النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١)
المقدمة: موقف الحافظ ابن حجر: من الرواة المُتَكلم فيهم من رجال الشيخين
موقف الحافظ ابن حجر اله، من الرواة المُتَكَلْمِ فيهم من رجال الشيخين
لا يخفى ما لرجال الشيخين من المنزلة العالية وما ذاك إلا لإجماع الأمة على تلقي
كتابيهما بالقبول وعلو كعبهما وإمامتهما في هذا الشأن مع ما انضاف إلى ذلك من قوة
شرطهما في کتابیھما.
قال الحافظ ابن حجر ومالله: ((ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب
"الصحیح؟ لأي راو کان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما
انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بـ «الصحيحين»، وهذا
معنى لم يحصل لغير من خُرِّجَ عنه في «الصحيح؟، فهو بمثابة إطباق الجمهور على
تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول)». «هدي الساري؟ (٣٨٤).
وقد ذكرت شيئا من أقوال الأئمة في ذلك في فصل: ((تصحيح الحديث فرع عن
توثيق رجاله)) ولست الآن في صدد تقرير المسألة إنما يهمني بيان موقف الحافظ ابن
حجر والله، من الرواة المتكلم فيهم ممن أخرج لهم الشیخان أو أحدهما اعتمادا من خلال
هذا البحث لا غير، وقد أضيف من غيره من كلام الحافظ قليلا للحاجة:
١) قال الحافظ ابن حجر والله، بعد الكلام المتقدم نقلُه عنه: ((وحينئذ إذا وجدنا
لغيره في أحد منهم طعنا؛ فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبيَّن
السبب مفسَّرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر
بعينه؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح))
اهـ المراد.

١٠٢)
تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب"
٢) وقال الله، في ترجمة بن عثمان بن صالح السهمي: ((والحكم في أمثال هؤلاء
الشيوخ الذين لقيهم البخاري، وميز صحيح حديثهم من سقيمه، وتكلم فيهم غيره: أنه
لا يدعى أن جميع أحاديثهم من شرطه؛ فإنه لا يخرج لهم إلا ما تبين له صحته، والدليل :
على ذلك: أنه ما أخرج لعثمان هذا في «صحيحه» سوى ثلاثة أحاديث: أحدها متابعة)).
«هدي الساري» (٤٢٣ -٤٢٤).
٣) وقال في ترجمة عبد الله بن صالح كاتب الليث: ((الجمهور على تضعيفه، وكان
البخاري حسن الرأي فيه إلا أنه كان كثير التخليط، والبخاري يعرف صحيح حديثه
من سقيمه، فلا يُغتر بروايته عنه)). «اللسان» (٤ /٦٤٥) ترجمة عذال بن محمد.
٤) وقال في ترجمة إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني: ((وروينا في «مناقب
البخاري» بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأن يُعلم
له على ما يحدث به؛ ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري
عنه هو من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه
غیر ما في الصحیح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلا أن يشاركه فيه غيره فیعتبر
فيه)). "الهدي) (٣٩١).
وقال في ترجمته من «التهذيب» (١٥٨/١): ((وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما
أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات)).
٥) وقال في ترجمة إبراهيم بين المنذر الحزامي: ((اعتمده البخاري وانتقى من
حديثه)). "الهدي) (٣٨٨).
٦) وقال في ترجمة إسحاق بن محمد الفروي: ((قال أبو حاتم: ((كان صدوقا ولكن

١٠٣)
المقدمة: موقف الحافظ ابن حجر، من الرواة المُتَكلم فيهم من رجال الشيخين
ذهب بصره فربما لُقِّن وكتبه صحيحة)) ووهاه أبو داود والنسائي، والمعتمد فيه: ما قاله
أبو حاتم، وقال الدارقطني والحاكم: ((عيب على البخاري إخراج حديثه))
قلت (الحافظ): روى عنه البخاري في كتاب الجهاد حديثا، وفي فرض الخمس آخر
كلاهما عن مالك، وأخرج له في الصلح حديثا آخر مقرونا بالأويسي، وكأنها مما أخذه
عنه من كتابه قبل ذهاب بصره)». «هدي الساري» (٣٨٩).
٧) وقال في ترجمة سعيد بن أبي عروبة البصري: ((وأما ما أخرجه البخاري من
حديثه عن قتادة؛ فأكثره من رواية من سمع منه قبل الاختلاط، وأخرج عمن سمع منه
بعد الاختلاط قليلا کمحمد بن عبد الله الأنصاري، وروح بن عبادة، وابن أبي عدي،
فإذا أخرج من حديث هؤلاء انتقى منه ما توافقوا عليه كما سنبينه في مواضعه إن شاء الله
تعالى)). "هدي الساري» (٤٠٦).
٨) وقال في ترجمة محمد بن يوسف الفريابي بعد أن ساق بعض الأقوال فيه: ((قلت:
اعتمده البخاري؛ لأنه انتقى أحاديثه وميزها)). «هدي الساري» (٤٤٢).
٩) وجعل في ذلك قاعدة عامة فقال الله: ((وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج
لبعض من فيه مقال لا يخرج شيئا مما أنكر عليه)). «الفتح» (٢٤٩/١) تحت رقم (٩٥).
١٠) وقال الله: ((فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين،
بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذا لم يخرجا من حديث
المختلطین عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحیح حديثهم قبل
الاختلاط)). (النكت» (٣١٥/١).
١١) وقال في ترجمة محمد بن الحكم المروزي: ((من شيوخ البخاري لم يعرفه أبو

١٠٤
تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب"
حاتم فقال: ((إنه مجهول)) قلت: قد عرفه البخاري وروى عنه في «صحيحه» في
موضعين)). "الهدي» (٤٣٨).
فتبين لك من خلال هذه الأمثلة أن الأصل فيمن أخرج لهم الشيخان اعتمادا الثقة .
والعدالة، وأنه لا يقبل الجرح فيهم إلا إذا كان مفسرا بقادح.
فإذا ثبت الجرح المفسر القادح في بعضهم كما هو الشأن في بعض هؤلاء الرواة فلنا في
ذلك أمران:
الأول: إن ثبت أن الشيخين أو أحدهما انتقيا من حديثه ما صح عندهما كما في المثال
الرابع قلنا بذلك وجزمنا بأن الشیخین أو أحدهما لم يرو أو أحدهما عنه أو له إلا ما كان
من صحیح حديثه.
الثاني: فإن لم يثبت عندنا بالسند الصحيح أن الشيخين أو أحدهما انتقيا من حديث
هذا الراوي المجروح بجرح مفسر قادح، فليس معنا في هذه الحالة إلا إحسان الظن بهما
أُنهما انتقیا من حديثه ما کان صحیحا، أو ما صح لديهما من وجوه أخری، کما يدل على
ذلك بقية الأمثلة وبسط ذلك يطول، وبالله التوفيق.

١٠٥
المقدمة: منهج الحافظ في التعامل مع اختلاف قولي أحد الحفاظ في بعض الرواة
منهج الحافظ في التعامل مع اختلاف قولي أحد الحفاظ في بعض الرواة
من المعلوم أن كثيرا من مسائل الجرح والتعديل اجتهادية، مما يؤدي بذلك إلى
اختلاف أقوال أئمة الجرح في شأن بعض الرواة.
وتارة يكون الخلاف بين قولي الإمام نفسه.
وتارة يكون الخلاف بين أكثر من إمام.
إلا أنه ينبغي أن يُعلم أن الأصل في أقوال أئمة الجرح والتعديل التعاضد لا
· التعارض، والتوافق لا التباين، والاتفاق لا الافتراق؛ لأنهم ينطلقون غالبا من قواعد
علمية ثابتة.
فعلى هذا فلا ينبغي لطالب العلم إذا وجد أقوال أئمة الجرح والتعديل مختلفة في راو
من الرواة أن يحكم عليها بالتعارض، ثم يعمد إلى الترجيح، بل لا بد قبل ذلك من
الجمع بين أقوالهم، ففي الجمع بين أقوالهم إعمال الأقوال، وفي الترجيح إهمال بعض
الأقوال، والإعمال أولى من الإهمال.
فإن لم يتيسر له الجمع بدون كلفة وتعنت فحينئذ يعمد إلى الترجيح.
قال الإمام ابن الوزير الصنعاني وقالله: ((واعلم أن التعارض بين التعديل والتجريح
إنما يكون تعارضا عند الوقوع في حقيقة التعارض، أما إذا أمكن معرفة ما يرفع ذلك فلا
تعارض البتة.
مثال ذلك: أن يُجرَح هذا بفسق قد علم وقوعه منه، ولكن علمت توبته أيضا،
والجارح جرح قبلها، أو يُجُرَح بسوء حفظ مختص بشيخ أو بطائفة، والتوثيق يختص
بغيرهم، أو سوء حفظ مختص بآخر عمره لقلة حفظ أو زوال عقل، وقد تختلف أحوال

١٠٦ تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب"
الناس فکم من عدل في بعض عمره دون بعض، ولهذا کان السعید من کان خیر عمله
خواتمه.
فإذا اطّلع على التأريخ أي تأريخ روايته وتأريخ اختلاطه؛ فهو مَخْلَصٌ حسن، وقد .
اطّلع عليه في كثير من رجال «الصحيحين» جُرحوا بسوء الحفظ بعد الكبر، والصحيح
من أحاديثهم رُوِىَ عنهم قبل ذلك فلا تعارض)). (التنقيح" مع "التوضيح"
(١٦٧/٢).
ومن أئمة الجرح والتعديل وحفاظ الحديث الذین ربما اختلفت أقوالهم في في کثیر
من الرواة الحافظ ابن حجر العسقلاني والله»، وما ذاك إلا لسعة حفظه وكثرة تصانيفه
و کثرة الرواة الذین تكلم فیھم بجرح أو تعدیل، فربما صار له في الراوي عدة أقوال كما
هو شأن غيره من الحفاظ كالإمام ابن معين رواله، وغيره.
قال الإمام الذهبي لله، في ابن معين: «وقد سأله عن الرجال عباس الدوري
وعثمان الدارمي وأبو حاتم وطائفة، فأجاب كل واحد منهم بحسب اجتهاده، ومن ثم
اختلفت آراؤه وعباراته في بعض الرجال، كما اختلفت اجتهادات الفقهاء المجتهدین،
وصارت لهم في المسألة أقوال)). "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل» (٧٢).
فالشأن في الجمع بين أقوال الحافظ ابن حجر اله التي ظاهرها التعارض في بعض
الرواة هو الشأن في الجمع بين أقوال من سبقه من أئمة الجرح والتعديل التي ظاهرها
التعارض، ولنا في ذلك عدة طرق:
الأولى: التأكد من صحة نسبة هذه الأقوال إلى الحافظ ابن حجر أو إلى غيره من
الحفاظ فلا عبرة بقول لم تصح نسبته إلى الإمام المنسوب إليه.

١٠٧
المقدمة: منهج الحافظ في التعامل مع اختلاف قولي أحد الحفاظ في بعض الرواة
الثانية: إذا تأكدنا من صحة نسبة هذه الأقوال إلى قائلها فإن تمكنا من معرفة المتقدم
من المتأخر من قولیه، فالمعتمد عنه حينئذ الأخير من قولیه.
انظر مثالا على ذلك في «تأريخ عباس الدوري عن ابن معين؟ (٢٧٢/٤).
الثالثة: فإن لم يتيسر لنا معرفة القول المتقدم من المتأخر من قوليه فنعمد حينئذ إلى
الجمع بين قولیه ما أمكن، كما سبقت الإشارة إليه من كلام ابن الوزير الله، فقد يكون
الجرح أو التعديل نسبيا، وهذا كثير بل قال الحافظ السخاوي وله: ((وعلى هذا يحمل
أکثر ما ورد من اختلاف کلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت و جر حه في
آخر)). «فتح المغيث » (١٢٧/٢-١٢٨).
وقد توسع الحافظ الباجي في كتابه «التعديل والتجريح؟ (٢٨٣/١-٢٨٨) في ذكر
ذلك، وضرب الأمثلة له، فليراجعه من شاء مزيد الفائدة.
ومن أمثلة جمع الحافظ ابن حجر وقالله، بين قولي أحد الحفاظ التي ظاهرها التعارض
ما يلي:
١) قوله في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري بعد أن نقل عن الدوري عن ابن
معين أنه وثقه، ونقل عنه ابن أبي خيثمة أنه قال فيه: ((ليس بشيء)): ((قلت: احتج به
الجماعة، وذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين بقوله في بعض الروايات: ((ليس
بشيء)) يعني أن أحاديثه قليلة)). «هدي الساري" (٤٢١).
٢) نقل في ترجمة عمرو بن یحیی المازني عن ابن معین أنه قال فيه: ((صويلح، ولیس
بالقوي)) ثم قال: ((قد بين معاوية بن صالح عن يحيى بن معين سبب تضعيفه له فإنه
قال: قال ابن معين: ((ثقة إلا أنه اختلف عليه في حديثين)). "هدي الساري» (٤٣٢).

۔
تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب))
١٠٨)
٣) قوله في ترجمة موسى بن عقبة الأسدي: ((وثقه الجمهور، وقال ابن معين:
((كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح الكتب))، وقال مرة: ((في روايته عن نافع
شيء ليس هو فيه كمالك وعبيد الله بن عمر)) قلت (الحافظ): فظهر أن تليين ابن معين :
له، إنما هو بالنسبة إلى رواية مالك وغيره لا فيما تفرد به، وقد اعتمده الأئمة كلهم، وقد
وثقه مطلقا في رواية عباس الدوري، وغير واحد عنه، والله أعلم)). "هدي الساري"
(٤٤٦).
٤) قوله في ترجمة أبي بلج يحيى بن سليم بعد أن نقل توثيقه عن ابن معين في جماعة
آخرین: «ونقل ابن الجوزي عن ابن معین أنه ضعفه، فإن ثبت ذلك فقد یکون سئل عنه
وعن من هو فوقه فضعفه بالنسبة إليه، وهذه قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن
معين فيه، نبه عليها أبو الوليد الباجي في كتابه "رجال البخاري»(١)، ويحتمل أن يكون
ابن معين ضعفه من قبل رأيه فإنه منسوب إلى التشيع». «الماعون» (١١٧-١١٨).
٥) قوله في ترجمة عبد العزيز بن عبد الله الأويسي بعد أن نقل توثيقه عن بعض
الحفاظ: ((لكن وقع في «سؤالات أبي عبيد الآجري عن أبي داود؟ قال: عبد العزيز
الأویسي ضعیف، فإن کان عنى هذا ففيه نظر؛ لأنه قد وثقه في موضع آخر، وروی عن
هارون الحمال عنه، ولعله ضعف رواية معينة له وهم فيها، أو ضعف آخر اتفق معه في
اسمه، وفي الجملة فهو جرح مردود)». «هدي الساري» (٤٢٠).
٦) قوله في ترجمة محمد بن عبيد الطنافسي: ((من شيوخ أحمد بن حنبل قال: ((إنه كان
(١) (١/ ٢٨٣ -٢٨٨).

١٠٩
المقدمة: منهج الحافظ في التعامل مع اختلاف قولي أحد الحفاظ في بعض الرواة
صدوقا، ولکن یعلی أخوه أثبت منه»، وقال في رواية أخرى: ((كان يخطئ ويصيب)
وهذا على ما يختار أحمد يكون ساقط الحديث(١) لكن وثقه في رواية الأثرم، وكذا وثقه
ابن معين والعجلي والنسائي وابن سعد وابن عمار، وزاد: ((كان أبصر إخوته بالحديث
وكان يعلى أحفظهم)) قلت (الحافظ): احتج بمحمد الأئمة كلهم، ولعل ما أشار إليه
أحمد كان في حديث واحد)». «هدي الساري» (٤٤١).
٧) قوله في ترجمة عبيد الله بن أبي جعفر المصري: «وثقه أحمد في رواية عبد الله بن
أحمد عنه وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، وقال ابن يونس: ((كان عالما عابدا)» ونقل
صاحب «الميزان» عن أحمد أنه قال: ((ليس بالقوي)) قلت (الحافظ): إن صح ذلك فلعله
في شيء مخصوص، وقد احتج به الجماعة)). "هدي الساري" (٤٢٣).
٨) قوله في ترجمة أسد بن عمرو البجلي بعد أن نقل عن ابن عمار أنه قال: ((لا بأس
به)): ((وقد جاء عن ابن عمار أيضا أنه قال: ((أسد بن عمرو صاحب رأي، ضعيف
الحدیث)) فیمکن الجمع بين کلامیه بأنه أراد بقوله: ((لا بأس به)) أنه لا يعتمد، وأنه تغير
لما ضعف بصره، فضعف حفظه)). «اللسان» (١ /٥٨٩) ترجمة أسد بن عمرو البجلي.
٩) وقال في ترجمة عطاء بن السائب: ((قال الحاكم: تغير بأخرة، وقال في
"السؤالات»: ((تركوه)) كذا قال، ولعله أراد بالترك ما يتعلق بحديثه في الاختلاط)).
«التهذيب» (١٠٥/٣).
(١) عن درجة الاحتجاج إلى درجة الاعتبار.

١١٠
تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب"
فهذه أمثلة تبين موقف الحافظ ابن حجر رَالله من صدور الجرح والتعديل اللذين
ظاهرهما التعارض من إمام واحد.
ففي المثال الأول: أنه إذا وجد عن أحد الحفاظ قولان ظاهرهما التعارض، وكان :
لهذا الإمام اصطلاح خاص في أحد القولين لا ينافي قوله الآخر حمل عليه.
وفي المثال الثاني والثالث والسابع والتاسع: أنه إذا وجد عن أحد الحفاظ قولان
ظاهرهما التعارض، وكانت هناك قرينة في أحد القولين تدل على أنه في شيء خاص؛
حمل عليه.
وفي المثال الرابع والخامس والسادس: أنه إذا لم يظهر لنا شيء من ذلك أننا نلتمس
لقول الإمام المعارض لما عليه الحفاظ المحامل والمخارج التي تليق بمقام هذا الإمام
إحسانا للظن به، والله أعلم.
الرابعة: إذا لم نستطع الجمع بين قولي الإمام اللذين ظاهرهما التعارض؛ نعمد إلى
الترجيح بين تلاميذه الناقلين عنه، فيقدم رواية تلميذه الملازم له العارف بأقواله على
غيره من أقرانه.
فیقدم عباس الدوري عن کل من روى عن ابن معين، ويقدم عبد الله بن أحمد بن
حنبل عن کل من روى عن أبيه.
الخامسة: إذا تعذر معنا الترجيح بين تلاميذ هذا الإمام بأن كانوا في منزلة واحدة أو
نحو ذلك فحينئذ نأخذ من قولي الإمام ما هو أقرب إلى أقوال الحفاظ الآخرين.
قال ابن أبي حاتم: ((اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في مبارك بن فضالة، والربيع
بن صبيح، وأولاهما أن يكون مقبولا منهما محفوظا عن يحيى ما وافق أحمد وسائر

المقدمة: منهج الحافظ في التعامل مع اختلاف قولي أحد الحفاظ في بعض الرواة
نظرائه)). (الجرح والتعديل» (٣٣٩/٨).
السادسة: فإن تعذرت معنا الحالة الخامسة كأن لم يكن في ترجمة الراوي إلا قولي هذا
الإمام المتعارضين، فإن كان جرحه المعارِض للتعديل مبهما جمع بين قوليه وتُوُسِّط في
حال الراوي، نص عليه شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي وَالله،، كما في كتابي
«الفتاوى الحديثية لعلامة الديار اليمانية" (٢/ ٥٢).
وإن كان جرحه المعارض لتعديله مفسرا فحينئذ نقدم جرحه المفسر على تعديله
المبهم، نص عليه العلامة الألباني والعلامة الوادعي -رحمهما الله -.
قال الإمام الألباني رقمالله: ((التعامل مع قولي الإمام كما نتعامل مع اختلاف الأئمة فيما
بينهم يعني أننا نقدم الجرح المفسر)).
وقرره شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي واله، ثم قال: «إلا أنْ يُعلم أن التوثيق
بعد الجرح)). "النكت الحسان على مقدمة لسان الميزان» المطبوع ضمن كتابي "الفتاوى
الحديثية لعلامة الديار اليمانية» (٢/ ٥٢).

١١٢
تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب»
منهج الحافظ في الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض
تقدم معنا التنبيه أن علم الجرح والتعديل من مسائل الاجتهاد التي ربما اختلفت
فيها أنظار الأئمة.
قال الإمام الترمذي واله: ((وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال
كما اختلفوا فيما سوى ذلك من العلم)». «العلل الصغير» المطبوع مع "الجامع"
(٧٥٦/٥).
وقال الإمام المنذري والله: ((واختلاف هؤلاء -يعني أئمة الجرح والتعديل -
كاختلاف الفقهاء، أصل ذلك يقتضيه الاجتهاد ... )). (أجوبة المنذري في الجرح
والتعديل؟ (٨٣).
وقال الإمام الصنعاني الله: ((قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث في الراوي
الواحد، وفي الحديث واحد، فيضعف هذا حديثا وهذا يصححه، ويرمي هذا رجلا من
الرواة بالجرح وآخر يعدله، وذلك مما يشعر أن التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد
التي اختلفت فيها الآراء)). «إرشاد النقاد» (١٣).
وتقدم معنا التنبيه من كلام الإمام ابن الوزير الله، أنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند
عدم إمكان الجمع وثبوت حقيقة التعارض.
· وقال الإمام ابن عبد الهادي الله: ((لا يطلب بيان السبب في التضعيف إلا إذا
عارضه تعديل)). "تنقيح التحقيق» (٨٨٨/٢).
وقال تاج الدين السبكي والله: ((قولهم: ((الجرح مقدم إنما يعنون به حالة تعارض
الجرح))). "طبقات الشافعية» (٢٠/٢).

١١٣)
المقدمة: منهج الحافظ في الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض
ولست الآن في صدد بيان مناهج الأئمة عند تعارض الجرح والتعديل الثابت
صدورهما من إمامين ثقتين عدلين عارفين بأسباب الجرح والتعديل؛ فإن بيان ذلك
وضرب الأمثلة له يطول، وإنما المراد هاهنا أن أضرب بعض الأمثلة العملية من صنيع
الحافظ ابن حجر اله عند تعارض الجرح والتعديل من أكثر من إمام.
فمن ذلك:
١) قوله في ترجمة هشام بن عروة بن الزبير الأسدي: ((مجمع على تثبته إلا أنه في كبره
تغير حفظه فتغير حديث من سمع منه في قدمته الثالثة إلى العراق، قال يعقوب بن شيبة:
((هشام ثبت ثقة لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن
أبيه فأنكره أهل بلده، والذي نراه أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمع منه فكان
تساهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه، قلت (الحافظ): هذا هو التدلیس،
وأما قول ابن خراش: ((كان مالك لا يرضاه)) فقد حكي عن مالك فيه شيء أشد من
هذا، وهو محمول على ما قال يعقوب)). "هدي الساري؟ (٤٤٨).
٢) ذكر الحافظ في ترجمة محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري أن الذهلي ذكره في
الطبقة الثانية من أصحاب الزهري، وقال: ((إنه وجد له ثلاثة أحاديث لا أصل لها)) ثم
قال الحافظ: ((الذهلي أعرف بحديث الزهري وقد بين ما أُنكِرِ عليه، فالظاهر أن
تضعيف من ضعفه بسبب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها)). "هدي الساري" (٤٤٠).
٣) قال الحافظ في ترجمة زياد بن عبد الله البكائي: «صدوق في المغازي مختلف فيه في
غیرها، قال ابن معين: «لا بأس به في المغازي، وأما غیرها فلا))، وقال أبو حاتم: «یکتب
حديثه ولا يحتج به)) وأطلق جماعة تضعيفه، وهو محمول على ما قال ابن معين)). «موافقة

١١٤
تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب))
الخبر الخبر؟ (٢٦٩/١).
٤) قال الحافظ في ترجمة علي بن زيد بن جدعان: ((كان من أهل مكة ثم سكن
البصرة، وهو ضعيف عندهم من قبل حفظه، قال معاذ بن معاذ عن شعبة: ((حدثنا علي :
بن زيد قبل أن يختلط)) وعن يحيى بن معين قال: ((لم يزل مخلطا)) ويمكن الجمع بين
القولين بأن يكون زاد في التخليط في آخر عمره، وعلى ظاهر قول شعبة، فسماع من أخذ
عنه قديما قوي(١)، وحماد بن سلمة من هذا القبيل)). «الأمالي المطلقة؟ (٨٠-٨١).
٥) وقال في ترجمة عباد بن صهيب البصري: ((قال أبو داود: «إنه صدوق قدري))
وقال أحمد: ((ما كان بصاحب كذب)) قلت (الحافظ): لو لم يرد فيه إلا هذا لمشي الحال،
ولكن بقية ترجمته عند ابن حبان: ((كان يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في
هذه الصنعة أنها موضوعة)) ولا تنافي بین قوله وقول أحمد وأبي داود؛ لأنه ◌ُجمع بأنه كان
لا يتعمد بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذلك تركه البخاري والنسائي وأبو
حاتم الرازي وغيرهم، وأطلق عليه ابن معين الكذب، وقال زكريا الساجي: ((كانت
كتبه ملأى بالكذب)). «النتائج» (١/ ٢٥٧).
٦) وقال في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ المدني: ((قال أبو حاتم الرازي: ((إنه
مجهول))، وما وجدت عنه راويا سوى سهيل بن أبي صالح وهو من أقرانه، نعم وثقه
العجلي فأقوى رُتَب حديثه أن يكون حسنا». «النتائج؟ (١/ ٣٨٠).
٧) وقال في ترجمة عفان بن مسلم الصفار: «اتفقوا على توثيقه ... وذكره ابن عدي
(١) أي بالنسبة لمن أخذ عنه مؤخرا وإلا فعلي لم يزل مخلطا كما قاله الإمام ابن معين واله.

٢١١٥
المقدمة: منهج الحافظ في الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض
في "الكامل" لقول سليمان بن حرب: «ما كان عفان يضبط عن شعبة)) وقد قال أبو عمر
الحوضي: ((رأيت شعبة أقام عفان من مجلسه مرارا من كثرة ما يكرر عليه)) قلت
(الحافظ): فهذا يدل على تثبته في تحمله، وكأن قول سليمان: ((إنه كان لا يضبط عن
شعبة)) بالنسبة إلى أقرانه الذين يحفظون بسرعة)). "الهدي؟) (٤٢٥) بتصرف.
فتلخص لنا من خلال هذه الأمثلة ما يلي:
١) إذا وثق جماعة من الحفاظ راو من الرواة، وضعفه آخرون في شيء معين ثم
وجد من حفاظ آخرين تضعيف هذا الراوي مطلقا فلا تعارض، بل يحمل تضعيف من
أطلق فيه الضعف على الشيء المعين الذي ضعفه فيه من فصل في أمره، كما هي أمثلة
ذلك واضحة في الأمثلة الأولى من هذا الفصل.
٢) إذا أطلق بعض الحفاظ ضعف راو معین، وقید آخر ضعفه بما كان في آخر
عمره، فيُحمل قول من قيد ضعف الراوي بآخر عمره على أن ضعف الراوي اشتد في
آخر عمره، ولا يمنع ذلك أن يكون ضعيفا من قبل، ويدل على هذا المثال الرابع من هذا
الفصل.
٣) إذا كذب بعض الحفاظ راو معين وأقام الدليل والبرهان على ذلك، ونفى عنه
آخرون من الحفاظ الكذب، فلا تعارض بين القولين، بل يُحمل قول من نفى عنه
الكذب: على أن هذا الراوي لا يتعمد الكذب، بل يقع ذلك منه من قبيل الغلط
والغفلة، ويدل على هذا المثال الخامس من هذا الفصل.
٤) إذا تعارض تجهیل من متشدد، وتوثيق من إمام آخر في راو لم يرو عنه سوى
واحد، فيجمع بينهما أن الراوي حسن الحديث، كما في المثال السادس.

تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب"
١١٦
مع أن هذا ليس ضابطا مطردا في تعارض التوثيق والتجهيل؛ لأن الأصل: أن
التوثيق إذا كان من معتبر فهو مقبول مطلقا، ولو عارضه تجهيل؛ لأن من علم حجة على
من لم يعلم، وكأن الحافظ لم يعتمد توثيق العجلي كاملا، كما في المثال السادس؛ لقوة من
عارضه مع ما عرف به العجلي من شيء من التساهل، والله أعلم.
٥) إذا أطلق بعض الحفاظ توثيق راو من الرواة، وضعفه آخر في شیخ معین، وقد
وُجِد ما يدل على تثبت هذا الراوي في هذا الشيخ الذي ضعف فيه، فيُحمل قول من
ضعفه في هذا الشيخ أنه تضعيف بالنسبة إلى من هو أثبت منه في هذا الشیخ، ويدل على
هذا المثال الأخير.

١١٧
المقدمة: منهج الحافظ في الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض
الموقف الصحيح من اختلاف قول الحافظ ابن حجر رالله، في الراوي
سيمر بك اختلاف قول الحافظ ابن حجر والله، في كثير من الرواة بما يكون أحد
القولين مباين في الظاهر للقول الآخر، كأن يقول في الراوي: ((يعتبر به)) أو ما شاكلها
من العبارات، ثم يحكم عليه بالضعف الشديد في مواضع أخرى من كتبه، أو يحكم على
الراوي أنه صدوق ثم یحکم عليه في مواضع أخرى بما يقتضي عدم الاحتجاج بحديثه،
وربما بما يقتضي عدم صلاحية حديثه للاعتبار.
والموقف من اختلاف قول الحافظ في الراوي هو الموقف من اختلاف أحد الأئمة
الآخرين في الزاوي الذي سبق بيانه قبل فصلین.
فقد يكون له قولان في الراوي: أحدهما مطلق، والآخر مقيد، فيحمل قوله المطلق
على قوله المقید.
مثال ذلك: أن الحافظ هلله، تكلم عن إسماعيل بن عياش في مواضع شتی من کتبه
وذكر أن روايته عن غير الشاميين قوية كما في ترجمة إسماعيل من هذا الكتاب، بينما نجده
في بعض المواضع من كتبه يحكم على إسماعيل بن عياش بالضعف مطلقا دون تقييد،
كقوله في «التلخيص الحبير» (٢٩٩/٣): ((ضعيف))، وقوله في "موافقة الخُبر الخبر"
(٤٣٩/١): ((فيه مقال)) فيُحمل تضعيفه المطلق ها هنا لإسماعيل بن عياش على كلامه
المقيد في كتبه الأخرى بروايته عن غير الشاميين، يدل على ذلك أن الحافظ نفسه صرح
برد القول بتضعيف إسماعيل بن عياش مطلقا، فلما قال البيهقي في إسماعيل بن عياش:
((ليس بحجة)) رد عليه الحافظ بقوله: ((فيه تساهل لا يخفى)). (فتح الباري» (٦٦٥/٩).
وقد مر معنا أن الحافظ ممن يجمع بين الأقوال التي ظاهرها التعارض في الراوي بهذا

١١٨
تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة في غير "التقريب)»
الجمع سواء كان التعارض من إمامين فأكثر أو من إمام واحد.
تنبيه مهم:
وهنا تنبيه مهم يسلم به الحافظ ابن حجر من ظن التناقض في شأن كثير من الرواة، :
وُجمع به بين أقواله في الراوي.
والتنبيه هو: أنك ربما تجد الحافظ ابن حجر رمله، كما هو شأن غيره من الحفاظ ربما
حكم على الراوي الذي هو عنده متروك أو كذاب بقوله: ((ضعيف)).
ومعلوم أن الأصل في قول الحافظ في الراوي في غير «التقريب»: ((ضعيف)) الجرح
الخفيف الذي لا ينزل صاحبه عن درجة الاعتبار.
إلا أن الحافظ في شأن الرواة الذين صرح في مواضع أخرى بتركهم وضعفهم
الشديد لم يُرِذ بقوله: ((ضعيف)) المعنى الاصطلاحي لدى المحدثين، إنما أراد المعنى
اللغوي فكلمة: ((ضعيف))، وإن كانت في اصطلاح المحدثين أرفع من متروك، وينبغي
التمييز بينها وبين المتروك، إلا أنها في اللغة تصدق على المتروك، بل وعلى الكذاب،
فالكذاب ضعيف وزيادة، ولم يصل إلى هذه المنزلة إلا بعد بلوغه مرتبة الضعف.
فالحافظ حين يطلق في المتروك والكذاب: ((ضعيف)) لم يُرِد بها في هذه الحالة تحديد
منزلة الراوي في اصطلاح المحدثين من حيث بيان هل ضعفه خفيف يصلح معه
للاعتبار أم لا؟ إنما أراد بها أن الراوي المتروك والكذاب فيه ضعف لغة، ولا يلزم من
ذلك أن يكون معنى ((ضعيف)) عند الحافظ في هذه الحالة صلاحية الراوي للاعتبار
والاستشهاد.
ويدل على ذلك أمران:

١١٩
المقدمة: منهج الحافظ في الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض
أحدهما: أن الحافظ ابن حجر اله، معروف بإمامته في هذا الشأن وتوسطه واعتداله
في نقد الرواة، فإذا قال في الراوي الذي هو متروك -عنده -: ((ضعيف))؛ حملنا قوله في
هذه الحالة على أنه أراد مطلق الضعف لا تحديد منزلة الراوي حسب اصطلاح
المحدثين، وإلا لزمنا على ذلك رمي الحافظ بالتساهل حيث يقول في الراوي الذي حقه
أن يقال فيه: ((متروك)) يقول فيه: ((ضعيف))، وهذا ما الحافظ عنه بريء؛ إذ الحافظ نفسه
قد حكم على هذا الراوي بالترك والضعف الشديد في مواضع أخرى من كتبه، وإلا
لزمنا رمي الحافظ بالتناقض في شأن هؤلاء الرواة، والجمع بين كلام الحافظ ولله، وحمله
على المحامل الحسنة أولى من حمله على التناقض.
الثاني: أن الحافظ قد نقل الإجماع على ترك بعض الرواة وجرحهم الشديد، ثم تجده
في مواضع أخرى من كتبه يحكم عليهم بقوله: ((ضعيف)).
فهل يستسيغ عاقل أن يقول: إن الحافظ ابن حجر ژه، عنی بقوله في کل واحد من
هؤلاء الرواة: ((ضعيف)) المعنى الاصطلاحي الذي لا ينزل صاحبه عن درجة
الاستشهاد مع نقله الإجماع على تركهم؟!
أم الأولى حمل تضعيف الحافظ لهؤلاء الرواة على المعنى اللغوي الذي يسلم به
الحافظ من معرة الرمي بمخالفة إجماع المحدثين؟
لا شك أن هذا هو الأولی.
وهؤلاء عدة رواة حكم عليهم الحافظ بالضعف مع نقله الإجماع على تركهم
وضعفهم الشديد في مواضع أخرى:
١) الحسن بن عمارة الكوفي، نقل الحافظ إطباقهم على تركه حيث قال في "هدي

١٢٠ تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ من الرواة فى غير "التقريب"
الساري» (٣٩٧): ((رماه شعبة بالكذب، وأطبقوا على تركه))، بينما قال فيه في
«التلخيص الحبير» (٥٩/٢): ((ضعيف)).
٢، ٣) عبد الرحمن بن معاوية أبو الحويرث، ويحيى بن العلاء البجلي، نقل الحافظ في :
«النكت" (٤٤٠/١) اتفاق الأئمة على طرح حديثهما، بينما قال في ««موافقة الخُبْر
الخبر؟)) (٣٧٣/١) في عبد الرحمن بن معاوية: ((ضعيف))، وقال في "الإصابة»
(١٨٩/٥) و«تخريج الكشاف؟ (٢/ ٣٥٣) في يحيى بن العلاء: ((ضعيف)).
٤) عبد الكريم بن أبي المخارق، قال الحافظ في «التلخيص؟ (٢٩٢/١): ((مجمع
على تركه)) بينما اكتفى بالحكم عليه بقوله: ((ضعيف)) في عشرة مواضع من كتبه كما في
ترجمته من هذا الكتاب.
٥) عمرو بن الحصين العقيلي، قال فيه الحافظ: ((متروك باتفاقهم، واتهمه بعضهم
بالكذب، والله المستعان)) «نتائج الأفكار؟ (٤١١/٢) بينما اكتفى في «المطالب العالية؟
(٤٢٦/١) بالحكم عليه بقوله: ((ضعيف)).
بقى معنا: إذا لم نستطع الجمع بين أقوال الحافظ المتعارضة في الراوي، فأي أقواله
نقدم؟ وهل أقواله في بعض كتبه أولى بالتقديم من غيرها أم لا؟
هذا ما يجيبنا عنه محدث العصر الإمام الألباني، ومحدث الديار اليمنية الإمام
الوادعي -رحمهما الله -.
سئل الإمام الألباني وقالله: إذا اختلف كلام الحافظ في "التقريب» وفي «الفتح» وفي
"التلخيص" في الحكم على رجل بالتضعيف أو التوثيق، فهل يُرَجَّح كلامه في
«التقريب»؛ لأنه في تخصصه وفي بابه، ومستحضر لكلام العلماء فيه؟ وكذلك