النص المفهرس

صفحات 1-16

تراثنا
مـ
تأليفك
ابن ججَرَ العَسْقلات
أحمَد بْن عَلَىّ
٧٧٣هـ - ٨٥٢ هـ
القسم الأوّل
مراجعة
محقیق
على محمَّد الجاوى
محمّد على التجّار
الثقافة والإرشاد والقومى
المؤسسة المصرية العامة
التأليف والترجمة والطباعة والنشر

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الکتاب
فى نحو منتصف القرن السابع الهجرى حجم المغول على بغداد حاضرة الملك ومثابة العلم
والعلماء بقيادة هولا كو، وقوّضوا صرح الخلافة العباسية، وأتوا من فظيع الأمر ومنكر الحوادث
ما لا ينسى : قتلوا الخليفة القائم، وأعملوا السيف فى الشعب الآمن، وخربوا المدن، وأحرقوا
الكتب .
ودخل التتار فى الإسلام، وعضدوا هم والدول التى خلفتهم العلم والعلماء، وجلا بعض العلماء
من الأندلس والغرب قبيل حادث التتار وبعده كابن مالك ، والشاطبى ، وأبى حيان، وابن
منظور ؛ جددوا النحو واللغة بمصر والشام؛ وتخرج عليهم تلاميذ أفاضل كانوا كوا كب عصورهم.
فدوّنوا العلم وحفظوه لمن أتى بعدهم ممن نشئوا فى العصور المظلمة .
على أن أكثر هؤلاء العلماء لم يكونوا منقطعين للعربية وحدها ؛ بل كان لهم تخرج فى
كثير من العلوم ولا سيما الشرعية التى كانت الرغبة فيها حينئذ تفوق كل رغبة .
وكانت مصر والشام فى حوزة السلاطين من المماليك، وتم قد هيئوا البلاد لتحمل الزعامة
الإسلامية، والقبض على زمام الحركة العلمية والأدبية، والدينية والسياسية؛ فهرع العلماء إليها،
ووجدوا فى تلك الديار حرما آمنا، وظلا وارفا، وموردا عذبا سائغاً .
ورأى المماليك عامتهم أن لا شىء يقربهم إلى الشعب، ويوطّد سلطانهم إلاّ أن يعظموا
الدين وأهله، ويرفعوا من قدر العلم والعلماء، فأسسوا المدارس، وهرع إنيها الألوف من الطلاب

يتهاون العلم من أصفى موارده، ويدر-ون الفقه على مختلف مذاهبه، فكانت المدرسة الظاهرية
والمنصورية ، والمؤيدية ......
وأنشئوا فى كثير المدارس خزائن كتب حافلة بالكتب الثمينة النادرة النافعة فى شتى العلوم
والفنون؛ فكان بالمدرسة الفاضلية خزانة بها ألف مجه ، وكان بالمدرسة الصاحبية البهائية خزانة
كتب جليلة، وحوت المدرسة الظاهرية التى أسسها بيبرس خزانة كتب كانت تشتمل على كثير
من أمهات الكتب فى سائر العلوم ، وعمل بالمدرسة المحمدية التى أنشئت سنة ٧٩٧ خزانة
كتب قال المقريزى فى شأنها :
ولا يعرف اليوم بديار مصر والشام مثلها؛ وبهذه الخزانة كتب الإسلام فى كل فنّ .
وإذا كان لهذا العصر أن يُزْهى بشىء من مظاهر الحياة الأدبية فإن التأليف أول ما يحق
له أن يفخر به ، فقد كثرت المؤلفات فيه كثرة مدهشة، وأقبل العلماء فيه على التدوين إقبالا
صرفهم عن مشاغل الحياة وشئونها، وتوجهت نفوسهم إلى سدّ كل حاجة دينية أو فنية أو كونية
بمؤلف أو مؤلفات ، وتنافسوا فى الإجادة ، وتسابقوا فى كثرة الإنتاج؛ ولا غرو فقد كانت مصر
والشام فى هذا العصر حافلين بالمدارس ودور العلم ، وكانت القاهرة والإسكندرية وقوص وغيرها،
ثم دمشق وحلب - تموج بالعلماء والطلاب موجا.
وأكبر الظن أن كثرة التأليف والإنتاج فى هذا العصر كان من أسبابها:
رغبة العلماء فى إعادة ذلك التراث الذى عينت به كوارث الغزو، وتجديد ذلك المجد
الإسلامى الذى شيده المسلمون فى دهور ، فأخذوا يبذلون الجهد فى التأليف والتصنيف الإصلاح
ما أفسد التتار ، وإنشاء كتب جديدة فى اللغة والدين والأدب وغيرها .
٤

وميل السلاطين من المماليك إلى العلم، وإغداقهم على العلماء، ورغبتهم فى اقتناء الكتب
النادرة ، وإنشاء الخزانات الجامعة لأنواع شتى من المؤلفات.
ويمتاز هذا العصر بالكتب الجامعة ، ومن أشهر مؤلفيها: شهاب الدين أحمد بن يحيى بن
فضل الله العمرى، وكتابه مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار. وشهاب الدين أحمد بن على
القلقشندى، وكتابه صبح الأعشى. ثم أبو العباس شهاب الدين أحمد النويرى، وكتابه نهاية
الأرب، وغيرهم. كما اشتهر من المؤلفين فى هذا العصر ابن خلكان، وابن خلدون ، والسيوطى ، وابن
مكرم ، والفيروزابادى ، وعز الدين بن عبد السلام، وابن حجر العسقلانى ، وابن هشام النحوى ،
ولسان الدين الخطيب، وسعد الدين التفتازانى، والسيد الجرجانى ، والشهاب الخفاجى وغيرهم .
وقد كان لهؤلاء من الكتب ما يشغل فى المكتبة العربية أنفس موضع وأعز مكان.
ابن حجر
مؤلف الکتاب
فى هذا العصر الذى ماج بالعلماء وكثر فيه التأليف، وانتشرت المدارس ، وامتلأت
الخزانات بالكتب نشأ الإمام الحافظ ابن حجر .
وهو أحمد بن على بن محمد بن محمد بن على بن أحمد، أبو الفضل السكِنَانى المَقَلانى
المصرى ، ثم القاهرى الشافعى، ويعرف بابن حجر ، وهو لقب لبعض آبائه .
ولد فى شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمنزل على شاطئ النيل بمصر العتيقة من أسرة اشتهر
أغلب أسلافها بالعلم، والأدب والفضل.

فقد قال هو عن والده(١): ((نور الدين على والد كاتب هذه السطور سمع من ابن سيد الناس
وطبقته ، وكان يحفظ الحاوى الصغير، ولازم الشيخ بهاء الدين بن عقيل ، وأذن له فى الإفتاء، وتلا
بالسبع على جماعة، وكان له ذوق فى الأدب ونظم كثير شائع، توفى سنة ٧٧٧)) .
ولأبيه ديوان شعر يقول عنه السخاوى(٢): وقفت عليه بخطه. وكتب الجمال بن نباتة بخطه
أيضاً : أنشدنى ابن حجر بمصر المحروسة من أبيات .
مات أبوه فى رجب سنة سبع وسبعين بعد أن حج وزاربيت المقدس، وجاور فى كل منهما،
واستصحب معه ولده، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل ، فنشأ يتيما فى غاية العفة والصيانة فى
كنف أحد أوصيانه زكى الدين الخروبى كبير التجار بمصر، وحين أراد هذا الوصى الحج فى
سنة أربع وثمانين وسبعمائة استصحب معه ابن حجر، وكان قد أكمل فى ذلك الحين اثنتى
عشرة سنة .
وقد ترجم هو لنفسه فى رفع الإصر فقال(٢):
(( أحمد بن على بن محمد بن محمد بن على بن أحمد العسقلانى الأصل، المصرى المولد والمنشأ،
نزيل القاهرة، ولد فى شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ومات أبوه فى رجب سنة سبع
وسبعين وسبعمائة ، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل، فنشأ يقيما ، ولم يدخل الكُتّاب حتى
أكمل خمس سنين، فأ كمل حفظ القرآن وله تسع سنين، ثم لم يتهيأ له أن يصلى بالناس التراويح
إلا فى سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وقد أ كمل ثنتى عشرة سنة، وكان وصيه الرئيس الشهير
أبو بكر نور الدين على الخروبى كبير التجار بمصر قد جاور فى تلك السنة واستصحبه معه،
إذ لم يكن له من يكفله، وسمع فى تلك السنة صحيح البخارى على مسند الحجاز عفيف الدين
عبد الله النشاورى خاتمة أسماب إمام المقام رضى الدين الطبرى. ولم يضبط سماعه، لكنه يتحقق
(١) صفحة ٢٥٪ من التبصير. (٢) الجواهر والدرر ١٥. (٣) صفحة ٨٥.

أنه لم يسمع الجميع، بل له فيه إجازة شاملة لمروياته، وكان سماعه بقراءة الشيخ شمس الدين
محمد بن عمر السلاوى الدمشقى تحت سكن الخروبى فى البيت الذى بباب الصفا على يمنة الخارج
إلى الصفا، ويعرفَ ببيت عيناء؛ وهى الشريفة بنت الشريف عجلان ، وبالبيت المذكور
شباك يُطلَ على المسجد الحرام ويشاهِدُ من يجلس فيه الكعبة والركن الأسود، فكان المستمع
والقارئ يجلسان عبد الشباك دون مصطبة تمت الشباك المذكور . وكان يجلس فيها مؤدب
صاحب الترجمة ومن يدرس معه؛ فكان المؤدب يأمرهم عند قراءة القارئ بالإنصات إلى أن
يفرغ حتى ختم الكتاب؛ لكن صاحب الترجمة وبما خرج لقضاء حاجة ولم يكن هناك ضابط
للأسماء؛ والاعتماد فى ذلك كان على الشيخ نجم الدين المرجانى؛ فإنه أعلمنى بعد دهر طويل
بصورة الحال فاعتمدت عليه وُتُوقاً به .
وحفظ بعد ذلك كتبا من مختصرات العلوم، ولازم أحد أوصيانه أيضاً ، وهو الشيخ
شمس الدين محمد بن على بن محمد بن عيسى بن أبى بكر بن القطان المصرى ، حضر دروسه .
ثم حبب إليه النظر فى التواريخ، وهو بعد فى المكتب فعلق بذهنه شىء كثير من أحوال
الرواة .
وفى غضون ذلك سمع من نجم الدين بن رزين ، وصلاح الدين الزفتاوى ، وزين الدين بن
الشحنة ، ونظر فى فنون الأدب من سنة اثنتين وتسعين ، فقال الشعر ونظم مدائح نبوية ومقاطيع.
ثم اجتمع بحافظ العصر زين الدين العراقى، وذلك فى شهر رمضان سنة ست وتسمين.
فلازمه عشرة أعوام، وحبّب إليه فنّ الحديث، فما انسلخت تلك السنة حتى خرّج الشيخه مُشْند
القاهرة أبى إسحاق التنوخى المائة العشارية .
وكان أول من قرأها فى جمع حافل الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقى .
ثم رحل إلى الإسكندرية فسمع من مسنديها إذ ذلك، ثم حجّ ودخل اليمن، فسمع بمكة
والمدينة وينبع وزبيد وتعزّ وعدَن وغيرها من البلاد والقرى .
٧

واقى باليمن إمام اللغة غير مدافع مجد الدين بن الشيرازى(١)، فتناول منه بعض تصنيفه المشهور
المسمى ((القاموس فى اللغة))، ولقى جمعا من فضلاء تلك البلاد، ثم رجع إلى القاهرة، ثم رحل
إلى الشام فسمع بقَطْية وغَزّة والرملة والقدس ودمشق والصالحية وغيرها من القرى والبلاد.
وكانت إقامته بدمشق مائة يوم ومسموعه فى تلك المدة نحو ألف جزء حديثية: منها من الكتب
الكبار المعجم الأوسط الطبرانى، ومعرفة الصحابة لأبى عبد الله بن مندة ، وأكثر مسندأبى يعلى،
وغير ذلك. ثم رجع وأكمل كتابه ((تعليق التعليق)) فى حياة كبار مشايخه ، فكتبوا عليه ،
ولازم الشيخ سراج الدين البلقينى إلى أن أذزله، وأذنله بعد إذنه شيخه الحافظ زين الدين العراقى.
ثم أخذ فى التصنيف، وأملى الأربعين المتباينة بالشيخونية من سنة ثمان وثمانمائة، ثم أملى من
عشاريات الصحابة نحو مائة مجلس فى عدة سنين ، ثم ولى درس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة،
فأملى فيها، ثم قطعه كما تركها فى سنة أربع عشرة وثمانمائة، وتشاغل بالتصنيف، ثم ولى مشيخة
البيبرسية ، ثم تدريس الشافعية بالمدرسة المؤيدية الجديدة .
ثم ولى القضاء فى السابعة والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ثم عقد
مجلس الإملاء فى أوائل صفرمنها إلى الآن(٢).
هذا ما كتبه بقلمه آثرنا أن ننقله كما هو لأنه خير ما يصور حياته.
وقد اجتمع له من الشيوخ الذين يشار إليهم ويعوّل عليهم مالم يجتمع لأحد من أهل عصره ؟
لأن كل واحد منهم كان متبحّراً ورأسا فى فنه الذى اشتهر به لا يلحق فيه.
فالتنوخى فى معرفة القراءات؛ والعِرَاقى فى حفظ المتون، والبلقيني(٣) فى شدة الحفظ وكثرة
الاطلاع ، والغمارى فى معرفة العربية ، والفيروزابادى فى اللغة ، والعز بن جماعة فى تفننه فى علوم
کثیر:(٤) .
(١) صاحب القاموس المحيط .
(٢) إلى هنا آخر! كتبه ابن حجر عن نفسه فى رفع الأصر.
(٤) الضوء اللامع (١ - ٣٨)، والجواهر والدور ٤٥ .
(٣) الجواهر والدور ٣٨.

وحبّبَ إليه الحديث ، وأقبل عليه بكليته، وطلبه من سنة ثلاث وتسعين، ولكنه لم
يلزم الطلب إلا من سنة ست وقسمين ، فعكف على الزين العراقى، وتخرج به وانتفع بملازمته.
وتحوّل إلى القاهرة فسمنها قبيل القرن، وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية، والحجازية،
وأخذ عن الشيوخ والأفران، وأذن له جلّ هؤلاء فى الإفتاء والتدريس.
وتصدّر لنشر الحديث وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفاً وإفتاء، وزادت
تصانيفه التى معظمها فى فنون الحديث-وفيها من فنون الأدب والفقه - على مائة وخمسين تصنيفاً(١).
وقد عُرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الاطلاع والسماع ، وبرع فى الحديث ، وتقدم فى جميع
فنونه ، وأثنى عليه شيوخه فى هذا الشأن .
وقد سبق أنه ولى تدريس الفقه بالمدرسة الشيخونية ، وتدريس الحديث بالمدرسة الجمالية
الجديدة، ثم تدريس الشافعية بالمؤيدة الجديدة(١)، ومشيخة البيبرسية فى دولة المؤيد، وتدريس
الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعى .
كما تولى الخطابة بالجامع الأزهر(٣) وبين التدريس والإفتاء ولى منصب القضاء.
وكانت أول ولايته القضاء فى السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد
أن امتنع أولا ؛ لأنه كان لا يؤثر على الاشتغال بالتأليف والتصفيف شيئاً . غير أن ابن حجر كما
يقول السخاوى - قد ندم على قبوله وظيفة القضاء. ويقول ابن حجر: إن من آفة التلبس
بالقضاء أن بعضهم ارتحل إلى لقائى، وأنه بلغه تلبُّى بوظيفة القضاء ، فرجع(٢).
وعزل عن القضاء وأعيد إليه مرات، وكان آخر ولايته القضاء إذ عزل نفسه فى الخامس
والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة .
(١) رفع الإصر ٨٨ .
(٢) الجواهر والدرر ٢٧٠ .
(٣) الجواهر والدرر ٢٨٠.

تقدير العلماء له وتغاؤهم عليه :
عرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الأطلاع والسماع ، وبرع فى الحديث وتقدم فى جميع فنونه ،
ووصل إلى مرتبة الذهبى ، واثنى عليه شيوخه فى هذا الشأن .
فقد شهد له أستاذه الحافظ العراقى بأنه أعلم أصحابه بالحديث . وقد سئل العراقى أيضا : من
تخلف بعدك؟ قال: ابن حجر، ثم ابنى أبو زرعة، ثم الهيئى(١).
ويقول فيه الحافظ تقى الدين محمد بن محمد بن فهد :
وكان فى حال طلبه مفيدا فى زى مستفيد ، إلى أن انفرد بين علماء زمانه بمعرفة فنون الحديث
لاسيما رجاله، وما يتعلق بهم ؛ فألف التآليف المفيدة المليحة الجليلة السائرة ، الشاهدة له بكل
فضيلة، الدالة على غزارة فوائده، والمعربة عن حسن مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه
جنسا ونوعا، التى تشنفت بسماعها الأسماع ، وانعقد على كالها لسان الإجماع(٢).
ويقول فىموضع آخر من ترجمته:
وهو إمام علامة ، حافظ محقق، متين الديانة، حسن الأخلاق، لطيف المحاضرة ، حسن
التعبير، عديم النظير؛ ولم تر العيون مثله، ولا رأى هو مثل نفسه(٣).
ويقول صاحب المنهل الصافى :
كان رحمه الله حافظ العصر، حافظ المشرق والمغرب ، أمير المؤمنين فى الحديث ، انتهت إليه
رياسة على الحديث من أيام شيديته بلا مدافعة (٤).
(١) ذيل طبقات الحفاظ السيوطى ٣٨١. (٢) لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ ٣٣٢.
(٣) المصدر السابق
(٤) المنهل الصافى ١ - ١٠٤.
:١٠

ويقول ابن المناوى الشافعى فى كتابه اليواقيت والدرر :
شيخ الإسلام شهاب الدين أبو الفضل بن حجر ، فريد زمانه، حامل لواء السنة فى أوانه ،
ذهبى عصره، ونضاره وجوهره، مرجع الناس فى التضعيف والتصحيح، وأعظم الشهود والحكام
فى التعديل والتجريح. قفى له كل حاكم بارتقائه فى علم الحديث إلى أهلم الدرج(١).
ويقول السيوطى عنه :
شيخ الإسلام ، وإمام الحفاظ فى زمانه ، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقا ،
قاضى القضاة
ثم يقول فى ختام ترجمته :
وإن يكن فاننى حضور مجالسه والفوز بسماع كلامه والأخذ عنه فقد انتفعت فى الفن
بتصانيفه، واستفدت منها الكثير، وقد غلق بعده الباب ، وختم به فى هذا الشأن(٢).
بعض صفاته الخلقية والخلقية :
كان ذا وقار وأبهة ومهابة، مع ما احتوى عليه من العقل والحلم والسكون والسياسة ، والدربة
بالأحكام ، ومداراة الناس ، قل أنه يخاطب الشخص بما يكره، بل كان يحسن أن يسىء إليه،
ويتجاوز عمن قدر عليه .
وكان جيد الذكاء عظيم الحذق من ناظره أو حاضره، راوية للشعر، وأيام من تقدمه ومن
عاصره، فصيح اللسان ، شجى الصوت ، هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة واقتفاء طرق من
تقدمه من الصلحاء السادة(٣).
(١) مقدمة اليواقيت والدرر .
(٢) ذيل طبقات الحفاظ ٢ ٣٨.
(٣) المنهل الصافى ١ - ١٠٤.

وفاته :
وتوفى فى ليلة السبت الثامن والعشرين من ذى الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة .
وحضر الصلاة عليه السلطان، وصلى عليه العلم البلقيني بإذن الخليفة، ونقل نعشه إلى القرافة
الصغرى ، فدفن بالقرب من الإمام الليث بن سعد .
مؤلفاته
سردها السخاوى فى الباب الخامس من كتاب ((الجواهر والدرر(١))) فى نحو عشر ورقات وقال:
كان ابتداؤه فى التصنيف فى حدود سنة ست وتسعين وسبعمائة، ومن تصانيفه ما كمل قبل
المات، ومنها ما بقى فى المسودات، ومنها ما شرع فيه فكاد ، ومنها ماسطر، ومنها ما صلح أن
يدخل تحت الإعداد، وهذا إيرادها على ترتيب اخترته، وتقريب ابتكرته، وقد جمع هو أسماء
معظمها فى كراسة افتتحها على سبيل التواضع والهضم لنفسه بقوله: وأكثر ذلك - يعنى تصانيفه -
مما لا يساومى نسخة لغيرى ، لكن جرى القلم بذلك .
وقد سمعته يقول: لست راضياً عن شىء من تصانيفى لأنى عملتها فى ابتداء الأمر ثم لم
يتهيأ لى من يحررها معى، سوى شرح البخارى، والمشتبه(٢)، والتهذيب، ولسان الميزان.
بل كان يقول فيه(٣): لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أنقيد بالذهبى، وبجعلته كتابا
مبتكراً .
ثم قال: وأما سائر المجموعات فهى كثيرة العدد، واهية العُدد، ضعيفة القوى.
وقد تصفحت أنا هذه الورقات فوجدته يقول أحيانا عقيب الكتاب وموضوعه :
استوفيت تبييضه، أو قد بيّضْتُهُ، أو بيض اليسير من أوائله، أو مسوّدة.
ومن أهم مؤلفاته :
١ - فتح الباب ، لشرح البخارى .
٢ - تهذيب التهذيب .
٣ - لسان الميزان.
(١) الجواهر والدر .: ٢ - ١٥٠، وهو مخطوط بدار الكتب برقم ٤٧٦٨ تاريخ.
(٢) يقصد تبصير المنقبه بتحرير المشتبه، وهو هذا الكتاب الذى نقدمه .
(٣) أى فى لسان الميزان.
١٢

٤ - تعجيل المنفعة.
٥ تقريب التهذيب .
٦ - الإصابة في تمييز الصحابة.
٧ - الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة .
٨ - رفع الإصر.
٩ - نزهة الألباب فى الألقاب .
١٠ - تبصير المنقبه - وهو كتابنا هذا.
وغيرها كثير، ويمكن لمن يشاء أن يرجع إليها فى الجواهر والدرر السخاوى، ففيه الغنية
عن غيره .
هذا الكتاب
ألف الذهبى كتابة المشقبه(١) «فى معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب والكنى
والألقاب ، مما اتفق وضعا واختلف نطقا، ويأتى غالبه فى الأسانيد والمرويات ، اخترته وقربت
لفظه، وبالغت فى اختصاره بعد أن كنت علقتُ فى ذلك كلام الحافظ عبد الغنى بن سعيد
الأزدى فى المشتبه والمختلف، وكلام الأمير الحفظ أبى نصر بن ماكولا، وكلام الحافظ
أبى بكر بن نقطة، وكلام شيخنا أبى العلاء الفرضى وغيرهم، وأضفت إلى ذلك ما وقع لى
أو تنبهت له. والعمدة فى مختصرى هذا على ضبط القلم إلافيما يصعب ويشكل فيقيد ويشكل)).
ووجد ابنُ حجر أن هذا الكتاب فيه إعواز من ثلاثة أوجه(٣):
أحدهما، وهو أهمها - تحقيق ضبطه، لأنه أحال فى ذلك على الضبط بالقلم، فما شفى من ألم.
وثانيها : إجحافه فى الاختصار .
(١) من مقدمة المشتبه الذهبى ١، ٢ من مطبوعتنا.
(٢) مقدمة التبصير ٢،١ من هذه المطبوعة .
١٣

وثالثها مافاته من التراجم المستقلة التى لم يتضمنها كتابه مع كونها فى أصل ابن ماكولا وذيل
ابن نقطة للذين لخصها، وزادمن ذيل أبى العلاء الفرضى وغيره ما استدرك عليهما .
وأبان عمله فى الكتاب فقال(١):
((استخرت الله تعالى فى اختصار ما أسهب فيه وبسط ما أجحف فى اختصاره .... فكل
اسم شهير بدأت به ولا أحتاج إلى ضبطه، بل أضبط ما يشتبه به بالحروف .... وقد مِزْتُ
مازِدْتُه عليه بقولى فى أوله: قلت. وفى آخره: انتهى، إلا الضبط فإنه مدمج ... ولم أغير
ترتيبه إلا نادراً، وسميتُهُ ((تبصير المنتبه بتحرير المشتبه)).
وقد رتبه على حروف المعجم ، وانتهى بفصل فی ذ کر الكتب التى رجع إليها فى تصنيف
كتابه. وقال فى آخره: «ولا يستوحش الواقف عليه من استيعابى لكثير من أسماء الشعراء
والفرسان فى الجاهلية وما أشبه ذلك ممن ليست لهم رؤية ؛ فإن غالب من ذكرت يأتى ذكره
فى كتب المغازى والسير والأنساب والتواريخ والأخبار. والله الموفق)».
وقال السخاوى فى الجواهر والدرر(٢):
((تبصير المنتهه قصد به تحرير المشتبه الذهبى، فضبط الأسماء بالحروف، واستدرك ما فاته
مما اشتمل عليه أصوله كابن ماكولا وابن نقطة، وألحق كثيراً مع ذلك فجاء قدر حجمه مرة
ونصف مرة، وهو مجّد ◌ُبُيّض)).
وحين رغبت وزارة الثقافة فى إخراج الكتاب محققا ، وعهدت إلى بالعمل فيه بحثت
عن أصوله المخطوطة فوجدت منها :
١ - نسخة مصورة فى أربع مجلدات، عن أصل مخطوط محفوظ فى مكتبة فيض الله ،
باستامبول فى ٥٧٦ لوحة . وهى مقابلة ومعارضة .
(١) مقدمة التبصير ١، ٢ من هذه المطبوعة.
(٢) ورقة ١٠٦.
١٤

ولكنها تنقص قليلا من الأول، وأول ما فيها من الكلام على لفظه الأغْزى(١).
ومسطرتها ٢٣ سطرا ١٨ × ١٣ سم، وهى برقم ٣٣١ بدار الكتب. وقد رمزت إليها
بالحرف (ص).
٢ - نسخة مخطوطة بقلم معتاد بخط أبى نعيم رضوان بن محمد ، بلغت مقابلة ومعارضة فرغ
من كتابتها فى آخر يوم الخميس ١٥ من رجب سنة ٨٤٢ فى ٢٧٧ ورقة ومسطرتها بين ٢٣، ٢٥
سطرا، ٢٤ × ١٥، وهى برقم ٣ ش ورمزت إليها بالحرف (١).
٣ - نسخة فى مجلد بقلم معتاد بخطوط مختلفة ،ت كتابتها سنة ١٣١٤ هـ بأولها وقفية باسم
محمد محمود بن التلاميذ الشنقيطى مؤرخة فى سنة ١٣١٥ فى ٣٠٢ ورقة ومسطرتها بين ٢٣، ٢٥
سطرا ٣٠ × ٢٢,٥، برقم ٤ ش، وقد رمزت إليها بالحرف (ط).
ولما كان المؤلف قد نقل أكثر نصوص المشتبه، ثم زاد عليها بعد أن قال: قلت - كما
تقدم - كان لا بد من الرجوع إلى المشقبه ، وقد رجعت فى ذلك إلى مخطوطة المشتبه المحفوظة
بمكتبة الجامعة العربية ، وهى عن نسخة المؤلف؛ وعليها تعليقات بخط ابن ناصر الدين(٢).
وقدرمزت إلى نسخة المشتبه هذه بالحرف(م)، وإلى هوامش ابن ناصر الدين بالحرف (ه).
وفى أثناء عملى بالكتاب رأيت تاج العروس ينقل كثيراً من نصوص كتاب ((التبصير))
ويشير إليها بقوله: قال فى التبصير، أو كذا قال الحافظ ، فرأيت من الخير الرجوع إلى هذا
الكتاب، وأشرت إلى التاجٍ بالحرف (ت).
كاوجدت ابن حجر يشير فى كتابه دائما إلى ابن ماكولا . فيقول: كذا ذكر الأمير، أوابن
ماكولا، أو قال فى الإكال؛ فرجعت إلى نسخه خطية(٣) للإكال بدار الكتب فى كل ما أشار
إليه ، وأثبت ذلك فى هوامش الكتاب.
(١) ارجع إلى بدئها فى صفحة ٤٨ من هذه المطبوعة.
(٢) وقد طبعت بعد ذلك بتحقيقنا بدار إحياء الكتب العربية .
(٣) برقم ٨ مصطلح بدار الكتب .
١٥

هذا، ومحقق مثل هذا الكتاب يرجع حيثما الى المراجع اللغوية المعروفة، وإلى كتب
الأنساب والتراجم ، وهى كثيرة . وقد أشرت إلى بعضها فى تعليقاتى.
هذا هو الكتاب الذى نقدمه للقراء، ليسد فراغا فى المكتبة العربية، فى أربعة أجزاء،
سنذيلها بالفهارس المنوّعة التى تعين على الانتفاع به.
وفقنا الله جميعا إلى الصواب ، وسدد خطانا ، إنه ولى التوفيق ؟
مصر الجديدة فى شوال سنة ١٣٨٣ ( مارس سنة ١٩٦٤ )
على محمد البجاوى
١٦