النص المفهرس
صفحات 161-180
٠٠٠ ٠٩٠٫ - ١٥٠ - ثم كر على ما بقى فى البين وقال : ( اركعى مع الراكعين ) وأفاد بتأخيره استينافى لحاظ له ، ولو كان على الترتيب لم يفد استيناف لحاظ مستقل له ، ( الذى يراك حين تقوم وتقلبكث فى الساجدين ) ومن استيناف اللحاظ قوله تعالى : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس). كقول العلماء : ثُمَ اعلم ، وسنت الشريعة المطهرة تحية على الله، فجاءت الشرائع بأفعال تكون فى الشاهد لتعظيم الكبراء ، وليس هذا تشبيهاً بل توسطاً بين التشبيه والتعطيل والتعظيم عند لقاء الكبراء يكون طريقاً إلى المطلب يجوزونه أولاً ثم يكون العرض ، وكذلك فى الصلاة جعل التكبير أولاً ، إلى آخر ما قال رحمه اللّه ورضى عنه وأرضاه . فانظر يا رعاك الله إلى هذه الدقة والعلم الغزير ، نعم إذا أنكح الفكر الحفظ ولد العجائب ، كما قاله الجاحظ . فائدة: ٧- قال رحمه الله ما قالت الفلاسفة من أن صفات البارئ تعالى عين ذاته ، لو سلمناه فمع تسليمنا إياه خداع بين منهم وتلبيس جلى ، لأنهم لم يثبتوا من صفاته إلا العلم ، وقد تحقق لدى من تفقد آرائهم ومذاهبهم أن العلم عند إمامهم أرسطو وشارحى مذهبه ابن سينا والفارابى كلهم : صفة حصولية ، فلا جرم يكون زائداً على الذات لا عين ذاته ، فكيف يمكن أن تكون صفاته عين ذاته ، فهؤلاء لم يثبتوا إلا العلم، وهو عندهم حصولى، فمن أين الصفات ؟ ومن أين العينية ؟ فالذى تفوَّهوا به من القول بالصفات ثم عينيتها ليس إلا زخرفة وتدليس للناس ، وإيقاع لهم فى ورطات الوسواس، فكن على بصيرة وفطنة ، ولا يغرنك خضراء الدمنة ، وهكذا حال جميع مزخرفاتهم وخزعبلاتهم ، إذا أمعن فيها النظر وغاص فيها الفكر استبان عوارها ، فلا تدهشك تعبيراتهم الهائلة ، ولا تعجبك إطلاقهم الرائقة ، وما ذاك إلا كالحادى ليس له بعير أو جعجعة من غير طحين . ٠٫٠ - ١٥١ - وقال رحمه اللّه فيما أفادنا عند درس قصيدته "ضرب الخاتم على حدوث العالم " فى شرح قوله : تسلسل علات محال وما كذا = بسلسلة الأفعال عن فاعل بقى إن براهين إبطال التسلسل التى اخترعها الفلاسفة من التطبيق والتضعيف والتضايف والسلمى وغيرها كلها أغاليط صريحة وتسويلات لم يستقم منها شىء إلا برهان تسلسل العلل ، فإنه صحيح ، لأن كل معلول وجوده بالعرض ، فما لم يأت ما بالذات من وراء السلسلة لم توجد ، ولكن فى العنوان شك، لأنه وإن كان ما بالذات فى الطرف جاز إطلاق التسلسل على المتوسطات على هذا أيضاً ، ولذا لعلهم لم يذكروا فى دليله إلا ما يتعلق بما ذكر . وغاية ما يقال : أن الإنقطاع كون علة ليس بمعلول انتهى الأمر إليه لا تناهى العدد، كما حققه الصدر الشيرازى فى " الأسفار الأربعة"، ولعل برهان الوسط لا يحتاج إلى مقدمة وجود ما بالعرض بدون ما بالذات ، وإنما يحتاج إلى أنه لا يوجد الشئ ما لم يكن طرف ليس فى حكم الوسط ، وتنقيحه ما يفضى إلى عدم وجود الشئ الأخير . وما ذكروه فى برهان التطبيق من إبطال لزوم مساواة الكل للجزء فى سلسلتى الانطباق فيجرى فى المتناهى لا فى غير المتناهى، فإجراؤه فى غير المتناهى كما راموه غير صحيح ، إذ لا قدح فى تساوى الكل والجزء فى غير المتناهى ، فمساواة الكل الجزء فى الأمور الموجودة المرتبة بالفعل باطلة ، وأما فى التى لم توجد بعد ولم تنقطع السلسلة فكلا . وحقق الحائط ے ء وهكذا ما ذكروه فى البرهان السلمى من امتداد الخطين كأنها ساقا مثلث والإنفراج بينهما على وفق الامتداد ، وإذا كان الامتداد إلى غير النهاية لا محالة يكون الإتساع بينهما أيضاً غير متناه لما فرضنا، ثم وصل الخط بينهما، ، ولزوم كون البعد الغير المتناهى محصوراً بين الحاصرين - إلى آخر ما قالوا - ا : ؟ - ١٥٢ - فهذا أيضاً أغلوطة جلية ، إذ الوصل بين الخطين من خصائص التناهى ، وكيف الوصل بين الاتساع الغير المتناهى؟ حيث هو يبتنى على انقطاع السلسلة وانتهائها ؟ فلا محالة يكون الوصل فيما تحقق وجوده مرتباً بالفعل ، وقد قالوا أنفسهم بمثل هذا ، إذا اعترض عليه المتكلمون من أن حركات الأفلاك عندكم غير متناهية ، وقد أبطلتم اللاتناهى بالبراهين ، فقالوا : هو باطل فى الأمور بالموجودة المرتبة بالفعل ، لا الأمور المتعاقبة ، ويقرب من هذا القبيل ما يرد عليهم من قبل المتكلمين: أن الحركات الجزئية للأفلاك لما كانت حادثة عندكم فكيف القول بقدم نوعها ؟ فإذا كانت الجزئيات المنفردة حادثة فلابد أن يكون المجموع المركب منها أيضاً حادثاً . وما أجاب من قبلهم الدوانى من : أنه لا يلزم من صدق حكم الكل الأفرادى صدق حكم الكل المجموعى ، ألا ترى أن "كل رجل يدخل هذا الباب" و"كل رجل يشبعه هذا الرغيف" يصدق فى الأول دون الثانى ، فكيف يكون حكمهما واحداً ؟ فساقط ، لأن قياس حكم الدخول فى الباب على حكم حدوث الحركات غير صحيح، فإن وصف الحدوث لها ذاتى ، وعدم صلوح الباب لدخول جميع الرجال إنما جاء من خارج ، وصار هو من إجراء حكم الكل المجموعى، ولو لاه لما اختلف الحكم بينهما ولا بد . ألا ترى أنه إذا كان كل جزء من أجزاء شئ أبيض، أو كل فرد من أفراده أسود، لا جرم يصدق الحكم على المجموع أيضاً: بأنه أبيض أو أسود . فما قاله الدوانى أيضاً لا يخلو عن تلبيس وتخليط ١هـ. قال الراقم : فهكذا جميع قواعدهم ومسائلهم اختلط فيها المرعى بالمهمل، بل ترى أسماء مؤنقةٍ ما لها من حقيقة ومسميات ما لهم عليها من برهان ، آراء متهافتة وأنظار متساقطة ، لم تثلج بها صدورهم ولم تقنع بها عقولهم ، وكيف تمرع العجزاء ؟ وهل تخضب الساهرة من غير ديمة همراء ؟ لا ولا ، فكن ١٠٠٠ج ٠٠٠٠ ٠٫ - ١٥٣ - على يقظة واعتبار، إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار. نعم وقد صدق الحريرى حيث قال : ما أنت أول سار غره قمر = ورائد أعجبته خضرة «الدمن والله المستعان وإليه المفزع وعليه التكلان . فائدة: ٨ = فى بيان بعض معانى قوله تعالى: (وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) قال الشيخ رحمه الله: ومعلوم أن الأمر من حيث الشرع ورعاية منصب الشارع للوجوب وإن لم يكن من حيث اللغة كذلك ، كما أشار إليه فى "جمع الجوامع"، ولكن لا يخفى أنه للأمر بالذى اشتق منه ، وهو يكون جنساً تحته واجب ومستحب ، كالصلاة على النبى بَ ال واجبة ومستحبة على التفصيل المعروف فى أحكامها. وقلت : وما فى الشريعة حقيقة واجبة إلا ومثلها مندوبة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ، وكذا الصلاة المفروضة حقيقة مركبة من التحريمة إلى التسليم ، وفيها مستحبات، فينفى أن يكون الأمر المشتق من مثل هذا الجنس كذلك ، إذ يبعد أن تكون الصلاة المستحبة عليه بَ لٍ حيث استحبها العلماء غير داخلة تحت قوله تعالى: (صلوا عليه) وكذا يبعد أن تكون الصلوات المندوبة أو المستحبات الداخلة فى الصلوات غير داخلة تحت قوله بعيد الج: ((صلوا كما رأيتمونى أصلى))، فالذى يظهر أن الأمر لوجوب الجنس فى الجملة وأن لايخلوا الجنس من الوجوب، ويبقى تفصيل ذلك الجنس إلى الواجب والمندوب مفوضاً إلى الشرع بعده . قال القاضى أبو بكر ابن العربى فى "أحكام القرآن" تحت قوله تعالى : ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ): المسألة الثانية فى المراد بالنفقة، وفيه قولان: أحدهما : أنها صدقة الفرض ، قاله عبيدة السلمانى وغيره . الثانى: أنها عامة ٤ ٠ـ ( نفحة العنبر م - ٢٠ ) ؟ - ١٥٤ - فى كل صدقة ، فمن قال أنها فى الفرض تعلق بأنها مأمور بها ، والأمر على الوجوب، وبأنه نهى عن الردئ، وذلك مخصوص بالفرض ، والصحيح أنها عامة فى الفرض والنفل ، والدليل عليه أن سبب نزول الآية كان فى التطوع ، الثانى: أن لفظ " أفعل" صالح للندب صلاحيته للفرض، والردئ منهى عنه فى النفل ، كما هو منهى عنه فى الفرض ، إلا أنه فى التطوع ندب فى "أفعل" مكروه فى "لا تفعل"، وفى الفرض واجب فى أفعل، حرام فى لاتفعل . وقال الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (١) عن الشافعى: والذى قاله الشافعى فى "الأم": فرض الله الصلاة على رسوله بقوله : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) فلم يكن فرض الصلاة عليه فى موضع أولى منه فى الصلاة اهـ . وألطف منه ما فى " قواعد ابن رشد" ( يعنى " بداية المجتهد " لابن رشد الفقيه المالكى) من سجود السهو، قال : وكذلك تجدهم قد اتفقوا ما خلا أهل الظاهر على أن تارك السنن المتكررة بالجملة آثم ، مثل لو ترك إنسان الوتر أو ركعتى الفجر دائماً لكان مفسقاً آثماً، فكان العبادات بحسب هذا النظر ، منها ما هى فرض بعينها وجنسها ، مثل الصلوات الخمس، ومنها ما هى سنة بعينها فرض بجنسها ، مثل الوتر وركعتى الفجر وما أشبه ذلك من السنن ، وكذلك قد تكون عند بعضهم الرغائب رغائب بعينها سنن يجنسها، مثل ما حكيناه عن مالك من إيجاب السجود لأكثر من تكبيرة واحدة، أعنى للسهو عنها، ولا تكون فيما أحسب عند هؤلاء سنة بعينها وجنسها ، وأما أهل الظاهر فالسنن عندهم هى سنن بعينها، لقوله فعّالّ للأعرابى الذى سأله عن فروض الإسلام: ((أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق)) وذلك بعد أن قال له: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه)) يعنى الفرائض اهـ. وقال الطيبى فى باب القراءة: (١) ص - ١٣٩ ج - ١١ طبع ميريه". fe د.) ٢٠ ٢٠ 2 ٢ - ١٥٥ - قال صاحب "الكشاف" فى قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) الدليل الذى ذكرنا أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقى الحج وحده فيها ، فهما بمنزلة قولك : صم شهر رمضان وستة من شوال ، فى أنك تأمر بفرض وتطوع ، هذه المسألة مبينة على أن مطلق الأمر للوجوب إلا ما خصه الدليل اهـ. والحاصل أن الأمر بالجنس يوجب إيجابه، ولكن التفصيل باعتبار المحال والأوقات، أين تجعله الشريعة واجباً ؟ وأين تجعله الشريعة مستحباً إليها؟ فمن هذه الجهة قلت ما قلت، لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا باعتبار عموم المشترك ، ومثله فيما يظهر قوله تعالى : ( فاستمعوا له وأنصتوا) وقوله عٍَّ: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))، فالذى ينبغى أن يكون الإستماع واجباً فى الصلاة وإن كان غير واجب فى غيرها . ثم إنه لا حاجة لنا إلى البحث عن سبب نزوله ، إذ لو كان للنطق فتكون العبرة له لا للسبب، على ما عرف فى محله. وفى "روح المعانى»: وفى بناء الفعل للمفعول إشارة إلى أن مدار الأمر القراءة من أى قارئ اهـ . وفى " فتاوى الحافظ ابن تيمية ": وقد استفاض عن السلف أنها نزلت فى القراءة فى الصلاة ، وقال بعضهم : فى الخطبة ، وذكر أحمد بن حنبل الإجماع على أنها نزلت فى ذلك، وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر اهـ، وفى موضع آخر قال أحمد : أجمع الناس على أنها نزلت فى الصلاة . 11 % ( يريد الشيخ رحمه الله تعالى بأنا إن بحثنا عن سبب النزول وجعلناه مداراً ومناطاً للحكم فلا يضرنا أيضاً، إذ الأقوى رواية نزوله فى الصلاة، فهى حجة لنا لا علينا ، وغاية ما يرد أنه حجة فى الجهرية لا فى السرية ولا حرج. علا أن القاعدة الأصولية وإيراد الفعل مجهولاً كل ذلك يؤيد الأحناف تأييداً ، والله أعلم ) . at ۔ - ١٥٦ - فائدة : ٩ = فى صدع بعض مزايا قوله تعالى: (واذكر ربك فى نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ) . قال الشيخ رحمه الله : لا نخرج فيه عن اللفظ وعنوانه إلى غيره ، وهو فى الذكر لا الصلاة وإن كانت ذكراً، قوله: ( واذكر ربك) الظاهر أن المراد به ذكره فى القلب، ولعله لذا لم يقل: (واذكر اسم ربك) وقال: ( تضرعاً وخيفة) ولم يقل: (تضرعاً وخفية) فالخيفة من عقابه أمر فى القلب، كما قال : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) . وعند الترمذى من أبواب صفة جهنم عن أنس عن النبى معٌَِّّ قال: (( يقول الله: أخرجوا من النار من ذكرنى يوماً أو خافى فى مقام.)) هذا حديث حسن غريب، وأريد بالذكر فى القلب أن لا ينساه فيدخل فى وعيد "اليوم أنساك كما نسيتنى"، والذكر فى القلب على حد ما قال حَ ليٍ لإبن عباس: ((يا غلام إنى أعلمك كلمات : إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن بالله اهـ)). وفى رواية غير الترمذى كما فى "أذ كار النووى": ((إحفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة)). فلابد أن يكون فى القلب ذاكر الله وداعيه ووازع يزعه عن نسيانه بالغدو والآصال، ولا تكن من الغافلين، وهذا الذكر فى القلب ليس ينحصر على الذكر بالأسماء والأذكار بأن يكون وردها هو المقصود ، وإنما يكون من باب واذكرنى عند ربك ، ثم قوله : ( ودون الجهر ) فاعلم أن الذى يظهر أن عرف القرآن أن الجهر فيه أرفع من الجهر المدون فى كتب الفقه من الجهر بالقراءة ، ذكره فى "الكمالين" ، وذلك أن الجهر فى العرف أزيد مما يجرى فى المحادثة والكلام بين الناس على الحد المعروف بينهم ، والجهر فى الفقه إسماع غيره ، وهو دون الجهر بعرف القرآن ، كما فى قوله تعالى : ـا 1 : - ١٥٧ - (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض اه) . وقوله تعالى: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اهـ). ومنه فى حديث امرأة رفاعة القرظى: ((يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به))، وقوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك، ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) فالسبيل بينه هو عين الجهر المعروف فى الفقه وغير الجهر المعروف فى القرآن، وآية: (وَلا تجهر اهـ) بتمامها فى الصلاة الجهرية لا السرية، وهو ما عند مسلم عن ابن عباس فى قوله (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال: ((نزلت ورسول اللّه عَ لٍ متوار بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه مَ ا}: ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون قراءتك ولا تخافت بها عن أصحابك ، إسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر، وابتغ بين ذلك سبيلاً)) يقول بين الجهر والمخافة اهـ. وعلم منه أن المقصود الإسماع، ولا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد أنه لابد للإسماع من الإنصات والإستماع ، وإذن فقوله : ودون الجهر يبقى تحته بالإسرار بالذكر بحيث يسمع نفسه ، والجهر بحيث يسمع غيره، وينهى عن الشديد، وهو المراد فى حديث أبى موسى: ((اربعوا. على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً )) فخلصت من هذه الآية ثلاث صور كلها فى الذكر لا فى أحوال الصلاة وأحكامها، ولهذا قال: ((من القول)) فى قوله: (ودون الجهر من القول) وقوله: ((فى نفسك)) كقوله فى الكتاب فى قوله: ( واذكر فى الكتاب إسماعيل، واذكر فى الكتاب موسى ، واذكر فى الكتاب مريم ) أراد سبحانه وتعالى أن يبين حكم الذكر بنفسه بعد أن بين حكم الاستماع من غيره، وإنه فى القرآن فقط، انتهى ما قاله رحمه الله . = ? + ٩٠٢٧ فائدة ١٠ = فى يأجوج ومأجوج وسدّ ذى القرنين . ٧ - سيوعود: - ١٥٨ - قال الشيخ رحمه اللّه فى كتابه "عقيدة الإسلام" (١): قد تواتر فى الأحاديث : أنه عليه السلام ينزل بعد خروج الدجال فيقتله ويريهم دمه على حربته، ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله بدعائه، وقد حرف الملحدون تلك الأحاديث أيضاً، وكنت قد أفردت فى مبحث يأجوج ومأجوج مقالة حديثية تاريخية لا يسعها المقام ، وهذه نبذة منها أوردتها ، فالذى ينبغى أن يعلم ويكفى ههنا أن الظاهر من أمر ذى القرنين: أنه رجل ليس من أهل المشرق كما قيل أنه فغفور الصين الذى بنى سداً هناك فى طول ألف ومائتى ميل ، ويمر على الجبال والبحار، لأنه لو كان كذلك لقيل فى القرآن العزيز بعد سفره إلى المغرب : أنه رجع إلى المشرق كالراجع إلى وطنه ، ولا من أهل المغرب ، وإنما هو من أهل ما بينهما ، والراجح أنه ليس من أذواء اليمن ، ولا كيقباد من ملوك العجم ، ولا هو سكندر بن فيلقوس ، بل ملك آخر من الصالحين، ينتهى نسبه إلى العرب الساميين الأولين . ذكره صاحب "الناسخ"، وأرخ لبنائه السد سنة ٣٤٦٠ من الهبوط، وذكره قبل العرب الساميين الذين ملكوا مصر، كشداد بن عاد بن عوض بن ارم بن سام ، وابن أخيه سنان بن علوان ابن عاد ، وبعدهما ريان بن الوليد بن عمرو بن عمليق بن عولج بن عاد، قال: ومن أطلق على هؤلاء الفراعنة بعد الريان العمالقة فالنسبة إلى عمليق بن عولح لا إلى عمليق بن لاوذ بن ارم بن سام الذين كانوا سكنوا بمكة، وكذا هو -أى ذو القرنين - قبل ضحاك بن علوان أخى سنان المذكور الذى قتل جمشاد ملك الإيران وملكه وذكر إسم ذى القرنين: صعب بن روم بن يونان بن تارخ بن سام، فهو إذن من عاد الأولى، لا من الروم أو اليونان، وقد قال الله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد نوح). وذكر أيضاً أن كورش ليس هو كيقباد بل هو من الطبقة الثانية من ملوك بابل، والأشبه فى وجه تسميته ما عن على، ٠ . .. : (١) ص - ١٩٧ ر) 3. ب - ١٥٩ - وقد قواه فى "الفتح" وشرحه فى " شرح القاموس"، وذكر فى التنزيل ثلاثة أسفار له . الأول إلى المغرب، ثم إلى المشرق، ولم يذكر جهة الثالث ، ولا قرينة له على أنه إلى الجنوب، فهو إذن إلى الشمال، وسده هناك فى جبل "قوقايا" الذى يسمى الآن: "الطائى" غير مجموعة الجبال الأورالية، وهو المراد بآخر "الجربياء" فى كتاب حزقيال عليه السلام، كما فى "روح المعانى". قلت: "الجربياء" فى اللغة: الريح التى تهب من الشرق والشمال، وبنى أيضاً بعض ملوك الصين سداً لنحو ضرورة ذى القرنين ، وهو سد كان المغول سموه : "أتكورة"، وسماه الترك: "بوقورقه"، ذكره صاحب " الناسخ"، وأرخ لبنائه سنة ٤٣٨١ من الهبوط، وكذا بعض ملوك العجم من باب الأبواب، لمثل ما ذكرنا، وهناك سدود أخر وكلها فى الشمال، ثم لو ثبت ما اشتهر وشهَّره المؤرخون، وذكره فى "حياة الحيوان" عن ابن عبد البر فى "كتاب الأمم " من الكركند: أن مأجوج من ولد يافث ، سكن هناك، وأن جوج لحق بهم، وأن ماغوغ - كما ذكره ابن خلدون بالعبرية - هو مأجوج فى العربية ، وجوج هو يأجوج ، مع أنه لم يذكر فى كتاب حزقيل بلفظ : يأجوج ، وإنما ذكر جوج ، وسلم أنها معرب (كاک) (سیکاک) فى الإنكليزية . وأن روسيا من يأجوج، وأهل بريطانيا من مأجوج ، لم بدل على أن ذى القرنين سَّد على كلهم بل سد على فرقة منهم هناك . قال ابن حزم فى "الملل والنحل" فيما يعترض به النصارى على المسلمين قديماً : أن أرسطو ذكر السدّ ويأجوج ومأجوج فى " كتاب الحيوان"، وكذا بطليموس فى جغرافياه، بل سؤال تعيين السد أو تعيين ذى القرنين وقع من اليهود أولاً عنه عَّ ةٍ ، كذا يستفاد من بعض روايات "الدر المنثور". وبعض الناس يجعل اللفظين : " منكوليا وسچوريا"، وبعضهم " كاس ميكس"، وبعضهم "چين ما چين"، وهو كما ترى، وأعجب منه ما فى "الناسخ" - ١٦٠ - من ذكر بناء بيت المقدس : أن علماء بنى إسرائيل كانوا يطلقون على صور وصيدا " چين ما چين"، ونقل بعضهم عن تاريخ كليسيا فرقة من الفرق الآريوسية لقهبا : يأجوجى ، والمفسدون فى الأرض لا يصدق على كلهم ، فإنه إهلاك النسل والحرث وتخريب البلاد والنهب والسفك وشن الغارة ، لا أخذ المالك بالسياسة والتدبير ، وهؤلاء موصوفون بذلك لا الأول ، وإذا انقطع هذا اللقب عنهم الآن لم تبق المعرفة إلا بوصف الإفساد ، فإن كان شعبهم ينتهى إليهم فلينته ، ولعله فى بعض الآثار،، أدخل نحو إنسان الغاب أو الجبارين فى يأجوج ومأجوج ، فراجع إنسان الغاب والجبار من الدائرة، وفى "البحر" أنه قد اختلف فى عددهم وصفاتهم، ولم يصح فى ذلك شئ آهـ . قلت : قد صح فى كثرة عددهم أحاديث . وكذا نقل عن كتاب "الجمان فى تاريخ الزمان" للعينى عن " تاريخ ابن كثير": أنه لم يصح فى صفتهم كثير شئ ، وإذا كان هؤلاء الأورباويون خارجين من بلادهم وأخلاقهم وسيرتهم فليسوا بمرادين ، وإنما المراد فرقة منهم أى من شعبهم فى الشمال والشرق، ولهم خروج فى آخر الأيام ، وليس أنهم مسدودون بالسد من كل جهة ، بل منعوا من شعب هناك ، فإن قيل أنهم أيضاً قد ارتفع عنهم المانع الحسى منذ زمان طويل واندك السد وقد خرجوا ، قيل: فإذن لم يكن هذا الخروج مراداً، فإنه لم يتحقق نزول عيسى عليه السلام قبيل ذلك ، ويستمر الأمر هكذا حتى يخرج بعض منهم الذين لم يخرجوا إلى الآن فى عهد عيسى عليه السلام ، ويكون الخروج مرةً بعد مرة كمثل خروج الخوارج ، لاخروجاً بالمرة من السد ، ولم يذكر. فى " القرآن" لفظ الخروج من هذا السد فقط ههنا ، ولما ذكر فى الأنبياء : (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) لم يذكر السد والردم ، فكان الخروج لعمومهم ، وكأن قوله: (وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج فى بعض) يؤمى أن بعضهم فى مقابلة ١٪. ،،ـے ١١٠ 2 ء - ١٦١ - بعضهم الآخرين ، فالبعض خارجون من السد والبعض الآخرون من غيره، وكأن اندكاك السد جعل موضع خروج بعضٍ وميقات خروج آخرين منهم، وقد وقع فى مكاشفات يوحنا الإنجيلى خروجهم مرة بعد مرة ؛ أى من سد عليهم أو لم يسد ، وكذا ذكره فى " الناسخ" عن الفصل الحادى عشر من سفر سنهدرين من كمارا اليهود ، وهو عندهم كالحديث عندنا ، قال فيه : وجد فى "خزائن الروم" بالخط العبرى: أن بعد أربعة آلاف سنة ومائتين وإحدى وتسعين سنة يبقى العالم يتيماً ، وتجرى فيهم حروب كوك مأكوك ، وتكون سائر الأيام أيام الماشيح، وهذا التاريخ على ما يؤرخ به اليهود مولد خاتم الأنبياء فِّلٍّ، ويبقى العالم بعده يتيماً لا راعى له، أى تختتم النبوة، وتجرى بعد ذلك وبعد خير كثير ملاحم يأجوج ومأجوج ، وينزل إذ ذاك عيسى عليه السلام. وصاحب "الناسخ" حمل الماشيح على خاتم الأنبياء حَةٍ، وكذا ذكرهم فى كتاب حزقيل ولم يذكر السد ، فيأجوج ومأجوج أعم ممن سد عليهم ، فقد جمع القرآن حال أعمهم وأخصهم ، وذلك لسؤالهم عن ذى القرنين لا عن يأجوج ومأجوج فقط، فذكر أولاً من سد عليهم منهم، ثم عمم فى قوله : (وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج فى بعض) وهو إذن للاستمرار التجددى حتى يتصل خروجهم المخصوص بنزول عيسى عليه السلام ، فوقع هنا فى "القرآن" أعم مما فى الحديث ، وكذا قوله: (وهم من كل حدب ينسلون) فذكر كل حدب، ولابد من ذلك إن ثبت أن الأورباويين منهم، وأن لهم خرجات، أو ذكر فى القرآن من سد عليهم فقط ، لكن لم يذكر أنه لا يندك ، ويكون خروجهم مرة بعد مرة حتى يكون خروجهم المراد عند نزوله عليه السلام، وقد بدئ باندكاكه فى زمانه عَ لٍ حيث قال : ويل ( نفحة العنبر م - ٢١ ) - ١٦٢ - للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وهؤلاء الذين خرجوا كذلك أى من غير سد، لا يقال أنهم خرجوا عليه، لأنهم نصارى نحلةً وانتماءً ، وبقى بعض من هؤلاء أصلاً وشعباً ليسوا نصارى ، سيخرجون عليه فى آخر الزمان ، وذكر فى كتاب حزقيل خروجهم على بنى إسرائيل، فى "روح المعانى": وفى "كتاب حزقيال عليه السلام" الأخبار بمجيئهم فى آخر الزمان من آخر الجربياء فى أمم كثيرة لا يحصيهم إلا الله تعالى، وإفسادهم فى الأرض، وقصدهم بيت المقدس، وهلاكهم عن آخرهم فى بريته بأنواع من العذاب اهـ. وذكر فى الأحاديث النبوية توجههم إلى الشام ، فليس الخروج عليه متصلاً بالإندكاك ، وإنما المتصل به خروجهم على الناس ، وهو كذلك فى بعض الألفاظ كما فى " الكنز" (١). وقد تأتى أحاديث أشراط الساعة بالتقاط أشراطها من البين وترك ما بينها، فلهم خرجات مرة بعد مرة ، وليس القرآن العزيز نصاً فى أن السد منعهم من كل جهة ، ولا أن عدم خروجهم فى الأزمن الآنية لعدم الإندكاك فقط ، فإن ذلك إذ ذاك أى عند بناءه ودهراً بعده ، وأما بعد ذلك فلهم خرجات ، ففيه : ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، الآية ) فلم يقل: حتى إذا فتح الردم، والمراد تلك النوبة من الخرجات ، وينبغى أن يعلم أن قول ذى القرنين : ( قال هذا رحمة من ربى، فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء ، وكان وعد ربى حقاً ) قول من جانبه، لا قرينة على جعله منه من أشراط الساعة، ولعله لا علم له بذلك ، وإنما أراد وعد اندكاكه ، فإذن قوله تعالى بعد ذلك : ( وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج فى بعض ) للاستمرار التجددى . نعم قوله : ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ) هو من أشراط الساعة ، لكن ليس فيه للردم ذكر فاعلم الفرق . (١) ص - ١٨٥ ج - ٧ ٥٠ 1 F' *: 3 = - ١٦٣ - واعلم أيضاً أن السد الذى رآه صحابى كما فى " الفتح" و"الدر المنثور" و "حياة الحيوان" الظاهر أنه سد آخر لا هذا السد، ويأجوج ومأجوج فيه بمعنى أهل الشرك، وحديث حفر السد كل يوم أعل ابن كثيرة فى, " تفسيره ". رفعه بأنه لعله سمعه من كعب فإن كعباً روى عنه مثل ذلك، وقد ذكره أيضاً ابن كثير . وفى "الفتح": أن عبد بن حميد رواه عن أبى هريرة موقوفاً. أو كانوا حفروا أولاً وتركوا ، وسيحفرونه عند خروجهم المخصوص أيضاً ، وإن كانوا خرجوا قبل ذلك خروجاً غير خروجهم على عيسى عليه السلام فإن اللّه تعالى قد قال: (وما استطاعوا له نقباً) ذكره ابن كثير أيضاً . وأقول: إن كان فى إيمان الناظرين سعة فلا ضيق فى تسليمه أيضاً. والحاصل أنه إن كان قد اندك أو كان لم يندك ولكن كان لم يبق مانعاً بحسب هذا الزمان بأن يكون خروجهم من طرق بعيدة من وراء الجبال ، والسد على البوابير والمراكب المحدثة للأسفار الطويلة ، فخروجهم المخصوص ليس متصلاً به ، كيف ؟ وهو مندك إذن منذ زمان طويل ، ولم يبق من السد الذى جعله الناظرون سد ذى القرنين إلا أثر وطلل ، ولم يتصل خروجهم ذلك به ، فليكن من الزمان برهة أخرى كذلك ، لا أنهم خرجوا فى زماننا هذا فيطلب عيسى عليه السلام فيه، فإنه إذا تراخى من اندكاكه أو من خروجهم من زمن طويل فليتراخ أمداً آخر أيضاً وإن لم يندك مقدار ما بين الصدفين، وليس له زيادة طول حتى يستبعد خفاؤه - كما فى "روح المعاني" فى قوله تعالى: ( حتى إذا بلغ بين السدين ) فى قراءة فتح السين وضمها ، السد بالضم الإسم ، وبالفتح المصدر ، وقال ابن أبى إسحق : الأول ما رأته عيناك، والثانى ما لا تريانه اهـ. وذكره كذلك فى "البحر" - فالأمر إذن على الإنتظار ويدور على الإيمان ، فلينتظر فإنهم وإن خرجوا مثلاً من طريق آخر لكنهم لم يخرجوا على هذا التقدير من السد ، وإذن كان السد اندك أو لم يندك '٧۴ - ١٦٤ - لكن قد انهدم ما بناه ذلك الملحد أساساً ورأساً على كل حال ، وكذا لم يفده أ كان الأورباويين منهم أم لم يكونوا فإنهم لم يخرجوا من السد وإن خرجوا على الناس ، كيف؟ وذلك الملحد نفسه من ذرية مأجوج على تحقيقه فإنه من المغول، هذا مع ما هو مسَّلم عند الجغرافيين أنه لم ينكشف إلى الآن عليهم حال بعض الجبال والقفار والبحار . ثم لما كان الإنكليز من الألمانيين وهم من ذرية جومر أخى مأجوج ، فليسوا من نسل مأجوج، ولا يفيد ما ذكر فى الألمان: أنهم خرجوا من كوه قاف وأورال ، فإن جبل أورال سلسلة مستطيلة من الشرق إلى الغرب ، ولم يكن نسل مأجوج أو الذين سَّد عليهم إلا فى شرقه . وذكر فى "دائرة المعارف": جوج من جومر، وإنه ملك السكيثيين، فيأجوج إخوان مأجوج ، وهو كذلك عند اليهود كما فى " لقطة العجلان"، فاحذر قول الخراصين ومذهب السكيثيين ميتهالوجى - أى علم الأصنام - فليسوا بنى إسرائيل أيضاً، وجوج الذى هو من ذرية يعقوب رجل آخر ، وجوج الذى عد مع مأجوج فى كتاب حزقيل ليس من ذرية يعقوب، بل هو معاد لبنى إسرائيل ، فلو سلم أن جوج والى روسيا فليس الذى سد عليهم إياهم بل هم بعض من جوج . والذى يعلم من كتابه : أن جوج أقرب .سكناً ومأجوج أبعد ، ولما كان الاريانة أصل الأورباويين كيف يكون الأورباويون من مأجوج ؟ وإلا لكان الهنود منهم ، إلا أن يقال: أنه قد تبدلت ألقابهم، فهذا يجرى فى الأورباوبين أيضاً. وقد قال فى " الفتح" فى حديث : ((أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل))، قال القرطبي: قوله: "من يأجوج ومأجوج ألف" أى منهم ومن كان على الشرك مثلهم، وقوله: "ومنكم رجل" يعنى من أصحابه ومن كان مثلهم آهـ . قلت : وهو عن عمران بن حصين عند الحاكم فى "المستدرك" : . : - ١٦٥ - (( وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده إنكم مع خليقتين ما كانتا مع شئ إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج ، ومن هلك من بنى آدم وبنى إبليس اهـ)). فوقع مفسراً ولم يستمد به فى "الفتح"، وقد صححه الحاكم، وأقره الذهنى فاعلمه ، وقد أخرجه الترمذى والنسائى فى تفسيره كذلك ، ونحوه فى "الدر المنثور" عن ابن عباس فى قوله تعالى : ( يوماً يجعل الولدان شيباً ). واعلم أن ما ذكرته ليس تأويلاً فى القرآن بل زيادة شئ من التاريخ والتجربة بدون إخراج لفظه من موضوعه، فلا يتسع الخرق ، فإن التاريخ لما ذكر أن بعض الشعوب الخارجة من السدّ من نسل يأجوج ومأجوج أيضاً. قلنا : إن ثبت فالقرآن لم يذكر السد على كلهم ولا من كل جهة ، فليكن الخارجون المذكورون من يأجوج ومأجوج ، ولكن ليسوا بمرادين فى القرآن، وإن ثبت أنه اندك أو خرجوا من جانب آخر فليكن موج بعضهم فى بعض متجدداً مستمراً حتى ينزل عيسى عليه السلام فيخرجون أيضاً من بلادهم من السد المندك ويفسدون فى الأرض حتى يهلكهم الله تعالى بدعائه عليه السلام. كيف ؟ وقد قال الله تعالى فى الأنبياء : ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ) أى حرام عليهم غير ما نقول، وهو: أنهم لا يرجعون إلى الدنيا ثانياً ، كقوله تعالى : (ألم يرواكم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون) ويدخل تحت النفى رجعة الروافض وبروز ذلك الملحد ، فإنه جعله أنه هو حقيقة ما أطلق عليه أنه رجوع للأول ، وقيل: إنه سيرجع كما جاء فى عيسى عليه السلام مرفوعاً، وقد مر أنه راجع إليكم فإن كان هذا هو حقيقة رجوع أحد ، كما افتراه أنه هو عرف الكتب السماوية فقد حرمته الآية، فإن الاعتبار فى ذلك لما يسميه أهل العرف رجوعاً لا لغيره ، وكذا مجىء مثيل إن كان مجيئاً مبتدأ ، فليس هذا رجوعاً للأول ، وإن قيل: أن الرجوع الأول ٢٠ : - ١٦٦ - هو هذا، فقد شملته الآية ولا يظهر ما قيل فى الآية، أن المراد حرام عليهم أنهم لا يرجعون إلينا، فإنه لو كان مراداً لم يذكر فى السياق الإهلاك أولاً، وإلا لصار إذن ذكر الحلف على ذلك ، وذكر حرمة عدم الرجوع إليه كالمستدرك ، وقد جاء فى الحديث أن عبد الله بن حرام لما استشهد بأحد واستدعى الله تعالى أن يرجعه إلى الدنيا ليستشهد ثانياً أجيب بما فى الآية، أخرجه الترمذى وحسنه ، وإذ لارجوع إلى الدنيا فلا تناسخ أيضاً بنقل الأرواح فى الأبدان ، وإذن لابد من القيامة لتجزى كل نفس ما عملت ، ومن أشراطها خروج يأجوج ومأجوج ، فخروجهم فى قرب القيامة ومن أشراطها ، ونزول عيسى عليه السلام قبيل ذلك بصريح تواتر الأحاديث فيه : ( إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً ) . ومعلوم أنه ليس من موضوع القرآن استيعاب التاريخ ولا الوقائع كلها ، فمن اعتبر بالتاريخ فليزده من عنده كأنه خارج منضم ، ولا يزيد التاريخ على ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد اهـ . قال الراقم : فتلخص مما ذكره الشيخ رحمه الله فى تحقيق ذى القرنين وتعيين السدّ وتبيين يأجوج ومأجوج أمور : الأول : إن ذا القرنين ليس من ملوك العرب القحطانيين من أذواء اليمن ، ولا من ملوك العجم ، ولا من الروم ، فليس هو الإسكندر اليونانى المقدونى ، ولا كيقباد ، ولا كورش ، وليس ملكاً ولا نبياً ؛ بل ملك من الصالحين، اسمه صعب بن روم، ينتهى نسبه إلى العرب الساميين من عاد الأولى قبل الساميين الذين ملكوا مصر كشداد وسنان وضماك . الثانى : إن سده المذكور فى التنزيل العزيز ليس هو سد بعض ملوك الصين الذى سماه المغول: أتكووة ، وسماه الترك: بوقورقه، وبنى سنة ٤٣٨١. من الهبوط ، ولا سّد فغفور الصين ، ولا سد بعض ملوك العجم من باب .. F. ( ٢) 1 ٠٫٠ : d ء - ١٦٧ - الأبواب ، ولا غيره من سدود أخر فى الشمال ، ولا السد الذى رآه صحابى، بل هو سد فى جبل قوقايا ، يسمى اليوم: " الطائى"، وهو غير مجموعة الجبال الأورالية ، وبنى سنة ٣٤٦٠ من الهبوط . الثالث : إنا لا نقطع بأن جوج ومأجوج معَّرب "كاك، (لمیکاک،، فی الإنجليزية ، ولا نقطع بأن روسيا من يأجوج وأهل بريطانيا من مأجوج كما اشتهر عند المؤرخين، أو أنه فرقة من الآريوسية، لقبها: يأجوجى ، فإن جميع هؤلاء بمعزل عن الصفات التى وردت فى أحاديث قد صحت عدة منها ، وكونهم موصوفين بها قبيل نزول عيسى عليه السلام من إهلاك النسل والحرث وتخريب البلاد والنهب والسفك وشن الغارة، لا أخذ المالك والبلاد بالسياسة والتدبر وقهر الأقوام بلطائف الحيل والتزوير ، ونقطع ببطلان ما قيل أنها معَّربان من كاس ميكاس ، أو چين ما چين ، او متكوليا ومنچوريا ، بل هما شعبتان من شعب فى الشمال والشرق . نعم إن انتهت إلى هؤلاء الأورباويين أو روسيا أصلاً ونسلاً فلتنتهيا، لا انتماءً ونحلةً ، ولهم خرجات عديدة ، والمراد فى قول الله عز وجل: (إذا فتحت يأجوج ومأجوج) وفى الأخبار هو خروجهم الأخير على سبيل الإفساد والإهلاك ، وهو الذى جعل من أشراط الساعة ، وليس أنهم مسدودون بالسد من كل جانب بل. من شعب خاص ، ولا أن السد سد جميعهم ، فلو كان السد منذكاً وهم خرجوا عنه أو خرجوا من جهة أخرى فلا يضرنا، فإنه ليس ذلك الخروج مراداً قطعاً ، أو يكون منهم شعب خاص يكون لهم الخروج قبيل نزول المسيح عليه السلام بالصفات الواردة فى الأخبار . وهذا الذى اختاره الشيخ رحمه الله طريقة مثلى لمن كان يؤمن بالقرآن والسنة فى اعتبار واستبصار من التاريخ ، لا أن يحرف القرآن وينكر الأخبار ويؤمن بالتاريخ الذى تقادم عهده وتطاول مداه بالقرون ٤. ولم يقم عليه بعد برهان ساطع ، بل أساسه ورأس ماله التخمين والجزاق ٦ - ١٦٨ - والتحليل والتركيب فى وقائع ، ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ، ويتأثر من نكير ملاحدة المؤرخين فينكر من الأخبار رأساً ويقيم رأياً ويظنه وحياً سماوياً قطعياً، أو يقول : قد مضى خروجهم ، وما أخبر به القرآن قد تحقق فيها سلف، ويغمض عينيه من أحاديث الرسول، حَ الله ، فليس ذلك من الإيمان فى شئ ، والله الهادى إلى الصواب . والشيخ رحمه الله يرد فى مقالته هذه على أهل الزيغ والباطل من السار أحمد خان بانى "كلية عليكر" صاحب " التفسير" بل صاحب التحريف، ومحمد حسن الأمروهوى الطبيب صاحب " غاية البرهان فى تأويل القرآن"، ورئيس الطائفة المرزائية محمد على اللاهورى محرف القرآن وغيرهم ، وعلى من سها من أهل الحق من بعض المعاصرين ومن سبقه من بعض الفضلاء الهنديين . هذا، وقد زاد الشيخ رحمه الله فى تعليقاته على " عقيدة الإسلام" أشياء لخصنا منها أموراً. الأول: إن ذا القرنين كان معاصراً لإبراهيم عليه السلام، اجتمع معه عند البيت الحرام . الثانى : إن يأجوج معرب جوج ، وتعريبه قبل نزول القرآن كتعريب عيسى ويحيى عليهما السلام فى عهد الجاهلية أيضاً، وإن جوج لقب به أقوام عديدة ، وذكر المقريزى - صاحب ابن خلدون - يأج ومأج، وهما آخران . الثالث : إنه ثبت صلاة أبى العالية فى مسجد ذى القرنين ، وثبت أن مرو بناه ذو القرنين . تنبيه : ثم إنه أستفيد من مقالة الشيخ رحمه الله تلك أن الأخباء الواردة فى خروج يأجوج ومأجوج على سبيل الإفساد والإهلاك قرب الساعة، ما تكاد تتواتر ، ثم نزول عيسى عليه السلام وإهلاكهم الله بدعائه كل ذلك صحيح متوافر ، نؤمن بإذعان قلب وقبول نفس بأنها من أمارات الساعة من - ١٦٩ - غير تأويل أو تحريف، والله الموفق والهادى إلى الحق ، وصلى الله على هادى الخلق سيدنا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم . شبيه آخر من الراقيم: ثهت فى آثار كثيرة أنّ ذا القرنين كان معاصراً لإبراهيم عليه السلام ، فهو إذن قبل العهد التاريخى بكثير ، فكيف يعلم تفاصيله وقد تقادم عهده ؟ ويستفاد من كلام السهيلى وغيره أنه لقب ملوك بذى القرنين تشبيهاً لهم بذى القرنين الأول ، وقد صرح الحافظ ابن كثير رحمه اللّه فى الجزء الثانى من " تاريخه" (١): إن ذا القرنين لقب لملكين : أحدهما من قص اللّه حاله فى التنزيل العزيز ، وروى آثاراً عن ابن عباس وعلى وغيرهما: (أنه كان عبداً صالحاً ولم يكن نبياً))، وصححه فى "تاريخه" و "تفسيره". والثانى: اسكندر بن فيلبس المقدونى اليونانى المصرى ، بانى الإسكندرية . وكان أرسطو وزيره ولم يكن مؤمناً ، وقال : وهو قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلاثمائة سنة . فالأول أقدم منه بدهر طويل بنحو ألفي سنة . ويقول ابن تيمية فى " تفسير سورة الإخلاص" (٢) مثله، ومن لفظه : فإن ذا القرنين كان قبل هذا بمدة طويلة جداً الخ . فما قاله أبو الكلام أحمد فى " ترجمان القرآن": أن السلف ذهبوا إلى أنه كان نبياً ونسب تصحيحه إلى الحافظ ابن كثير فغلط صريح ، كيف؟ وقد قال ابن كثير فى "تاريخه" (٣)، وتفسيره: "والصحيح أنه كان ملكاً من الملوك العادلين" (٤). وقد أغراه رأيه على ذلك فإنه قد جزم بأنه كان نبياً ، فأراد أن يؤيد رأيه (١) ص - ١٠٣ و ١٠٥ (٢) ص = ٥٨ (٣) ص - ١٠٢ ج - ٢ (٤) ومثله قال ابن القيم فى "إغاثة اللهفان عن مكائد الشيطان" فى موضعين منه فى أواخره . منه . ( نفحة العنبر م - ٢٢ ) ب ٠)