النص المفهرس
صفحات 1-20
الإمام محمد ابوزهرة الشَعَافِعِى حياة وعصره- آراؤه وفقهه ١٩٧٨ ملتزم الطبع والنشرْ دار الفكر العربى بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين. أما بعد ، فهذه هى الطبعة الثانية لكتاب ( الشافعى ) الذى ألقيته دروساً على طلبة الشريعة فى قسم الدكتوراه بكلية الحقوق عام (١٩٤٤ - ١٩٤٥) وقد كانت الطبعة الأولى قليلة العدد ، محدودة النشر ، إذ لم تتجاوز الطلبة ، وأصدقاءنا وزملاءنا وبعض الخاصة من رجال القضاء والباحثين ، ولم يكن عددها يسمح بأن يذيع الكتاب بين الملأ من جمهور القراء والدارسين . ولم يحدث فى هذه الطبعة تغييراً ، لأنا أردنا أن ننشر صور صحيحة لما ألقيناه من دروس ، ولأن الزمن الذى مضى على الطبعة الأولى ، لم يكن طويلا لكى نتمكن فيه من معاودة النظر ، وترديد الفكر ، ولأنا شغلنا فى ذلك الزمن بالكتابة فى غيره من الأئمة ، فكتبنا فى أبى حنيفة ومالك ، لم يجىء إلينا بعد من النقد ما يدفعنا إلى النظر والوزن والتغيير . فستكون بإذن الله هذه الطبعة خالية من التغيير أو تكاد حتى إذا تناولها القراء الكرام بالفحص والتمحيص ، وأمدونا بإرشادهم ، انتفعنا به فى الطبعة التالية ، وفقنا الله سبحانه وتعالى لما يرضيه ، وسدد خطانا، وهدانا إلى سواء السبيل . جمادى الأولى ١٣٦٧ مارس سنة ١٩٤٨ محمد أبو زهرة بسم عبد الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الأولى الحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد - فهذه دراسة للإمام الشافعى رضى الله عنه ، هى خلاصة ما ألقيه من دروس على طلبة قسم ( الدكتوراه ) فى هذا العام ، درست فيها حياة الشافعى ، وعناصر تكوينه ، فدرست نشأته الأولى ، وما اكتنفها من أمور ، وما لابسها من أحداث ، وما بينت ما من اللّه به عليه من مواهب ، وما اختص به من سجايا أرهفها الزمان ، ودرست عصره ، وكيف كان عصر العالم الإسلامى ، تكامل فيه نموه ، واستقام عوده ، وبينت كيف نهل من هذا ، واستقى من ينابيع الفقه فيه أينما كانت ، وحيثما ثقفها ، فلم يترك فقيهاً كان له أثر فى عصره إلا أخذ عنه ، أو أخذ عن صحابته ، أو درس كتبه ، لا تمنعه نحلة ذلك العالم من الأخذ عنه ، فلا يهمه الوعاء الذى نقل فيه الغذاء ، ولكن تهمه قيمة ذلك الغذاء ، فقد أخذ عن بعض المعتزلة ، وإن بغض إليه مذهبهم الكلامى ، وأخذ عن بعض الشيعة ، وإن لم يسلك مسلكهم السياسى . ولكل ذلك من بحثنا فضل بيان . حتى إذا بينت حياته وخصائصه ، والمجاوبة بين نفسه وروح عصره ، اتجهت إلى بيان آرائه ، فأشرت فى إلمامة موجزة واضحة إلى آراء له حول العقيدة ، وإلى رأيه فى الحكومة الإسلامية ، أى إلى رأيه فى الخلافة ولمن تكون . ثم اتجهت بعد ذلك إلى أثره الخالد، وهو فقهه، فكان له الحظ الأكبر من المجهود ، إذ هو الغرض المقصود ، والغاية المنشودة من هذه الدراسة . - ٥ - درست أولا رواية كتبه ، وناقشت أقوال العلماء والمؤرخين حولها ، وما أثير نحوها من جدل ، وقررت ما رأيته الرأى الحق السليم . ثم عنيت بعد ذلك بأمرين: أحدهما - الأصول الفقهية التى استخرجها ، وعنيت ببيان ذلك ، لأن علم الأصول مدين للشافعى بهذه القواعد ، لأن باستخلاصه لها وبيانها - قد اعتبر واضع ذلك العلم ، ومن حق الشافعى ونحن ندرسه أن نبين البدء الذى سبق الناس إلى بيانه ، ولأن قواعد الاستنباط التى بينها هى أصول مذهبه التى تقيد بها فى استنباطه ، فدراستها دراسة لذلك المذهب ، ولذلك فصلنا تلك النواحى ، واستفضنا فى بيانها ، ولم نستغن بالإجمال عن التفصيل . ثانيهما - حال المذهب بعد الشافعى ، فبينا بعض ما عراه ، وكيف انتشر فيما انتشر فيه من أقاليم ، والخلاف بين الذين جاءوا من بعده تابعين له ، وأساس ذلك الخلاف : وإنا لنرجو بعد هذا أن نكون قد وفقنا فى هذه الدراسة ، فأعطينا طالبى الفقه الإسلامى ، صورة للشافعى وفقهه ، والله ولى التوفيق ، وهو نعم المولى ونعم النصير . ذو القعدة سنة ١٣٦٣ نوفبر سنة ١٩٤٤ ) محمد أبو زهرة تِهَيْد ١ - دراسة تاريخ علم من العلوم هى دراسة لذلك العلم ، إذ هى تتبع الأدوار التى مرت عليها مبادئه متدرجة فى نشوئها وتكوينها ، من حال السذاجة الأولى ، إلى أن تكامل نموه ، واستقام عوده ، واستغلظت سوقه ، وآتى أكله ، ووصل إلى الغاية ، وهذه الدراسة هى بلا ريب دراسة لذلك العلم ، ثم إن دراسة تاريخ ذلك العلم تعطيك صورة للمحاولات والجهود التى بذلت فى سبيله ، والمناهج التى اتبعت للوصول إلى غاياته ، وذلك بلا ريب يجعل طالب هذا العلم على بينة من مبادئه ونتائجه ، ومقدمه وتاليه ، لهذا كله كانت دراسة تاريخ الفلسفة جزءاً من دراسة الفلسفة ، ودراسة تاريخ القانون جزءاً من دراسة القانون ، وكان حتما لازماً أن تكون دراسة تاريخ الفقه الإسلامى جزءاً من دراسة ذلك الفقه لمن يعنى به ، ويجتهد فى تعرف غاياته ومراميه . ٢ - وإن دراسة تاريخ العلم لها شعبتان: ( إحداهما) دراسة الأطوار التى مرت عليها نظريات العلم ، ومجموعة المعلومات فيه ، لا يعرض فيه الدارس إلى أصحاب هذه النظريات إلا بمقدار نسبة النظرية إليهم ، وتعريف القارىء بهم إجمالا ، وتكون العناية أكثر بمعرفة البيئات التى احتضنت هذه النظريات ، حتى بلغت تمام نموها ، والفراغ الذى ملأته ، وحاجات العصر التى أشبعتها ، وأثرها فى نظامه الاجتماعى إن كانت تتعلق بالاجتماع ، وكان لها نصيب من العمل ، وهذه الشعبة لها فى فائدتها ، إذ هى ترى طالب العلم والشادى فيه ، حلقات العلم متسلسلة متماسكة ، يأخذ بعضها بحجز بعض ، وتقرأ فيه مع قواعد العلم ما تحمله من صور العصور المختلفة التى عبرتها ، ثم تراها وقد صقلتها التجارب وثقفها الزمان ، وأرهقها العمل . - ٧ - ( الشعبة الثانية ) دراسة أصحاب النظريات العلمية دراسة تحليلية ، يدرس فيها الدارس المحاولات الشخصية التى يبذلها العالم فى إقامة دعائم العلم الذى تخصص فيه ، ومقدار الأثر الذى تركه فى ذلك العلم ، والمناهج التى سلكها والغايات التى كان يرمى إليها ، ومقدار نجاحه ، ثم النتائج التى وصل إليها ، ثم تسليمه للأخلاف الثمرة التى جناها ، وعمل هؤلاء الأخلاف فيها ، وتلقى الناس لها ، وعمل البيئات المختلفة ، وتمريس الزمان لها من بعد . والفرق بين هذه الشعبة وسابقتها ، أن الأولى تدرس فيها أدوار العلم وحضانة العصور لنظرياته ، من غير اتجاه إلى بيان محاولات العلماء فى تكوين هذه النظريات . أما الثانية ، فهى عمل العلماء فى تكوين النظريات أو تقويمها ، ثم تسلم الزمان إياها ، وتلقى الأخلاف لها . ٣ - وإن من الشعبة الثانية دراسة المجتهدين فى الفقه الإسلامى الذين أقاموا دعائمه ، وشادوا بنيانه ، فيدرسون دراسة عميقة ، تبين فيها المسالك التى سلكوها والأصول التى وضعوها ، والمقاييس التى قاسوا بها الأشياء ، وأوصلتهم إلى النتائج التى وصلوا إليها ، وفيها تبين البيئات التى أثرت فى نفس الفقيه ، وأظلته ، ثم وجهته مع مواهبه إلى الوجهة التي اختارها ، والآراء التى ارتآها . وإن دراسة أولئك المجتهدين فى هذه الدراسة التحليلية أمر لا بد منه للشادى فى علم الفقه الإسلامى ، الذى يرمى إلى بلوغ الغاية فيه ، لأن هذه الدراسة فيها تتبع لتكوين المذاهب ، إذ المذاهب الإسلامية تنسب جملة إلى أصحابها المنشئين لها ، المجتهدين فى تكوينها ، فدراسة صاحب المذهب ومحاولاته فى تكوينه ، وتأصيل أصوله وتفريع فروعه هى استقاء المذهب من ينابيعه الأولى الصافية ، وهى تعرف لروحه ، ومتابعة أدوار حياته ، كمن يتتبع نواة قد ألقيت فى مكان خصيب ، وهى تأخذ نموها ، فيستعرض حياتها فى جملة أدوارها ، حتى تصير شجرة فينانة ، وارفة الظلال ، مهدلة الغصون . ثم إن أخذ المذهب من دراسة صاحبه ، ومن كلامه و تفكيره وتوجيهه ، - ٨ - فيه استشعار النفس لطائفة الأفكار والأحاسيس والمشاعر التى كانت تظل المجتهد عند قوله ، وبذلك يكون الإدراك تماماً ، والإنصاف كاملا ، ويكون الحكم على آراء المجتهد حكما صحيحاً ، وتكون مقابلته بغيره على أساس مستقيم . إن القاضى العادل هو الذى يتعرف نفوس المتقاضين ، ويتغلغل فيها ، فيعرف سلامتها وبراءتها ، أو تدليها وتدسيتها ، كذلك العالم الذى يريد معرفة الآراء والحكم عليها ، وقيمها مضافة إلى صاحبها ، عليه أن يدرس هذه الآراء كما قالها أصحابها مقترنة بالدوافع النفسية والاجتماعية التى حملتهم على قولها ، والسير فى سبيلها ، أى أن عليه أن يدرس الأشخاص ونظرياتهم ، من غير أن يفصل بينهما بفاصل ، إلا ما أوجبته البيئة ، ووجهته شئون الاجتماع ، بل حتى ذلك يكون منعكساً فى نفس المجتهد مصوراً فيها : ٤ - هذا وإن دراسة المجتهد تتقاضانا حتما أن ندرس الأصول التى سنها والمقاييس التى قاس بها الحقائق ، كما نوهنا . وإن دراسة ذلك تبين لنا الحدود والرسوم ، التى تعين أقطاره ، وتحد مساره ، وإن معرفة ذلك له ثمرات دانية القطوف ، إذ هى معرفة ذلك المذهب ومنطقه ، وبهذه المعرفة يسهل معرفة الاجتهاد فى المذهب ، وتفريع الفروع فيه ، وتخريج الحوادث على مقتضى أصوله ، ويتسنى لنا بذلك أن نعرف مقدار الصواب فى اجتهاد المجتهدين فى تخريج الأحكام فيه ، إذ بين أيدينا المقاييس الضابطة التى نقيس بها ذلك التخريج ، فنعرف خطأه وصوابه وتجانفه عن المذهب أو استقامته مع أصوله . وإن دراسة مقاييس المذهب وأصوله منبعثة من نفس صاحبه ، وجارية على لسانه ، أو مسطورة بقلمه . تبين لنا أسباب النمو فى ذلك المذهب ، واتساع رحابه وضيقه ، ومرونة تطبيقه على الأحداث أو جموده . فمن ذا الذى يدرس أصول المذهب الحنفى ، ويعرف أن منها الأخذ بالعرف فيما لم يرد فيه نص ، أو يحمل على نص . ثم لا يحكم بأن ذلك يوسع آفاق المجتهد فيخرج الحوادث على مقتضى العرف ، ويكون بذلك مطبقاً لأصول الحنفية - ٩ - حيث لا نص ، ومن ذا الذى يعرف أن من أصول المذهب المالكى الأخذ بمبدأ المصالح المرسلة ، وهى المصالح التى ليس لها شاهد من الشرع بالحظر أو الإباحة . ثم لا يجد أن ذلك المذهب يتسع رحابه لكل ما يجد من أحداث ، فيسن تحت ظل تلك المصالح ما ينبغى أن يكون من أقضية . ٥ - هذا وإن دراسة المجتهد من المجتهدين توجب معرفة عمله لبقاء مذهبه من بعده بتدوينه له ، أو إملائه لأصحابه ، أو مذكراته معهم ، ثم روايتهم لهذه المذاكرة ، وهذه الدراسة ترينا مقدار قوة السند فى ذلك المذهب ، فندرس نسبة الكتب إلى صاحب المذهب ، وصحة هذه النسبة ، وما اشتملت عليه إبان كتابتها وما حوته دفاتها الآن ، وندرس حال أصحابه فيما تلقوه عنه ، ونقلوه ، ومقدار صحة نقلهم ، ونسبة ذلك النقل إليهم ، وهكذا ، أى نتعرف رواية ذلك المذهب ، وكيف سلم للأجيال ، القدر الذى نقله التاريخ ، وما يظن أنه طوى فى لجته ، فلم يستحفظ عليه ولم يصنه ، حتى يصل إلى الأخلاف بسند صحيح يعتمد عليه ، أو يطمأن إليه . ثم ندرس ما نقل إلينا نقلا صحيحاً من آراء صاحب المذهب ، أهى آراء مات مصراً عليها ، أم رجع عنها ، وبدل غيرها مكانها إذ لاح له دليل لم يكن قد علمه من قبل ، أعرف سنة قد تلقاها من بعد ، أو عملا للرسول قد وصل إليه فعاد بعد التلقى والوصول إلى قول الرسول أو عمله ، وقد يكون ما نقله صاحب المجتهد هو الرأى الذى رجع عنه ، إذ لم يعلم بالرأى الآخر الذى اهتدى إليه ، وقد رأينا للشافعى صحاباً قد نقلوا عنه مذهبه القديم وجلهم من العراق ، وآخرين قد نقلوا عنه مذهبه الجديد ، وجلهم من مصر ، وكتب المذهب الشافعى التى ألفت بعد عهد صحابته جامعة بين القديم والجديد ، وقد تميزهما أحياناً ، وتتركهما من غير تمييز أحياناً ، فتحكى فى المسألة رأيين من غير أن يتبين القديم والجديد . وأن هذه الدراسة لها مكانتها من الفقه ، لأنها تعلمنا بأسباب الاختلاف - ١٠ - ١ فى المذهب الواحد ، وتشعب مسائله وقوته من حيث الدليل ، ومن حيث نسبته إلى صاحب المذهب . ٦ - ولا نكتفى فى دراسة المجتهد ومذهبه بما أسلفنا ، بل نتتبع المذهب بعد ذلك ، وما عمله وما تابعوه من تخريج على أصوله ، واجتهاد فيه ليكون قابلا للحكم على ما يحدث من أحداث ، وقياس أمور لم يرد لها حكم فى المذهب على أمور قد ورد لها حكم فيه ، وبذلك تتسع آفاق التفريع ، وتتولد أحكام لأمور لم تكن إبان وجود صاحبه ، بقياسها على أحكام أمور وجدت فى عهده أو عهد صحابته ، أو بتخريجها على أصوله وقواعده ، وفى هذا المقام تختلف الأنظار ، وتتباين الأفكار ، ويختلف المجتهدون فى المذهب الواحد ، فيكون لكل منهم رأى ، وهذا ولا شك نمو فى المذهب ، وتوسيع لآفاقه ، وتتبع ذلك المقدار نموه ، وقرب المجتهدين فيه من أصول صاحبه أو تباعدهم عنها . وأن البيئات لها أثرها فى توجيه المذهب ذلك الاتجاه ، فإن توالى الأحداث هى التى تفتق عقول علماء المذهب إلى الاجتهاد فى استنباط أحكام صالحة ، تبنى على المعروف من قواعده وأحكامه وإن البيئات هى التى توجه المجتهد إلى الحكم بنوع معين ، وكثيراً ما ترى المتأخرين فى بعض المذاهب يخالفون المتقدمين ، ويقولون إن فى ذلك اختلاف عصر ، بل كثيراً ما تجد فقهاء المذهب فى إقليم يحكمون فى مسائل عندهم على غير ما يحكم به علماء هذا المذهب فى إقليم غيره ، وهكذا نرى البيئات تعمل عملها فى اجتهاد المجتهد ، لما للعرف من سلطان ، ولاختلاف الأحداث ونوع علاجها ، ووضع دواء ناجع لها . ٧ - هذا كله يكون عند دراسة مجتهد من المجتهدين ، وهى دراسات لا بد منها ، فيها يعرف المذهب ، كيف استنبطه صاحبه والأصول التى قام عليها ؛ وكيف تلقاه الأخلاف من بعده ، والسند الذى يربط المعاصرين بصاحب المذهب ، وقوة الرواية فيما وصل إلينا من مذهب ذلك المجتهد ، ونمو المذهب ، وعمل البيئات المختلفة فيه . - ١١ - الشافعى ٨ - قد اخترنا لدراسة هذا الإمام الشافعى ، فابتدأنا به دروسنا ، لأن الشافعى يمثل فقهه تمام التمثيل الفقه الإسلامى فى عصر ازدهاره وكمال نموه ، فهو يجمع بين فقه أهل الرأى وفقه أهل الحديث بمقادير متعادلة ، وهو الفقيه الذى ضبط الرأى ووضع موازين القياس ، وأول من حاول ضبط السنة ، ووضع موازين لها ومقاييس ، ووضح الطرق لفهم الكتاب والسنة ، وبيان الناسخ والمنسوخ ، وبهذه المحاولات ، وسائر ما وضعه من أصول الفقه قد وضع المبادىء الثابتة لصناعة الاستنباط ، وأصول التخريج ، فالدارس له ، ولطريقة استنباطه ، يدرس الفقه الإسلامى ، وقد تكامل نموه ، ووضحت معالمه ، واستقامت مناهجه . وإن الدارس للشافعى وفقهه بمس بدراسته فقه أهل الحجاز ومناهج بحثهم لأنه تخرج على مالك إمام دار الهجرة ، وشيخ الحجاز فى عصره ، ويمس بدراسته فقه أهل العراق ، لأنه درس كتبهم . واتصل بمحمد بن الحسن مدونها ، وأقام بين ظهرانيهم ، وجادلهم وقارعهم ، والمجادل متأثر بمسلك مجادله وطريقته وتفكيره ، كالمحارب يتأثر بمسلك محاربه وخططه وتفكيره فإن عدوى الأفكار كما تصل من النصراء ، تصل من الخصوم ، ولقد عكف بعض الحنابلة على رد بعض الملاحدة ، فلاحظوا أن بعض آراء مخالفيهم تصل إليهم من حيث لا يشعرون عن طريق عدوى الأفكار والآراء ، فهو بهذا قد أخذ من الهجين ، فدراسته لنواحى الفقه الإسلامى فى مجموع نواحيه ، وهو يسير فى أعلى مدارج النمو والكمال . والشافعى فوق ذلك هو الذى وضع أصول الفقه ، أى الأصول العامة للاستنباط . فدراسته دراسة لأصول الفقه ، وقد ابتدأ محد ، ويتحيز ، ويتخذ لنفسه مكاناً مفصلا عن دراسة الفرع ، وضوابطها العامة ، وإن . - ١٢ - تلك الدراسة لها ثمرتها ، ولها جدواها ، لأنها دراسة تاريخ علم آخر غير علم الفروع وأحكامها . وإن الشافعى قد أملى أو دون كتبه الجامعة لأصول مذهبه ، ومناحى اجتهاده فهو قد عبر السبيل ، ووضع الصواب والأعلام ، وأنار الطريق ، لمن أراد دراسته ، ومعرفة طريقته . وسندرس فى هذا البحث نشأته ، وثقافته ، وشيوخه ، وتلاميذه ، وهذا كله دراسة لحياته . ثم ندرس عصره ، ثم ندرس فقهه ، فندرس كتبه وكيف وضعت ومقدار الثقة فيها ، وندرس الأصول التى وضعها للاستنباط عامة والمناهج التى سلكها لاستنباط مذهبه ، والفكرة الجامعة له ، ثم ندوس المذهب وانتشاره . وعوامل نموه . القِْم الاول حياته وعصره - ١٤ - حياة الشافعى مولده ونسبه أكثر الرواة على أن الشافعى قد ولد بغزة بالشام ، وعلى ذلك اتفق رأى الجمهرة الكبرى من مؤرخى الفقهاء ، وكاتبى طبقاتهم ، ولكن وجد بجوار هذه الرواية التى اعتنقها هذه الكثرة من يقول (١): إنه ولد بعسقلان وهى على بعد ثلاثة فراسخ من غزة ، بل وجد من يتجاوز الشام إلى اليمن ، فيزعم أنه ولد باليمن ولكن الكثرة قد علمت ما رجحت ولقد حاول بعضهم الجمع بين هذه الروايات ، فذكر أن معنى رواية ولادته أنه ولد بالمن ونشأ بعسقلان وغزه ، وعسقلان كلها من قبائل " المن وبطونها ، وقال فى ذلك ياقوت : وهذا عندى تأويل حسن إن صحت الرواية . وقد اتفقت الرويات على أنه ولد سنه ١٥٠ هـ ، وهى السنة التى توفى فيها الإمام أبو حنيفة ، ولقد زاد بعضهم فقال إنه ولد فى الليلة التى توفى فيها أبو حنيفة ، وما كانت هذه الزيادة إلا ليقول الناس مات إمام ، فجاء فى ليلة موته إمام آخر ، وما لذلك فضل جداء . والرواية التى تعتنقها الكثرة العظمى من مؤرخى الفقهاء بالنسبة لنسبه أنه ولد من أب قرشى مطلبى ، وتقول تلك الكثرة فى سلسلة نسبه أنه محمد ابن إدريس بن العباس ، بن عثمان ، بن شافع ، بن السائب ، بن عبيد ، بن عبد يزيد ، ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف . فهو يلتقى مع النبى صلى الله عليه وسلم فى عبد مناف . والمطب الذى ينتهى الشافعى أحد أولاد عبد مناف الأربعة ، وهم المطلب ، وهاشم ، وعبد شمس جد الأمويين ، ونوفل جد جبير بن مطعم ، والمطلب هذا هو الذى ربى عبد المطلب ابن أخيه هاشم جد رسول الله (١) الروايات الثلاث رويت على لسان الشافعى روى أنه قال: (ولدت بغزة سنة خمسين ومائة وحملت الى مكة وأنا ابن سنتين ، وروى أنه قال : ولدت بعسقلان ) ، ويقول ياقوت عسقلان من غزة على ثلاث فراسخ . وكلاهما من فلسطين ، وروى أنه قال : ولدت فى اليمن فخافت أمى على الضيعة فحملتنى الى مكة ) . - ١٥ - صلى الله عليه وسلم ، ولقد كان بنو المطلب وبنو هاشم حزباً واحداً ، يقاومه بنو عبد شمس فى الجاهلية ، وكان لذلك أثره فى الإسلام فى أمرين : أحدهما : أن قريشاً لما قاطعوا النبى صلى الله عليه وسلم ومن يناصره من أهل بيته انضم إلى نصرته بنو المطلب، مسلمهم وكافرهم فى ذلك سواء، وقبلوا الأذى معه عليه السلام . ثانيهما : أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل لهم فى سهم ذوى القربى المنصوص عليه فى قوله تعالى: (( واعلموا أنما غنمتم من شىء فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل))، ولم يجعل ذلك لبنى عبد شمس وبنى نوفل . روى جبير بن مطعم أنه قال : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوى القربى من جبير على بنى هاشم وبنى المطلب ، ومشيت أنا وعثمان ابن عفان ، فقلت يا رسول الله : هؤلاء إخوتك من بنى هاشم لا ينكر فضلهم ، لأن الله تعالى جعلك منهم ، إلا أنك أعطيت بنى عبد المطلب ، وتركتنا ، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال صلى الله عليه وسلم (إنهم لم يفارقونا فى جاهلية ولا إسلام ، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد ، ثم شبك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى يديه فى الأخرى) (١). هذا ما يعتنقه الجمهور بالنسبة لنسبه ، ولكن بعض المتعصبين ضده من المالكية والحنفية فى الوقت الذى ساد فيه التعصب للمذاهب إلى درجة التنافر بين مقلديها - زعموا أن الشافعى لم يكن قرشياً بالنسب ، بل كان قرشياً بالولاء ، لأن شافعاً جده كان مولى لأبى لهب ، ولم يلحقه عمر بموالى قريش ، ثم ألحقه عثمان من بعد عمر بهم ، وهذا الزعم باطل ، وهو يخالف المشهور الذى ذكره الشافعى عن نسبه ولم يكذبه فيه أحد من مخالفيه فى عصره ، وإن الثقات من الرواة قد نقلوه وتناقلته كتب الأخبار واستفاض ، (١) من أجل ذلك طلب الشافعى أن يجعل له نصيب فى سهم ذوى القربى فأجيب طلبه . - ١٦ - وعلى من زعم خلاف المشهور المستفيض أن يأتى بحجة أو سند صحيح يثبت دعواه ، وليس لهؤلاء حجة (١). ١٠ - وأما أمه فهى من الأزد ، وليست قرشية ، ولكن زعم بعض المتعصبين للشافعى أنها قرشية علوية ، ولكن الصحيح أنها أزدية ، وذكر الفخر الرازى أن رواية أنها قرشية شاذة تخالف الإجماع ، ولقد قال فى هذا المقام: ((وأما نسب الشافعى من جهة أمه ففيه قولان : الأول وهو شاذ رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ ، وهو أن أم الشافعى رضى الله تعالى عنه هى فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه. والثانى المشهور أنها من الأزد )). وكل الروايات التى رويت عن الشافعى فى نسبه تذكر على لسانه أن أمه من الأزد وانعقد على ذلك الإجماع ، وفى نسب الشافعى بأبيه غناء يغنيه عن ادعاء القرشية لأمه بغير حق . ١١ - تبين من هذا السياق الذى سقناه أن الشافعى كان قرشياً ، وقد نشأ من أسرة فقيرة كانت مشردة بفلسطين، وكانت مقيمة بالأحياء اليمنية منها، ولقد روى عن الشافعى عدة روايات تدل على أن أباه مات صغيراً ، وأن أمه انتقلت به إلى مكة ، خشية أن يضيع نسبه الشريف ، فلقد جاء فى معجم (١) قد ورد فى الفخر الرازى قول المتعصبين من المالكية والحنفية من ثلاثة وجوه ( أولها ) أن المخالفين له من المالكية والحنفية وغيرهم فى عصره كانوا يجادلونه ، ومنهم من كان يحسده وينال منه ، فلو كان غير قرشى لطعنوا فى نسبه ، ولو طعنوا لاشتهر ذلك عنهم ، ولم ينتقل من مجادليه شىء من ذلك ( ثانيها ) أن الشافعى أدعى ذلك النسب فى حضرة الرشيد عند اتهامه مع العلوية الذين خرجوا على الرشيد ، فلو كان من الموالى ما ادعى انه ابن عم الخليفة ، وقد جىء مكبلا خائفا يترقب ، ولو لم يكن النسب مما يظهر كالشمس ما ادعاه عاقل كالشافعى فى مثل هذا المقام ( ثالثها ) أن أكابر العلماء شهدوا بهذا النسب : قال محمد بن اسماعيل البخارى فى التاريخ الكبير عند ذكر الشافعى ( محمد ابن ادريس الشافعى القرشى) وقال مسلم بن حجاج . وعبدالله ابن السائب والى مكة ، وهو أخو الشافعى بن السائب جد ابن ادريس ) ، ولا نزاع فى أن عبد الله بن السائب قرشى أ هـ · ملخصا من مناقب الشافعى ص ٨٧ ٠ - ١٧ - يا قوت فى إحدى الروايات عن الشافعى أنه قال : ولدت بغزة سنة خمسين ومائة ، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين ، وروى عنه أنه وصل إلى مكة وهو فى العاشرة ، فلقد قال الخطيب فى تاريخ بغداد بسند متصل إلى الشافعى أنه قال : ولدت باليمن فخافت أمى على الضيعة ، وقالت ألحق بأهلك فتكون مثلهم، فإنى أخاف أن تغلب على نسبك، فجهزتنى إلى مكة فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه بذلك ، فسرت إلى نسيب لى وجعلت أطلب العلم . ولا شك أن بين الروايتين تعارضاً فى الظاهر، وقد يمكن الجمع بينهما بأنها كانت تتردد بين مكة وأحياء قومها اليمن بفلسطين ، وأن الانتقال الأول كان ، وهو ابن سنتين لتعرف أهله به ، وتنسبه إليهم ، وأن انتقاله ، وهو ابن عشر ليقيم بين ذويه يتثقف بثقافتهم ، ويعيش بيهم ويكون منهم . والأخبار تتفق بعد ذلك على أنه عاش عيشة اليتامى الفقراء ، فالشافعى إذن قد ولد ذا نسب رفيع شريف ، هو أشرف الأنساب فى زمانه ، ولا يزال أشرف الأنساب على مر الدهور ، ولكنه عاش عيشة الفقراء إلى أن استقام عوده ، والنشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشىء ينشأ على خلق قويم ، ومسلك كريم ، إن انتفت الموانع ، ولم يكن ثمة شذوذ ، ذلك بأن علو النسب وشرفه يجعل الناشىء منذ نعومة أظفاره يتجه إلى معالى الأمور ، ويتجافى عن سفسافها ويرتفع عن الدنايا ، فلا الفقر منه بذل ، ولا يتطامن عن ضعة ، ولا يرضى بالدنية، ويسعى إلى المجد بهمة وجلد ، ليرفع خسيسة الفقر ، وذل الحاجة ، ثم إن نشأته فقيراً مع ذلك الطموح بنسبه ، يجعله يحس بإحساس الناس ، ويندمج فى أوساطهم ، ويتعرف خبيئة نفوسهم ، ودخائل مجتمعهم ، ويستشعر بمشاعرهم ، وذلك أمر ضرورى لكل من يتصدى لعمل يتعلق بالمجتمع ، وما يتصل به فى معاملاته وتنظيم أحواله ، وتوثيق علائقه ، وإن تفسير الشريعة ، واستخراج حقائقها ، والكشف عن موازينها ومقاييسها ، يتقاضى الباحث ذلك . يروى أن محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة كان يذهب إلى الصباغين، (م ٢ - الشافعى) - ١٨ - ويسأل عن معاملتهم، وما يدبرونه فيما بينهم ، وما كان يفعل ذلك إلا ليكون حكمه فى مسألة تتعلق بشئون الناس ، وتتصل بعاداتهم أقرب إلى تلك العادات ، ما لم تخالف أصلا من أصول الشرع وأحكامه ، فهذه النشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تهيأ بها للشافعى تهذيب كامل، لا يتسامى فى معاملاته عن العامة فيبعد عنهم ، ولا يهوى فى مباذلهم فيصغر فى نظرهم، فكان لنسبه عزته ، ولفقره طيبته ، وكان لجماعهما أثره عندما فكه فى بحبوحة العيش، يهدى إليه الوزير الهدية ، فيرفضها لأنها ممن دونه ، ويعطيه الخليفة العطية فيوزعها قبل أن يغادر الطريق ، أو يبقيها فيفرقها على الفقراء ممن لهم به رحم. ١٢ - نشأ الشافعى فى بيت فقير، وكان يتيا ، كما بينا ، وقد حرصت أمه على وصله بأنسبائه خشية الضيعة كما علمت . والذى يستخلص من مجموع الروايات التى تبين تربيته الأولى وما ظهر منه من ذكاء وألمعية ، أن الشافعى حفظ القرآن الكريم وبدا ذكاؤه الشديد فى سرعة حفظه له ، ثم اتجه بعد حفظه القرآن الكريم إلى استحفاظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حريصاً عليها ، ويستمع إلى المحدثين ، فيحفظ الحديث بالسمع ، ثم يكتبه على الخزف أحيانا ، وعلى الجلود أخرى ، وكان يذهب إلى الديوان يستوعب الظهور ليكتب عليها(١) ، وبهذا تدل كل الروايات على أنه أغرم بالعلم ، وحبب إليه حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم منذ نعومة أظفاره . ولقد كان مع استحفاظه لأحاديث النبى صلى الله عليه وسلم وحفظه لكتاب الله تعالى، قد اتجه إلى التفصح فى العربية ، ليبعد كل البعد عن العجمة وعدواها التى أخذت تغزو اللسان العربى بسبب الاختلاط بالأعاجم فى المدائن والأمصار ، وقد خرج فى سبيل هذا إلى البادية ولزم هزيلا ، وهو يقول فى هذا المقام : إنى خرجت عن مكة فلازمت هزيلا بالبادية ، أتعلم كلامها ، وآخذ طبعها ، وكانت أفصح العرب ، أرحل برحيلهم ، (١) قد جاء فى ذلك عدة روايات على لسان الشافعى، ونقل ذلك الفخر الرازى فى مناقب الشافعى ، ومعظم الأدباء عن الآبرى ، وغيرهما . والمعنى فيها واحد ، والظهور المراد بها الأوراق الديوانية التى كتب فى باطنها وترك ظهرها أبيض . - ١٩ - وأنزل بنزولهم ، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار ، وأذكر الآداب والأخبار ، ولقد بلغ من حفظه لأشعار الهذيلين وأخبارهم أن الأصمعى ، ومكانته من اللغة مكانته ، قال : صححت أشعار هذیل علی فتی من قریش یقال له محمد بن إدريس . ويظهر أن مقامه فى البادية أمداً طويلا ، وهو عشر سنين كما ذكر ابن كثير فى إحدى الروايات ، جعله يتخير من عادات أهل البادية ما يراه حسناً ، فقد تعلم الرماية وأغرم بها وأجادها ، حتى كان يرمى من السهام عشراً تصيب كلها . فقد جاء على لسانه قوله : وكانت همتى فى شيئين : فى الرمى ، والعلم ، فصرت فى الرمى بحيث أصيب من عشرة عشره ، ثم سكت عن العلم ، فقال بعض الحاضرين : أنت واللّه فى العلم أكثر منك فى الرمى . هذه تربية الشافعى الأولى ، وهى أمثل تربية عربية فى ذلك الإبان ، حفظ القرآن ، وطلب للحديث ، وتوضح بالفصحى ، وتربية على الفروسية ، وتعرف لأحوال الحواضر والبوادى . ١٣ - طلبه العلم: طلب الشافعى العلم بمكة على من كان فيها من الفقهاء والمحدثين فيها ، وبلغ شأواً عظيما ، حتى لقد أذن له بالفتيا مسلم ابن خالد الزنجى وقال له : افت يا أبا عبد اللّه ، فقد آن لك أن تفتى . وكان يصح أن يقف الشافعى عند هذا القدر ، وقد بلغ منزلة الإفتاء ، ولكن همته فى طلب العلم لا تقف به عند حد ، لأن العلم ليس له حدود وأقطار ، فقد وصل إليه خبر إمام المدينة مالك رضى الله عنه ، وكان ذلك فى وقت انتشر اسم مالك فى الآفاق وتناقلته الركبان ، وبلغ شأواً من العلم والحديث بعيداً ، فسمت همة الشافعى إلى الهجرة إلى يثرب فى طلب العلم ، ولكنه لم يرد أن يذهب إلى المدينة خالى الوفاض من علم مالك رضى الله عنه ، فقد استعار الموطأ من رجل بمكة ، وقرأه ، والروايات تقول إنه حفظه ، ولعل حفظه الموطأ ، وقراءته ، كانت مضاعفة لباعث الذهاب لإمام دار الهجرة ، فقد استطاع أن يستأنس منه بفقه مالك رضى الله عنه مع ما رواه من أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه . - ٢٠ - ذهب الشافعى إلى مالك يحمل معه كتاب توصية من والى مكة (١) ، وبهذه الهجرة أخذت حياة الشافعى تتجه إلى الفقه بجملتها ، ولما رآه مالك وكانت له فراسة قال له : يا محمد اتق الله ، واجتنب المعاصى ، فإنه سيكون لك شأن من الشأن ، إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً ، فلا تطفئه بالمعصية . ثم قال له : إذا ما جاء الغد تجىء ويجىء ما يقرأ لك ، ويقول الشافعى : فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأ ظاهراً ، والكتاب فى يدى ، فكلما تنهيبت مالكا ، وأردت أن أقطع ، أعجبه حسن قراءتى وإعرابى، فيقول : يا فتى زد ، حتى قرأته عليه فى أيام يسيرة . وبعد أن روى الشافعى عن مالك موطأه لزمه يتفقه عليه ، ويدارسه المسائل يفتى فيها الإمام الجليل إلى أن مات سنة ١٧٩ وقد بلغ الشافعى (١) جاء فى معجم ياقوت عن الآبرى، وجاء فى مناقب الشافعى للرازى، كلام للشافعى عن رحلته إلى مالك ولقائه به ننقلها لك لأنها تكشف عن مكان رجال العلم فى هذا الزمان ، قال : ( دخلت الى والى مكة ) وأخذت كتابه الى والى المدينة ، والى مالك بن أنس . فقدمت المدينة ، فأبلغت الكتاب الى الوالى فلما قرأه قال : يا فتى ان مشيى من جوف المدينة الى جوف مكة حافيا راجلا أهون على من المشى الى باب مالك بن أنس ، فلست أرى الذل ، حتى أقف على بابه ، فقلت أصلح الله الأمير، ان رأى الأمير يوجه اليه ليحضر فقال: هيهات . ليت انى اذا ركبت أنا ومن معى وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجتنا . فواعدته العصر، وركبنا جميعا ، فوالله لكان كما قلنا : لقد أصابنا من تراب العقيق فتقدم رجل فقرع الباب فخرجت الينا جارية سوداء ، فقال لها الأمير : قولى لمولاك انى بالباب ، فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت : ان مولاى يقرئك السلام ، ويقول : ان كانت لديك مسألة فارفعها فى رقعة يخرج اليك الجواب ، وان كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف ، فقال لها : قولى له ان معى كتاب والى مكة اليه فى حاجة مهمة ، فدخلت وخرجت وفى يدها كرسى ، فوضعته ثم اذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار ، وهو شيخ طويل مسنون اللحية ، فجلس ، وهو متطلس فرفع اليه الوالى الكتاب ، فبلغ الى هذا : ( ان هذا رجل من أمره وحاله ، فتحدثه ، وتفعل وتصنع ) ، فرمى بالكتاب من يده ، ثم قال : سبحان الله، أو صار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ بالوسائل ، فرأيت الوالى قد تهيبه أن يكلمه ، فتقدمت اليه وقلت : أصلحك الله انى رجل مطلبى ومن حالى وقصتى .. فلما سمع كلامى نظر إلى ساعته ، وكان لمالك فراسة فقال ما اسمك؟ قلت محمد ، فقال لى : يا محمد اتق الله، واجتنب المعاصى ، فانه سيكون لك شأن من الشأن ) .