بالمدينة به . ولم يقض به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام ولا بحمص ولا بمصر ولا العراق ، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ، ثم ولى عمر بن عبد العزيز ، وكان كما علمت فى إحياء السنن ، والجد فى إقامة الدين والإصابة فى الرأى ، والعلم بما مضى من أمر الناس ، فكتب إليه زريق بن الحكم إنك كنت تقضى بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ، وعين صاحب الحق ، فكتب إليه عمر ابن عبد العزيز ، إنا كنا نقضى بذلك بالمدينة فوجدنا أهل الشام على غير ذلك فلا تقضى إلا بشهادة رجلين عدلين ، أو رجل وامرأتين ، ولم يجمع بين المغرب والعشاء قط ليلة المطر ، والمطر يسكب عليه فى منزله الذى كان فيه بخناصر ساكناً . ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون فى صدقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم فى مؤخر صداقها تكلمت ، فدفع إليها ، وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك ، وأهل الشام وأهل مصر ، ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلا أن يفرق بينهما موت ، أو طلاق فتقوم على حقها . ومن ذلك قولهم فى الأيلاء إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرت الأربعة الأشهر ، وقد حدثنى نافع عن عبد الله بن عمر، وهو الذى كان يروى ذلك التوقيف بعد الأشهر ، أنه كان يقول فى الأيلاء الذى ذكر الله فى كتابه لا يحل للمولى إذا بلغ الأجل إلا أن يفىء كما أمر الله ، أو يعزم الطلاق ، وأنتم تقولون إن لبث بعد الأربعة الأشهر التى سمى الله فى كتابه ، ولم يوقف لم يكن عليه طلاق . وقد بلغنا أن عثمان بن عفان ، وزيد ابن ثابت ، وقبيصة بن ذؤيب ، وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قالوا فى الأيلاء إذا مضت الأربعة الأشهر فهى تطليقة بائنة ، وقال سعيد ابن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن هشام وابن شهاب ، إذا مضت الأربعة الأشهر ، فهى تطليقة ، وله الرجعة فى العدة . - ٦٤ - ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول : إذا ملك الرجل امرأته ، فاختارت زوجها فهى تطليقة ، وإن طلقت نفسها ثلاثاً فهى تطليقة ، وقضى بذلك عبد الملك بن مروان ، وقد كان ربيعة بن أبى عبد الرحمن يقوله ، وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن له فيه طلاق ، إن اختارت نفسها واحدة ، أو اثنتين كانت له عليها الرجعة ، وإن طلقت نفسها ثلاثاً بانت منه ، ولم تحل له ، حتى تنكح زوجاً غيره ، فيدخل بها ثم يموت أو يطلقها إلا أن يرد عليها فى مجلسه فيقول إنما ملكتك واحدة ، فيستحلف ، ويخلى بينه وبين امرأته . ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول : أيما رجل تزوج أمة ثم اشتراها زوجها ، فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات ، وكان ربيعة يقول ذلك ، وإن تزوجت المرأة الحرة عبداً ، فاشترته فمثل ذلك . وقد بلغنا عنكم شىء من الفتيا مستكرهاً ، وقد كنت كتبت إليك فى بعضها فلم تجبنى فى كتابى ، فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك ، فتركت الكتابة إليك فى شىء مما أنكره ، وفيما أوردت فيه على رأيك ، وذلك أنه بلغنى أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالى ، حين أراد أن يستسقى أن يقدم الصلاة قبل الخطبة ، فأعظمت ذلك ، لأن الخطبة فى الاستسقاء كهيئة يوم الجمعة ، إلا أن الامام إذا دنا من فراغه من الخطبة فدعا حول رداءه ، ثم نزل فصلى ، وقد استسقى عمر بن عبد العزيز وأبو بكر محمد بن عمر بن حزم وغيرهما ، فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة ، فاستهتر الناس كلهم فعل زفر بن عاصم من ذلك ، واستنكروه . ومن ذلك أنه بلغنى أنك تقول فى الخليطين فى المال إنه لا تجب عليهما الصدقة ، حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة ، وفى كتاب عمر ابن الخطاب أنه تجب عليهما الصدقة ، ويترادان بالسوية، وقد كان ذلك يعمل به فى ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره ، والذى حدثنا به يحيى بن سعيد ، ولم يكن بدون أفاضل العلماء فى عصره ، فرحمه الله ، وغفر له وجعل الجنة - ٦٥ - مصيره ، ومن ذلك أنه بلغنى أنك تقول إذا أفلس الرجل ، وقد باعه رجل سلعة ، فتقاضى طائفة من ثمنها ، أو أنفق المشترى طائفة منها أنه يأخذ ما وجد من متاعه ، وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئاً ، أو أنفق المشترى منها شيئاً فليست بعينها . ومن ذلك أنك تذكر أن النبى صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يعط الزبير بن العوام إلا الفرس واحد ، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين ، ومنعه الفرس الثالث ، والأمة كلها على هذا الحديث ، أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق ، وأهل أفريقية ، لا يختلف فيه اثنان ، فلم يكن ينبغى لك ، وإن كنت سمعته من رجل مرضى - أن تخالف الأمة أجمعين . وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا ، وأنا أحب توفيق اللّه إياك ، وطول بقائك ، لما أرجو للناس فى ذلك من المنفعة ، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك ؛ مع استئناسى بمكانك ، وإن نأت الدار ، فهذه منزلتك عندى ، ورأبى فيك فاستيقنه ، لا تترك الكتاب إلا يخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك ، وحاجة إن كانت لك ، أو لأحد يوصل به ، فإنى أسر بذلك . كتبت إليك ، ونحن صالحون معافون ، والحمد للّه نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا، وتمام ما أنعم به علينا . والسلام عليك ورحمة الله )) ومن هذا الكتاب يتبين لك أمران : ( أحدهما ) أن الجدل بين الفقهاء كان يجرى فى كل مسائل الفقه المتشعبة ، وأن ذلك الجدل كان يسوده طلب الحقيقة لا التعصب للرأى ، ولذلك سادته نزاهة القول ، ورفق الخطاب وهدوء النفس ، لأن شرف الغاية ملأها ، فبعد الهوى ، والغضب ، والحدة ، وجفاء القول يكون حيث يخالط الرأى الهوى ، فتختفى الحقائق وسط زوابع من الأحاسيس المتضاربة ، والأهواء المتنازعة، والأثرة التى لا تألف الحق ولا يألفها . ( م ٥ - الشافعى ) - ٦٦ - ( ثانيهما) - أن الليث فى عرضه المسائل التى خالف فيها مالكا رضى الله عنهما يبين آراء الصحابة والتابعين المختلفة، ثم يختار من بينهما ما يراه رأى الكثرة ، واعتناقه لا يعد شذوذاً ، وهذا يدل على أن الدراسة فى ذلك الوقت كانت تشمل دراسة آراء الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ، ويوازن الدارس بينها ، ويختار منها ما يكون أصلح للناس ، واعتنقته الكثرة . والشافعى رضى الله عنه كان معنياً بدراسة الفهقاء الذين سبقوه، أو عاصروه ونقدوها نقداً يتصل بالرواية والدراية ، ويختار من بينها ما يتفق مع نزعته ، ولا يكون منافياً للروايات الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم . ٤٠ - وإن شئت أن تسمى عصر الشافعى عصر المناظرات الفقهية المثمرة فسمه ، وإن شئت إن تقول إن الفقه الإسلامى الذى استنبط كان مديناً لهذه المناظرات المخلصة الشريفة فى غايتها فقل . وقد انبعثت فيها مسائل كانت موضوع النظر ، ومدار البحث ، وكانت القطب الذى تدور حوله الاتجاهات المختلفة للفقهاء ثم كانت المناظرات سجلا للأدلة الفقهية ، والأصول التى استمدت منها الآراء المختلفة فى الفروع ، وذلك أن الفقهاء عندما دونوا كتبهم كانوا - إلا قليلا منهم - يدونون الفروع وأحكامها من غير ذكر أدلتها ، والأصول التى بنيت عليها ، فكانوا يذكرون الحادثة الجزئية ، والحكم الشرعى الذى ارتأوه لها من غير أن يبينوا شيئاً سوى ذلك، ولكن عندما تصطدم الآراء فى المناظرات الفقهية يدلى كل واحد بحجته ، ويبين المسلك الذى سلكه ، فالمناظرات إذن كانت هى المنبعث الذى انبعثت منه الأصول المذهبية . ولما دون الشافعى مذهبه ، أو أملاه ، أو روى عنه ، جاء لابساً ثوب المناظرات ، لأنه كان ثمرة لكثير منها ، وكان ذكره مقترناً بأدلته ، ولعل الشافعى رضى الله عنه ، وقد كان العالم المحلى فى هذه المناظرات قد انتفع أبلغ ما يكون الانتفاع منها فى وضع أصول الفقه ، فقد أنضجت المناظرات - ٦٧ - المختلفة والموازنات بين الآراء المختلفة فكره ، فجمع من هذه الأشتات المتباينة تلك القواعد العامة للاستنباط . ولقد كانت المناقشات تدور حول مسائل كثيرة ، تعد ينابيع الفقه الإسلامى ومصادره ، فلنذكر إجمال بعض هذه المسائل ، والاختلاف حولها فى عصر الشافعى ، لنعرف إلى أى مدى تأثر الشافعى بسابقيه ، ثم أعطى لاحقيه ثمرات اجتهاده . السنة والرأى ٤١ - لقد وجد من لدن وفاة النبى صلى الله عليه وسلم إلى عصر الشافعى جماعة من الفقهاء اشتهروا بالرأى ، وجماعة اشتهروا بالرواية فكان من فقهاء الصحابة من اشتهروا بالرأى ، وجماعة منهم اشتهروا بالحديث وروايته ، وكذلك التابعون وتابعوهم ثم الأئمة المجتهدون أبو حنيفة ، ومالك وفقهاء الأمصار ، منهم من اشتهر بالرأى ، ومنهم من اشتهر بالحديث ، ولنبين ذلك بعض التبيين ، متوخين الإيجاز : يقول الشهر ستانى فى الملل والنحل : إن الحوادث والوقائع فى العبادات والتصرفات ، مما لا يقبل الحصر والعدد ، ونعلم قطعاً أنه لم يرد فى كل حادثة نص ، ولا يتصور ذلك أيضا ، والنصوص إذا كانت متناهية ، والوقائع غير متناهية ، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى ، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد ، ومن أجل ذلك كان الصحابة بعد وفاة النبى صلى اللّه عليه وسلم أمام حوادث لا تتناهى ولا تحصر وبين أيديهم كتاب اللّه ، والمعروف من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلجئوا إلى الكتاب يعرضون عليه ما جد من حوادث فإن وجدوا حكماً صريحاً حكموا به ، وإن لم يجدوا فى الكتاب الحكم واضحاً اتجهوا إلى المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستثاروا ذاكرات أصحابه، ليعلنوا حكم النبى صلى الله عليه وسلم فى أمثال قضاياهم فإن لم يكن - ٦٨ = بينهم من يحفظ حديثاً اجتهدوا فى آرائهم ، ومثلهم فى ذلك مثل القاضى المقيد بنصوص قانون إذا لم يجد فى النص ما يحكم به فى قضية بين يديه ، طبق ما يراه عدلا وإنصافا . هكذا كانوا يسيرون ، يعرضون القضية على الكتاب ، ثم على السنة ، وإلا فالرأى ، ولقد جاء فى كتاب عمر لأبى موسى الأشعرى : الفهم الفهم فيما تلجلج فى صدرك مما ليس فى كتاب ولا سنة ، اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك . ٤٢ - أخذ الصحابة بالرأى ، ولكن اختلفوا فى مقدار أخذهم ، ففريق أكثر منه ، وفريق أخذ به قليلا ، وكان يغلب عليه التوقف ، إن لم يجد نصا من كتاب أو سنة متبعة . والحق فى أمرهم رضى الله عنهم أنهم كانوا يتفقون فى الاعتماد على الكتاب والسنة المعروفة إن وجدت ، فإن لم يجدوا سنة معروفة عندهم اتجه المشهورون من فقهائهم إلى الرأى ، ولقد كان بعضهم يتشكك فى حفظه لحديث رسول اللّه ، أو فتواه فى الأمر ، فيؤثر ألا يحدث ، وأن يفتى برأيه خشية أن يقع فى الكذب على رسول الله ، صلوات الله وسلامه عليه ، يروون أن عمران بن حصين كان يقول : والله إن كنت لأرى أنى لوشئت لحدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومين متتابعين ، ولكن أبطأنى عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعوا كما سمعت وشهدوا كما شهدت ، وتحدثوا أحاديث ما هى كما يقولون ، وأخاف أن يشبه لى كما شبه لهم . وقال أبو عمرو الشيبانى : كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا ، لا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استقلته رعدة ، وقال هكذا ، أو نحو ذا ، أو قريب من ذا . وكان عبد الله بن مسعود لهذا يؤثر الفتوى برأيه ، ويتحمل تبعته إن كان خطأ ، عن أن يقع فى الكذب على رسول الله، ولقد قال بعد أن أفتى فى مسألة برأيه : أقول هذا برأبى، فإن كان هذا صوابا ثمن اللّه ، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان ، ولقد - ٦٩ - كان يطير فرحا إذا وافق رأيه حديثاً نقله بعض الصحابة ، كما هو مشهور فى مسألة المفوضة التى قضى لها بمهر مثلها ، فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ما قضى به . ولقد كان الفريق الثانى يأخذ على الذين يفتون بآرائهم أنهم يفتون فى دين الله بغير سلطان من كتاب أو سنة . والحق أنه كان الصحابة بين حرجين دينيين انبعثا من قوة وجدانهم الدينى (أحدهما ) أن يكثروا من التحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، لكى يعرفوا أحكام الأحداث التى تحدث ، وفى ذلك خشية الكذب عليه ، جاء فى كتاب حجة اللّه البالغة للدهلوى : قال عمر رضى الله عنه حين بعث رهطاً من الأمصار إلى الكوفة : إنكم تأتون الكوفة ، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث ، فأقلوا الرواية . ( ثانيهما) أن يفتوا بآرائهم ، فيما لم يشتهر فيه أثر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفى ذلك تهجم على التحليل والتحريم بآرائهم ، فمنهم من اختار الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوقوف عند الأثر ، ومنهم من اختار الرأى فيما لم يشتهر عن الرسول ، فأفتى برأيه ، فإن علم حديثاً بعد ذلك رجع عن رأيه إلى الحديث ، وقد روى ذلك عن كثير من الصحابة ، ومنهم عمر رضى الله عنه . ٤٣ - جاء بعد الصحابة تلاميذهم، وهم التابعون ، وفى عهدهم حدث أمران : ( أحدهما ) أن المسلمين انقسموا إلى أحزاب وشيع ، وكانت ربح الخلاف شديدة عنيفة هائجة ، فكان بأسهم بينهم شديداً ، وسهل عليهم أن يتراموا بألفاظ الكفر والفسوق والعصيان ، وأن يتراشقوا بنبال الموت ، وأن تشجر السيوف ، لقد انقسمت الأمة إلى خوارج وشيعة ، وأموية ، وساكنون رضوا ببلاء اللّه الذى نزل ، وبعدوا عن الفتنة ، فلم يخوضوا فيها ، وكان الخوارج فرقاً مختلفة ، أزارقة ، وإباضية ، ونجدات ، وأسماء - ٧٠ - أخرى ، والشيعة کانوا فرقاً متباينة ، ومنهم من شد فى آرائه حتى خرج بها عن الإسلام ، إن كان قد دخل فيه . إذ منهم من كانوا دخلاء فى الإسلام أظهروا الدخول فيه ، لإفساده على أهله ، فلا يهمهم أن يقوم عمود هذا الدين ، إنما مهمتهم أن ينقضوا أساسه ، لتستعيد ملتهم القديمة قوتها وسلطانها أو على الأقل ليثأروا لها ممن أزالوا شوكتها ، أو يعيش المسلمون فى ظلام الفتن الطخياء ، فيطفئوا نور الله . ولقد صاحب هذا ( على أنه نتيجة له ) أن قلت الحريجة الدينية عند بعض الناس ، فكثر التحدث الكاذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لقد أفزع الأمر المؤمنين ، وأخذوا الأهبة للقضاء على هذه الموضوعات وكشفها ، ففكر عمر بن عبد العزيز فى تدوين السنة الصحيحة ، ودراستها وتحرى الصادق من بين الأحاديث المروية . ( ثانيهما) أن المدينة قد نقص سلطانها العلمى ، فقد كانت فى عهد الصحابة خصوصاً فى عهد عمر الذى يعد العهد الذهبى للاجتهاد الفقهى عش العلماء والفقهاء من الصحابة ، لا يخرجون منها إلا وهم متصلون اتصالا علمياً بها ، يتراسلون فى المسائل التى تحدث ، لأن سنة عمر كانت تقضى باحتجاز الصحابة من قريش داخل ربوع الحجاز لا يعدوه كبراؤهم فلا يتجاوز الحرتين كبار المهاجرين والأنصار إلا بإذن منه ، وهو عليهم رقيب ، فلما قضى عمر ، وخرجوا إلى الأقاليم صار لكل طائفة منهم مدرسة فقهية تروى عنه ، وتسلك طريقه ، فلما جاء عصر التابعين وهم تلاميذ أولئك الفقهاء الذين بقوا فى المدينة أو نزحوا عنها ، صار لكل مصر فقهاء فتباعدت الأنظار بتباعد الأمصار واختلافها ، إذ كل مأخوذ بعرف إقليمه ، والمسائل التى ابتلى بها ذلك الإقليم ، ثم هو بعد ذلك متبع طريقة الصحابى الذى نزل بذلك الإقليم ، وناقل أحاديثه التى رواها ، وانتشرت بينهم عنه ، فظهرت بسبب ذلك ألوان مختلفة من الفكر الفقهى ، وكل يتحرى فيما يفتى به أن يكون تحت ظل الدين يستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية . ۔ - ٧١ - ٤٤ - قد رأينا فى عصر الصحابة أنهم كانوا يسيرون على منهاجين : ( أحدهما ) يكثر فيه الرأى ، وتقل الرواية ، ويرجع إليها إن وجدت بعد الرأى . ( ثانيهما) يغلب عليه الرواية ولا يعدل عنها ، ويؤثر ألا يفتى حيث لا رواية عن أن يتهجم على دين الله برأيه ، وفى عصر التابعين اتسعت الفرجة بين المنهاجين ، وسار كل منها فى مدى أوسع مما سار فيه السابقون ، فقد رأينا الذين يؤثرون الرواية يزيدون فى الاستمساك بطريقتهم ، ويرون فيها عصمة من الفتن التى ادلهمت واشتدت فإنهم لم يجدوا العصمة إلا فى الأخذ بالسنة ، والآخرون يرون كثرة الكذب على الرسول وأسباب ذلك الكذب ، ثم يرون بسبب الأحداث التى تجد ضرورة الحكم ، ثم تغزوهم أفكار جديدة بالاحتكاك بالأمم التى فتح الإسلام بلادها ، ثم كانت كثرة التابعين من الموالى ، وهم من ورثة الحاملين لتلك المدنية القديمة ، لذلك اتسعت المسافة بين الطريقين ، ولم يعودوا قريبتين وقد كانت من قبل كذلك ، حتى كان يعسر التمييز بينهما ، وأساس الاختلاف ليس فى الاحتجاج بالسنة ، بل فى أمرين فى الأخذ بالرأى ، وفى تفريع المسائل تحت سلطانه ، فقد كان أهل الأثر لا يأخذون بالرأى إلا اضطراراً ، كما يضطر المسلم إلى أكل لحم الخنزير ، ولا يفرعون المسائل فلا يستخرجون أحكاماً لمسائل لم تقع ، بل لا يفتون إلا فيما يقع من الوقائع ، ولا يعدون المسائل الواقعة إلى النظر فى أمور مفروضة ، أما أهل الرأى فيكثرون من الإفتاء بالرأى ما دام لم يصبح لديهم حديث فى الموضوع الذى يجتهدون فيه ، ولا يكتفون فى دراستهم باستخراج أحكام المسائل الواقعة ، بل يفرضون مسائل غير واقعة ، ويضعون لها أحكاماً بآرائهم ، وكان أكثر أهل الحديث بالحجاز ، وإن كان فيه فقه رأى ليس بقليل ، لأنه موطن الصحابة الأول ومكان الوحى ، ولأن بعض التابعين الذين أقاموا به تخرجوا على صحابة لم يكثروا من الرأى ، ومن كان منهم تلميذاً لصحابى أكثر من الرأى اكتفى برواية آرائه، وأكثر أهل الرأى كانوا بالعراق ، لأنهم تخرجوا - ٧٢ - على عبد اللّه بن مسعود ، وهو ممن كان يتحرج فى الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشبه له ولا يتحرج فى الاجتهاد برأيه ، وإن صح الحديث عنده فى الموضوع الذى اجتهد فيه رجع إلى الحديث ، ولأن أكثر رواة الحديث كانوا بالحجاز ، ولأن بالعراق فلسفة وعلوماً ، وكانت به مدارس قديمة ، وإن من يتأثرون بهذه الطريقة يلائمهم الإجتهاد بالرأى ، وخصوصاً أن أسباب الرواية لم تتوافر عندهم . t ٤٥ - اتسعت فرجة الاختلاف بين فقهاء الرأى وفقهاء الحديث فى عصر التابعين ، كما رأيت ، فلما جاء عصر تابعى التابعين وعصر المجتهدين أصحاب المذاهب ، كانت الفرجة أكثر اتساعاً ، فكان الخلاف أشد فى مطلع عهد المجتهدين أصحاب المذاهب ، ثم لما التقى الفريقان فيه أخذ كل يقبس من الآخر ، فأهل الحديث خرجوا عن التوقف واضطرهم خروجهم إلى الأخذ بالرأى فى بعض الأحوال ، وأهل الرأى لما رأوا السنة قد دون بعضها ، والآثار قد أخذوا فی تمحيصها ، أخذوا يؤيدون آراءهم بالحديث ، ويعدلون عنها إن صح لديهم حديث لم يكونوا على علم به عند إفتائهم بما كانوا قد ارتأوه بآرائهم ، ولنوضح ذلك بعض التوضيح ، لأن هذا هو العصر الذى عاش فيه الشافعى وتلقى عن شيوخه . ودرس كتبهم ، ولكنا نتوخى الإنجاز . فى هذا العصر لم تنقطع موجة الكذب على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، وكان اتجاه الفرق للدفاع عن آرائها بالقول ( يجرى على الألسنة ، أو الأقلام ) سبباً فى شيوع أحاديث انتحلها الفرق انتحالا ، ونشروها بين جمهور المسلمين ، وقد ذكر القاضى عياض بعض الكاذبين ، وأسباب كذبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((هم أنواع، منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلا ، إما ترفعاً واستخفافاً ، كالزنادقة وأشباههم ، وإما حسبة بزعمهم وتديناً ، كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الأحاديث فى الفضائل والرغائب ، وإما إغراباً وسمعة ، كفسقة المحدثين، وإما تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصبى المذاهب ، وإما اتباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه - ٧٣ - وطلب العذر لهم فيما أتوه ، وقد تعين جماعة من كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال، ومنهم من لا يضع متن الحديث، ولکن ربما وضع للمتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً، ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيها ، أو يتعمد ذلك إما للإغراب على غيره ، وإما لرفع الجهالة عن نفسه ، ومنهم من يكذب ، فيدعى سماع ما لم يسمع ، ولقاء من لم يلق ، ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم ، ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم، وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبى صلى الله عليه وسلم)) (١). كانت هذه الموجة من الكذب فى عصر الاجتهاد وإنشاء المذاهب سبباً فى أمرين (أحدهما) - اتجاه المحدثين إلى تمحيص الرواية الصادقة واستخراجها من بين الدخيل ليتميز الخبيث من الطيب ، فدرسوا رواة الأحاديث ، وتعرفوا أحوالهم ، وعرفوا الصادق من غير الصادق ، وجعلوهم فى الصدق مراتب ، ثم درسوا الأحاديث ووازنوها بالمعروف من هذا الدين بالضرورة والأحاديث المشهورة المستفيضة التى لا يشك فى صدقها وبالقرآن الكريم ، فإن وجدوها غير متنافرة معها ردوها ، ثم اتجه الأعلام من الأئمة إلى تدوين الصحيح من الأحاديث ، فدون مالك موطأه ، وجمع سفيان بن عيينة، كتاب الجوامع فى السنن والآداب، وألف سفيان الثورى الجامع الكبير فى الفقه والأحاديث ، وهكذا . ( ثانيهما) - أن الفقهاء وأهل الرأى أكثروا من الإفتاء بالرأى خشية أن يقعوا فى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ٤٦ - ولقد كان العراق أكثر فى فقه الرأى كالعصر السابق ، لأن الفقهاء الذين تخرجوا فيه إنما تخرجوا على التابعين وتابعى التابعين الذين (١) راجع كتاب تاريخ التشريع الإسلامى لأستاذنا المرحوم محمد ( بك ) الخضرى ص ٨٣ ٠ - ٧٤ - اشتهروا بالرأى وأكثروا من الإفتاء به ، قال الدهلوى فى كتابه حجة الله البالغة بعد أن ذكر أهل الحديث : (( كان بإزاء هؤلاء فى عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ولا يهابون الفتيا ، ويقولون على الفقه بناء الدين فلا بد من إشاعته ، وبهابون رواية أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه ، حتى قال الشعبي : على من دون النبى أحب إلينا ، وقال إبراهيم : أقول قال عبد الله وقال علقمة أحب إلينا ، ولم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث ، ولم تنشرح صدورهم للنظر فى أقوال علماء البلدان وجمعها والبحث عنها واتهموا أنفسهم فى ذلك ، واعتقدوا فى أئمتهم أنهم فى الدرجة العليا من التحقيق ، وكانت قلوبهم أميل شىء إلى أصحابهم كما قال علقمة : هل أحد منهم أثبت من عبد الله (بن مسعود) وقال أبو حنيفة : إبراهيم أفقه من سالم ، ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفقه من ابن عمر ، وكان عندهم من الفطانة والحدس ، وسرعة انتقال الذهن من شىء إلى شىء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم ، وكل ميسر لما خلق له ، وكل حزب بما لديهم فرحون ، قمهدوا الفقه على قاعدة التخريج)) اهـ . ملخصاً . ونرى من هذا أنه يجعل السبب فى كون أهل العراق أكثروا من الأخذ بالرأى هو اعتقادهم وجوب الفتيا وعدم هيبتهم المسائل والإجابة عنها والتفريع فيها ، واعتقادهم أن الفقه هو بناء الدين وخشيتهم التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم أخذهم بأقوال أهل البلدان الأخرى، وتعصبهم لمشايخهم ، وتخريج المسائل على أقوالهم ! . ٤٧ - ومهما تكن الأسباب التى جعلت العراقيين يكثرون من الرأى والحجازيين والشاميين دونهم فى الكثرة . فيجب أن نشير هنا إلى مانوهنا عنه سابقاً ، وهو أن أهل الرأى والحديث يتفقون فى أن الأخذ يجب أن يكون بالكتاب والسنة الصحيحة ، ثم يفترقون بعد ذلك فى أن أهل الحديث - ٧٥ - يتهيبون الرأى ولا يتهيبون الرواية عن الرسول ، ولا يأخذرن بالرأى إلا مضطرين إذا لم يعرفوا حديثاً ، وأما أهل الرأى فيتهيبون التحدث ولا يتهيبون الإفتاء متحملين تبعاته ، ويرجعون عنه إن صح عندهم بعد الإفتاء حديث ، وقد تضافرت بذلك الأخبار . وقد ترتب على ذلك أن أهل الرأى يرفضون الأخذ بالأحاديث الضعيفة ، أما أهل الحديث فقد قبل بعضهم الأخذ بها إذا لم يقم دليل وضعها، وكان الإمام مالك، وهو إمام أهل المدينة فى ذلك العصر يأخذ بالمنقطع والمرسل ، والموقوف ، وعمل أهل المدينة (١)، جاء فى كتاب أعلام (١) يجب أن نقرر هنا أن مالكا وفقهاء الحجاز قد كانوا يكثرون من الرأى وان لم يكونوا فيه كأهل العراق ، وكانوا كما يقرر الشاطبى وغيره ، يردون بعض الأحاديث لمعارضتها للقرآن أو لحديث آخر ، أو لأصل كلى علم من تتبع أحكام الشريعة ، ولقد عقد لذلك الشاطبى فى الموافقات فصلا فيما ذكر فيه أن عائشة وابن عباس وعمر بن الخطاب ردوا أحاديث لمخالفتها لبعض الأصول الإسلامية كقاعدة رفع الحرج ، وكانت تلك المخالفة سببا فى تكذيب نسبتها إلى الرسول عندهم . وذكر أن مالكا اعتمد ذلك الأصل ، وهو رد الحديث اذا خالف القرآن أو القطعى ، أو الأصل العام ، ثم قال : ( ألا ترى الى قوله ( أى قول مالك ) فى حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا جاء الحديث ولا يدرى ماحقيقته وكان يضعه ويقول : يؤكل صيده فكيف يكره لعابه . ، والى هذا المعنى أيضا يرجع قوله فى حديث خيار المجلس ، حيث قال بعد ذكره . وليس لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول به فيه ، اشارة الى أن المجلس مجهول المدة ، ولو شرط أحد الخيار مدة مجهولة لبطل اجماعا ، فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطا بالشرع ، فقد رجع الى أصل اجماعى ، وأيضا فان قاعدة الغرر والجهالة قطعية وهى تعارض هذا الحديث الظنى ... ومن ذلك أن مالكا أهمل اعتبار حديث (منمات وعليه صوم صام عنه ولده) . وقوله: (أرأيت لو كان على) أبيك دين ... الحديث لمنافاته للاصل القرآنى الكلى المقرر فى نحو قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ( وأن ليس للانسان الا ماسعى ) ، وأنكر مالك حديث اكفاء القدر التى طبخت من الإبل والغنم قبل القسمة ( أى قسمة الغنائم فى الحرب ) تعويلا على أصل رفع الحرج الذى يعبر عنه بالمصالح المرسلة : فأجاز أكل الطعام قبل القسمة لمن احتاج اليه . قاله ابن العربى ونهى عن صيام ست من شوال مع ثبوث الحديث فيها تعويلا على سد الزرائع ، ولم يعتبر فى الرضاع خمسا ولا عشرا مما للأصل القرآنى فى قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم ) وفى مذهبه من هذا كثير ، فمالك كما ترى يرد الأحاديث لمخالفتها = - ٧٦ - ٠ ٠ = الأصول العامة ، ولقد قال فى تعليل ذلك الشاطبى ، لأن الأصول قطعية ( وخبر الواحد ظنى ) . وقد نقل الشاطبى فى هذا المقام اختلاف الأئمة فى أخذها بخبر الواحد عند معارضته الأصول كلاما نصه : قال ابن العربى اذا جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به . أم لا ؟ فقال أبو حنيفة لايجوز العمل به ، وقال الشافعى يجوز ، ويردد مالك فى المسألة . قال (أى ابن العربى) ومشهور قوله والذى عليه المعول أن الحديث أن عضدته قاعدة أخرى قال به . وان كان وحده تركه ، ثم ذكر مسألة مالك فى ولوغ الكلب قال : لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين أحدهما قول الله تعالى ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) الثانى أن علة الطهارة هى الحياة ، وهى قائمة فى الكلب .. وحديث العرايا أن صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف وقدر أهل العراق مقتضى حديث المصراة ، وقول مالك لما رآه مخالفا للأصول ، فانه قد خالف أصل الخراج بالضمان ، ولأن متلف الشىء انما يغرم مثله أو قيمته ، وأما غرم جنس آخر من الطعام أو العروض فلا ، قال مالك فيه ليس بالموطأ ولا الثابت . ( راجع الموافقات الجزء الثالث ص ١٠ وما يليها طبعه الدمشقى ) . والمراد بحديث العرايا ماروى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فى العرايا أن تباع بخرصها كيلا، والعرايا جمع عربية وهى النخلة ، وهى فى الأصل هبة ما على النخلة من ثمر . ثم أطلقت على الثمر نفسه ، فيجوز بيعه بمثله تمرا ، وتقديره يكون بالخرص والحدس ، وهذا البيع فيه مظنة الربا ، لأنه يجوز أن يكون أحد المبيعين أكثر كيلا من الآخر ، فيتحقق ربا الفضل ، ولكن رخص فيه النبى صلى الله عليه وسلم لانه رفع للحرج عن أهل البيت الذى يكون عنده تمر ، وليس عنده رطب جنى ، لأن العرف جرى به ، ولأن التسامح يجرى فيه ، ! وهو فى الأصل عطية وعرية . وحديث المصراة هو مارواه أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لاتصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ان شاء أمسك . وان شاء ردها وصاعا من تمر؟ . والتصرية حبس اللبن فى الضرع أياما حتى يجتمع ويكثر ، فيظن المشترى أن درها كثير ، والمصراة هى التى صنع بها ذلك ، وقد رد مقتضى ذلك الحديث كثيرون من الفقهاء وضعفوه لما ذكره صاحب الموافقات آنفا . ويستفاد من ذلك النقل أن فقهاء الحجاز كانوا يردون بعض الأحاديث ويضعفونها اذا خالفت أصلا اسلاميا استفاد عندهم ، وهذا مالك مع أخذه بالأحاديث المرسلة ، والآثار المنقطعة يخالف الحديث أن خالف قاعدة معلومة من الكتاب أو السنة ، وانما يأخذون بالحديث ويغلبونه على الرأى أذا لم تكن ثمة قاعدة . - ٧٧ -١ الموقعين لابن القيم : وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابى على القياس)) (١). ٤٨ - ولقد وجد فى ذلك العصر الذى كان خصباً بالجدل والخلاف طائفة أنكروا الاحتجاج بالسنة والأخبار المنسوبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولقد ذكرهم الشافعى فى الأم ، وذكر مناظرته لهم ، ولقد نقل حجتهم على لسان أحدهم فقد جاء فى الأم : قال لى قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه ، أنت عربى ، والقرآن نزل بلسان من أنت منهم ، وأنت أدرى بحفظه ، وفيه لله فرائض أنزلها ، لو شك شاك قد تلبس عليه القرآن بحرف منها استقبته، فإن تاب وإلا قتلته، ولقد قال الله عز وجل فى القرآن ((تبياناً لكل شىء)) فكيف جاز عند نفسك ، أو لأحد فى شىء فرضه - أن يقول : مرة القرض فيه عام ، ومرة الفرض فيه خاص ، ومرة الأمر فيه دلالة وإن شاء ذو إباحة ، وكثرت ما فرقت بينه من هذا ، عندك حديث ترويه عن رجل عن آخر ، أو حديثان ، أو ثلاثة ، حتى تبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرئون أحداً لقيتموه ، وقدمتموه فى الصدق والحفظ ، ولا أحداً لقيت ممن لقيتم من أن يغلط وينسى ويخطىء فى حديثه ، بل وجدتكم تقولون لغير واحد منهم أخطأ فلان فى حديث كذا ، وفلان فى حديث كذا ، ووجدتكم تقولون : لو قال رجل لحديث أحلتم به ، وحرمتم أو من علم الخاصة - لم يقل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أخطأتم أو من حدثكم وكذبتم أو من حدثكم ولم تستيبوه ، ولم تزيدوه على أن تقولوا له بئس ما قلت ، أفيجوز أن يفرق بين شىء من أحكام القرآن وظاهره واحد عند من سمعه - بخبر (١) اعلام الموقعين الجزء الأول ص ٢٦ ، والحديث المرسل هو الذى يذكره التابعى منسوبا الى النبى صلى الله عليه وسلم من غير أن يذكر الصحابى الذى روى عنه والمنقطع مالم يذكر فيه التابعى ولا الصحابى . وفى ذلك كله نظر فارجع اليه فى كتاب مالك . - ٧٨ - من هو كما وصفتم ، وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله ، وأنتم تعطون بها وتمنعون . هذا ما نقله الشافعى عن المخالف وقد رد عليه ، ولا يهمنا الآن رد الشافعى فسنعرض له فى بحثنا عند الكلام فى فقهه ، وإنما يهمنا هنا أن نتبين ما يرمى ذلك الكلام إليه ، إنه يفهم منه أن أحكام القرآن يجب أن تفهم من عبارات القرآن نفسه ، وأن الأخبار التى كانت شائعة لا تصلح لتخصيص القرآن ، لأن الشك فى صدق الرواة وحفظهم وضبطهم كثير ، ولأنها لا تبلغ القرآن بدليل أن من شك فى شىء مما جاء فى القرآن كفر واستتيب، فإن تاب قبل منه وإلا قتل ، وأن أخبار الخاصة أى رواية الآحاد لا يستتاب مكذبها ولا من يخطىء الآخذين بها ، ومن يحللون ويحرمون بناء عليها . ويستفاد من ظاهر هذا الكلام أنهم لا يرفضون الاستدلال بالسنة إن صدقت وقام الدليل القاطع على صدق نسبتها إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإنما هم يرفضون أخبار الآحاد لشك فى نسبتها إليه ، فإن انتفى الشك زال سبب المنع . ولكن قسم الشافعى هؤلاء الذين رفضوا الأخذ بهذا النوع من الأخبار إلى قسمين ، فقال: (( ولقد ذهب فيه (أى الخبر ) أناس مذهبين، أحد الفريقين لا يقبل خبراً وفى كتاب اللّه البيان .. وقال ما لم يكن فيه كتاب اللّه فليس على أحد فيه فرض ، وقال غيره ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر ، ومذهب الضلال فى هذين المذهبين واضح ، لست أقول بواحد منها (١). ٤٩ - هذه مثارات مختلفة كانت تثار حول الآثار فى ذلك العصر المزدحم بالأفكار ، وذلك المضطرب الواسع الذى اصطحب بالآراء المتنازعة ، فقوم رفضوا الاستدلال بها ، لشك فى نسبتها إلى النبى ، وقوم استعانوا بها فى فهم القرآن لا فى زيادة أحكام على ما جاء به . وقد طوت لجنة التاريخ هاتين الطائفتين وبقيت الطائفتان الأخريان التى استكثرت من الرأى (١) الآم الجزء السابع ص ٢٥٠ - ص ٢٥٢. - ٧٩ - ولم تقبل إلا الأخبار التى لا ضعف فيها ؛ ولا شك فى سندها ، فلا تقبل الضعيف ، ولو لم يقم الدليل على كذبه ، والتى استكثرت من الرواية ، وقلت من الرأى ، وكانت الهوة بينهما واسعة قبل عصر الشافعى . ٥٠ - أما فى عصر الشافعى ؟ فقد أخذ المنهاجان يتقاربان ، وذلك لالتقاء الفريقين واجتماعهما للمدارسة والمذاكرة أو الجدل والمناظرة ، وأكثرهم يريدون رفع منار الشريعة ، ويرجون لها وقاراً ، ولأنه لما وجد التدوين فى عصرهم أخذ كل فريق يقرأ على الآخر ، ولأن كثرة الحوادث ، وعدم تناهيها اضطر أهل الحديث أن يخوضوا فى الرأى وتدوين الصحاح ، وتميزها وسهولة تعرفها ، واطلاع أهل الرأى على أكثر ما روى عن الصحابة عن الناس ، وتلقيهم لما رواه أهل البلدان المختلفة من أحاديث وآثار - جعل بين أيديهم طائفة كبيرة من الأحاديث فتقاربوا بها من أهل الحديث . فأبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة وفقهاء الرأى يقبل على دراسة الآثار وحفظها ، والاستشهاد بها على ما انتهى إليه من آراء ، فإن وجد رأيا ارتآه من قبل يخالف السنة عدل عنه إلى الرأى الذى يتفق مع الحديث ، ولقد قال فيه ابن جرير الطبرى : إنه يعرف بحفظ الحديث ، وإنه كان يحضر المحدث ، فيحفظ خمسين أو ستين حديثاً ، ثم يقوم فيمليها على الناس . ومحمد يطلب الحديث ، ويأخذه عن الثورى ثم يلازم مالكا رضى الله عنه ثلاث سنوات ويأخذ عنه ، وهكذا ترى الشقة بين أهل العراق وأهل الحجاز قد أخذت تضيق ، حتى تقاربا . كل ذلك فى شباب الشافعى ، فلماء جاء دوره ، كان هو الوسط الذى التّى فيه فقه أهل الرأى ، وأهل الحديث معاً ، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث فى قبولهم لكل الأخبار ما لم يقم دليل على كذبها ، ولم يسلك مسلك أهل الرأى فى توسيع نطاق الرأى ، بل ضبط قواعده ، وضيق مسالكه - ٨٠ - وعبدها ، وسهلها وجعلها سائغة ، على ما سنبين فى فقهه ، ولقد قال الدهلوى فى حجة الله البالغة: (( نشأ الشافعى فى أوائل ظهور المذهبين ، ( أبى حنيفة ومالك ) ؛ وترتيب أصولها وفروعها ، فنظر فى صنيع الأوائل ، فوجد فيه أموراً كبحت عنانه عن الجريان فى طريقه ، وموضع بيان القيود التی قید نفسه بها هو فقهه . ٥١ - قد بينا بإيجاز اختلاف فقهاء الرأى وفقهاء السنة، ولكن ما الرأى الذى كان يجرى الكلام حوله ، أهو القياس الفقهى الذى هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه لاشتراكهما فى علة الحكم ، أم هو أعم من ذلك ؟ إن المتبع لمعنى كلمة الرأى فى عصر الصحابة والتابعين يجدها عامة لا تختص بالقياس وحده ، بل تشمله وتشمل سواه - ثم إذا نزلنا إلى ابتداء تكوين المذاهب تجد فيها هذا العموم أيضاً ، ثم إذا توسطنا فى عصر المذاهب نجد كل مذهب يختلف فى تفسير الرأى الجائز الأخذ به عن المذاهب الأخرى . يفسر ابن القيم الرأى الذى أثر عن الصحابة والتابعين بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات ، وإن المراجع لفتاوى الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم يفهم من معنى الرأى ما يشمل كل ما يفتى فيه الفقيه فى أمر لا يجد فيه نصاً ؛ ويعتمد فى فتواه على ما عرف من الدين بوجه العام أو ما يتفق مع أحكامه فى حملتها فى نظر المفتى ، أو ما يكون مشابهاً لأمر منصوص عليه فيها ، فيلحق الشبيه بشبيهه ، وعلى ذلك يكون الرأى شاملا للقياس ، والاستحسان(١) ، والمصالح المرسلة والعرف . (١) يعرف أبو الحسن الكرخى ، وهو من فقهاء الحنفية الاستحسان . بأن يعدل المجتهد من أن يحكم فى المسألة بمثل ما حكم به فى نظائرها الى غيره لدليل أقوى يقتضى العدول عن الدليل الأول المثبت لحكم هذه النظائر ويدخل فى هذا التعريف ما يقوله بعض الفقهاء من أن الاستحسان هو القياس الخفى ، وقد عرف الاستحسان فى المذهب المالكى بأنه الآخذ بمصلحة جزئية فى مقابل دليل كلى ، وليس المراد مطلق مصلحة ، بل المصلحة التى تجعل جانب الاستدلال= ,