النص المفهرس

صفحات 181-200

والكتاب المسند: هو المصنَّف الذي يروي فيه صاحبه أحاديث
بأسانيده الخاصة ويرفعها إلى النبي وهو ، مرتبة في الغالب على أسماء
الصحابة . وقد يطلق على غير ذلك .
ويقع ((المسند الكبير)) للإسماعيلي في نحو مائة مجلد (١)، يبدو أن
مصنفه جمع فيه أحاديث لجماعة من الصحابة، من بينهم عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، حيث جاء ذكره على لسان الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في
قوله: ((رأيت له - الإسماعيلي - مجلداً من مسند كبير إلى الغاية، في حساب
مائة مجلد، أو أكثر، فإن هذا المجلد فيه بعض مسند عمر، يدل على
إمامته)»(٢) .
وكذلك فقد نسب إلى الإِسماعيلي بعض المسانيد الأخرى (٣)، التي
يحتمل أن تكون من أجزاء هذا المسند.
٥ - مسند عمر:
كان هذا المسند من جملة المسانيد التي جمعها الإسماعيلي في
((المسند الكبير))، ثم هذبه في مجلدين، على حد تعبير الذهبي ، حيث طالعه
وعلَّق عليه(٤) .
وقد أفاد منه ابن حجر في خدمة الصحيح، فمن ذلك ما أورده عن عمر
في مبايعته لأبي بكر بالخلافة، وحضه الناس على ذلك(٥) .
(١) انظر: طبقات السبكي (٨/٣). وتاريخ الإِسلام للذهبي (٤/ ٢ ب).
(٢) تاريخ الإِسلام الذهبي ٤/ ٢ ب).
(٣) تقدم ذكر أسمائها. ص ١٦٦. وانظر أيضاً ص ١٨٢ - ١٨٤.
(٤) انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٨). والسير (٢٩٣/١٦). وتاريخ الإِسلام (٤/ ٢/ ب).
(٥) انظر: فتح الباري (١٢/ ١٣٥) في المحاربين، باب رجم الحبلى في الزنا.
١٨١
:

وقال في ((اللسان)): قال الإِسماعيلي في ((مسند عمر بن الخطاب)) : -
ورفع الإِسناد: ما بينَ قبري وأسطوانةِ التَّوْبةِ رَوضةٌ مِنْ رياضِ الجَنّةِ (١).
٦ - مسند علي :
نسبه ابن حجر للإسماعيلي، وأفاد منه في خدمة الصحیح، فمن ذلك
ما استشهد به على حديث: إن الله تعالى قال: مَنْ عَادَى لِيْ وَلِياً فَقَدْ آذَنْتُهُ
بالحَرْبِ .... ثم قال ابن حجر: وسند الإِسماعيلي ضعيف (٢).
ويبدو أن هذا المسند من جملة المسانيد التي جمعها المؤلف في
((المسند الكبير)).
٧ - مسند يحيى بن سعيد الأنصاري (٣):
أفاد منه ابن حجر، وقال: إنه من تأليف الإِسماعيلي (٤).
٨ - حديث يحيى بن أبي كثير(٥) :
جمع الإسماعيلي حديث هذا الحافظ الجليل (٦)، إلا أن المصادر لم
تذكر شيئاً عن طبيعة هذا الجمع .
٩ - الفرائد :
هذا الكتاب، ذكره ابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ)، ونسبه إلى
(١) لسان الميزان (٤ / ٦٤) ..
(٢) انظر: فتح الباري (٢٩٣/١١) في الرقاق، باب التواضع.
(٣) القاضي، مدني ثقة ثبت. مات سنة أربع وأربعين ومائة .
انظر: (طبقات ابن سعد، تابعي أهل المدينة) ترجمة ٢٤٤. والسير (٥/ ٤٦٨).
(٤) انظر: هدي الساري ٣٢٣.
(٥) الطائي: إمام حافظ، ثقة ثبت لكنه يدلس، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة .
انظر: (السير (٢٧/٦). وتقريب التهذيب ٣٧٨.
(٦) انظر: الترجمة ٣٠٣ من هذا المعجم. وفتح الباري (١/ ٣٥٠).
١٨٢

الإِسماعيلي(١). وكذا أثبته عمر رضا كحالة (٢).
والفرائد: جمع فريد، وفرد. والفرد: هو المنفرد المتوحد(٢).
والحديث الفرد في الاصطلاح: هو الذي انفرد به راوٍ واحد وإن
تعدَّدت الطرق إليه(٤) .
١٠ - العوالي :
هذا الكتاب؛ ذكره ابن تغري بردي، ونسبه إلى الإِسماعيلي (٥)، وكذا
أثبته عمر رضا كحالة(٦) .
والعوالي: جمع العالية، والعالية من كل شيء أرفعه. ويوصف بذلك
الإِسناد، فيقال: إسناد عالٍ. والعالي اسم فاعل من ((العلو)) وهو ضد النازل
أيضاً(٧) .
والإِسناد العالي في الاصطلاح: هو الذي قل عدد رجاله بالنسبة إلى
سند آخر، يرد به ذلك الحديث بعدد أكثر (٨) .
ويبدو أن الإِسماعيلي جمع في كتابه هذا أحاديث من هذا النوع ..
(١) انظر: النجوم الزاهرة (٤/ ١٤٠).
(٢) انظر: معجم المؤلفين (١٣٥/١).
(٣) انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٦٨٠) مادة: فرد.
(٤) وهو قسمان: مطلق، ونسبي .
(شرح نخبة الفكر ٤٨. وتدريب الراوي ١/ ٢٤٩).
(٥) انظر: النجوم الزاهرة (٤/ ١٤٠).
(٦) انظر: معجم المؤلفين (١٣٥/١).
(٧) انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٦٢٥).
(٨) وهو على خمسة أقسام. انظر: تدريب الراوي (٢/ ١٦٥).
وتيسير مصطلح الحديث للطحان ١٨١ - ١٨٣.
١٨٣

١١ - كتاب أحاديث الأعمش (١):
١٢ - حديث :
ومن آثاره في الحديث أيضاً: حديث مع أحاديث محدثين آخرين في
المكتبة الظاهرية(٢) .
١٣ - سؤالات السهمي للإسماعيلي :
وهي منثورة في كتاب ((سؤالات السهمي للدار قطني وغيره من المشايخ
في الجرح والتعديل)) (٣). على أن النصوص التي أفادها السهمي من
الإِسماعيلي تبلغ ثمانية وأربعين نصاً، منها نص واحد سقط منه كلام
الإِسماعيلي(٤). وآخر يتكلم فيه على كبر سن شيخه محمد بن الجهم
البري (٥). وبقية النصوص تتعلق بجرح الرواة وتعديلهم، منها سبعة وثلاثون
نصاً أوردها السهمي بصيغة ((سمعتُ)) (٦)، وثمانية نصوص بصيغة
((سألتُ)(٧)، ونص واحد بصيغة ((أخبرنا)) (٨)، وآخر لم يذكر صيغةَ أخذِه عن
الإِسماعيلي، بل ذكر ترجمته مباشرة (٩) .
(١) انظر: تدريب الراوي (٢/ ١٥٥). والرسالة المستطرفة للكتاني ١١٠.
(٢) مجموع ٣١ (من ق ١٨٣ / أ - ١٨٩/ ب) مكتوب في القرن السادس الهجري. قاله فؤاد
سزكين في تاريخ التراث (١/ ٣٢٩).
(٣) هذا الكتاب نشره موفق عبدالله بن عبد القادر.
(٤) سؤالات السهمي، ترجمة ٩٧. وترجمته في هذا المعجم تحت رقم ١٢٤ .
(٥) سؤالات السهمي، ترجمة ٨٨. وترجمته في هذا المعجم تحت رقم ٩٠.
(٦) سؤالات السهمي، ترجمة ١٣، ٤٣، ٤٨، ٦٤، ٦٥، ٦٦، ٧١، ٧٢، ٩٨ مكرر ٣٩٧.
وترجمة ٩٩، ١٠٠، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٩، ٢٠١٦١ ، ٢١٦ - ٢٧٨،
٣٠١، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٠، ٣٥١، ٣٥٥، ٣٧٥، ٣٧٦، ٣٧٨، ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٦،
٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠.
(٧) سؤالات السهمي ترجمة ٨ - ٩٦.
(٨) سؤالات السهمي ترجمة ٢٨٩ .
(٩) سؤالات السهمي، ترجمة ١٤١ .
١٨٤

١٤ - معجم الصحابة :
ذكره ابن حجر واقتبس منه في كتابه ((الإِصابة)) (١).
١٥ - سؤالات البَرْقَانيّ للإسماعيلي :
ومن آثاره في نقد الرمال، تلك النصوص المتناثرة، التي اقتبسها
الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) - في ((تاريخ بغداد)) - من الإسماعيلي
بواسطة أبي بكر البِرْقاني، وعددها ثلاثة عشر نصاً تتعلق بأحوال الرجال،
وجرحهم وتعديلهم، خمسة نصوص ذكرها البَرْقاني بلفظ ((وصفه لنا))(٢)،
و ((أخبرنا))(٣)، و((حدثنا))(٤). وهذه النصوص موجودة في هذا
((المعجم)) (٥)، إلا أنه لم يصرح بذلك. وبقية النصوص، ذكرها البَرْقاني
بلفظ ((سألت))(٦)، و((قرأت))(٧)، و((كلمت)) (٨)، و ((قرأنا))(٩)، و((قال
لنا))(١٠)، و((أثنى))(١١)، و((حدثني)) (١٢). مما يدل على أن البَرْقاني أخذ هذه
النصوص عن شيخه الإسماعيلي مشافهة (١٣).
(١) قاله فضيلة الدكتور أكرم العمري في موارد الخطيب ٤٤٣. وذكر أن ابن حجر سماه ((كتاب
الصحابة)) (٤٦٣/١، ٢٥٨/٢). وسماه ((معجم الصحابة)) (٣٦٥/٢، ٤١٥، ٣/ ١٩٨،
٤٩٧) .
(٢) انظر: تاريخ بغداد (١/ ٣١٦).
(٣) المرجع السابق (٤/ ٢٢١، ١٠٤/١٠، ١٠٦).
(٤) السابق (٤ / ٢٤٦).
(٥) انظر التراجم التالية: ١٣٠، ٢٦، ٢٩٢، ٣٠٦، ٥٨.
(٦) انظر: تاريخ بغداد (٣/ ٢١٣).
(٧) المرجع السابق (٦/ ٢٧٠).
(٨) المرجع السابق (٧/ ٣٣٥).
(٩) المرجع السابق (٩/ ٧).
(١٠) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٢٣٠ - ٢٣١).
(١١) المرجع السابق (٩/ ٤٠٨).
(١٢) المرجع السابق (٢١٥/١١).
(١٣) المرجع: موارد الخطيب للدكتور أكرم العمري ٣٧١.
١٨٥

١٦ - رسالة في العقيدة :
كان قد أرسلها إلى أهل جيلان :
وقفتُ على نص هذه الرسالة عند شيخ الإِسلام ابن تيمية
(ت ٧٢٨ هـ)، فيما نقله عن شيخ الإسلام أبي عثمان النيسابوري الصابوني
(ت ٤٤٩ هـ) ما نصه: (قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جَيْلان،
أن الله ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي صلّ، وقد قال الله
عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيهُمُ الله في ظُلَلٍ مِنَ الغمامِ﴾(١) وقال:
﴿وجاء ربك وَالَلَكُ صَفاً صَفاً﴾(٢)، نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء
سبحانه أنه يبين كيف ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي
يتشابه، إذ كنا قد أُمرنا به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْه آياتٌ
مُحْكَمَاتٌ مُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ،
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ الله،
والرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمنًّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ﴾ (٣)) (٤).
١٧ - كتاب في الفقه :
قال الخليلي (ت ٤٤٦ هـ): ((كثير كان يعرف هذا الشأن - الحديث -
وله تصانيف كثيرة فيه، ومن الفقه كبير)) (٥).
وقال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ): ((ذو التصانيف الكبار في الحديث، وفي
الفقه)) (٦).
(١) الآية ٢١٠ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٢٢ من سورة الفجر.
(٣) الآية ٧ من سورة آل عمران .
(٤) شرح حديث النزول لابن تيمية ٥١ - ٥٢.
(٥) الإِرشاد للخليلي، ترجمة الإسماعيلي.
(٦) العبر للذهبي (٣٥٨/٢). وكذا في شذرات الذهب (٣/ ٧٥).
١٨٦

وقال أيضاً: ((صنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث))(١)
مما يدل على أن للإسماعيلي أكثر من كتاب في الفقه .
عقيدته :
لما كان الإسماعيلي من مشاهير علماء الحديث، وحفاظهم، فإنه من
الطبيعي أن يعتنق مذهب أهل الحديث في الاعتقاد، وهذا يتضح من صريح
أقواله، التي تداولها وتَبَّنَّاها كثير من أئمة هذا الشأن ، أمثال الحافظ السهمي
(ت ٤٢٧ هـ)، فيما نقله عنه الإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ). وأمثال شيخ
الإِسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)(٢) .
قال الذهبي، فيما أسنده إلى الحافظ السهمي قوله: ((أخبرنا
الإِسماعيلي، قال: اعلموا رحمكم الله، أن مذهب أهل الحديث، الإِقرار
بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله، وما صحت به
الرواية عن رسول الله وَله، لا معدل عن ذلك. ويعتقدون أنَّ الله مدعو
بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه .
خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان، بلا اعتقاد كيف، واستوى على العرش بلا
كيف))(٣). وزاد الذهبي في ((الأربعين)) نقلاً عن الإسماعيلي: ((فإنه انتهى إلينا
أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه. والإسماعيلي من كبار
الأئمة، جمع بين الفقه والحديث)) (٤). وقال الذهبي في روايته عن
السهمي : ثم ذكر سائر الاعتقاد .
ومن سائر اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم يثبتون الله وجهاً،
(١) السير (١٦/ ٢٩٣).
(٢) سيأتي كلام ابن تيمية، ونقوله عن الإسماعيلي.
(٣) تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٩). والسير (٢٩٥/١٦).
(٤) الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي. (١٥/ أ). وهذا الكتاب قام الأخ عبد القادر محمد عطا
صوفي بتحقيقه ونشره.
١٨٧

وعينين، والسمع، والفرح، والضحك، والعجب، والنزول، والمجيء،
ويقولون أيضاً: إنَّ كلام الله غير مخلوق، وكذلك القرآن، وإنَّ اللّه في
السماء، وإنَّ عرشه كان فوق الماء. إلى غير ذلك مما ثبت في الكتاب
والسنّة، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ، بل مؤمنون
بأن الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهوَ السَّمِيعُ البَصِيْرِ﴾(١)، هذا بعض ما
ذكره الأئمة من أهل السنّة ، في مجمل اعتقاد سلف هذه الأمة، كأبي الحسن
الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) - في قوله الأخير(٢) -، واللالكائي
(ت ٤١٨ هـ)(٢)، وابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) (٤) وغيرهم.
وقد نقل ذلك عن الإسماعيلي في مسائل شتى، منها :
١ - ما قرأه أبو عثمان النيسابوري الصابوني (ت ٤٤٩ هـ) ((في رسالة
أبي بكر الإِسماعيلي إلى أهل جيلان: ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، على
ما صح به الخبر عن النبي صل﴿، وقد قال الله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أن
يَأْتِيهُمُ الله في ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾(٥) وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً
صَفاً﴾ (٦): نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين
كيف ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه، إذ كنا قد
أمرنا به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
(١) الآية ١١ من سورة الشورى.
(٢) له قولان في الصفات: أحدهما التأويل، وثانيهما - وهو المتأخر - عدم التأويل والتعطيل.
وفيه ألف كتابه ((الإِبانة)) وعليه يعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه .
انظر: (الإبانة عن أصول الديانة. وفتاوى ابن تيمية (٩٣/٥).
(٣) انظر: كتابه شرح اعتقاد أهل السنّة والجماعة .
(٤) انظر: كتابة الفتاوى الجزء الخامس، حيث خصص للأسماء والصفات. وشرح العقيدة
الواسطية .
(٥) الآية ٢١٠ من سورة البقرة .
(٦) الآية ٢٢ من سورة الفجر.
١٨٨

الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهِاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمِ زَيْغٌ، فَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاءَ الْفِتْتَةِ وَأَبِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إلاَّ الله والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌ مِّنْ عِنْدٍ رَبِّنَا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾(١))(٢).
وكذلك وردت الأحاديث الصحيحة بنزوله عز وجل إلى السماء الدنيا
كل ليلة، وقد أخرج ذلك اللالكائي بأسانيده إلى عشرين نفساً من
الصحابة (٣)، فيها الصحيح وفيها الحسن، وفيها الضعيف (٤).
وهذا هو مذهب أهل السّنّة والجماعة في إثبات النزول لله عز وجل
إلى السماء الدنيا، من غير تكييف ولا تمثيل (٥).
٢ - ما نقل ابن حجر عن الإسماعيلي فيما يتعلق بالتفريق بين الإِيمان
والإِسلام، في قوله: ((وقد حكى ذلك الإسماعيلي، عن أهل السّنّة
والجماعة، قالوا: إنّهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أُفرد أحدهما دخل
الآخر فیه)) (٦) .
هذه المسألة من المسائل الخلافية ، بين علماء هذه الأمة : -
فمنهم من ذهب إلى أن الإِيمان غير الإِسلام، كقتادة، والزهري،
وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، والإِمام أحمد، واللالكائي وابن
تيمية .
(١) الآية ٧ من سورة آل عمران .
(٢) شرح حديث النزول لابن تيمية ٥١ - ٥٢. حيث عزاها إلى أبي عثمان الصابوني.
(٣) انظر: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/ ٤٣٤ - ٤٥٣).
(٤) من هذه الأحاديث ما هو في الصحيحين، ومنها ما حكم على أسانيدها محقق المصدر
السابق .
(٥) انظر: الإبانة للأشعري ٨٨ - ٨٩. والمصدرين السابقين، وفتاوى ابن تيمية كتاب الأسماء
والصفات (٥١/٥).
(٦) انظر: فتح الباري (١٠٥/١) في الإِيمان. باب سؤال جبريل ...
١٨٩

دليلهم في ذلك، قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنًّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوْا
وَلَكِنْ قُوْلُوا أَسْلَمْنَا﴾(١). وقوله مَّل في حديث جبريل عليه السلام، لما سأله
عن الإِسلام، فقال: الإِسلامُ أنْ تشهدَ أنْ لاَ إلَهَ إلَّ الله، وأنَّ محمداً رسولُ
الله، وتُقيمَ الصلاةَ، وتؤتي الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيتَ إنِ
استطعتَ إليهِ سبيلاً.
قال: فأخبرني عَنِ الإِيمان، قالَ: أَنْ تؤمن بالله، وملائكتهِ، وكتبهِ ،
ورسلهِ، واليوم الآخرِ، وتؤمن بالقدرِ خيرهٍ وشرِه (٢). وغيرها من الأدلة.
ومنهم من جعلهما مترادفين، أي أنهما اسمان لمعنى واحد،
كالبخاري، والمزني، ومحمد بن نصر المروزي، وابن منده.
دليلهم في ذلك، قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَا
وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ﴾ (٣). وقوله ◌َّه، عندما قال له سفيان بن
عبدالله الثقفي: يا رسول الله قل لي في الإِسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً
بعدَكَ. قال: قُلْ آمنتُ بالله ثُمَ استَقِمْ(٤).
والذي يظهر من مجموع الأدلة، أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن
لكل منهما حقيقة لغوية .
فالإِسلام في اللغة: الاستسلام والانقياد (٥). ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ
أُسْلَمَ مَن في السَّمواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ (٦).
(١) الآية ١٤ من سورة الحجرات .
(٢) هذا مختصر من حديث عمر الذي أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٣٦) كتاب الإِيمان، حديث
٨.
(٣) الآية ٣٥، ٣٦ من سورة الذاريات .
(٤) أخرجه مسلم (٦٥/١) في الإيمان، حديث ٣٨. وفيه ((فاستقم)) بدل ((ثم استقم)). وابن
منده في الإِيمان (١/ ٣٢٣).
(٥) انظر: تهذيب اللغة (١٢ / ٤٥١). والمعجم الوسيط (١ / ٤٤٦) مادة: سلم.
(٦) الآية ٨٣ من سورة آل عمران .
١٩٠

والإيمان في اللغة: هو التصديق (١). ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ
بِمُؤْمِنٍ لَّنَأْ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾(٢) .
وأما حقيقتهما الشرعية ، فقد قام كل منهما على أركان خاصة به، حیث
خُصَّ الإِسلام بالأعمال الظاهرة، بينما خُصَّ الإِيمان بالأعمال الباطنة - كما
في حديث جبريل -، وبذلك ينجلي معنى قول الإسماعيلي: ((إنهما تختلف
دلالتهما بالاقتران)). أي أنَّهما إذا احتمعا ينصرف كل منهما إلى معنى مستقل
به .
أما قوله: ((فإن أُفرد أحدهما دخل الآخر فيه))، فهذا من حيث التلازم
الموجود بينهما في الحكم الشرعي، إذ لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام
لمن لا إيمان له، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ
مِنْه﴾ (٢)، فمن مقتضى قبول الإِسلام أن يكون ملازماً للإيمان، وإلا فلا.
وخلاصة القول: أنهما معنيان متباينان إذا اجتمعا، ولكن إذا افترقا لزم
أحدهما الآخر، إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو
المسلم من إيمان به يصح إسلامه. والله أعلم (٤).
٣ - ما نقل ابن حجر أيضاً، عند قول البخاري: (باب قول
النبي وَلَّ: لا شخصَ أغْيَرُ مِنَ الله). حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي،
حدثنا أبو عوانة - الوضَّاح البصري -، حدثنا عبد الملك - بن عمير -، عن
(١) انظر: المعجم الوسيط (١/ ٢٨) مادة: أمن .
(٢) الآية ١٧ من سورة يوسف .
(٣) الآية ٨٥ من سورة آل عمران .
(٤) هذه المسألة مبسوطة في الكتب التالية لمن أراد التوسع والاستزادة - شرح العقيدة الطحاوية
(٢/ ٨٢ - ٨٨). والإِيمان لابن منده (٣١١/١ - ٣٢٤). وشرح اعتقاد أهل السنّة للالكائي
(٤/ ٨١٢ - ٨١٥). وكتاب الإيمان لابن تيمية ٢٣٧ - ٢٤٣، ٢٥٥ - ٢٥٩، ٣٠٦ - ٣٢٧.
وفتاوى ابن تيمية (٧/ ٣٥٨ - ٣٧٩). وفتح الباري (١/ ١١٥ ط: السلفية) في الإيمان .
١٩١

رَوَّاد كاتب المغيرة - بن شعبة -، عن المغيرة، قال: قال سعد بن عُبادة: لو
رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف، غير مصفح، فبلغ ذلك رسول
الله بَّهُ، فقال: تعجبون من غيرةٍ سعد، والله لأنا أَغْيَرُ منه، والله أَغْيَرُ
مِنِّي .... الحديث. وقال عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك، لا شخصَ
أَغْيَرُ مِنَ الله (١).
قال ابن حجر: أخرجه الإسماعيلي من ثلاث طرق، عن أبي عَوانة
بالسند الذي أخرجه البخاري، لكن قال في المواضع الثلاثة ((لا شخص))
بدل ((لا أحد)). ثم ساقه من طريق زائدة بن قدامة، عن عبد الملك
كذلك (٢).
وقد أخرجه مسلم عن القواريري، وأبي كامل كذلك، ومن طريق
زائدة أيضاً(٣) .
وقال ابن بَطَّال: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف
بأنه شخص، لأن التوقيف لم يرد به، وقد منعت المجسِّمة مع قولهم بأنه
جسم لا كالأجسام - قال ابن حجر-، كذا قال، والمنقول عنهم خلاف ما
قال (٤) .
وقال الإِسماعيلي: ليس في قوله: ((لا شخصَ أَغْيَرُ من الله))، إثبات
أنَّ الله شخص، بل هو كما جاء: ما خلق الله أعظم من آية الكرسي، فإنه
ليس فيه إثبات أن آية الكرسي مخلوقة، بل المراد أنها أعظم من
المخلوقات. وهو كما يقول من يصف امرأة كاملة الفضل، حسنة الخلق : ما
في الناس رجل يشبهها، يريد تفضيلها على الرجال، لا أنها رجل (٥).
(١) انظر: فتح الباري (١٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
(٢) المصدر السابق (١٣/ ٣٣٨).
(٣) انظر: فتح الباري (٣٣٨/١٣ - ٣٣٩).
١٩٢

وقال ابن فورك: هذا من باب المستثنى من غير جنسه، كقوله تعالى :
﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَِّعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ (١) وليس الظن من نوع العلم.
قال ابن حجر: وهذا هو المعتمد، والتقدير أن الأشخاص الموصوفة بالغيرة
لا تبلغ غيرتها وإن تناهت غيرة الله تعالى وإن لم يكن شخصاً بوجه (٢).
لعلهم أرادوا بهذه الأقوال نفي التشبيه، والتكييف،
والتجسيم، .... وغير ذلك مما هو مجمع عليه من مذهب أهل الحديث في
صفات ربِّ العالمين، وهذا الذي ينطبق عليه إجماع هذه الأمة .
وإلا فنفي لفظ ((الشخص)) عن الله عز وجل غير صحيح لأمرين:
أولهما: ما ورد في الأحاديث الثابتة بصريح هذا اللفظ، عند مسلم (٣)
والإِسماعيلي (٤)، والهروي (٥)، وغيرهم.
وفي ذلك رد على من أنكر ورود التوقيف بذلك .
وقد يُستأنس بالباب الذي عقده البخاري بلفظ: ((لا شخص أَغْير من
الله))، كذلك.
ثانيهما: ما جاء في المعنى اللغوي للفظ ((شخص)). يقال: شَخّص
شخوصاً، إذا ارتفعَ وظهرَ (٦)، وهذا لا يكون إلا في الذوات الحقيقية، وإذا
◌ُفي ذلك عن شيء، إنّما يُنفى عن الوهم، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
والصواب أن نثبت له ما أثبته لنفسه، وما أثبته له نبيه پے دون تمثیل،
(١) الآية ٢٨ من سورة النجم.
(٢) انظر: فتح الباري (١٣/ ٣٣٩).
(٣) أخرجه مسلم في اللعان (٢/ ١١٣٦) حديث ١٤٩٩.
(٤) انظر: فتح الباري (٣٣٨/١٣). وقد تقدّم آنفاً.
(٥) أخرجه أبو إسماعيل الهروي في كتاب الأربعين في دلائل التوحيد ٥١.
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٥١).
١٩٣

ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تجسيم، ... ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
البَصِيرُ﴾ (١).
وعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: ((لا شخص)) من جنسه، لا من
جنس غيره، والله أعلم .
وجنوح الإِسماعيلي في هذا الوصف أو الإِطلاق، لا يعني أنه من أهل
التأويل، بل هو من أهل الإِثبات - بالجملة - كما تدلّ رسالته إلى أهل
جَيْلان، وبقية أقواله في التزام مذهب أهل الحديث .
ولذلك لا يمكن التسليم بكلام السبكي، في ترجمة ابن الإسماعيلي
أبي نصر الإسماعيلي، حيث قال: ((ذكره ابن عساكر في كتاب التبيين، لكونه
هو وأهل بيته من أجلاء الأشعرية . وقول شيخنا الذهبي في ترجمة المذكور:
وزعم ابن عساكر أنه كان أشعرياً، لا يتوهم منه أن الأمر عنده بخلاف ذلك.
فإنَّ أشعرية هذا الرجل، وأهل بيته، أوضح من أن تخفى، ولكن شيخنا على
عادته في الإِيهام، غضّاً من الأشاعرة، سامحه الله))(٢).
ومن الواضح أن الحافظ الذهبي ينكر أن يكون ابن الإسماعيلي أشعرياً
لما عرف عنه وعن أبيه من التزام مذهب المحدثين.
ولكن ماذا أراد السبكي بعبارة ((أهل بيته))؟ الغالب أنه أراد أولاده
وليس تعديه الأمر إلى أبيه الذي اتضحت عقيدته بما لا يقبل الخلاف، رغم
أن ابن عساكر ذكره في ((التبيين)) على عادة أصحاب المذاهب، في تنازع
أهل العلم بينهم. لا سيما وأن الإسماعيلي على مذهب الإمام الشافعي في
الفروع، وله اختيارات فيه، وهذا يُقَرِّبه إلى ابن عساكر، والسبكي، إذ
كلاهما شافعي .
(١) الآية ١١ من سورة الشورى.
(٢) انظر: طبقات السبكي (٤/ ٩٢ - ٩٣).
١٩٤

مذهب الإسماعيلي الفقهي :
تفقه الإِسماعيلي على أبي عمران إبراهيم بن هانىء المُهَلَّبي
(ت ٣٠١ هـ) وأخذ عنه مذهب الشافعي، منذ باكورة طلبه للعلم، حيث
يقول إبراهيم بن موسى السهمي: كنا جماعة صبيان نختلف من بكر أباذ إلى
إبراهيم بن هانىء نتفقه ونتعلم مذهب الشافعي - رضي الله عنه - فكان منا من
يسبق أبا بكر الإسماعيلي لكي يتأخر فيما يقرأ، فأبى الله العليّ إلّ رفعه،
ونفعه بما تعلم (١). حتى صار من مشاهير فقهاء الشافعية في ذلك العصر، كما
صارت له وجوه في المذهب مذكورة ومسطورة (٢).
ولعل من تلك الأقوال :
١ - ما ذكره ابن حجر، عند قول البخاري: باب قول النبي وقال :
((يُعذبُ الميتُ ببعض بكاءِ أهلهِ عليهِ، إذا كان النوحُ من سنتهٍ)). لقوله
تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾(٢). وقال النبي ◌َّ: ((كُلكم رَاعٍ
ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) ... إلى أن قال: وقال النبي ◌َّمَ: ((لا تُقتلُ نفسٌ ظلماً
إلاَّ كان على ابنِ آدم الأولِ كِفْلٌ مِنْ دَمِها وذلك لأنَّه أولُ مَنْ سَنَّ القتلَ)) (٤).
قال ابن حجر: وقد اختلف العلماء في مسألة تعذيب الميت بالبكاء
عليه. ثم ساق أكثر من ثمانية أقوال للعلماء في ذلك، وبعدها قال: ((وقال
الإسماعيلي: كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال: كل مجتهد على
حسب ما قُدر له ومن أحسن ما حضرني، وجه لم أرهم ذكروه وهو أنهم كانوا
في الجاهلية، يُغيرون، ويَسْبُون، ويَقتلون، وكان أحدهم إذا مات بَكَتْه
باكِيَتُهُ بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر: أنَّ الميت يُعذب بذلك الذي
(١) تقدم ذكر ذلك في نشأة المؤلف .
(٢) انظر: الأنساب للسمعاني ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٣) الآية ٦ من سورة التحريم .
(٤) فتح الباري ٣/ ١٢٠ - ١٢١، كتاب الجنائز.
١٩٥

يبكي عليه أهله به؛ لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله وكانت محاسن أفعالهم
ما ذُكر وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق العذاب عليها))(١) .
هذا القول، وجه من الوجوه التي يمكن إدخالها في الجمع بين آراء
الفقهاء في هذه المسألة (٢).
٢ - ما ذكره ابن حجر، عند قول البخاري: (باب إذا اشترط البائع
ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز،. حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا زكريا، قال
سمعت عامراً يقول: حدثني جابر. أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر
النبي ◌َلآ ، فضربه، فدعا له، فسار سيراً ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه
بأوقية، قلت: لا. ثم قال: بعنيه بأوقية، فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي،
فلما قدمنا أتيته بالجمل، ونقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على إثري،
قال: ما كنت لآخذَ جملَك ذلك، فهو مالُك(٣).
قال ابن حجر: وأخرجه أبو نُعيم في المستخرج من طريق أبي نُعَيم
شيخ البخاري فيه بلفظ: أتراني إنَّما ماكَسْتُكَ لآخذ جملكَ خذ جملك
ودراهِمَك هُما لَكَ. وكذا أخرجه مسلم وأحمد من طريق زكريا به، لكن قال
مسلم في آخره: فهو لك. ووقع عند أحمد بلفظ: قال: أَظننتَ حينَ ماكستُكَ
أَذهبُ بجملِك، خُذْ جَمَلَك وثمنَه فَهُمَا لَكَ(٤) .
وقال البخاري، بعد أن ذكر الحديث السابق : وقال شعبة، عن مغيرة
عن عامر، عن جابر: أفقَرني رسول الله وَّر ظهره إلى المدينة. وقال
إسحاق، عن جرير، عن مغيرة، فبعته على أنَّ لي فَقارَ ظهره حتى أبلغَ
المدينة. وقال عطاء وغيره: ولكَ ظهرُه إلى المدينةِ. وقال محمد بن
(١) فتح الباري ٣/ ١٢٣. في الجنائز.
(٢) لاحظ ما ذكره ابن حجر في فتح الباري ٣/ ١٢١ - ١٢٤.
(٣) انظر: فتح الباري ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٢.
(٤) المصدر السابق ٥/ ٢٣٢ .
١٩٦

المنكدر، عن جابر: شرطَ ظهَرَه إلى المدينةِ. وقال زيد بن أسلم، عن جابر
ولكَ ظهرُهُ حتى ترجعَ .
وقال أبو الزبير، عن جابر: أفقرناكَ ظهرَه إلى المدينةِ. وقال
الأعمش، عن سالم، عن جابر: تبلغ به إلى أهلِك(١).
قال أبو عبدالله - البخاري -: الاشتراط أكثر وأصحُّ عندي(٢) .
وقد فصَّل ابن حجر(٣) في وصل هذه المعلقات، وعزاها إلى من
وصلها ثم بين أنَّ المراد بقول المصنف ((الاشتراط أكثر وأصح عندي)) أي
أكثر طرقاً وأصح مخرجاً، وأشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا عن جابر في
هذه الواقعة، هل وقع الشرط في العقد عند البيع أو كان ركوبه للجمل بعد
بيعه إباحةً من النبي ◌َّ بعد شرائه على طريق العارية .
قال ابن حجر: وما جنح إليه البخاري من ترجيح رواية الاشتراط هو
الجاري على طريقة المحققين من أهل الحديث ، من حيث الحفظ والاتقان ،
وكثرة العدد .
وقد جنح الطحاوي إلى تصحيح الاشتراط، لكن تأوله بأنَّ البيع
المذكور لم يكن على الحقيقة، لقوله في آخره: أتراني ماكستك، إلخ.
ورده القرطبي بأنَّه دعوى مجردة، وتحريف لا تأويل، واستدل بصدر
الحديث بما فيه من المساومة وتعيين المبلغ .
وأغرب ابن حزم فزعم أنه يؤخذ من الحديث أن البيع لم يتم، لأن
البائع بعد عقد البيع خُير قبل التفرق، فلما قال في آخره: أتراني ماكستك،
دلَّ على أنه كان اختار وترك الأخذ، وإنما اشترط لجابر ركوب جمل نفسه
(١) المصدر السابق ٥/ ٢٣٢.
(٢) المصدر السابق ٥/ ٢٣٣ .
(٣) فتح الباري ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٤.
١٩٧

فليس فيه حجة لمن أجاز الشرط في البيع . ولا يخفى ما في هذا التأويل من
التكلف .
وقال الإِسماعيلي: قوله: ((ولك ظهره)) وَعْدٌ قام مقام الشرط، لأن
وعده لا خلف فيه، وهبته لا رجوع فيها، لتنزيه الله تعالى له عن دناءة
الأخلاق فلذلك ساغ لبعض الرواة أن يعبر عنه بالشرط، ولا يلزم أن يجوز
ذلك في حق غيره. وحاصله: أن الشرط لم يقع في نفس العقد، وإنما وقع
سابقاً، أو لاحقاً فتبرع بمنفعته أولاً كما تبرع برقبته آخراً.
ثم ساق ابن حجر أقوالاً أخرى، وخلص إلى قوله أخيراً: وأقوى هذه
الوجوه في نظري، ما تقدم نقله عن الإِسماعيلي، من أنه وَعْدُ حلَّ محلّ
الشرط(١).
وأمثلة ذلك من أقوال الإسماعيلي الفقهية كثيرة في ((فتح الباري))(٢)
مما يدل على سعة اطّلاعه، وتمكنه في هذا المجال .
ولعل وجود عدد من مشاهير فقهاء عصره، في قائمة شيوخه، يوضح
مدى اتساع مشربه الفقهي، ومن أمثال هؤلاء الشيوخ: محمد بن عَلُّوية
الفقيه الجرجاني (ت ٣٠٠ هـ)، وأحمد بن إسماعيل الصواف الفرائضي
الجرجاني (ت ٣١١ هـ)، ومحمد بن يوسف الهروي، غندر
(ت ٣٣٠ هـ) (٣) .
(١) فتح الباري ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٤.
(٢) انظر مثلاً: فتح الباري ١/ ١٩٧، ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٤٤، ٣١٩/٢، ٦٩/٣، ١٢٣، ٢٤٧،
٤/ ٢٣٩، ٢٩٦، ٣١٣، ١٧٤/٥، ١٨٧ - ١٨٨، ٢٠٧، ٦ / ١٧٦، ٩ / ٦١ - ٦٣، ٥٣٩ -
٥٤٠. وغير ذلك من المواضع .
(٣) لاحظ علاقة المؤلف بشيوخه، كما سيأتي في دراسة الكتاب من هذه المقدمة .
١٩٨

وقد أجمع المصنفون - في تواريخهم العامة (١)، والخاصة(٢). وفي
طبقات الفقهاء (٣)، والرجال(٤) - الذين ذكروا الإسماعيلي في مصنفاتهم،
على أنه من فقهاء الشافعية المعدودين .
ذكر أسماء رواة أفاد منهم الإِسماعيلي، ولم يرد ذكرهم في
((المعجم)):
لقد كفانا الإسماعيلي مؤونة البحث والتنقيب عن أسماء شيوخه،
الذين حصرهم في هذا ((المعجم)) (٥)، فبلغ عددهم سبعة وأربعمائة
شيخ (٦)، كان قد أفاد منهم الحديث، والفقه، وغير ذلك.
ولكن من يتصفح بعض الكتب المعنية بهذا الشأن، مثل ((تاريخ
جرجان)) للسهمي، و ((تاريخ بغداد)) للخطيب، وغيرها من الكتب (٢). يجد
فيها ثمَّة أسماء قد ذُكرت في عداد من أفاد منهم الإِمام أبو بكر الإسماعيلي.
وهذه الأسماء على ضربين :
الأول منهما: يعتبر من شيوخ المؤلف، كما صرح بذلك بعض
المصنفين في بعض هذه الأسماء. فعلى هذا يكون إغفال المؤلف لهم، إما
من قبيل النسيان وإما أن يكون قد تعمد ذلك لأمر ما، والله أعلم.
(١) انظر مثلاً: الكامل في التاريخ ٩/ ١٦. ودول الإِسلام للذهبي ٢٢٩. وشذرات الذهب
٣/ ٧٥.
(٢) انظر: تاريخ جرجان ٨٦، ١١٠ - ١١٧.
(٣) انظر: طبقات الفقهاء الشافعية ٨٦. وطبقات الفقهاء للشيرازي ١١٦. وطبقات الشافعية
للسبكي ٣/ ٧. وطبقات الشافعية للأسنوي ١/ ٥٠.
(٤) انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٧. والسير ١٦/ ٢٩٢، وطبقات الحفاظ للسيوطي ٣٨١.
(٥) لاحظ مقدمة المؤلف لهذا الكتاب .
(٦) مجمل تراجم الشيوخ (٤١٠) شيخ، المكرر منها ثلاث تراجم .
(٧) انظر المصادر التي سيأتي ذكرها أثناء الكلام على تلاميذ المؤلف .
١٩٩

وأما الضرب الثاني: فإنه يعتبر من طبقة المؤلف وليس من شيوخه بل
من أقرانه، لذلك لم يذكرهم في معجمه الذي خصّه لحصر شيوخه.
وفيما يلي ترتيب أسمائهم على حروف الهجاء، استكمالاً للفائدة:
((الآبندوني: عبدالله بن إبراهيم بن يوسف)).
١ - إبراهيم بن خالد الشافعي (ت ٣٠١ هـ)، قال ابن الجوزي: من
تلامذته أبو بكر الإسماعيلي (١) .
٢ - أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد النيسابوري الشافعي أبو بكر
الصبغي أحد الأئمة الجامعين بين الفقه والحديث (٢٥٨ - ٣٤٢ هـ)(٣).
٣ - أحمد بن سهيل بن علي بن مهران الباهلي المكتِّب (٣).
٤ - أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المؤمن الجرجاني (٤).
٥ - أبو بكر بن عمير (٥).
٦ - جعفر بن محمد بن موسى النيسابوري الأعرج، الملقب
بجعفرك. الإمام الحافظ الثقة، نزيل حلب (ت بعد ٣١٠ هـ) (٦).
٧ - الحسين بن أحمد بن عبدالله بن وهب بن علي المالكي، ويعرف
بالأسدي (٧).
- الصبغي : أحمد بن إسحاق .
(١) المنتظم ٦/ ١٢٣.
(٢) السير ١٥/ ٤٨٤. وطبقات السبكي ٣/ ٩ - ١٢.
(٣) تاريخ جرجان ٩٣.
(٤) تاريخ جرجان ٥٤.
(٥) تاريخ جرجان ٢٣١، ٢٣٢، وتاريخ بغداد ٤٣٥/١٢.
(٦) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٥١ والسير ١٤/ ٢٦٥.
(٧) تاريخ بغداد ٨/ ٤.
٢٠٠