النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٥١ - خصائصه ومميزاته فى شرح الاحاديث التى تتعلق بمسائل مذاهب الائمة وغيرها اعلم أن الشيخ رحمه الله مميزات بديعة وخصائص فائقة فى شرح النصوص التى تتعلق بالمذهب من " القرآن" والسنة ، تدل على تغلغل الشيخ فى دقائق الكلام ، وغوصه فى المزايا اللطيفة ما يكفى على براعة هذا الشيخ البارع للمتبصر الحاذق والمتفكر الماهر الخبير بعلوم المشائخ الغابرين والسلف الصالح رحمهم الله تعالى برهاناً وإيقاناً، ذوقاً ووجداناً، نومض إليها إيماضاً بالارتجال واللّه المؤفق . ١= منها : أنه كان حماداه وجل مسعاه فى مثل هذه النصوص التى يعتصم بعراها أهل كل مذهب من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية أن يطلع أولاً على غرض الشارع منها وتعيين محط الكلام وتحقيقه ثم تنقيح مناطه وتخريجه غير محتفل بعدم وفاقها مع المذهب الحنفى ، فلم يكن صنيعه كعامة علماء العصر بأن ينفد وسعه ويستفرغ جهده فى توفيقه مع المذهب ويأول فيه تأويلاً وإن لم يساعده صرافة نظم الكلام ، وخرج عن حاق اللغة، بل كان التأويل عنده غير جائز بحيث يخرجه عما يتبادر إليه الطبع السليم ، فكان ينزل نظم القرآن وسياق الحديث بأعلى ما ينزل عليه من الفصاحة والبلاغة ، ويتفقد له محملاً صحيحاً يقتضيه سوق الكلام وأصل اللغة ، ولا يقدر فيها تقديرات ، فإن ذلك كان ينزلها عن السذاجة الفطرية والبلاغة المعنوية ، نعم لو لم يوافق المذهب الحنفى الحديث فإن وجد فى الباب ما كانت للمذهب مسكة وعروة بغيره فكان يستدل به بالمعارضة ، وإن كان هنا عنده شرح لطيف فيشرحه به بحيث تبقى على صرافة اللغة وحوار العربية . وهاك نبذة من أمثلته حتى يتضح المقصود وينكشف الغطاء ويبدى الصريح عن الرغوة : ۔ IM ٢ : _ ٥٢ _ المثال الأول : أول حديث فى "صحيح البخارى " حديث النية ،. قال ◌َ الٍ: ((إنما الأعمال بالنيات الخ))، طال فيه نزاع القوم وكثر فيه الشغب بين الحنفية والشافعية ما هو مشهور ، حتى إن الحافظ البدر العينى فى "العمدة" حبر أوراقاً كثيرةً تأييداً لمذهبه ، فقال الشيخ رحمه الله : إن كل ذلك تكلفات لم يردها الشارع ، وجميع ما سطروه وحبروه بمعزل عن غرض الشارع، ومراده الصحيح المنقح : أن اعتبار الأعمال عند اللّه بحسب النيات والعزائم القلبية ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ، يعنى إن صورة أعمال الخير تعتبر إذا كانت من نية خالصة وقلب سليم ، فالعمل الصالح فى الظاهر إذا لم يرد به صاحبه وجه الله كالعلم أراد به صاحبه الماهاة والمراء ، أو الجهاد أراد صاحبه إظهار شجاعته وبسالته أو محض الغنيمة، أو الإنفاق أراد صاحبه رياء الناس ، فلا عبرة لها ، بل قد حبط كل ذلك عند الله ، فليس له أجرها ، بل عليه وزرها ، ويتفاوت مراتب الاعتبار بتفاوت مراتب النية قوةً وضعفاً وخلوصاً وغشاً، فهذا لا تعلق له بمحل النزاع ومورد الجدال من تقدير الصحة أو الثواب ثم التفريعات عليه . ثم كان يبدى الشيخ ههنا فى شرحه نكات لطيفة ومباحث شريفة ليس هذا موضع بيانها . المثال الثانى: قوله بَ ◌ٍّ: ((المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)) فاستدل به الشافعية أن المستحاضة يجب عليها الوضوء لكل صلاة ، والحنفية قالوا بالوضوء عليها لوقت كل صلاة ، واختاروا أن "اللام" للوقت ، ويؤيده رواية فى "مغنى ابن قدامة"، ولكن كان للشوافع فيه مساغ بأن يقولوا : المراد من الوقت الساعة التى تشغلها الصلاة ، لا مطلق الوقت الذى هو ظرف للصلاة ، فلذا أجاب الشيخ جواباً نفيساً ، وشرح الحديث شرحاً: لطيفاً ، وقال : الغرض من الصلاة هنا وقتها ، وإنما سمى الشارع وقتها بإسم 1. ے م ء ـام ٠ - ٥٣ - الصلاة لأجل تسمية الأوقات بأسماء الصلوات حسبما جرت به عادة أهل العرف، فلا حاجة إلى التقدير فى نظم الكلام ، وصار التعبير أفصح ما يكون ، وبقى مراد الحنفية على حاله ، وأصبح الحديث لهم دليلاً واضحاً . المثال الثالث: من التنزيل العزيز قوله تعالى: ((إذا قمتم إلى الصلاة)) الآية ، فعامة أهل التفسير من العلماء لما رأوا أن الوضوء غير واجب على غير المحدث فلا يستقيم الأمر مطلقاً لكل أحد فقالوا بالتقدير فى نظم الآية الكريمة، وصدعوا بأن المراد : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون الخ . فقال الشيخ رحمه الله: القول بالتقدير فى نظم الآية مما يفضى إلى انحطاط النظم القرآنى عن البلاغة التى بلغ هو إلى ذروتها العلياء والغاية القصوى ، بحيث ليس فوقها غاية للمتطلب ، فلو قلنا بالتقدير فيها وزعمنا أن المعنى لا يستقيم بدونه لانجر هذا إلى القول بقصور التعبير القرآنى فى تأدية المعنى المراد ، وذلك عوار بين فى الكلام البليغ ، وكيف بالذكر الحكيم الذى لا مطمح للعقول وراء فصاحته ، ولا مطمع البلغاء فى الوصول إلى أدنى مرتبته ، بل المراد عندى الأمر بالوضوء لكل أحد مطلقاً ، ثم يختلف مراتب هذا الأمر بحال المأمور المكلف ، فإن كان المأمور محدثاً فلا جرم يجب عليه الطهور ، وإن م كان غير محدث فاستحب له ، وكيف كان هو مأمور على كل حال ، واختلف مراتب الأمر باختلاف أحواله ، فليس هذا قول بعموم المشترك وإن كان سائغاً عند الإمام الشافعى ، ولا قول بعموم المجاز كما جوزه الحنفية ، ولا قول بالتقدير ولا حكم بالتأويل، فاعتبره ترشد إلى الحق إن شاء الله تعالى . وسيأتى لذلك تحقيق وبسط فى فوائد الشيخ رحمه الله . المثال الرابع: قوله فٍَّ: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر)). واختلاف الأئمة فيه مشهور شائع فى الزبر . قال الشيخ رحمه الله : غرض - ٥٤ - الشارع منه توبيخ وتهديد ، فكأنه كفر صورة إذ لم يبق بينه وبين الكفر فرق ، وبين العبد وبين الكفر الصلاة ، فحكم الشارع بكفره زجراً له . وتوبيخاً وتقريعاً له على ارتكاب هذا الفعل الشنيع، لا أنه كفر فى الواقع ، فإن الشريعة ناطقة على الأمور التى عليها مدار الإيمان ومناط التصديق والإذعان ، فلو أولنا حكمه الصريح بتقدير الاستحلال لفات غرض الشارع من الترهيب والتهديد المطلوب ، ولو أبقيناه على الظاهر من غير إبداء هذه النكتة البديعة لبطل ما صدعت به النصوص الكثيرة والأدلة المتظافرة . هذا توضيح غرض الشيخ فيما أرى والله أعلم . وناهيك بهذه الأمثلة والنظائر إيضاح المرام. ٢- ومنها: أنه كان رحمه اللّه لا يعتد بعموم العبارات والمدلولات اللغوية ، فكان يدير مناط الكلام على الأغراض لا الألفاظ ، فكان لا يجيب الشافعية من جانب الحنفية بالعمومات فى مقابلة الخصوص ، فإن العام عنده ظنى كما هو عند الشافعية وطائفة من محققى الحنفية ، فكان لا يستحسن العام فى مقابلة الخاص . وقال رحمه الله فى "نيل الفرقدين" (١): "والوجه أن العمل بالعمومات والاطلاقات إنما ينبغى حيث لا يكون لخصوص النوع عدة من الدليل ، وإذا كان لنوع منضبط عدة من الدليل فى خصوصه فلا ينبغى هناك أن يترك الخصوص لعموم". وأيضاً قال : والرجوع إلى العموم عند فقد الخصوص قد استنبط مما قاله النبي ◌ُّ للسائل فى زكاة الحمر ، ومع هذا فقد يعذر من عمل بالعام مع وجود الخصوص ، كما وقع لبعض الصحابة فى ترك الصلاة عند ذهاب إلى بنى قريظة ، ولم يكن ينشأ احتمالاً محضاً فى النص للرد عليهم بحیث یرده (!) ص = ١٣٢ ٢١١ 1) - ٥٥ - الطبع السليم ويمجه الذوق الصحيح ، فإن ذلك عنده كان شنيعاً جداً ، وكان يقول : غرض المتكلم إما أن يكون أعم من المنطوق والمدلول المطابقى أو أخص أو مساوياً، فكان يحمله على محمل صحيح يوافق الغرض المسوق له الكلام . ٣- ومنها : إنه إذا تكون فى مسألة روايتان على الإمام أبى حنيفة رحمه الله (١) أو قولان من المشائخ الحنفية، كان يختار منها ما يوافق الحديث الصريح الصحيح من غير تكلف وتأول ، وربما كان هو من النوادر ، فإن لم يكن فى الباب حديث صريح ، أو كان الأمر دائراً فى البين يرجح ما يوافق مذهباً آخر من المذاهب الأربعة ، ولعله كان المقدم حينئذ مذهب الشافعى ثم مالك رحمهما الله فيما أرى والله أعلم ، فإن لم يكن لذلك مساغ كان يجتهد ويسعى فى تقريب المذهب إليه ليرتفع أمر الخلاف رأساً ، أو يهون أمره ويخفف وقره ، وهذا خلاف صنيع أكثر علماء العهد الغابر والعصر الحاضر، فإنهم يشمرون عن ساعد الهمة للنزاع ويقومون للجدال ، ويأخذون عند الإختلاف ما كان أبعد كل البعد من أقوال المذاهب الأخر ، ثم يضطرون إلى التكلفات الباردة التى لا مساغ لها فى الباب ، ويضربون فى الحديد البارد، فيصبح الفريقان على طرفى النقيضين ، نعم المعتبرون فى كل عصر تكون ثلة ، والمتبصرون أقل عدداً، "وخالات الناس بالدهناء قليلة". ولقد صدق السمؤال حيث قال : تعيرنا أنا قليل عديدنا = فقلت لها : إن الكرام قليل شباب تسامت للعلى وكهول وما قل من كانت بقاياه مثلنا .. وليس سواء عالم وجهول سلى إن جهلت الناس عنا وعنهم (١) ومن مصطلحات الشيخ رحمه الله اذا كانت المسألة ماثورة عن الامام سماها: بـ"الروايه"، واذا كانّت من المشائخ سماها: "قولا"، ولذا قد راعيت تعبيره فى الافصاح . منه . - ٥٦ - ودونك أمثلة مختصرة ليتضح المقصود اتضاحاً ، والله المستعان : المثال الأول : إنه اختلف العلماء فى تثليث المسح كتثليث الأعضاء المغسولة ، فأثبته الشافعية ونفاه الحنفية ، ثم قال الشوافع : إنه سنة كتثليث غسل سائر الأعضاء . ومن الحنفية من قال بكونه مكروهاً ، كما فى "المحيط" و"البدائع"؛ وقال بعضهم: إنه بدعة، كما فى " الخلاصة "؛ وقال بعضهم : ليس مكروهاً ولا سنة ولا أدباً ، كما فى " الفتاوى الحانية"؛ ورجحه فى " البحر الرائق"، حكاها الطحطاوى فى " شرح مراقى الفلاح"؛ فقال الشيخ رحمه الله: روى حسن بن زياد عن الإمام: أنه مستحب ، فاختار هذا لا ما ذكروه .. المثال الثانى : إن الترجيع فى الأذان كرهه عامة الحنفية ، وذهب الشافعية إلى سنيته . قال : والمختار عندى الجواز من غير كراهة ، وإنما هو مرجوح لما قامت عنده دلائل من السنة والآثار وغيرها ، ليس هذا موضع إحصاءها . المثال الثالث: قوله تعالى: ((أو لامستم النساء)) الآية. اختار الحنفية أن الملامسة بمعنى الجماع فيوجب الغسل ، وذهب الشافعية إلى أنها بمعنى المس واللمس فيوجب الوضوء عندهم ، وهو عند الحنفية غير ناقض للوضوء . فقال الشيخ رحمه الله : الشافعية وإن أخذوا منها اللمس ولكن قيدوه ببعض القيود والشرائط ولم يذروه مطلقاً ، فقيل : إن هذا إذا كان بشهوة، وقيل: إذا كان بغير ظهر الكف أو بلا حائل إلى غير ذلك، فلنا أيضاً : أن نخصص مراده ببعض الماصدقات، فقال رحمه الله: المختار عندى أنها بمعنى المباشرة الفاحشة ، فيجب الوضوء على كلا المذهبين ، فارتقى رحمه الله درجة ! - ٥٧ - من مسلك الشافعية ونزل درجة من مختار الحنفية ، واختار حداً مشتركاً بين المذهبين ليرتفع الخلاف بين البين. وقال : ثم يندمج. عندى فى المباشرة الفاحشة الجماع والملامسة بالمباشرة الفاحشة ، فالمباشرة أعم منهاٍ ، ففى الأولى الغسل ، وفى الثانية الوضوء ، وليس هذا اشتراكاً ، وإنما هو قريب من عموم المجاز ونوع مستقل ، قال به الشيخ . وسيمر بك بعض تفصيله فى ضمن فوائد الشيخ رحمه الله فارتقبه . ٤ - ومنها : إنه إذا ثبت أمر فى حديث وكان ظاهر الرواية مخالفاً له استمساكاً واحتجاجاً بحديث آخر ، فمن عادات عامة المشائخ الحنفية أنهم لا يجوزون العمل به فى مرتبة من المراتب ، وكان الشيخ رحمه الله يجوز العمل به فى مرتبة خلاف الأولى . ومن أمثلته : الترجيع فى الأذان ، والجهر بالتأمين ، والإسرار به ، والفاتحة خلف الإمام للمؤتم فى السرية ، ورفع اليدين عند الركوع والقيام عنه ، وما شاكلها ، كل ذلك كان جائزاً عنده ولكنه كان خلاف الأولى . قال الشيخ رحمه الله : كنت رأيت فى "البدائع" أن رفع اليدين فى غير التحريمة مكروه تحريماً - كما يشهد به سياقه من غير خفاء - فكان فى قلبى منه شئ ، وكنت أتمنى أن أفوز بنقل من الأكابر خلافه حتى رأيت بعد خمس وعشرين حجة أن الإمام أبابكر الرازى الجصاص صرح فى "أحكام القرآن" فى ضمن بحث استطراداً من مسائل رؤية الهلال: أن الخلاف فيه فى الأولولية، فبرد غليل صدرى وسكن جأشى . ولفظ الشيخ رحمه الله : ٠ "حق تعالی جزاء خیر دے دل ثهنثاً كر ديا، وقال: ثم رأيت فى نقول أخر من الأكابر أن الخلاف فى سائر المذكورات ( نفحة العنبر م - ٨ ) - ٥٨ - فى الأولوية . فذكر الشيخ البدر العينى فى "مبانى الأخبار شرح معانى الآثار" (مخطوط) عن أبى عمر صاحب " التمهيد": أن الاختلاف فى التشهد وفى الأذان والإقامة وعدد التكبير على الجنائر وعدد التكبير فى العيدين وزفع الأيدى عند الركوع والرفع فى الصلاة ونحو ذلك كله اختلاف فى مباح آه . قال الشيخ رحمه الله: ومثله ذكر الحافظ ابن تيمية فى "فتاواه " و" منهاج السنة"، وابن القيم فى " الهدى". وربما كان يقيم الشيخ المراتب فى شئ تشديداً وتخفيفاً ، فيحمل كل حديث على محمله . مثاله : مسألة العورة ، هل الركبة من العورة أو ليست منها ؟ والخلاف فيها مشهور . فقال الشيخ رحمه اللّه: الركبة عورة فى نظر الشريعة ولكنها أخف من الفخذ ، ثم الفخذ أشد. منه ، فكشفه يكون أشنع وأقبح من كشف الركبة ، ثم ما فوق الفخذ أغلظ منه فيتحمل كشف الركبة فى بعض المواضع لا ما فوقها ، فهكذا كان يطبق فى الأخبار . هـ: وهنها : إذا وردت روايات عديدة من الإمام فى مسألة ولم يترجح أحد منها عنده بدليل قوى وبرهان بين فكان يوفق بين سائر روايات الإمام كما يوفقون فى روايات النصوص المتعارضة إذا لم يعلم بينها التقدم والتأخر ، نعم هناك مسالك، قيل: بتقديم الترجيح، وقيل: بتقديم الجمع ، كما فى "التحرير" للشيخ العارف المحقق ابن الهام. ثم بالنسخ، كما تقر. فى موضعه . مثاله: قال الشيخ رحمه الله - فيما ألقاه علينا فى درس "المؤطا" لمالك، وفيما أملاه على الطلبة فى درس "الجامع الترمذى" -: اختلفت الروايات عن أبى حنيفة رحمه اللّه فى وقت الظهر على أربعة وجوه : الأول: ما ذكره أصحاب المتون من الفقه الحنفى: أن آخر وقت الظهر إلى v'@ ٦ it ۔ وم ١٠ - ٥٩ - المثلين ، يعنى إلى أن يصير ظل كل شى مثليه سوى في الزوال ، وذهب صاحب " النهاية" شارح " الهداية" إلى: أنها ظاهر الرواية، وتبعه ابن عابدين الشامى فى "رد المحتار" . وقال الشيخ رحمه الله: هذا غير صحيح ، إذ صرح صاحب "البدائع" بأن آخر وقت الظهر ليس فى ظاهر الرواية ، والعبرة " البدائع"، وكيف يصح فإنى لم أجده فى " الجامع الصغير" و"الكبير"، ولا "الزيادات" و"المبسوط" من كتب محمد رحمه الله . علا أنه قد صرح شمس الأئمة فى " مبسوطه" بأن محمد رحمه اللّه لم يذكره فى " مبسوطه ". الثانى : إن وقت الظهر إلى المثل الأول فقط ، وبعده وقت العصر ، وعزى هذا فى عامة كتب الفقه الحنفى إلى حسن بن زياد عن أبى حنيفة ، وعزاه شمس الأئمة إلى محمد بن الحسن رحمه الله . الثالث : إن وقت الظهر ينتهى بانقضاء المثل الأول ، ثم العصر من الثالث ، والمثل الثانى مهمل ، وعزوه إلى أسد بن عمرو . الرابع : إن وقت الظهر إلى المثل الأول فصاعداً ما لم يصل إلى المثلين، ومتى وصل الظل إلى المثلين دخل وقت العصر ، حكاه الشيخ البدر العينى فى "شرح الصحيح"، وصححه الإمام الكرخى . . ت فقال الشيخ رحمه الله : قد تنقح عندى بعد تنقيب وبحث تام أن المثل الأول مختص بالظهر ، والثالث بالعصر ، والثانى مشترك بينهما (١) واشتراك الوقت ثبت عن بعض السلف أيضاً ، كما حكاه الطحاوى ، وكذا ثبت عن مالك والشافعى وأحمد رحمهم الله فى عدة صور ، وههنا تفصيل لا يسعه المقام ، وذكر نبذ منه فى "العرف الشذى" من شاء فليراجع (٢). E (١) وهذا عين ما ذكره أبو عمر فى "التمهيد"، وكانه هو. منه. (٢) قد استوفيت هذا البحث وامثاله من الابحاث فى المعارف السنن" فى شرح "جامع الترمذى" فليراجع . منه . ،سدے جار - ٦٠ - ٦ ومنها : إنه ربما كان يختار فى شرح الحديث شرح الشافعية أو ما يقرب منه ، ثم كان يجيبهم عن الحنفية ليكون الجواب أوكد وأقوى ، ويكون ألزم لهم ، وهذا بخلاف دأب عامة علماء الأحناف ، فإنهم يختارون لأجل التفريعات على شرحهم نقيض ما اختاروا فى شرحهم . مثاله: قوله فَرٍِّ فى زكاة الإبل والغنم: (( ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة))، هل المراد من هذا الجمع فى الحديث الخلطة فى الجوار فقط ــ أى الإتحاد فى المسرح والمراح والمحلب وغيرها - أو المقصود خلطة الشيوع؟ - أى الإشتراك فى الملك - فذهب الشافعى ومالك وأحمد إلى الأول ، وأبو حنيفة والبخارى وابن حزم إلى الثانى ، فخلطة الجوار مؤثرة فى الحكم عندهم لا عندنا . فقال الشيخ رحمه الله: المراد عندى ههنا الأول ، لا كما قاله الشيخ ابن الهام وغيره: أن المراد الثانى . والغرض من النهى : أنه أمر لغو لا يجديهم شيئاً ، فإنها غير مؤثرة لا أنها مؤثرة ، فمنعهم لذلك . قال الشيخ رحمه الله : ومما يدل على ذلك ويستأنس به قوله حيّل بعده: (( وما كان من خليطين فيتراجعان بالسوية))، فالمراد من الخلطة فى هذه العبارة خلطة الشيوع ، ولعل الشارع غير أسلوب التعبير لهذه النكتة ، فعبر عن خلطة الجوار بقوله: (( ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع))، وعن خلطة الشيوع بقوله: ((وما كان من الخليطين))، وسماهما خليطين، ولعل هذا التعبير يرشدك إلى ما أردناه إن شاء الله تعالى . وأيضاً من أمثلته: أنه اختلف الحجازيون والعراقيون فى حرم "المدينة"، فأثبته الحجازيون وأنكره العراقيون ، ثم جعل الفريق الأول حكم حرم المدينة كحرم مكة سواء بسواء ، فقال الشيخ : قد نطقت الأحاديث بحرم 4 ء - ٦١ - المدينة ، فإنكاره مما لا يليق ، ولكن أحكام الجرمين غير سواسية ، فلحرم مكة من الأحكام ما ليس لحرم المدينة ، والتفصيل لا يحتمله المقام . ٧= منها : إنه كان رحمه اللّه لا ينيط شرح الأحاديث المشكلة أو المتعارضة على لفظ واحد أو طريق واحد ، بل كان يتفقد جميع ألفاظه المروية ويتوخى فيها لفظ الشارع عليه السلام ، فإن الرواية بالمعنى شائعة فى الأحاديث ، وإنكارها مكابرة جلية ، وكم من أحاديث فى " صحيح البخارى" نجده لألفاظها روعة وبهاء وفصاحة تدل على أنها من كلمات من أوتى جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد ، ثم هذه الأحاديث نفسها إذا رويت فى السنن لم يبق لها تلك الروعة ولا ذاك الجمال مثل ما كان لها حين رويت بلفظ " الصحيح" للبخارى أو مسلم ، كل ذلك لإتقان رواة " الصحيحين". فكلما كان الراوى أتقن وأحفظ كانت الطلاوة فى لفظه أكثر ، فالأحاديث المشتركة فى الصحيحين والسنن تفاوتت بالفصاحة والنصاعة تفاوتاً بيناً ، وامتازت من بينها امتيازاً جلياً ، بل قد تتفاوت الفصاحة فى " صحيح البخارى " و "الصحيح" لمسلم، وقد أرشدنا إلى ذلك شيخنا رحمه الله، وكم من اختلافات "المذاهب نشأت هكذا من إناطة كل فريق مذهبه على لفظ خاص وطريق خاص . فكان الشيخ رحمه الله يجمع سائر الألفاظ المختلفة من طرق شتى ، ثم كان يشرح الحديث شرحاً لطيفاً تنشرح منه الصدور وتطمئن به القلوب . مثاله: قوله جَّالّ: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح الخ)) اختلف الأئمة والعلماء فى مراده الصحيح ، فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد إلى أن هذا خاص بالمعذور كالنائم وغيره، وأنه لا تفسد الصلاة بطلوع الشمس وغروبها فى أثناءها .. واضطربت فيه أقوال الحنفية من المحدثين والأصوليين ، كما هو مشهور فى الشروح لفقهائنا - ٦٢ - الحنفية . فقال الشيخ رحمه الله: إن ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة فمشكل، فإنه لا قرينة على تخصيص الحديث بالمعذور قط ، وما أجاب به الحنفية فلا يشفى الغلة . والذى يظهر لى أن الحديث صدع بمسألة الجماعة لا الأوقات ، فايحمل على المسبوق . وبدل عليه أن الحديث روى بطرف فى مواضع: الأول : ما رواه مسلم فى "صحيحه" عن أبى هريرة رضى الله عنه بلفظ: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة))، وفى طريق آخر له بلفظ: ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام الخ)) ،" فهذا صريح فى أنه أراد به المسبوق . الثانى : ما رواه أبو داؤد فى " سننه" بلفظ: (من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة )) ، وصححه ابن خزيمة . الثالث: ما رواه النسائى فى " سننه" بلفظ: (( من أدرك ركعة من الجمعة الخ)). الرابع : ما ذكر أولاً ، أخرجه الترمذى بذلك اللفظ . وقد اتفقوا فى المواضع الثلاثة أنه فى حق المسبوق ، فليكن فى هذا الموضع الرابع أيضاً فى حق المسبوق ، ثم كان الشيخ رحمه الله يبين تخصيص الصبح والعصر فى ذلك الحديث ، وكانت له على ذلك المحمل شواهد وقرائن لا يتحمل المقام ذكرها (١) .. وكان الحافظ ابن حجر رحمه الله استدل لذلك الحديث تأييداً لمرادهم بحديث عزرة بن تميم عن أبى هريرة مرفوعاً: ((إذا صلى أحدكم ركعة من الصبح ثم طلعت الشمس فليصل إليها أخرى))، وعزاه إلى النسائى فى "الكبرى". فقال الشيخ رحمه الله: قدسها الحافظ فى بيان مراده، وهذا حديث واحد قد روى بطرق كثيرة تزيد على عشرين طريقاً ، واختلفت (١) ومن اراد استيفاء البحث فليراجع الى "معارف السنن،" من تأليف الفقير الى الله تعالى البنورى يجد هناك ما يشفى الغليل، وبالله التوفيق. منه. م ٤٨ ے ١ .( ء - ٦٣ - ألفاظه. فخمس منها فى "مسند أحمد"، وخمس منها فى " سنن الدار قطنى"، وثلاث فى " سنن البيهقى "، وطريقان فى " صحيح ابن حبان "، وطريقان فى " المستدرك"، وطريق عند النسائى فى "الكبرى"، وطريق عند الطحاوى ، وطريق عند الترمذى ، وطريق فى "طبقات الحافظ شمس الدين الذهبى" . ومدار الكل على قتادة ، وتبين عندى بعد الفحص البالغ والتتبع الكثير : أن الحديث يتعلق بسنة الفجر ، فمن لم يدرك وقتها قبل طلوع الشمس فليصلها بعد طلوعها ، ولفظ عزرة بن تميم عن أبى هريرة لا يوفى المقصود، وفيه شئ ولم يتنبه له الحافظ فى "الفتح" وتنبه له فى "تهذيب التهذيب " فى ترجمة: عزرة بن تميم (١)، فقدح فى رواية تميم بتفرد قتادة عنه، يريد أنه لم يخرجه بهذا اللفظ عن تميم غيره ولم يتابعه أحد ، فرواية قتادة عن تميم غير محفوظة عنده . ٨- ومنها : إنه كان يعتنى كثيراً بأن لا نضطر إلى تخصيص المورد من حكم النص وإن كان مدار الحكم على التعليل على سبيل الطرد والدوران ، لثلا يلغو حكم النص فى بادى الرأى ، وأما جمهور شراح الحديث من الحنفية لا يحتفلون به مهما كان التعليل على الدوران، فكان الشيخ زحمه الله إذا تيسبر له مرجح من رواية نادرة من الإمام أو قول من أحد من صاحبيه وإن كان غير معروف بينهم وغير متوارث فيهم يستمسك به فى مثل هذه المواضع وإن كان العمل به فى مرتبة من المراتب. مثاله: قوله تعالى: ((فلا يقربوا المسجد الحرام)) الآية. اختلف الأئمة فى دخول الكافر المسجد على ثلاثة أقوال : أجازه الإمام الشافعى فى غير المسجد الحرام ، ومنعه مالك فى المسجد الحرام وغيره سواء بسواء ، وجوزه الحنفية فيه ، وبالأولى فى غيره اعتباراً ٠ ١١) (١) فى ص - ١٩١ ج ٧ المطبوع بدائرة المعارف بالهند. منه. د - ٦٤ - بالتعليل ، وإذ ليس فليس ، فقال الشيخ رحمه الله تعالى : قال محمد رحمه الله فى "السير الكبير": لا يجوز دخول المشرك فى المسجد الحرام، فليستمسك ههنا بقول محمد رحمه الله، فإنه ألصق بالقرآن، وأقرب إلى مذهب مالك ، وأوفق بمذهب الشافعى . ٩- ومنها : إنه كان لا يدير حكم الحديث على حال الرواة فقط ، فإن ذلك ليس له كثير اعتبار ، فأهل كل مذهب يهدمون حجج أهل المذهب الآخر بجرح الرواة ويحملون به الطرف المقابل ، وإن الحرب بينهم سيمال ، ومن ذا الذى نجا من رواة الحديث عن جرح وتعديل ، فلو كان المدار على هذا القدر لأشكل على أهل كل مذهب إثبات مقصودهم ، ولضاق عليهم نطاق الاستدلال ، فلذا كان الشيخ رحمه الله لا يكثر فى بحث الأدلة هذا القيل والقال ، وقد قال رحمه الله فى أول رسالته " نيل الفرقدين فى مسألة رفع اليدين": ولم أكثر من نقل كلامهم فى الرجال وما فيه من كثرة القيل والقال ، لأنه ليس له عندى كبير ميزان فى الاعتدال ، وبعضهم يسكت عند الوفاق ويجرح عند الخلاف ، وإذا دعيت نزال ، وهذا صنيع لا يشفى ولا يكفى ، وإنما هو سبيل الجدال إلى آخر ما قال رحمه الله . وقال فى رسالته هذه (١) : والناس فيه (أى فى عد مواضع الرفع) على آرائهم يتعللون فى ما لم يأخذوا به ويناضلون عما أخذوا به ، والذى ينبغى أن يعتقد فيه أن ما صح سنده اصطلاحاً ثم وجد عمل بعض السلف به فهو صحيح فى الواقع لا يسمع فيه إعلال وتعلل ، كما يفعله الناس من النقد عند الخلاف والمسامحة عند الوفاق آهـ . وقال رحمه الله فى " فصل الخطاب": وبعضهم يأخذ الخصم بالاحتياط. : (١) "نيل الفرقدين" ص - ١٣٥ و ١٣٦. = ٠ د - ٦٥ - ويحاسبه بالنقير والقطمير ، فإذا جاء وقت قضائه أخذ بالسخاوة والسماحة ، فيماكس فى الاقتضاء ويسامح فى القضاء ، وهو أيضاً سمح من المعاملة اهـ . فلله دره ما أنفذ نظره ! وما أعدل فكره ! . ١٠- ومنها: إن الشيخ رحمه الله كان يعتنى أشد اعتناء فى إفصاح منشأ ما وقع بين الأمة من الاختلاف البين فى الأعمال التى جرى التعامل بها متوارثاً فى الأمة على رؤس الأشهاد . مثاله : مسألة رفع اليدين وتعيين مواضعه ، ومسألة الوتر وتعيين ركعاته ، ومسألة صلاة الجمعة وشروط أدائها ، وماشا كلها . فهذه عبادات توارثت فى الأمة ، وشاع بها التعامل من عهد النبوة ثم وثم إلى عهدنا هذا، فتقضى كل يوم أو كل أسبوع مرة أو مرات على أعين الناس وعلى رؤس الأشهاد ، فكيف اختلفت فيها الأمة سلفاً وخلفاً قديماً وحديثاً ، وكيف تشعبت آرائهم ، وكيف تطرق إليها الاحتمالات البعيدة مع كونها مشاهدة محسوسة عياناً ، ولم لم تنفصم عراها ؟ فقال إمام : رفع اليدين عند التحريمة فقط ، وقال آخر : وكذا عند الركوع وبعده . وقال إمام : الوتر ركعة وثلاث وخمس إلى تسع، وقال آخر: ثلاث لا تزيد ولا تنقص. قال إمام: الجمعة لا تصح إلا فى المصر، وقال آخر: تصح سواء كانت فى الأمصار أو القرى سواء بسواء . فكان الشيخ رحمه الله يعتنى فى انفصام هذا الاختلاف المدهش ويقربه إلى أذهان العامة حتى يعرف ويعلم كل أحد أنه لم يكن بد من هذه الاختلافات ولم يكن محيص عنها ، وأن أصحاب المذاهب معذرون فيها ، وهذا أمرمهم جداً ، وكيف لا ؟ فلو لم يكن عنها مخلص لأفضى إلى سوء الظن بالتعامل والتوارث ، وإنه أقوى حجة فى الباب ، فانهدام ما بنى عليه أساس الملة ضرر عظيم فى الدين ، (نفحة العنبر م - ٩ ) - ٦٦ - فوضع لذلك رسائله حتى بين الصبح لذى عينين ، وحصحص الحق لكل هين ولين ، وانجاب ما حدث فى البين ، ولكن الأسف كل الأسف أنه لم يتم ما أراده فى الجمعة ، فحال قضاء الله دون الأمانى ، فتوفى الشيخ وبقيت الرسالة بتراء ناقصة . ع : وكم حسرات فى بطون المقابر فهذه عشر خصائص للشيخ رحمه الله تنقحت عندى بارتجال واستعجال من ١ غير تنقيب رسائله والمراجعة إلى أماليه ومذكراته ، فخذها تلك عشرة كاملة . فهذا ما تيسر لى من إحصاء آدابه وعاداته فى شرح الحديث بالإجمال ، مستفيداً لها من دروسه ومستنبطاً من رسائله، لم يصدع بجميعها الشيخ رحمه الله صراحة وإنما أنا تنبهت لها ولله الحمد . ولم أرد فيها إنهاء البيان ، علا أنى كتبت هذه السطور وأنا على خجل مما عرانى محل من مزايا الحديث ، وقد مضت أعوام على ما كنت تمتعت أياماً من فيوض الشيخ رحمه الله ، فخلت برهة ولم أوفق بعد إلى شغل علم الحديث ، فمثلى كمثل رجل صفر الراحة خاوى الوطاب ليس عنده قوت يومه ولا كفاف وقته وقد هم أن يبسط للناس مأدبة جفلى ويهيئ لهم من أطعمة منوعة ما كان منها ألذ وأحلى . فرحم الله امرءاً عذرنى ولم يعذلنى . وما أغرانى على هذا إلا الحرص بإبراز بعض جواهر الشيخ رحمه الله إلى العالم الإسلامى ليعرفه من لم يعرفه ويقدره من لم يقدره ، فإن قصرت فى إفصاح المرام فمن ضعف وفتور ساقه العجز إلى ، وإن كفيت قدراً وأديت أمراً فذلك من فضل الله على . وكيف ما كان فليس أقل من تكون إيماضات إلى مآثر الشيخ رحمه اللّه ، ورواعد وبروقاً تنبئك عن سحب هطالة ووبل مدرار ، وقد قيل فى المثل: "الجحش لما بذك. الأعبار" وناهيك بها أيها المتبصر الخبير دليلاً وبرهاناً على نباهة قدره وجلالة 1 ١ - ٦٧ - أمره ، وإنه كان إمام الأمة الحاضرة بعصره ، ومع هذا فأرجأت التفصيل والبسط إلى فرصة أخرى إن ساعدتنى الهمة والحال والله الموفق والمعين (١). تنبيه :- اعلم أن تلك المحامل للأحاديث الممثلة بها وإن جنح إليها البعض فى بعض منها فإنما هو من إبداء احتمال وتصوير مقال من غير برهان ودليل أو استناد إلى أصل جليل. وأما الشيخ رحمه الله فابتكر أصولاً وآداباً منه ثم فرع عليها ما رآها انفصاماً لعرى الاختلافات وتضييقاً لساحة النزاعات، فأسند كل شئ إلى أصله وشكلاً إلى شكله . علا أن أكثرها مما تفرد به الشيخ رحمه الله وسبق إليه ، وكثيراً ما رأينا أن الشيخ رحمه الله اختار مسلكاً من عنده ثم نجده فى بعض كتب القوم ما لم يطبع ولم يصل إلى مطالعة الشيخ رحمه الله فخلناه من توارد الخواطر ، وحاشاه أن ينتحل من كلام غيره ، فقد جربنا تثبته واحتياطه وورعه تجربةً قاطعةً ، ولا يقوم جهل أحد حجة علينا وعلى علمنا ، وكم من متواردات للشيخ رحمه الله ، فكان يقول : ظننت كذا وكذا ثم رأيته من فلان وفلان ، علا أن مجرد التعبيرات الرائقة المؤثرة مما يرفع الكلام منزلة سامية ويلبسه أبهة ورونقاً ، ويخلف فى النفوس الزكية أثراً جميلاً حميداً ، وقد رأيناه فى ذلك سباق غايات قاضية، ودونك شيئاً منها : قال الحنفية : " لا يجوز الزيادة على كتاب اللّه بخبر الواحد"، وكان فى التعبير نوع جفاء وإخلال ، فقال الشيخ رحمه الله : وليعبر بأنه يجوز الزيادة بخبر الواحد على كتاب الله ، ولكن لا فى مرتبة الركنية والشرطية بل فى مرتبة الوجوب ، أى لا فى مرتبة القطعية بل الظنية . فمراده أنه إذا ثبت أصل شئ (١) وقد وفقت والحمد لله فى "معارف السنن" الى قدر غير قليل من افكاره ٣ ٥٠ الصائبة، فمن أراد استيفاء امثال هذه المسائل فليراجع "معارف السنن"، وقد تم طبع الى الان منها طبع اربعة" اجزاء . منه . ٠ ؟ - ٦٨ - بدليل قطعى فليثبت شرائطه وأركانه أيضاً بقاطع، نعم إذا ثبت أصل شئ بالظنى فإثبات أركانه وشرائطه بالظنى صحيح عندنا ، فافهمه والمقام. لا يتسع التفصيل . قال الحنفية : " إن القدر القليل من الأشربة والأنبذة ما عدا الطلاء والسكر والنقيع والخمر يحل على قصد التقوى على العبادة ويحرم على قصد التلهى " . ومرادهم من القليل الغير المسكر، فغير الشيخ تعبيرهم وقال : " إنه يحرم ما عدا الأربعة أيضاً إلا القدر القليل منها لغرض التقوى على العبادة " ، فتأمل مناط التعبير ومحط الفائدة بينها ، أبن تعبيرهم من تعبير الشيخ ؟ وإن البون بينهما لبعيد ، فتعبيرهم مشعر بأن الأصل فى القدر القليل من غير الأربعة هو الإباحة ، وإن الحرمة بعارض التلهى ، وتعبيره يشعر بأن الأصل فيه أيضاً الحرمة ، وإنما الإباحة بعارض التقوى على العبادة ، فإذن أضحى التقوى مثل التداوى ، فليدار الكلام فيه ، فهل يجوز التداوى بالمحرم ؟ فلو استقريت وجدت أكثر الأحاديث فيه مؤيدة للإمام أبى حنيفة. رحمه اللّه إن شاء الله ، فأن تعبيرهم من تعبيره؟ وأنى سهيل والسها ؟ نعم وإن من الشعر لحكمة ، وإن من البيان لسحراً . ثم إنه ليس مدار تلك الخصائص على تلك الأمثلة، بل إنى أوردتها حسب ما تسنى لى ارتجالاً مما كنت شنفت به أذنى عنه رحمه الله . بيد أن تلك الخصائص الرائعة إنما الشيخ أبو عذرتها ، وهو الذى طبق عليها الغوامض من معانى الأخبار ، وجعلها مناطاً ومداراً لشرح جملة من الآثار بعد ما قلب فيها أفكاره اللطيفة للاكتناه بحقائقها وأغراضها دون ظواهر ألفاظها ، فعين محامل صحيحة صريحة من غير تكلف وتأول ، ولا إخراج لها عن صرافة اللغة أو العرف الشائع ، بل لأجل إبقائها على سذاجة فطرية وحلاوة ذوقية يطرب لها العقول ويهتز لها الفحول ، . فاعرف قدرها فى جذر قلبك وجذل فؤادك ، وإنما هى قطرة من بحاره ٣ - ٦٩ - الزاخرة ونفحة من شميم أزهاره الناضرة ، فلا أحد يباربه فى هذا المضمار ، ولا تجاريه فى هذا المحال ، هذا وصلى الله تعالى على سيد الكونين في الحرمين رسول الثقلين سيدنا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم إلى تكور الملوين واختلاف الجديدين . تذييل وتكميل واقعة من مآثر الشيخ رحمه الله، ناشب سردها بالإجمال فى هذا الباب. كان الشيخ رحمه الله يؤثر الجمول، ويجتهد أن لا يشتهر صيته ، وله فى ذلك وقائع بديعة غريبة ، فكانت جواهره لم تتلألأ بعد فى بدء عمره وشرخ شبابه ، فاتفق أن انطلق إلى بعض نواحى "دهلى"، وكان هناك رجل يدعى العلم، بل كان أذاع: ((أنى حافظ عصر فى الحديث))، وكان لا يقلد أحداً من الأئمة ، وكان يشنع كثيراً على متبعى الأئمة المجتهدين ، وكان وقاحاً جريئاً ، طويل اللسان ، ينال من الأئمة ، ولا سيما كان يقع فى شأن الإمام أبى حنيفة ، فكان أعلن فى تلك الأيام للمناظرة مع الحنفية ، فصادف قدومه تلك الأيام ، فذهب إليه للمناظرة ، فقام الشيخ رحمه الله فى حفلة خاصة بالعلماء ، وأعلن على رؤس الأشهاد وقال : أيها المدعى سل منى ما بدا لك من الفقه والحديث وغيرهما ؟ وكل ما سأجيبك به يكون من اجتهادی، فأنا مجتهد هذا العصر (١)، ولكن من عجيب الإتفاق أن وافق اجتهادى فى جميع مسائل الشريعة الإسلامية الإمام أبا حنيفة رحمه الله ، فسل ما شئت ترى بديعاً إن شاء الله ؟ فأطرق رأسه مفحماً واجماً ، فبهت ودهش ولم يستطع أن بلوك كلمة . فقال الشيخ: بلغنى أنك تقعقع بالشنان: "أنى حافظ الحديث"، (١) ان الشيخ لم يكن مدعياً للاجتهاد، بل قال ذلك تبكينا له والزاماً كما سياتى عليك بيانه . منه . - ٧٠ - ويحك ، وهل رأيت حافظاً ؟ وهل تستطيع أن تسبر قدر الحافظ ؟ فهذا أصح الكتب بعد كتاب اللّه "الصحيح" البخارى، فكم لك فيه من. أحاديث وعيتها ؟ وكم لك علوماً فيه دريتها وتليتها ؟ فاقرأ أنت علينا من " الصحيح" عن ظهر قلبك ، أو أقرأ أنا ؟ فقال ذلك المدعى : اقرأ أنت ؟ فقال الشيخ رحمه الله: استمع أيها المدعى، فأخذ الشيخ رحمه الله يقرأ من بدء "الصحيح" عن ظهر قلبه كما هو بين عينيه حتى قرأ منه أوراقاً متسقة منتظمة ، فقال : هل يكفيك أو أزيدك ؟ فحير العقول وأدهش الفحول . وقال : سبحان الله رجل يدعى حفظ الحديث وفقه الدين وطال لسانه فى الطعن على أئمة الدين وهذه بضاعته بين أيديكم وأيدى سائر المسلمين ، فأخزاه الله على رؤس الحاضرين ، فولى هارباً من الحفلة ، واختفى وكواه فوق النواظر ، فكفى وشفى . فهكذا نجى اللّه المسلمين من شره ببركة هذا الجبر الوحيد فى العالمين، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين. واشتهر بهذه الواقعة صيته من بعد، فكانت هذه أول مناظرة له ، وكم هكذا وقعت له وقائع مجيرة هى له منن على رقاب الأمة الإسلامية . واقعة أخرى : تشتمل على نماذج من علوم صدره رحمه الله عند قدوم الشيخ العلامة السيد رشيد رضا المصرى بـ " دار العلوم الديوبندية " . قدم العلامة الفاضل السيد رشيد رضا مدير مجلة "المنار" وصاحب " التفسير" إلى "دار العلوم الديوبندية " سنة ١٣٣٠ الهجرية، فانعقدت عند قدومه حفلة ترحيب ، فسأل هذا الفاضل من أحد أساتذة الجامعة الديوبندية قبيل انعقاد الحفلة عن طريقة درس الحديث بها ؟ فأجابه : إذا فرغ القارئ من قراءة الحديث يبين الشيخ ما يتعلق به من المباحث العلمية والنكات الرائعة، . فإن : كان الحديث متعلقاً بالأحكام الفروعية الفقهية يبين الشيخ مذاهب الأئمة ء