النص المفهرس
صفحات 281-300
٢ - ٢٧٠ - y التكملة الأولى . قلت فى " يتيمة البيان": لمعة من ترجمة إمام العصر الشيخ المحدث محمد أنورشاه الكشميرى · صاحب "مشكلات القرآن" قدس الله سره ٠ حياته الجميلة ، نشاته وتحصيل علمه ، ووصوله الى ديوبند ، وحج بيت الله ، ورجوعه الى الوطن ، ثم تدريسه بدیوبند، وتركه ديوبند ورحيله الى قرية" دابهيل ، ثم وفاته . هو: إمام العصر، مسند الوقت ، الجهبذ الكبير، الشيخ العلامة محمد أنورشاه ، بن معظم شاه بن الشاه عبد الكبير الكشميرى ثم الديوبندى، كريم المحتد ، طيب الأرومة ، ينتهى نسبه السامى إلى العارف الشيخ مسعود النرورى الكشميرى ، جاء سلفه من بغداد فدخلوا بلدة " لا هور" بالهند ثم " ملتان"، ثم استوطنوا " كشمير". ولد رحمه الله تعالى سنة ١٢٩٢ (اثنتين وتسعين بعد الألف والمائتين) من الهجرة ، بقرية "ودوان"" ( بالواوين الأولى منهما مضمومة بينها دال مهملة، على زنة لبنان) من مضافات كشمير . نشأ فى صلاح فطرى ، تبرق غضون النجابة وأسرة السعادة فى جبينه ، وتفرس فيه بعض العارفين وأهل الباطن أنه عسى أن يكون له شأن ، وأخذ فى القراءة وهو ابن أربع سنين ، وفرغ من التنزيل وكتب الفارسية ومبادئ العلوم العربية على والده وعلى بعض علماء بلده وهو ابن عشر حجج ، وبشر بعض من أحسن ذكاؤه وحدسه من أهل الفراسة الإياسية : بأنه سيكون غزالى عصره مو ٨ أ ر. - ٢٧١ - ورازى دهره ، ثم رحل بعد برهة إلى بقاع " هزاره" ومكث بها ثلاث سنين فى أرجائها ، عاكفاً على تحصيل العلوم المتداولة من كتب المنطق والفلسفة والهيئة وغيرها على أساتذة الفن ، بيد أن غليله يزداد كل يوم ، ولم يقتصر على ذلك القدر حتى وصل إلى ساحة دار العلوم الديوبندية ، ذلك المعهد التاريخى العلمى والجامعة العربية الدينية ، وناهيك بها شمساً فى سماء الهند ، فقرأ كتب الحديث وشيئاً من غيرها على رحلة العصر ومسنده وغرة زمانه شيخ العالم مولانا محمود الحسن الديوبندى، رحمه الله المعروف بشيخ الهند ، وعلى المحدث الفاضل الشيخ محمد اسحاق الكشميرى ثم المدنى ، حتى ترعرع حبراً فاضلاً وهو ابن ست عشرة حجة ، فذهب إلى بلدة " دهلى" عاصمة الهند ، ومكث عدة شهور يدرس الكتب من فنون شتى ، فلم يلبث إلا وقد طار صيته ، ثم أسس مدرسة عربية بإلحاح بعض رفقائه وإسعاد بعض أهل الخير والثروة ، وسماها : "مدرسة أمينية" بإسم رفيقه المولوى محمد أمين المرحوم ، ولما بسقت فروعها أغراه الحنين إلى زيارة والده المحترم ، وانتقلت والدته المرحومة فى ذلك العهد إلى جوار ربها ، فاشتاق الحضور على قبرها ، فذهب إلى مألفه كشمير ، وأقام بها ثلاث سنوات ، فأسس مدرسة دينية سماها : "الفيض العام"، وسعى فى تلك البرهة فى إصلاح كثير مما راج هناك من البدع والرسوم المحدثة ، فرأب اللّه به التأى وشعب الصدع ، ثم اشتاق زيارة بيت الله جل ذكره وحرم رسول اللّه عَ ل، فوفقه الله تعالى إلى زيارتها، وثوى شهوراً يروى غليله ، ثم رجع إلى وطنه طاوياً فى ضميره المعاودة بعزم الهجرة إلى المدينة ، فمكث غير بعيد حتى شغف فؤاده بما كان نواه حتى أزعج خاطره ، فأخذ عصا التيار ، ووصل إلى ديوبند إلى لقاء شيخه المحمود رحمه الله ، وأنبأه بما نوى ، فأمره الشيخ رحمه الله بفسخ العزم، وأبرم عليه الإقامة بديوبند لما تفرس فيه من مخائل الفيض والبركة وآثار بي ـ - ٢٧٢ - النجابة والكرامة ، وكان العود إلى مباركه مبارك ، وفوض إليه درس عدة كتب من الصحاح الستة ، ثم لما عزم الشيخ رحمه الله الحج فاستخلفه مقامه ، وكان من أمر الشيخ ما كان من اسارته بجزيرة " مالطه " من جانب الحكومة البريطانية، فبقى هو رحمه الله مقامه عشرين ربيعاً يدرس " صحيح البخارى" و " جامع الترمذى"، وأحياناً غيرهما معهما ، إلى أن نشأ تشاجر فى ساحة دار العلوم ، فأحب العزلة واشتغال منصب درسه ، فتهافت عليه القوم من كل جانب حتى أصرَّ عليه المشتاقون إلى بركاته، من أهل الخير والدثور بأن يتمطى صهوة الرحيل إلى " كجرات " الهند منشؤ الشيخ على المتفى الكجراتى صاحب "كنز العمال"، وشيخ ابن حجر المكى صاحب "الصواعق المحرقة" و "الخيرات الحسان" فى آخر عهده، فرضى به الشيخ رحمه الله بعد إلحاح لمصالح تفرسها الشيخ رحمه الله إلى أن ارتجت تلك البسيطة من طنين حديثه نحو خمس سنين ، فقوَّم بوجوده المبارك أودها ، واستقام عوجها ، وسارت الركبان تروى أحاديث فيضه وبركاته ، وتشكر جدباء الهند أيادى غماسه وصوبه ، غير أنه اجتوى الكجرات واستوخم تلك الديار ، فابتلى بداء البواسير ، واشتد داء العضال حتى نزفه الدم واستولى عليه الصفراء إلى أن . حان أجله بديو بند، فتوفى رحمه الله فى الثلث الآخر من ليلة الإثنين الثالثة من صفر سنة اثنتين وخمسين بعد الألف وثلاث مائة من الحجرية (١٣٥٢ هـ). والتاسع والعشرين من مايو سنة ١٩٣٣ الميلادى ، ورثاه الأفاضل من العلماء والأدباء ، بقصائد رنانة طويلة ، تزعج الأحشاء ، وأنشد فى حفلة تأبينه بديوبند بعد يوم من وفاته سبع عشرة قصيدة بالعربية والأردوية . وأظن أن أن عدة القصائد التى رأى بها الشيخ بالعربية والفارسية والأردوية تبلغ إلى نحو ستين فصاعداً . قال الشيخ الكاندهلوى شارح "المشكاة": وحفظ وضبط بعد شيخ مبجل سلام على حفظ الكتاب وسنة .11 ٠۵ هرے ٨ - ٢٧٣ - كمثل البخارى أو كنحو ابن حنبل فقد كان إعجازاً لدين نبينا وهى قصيدة طويلة تجاوز ستين شعراً ، ورثاه الأديب الكاملفورى صديقنا مولانا محمد يوسف الأديب الشاعر بقصيدة طويلة ، متّها : خطب أجل أناخ من حدثان « بالمسلمين وملة الإيمان صمت به الآذان ثم تصدعت « أكبادهم بفوادح الأحزان إلى أن قال : حكم يمانية فقدت معينها « لما قضى بالروح والريحان وقال : أسمى وأسنى لا يقدر كنهه « لغة وتحديثاً عن الأعيان خصائصه البارعة . وقد جمع الله فيه شمل البدائع والروائع من الجمال المعجب ، وحسن السيرة ، والورع، والزهد ، والتقوى، والتواضع ، وقوة الحافظة ، ودقة النظر، والإستبحار المدهش فى علوم الرواية والدراية ، والإستحضار المحير ، والخوض فى الحقائق ومشكلات العلوم. وبالجملة لم يكن تحت أديم السماء أوسع علماً منه بعصره فيما نعلم قرآناً وسنةٍ وفقهاً وكلاماً وبلاغةً وأدباً وتاريخاً ، ولم يكن فوق البسيطة أجمع رجلٍ فيما نرى ورعاً وزهداً وحسن صورة وبهاء منظر ونظافة طبع وجسم ، ولطافة روح ونقاء سريرة وذكاوة ذهن وبديهة مطاوعة وسلامة ذوق، ووقاراً ومتانةً ، فرزقه الله طبيعة من أسلم الطبائع ، وقلباً من أذكى القلوب ، ونفساً من أزكى النفوس. وجماع الكلام أنه كان أكمل إنسان فى عصره جمالاً وكمالاً ، خلقاً وخلقاً ، هدياً ( نفحة العنبر م - ٣٥ ) - ٢٧٤ - وسمّاً ، وأيم الله إنه كان يملأ القلب سروراً والعين جمالاً والأذن بياناً، وما رأينا أبلغ منه فى العلم ولا أصبر ولا أحضر منه جواباً . قال محقق العصر الحاضر العلامة الشيخ شبير أحمد العثمانى الديوبندى شارح " صحيح مسلم": لم تر العيون مثله، ولم ير هو مثل نفسه . وكان ربعاً من الرجال وثيق الجسم متناسب الأعضاء ، وكان حزين القلب دائم الفكرة، طويل الصمت ، وغلبت عليه الرقة فى آخر عهده ، فكان يبكى كثيراً فى إلقاء الدروس ، ووعظه فى المحافل ، وكان شديد الحب لأهل العلم وأهل الصلاح، وكان يعظم العلماء ، ويوقر أهل الأنساب والأشراف كثيراً ، وكان إذا تكلم تكلم بكلام جزل فصيح موجز ، وإذا استزيد وجد بحراً لا ساحل له . وبالجملة كان إماماً وحيداً فى مآثره الظاهرة والباطنة . وكان كما قيل : وهذا زمان أنت لا شك واحده لكل زمان واحد يقتدى به وكما قيل: لو نال حى من الدنيا بمنزلة وسط السماء لنالت كفه الأفقا وله رحمه اللّه مؤلفات عديدة ، منها : "عقيدة الإسلام فى حياة عيسى عليه السلام" و"إكفار الملحدين فى شئ من ضروريات الدين" و"فصل الخطاب فى مسألة أم الكتاب" وغيرها، إلى نحو عشرين مؤلف ما هو برهان ساطع على تغلغله وتبحره فى العلوم قاطبة ، ودقة نظر فى المسالك ، وخلف ذخائر من تذكرته وبرنامجه فى سائر العلوم . لا سيما القرآن والحديث، وقد قام لمكافحة زنادقة هذه الأمة العصابة المرزائية القاديانية المنسوبة إلى زعيمها الضال المضل المرزا غلام أحمد القاديانى الفنجانى ، جعل الله أمه هاوية وقد جعل ، فذب عن الإسلام فى استيصال شأفة هذه الشجرة الملعونة لساناً وبناناً، وحث العلماء والفضلاء وأصحاب الجرائد إلى مقاومتها ومكامعتها ، فأثمر الله نهضته 1.14 ے ٤ ٨ - ٢٧٥ - المباركة ، فتركها على مثل مشفر الأسد، وانتهج للعلماء مناهج التحقيق وطرق التفصى من المعضلات ، وكان درسه جامعاً لبدائع تنحل به مشكلات سائر العلوم، واقتفى العلماء المدرسون أثره، بيد أنه " لا فى كمالكٍ ولا ماء كصداء " . ! وما كل من قال القريض بشاعر ولاكل من عانى الهوى بمتيم فرحمة الله على ذلك الجسد الأطهر والروح الأنور، وبركاته تترى على تعاقب الأيام ما لاح برق أوجاد غمام أوناح حمام . وخلف من أولاده الذكور ثلاثة أبناء : محمد أزهرشاه وهو أكبرهم، ومحمد أكبر شاه وهو أوسطهم ، ومحمد أنضرشاه وهو أصغرهم ؛ وفقهم الله تعالى للعلم النافع والعمل الصالح ، وأطال أعمارهم . ومن إخوانه محترمنا الفاضل ذو المتانة والوقار مولانا عبد الله شاه الطبيب، وصاحب الفضل والشهامة مولانا محمد سليمان شاه ، وصاحب السيادة والنجابة الفاضل محمد سيف الله شاه ، وصاحب المكارم محمد نظام شاه ، ووالده المحترم مولانا محمد معظم شاه، تنقضى أنفاس عمره بكشمير وهو حى، جاوز عمره المبارك مائة وعشر سنين، نفع الله به الأمة. هذا، ومن شاء الاطلاع على مآثره العلمية تفصيلاً فليراجع إلى رسالتى : "نفحة العنبر من هدى الشيخ الأنور" فإنه يجد هناك نقعة لكبد حرى وقرة لعين عبرى، وقد طبعت وشاعت ولاقت من الأكابر إقبالاً عظيماً لم أكد أن يخطر ببالى مثله ، ولا سيما من حضرة المحقق العارف الشيخ المحدث التهانوى مولانا الشاه محمد أشرف على ومولانا محقق العصر شيخنا العثمانى ومولانا المحقق محمد كفايت اللّه رئيس جمعية العلماء وشيخ الحديث بالمدرسة الأمينية بدهلى، أطال الله بقاءهم فى عافية غير عافية . وأريد أن أذيل : هذا الموضوع بمرثية للعالم الفاضل المتبصر الأديب البارع مولانا محمد شفيع ٤ ٥ عدد - ٢٧٦ - الديوبندى أحد أساتذة دار العلوم الديوبندية، رأى بها إمام العصر الشيخ رحمه الله، وهذه المرئية غير ما ذكرناه فى "النفحة" قال : نعى بك ناع سيرة الفجر فانبرى يضج السماء والأرض والبدر والقرى ودبراً ومدراً والفلا ثم أبحرا كذلك أقصى مسجد ثم منبرا وأبكى الجبال الشامخات نحييه وأبكى دروساً والمدارس جمة نعينا بجماع العلوم وسيما الحديث وقرآناً كريماً مفسرا فلم أدر أرثى عالماً أم عوالماً وعلماً وحلماً ثم للفضل جمهرا (١) وفقهاً وتحديثاً ورأياً وحكمة وورعا وزهداً فى السماء مشهرا و وجها طليقا باسما متهللا إذا زرت زرتَ البدر تما منوراً أحقا عباد الله إن لست زائراً بغينى بعد اليوم شيخى أنورا بخارى عصر ترمذى زمانه وزهرى وقت لا خلاف ولا مزا فلو إنها رزء من الدهر واحد فما فقده والله فقد واحد فطاب ثریمن راح فى الله و اغتای ولكنه عظيم أحاط فأمطرا وربى جناحا العلم منه تكسرا .. لنشر علوم الدين قام مشمرا ولم يأل فى إعلاء دين ونشره تراه لوجه اللّه سيفا مشهراً" فذاك اللعين القاديانى إذ بدأ فغادر أرض الله للكفر محورا. وكان رسول اللّه أخبر أنه ٧ ـول مجدي سينزل فيكم ابن مريم آخرا ليملى أرض اللّه قسطا ومعدلاً كما قد غدا للظلم مأوى ومفجرا" لمصداق ما قال الرسول وأخبرا أتى فادعى أنى المسيح وأننى و إنى خليل ثم موسى وأحمد تكاد السماء من فريه أن تفطرا تنشأ فى كذب على الله مفترى مسيلمة الفنجاب تجال عصره فلما طغى دجلاً وقد طم خطبه أتاح له الجبار شيخى أنورا." " (١) او: وعلماً وخلماً ثم صدراً مصدراً". 2 عن ٠١٢٠ - ٢٧٧ - ٠ وشنف آذان الورى بفرائد فوى لسويعات الوصال وطيبها · ولله أيام تمليت طيبها وعدت به والحمد لله فائزاً فحسبى به فى العلم والدين قدوة وحسبى به فى مشهد القوم مفخرا لعل الرؤف البر يلحقنى به وإلا فما فضل الجدود بنافعى فليس لمن لم ينح منحى جدوده فمن صلب نوح ابنه غير صالح وذاك أبو جهل أخو الذل والعمى فنادى طواغيت الضلال مهدداً لينصر دين الله نصراً مؤزرا فشيد أركان الهدى و أنارها ومذر بنيان الضلال و بذرا فجادت بها الأجفان غِدوة أدبرا وصفو حياة لا يزال مكدرا بروض الأمانى أخضلا ثم أخضرا وأسعد حظا ثم أربح متجرا بلى والرجاء فى اللّه فليك أكثر!(١) وإن كنت معزواً إلى أوثق العرى بعزوته فى الدين عزاً ومفخرا وإن خليل اللّه من نجل آذرا و إن بلالاً فاق أحرار حميرا عليك بأعمال البصيرة فيهم وإن تأتسى آثارهم ما تيسرا ووعظ وإن لم تستطع أن تعبرا إذا كان أمر الله. قدراً مقدرا وفهم لذى عينين رام التبصرا يجد نكرها عرفا كذا العرف منكرا وإن أقبلت صارت همومك أكثرا مقابر للآمال الخلق منحرا ستسلبها إلا قميصاً و مؤزرا فما عبرتى إلا لذى العين عبرة وماذا لتشكى من زمان وصنعه وفى سالف الأيام ما فيه عبرة و من أمعن الدنيا ونضرة دمنها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة (٢) تفكر تجد فى كل دار سكنتها وسوف ترى ما قد جمعت مكابداً وأسعد خلق من تدرع بالتقى وإن كان فى دنياه أشعث أغبرا : (١) او : وانى لا رجو اللّه خيراً وأكثرا . (٢) هذا البيت لبعض المتقدمين من الشعراء، ادرجته يتصرف لجودة معناه . منه. ٠ ٠* - ٢٧٨ - . ٠٠ يجنب المصلى (١) لا يزال منضرا فعادت سواريها بليل مكررا وفضلاً به عودت يا رب أنورا ومقعد صدق منك أرفع الذرى وصحبته الأخيار من جمهر الورى بعدة من صلى وصام وكبرا فى جميع الأنبياء ولا مرا و فاقت ذنوبى أن تعد وتحصرا أذل عبيد اللّه أحقر أفقرا فواها له من رائح حل روضة سقتها غوادى رحمة الله بكرة فيا حى با قوم لطفاً و رحمةً بروح وريحان وفردوس جنة بجاه إمام المرسلين محمد عليه سلام الله ماذر شارق فيا خير خلق الله صفوة رسله أتيتك لما عيل صبرى وهمتى أتيتك إذ ضاقت على مذاهبى فإن لم تنلنى منك فضلاً ورحمةً شفاعتك الحسنى لكنت الخسرا. و عدة أبيانى (٢) حساب وفاته و رابع عشر قرنه خذ محررا هذا ، وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا سيد ولد آدم وآله وصحبه وبارك وسلم .. فے ر، ب٧ اهـ. (١) قبره الشريف بجنب مصلى ديوبند ، يزار ويتبرك به . (٢) يعنى سنة إحدى وخمسين من القرن الرابع عشر بعدد أبيات القصيدة. منه. * * * L (# ء - ٢٧٩ - = سم التكملة الثانية . وقلت فى مقدمة " فيض البارى": ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدث محمد أنور شاه الكشميرى الحنفى هو : محمد أنور بن معظم شاه بن الشاه عبد الكبير بن الشاه عبد الخالق ابن الشاه محمد أكبر بن الشاه محمد عارف بن الشاه حيدر بن الشاه على بن ۵ الشيخ عبد الله بن الشيخ مسعود النرورى الكشميرى رحمهم الله تعالى. رحل سلف الشيخ مسعود من بغداد إلى " الهند" ونزلوا " ملتان "، ثم ارتحلوا منها إلى "لاهور" ومنها إلى "كشمير"، فأصبحت لذريته مستقراً ومقاماً . من الطبيعى أن البيئة أثراً غير ضئيل فى طبيعة الرجل ، وفى تكوين مزاجه صلاحاً وفساداً ، ومن الطبيعى أن للبلاد أثراً كبيراً فى طبع رجالها بطابع خاص فى ذوقه وفكرته . ومن الطبيعى أن للأسباب رباطاً قوياً مع الأمور فى عالم الطبيعة . ومن الطبيعى أن الخالق الطبيعة قدرة فوق الطبيعة ، وأن الطبيعة مقهورة تحت إرادته ومشيئته . فهذه حقائق واضحة عند أولى الطبائع السليمة لا مساغ لإنكارها ، أرى أنها تلاءمت فى حق من حاولت ترجمته برمتها . كانت أرومته من بيئة خير وصلاح وتقوى وطهارة ، تسلسل فيهم - ٢٨٠ - الإرشاد بطرق أهله من العارفين والأولياء ، من عشرة أصلاب صلباً فصلباً ، فوهبته نفساً مطمئنة نقية طاهرة . وكانت بلدته " كشمير" من أحسن بلاد الشرق الشمالى فى جمال الطبيعة، من أوديتها النضيرة ومياهها العذبة ونسيمها العليل ، فكانت روعة الطبيعية ومظاهر حسنها الرائع متمثلة فى جبالها التى اكتست حللاً من ألوان الزهر وأصناف الشعر، وكأنها رياض ذات وشى دقيق وتحبير فائق تأخذ بالألباب، وتستولى على القلوب، عنادل تصدح على الأغصان ، ومياه تقطر عن الأحجار فى هدوء وسكون ، فلا تسأل عن حسنها وجمالها ، فكسته رقة فى الخيال ودقة فى الفكر وغوراً فى التفكير ، وسكوناً فى الطبيعة . ثم تيسرت له أسباب من شوق مفرط ، وذكاء مشرق ، وشيوخ جهابذة ، وتوفيق للجهد الدائب ، والسعى المتواصل . وسبقت المشيئة الأزلية بأن يكون من أكمل رجال العصر علماً وعملاً ، فأصبح إماماً أمة فى عصره . ولد صبيحة السبت سبع وعشرين من شوال سنة ١٢٩٢ ألف ومائتين واثنتين وتسعين من الهجرة، بقرية " ودوان" على وزن " لبنان" من أعمال (لولاب) فى مقاطعة "كشمير". تعلم المبادئ على والده ، وعدة كتب ورسائل على بعض علماء بلاده ، ثم سافر فى حدود سنة ١٣٠٧ هـ إلى مديرية "هزارة" على حدود " كشمير"، فقرأ كتباً من فنون المنطق والفلسفة وغيرهما على * جهابذة الفن ، ثم وصل إلى "ديوبند" قرطبة العلوم فى الهند ، فقرأ كتب الحديث ، واستكمل ما بقى من العلوم ، وفرغ فى حدود سنة ١٣١٢ هـ منها، فاضلاً بارعاً يتدفق تياره علماً وكمالاً، فراح إلى " دهلى" قاعدة بلاد الهند ، ومكث ينشر علمه بدرس وإفادة عدة سنين ، حتى بدأ هناك منشسامتي ٩٠ 41 - ٢٨١ - بوجوده معهد علمى ، يسمى اليوم "مدرسة أمينية"، فتم فضله وذاع صيته، وأضحى وله مزية لا تبارى . ثم رجع إلى بلده وأسس معهداً دينياً سماه "الفيض العام" واشتغل بنشر العلم ورأب الصدع، ثم حج سنة ١٣٢٣ هـ ومكث هناك أشهراً، ولا سما فى المدينة زادها الله تشريفاً، وطالع كتباً جمة بـ " مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت الحسينى" و"المكتبة المحمودية"، وكانت فيها ذخائر من المخطوطات القيمة، فانتهز الفرصة لها حتى طفح صدره بعلومهما ، ثم رجع إلى بلاده وأقام برهة ، ثم حاول الهجرة من بلاده إلى الحرمين ، زادهما اللّه كرامة ، ووصل إلى " ديوبند" فى حدود سنة ١٣٢٥ هـ للقاء شيخه شيخ العصر محمود حسن رحمه الله تعالى وداعاً ، فأشار إليه بالإقامة بديوبند ، ولم يكن يفرط فى امتثال أمره، فأقام ، وأمره بتدريس " صحيح مسلم" و "سنن النسائي " و " ابن ماجه"، ثم أراد شيخه رحمه الله تعالى سفر الحج، فخلفه مقامه وجعله شيخ المعهد وشيخ الحديث ، فكاف يدرس " صحيح البخارى" و" جامع الترمذى" وغيرهما ، ففاضت علومه ومزاياه إلى أن استقال من منصب درسه فى سنة ١٣٤٥ هـ، ورحل فى شهر ذى الحجة ١٣٤٦ هـ إلى " دابهيل " فى مديرية "سورت"، على بعد نحو ١٥٠ ميلاً من عاصمة " بمباى" فظهر بوجوده معهد كبير يسمى اليوم بـ " الجامعة الإسلامية"، وإدارة تأليف تسمى "المجلس العلمى"، فاشتغل بالدرس والتأليف بضع سنين إلى أن وافاه القدر. المبرم ، فقضى نحبه فى ديوبند فى ثلث الليل الآخر ليلة الإثنين ، ثلاث صفر عام اثنين وخمسين من القرن الرابع عشر للهجرة (١٣٥٢ ه) رحمه الله ورضى عنه . قال محقق العصر شيخنا العثمانى : سمعت عن حكيم الأمة مولانا الشيخ ( نفحة العنبر م - ٣٦ ) - ٢٨٢ - أشرف على التهانوى أنه قال : رأيت عن بعض المستشرقين كلمة فى الإمام الغزالى ، وإن وجود مثل الغزالى فى الأمة المسلمة دليل عندى على أن الإسلام دين سماوى حق اهـ. ثم قال الشيخ التهانوى: وعندى وجود الشيخ محمد أنور " الكشميرى» من الدلائل على أن الإسلام دين سماوى حق اهـ. وقال مفتى الديار الهندية الشيخ محمد كفايت الله الدهلوى فى كتاب له إلى بعض معارفه : إن فكرتى وحواسى أضحت معطلة بداهية موت الشيخ محمد أنور رحمه الله، كان أمة إماماً مقداماً ، ، إنه لم يمت ولكنه مات العلم والعلماء اهـ . كان والده شاعراً مجيداً بالفارسية ، وكان عالماً فاضار فى الفرائض والعلوم الرياضية وبعض العلوم الآلية، فأصبح الشيخ رحمه اللّه شاعراً وفاضلاً فى تلك العلوم فى بيته . وكان علم الفقه وعلم الفتوى فى كشمير مما يتسابق فى حلبة رهانها ، فأصبح الشيخ فقيها مفتيا لا يدرك شأوه ولا يشق له غبار ، حتى أفتى ثلاث سنين فيها المفتيين والفقهاء فى الحوادث والنوازل والفتاوى العقيمة ولم يفتقر إلى مراجعة كتاب . وصل إلى ديوبند فأدرك رجالاً جمعوا إلى علومهم الناضجة الرسمية علوم العرفاء والأولياء ، وجمعوا إلى دقة المدارك وإصابة الرأى، رفق القول وصدق اللهجة ، أصحاب هيبة ووقار ، وأصحاب سنة وورع وزهد وتقوى . فكانوا علماء عرفاء ربانيين أصفياء، فكسته صحبتهم وإفادتهم علماً صحيحا ورأيا صائبا وشغفا باتباع السنة، وبهاء فى الملكات الفطرية، وجمالاً فى الأخلاق والأدب . وكانت طبيعته مغرمةٌ بالتوسع فى الإطلاع والتدقيق فى الموضوع، ورزق . توفيقا دائبا فلا يسأم ولا يلحقه كلال . فأصبح بحاثا محققا، نظاراً متبحراً، ٠٠ - ٢٨٣ - غواصا فى المشكلات ، موفقا لحل الغوامض، لطيف الفكرة ، دقيق الاستنباط، سريع الحدس . ٠ لا ينفسح المجال لذكر شئون حياته العلمية، وقد أفردت لها جزءً خاصاً حافلاً ، وذكرت هناك ما فيه مقنع وبصيرة سميته : " نفحة العنبر من هدى الشيخ الأنور"، وبثئت طرفا من علومه المختصة بالقرآن فى مقدمة "مشكلات القرآن". ويكفى أن أقول : لم يستغن عن علمه مثل : "حكيم الأمة التهانوى" و "محقق العصر العثمانى" بل أكابر شيوخه الذين تلقى العام عنهم ، ولم يستغن عن آرائه الدقيقة فى الفلسفة مثل " الفيلسوف الدكتور السر محمد اقبال الهندى (١)". ويكفى ما أثنى على إصابة رأيه ودقة فكرته شيخه أستاذ العالم " محمود حسن " الديوبندى رحمه الله. أريد الآن كلمات من باب حياته العلمية ما يختص بالحديث، و ما يختص بدراسة " صحيح البخارى"، وما يختص بأحاديث الأحكام ، ومؤلفاته فى الحديث ، وأسانيده . وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنى * جنوناً فزدنى من حديثك يا سعد ٠ آدابه العامة فى تدريس الحديث . كان له رحمه الله خصائص فى الدراسة ، تستولى على القلوب روعتها ، (١) صدع بالاستفادة عنه فى المحاضرات التى القاها فى ( مدراس ) وشاهدت ذلك في لاهور ( حين كنت زميلاً خادماً لامام العصر فى سفره إلى كشمير سنه" ١٣٤٨ هـ عند الاياب عن كشمير. وكان استصحبنى معه) وكان يسأله فى مشكلات القرآن ، ودقائق الفلسفة" التى ذكرها أمام العصر فى قصيدته "ضرب الخاتم"، وسمعت سنة" ١٣٤٧ ه فى ديوبند من المحترم عبد الله جغتاى من اخص اصحاب الدكتور المرحوم : ان الدكتور اقبال يثنى كثيراً على دقة" رايه فى غوامض الفلسفة"، ويتمنى أن يشرح امام العصر نفسه ابياته الغامضة فى " ضرب الخاتم على حدوث العالم". منه . ؛ - ٢٨٤ - لم ترها فى أحد من بعده . منها : إنه كان يلخص الكلام فى رجال الحديث إن كان لذكرها حاجة فى الباب ، أو فائدة يستحسن ذكرها . وكان لا يطيل الكلام فى الجرح والتعديل حيث كان يقول : ولم أكثر من نقل كلامهم فى الرجال ، وما فيه من كثرة القيل والقال ، لأنه ليس عندى كبير ميزان فى الاعتدال ، وبعضهم يسكت عند الوفاق ويجرح عند الخلاف ، وإذا دعيت نزال ، وهذا صنيع لا يشفى ولا يكفى ، وإنما هو سبيل الجدال . . نعم ، اعتنيت بتعيينهم ومعرفة عينهم ، فيستطيع الناظر من المراجعة والمطالعة ، ويتمكن من تخمير رأيه لا بالمسارعة . ومنها : أنه كان عنى بمنشأ الخلاف بين الأمة ، ولا سيما فى المسائل التى تتكرر على رؤوس الأشهاد ، فكان يذكر فى هذا الصدد أموراً تطمئن بها القلوب . ومنها : أنه كان يعتنى بنقل غرر النقول من كلام القدماء ، والنقول التى تكون بعيدة عن متناول أيدى أهل العلم . ومنها : أنه كلما ذكر كتاباً أو مؤلفاً فى صدد النقل فكان يكشف عن منزلته فى العلم، وخصائصه قلما يجدها الناظر فى كتب الطبقات والتراجم بغاية من الإنصاف ، من غير غض عن قدره، أو اطراء فى شأنه ، ليكون بصيرة للطلبة ، ووسيلة إلى العلم الصحيح . ومنها : أنه كان عنى بحل المشكلات أكثر منه بتقرير الأبحاث وتكرير الألفاظ . ومنها : أنه كان يهمه إكثار المادة فى الباب دون الإكثار فی بیانها" وإيضاحها ، كأنه يضن بعلمه المضنون، ثم إن هذا الايجاز فى اللفظ والغزارة - ٢٨٥ - فى المادة أصبح له دأباً فى تدريسه وتأليفه ، وكان كما قال على رضى الله عنه: ما رأيت بليغاً قط إلا وله فى القول إيجاز وفى المعانى إطالة اهـ ـ حكاه ابن الأثير فى " المثل السائر". ويحكى أن حكيم الأمة الشيخ التهانوى يقول : إن جملة واحدة من كلام الشيخ ربما تحتاج فى شرحها وإيضاحها إلى تأليف رسالة اهـ . وكأن رأيه ما كشف عنه ابن النديم فى "الفهرست": النفوس (أطال الله بقاءك) تشرئب إلى النتائج دون المقدمات ، وترتاح إلى الغرض المقصود دون التطويل فى العبارات اهـ . ومنها : أنه كان لا يقتنع بذكر ما يختص بالموضوع، بل ربما كان يذكر أموراً لمناسبة دقيقة بينها وبين الموضوع ، حرصاً على بيانها إفادة للطلبة . ومنها: أنه كان ربما يذكر أشياء وينقدها نقداً علمياً، ويدل الطلبة على منهاج النقد العلمى ، ويضع لهم أساساً لذلك ، ثم يستدرك ذلك (تنبيهاً لهم) بمزية كلام أهل العلم ، والاحتياط عن الخوض فى شأنهم بما تأبى جلالة قدرهم . وهذه أمهات خصائصه العامة فى دراسة الحديث . خصائصه فى تدريس "صحيح البخارى". كان رحمه الله تعالى يدرس أولاً فى عهد إقامته بديوبند "جامع الترمذى" و "صحيح البخارى" فكان أفرز دراسة "جامع الترمذى" لتحقيق أحاديث الأحكام ، وتبيين مذاهب الأئمة واستيعاب أدلتها ، وترجيح ما هو الراجح منها ، كما كان هو دأبه ، ولما اقتصر تدريسه فى الآخرعلى "صحيح البخارى" فكان يعتنى فيه بما كان يعتنى به فى "جامع الترمذى" ما عدا المهمات التى - ٢٨٦ - كان يتصدى لبيانها فى الصحيح، فانتهت خصائص تدريسه لـ "صحيح البخارى" إلى أمور : الأول : أنه كان يستوعب أدلة المذاهب بما لها وما عليها فى أحاديث الأحكام على حسب دأبه الذى ذكرته فى آداب دراسته العامة . الثانى : أنه كان ينتفى غرر النقول من شرح الصحيح ، كأنها ورقة موضوعة بين عينيه ، يذكر ما يشاء ويذر ما يشاء . الثالث : أنه كان يلخص كلام الشارحين ، ويأمر بالمراجعة إن كان هناك بسط فى الموضوع، ويزيد عليه ما كان عنده من الأبحاث الدقيقة والمواضيع المهمة ، مما جمع الله فى صدره المتلاطم بالعلوم والمعارف . الرابع أنه كان يتعرض لكثير من مشكلات العلوم، وكان يذكر فى حلها نفائس ما يساوى رحلة حيث يكون الصحيح آخر كتاب فى آخر سنة من الفراغ ، على نظام الدراسة فى الهند غالباً ، ولا سيما المسائل الكلام ، لأن الإمام البخارى أيضاً يتعرض لها كثيراً ، ولا سيما فى كتاب التوحيد الموضوع لذلك . فكان يتكلم فيها كمسلك المحققين من قدماء المتكلمين ، وكان يقول : كلام البخارى فى التوحيد على مسلك القدماء ، وهؤلاء الشارحون لما استأنسوا بالتوحيد الذى دار بين المتأخرين ربما تقصر مداركهم عن مدارك الإمام البخارى ، فيتأولون كلامه بما هو برئ عنه اهـ. ومن أجل ذلك كان يعتنى بأمثال هذه المواضيع اعتناءً بليغاً . الخامس : أنه كان يضع عن يمينه ويساره كثيراً من كتب الحديث ، ولا سيما من متون الحديث، فإن كان فيها إشكال فى موضوع يتعلق بالصحيح فكان يفتحها ويقرأ ما على الطلبة ويحل الإشكال ، أو كانت هناك فائدة تلاثم الموضوع فيذكرها بعبارتها، فكأن درس الصحيح كان درساً لسائر الأمهات، - ٢٨٧ - بل ما عداها أيضاً . فهذه مميزات درسه! "صحيح البخارى"، لا تجد بعضها فى درس غيره، ومن أجل ذلك كل من كان ضليعاً فى العلوم، واسع الاطلاع ، حديد الذهن، قوى الحافظة ، ثاقب الفكر ، كان يقوم من عنده بحظ وافر، وبصيرة نافذة، ومن ثم كان منشأ لإخفاق القاصرين، ومن لم يكن فى ذهنه متسعاً لأمثال هذه الأبحاث الجليلة . ميزته فى شرح أحاديث الأحكام . كنت قد ذكرت عشر خصائص من آدابه فى شرح أحاديث الأحكام فى "نفحة العنبر"، ولا فحة فى الوقت لذكرها تفصيلاً، وإنما أريد لفت النظر إلى جملة منها باختصار مع إيضاح وزيادة . منها : أنه كان همه فى الأحاديث التى اختلفت اتباع أهل المذاهب فى معانيها أن يقف على غرض الشارع ، فإذا استبان عنده استمسك به ، ولم يحفل بعموم اللفظ ، ولا باختلاف اتباع المذاهب . مثاله : ما فى " فيض البارى" (من ص ٤ إلى ص ١١ من الجزء الأول)، فراجعه وقابله بما ذكره الشارحون حتى يطمئن به قلبك . ومنها : أنه إذا تعددت طرق الحديث فلم يكن يدير الكلام على طريقة واحدة ، بل كان يجمعها إن أمكن الجمع ، وإلا فيتوخى ما هو أوفق بغرض الشارع أو أقرب إليه . مثاله : ما فى "فيض البارى" فى المواقيت من الجزء الثانى من شرح قوله بَلٍ: (من أدرك ركعة من الصبح الخ) فراجعه. ومنها: أنه إذا تجاذبت الأحاديث وتضاربت نصوص الشارع ، ولم يتعين غرض الشارع بيقين ، وكان الكل سائغاً عنده فيحمل اختلاف الأئمة فى أمثال هذا على الأولوية، ولم يكن يزعمه مخالفاً للمذهب ولا خروجاً عنه . راجع - ٢٨٨ - لمثاله : بحث الترجيع فى الأذان ، واختلاف الجهر والإسرار بالتأمين ، ورفع اليدين فى غير التحريمة من الجزء الثانى من "الفيض". وإن تعين غرض الشارع كان هو المحمل الصحيح عنده. راجع ص ٢٩٤ من الجزء الأول فى باب وضوء الرجل والمرأة ، ومسألة جواب الأذان من الجزء الثانى . ومنها : إذا اختلفت الروايات من صاحب الشريعة ، واختلفت الرواية من الإمام أبى حنيفة فكان محمل كل رواية على كل حديث ، وكان الكل جائزاً ، وإن تفاضلت فى الرتبة وكان بعضها أولى من بعض . راجع ص ٢٨٨ من الجزء الأول من "الفيض" فى مسألة المسح على الرأس. ومنها : أنه إذا صح حديث والرواية المشهورة عن أبى حنيفة كانت مخالفة له ، غير أنه يوجد فى الباب رواية عن الإمام ، فكان المذهب عنده ما دل عليه الحديث ووافقته رواية من الإمام، كالسواك عند القيام إلى الصلاة . فكان يقول : يستحق لمن يثق بعدم خروج الدم من الأسنان ، فإن ذلك ناقض الوضوء عند الحنفية . ومنها: أنه إذا تعين غرض الشارع ولم يجد فى الباب رواية عن الإمام توافقه ، بل صادف رواية عن الصاحبين أو أحدهما ، فكان هو المذهب الحنفى عنده . مثاله : مسألة الخمر ، فكان يقول: غرض الشارع هو النهى عنها سواء كان من العنب أو غيره، وسواء كان قليلا أو كثيراً، وسواء أسكر قليله أو لم يسكر ، وإليه ذهب الجمهور ، وأبو يوسف، وهو من أصحابه ، فتعين المصير إليه . هذا ما تيسر لى بالإجمال ، والغرض منه لفت النظر ، وهذا كتابه وأماليه أمامك فراجعه حتى ينبلج كفلق الصبح ما حاولته . والصبح منبلج لعين رائيه . وأريد أن أذيل هذا الموضوع بكلمات من إمام هذه النهضة الدينية - ٢٨٩ -. الإمام الشاه ولى الله الدهلوى ليتضح أن مسلك إمام العصر هو المسلك الأعلى والطريقة المثلى، وإليه ذهب المحققون من الفقهاء المحدثين من أهل المذهب الحنفى. قال الإمام الشاه ولى اللّه الدهلوى فى "فيوض الحرمين" (ص ٦٢): ثم كشف لى أنموذجاً ظهر لى منه كيفية تطبيق السنة بفقه الحنفية من الأخذ يقول أحد الثلاثة ، وتخصيص عموماتهم، والوقوف على مقاصدهم، والاقتصار على ما يفهم من لفظ السنة وليس فيه تأويل بعيد، ولا ضرب بعض الأحاديث بعضاً ، ولا رفض لحديث صحيح بقول أحد من الأئمة .... وهذه الطريقة إن أتمها الله وأكملها فهى الكبريت الأحمر والإكسير الأعظم اهـ. قلت : وهذه الطريقة التى وضع أساسها الإمام قد شرع تكميلها فى عهد نجله الأكبر الحجة الشاه عبد العزيز رحمه اللّه، ثم زيدت فى عصر الشيخ المحدث مولانا رشيد أحمد الكنكوهى ، وشيدها المحدث الشيخ محمود حسن الديويندى رحمه الله، وأكملها إمام العصر صاحب هذه الأمالى رحمه الله . وقال (فى ص ٤٨): عرفتى رسول اللّه ◌ُعَ لٍ أن فى المذهب الحنفى طريقة أنيقة هى أوفق الطرق بالسنة المعروفة التى جمعت ونقحت فى زمان البخارى وأصحابه . وذلك أن يؤخذ من أقوال الثلاثة قول أقربهم بها فى المسألة ، ثم ذلك يتبع اختيارات الفقهاء الذين كانوا من علماء الحديث . (وفى نسخة مخطوطة فى مكتبة الشيخ عبد الستار الهندى بمكة هنا زيادة : " كالحافظ أبى جعفر الطحاوى"، قاله الشيخ عبيد اللّه الديوبندى). فرب شئ سكت عنه الثلاثة فى الأصول وما تعرضوا لنفيه ودلت الأحاديث عليه فليس بد من إثباته ، والكل مذهب حنفى اهـ . ( نفحة العنبر م - ٣٧ )