النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
شرخ الشباب ، ويظهر أنه مع ملازمته لمالك كان يتحين الوقت بعد
الآخر ، فيقوم برحلات فى البلاد الإسلامية يستفيد فيها ما يستفيده
المسافر الأريب من علم بأحوال الناس وأخبارهم ، وشئون اجتماعهم ،
وكان يذهب إلى مكة يزور أمه ويستنصح بنصائحها وكان فيها نبل وأدب
وحسن فهم ، فلم تكن ملازمته لمالك رضى الله عنه بمانعة من سفره
واختباراته الشخصية .
١٤ - ولايته : ولما مات مالك رضى الله عنه، وأحس الشافعى أنه
نال من العلم أشطراً . وكان إلى ذلك الوقت فقيراً، اتجهت نفسه إلى عمل
يكتسب منه ما يدفع حاجته ، ويمنع خصاصته ، وصادف فى ذلك الوقت
أن قدم إلى الحجاز والى اليمن ، فكلمه بعض القرشيين فى أن يصحبه
الشافعى ، فأخذه ذلك الوالى معه ، ويقول الشافعى فى ذلك : ولم يكن
عند أمى ما تعطينى ما أتحمل به ، فرهنت داراً ، فتحملت معه ، فلما قدمنا
عملت له على عمل .
وفى هذا العمل تبدو مواهب الشافعى ، واختباراته وذكاؤه وعلمه ونبل
نسبه ، فيشيع ذكره عادلا ممتازاً ، ويتحدث الناس باسمه فى بطاح مكة ،
ويبلغ الفقهاء والمحدثين الذين تافى عنهم أو التقى بهم ذكره ، فيختلفون ،
ومنهم من يلومه على دخوله فى العمل ، وينصح له بتركه .
تولى عملا بنجران فأقام العدل ونشر لواءه ، وكان الناس فى نجران كما
هم فى كل عصر ، وفى كل بلد ، يصانعون الولاة والقضاة ويتملقونهم ،
ليجدوا عندهم سبيلا إلى نفوسهم ، ولكنهم وجدوا فى الشافعى عدلا
لا سبيل إلى الاستيلاء على نفسه بالمصانعة والملق ، ويقول هو فى ذلك :
وليت نجران وبها بنو الحارث ابن عبد المدان ، وموالى ثقيف ، وكان
الوالى إذا أتاهم صانعوه فأرادونى على نحو ذلك فلم يجدوا عندى .
مد الشافعى إذن باب المصانعة والملق لكيلا يصل إلى نفسه أحد وهو

- ٢٢ -
الباب الذى يلج منه صغار النفوس إلى كبراء النفوس ، ليحولوا نفوسهم
عن مجرى العدل والحق ، فالشافعى إذ غلقه قد حصن لنفسه من كل شر
وظلم ، لأن كبار النفوس لا ينالون إلا بالمصانعة وتملق المتملقين لهم ،
ولذا صار كله للعدل . ولكن العدل دائماً مركب صعب لا يقوى عليه
إلا أولو العزم من الرجال ، وهم يتعرضون لخشونة الزمان وأذاه ، وكذلك
كان الشافعى .
١٥ - محنته : لقد نزل باليمن ، ومن أعمالها نجران ، وبها آل غشوم
ظلوم ، فكان الشافعى يأخذ على يديه ، ويمنع مظالمه أن تصل إلى من تحت
ولايته ، وربما نال الشافعى ذلك الوالى بما يملكه العلماء من سيف يحسنون
استعماله، ويكثرون من إرهاقه ، وهو النقد ، فلعله كان مع الأخذ على يديه
يناله بنقده ، ويسلقه بلسانه ، فأخذ ذلك الوالى يكيد له ، بالدس والسعاية
والوشاية ، وكل ميسر لما خلق له .
كان العباسيون يعدون خصومهم الأقوياء العلويين ، لأنهم يدلون بمثل
نسبهم ، ولهم من رحم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما ليس لهم ، فإذا
كانت دولة العباسيين قامت على النسب ، فأولئك يمتون بمثله ، وبرحم
أقرب ، ولذا كانوا إذا رأوا دعوة علوية قضوا عليها ، وهى فى مهدها ،
ويقتلون فى ذلك على الشبهة لا على الجزم واليقين ، إذ يرون أن
قتل برىء يستقيم به الأمر لهم ، أولى من ترك متهم يجوز أن يفسد
الأمن عليهم .
جاءهم الوالى الظالم من هذه الناحية الضعيفة فى نفوسهم، واتهم الشافعى
بأنه مع العلوية ، فأرسل إليه الرشيد : إن تسعة من العلوية تحركوا ، ثم
قال فى كتابه : إنى أخاف أن يخرجوا ، وإن ها هنا رجلا من ولد شافع
المطلبى لا أمر لى معه ولا نهى ، وفى بعض الروايات أنه قال فى الشافعى:
يعمل بلسانه مالا يقدر عليه المقاتل بسيفه ، فأرسل الرشيد أن يحضر

٠- ٢٣ -
أولئك النفر التسعة من العلوية ومعهم الشافعى (١).
ويقول الرواة أنه قتل التسعة ، ونجا الشافعى بقوة حجته ، وشهادة
محمد بن الحسن ، أما قوة حجته فكانت بقوله للرشید ، وقد وجه إليه التهمة
بين النطع والسيف : يا أمير المؤمنين ، ما تقول فى رجلين أحدهما يرانى
أخاه ، والآخر يرانى عبده ، أيها أحب إلى ؟ قال الذى يراه أخاه ؟ قال
فذاك أنت يا أمير المؤمنين إنكم ولد العباس ، وهم ولد على ، ونحن بنو
المطلب ، فأنتم ولد العباس تروننا إخوتكم ، وهم يروننا عبيدهم .
وأما شهادة محمد بن الحسن ، فذلك لأن الشافعى استأنس لما رآه فى
مجلس الرشيد عند الاتهام ، إذ أن العلم رحم بين أهله . فذكر بعد أن ساق
ما ساق أن له حظاً من العلم والفقه ، وأن القاضى محمد بن الحسن يعرف ذلك،
فسأل الرشيد محمداً ، فقال : له من العلم حظ كبير ، وليس الذى رفع عليه
من شأنه ، قال : فخذه إليك ، حتى أنظر فى أمره ، وبهذا نجا .
(١) نريد هنا أن نشير الى أمرين: ( أحدهما ) أن الشافعى اشتهر بحبه
لأولاد على رضى الله عنه، كما سنبين ذلك فى موضعه من كلامنا ، حتى لقد
روى عنه كما جاء فى الانتقاء لابن عبد البر وغيره أنه قال :
فليشهد الثقلان أنى رافضى
ان كان رفضا حب آل محمد
( ثانيهما ) أن الرواة قد اتفقوا على أن الشافعى قد اتهم بالعلوية ، وأن
الرشيد قد أنزل به المحنة بسبب ذلك وأحضره اليه ، ولكن اختلفوا أكان اتهامه
بهذه التهمة وهو بمكة أم كان وهو باليمن ، ففى توالى التأسيس لابن حجر ،
ومناقب الشافعى للرازى ، وما نقله معجم الأدباء عن الآبرى أن التهمة كانت
وهو باليمن ، وأنه أخذ من اليمن الى الرشيد ، ولكن فى الانتقاء لابن عبد البر
أن التهمة كانت وهو بمكة ، فقد جاء فيه على لسان الشافعى : رفع الى هرون
الرشيد أن بمكة قوما من قريش استدعوا رجلا علويا كان باليمن ، ثم قدم مكة
مجاورا . فاجتمع اليه من قريش فتية جماعة يريدون أن يبايعوه ويقوموا ،
فأمر الرشيد يحيى بن خالد بن برمك أن يكتب الى عامله بمكة أن يبعث اليه
من مكة ثلاثمائة رجل كلهم من قريش مغلولة أيديهم الى أعناقهم فأشخصت
فيمن أشخصوا ) .. ثم يقول فى رواية أخرى: (حمل الشافعى من الحجاز
مع قوم من العلوية تسعة . وهو العاشر ) .
هذه بلا ريب روايات متناقضة فى ظاهرها ، وقد يصح الجمع بينها بأن
الشافعى أتهم وهو بمكة يزور أهله ، وأن المتهم هو والى سعاية له ونمام عليه ،
وأما الاختلاف فى العدد لعله لأن التهمة موجهة الى العشرة والآخرون قد استمعوا
اليهم
٠
فقرة

- ٢٤ -
١٦ - كان قدوم الشافعى بغداد فى هذه المحنة سنة ١٨٤، أى وهو فى
الرابعة والثلاثين من عمره ، ولعل هذه المحنة التى نزلت به ساقها الله إليه
ليتجه إلى العلم لا إلى الولاية وتدبير شئون السلطان ، فإنها قد وجهته إلى العلم
يدرسه ويدارسه ويذاكره ، ويخرج للناس الأثر الخالد من الفقه والتخريج،
ذلك بأنه نزل عند محمد بن الحسن ، وكان من قبل يسمع باسمه وفقهه ،
وأنه حامل فقه العراقيين وناشره ، بل لعله التقى به من قبل .
أخذ الشافعى يدرس فقه العراقيين ، فقرأ كتب الإمام محمد وتلقاها
عليه وبذلك اجتمع له فقه الحجاز وفقه العراق ، اجتمع له الفقه الذى
يغلب عليه النقل ، والفقه الذى يغلب عليه العقل وتخرج بذلك على فحول
الفقه فى زمانه . ولقد قال فى ذلك ابن حجر : انتهت رياسة الفقه بالمدينة
إلى مالك بن أنس فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه . وانتهت رياسة الفقه
بالعراق إلى أبى حنيفة ، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملا، ليس فيه
شىء إلا وقد سمعه عليه ، فاجتمع علم أهل الرأى ، وعلم أهل الحديث ،
فتصرف فى ذلك حتى أصل الأصول ، وقعد القواعد ، وأذعن له
الموافق والمخالف ، واشتهر أمره ، وعلا ذكره ، وارتفع قدره حتى صار
منه ما صار .
أخذ الشافعى من علم محمد بن الحسن وكتبه ونقل عنه ، وقيد ما نقل ،
حتى لقد قال : حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير ليس عليه إلا سماعى
منه ، وكان يجل محمد بن الحسن ويكبره ، ويرى فيه أستاذه ، ويثنى
عليه وعلى علمه وأناته ، حتى لقد قال فيه : ما رأيت أحداً سئل عن مسألة
فيها نظر ، إلا رأيت الكراهة فى وجهه إلا محمد بن الحسن ، وروى
عنه الحديث ولم يقتصر على تلقى الرأى عنه ، ففى الأم : أنبأنا محمد
ابن الحسن عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع
ولا يوهب)).
وكان محمد يعطيه من كرم المنزلة ما هو له أهل ، حتى كان يفضل مجلسه

- ٢٥ -
على مجلس السلطان . يروى أن محمداً خرج راكباً إلى دار الأمرة فرأى
الشافعى قد جاء فثنى رجله ونزل ، وقال لغلامه : اذهب فاعتذر ، فقال له
الشافعى : لنا وقت غير هذا ، قال : لا ، وأخذ بيده فدخلا الدار .
كان الشافعى يلزم حلقة محمد بن الحسن ، ولكنه مع ذلك يعتبر نفسه
من صحابة مالك ، ومن فقهاء مذهبه ، وحملة موطئه ، يحامى عليه ويذب
عنه ويدافع عن فقه أهل المدينة ، ولذلك كان إذا قام محمد من مجلسه ناظر
أصحابه ، ودافع عن فقه الحجازيين وطريقتهم ، ولعله كان لا يناظر محمداً
نفسه إعظاماً لمكان الأستاذ ، ولكن محمداً بلغه أنه يناظر أصحابه ، فطلب
إليه أن يناظره ، فاستحيا وامتنع ، وأصر محمد ، فناظره مستكرهاً
فى مسألة كثر استنكار أهل العراق فيها لرأى أهل الحجاز ، وهى مسألة
الشاهد والمين (١) فناقش الشافعى محمداً فيها ، ويقول الرواة من الشافعية
أن الفلح كان الشافعى .
أقام الشافعى فى بغداد تلميذاً لابن الحسن ، ومناظراً له ولأصحابه على
أنه فقيه مدنى من أصحاب مالك . ثم انتقل بعد ذلك إلى مكة ، ومعه من
كتب العراقيين حمل بعير . كما نقلنا عنه فيما أسلفنا من القول . ولم يذكر
أكثر الرواة مدة إقامته فى بغداد فى هذه القدمة ، ولابد أنه أقام مدة
معقولة تكفى للتخرج على أهل الرأى ومدارستهم ، ولعلها كانت نحو سنتين.
١٧ - عاد الشافعى إلى مكة ، وأخذ يلقى دروسه فى الحرم المكى ،
والتّقى به أكبر العلماء فى موسم الحج ، واستمعوا إليه ، وفى هذا الأبان .
(١) الخلاف فى مسألة الشاهد واليمين خلاف مشهور بين الحنفية
والشافعية والمالكية ، وأساسها أن الحنفية يرون أن البينة على من ادعى
واليمين على من أنكر ، وعلى ذلك لا يمين على المدعى ، فان كان معه بينة مقبولة
قضى بها وألا يحلف المدعى عليه ، فان حلف قضى له قضاء ترك ، وان نكل قضى
للمدعى ، ولا يمين على المدعى فى أية حال . وقال المالكية والشافعية اذا لم يكن
مع المدعى الا شاهد واحد قضى له اذا حلف ويكون حلفه فى مقام الشاهد الثانى .
وذلك يجوز فى الأموال فقط ، وأما غير الأموال فلا توجه فيها اليمين للمدعى
اقتصارا على مورد النص ، وقد ذكرت المناظرة فى الأم ، الجزء السابع .

- ٢٦ -
التقى به أحمد بن حنبل ، وقد أخذت شخصية الشافعى تظهر بفقه جديد ،
لا هو فقه أهل المدينة وحدهم ، ولا فقه أهل العراق وحدهم ، بل هو
مزيج منهما وخلاصة عقل ألمعى أنضجه علم الكتاب والسنة ، وعلم العربية
وأخبار الناس والقياس والرأى ، ولذلك كان من يلتقى من العلماء يرى فيه
. عالماً هو نسيج وحده (١) .
أقام الشافعى بمكة فى هذه القدمة نحواً من تسع سنوات ، كما يستنبط
من أخبار الرواة ، ولا بد أن الشافعى بعد أن رأى نوعين من الفقه مختلفين،
وبعد أن ناظر وجادل ، ورأى تشعب الآراء ، واختلاف الأنظار ، وتباين
المشارب ، وجد أنه لابد من وضع مقاييس لمعرفة الحق من الباطل ، أو على
الأقل لمعرفة ما هو أقرب للحق فإنه ليس من المعقول بعد أن شاهد وعاين
ما بين نظر الحجازيين والعراقيين من اختلاف ، ولأصحاب النظرين مكان
من احترامه وتقديره ، أن يحكم الشافعى ببطلان أحد النظرين جملة من غير
ميزان ضابط دقيق ، لهذا فكر فى استخراج قواعد الاستنباط ، ويصح
لنا أن نفهم من مقامه الطويل فى مكة بعيداً عن ضجة العراق ، وتناحر
الآراء فيه ، أنه فعل ذلك ليتوافر له الانصراف الكافى ، والتأمل المبصر
لاستخراج هذه القواعد ، فتوافر على الكتاب يعرف طرق دلالاته ، وعلى
الأحكام يعرف ناسخها ومنسوخها ، وخصائص كل منهما ، وعلى السنة
(١) جاء فى معجم ياقوت عن الآبرى ما نصه : ( قال اسحق بن راهويه :
كنا عند سفيان بن عيينة نكتب أحاديث عمرو بن دينار ، فجاءنى أحمد بن حنبل
فقال لى : قم يا أبا يعقوب حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله ، فقمت فأتى بى
فناء زمزم ، فاذا هناك رجل عليه ثياب بيض تعلو وجهه السمرة حسن السمت ،
حسن العقل ، وأجلسنى الى جانبه فقال له يا أبا عبد الله هذا اسحاق بن راهوية
الحنظلى ، فرحب بى وحيانى . فذاكرته وذاكرنى فانفجر لى منه علم أعجبنى
حفظه ، فلما طال مجلسنا قلت يا أبا عبد الله قم بنا الى الرجل ، قال هذا هو
الرجل ، فقلت يا سبحان الله ، أقمت من عند رجل يقول حدثنا الزهرى ، فما
توهمت الا أن تأتينا برجل مثل الزهرى أو قريب منه فأتيت بنا الى هذا الشاب
فقال لى يا أبا يعقوب اقتبس من الرجل فانه ما رأت عيناى مثله . وهذه القصة
وأشباهها تدل على لقاء أحمد بن حنبل للشافعى بمكة ، ولكن هل كان هذا أول
لقاء ؟ لا تدل القصة على ذلك .

- ٢٧ -
يعرف مكانها من علم الشريعة ، ومعرفة صحيحها وسقيمها ، وطرق
الاستدلال بها ، ومقامها من القرآن الكريم ، ثم كيف يستخرج الأحكام
إذا لم يكن كتاب ولا سنة . وما ضوابط الاجتهاد فى هذا المقام ،
وما الحدود التى ترسم للمجتهد فلا يعدوها ليأمن من شطط الاجتهاد . لأجل
هذا طال مقامه ، وقد عهدناه صاحب سفر فهو لابد فى هذه الأثناء قد
انتهى إلى وضع أصول الاستنباط وخرج بها على الناس ، ولعله عندما
انتهى إلى قدر يصح إخراجه وعرضه للجمهرة من الفقهاء ، سافر إلى بغداد
عش الفقهاء جميعاً ، إذ ضؤل أمر المدينة بعد وفاة مالك رضى الله عنه ،
وبعد أن صار ببغداد أهل الرأى وأهل الحديث معاً .
١٨ - قدم الشافعى بغداد للمرة الثانية فى سنة ١٩٥ ، وقد قدم وله
طريقة فى الفقه لم يسبق بها . وجاء وهو لاينظر إلى الفروع يفصل أحكامها
وإلى المسائل الجزئية يفتى فيها فقط ، بل جاء وهو يحمل فى عيبته قواعد
كلية ، أصل أصولها ، وضبط بها المسائل الجزئية . فقد جاء إذن بالفقه
علماً كلياً ، لا فروعاً جزئية ، وقواعد عامة ، لا فتوى وأقضية خاصة ،
رأت فيه بغداد ذلك ، فانثال عليه العلماء والمتفقهون ، وطلبه المحدثون،
وأهل الرأى جميعاً . وفى هذه القدمة ذكروا أنه ألف لأول مرة من كتاب
الرسالة الذى وضع به الأساس لعلم أصول الفقه . وجاء فى مناقب الشافعى،
للرازى أنه : روى أن عبد الرحمن بن مهدى التمس من الشافعى ، وهو
شاب ، أن يضع له كتاباً يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن والسنة
والإجماع والقياس وبيان الناسخ والمنسوخ ، ومراتب العموم والخصوص
فوضع الشافعى رضى الله عنه كتاب الرسالة وبعثها إليه، فلما قرأها عبدالرحمن
ابن مهدى قال : ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل ، ثم يقول
الرازى : واعلم أن الشافعى رضى الله عنه قد صنف كتاب الرسالة وهو
ببغداد ، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة ، وفی کل واحد
منهما علم كثير)) .

- ٢٨ -
و على هذا السیاق یکون الشافعی قد کتب الرسالة، وهو فى بغداد ، ومثل
ذلك جاء فى تاريخ بغداد ، ولكن جاء فى صدر ما نقلناه عن الرازى أنه
ذكر أن الشافعى كان شاباً عندما التمس ابن مهدى منه ، وهو فى هذه
القدمة كان كهلا ، إذ تجاوز الخامسة والأربعين ، إلا إذا اعتبرنا من
فى هذه السن شاباً ، وكذلك كان يعبر بعض الناس ، ويحتمل أنه ألف
الرسالة بطلب ابن مهدى وهو بمكة ، وأرسلها إليه وهو بالعراق
فنشرت به .
أخذ الشافعى ينشر بالعراق تلك الطريقة الجديدة التى استنها ، ويجادل
على أساسها ، وينقد مسائل العلم على أصولها ، ويؤلف الكتب ، وينشر
الرسائل ، ويتخرج عليه رجال الفقه ، ومكث فى هذه القدمة سنتين ،
ثم عاد بعد ذلك إليها سنة ١٩٨ هـ وأقام أشهراً فيها ، ثم اعتزم السفر إلى مصر،
فرحل إليها ، وقد وصل سنة ١٩٩ هـ .
١٩ - ولماذا قصر الإقامة فى بغداد هذه القدمة الأخيرة ، ولم يقم بها
طويلا ، وهى عش العلماء ، وقد صار له بها تلاميذ ومريدون ، والعلم
ينتشر بين ربوعها ، فيشع ، فى كل الآفاق ، ولم يكن لمصر فى ذلك الإبان
مكانة علمية كمكانة بغداد أو تقاربها ؟ سؤال يضطرب فى النفوس ، ولعل
الجواب عنه أنه فى سنة ١٩٨ كانت الخلافة لعبد الله المأمون، وفى عهد
المأمون ساد أمران لم تدل حياة الشافعى ومنهجه العلمى على أنه يستطيب
الإقامة فى ظلهما :
أحدهما : أن الغلبة فى عهد المأمون صارت للعنصر الفارسى ، إذ أن
المعركة التى قامت بين الأمين والمأمون كانت فى الواقع بين معسكر العرب
الذى يمثله الأمين وقواده ، ومعسكر الفرس الذى كان قواده وجنده من
الفرس ، وانتهت المعركة بغلبة الفرس ، وصار لهم بعد ذلك النفوذ والغلب ،
وما كان لهذا القرشى أن يرضى بالمقام فى ظل سلطان فارسى فى
نفوذه وصبغته .
ثانيهما : أن المأمون كان من الفلاسفة المتكلمين فأدنى إليه المعتزلة ،

- ٢٩ -
وجعل منهم كتابه وحجابه وجلساءه ، والمقربين إليه الأدنين ، والمحكمين
فى العلم وأهله ، والشافعى ينفر من المعتزلة ومناهج بحثهم ، ويفرض عقوبة
على بعض من يخوض مثل خوضهم ، ويتكلم فى العقائد على طريقتهم ،
فما كان لمثل الشافعى أن يرضى بالمقام معهم ، وتحت ظل الخليفة الذى
مكن لهم ، حتى أداه الأمر بعد ذلك إلى أن أنزل بالفقهاء والمحدثين المحنة
التى تسمى فى التاريخ الإسلامى محنة ((خلق القرآن)). ولقد يروى أن
المأمون عرض على الشافعى أن يوليه القضاء ، فاعتذر ، وهذا يتفق مع
منطق تفكيره ، ومع سلسلة حياته التى علمناها من قبل .
لم يطب للشافعى المقام ببغداد ، وكان لابد من الرحيل منها ، ولم يجد
مهاجراً وسعة إلا فى مصر ، ذلك أن واليها قرشى هاشمى عباسى .
قال ياقوت فى معجمه : وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس بن عبد الله
ابن العباس بن موسى بن عبد الله بن عباس دعاه . وكان العباس هذا
خليفة لعبد الله المأمون على مصر .
ولقد قال الشافعى عندما أراد السفر إلى مصر :
ومن دونها قطع المهامة والقفر
لقد أصبحت نفسى تتوق إلى مصر
أساق إليها أم أساق إلى القبر
فوالله ما أدرى الفوز والغنى
تساءل الشافعى فى هذا الشعر أيساق إلى الغنى والفوز فى مصر أم يساق
إلى القبر ، ولقد أجابه القدر عن سؤاله فساقه إليهما معاً ، فقد نال الغنى
بما كان يأخذه من سهم ذوى القربى الذى قد ناله بنسبه الشريف ، ونال
الفوز بنشر علمه وآرائه ، وفقهه ، ثم ناله الموت ، فكان مسوقاً
إلى قبره بمصر ، فقدمات فى آخر ليلة من رجب سنة ٢٠٤ هـ وقد بلغ من
العمر أربعة وخمسين عاماً .
٢٠ - وقبل أن نختم الكلام فى حياة الشافعى ، لابد من الإشارة إلى
أمر علمى له صلة بحياته وتاريخه ، ذلك أن الشافعى بعد قدومه إلى بغداد
سنة ١٩٥ ، بل قبل ذلك فى دراسته بمكة - كان صاحب طريقة جديدة
فى الفقه ، وصاحب آراء جديدة فيه تنفصل عن آراء مالك ، ولكنه لم يتجه

- ٣٠ -
إلى آراء مالك بنقد أو تزييف ، بل كان يلقى بآرائه ، خالفت أو وافقت
رأى مالك من غير نقد له ، ولذلك كان يعد من أصحاب مالك ، وإن كان
فى جملة آرائه ما يخالفه قليلا أو كثيراً ، كما خالف بعض أصحاب مالكا ،
وكما خالف أصحاب أبى حنيفة شيخهم ، ولكن حدث ما اضطر الشافعى
إلى أن يتجه لآراء شيخه بالنقد والتزييف ، ذلك أنه بلغه أن مالكا تقدس
آثاره وثيابه فى بعض البلاد الإسلامية ، وأن من المسلمين ناساً يتحدث
إليهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعارضون الحديث بقول مالك،
عندئذ تثور نفس الشافعى ، لأنه يرى أن الناس عدوا بمالك مرتبة الجهد
الذى يلتمس من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الناس
مقدمون على أمر خطير ، إذ يعارضون بأحاديث الرسول أقوال ناس
يصيبون ويخطئون ، وما كان لأحد مع الحديث رأى ، لذلك يتقدم الشافعى
الذى لقبه العلماء فى عصره بناصر الحديث لنصرة الحديث ، ويجد الطريق
معيناً ليسلكه ، وهو أن ينقد آراء مالك ، ويعلن الزيف منها ، ليعلم الناس
أن مالكا بشر يخطىء ويصيب ، وأنه لا رأى له مع الحديث ، ويؤلف
فى ذلك كتاباً سماه ((خلاف مالك))، ولكنه يتردد فى إعلانه وفاء لمالك
شيخه وأستاذه ، والذى كان يقول عنه طول حياته إنه الأستاذ ، يتردد
بين إرشاد الناس لما رآه أخطاء لمالك ، وهو يخشى على السنة من تقديسه ،
وبين الوفاء لمالك ، فيطوى الكتاب سنة ، وهو متردد ، ثم يستخيره
بالله فينشره .
يروى فى هذا المقام الفخر الرازى : أن الشافعى إنما وضع الكتاب
على مالك ، لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستقى بها ، وكان يقال
لهم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيقولون قول مالك، فقال الشافعى،
إن مالكا آدمى قد يخطى ويغلط ، فصار ذلك داعياً الشافعى إلى وضع
الكتاب على مالك ، وكان يقول كرهت أن أفعل ذلك ، ولكنى استخرت
الله تعالى فيه سنة. وقال الربيع سمعت الشافعى رضى الله عنه يقول :
قدمت مصر ولا أعرف أن مالكا يخالف من أحاديثه إلا ستة عشر حديثاً ،

- ٣١ -
فنظرت فإذا هو يقول بالأصل ، ويدع الفرع ، ويقول بالفرع .
ويدع الأصل .
ثم يبرر الفخر الرازى نقد الشافعى لأستاذه مالك بما كان من نقد
أرسطو لأفلاطون فيقول : وأقول إن أرسططاليس الحكيم تعلم الحكمة من
أفلاطون ، ثم خالفه ، فقيل له كيف فعلت ذلك ، فقال أستاذى صديقى ،
والحق صديقى ، فإذا تنازعا ، فالحق أولى بالصداقة . فهذا المعنى بعينه هو
الذى حمل الشافعى رضى الله عنه على إظهار مخالفة مالك.
٢١ - أظهر الشافعى خلاف مالك، وما فعل ذلك إلا اللّه، وكان
عزيزاً عليه أن ينقد مالكا لأنه أستاذه ، وما كان يعبر عنه إلا بالأستاذ ،
وقد جر عليه متاعب ومصاعب ، فإن مالكا كان بمصر له المكان الأول
بين المجتهدين ، فثار على الشافعى المالكيون ينقدونه ويجرحونه ويطعنون
عليه ، حتى لقد ذهب جمهرتهم إلى الوالى يطلبون إخراجه ، ويقول فى ذلك
الرازى : لما وضع الشافعى كتابه على مالك ذهب أصحاب مالك إلى السلطان
والتمسوا منه إخراج الشافعى . ولم ينقد الشافعى آراء مالك فقط ، بل من
قبل آراء العراقيين أبى حنيفة وأصحابه وغيرهم من فقهاء العراق ، وذكر
خلافهم وزيف بعض آراء لهم ، وذكر خلاف الأوزاعى ، ونقد آراءه
فى السير (١)، ولكل هؤلاء أنصار من رجال الفقه فى عهده ، يتعصبون
لهم ، وينافحون عنهم ، فينقدهم انبثق على الشافعى البثق الكبير من الجدل
والمناظرة ، فكان يجادل ويصاول . ويضع بجدله ومناظراته ما ينبغى
أن يكون عليه المحادل يستمسك بالحجة وحدها من غير أن يمس صاحب
الرأى بسوء ، حتى لقد كان بخلافه صحب فلسفة فقهية خاصة . ولقد قال
فيه أحمد بن حنبل : الشافعى فيلسوف فى أربعة أشياء : فى اللغة ، واختلاف
الناس ، والمعانى ، والفقه .
كان يميل فى جداله دائماً إلى نصرة الحديث ، ورجال الحديث مع علمه
(١) فى المجموعة الفقهية للشافعى التى طبعها المرحوم الحسينى ( بك )
هذه الكتب كلها .
٠٠٠٠٠٠
:
٠

- ٣٢ -
بالجدل وأساليبه ، وقد بهت أهل الرأى فى أول التقائه بهم فى بغداد
سنة ١٨٤ . ويقول الرازى فى ذلك : الناس كانوا قبل زمان الشافعى
فريقين ، أصحاب الحديث ، وأصحاب الرأى ، أما أصحاب الحديث فكانوا
حافظين لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم كانوا عاجزين عن
النظر والجدل ، وكلما أورده عليهم أحد من أصحاب الرأى سؤالا أو إشكالا
سقطوا فى أيديهم عاجزين متحيرين ، وأما أصحاب الرأى فكانوا أصحاب
النظر والجدل ، إلا أنهم كانوا عاجزين عن الآثار والسنن ، وأما الشافعى
رضى الله عنه، فكان عارفاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم محيطاً
بقوانينها ، وكان عارفاً بآداب النظر والجدل قوياً فيه ، وكان فصيح الكلام ،
قادراً على قهر الخصوم بالحجة الظاهرة ، وآخذاً فى نصرة أحاديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من أورد عليه سؤالا أو إشكالا
أجاب عنه بأجوبة شافية كافية ، فانقطع بسببه استيلاء أهل الرأى
على أصحاب الحديث ..
ولما أصل الأصول ووضع القواعد ، وجد أن بعض الفقهاء من أهل
الحجاز يخرج على هذه الأصول ، ولا يتقيد بها ، ومنهم شيخه ، فوجده
يأخذ بالأصل ، ويترك الفرع ، ويأخذ الفرع ، ويترك الأصل ، فجادل
أهل الحجاز أيضاً ، وبذلك قضى حياته كلها فى نضال لأجل فقه هذه
الشريعة ، وفى سبيلها ولأجل الحق ، وفى سبيل الحق ، حتى لقد زعم بعض
المؤرخين أنه مات فى سبيل ذلك (١))) فكان بحق إمام الشريعة فى عصره .
(١) جاء فى معجم ياقوت : ( كان بمصر رجل من أصحاب مالك بن أنس
يقال له فتيان فيه حدة وطيش وكان يناظر الشافعى كثيرا ، ويجتمع الناس
عليهما فتناظر يوما فى مسألة بيع الحر وهو العبد المرهون اذا أعتقه الراهن ،
ولا مال له غيره فأجاب الشافعى ، بجواز بيعه على أحد أقواله ، ومنع فتيان
منه ، لأنه يمضى عتقه بكل وجه ، وهو أحد أقوال الشافعى ، فظهر عليه الشافعى
فى الحجاج ، فضاق فتيان لذلك ذرعا ، فشتم الشافعى شتما قبيحا ، فلم يرد
عليه الشافعى حرفا ، ومضى فى كلامه فى المسألة ، فرفع ذلك رافع الى السرى
( الوالى ) فدعا الشافعى ، وسأله عن ذلك ، وعزم عليه فأخبره بما جرى ،
وشهد الشهود على فتيان بذلك ، فقال السرى : لو شهد آخر مثل الشافعى على
فتيان لضربت عنقه ، وأمر بفتيان فضرب بالسياط وطيف به على جمل وبين =

- ٣٣ -
علم الشافعى ومصادره
٢٢ - أسلفنا لك القول فى حياة الشافعى وأدوارها ، وتنقلاته
ورحلاته وذكرنا لك من علمه قليلا يوضح مناهج هذه الحياة وأطوارها ،
ولكن مصدر علم الشافعى جدير بأن يفرد له بحث قائم بذاته ، لا أن
يذكر فى عبر حياته ، وفى أثناء سرد الحوادث التى نزلت به ، لأنه
الأساس الذى قام عليه فقهه ، وفقهه هو لب الموضوع الذى نعنى بدرسه .
لقد شغل الشافعى الناس بعلمه وعقله ، شغلهم فى بغداد ، وقد نازل
أهل الرأى وشغلهم فى مكة ، وقد ابتدأ يخرج عليهم بفقه جديد يتجه
إلى الكليات بدل الجزئيات ، والأصول بدل الفروع ، وشغلهم فى بغداد ،
وقد أخذ يدرس خلافات الفقهاء ، وخلافات بعض الصحابة على أصوله
التى اهتدى إليها ، فما ذلك العلم الذى كان شغل العلماء الشاغل ، وما ينابيعه ؟
لقد ذكر بعض ذلك عرضاً فى حياته ، والآن نذكره فى باب قائم بذاته .
أجمع شيوخه وقرناؤه وتلاميذه الذين تلقوا عليه أنه كان علماً بين
العلماء لا يجارى ولا يبارى ، وسجلوا ذلك فى شهادات دونها التاريخ ،
فمالك شيخه يثنى عليه فى وقت لم يكن قد تكامل نموه ، وبلغ شأوه .
وعبد الرحمن بن مهدى بعد أن يقرأ رسالته فى الأصول التى كتبها إليه
بطلبه يقول : ((هذا كلام شاب مفهم)).
=ينادى ، هذا جزاء من سب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ان قوما
تعصبوا لفتيان من سفهاء الناس وقصدوا حلقة الشافعى حتى خلت من أصحابه
وبقى وحده فهجموا عليه وضربوه فحمل الى منزله ، فلم يزل فيه عليلا حتى
مات ، وقد تفيد هذه الرواية أن الموت هو سبب الضرب ، وسواء أصحت قصة
الضرب أم لم تصح ، فالمذكور فى أغلب الروايات أن العلة التى مات بها الشافعى
هى البواسير ، أصابه بسببها نزف شديد فلقى ربه راضيا مرضيا رحمه الله
تعالى .
( م ٣ - الشافعى)

- ٣٤ -
ومحمد بن عبد الحكم أحد تلاميذه بمصر يقول: ((لولا الشافعى
ما عرفت كيف أرد على أحد ، وبه عرفت ما عرفت ، وهو الذى علمنى
القياس ، رحمه اللّه فقد كان صاحب سنة وأثر وفضل وخير ، مع لسان
فصيح طويل ، وعقل صحيح رصين )) . ولقد قال أحمد بن حنبل فيه :
((ويروى عن النبى صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يبعث لهذه
الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها ، فكان عمر بن
عبد العزيز على رأس المائة ، وأرجو أن يكون الشافعى على رأس المائة
الأخرى)). وقال داود بن على الظاهرى: ((الشافعى من الفضائل ما لم
يجتمع لغيره من شرف نسبه ، وصحة دينه ومعتقده ، وسخاوة نفسه ،
ومعرفته بصحة الحديث وسقيمه وناسخه ومنسوخه ، وحفظ الكتاب
والسنة ، وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف)).
وهكذا نجد الشهادات تترى بمكانته من العلم فى عصره ، وارجع
إليها إن شئت المزيد فى الكتب التى تصدت لترجمته وبيان مناقبه رضى
الله عنه .
ولنترك تلك الشهادات جانباً ، وإن كانت لها مكانتها ، فقد يتهم قائلوها
بالتعصب له ، وقد يكون من المتعصبين عليه من يقول نقيضها ، وإن كان
باطلا ، ولكنها شهادة بشهادة ، ولئن تجاوزنا ذلك لنجدن شهادة أقوم
دليلا وأبين بياناً ، وهى ما تركه من آثار ، من أقوال مأثورة ، أو فتاوى
منثورة ، أو رسائل كتبها ، أو كتب أملاها ، أو خلافات دونها ، أو
مناظرات أقامها ، ففى كل ذلك الدليل على مقدار علمه ، ومقدار
مواهبه ، واتساع أفقه ، وفصيح بيانه ، وقوة جنانه ، فكان أكبر من
أديب ، وأكثر من فقيه .
٢٣ - أوتى رضى الله عنه علم العربية، وأوتى علم النكتاب ، ففقه
معانيه وطب أسراره ومراميه ، وقد ألقى شيئاً من ذلك فى دروسه ، قال
بعض تلاميذه : كان الشافعى إذا أخذ فى التفسير ، كأنه شاهد التنزيل ،

- ٣٥ -
وأوتى علم الحديث فحفظ موطأ مالك ، وضبط قواعد السنة وفهم مراميها
والاستشهاد بها (١). ومعرفة الناسخ والمنسوخ منها ، وأوتى فقه الرأى
والقياس ، ووضع ضوابط القياس والموازين ، لمعرفة صحيحه وسقيمه ،
وكان هو يدعو إلى طلب العلوم ، فقد كان يقول : من تعلم القرآن عظمت
قيمته ، ومن كتب الحديث قويت حجته ، ومن نظر فى الفقه نبل قدره ،
ومن نظر فى اللغة رق طبعه ، ومن نظر فى الحساب جزل رأيه . ومن لم
يصن نفسه لم ينفعه علمه .
وكان مجلسه للعلم جامعاً للنظر فى عدد من العلوم ، قال الربيع بن
سليمان: ((كان الشافعى رحمه اللّه يجلس فى حلقته إذا صلى الصبح ، فيجيئه
أهل القرآن فإذا طلعت الشمس قاموا ، وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره
ومعانيه ، فإذا ارتفعت الشمس قاموا ، فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر،
فإذا ارتفع الضحى تفرقوا ، وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر
فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار .
٢٤ - من أين جاءت للشافعى كل هذه المعرفة ، ومن الذى أوصله
إلى هذه المنزلة من العلم ، والتأثير فى جيله ، حتى صار القطب الذى
يدورون حوله ، ويتجهون صوبه ، ويقصدون إليه ؟
(١) لعلمه بمعانى السنة كان يسأله شيوخه أحيانا عما يغمض مما يتصل
علمه بالعربية وأخبار العرب جاء فى معجم ياقوت : ( تحدث بحديث عن النبى
صلى الله عليه وسلم: ( أقروا الطير على مكناتها ) وكان الشافعى الى جانب
ابن عينية فالتفت اليه فقال: يا أبا عبد الله ما معنى قول النبى صلى الله عليه
وسلم : أقروا الطير على مكناتها ، فقال الشافعى : ان علم العرب كان فى زجر
الطير والحظ والاعتياف ، كان أحدهم اذا غدا من منزله يريد أمرا نظر أول طير
يراه ، فان سنح عن يساره فاجتاز عن يمينه قال هذا طير الأيامن ، فمضى فى
لاجته ورأى أنه يستنجحها ، وان سنح عن يمينه فمر عن يساره قال هذا طير
الأشائم فرجع وقال هذه حال مشئومة ، فيشبه قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( أقروا الطير على مكناتها ) أى لاتهيجوها ، فان تهيجها ، وما تعلمون به
من الطيرة لا يصنع شيئا ، وانما يصنع فيما توجهون فيه قضاء الله عز وجل .

- ٣٦ -
إن العناصر التى يكون لها الأثر فى توجيه الإنسان إلى المعرفة ، ثم تحد
له مقاديرها ونوعها - هى فى نظرى أربعة عناصر :
(أولها ) وهو العماد والدعامة لغيره من العناصر - مواهب الشخص
واسعداداته ، ونزوعه .
( ثانيها ) من يصادفهم من الموجهين والشيوخ الذين يسنون له طريقاً
من سبل المعرفة ومناهجها ، ويخطون فى نفسه الخطوط التى تنطبع فيها
ولا تمحى .
( ثالثها ) حياته واختباراته وتجاربه ودراساته الشخصية .
( رابعها ) العصر الذى أظله ، والبيئة الفكرية التى كنفته ولابسته
وغذته ، ولنتكلم فى كل عنصر من هذه العناصر . فقد أثرت جميعها
فى تكوين الشافعى ، وكان لكل منها مقادير مناسبة فى تكوينه
وتوجيهه وتأثيره .
١ - مواهبه
٢٥ - لقد آتى الله الشافعى حظاً من المواهب بجعله فى الذروة الأولى
من قادة الفكر ، وزعماء الآراء .
(١) فقد كان الشافعى قوى المدارك ، كان قوياً فى كل قواه العقلية ،
كان حاضر البديهة ، تمثال عليه المعانى انثيالا فى وقت الحاجة إليها ، لم يكن
به حبسة فكرية ، ولم يكن ممن تغلق عليه الأمور ، بل كان يلقى
على ما يدرس ضوءاً من تفكيره ، فتتضح بين يديه الحقائق ، ويستقيم
أمامه منطقها ، فيسلك به مسالكها ، وكان عميق الفكرة بعيد الغوص ،
لا يكتفى من الأمور بدراسة ظاهرها ، بل يذهب بها إلى أعمق أغوارها ،
كان بعيد المدى فى الفهم لا يقف عند حد حتى يصل إلى الحق كاملا فيما
يراه ، وكان يتجه فى دراسته للحوادث وأحكامها إلى وضع ضوابط عامة

- ٣٧ -
لها ، فكانت دراسته طلباً للكليات والنظريات العامة ، لا دراسة جزئية
فقط ، ولا شك أن الدراسة الكلية تحتاج إلى عقل أقوى وفكر أنفذ ،
وبصيرة ثاقبة ، ولا تحتاج الدراسات الجزئية إلى مثل هذا ، ولقد كان من
نتيجة اتجاهه إلى الكليات من القضايا دون الجزئيات منها أن وضع علم
أصول الفقه أو أساسه .
(٢) كان الشافعى قوى البيان واضح التعبير بين الإلقاء ، أوتى مع
فصاحة لسانه ، وبلاغة بيانه ، وقوى جنانه ، صوتاً عميق التأثير يعبر
بنبراته ، كما يوضح بعباراته ، لقى مالكا . فأراد مالك أن يقرئه الموطأ
على بعض أصحابه فقال أقرأ عليك صفحا ، فما أن قرأ الصفح ، حتى رغب
مالك فى سماعه منه حتى آخره ، وذلك لما فى صوته ، من تأثير عميق ،
ولما له من حسن أداء ، وفصاحة نطق ، ولعمق تأثير صوته ، كان إذا
قرأ القرآن أبكى سامعيه .
وروى فى تاريخ بغداد عن بعض معاصريه أنه قال : كنا إذا أردنا
أن نبكى قلنا بعضنا لبعض ، قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبى نقرأ القرآن ،
فإذا أتيناه استفتح القرآن ، حتى تتساقط الناس بين يديه ، ويكثر عجيجهم
بالبكاء ، فإذا رأى ذلك أمسك عن القرءة .
ويروى أيضاً فى هذا الكتاب أن ابن أبى الجارود قال عن الشافعى :
ما رأيت أحداً إلا وكتبه أكثر من مشاهدته ، إلا الشافعى ، فإن لسانه أكثر
من كتابه ، وإذا كانت كتب الشافعى على أحسن ما تكون عليه الكتب
من جودة تعبير ، وحسن تصوير للفكرة ، فكيف تكون حال مشافهته ،
وهى أعلى عبارة ، وأكمل إشارة ، وأقوى أداء ، وأفصح بياناً ، كما جاء
على لسان بعض معاصريه فيما نقلنا ، ولقد بلغ من إجادته البيان أن سماه
ابن راهويه خطيب العلماء .
(٣) كان الشافعى نافذ البصيرة فى نفوس الناس ، قوى الفراسة
كشيخه مالك فى معرفة أحوال الرجال ، وما تطيقه نفوسهم ، وتلك صفة

- ٣٨ -
لازمة للمناظر الأريب الذى يريد أن يجذب خصمه إليه ، كما هى لازمة
للأستاذ الذى يلقى على تلاميذه القدر الذى يطيقونه من المعرفة ، فيوائم
بين طاقتهم فى الفهم وطاقته فى التعيين والحقائق العلمية المناسبة ، وكان
بصر الشافعى بهذا مع قوة بيانه سبباً فى أن التف حوله أكبر عدد من
الصحاب والتلاميذ .
يروى أنه عندما دخل بغداد كان يلتف به ستة من الصحاب ، ولكن
ما أن دخل فى المسجد الجامع ، حتى اتسعت حلقة درسه ، فما بقيت فى
المسجد حلقة لغيره ، وكانت قبله يقارب عددها الخمسين ، كما جاء فى
تاریخ بغداد .
وقد كان لخبرته بنفوس الناس لا يعطى سامعيه من العلم إلا بمقدار
ما يألفون ، ويجتهد فى ألا يعرفهم من نفسه إلا بما يطيقون ، جاء فى معجم
ياقوت : أنه كان يتناشد مع بعض معاصريه شعر هزيل ، فأتى عليه
الشافعى حفظاً ، وقال لمن كان يتناشد معه : لا تعلم بهذا أحداً من أهل
الحديث ، فإنهم لا يحتملون ذلك . وهكذا تجد الشافعى لا يجىء الناس
إلا بمقدار ما يطيقون ، ولا يحب أن يعلم عنه أصحابه إلا ما يستسيغون ،
وإن كان ما يخفيه عنهم هو علم مطلوب ، وأمر يعرفه الشرع ولا ينكره .
(٤) كان الشافعى صافى النفس من أدران الدنيا وشوائبها ، ولذلك
كان مخلصاً فى طلب الحق والمعرفة ، صادق النظر فى الاتجاه إلى الحقائق ،
يطلب العلم اللّه ويتجه فى طلبه إلى الطريق المستقيم ، وفى الحكمة المشرقية
أن الاتجاه المخلص فى طلب الحقائق يقذف فى القلب بنور من المعرفة ،
ويوجد فى النفس صفاء تجعل الحقائق تتضح والعقل يدرك ، والفكر
يستقيم ، ثم تجعل العبارات صادقة التعبير عن المعانى الصحيحة ، وبذلك
يكون الرأى قويماً والتعبير سليما .
وإن إخلاص الشافعى فى طلب الحقائق لازمة فى كل أدوار طلبه للعلم ،

- ٣٩ -
فإذا اصطدم إخلاصه مع ما يألفه الناس من آراء ، أعلن آراءه فى جرأة
وقوة ، رأى فى التاريخ وأخبار الصحابة مكانة على فمضى فى إعلان مكانته ،
فيرمى بأنه رافضى فما يهمه الرمية (١) بمقدار ما يهمه إعلان الحق والمعرفة،
فيعتمد فى أحكام البغاة على قتال على مع الخارجين عليه جميعاً ، ويذكر
فضل أبى بكر رضى الله عنه ، فيرمى بأنه ناصبى ، أى ممن يناصبون آل
البيت العداوة فلا يلتفت إلى هذه ، كما لم يلتفت إلى الأولى ، بل يقول
فى هذا المقام :
روافض بالتفضیل عند ذوی الجهل
إذا نحن فضلنا علياً فإننا
رميت بنصب عند ذكرى للفضل
وفضل أبى بكر إذا ما ذكرته
أدين به حتى أوسد فى الرمل
فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما
وإذا اصطدم إخلاصة للحقائق بإخلاصه لشيوخه آثر الحقائق ، فلم
يمنعه إخلاصه لمالك أن يخالفه ، ويعلن هذا الخلاف لما بلغه أن الناس فى
الأندلس يستسقون بقلنسوته ، ويعارضون أحاديث رسول الله صلى اللّه
عليه وسلم بأقواله ، ولم يمنعه إخلاصه لمحمد بن الحسن من أن يناظره ،
وأن يشتد عليه فى المناظرة وأن يغالب أصحاب محمد حتى ينتصف لأهل
الحجاز منهم ، فيسمى ناصر الحديث ، وهكذا كان يسير فى كل أدوار
طلبه للعلم مستنيراً بنور الإخلاص للحق لذات الحق ، ولذا كان يستقبل
مناظريه بإخلاص المحق ، فيظفر بهم ما دام الحق مطلبه .
كان يعتقد أن أساس الشريعة الإسلامية كتاب الله وسنة رسوله ،
وما كان يعتقد أنه أحاط بسنة رسول اللّه علماً ، فكان بحث أصحابه على
طلب الحديث ، وإن رأوا صحيحاً يخالف ما يقرره ، فليرفضوا رأيه
(١) ويقول فى هذا شعرا جريئًا ، فيقول :
واهتف بقاعدة خيفها والناهض
يا راكبا قف بالمحصب من منى
فيضا كملتطم الفرات الفائض
فليشهد الثقلان أنى رافضى
سحرا اذا فاض الحجيج الى منى
ان كان رفضا حب آل محمد

- ٤٠ -
ويأخذوا بالحديث . جاء فى معجم ياقوت مسنداً إلى الربيع بن سليمان :
سمعت الشافعى ، وقد سأله رجل عن مسألة ، فقال يروى عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا ، فقال له يا أبا عبد الله أتقول
بهذا ، فارتعد الشافعى ، واصفر لونه ، وحال وتغير ، وقال أى أرض
تقلنى وأى سماء تظلنى ، إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم
أقل : نعم على الرأس والعينين ، ويقول الربيع أيضاً : سمعت الشافعى
يقول : ما من أحد إلا وتذهب عنه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وتعزب ، فمهما قلت من قول ، أو أصلت من أصل ، فيه عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم وهو قولى ، وجعل يردد هذا الكلام .
وهناك نوع من الإخلاص يختص اللّه به صفوة عباده الذين يكونون
قدوة الناس ، وأسوتهم ، وهو الفناء فى الفكرة التى اختص بها المؤمن ،
والإخلاص بهذا الشكل مرتقى صعب ، ومطلب عزيز ، فإن الذين
يصاولون بالبيان ، وينازلون بالحجة ، ويقارعون بالدليل ، ويندر فيهم
من لم يدخله زهو ويناله حب علو ، ولكن الشافعى كان من هذا القليل
النادر ، ولذا ما كان يغضب فى جدال ، ولا يستطيل بحدة لسان فى نزال ،
لأنه يبغى الحق من جدله ، ولا يريد به علواً ، ولقد بلغ من زهده فى جاه
العلم ، وإخلاصه لطلب الحق وفنائه فيه أن كان يتمنى أن ينتفع الناس
بعلمه من غير أن ينسب إليه ، فقد جاء فى تاريخ ابن كثير أنه كان يقول :
وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ، ولا ينسب إلى شىء منه ، فأوجر
عليه ولا يحمدونى ، ولقد كسبه الإخلاص ذكاء قلب ، ونبل غرض ،
وقوة نفس ، وتباعداً عن الدنايا ، وتسامياً عما لا يليق بالرجل الكامل ،
قال يحيى بن معين فى وصفه : لو كان الكذب له مباحاً لكانت مروءته
تمنعه أن يكذب ، وهذا أسمى ما يصل إليه المخلص الصدوق .