النص المفهرس
صفحات 141-160
وكذلك فإن باقي شيوخه المذكورين في هذا ((المعجم)) قد أغفل
الإِسماعيلي مكان وتأريخ لقائه بهم أيضاً (١).
هذا وقد يكون من المناسب إرجاء هذا الإحصاء - الذي تناول شيوخ
المؤلف، والأماكن التي زارها - إلى دراسة هذا ((المعجم)) وتحليله، ولكن
طالما تعلقت هذه المعلومات بشيوخ المؤلف ومكان لقائه بهم وإفادته منهم ،
فإنه من الأولى ذكرها في هذا المقام، للوقوف على عدد شيوخه الذين التقى
بهم في كل مكان من الأماكن التي زارها وسمع بها من هؤلاء الشيوخ. مما
جعل هذا الإِحصاء للرحلات والشيوخ يصور أهم جوانب حياته الثقافية،
ومدى إفادته وتأثره بالمراكز الفكرية التي دخلها، بالإِضافة إلى أنه يكشف
عن مدى تأثير المؤلف في تلك المراكز، ومدى مشاركته في تنشيط حركتها
الفكرية، فإن نظرة إلى نِسَب تلاميذه إلى مدنهم المذكورة في قائمة هؤلاء
التلاميذ، توضح ذلك وتكشف عن عدد من تخرج على يديه من أبنائها، أو
الواردين عليها .
ثقافته وأثره الثقافي : -
إن المعيار الأساسي لثقافة العالم، هو سعة اطلاعه، ومدى تذوقه
لعلمه. أما أثره، فيظهر في نشره لعلمه، سواء بتأليف الكتب أو تعليم الطلبة .
وهذا كله يقتضي الوقوف على نوعية مصادره، ومدى تأثره بها، كما
يتطلب الكشف عن نتاجه الفكري، من حيث التأليف والتصنيف، ومن حيث
المشاركة الميدانية، بالتدريس، والإملاء، والمناقشات .
لقد بدأ الإسماعيلي تحصيله الثقافي منذ نشأته الأولى، فمن تعلم
= ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٠٩، ٣٢٨، ٣٣٠، ٣٣١، ٣٧٤.
(١) العدد الإجمالي لشيوخه ٤١٠ شيخ، المكرر منهم ٣ شيوخ، فيبقى ٤٠٧ شيخ. فيكون عدد
شيوخه الذين لم يحدد مكان لقائه بهم ١٢٠ شيخ .
١٤١
هطراز
أسيجاب
بحر خوارزم
بح
ـة
القـ
الترك
القرة ضائية
فرقانة
٠٠٠
• تنليس
الامبراطورية البيزنطية
فا
حيراص.
ـر
ميـ
ـخطية .
(مغانیان
حفشان
إقليم مجريات
بيجار
انطاكية
ـزر
أالرسل
مارستان
فراساء
بيروت
الـ
إمنها.
خوزمنك
٠٠
بـ
٢٨٢
7
مكران
الفـ
ـف
(الدفينة) المر
/ النوبيون
أم فران
التعرف
ـة
خريطة رقم
٤
ملاحظة: هذا المخطط مستفاد من المصادر التالية: المناسك الحربي، والمسالك للإعطحري، ومعجم البلدان ياقوت،
والمغانم الطابة في مسالم طابة للغير مذ ابادية، وبلوان الخلافة الشرقية، وأطلس التاريخ الإسلامي؟
وأعلى سدده والعالم لمصطفى الحاج إبراهيم وجوعة.
..
- طريق خراسان الشهور
سمكة مافات الطرق بالميل الأول،
الذي ساده ٠٠ ٢٥ ذراج البيع
المحيط
٠٠ ... حدودسياسية
خخطط تقريبي فرحلات امؤلفه
يوضع الأماكن التي زارها المؤلف.
كما يحدد الأقاليم التي كانت في عصره.
· أماكن زارها المؤلف وسمع بها من شيوخ
· النمط
سجنان
إقليم الجبال
أغزار
قوم
المفا
١٤٢
فارم
ـر الروم
بحـ
الجـ
١.
اختلف
زم
- بنطش)
حدد
بالكتاتيب، إلى حضور حلقات الفقه والحديث التي يعقدها علماء جرجان
والواردون عليها(١) .
وفي مقتبل صباه، ارتحل عن جرجان، للقاء الشيوخ، والاستزادة من
العلم والمعرفة، فقادته رحلاته إلى العديد من المراكز الفكرية، ليلتقي
بالعلماء، ويجمع الروايات، ويكثر من السماعات، حتى بلغت حصيلته في
مصادره التي ذكرها في هذا ((المعجم)) أكثر من أربعمائة شيخ من علماء
الحديث(٢). منهم طائفة من مشاهير فقهاء ذلك العصر(٣) . ومنهم من شارك
في بعض العلوم الأخرى كالتفسير، والقراءات، واللغة (٤) وعلم الكلام(٥) .
إلا أن الصفة الغالبة على شيوخه أنهم من أهل الحديث. وقد تضمنت قائمة
شيوخه عدداً كبيراً من أئمة هذا الفن، أمثال: مطَيِّن، والفريابي،
والحسن بن سفيان، والفرهياني، وأبي يعلى الموصلي، والساجي، وابن
خزيمة وأبي عوانة، وابن أبي داود، وعبدالله بن محمد بن مسلم
الإِسفراييني، وابن صاعد، وابن الشرقي، وغيرهم كثير ممن ذكر في هذا
((المعجم))(٦) .
لذلك نبغ الإسماعيلي بالحديث وعلومه (٧)، وصار جل اهتمامه به
تدريساً وتصنيفاً(٨). بالإضافة إلى ما وصفه به المعنيون بتراجم الأعلام
(١) تقدم ذلك بالتفصيل في نشأة المؤلف . ص ٩٩.
(٢) تقدم ذلك بالتفصيل في رحلات المؤلف. ص ١٠٢ - ١٤١.
(٣) سيأتي ذكر ذلك في مذهب المؤلف. ص ١٩٥ .
(٤) سيأتي تفصيل ذلك أثناء دراسة هذا الكتاب وتحليله. ص ٢٣٨، ٢٣٩ .
(٥) سيأتي تفصيله في عفيدة المؤلف. ص ١٨٧ .
(٦) فهرست التراجم والأعلام يساعد على الكشف عن أسماء هؤلاء الأئمة وفي دراسة الكتاب
وتحليله سيأتي تفصيل ذلك .
(٧) انظر: مكانته العلمية، وأقوال العلماء فيه. ص ١٥٥ .
(٨) ستأتي مصنفاته ودراستها. ص ١٦٥ - ١٨٦.
١٤٣
والمؤلفين بأنه من الأئمة البارزين في الفقه الشافعي (١)، إلى جانب إمامته
في الحديث وعلومه، ونقد الرجال(٢) .
ولكن هذا لا يعني أن الإسماعيلي أهمل العلوم الأخرى، ولم يهتم
بها، بل إن بعض أقواله وآرائه التي ينقلها عنه ابن حجر - في كتابه ((فتح
الباري)) من ((مستخرج)) الإسماعيلي - في التفسير، واللغة، تُلقي ضوءاً يسيراً
على ثقافته في هذه العلوم، غير أن قلة النصوص التي اقتبسها ابن حجر من
((المستخرج)) والمتعلقة بالتفسير، واللغة. لا تمكن الباحث من إعطاء صورة
متكاملة، توضح مدى تضلعه بهذين الفنين ومشاركته فيهما .
ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من طرح بعض النماذج من أقواله وآرائه
التي وفرها لنا ابن حجر من ((المستخرج)) المفقود للإسماعيلي:
- فمن أقواله في اللغة والتفسير:
١ - ما ذكره ابن حجر عند قول البخاري في كتاب الحج، باب قول
الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كَلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ
لَهُمْ﴾ (٣). فجاجاً: الطرق الواسعة .
حيث قال ابن حجر: قال يحيى الفراء في ((المعاني)) في سورة نوح -
﴿ والله جَعَلَ لَكُم الأرضَ بِسَاطاً لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاَّ فِجَاجاً﴾(٤) -: قوله
((فجاجاً، واحدها فج، وهي الطرق الواسعة))(٥). واعترضه الإسماعيلي
فقال: يقال: الفج الطريق بين الجبلين، فإذا لم يكن كذلك، لم يُسَمَّ
الطريق فجاً. كذا قال، وهو قول بعض أهل اللغة، وجزم أبو عبيد، ثم
(١) انظر: مذهب المؤلف .
(٢) سيأتي في دراسة الكتاب موضوع يبحث في ذلك. ص ٢٤٠ .
(٣) الآية ٢٧ من سورة الحج .
(٤) الآية ٢٠ من سورة نوح .
(٥) معاني القرآن للفراء (٣/ ١٨٨).
٠
١٤٤
الأزهري (١)، بأن الفج الطريق الواسع، وقد نقل صاحب المحكم أن ((الفج
الطريق الواسع في الجبل، أو في قُبل جبل، وهو أوسع من الشعب)) (٢).
انتهى كلام ابن حجر(٢) .
وكان ممن قال بما ذهب إليه البخاري بأنها الطرق الواسعة: الفراء
(ت ٢٠٧ هـ)، وابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، والرافعي، وتبعهم ابن
حجر (٤) .
أما ما نقله ابن حجر من قول الأزهري، فلم أقف عليه عند الأزهري في
((تهذيب اللغة))
(٥)
وأما قول الإِسماعيلي، فقد وافق قول جماعة من أهل اللغة،
كالليث بن المظفر، والخليل بن أحمد (ت ١٧٥ هـ)، والنضر بن شميل
(ت ٢٠٣ هـ)، وأبي الهيثم الرازي (ت ٢٧٦ هـ) وأبي علي القالي -
(ت ٣٥٦ هـ)، وابن سيده (ت ٤٥٨ هـ) - وقد نقله عنه ابن حجر آنفاً -
ومحمد بن أبي بكر الرازي (ت ٦٦٦ هـ)، وابن منظور (ت ٧١١ هـ) (٦).
هذا وإن أصل ((الفجّ)) في كلام العرب: المباعدة بين شيئين، وفجّ
الرجل فجّاً وفاجَّ مفاجَّة وفجاجاً: باعد بين رجليه. وتَفَاجَّ: بالغ في توسيع ما
(١) لم أقف له على هذا القول في تهذيب اللغة (١٠/ ٥٠٧ - ٥٠٩). وستأتي نقوله .
(٢) المحكم والمحيط لابن سيده (٧ / ١٦١).
(٣) انظر: فتح الباري (٣/ ٣٠٠).
(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (١٨٨/٣). والنهاية لابن الأثير (٤١٢/٣) والمصباح المنير
الرافعي (٦٣٢/٢). وغريب الحديث لابن حجر ١٨٣. مادة: فَجَجَ .
(٥) انظر: تهذيب اللغة (٥٠٧/١٠ - ٥٠٩، مادة: فجَجَ).
(٦) انظر: العين للخليل (٢٤/٦). والبارع للقالي ٥٩١. وتهذيب اللغة (٥٠٧/١٠ - ٥٠٩).
والمحكم لابن سيده (٧/ ١٦١). ومختار الصحاح للرازي ٤٩١. ولسان العرب (١٦٣/٣).
وتاج العروس (٨٢/٢). مادة فجّجَ .
١٤٥
بين رجليه. والفُجَّة: الفُرجة بين الجبلين(١) .
مما يدل على وجود قاسم مشترك بين القولين، وهو المباعدة. فالطريق
الواسع الذي يعبر السهول، يقسمها إلى قسمين، ويباعد بينها بمروره فيها ،
وكذلك الذي يخترق الجبال، فإنه يفصلها عن بعضها، ويباعد فيما بينها
أيضاً، إلا أن المباعدة في هذه أبين وأظهر، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي
الأرْضِ رَوَاسِي أنْ تَمِيدَ بِهِمْ، وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبْلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢).
وقوله: ((فيها)) يعود إلى الرواسي، وهي الجبال(٣).
ومنه أيضاً: قوله {َّ: (( ... وكلُّ فِجَاج مَكَّةَ طريقٌ ومنحرٌ))(٤).
من المعلوم أن مكة كلها جبال، فعرف أن المراد بالفجاج هنا، هي
الطرق الواقعة بين الجبال .
قال ابن الأثير في شرح غريب هذا الحديث: الفِجاج: جمع فجّ، وهو
المسلك والزُقاق (٥).
وقد يأتي معنى الفج أعم من ذلك، وأشمل، كما في قوله تعالى :
﴿والله جَعَلَ لَكُم الأرْضَ بِسَاطاً لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاَ فِجَاجاً﴾ (٦). فقد سلك
الناس في الأرض مختلف الطرق الضيق منها والواسع ، والقصير والطويل،
(١) انظر: تهذيب اللغة (١٠ /٥٠٧). والمحكم (١٦١/٧). ولسان العرب (١٦٣/٣). وتاج
العروس (٨٢/٢). مادة: فجَجَ .
(٢) الآية ٣١ من سورة الأنبياء.
(٣) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ٢٩٢. وتفسير الطبري (٢١/١٧). والمفردات للراغب
٣٧٣. وتفسير القرطبي (٢٨٥/١١). وتحفة الأريب ٢٠٣.
(٤) أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث جابر بن عبدالله مرفوعاً، في كتاب المناسك .
انظر: سنن أبي داود (٢/ ٤٧٨). حديث ١٩٣٧. وسنن ابن ماجه (١٠١٣/٢) حديث
٣٠٤٧) .
(٥) انظر: جامع الأصول (٢٤٣/٣ حديث ١٥٣٢).
(٦) الآية ١٩، ٢٠ من سورة نوح.
١٤٦
في السهول، وبين الجبال(١). ومنه قوله تعالى أيضاً: ﴿وأذِّن فِي النَّاسِ
بالحجِّ يَأَتُّوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢). أي من كل
مكان بعيد، وهذا البعد يستوي فيه السهل والجبل، والله أعلم (٣).
وممن ذهب إلى أن الفج يطلق على كل طريق: النضر بن شميل في
قول -، والأخفش الأوسط (ت ٢١٥ هـ)، وأبو الهيثم الرازي - في
قول (٤) ۔.
٢ - وفي كتاب الحج أيضاً، عقد البخاري باباً في توريث دور مكة
وبيعها وشرائها، وإن الناس في المسجد الحرام سواء، خاصة لقوله تعالى :
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ الله والمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ
لِلنَّاسِ سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبَادِ ..... ﴾ (٥) الآية. البادي الطارىء (٦).
قال ابن حجر: قال الإِسماعيلي: البادي، الذي يكون في البدو،
وكذا من كان ظاهر البلد فهو باد. ومعنى الآية: أن المقيم والطارىء سيان .
انتھی کلام ابن حجر(٦) .
فقوله: البادي، الذي يكون في البدو ... إلخ، هو قول أهل اللغة (٧)،
(١) انظر: تفسير الطبري (٩٧/٢٩). وتفسير القرطبي (٣٠٦/١٨) وتفسير ابن كثير (٤/ ٤٢٦).
(٢) الآية ٢٧ من سورة الحج .
(٣) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ٢٩٢. وتفسير الطبري (١٧/ ١٤٤ - ١٤٦) - وتفسير القرطبي
(١٢ / ٤٠).
(٤) انظر: معاني القرآن للأخفش ٥١٠. وتهذيب اللغة (٥٠٧/١٠ - ٥٠٩). ولسان العرب
(١٦٣/٣). مادة: فَجَجَ .
(٥) الآية ٢٥ من سورة الحج .
(٦) انظر: فتح الباري (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٧) انظر: الزاهر لابن الأنباري (٤٨٦/١). وتهذيب اللغة (٢٠٢/١٤). وأساس البلاغة ١٨ .
والمشوف المعلم في ترتيب الإصلاح (٩٦/١). ومختار الصحاح ٤٤. ولسان العرب
(٦٩/١٨) وتاج العروس (٣١/١٠).
١٤٧
وأصحاب غرائب القرآن(١)، والحديث (٢).
وقوله في معنى الآية: أن المقيم والطارىء سيان. أي لا فرق بين
المقيم فيه، والذي يأتيه من البلاد الأخرى. من حيث تعظيم حرمة المسجد
الحرام، وقضاء نسكه به، والنزول فيه حيث شاء (٢).
أما موضوع توريث دور مكة، وبيعها، وشرائها، وتأجيرها، فهي
مسائل خلافية بين الفقهاء .
٣ - وكذلك في كتاب بدء الخلق، عقد البخاري باباً في (صفة
الشمس والقمر بحسبان)، قال مجاهد: كحسبان الرحا. وقال غيره :
بحساب ومنازل، لا يعدوانها. حسبان جماعة الحساب، مثل شهاب
وشهبان. ضحاها ضوؤها، اهـ (٤).
ثم أسند - البخاري - حديثاً إلى أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً:
((الشمس والقمرُ مكوران يومَ القيامة)) (٥) .
أ - قال ابن حجر: قوله: (حسبان جماعة الحساب) يعني أن حسبان
جماعة الحساب كشهبان جمع شهاب، وهذا قول أبي عبيدة في المجاز(٦) .
(١) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ٢٩١. والمفردات للراغب ٤٠. وتحفة الأريب ٤٢، ٥٤ .
(٢) انظر: غريب الحديث للخطابي (٣٤٤/١). والفائق للزمخشري (١/ ٨٧) والنهاية لابن
الأثير (١٠٨/١). وغريب الحديث لابن حجر ٣٠.
(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢٢١/٢). وتفسير الطبري (١٧/ ١٣٧ - ١٣٨) وتفسير القرطبي
(٣٢/١١). وتفسير ابن كثير (٣/ ٢١٤). وفتح القدير للشوكاني (٤٤٦/٣).
(٤) انظر: فتح الباري (٦/ ٢١٢).
(٥) المصدر السابق (٦/ ٢١٤).
(٦) وكذا قال به الأخفش الأوسط، وأبو الهيثم الرازي وزاد: أحسبة كأشهبة.
انظر: (المجاز لمعمر (١/ ٢٠١). ومعاني القرآن للأخفش (٢٨٢/٢) وتهذيب اللغة
(٤/ ٣٣١) .
١٤٨
وقال الإِسماعيلي: من جعله من الحساب احتمل الجمع (١) واحتمل المصدر
تقول حسب حسباناً، ثم هو من الحساب بالفتح، ومن الظن بالكسر أي في
الماضي. انتهى كلام ابن حجر.
يعني بذلك: حَسَبَ حُسباناً، من الحساب. وحَسِبَ حِسْبَاناً، من
الظن. ويقال: حَسِبَ يَحْسَبُ، وحَسَبْتُ الشيء حِساباً وحُسبَاناً وحسابة
وحِسْبَة (٢).
ب - وفي قول البخاري: ضحاها ضوؤها. نقله ابن حجر عن
مجاهد. من قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (١ . ثم قال - ابن حجر -:
قال الإِسماعيلي: يريد أن الضحى يقع في صدر النهار وعنده تشتد إضاءة
الشمس. انتهى كلام ابن حجر(٤).
وهذا المعروف عند العرب، أن الضحى إذا طلعت الشمس وبُعيد
ذلك قاله القرطبي. وهو قول الليث بن المظفر، وأبي عبيد، وأبي الهيثم
الرازي، وشمر وغيرهم (٥). وذهب قوم إلى أن ضحاها، ضوؤها،
و نهارها (٦)
جـ - وفي الحديث الذي أسنده البخاري، من طريق أبي سلمة، عن
(١) فيكون المعنى: الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم.
(٢) انظر: المصادر السابقة، والزاهر لابن الأنباري (٨٢/٢). والمشوف المعلم (١٩٣/١).
ومختار الصحاح ١٣٥. ولسان العرب (٣٠٤/١) والمصباح المنير (١٨٤/١). مادة:
حَسَبَ .
(٣) الآية ١ من سورة الشمس .
(٤) فتح الباري (٦/ ٢١٢).
(٥) انظر: تهذيب اللغة (١٥٠/٥ - ١٥١). ومختار الصحاح ٣٧٧. ولسان العرب (٢٠٩/١٩).
وتفسير القرطبي (٧٣/٢٠). والمصباح المنير (٤٨٩/٢).
(٦) انظر: معاني القرآن للفراء (٢٦٦/٣). وغريب القرآن لابن قتيبة ٥٢٩. وتفسير الطبري
(٢٠٧/٣٠). والمفردات للراغب ٢٩٢. وتفسير الشوكاني (٥/ ٤٤٨).
١٤٩
أبي هريرة، مرفوعاً: (الشمسُ والقمرُ مُكَوَّران يومَ القيامة)(١).
قال ابن حجر: زاد في رواية البزار: ((في النار))، فقال الحسن: وما
ذنبهما، فقال أبو سلمة: أحدثك عن رسول الله وَلل وتقول: وما ذنبهما!
وأخرج أبو يعلى معناه، من حديث أنس، وفيه: ليراهما من عبدهما،
كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾(٢) وأخرجه
الطيالسي من هذا الوجه مختصراً .
وأخرج ابن وهب في كتاب ((الأهوال))، عن عطاء بن يسار في قوله
تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ﴾ (٣)، قال: يُجمعان يوم القيامة ثم يُقذفان
في النار .
ولابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه موقوفاً أيضاً.
قال الخطابي: ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما، بذلك، ولكنه
تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا، ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلاً.
وقيل: إنهما خُلقا من النار، فأعيدا فيها .
وقال أبو موسى المديني في غريب الحديث: لما وُصفا بأنهما يسبحان
في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ (٤). وإن كل من عُبد من دون الله
إلا من سبقت له الحسنى - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَّبَقَتْ لَهُم مِّنَّا
الحُسْتَىْ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٥) - يكون في النار، وكانا في النار يُعذب
بهما أهلهما، بحيث لا يبرحان منهما، فصارا كأنهما ثوران عقيران (٦)
(١) انظر: فتح الباري (٦/ ٢١٤ - ٢١٥).
(٢) الآية ٩٨ من سورة الأنبياء.
(٣) الآية ٩ من سورة القيامة .
(٤) الآية ٣٣ من سورة الأنبياء.
(٥) الآية ١٠١ من سورة الأنبياء.
(٦) عقيران: مقطوع قوائمهما. كما في تاج العروس (٤١٤/٣). مادة: عَقّرَ.
١٥٠
وقال الإِسماعيلي: لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن الله في
النار ملائكة، وحجارة، وغيرها، لتكون لأهل النار عذاباً، وآلة من آلات
العذاب، وما شاء الله من ذلك، فلا تكون هي معذبة - انتهى كلام ابن
حجر (١) -.
قال الطبري: وقيل: جُمعا فُرُمي بهما في الأرض. ثم قال: قال
عطاء بن يسار: يُجمعان يوم القيامة، ثم يُقذفان في البحر، فيكون نار الله
الكبرى (٢) .
وهذا يقتضي أنهما في النار أيضاً.
إن المتأمل في أقوال الإسماعيلي، من خلال النماذج السابقة، ومن
خلال النقول الكثيرة التي أوردها عنه ابن حجر في ((فتح الباري))، سيلاحظ
أن أقواله تتناسب مع أقوال الكثيرين من أهل العلم، مما يدل على سعة
اطّلاعه، ومدى تذوقه لهذه العلوم، شأنه في ذلك شأن علماء عصره
المشهورين بالإِلمام بكثير من العلوم.
ومما يدل على اهتمام المؤلف بعلم التفسير، ما خص به ابن ابنه
السري بن إسماعيل، من سماع تفسير شبل بن عباد (٣).
ولعلّ صلته ببعض المفسرين، واللغويين، أمثال: محمد بن علي بن
سهل المروزي المفسر (ت ٢٩٦ هـ)(٤). وأحمد بن الفرج بن جبريل
(ت ٣٠٣ هـ) الذي كان عالماً بالعربية واللغة، مقرئاً مفسراً (٥).
وإبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه النحوي اللغوي المؤرخ
(١) انظر: فتح الباري (٢١٤/٦ - ٢١٥).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٩/ ١٨٠).
(٣) تقدم في ترجمة السري، في الوسط العائلي - حفدته -. ص ٨٨.
(٤) ترجمته رقم ١٤٢ .
(٥) ترجمته رقم ٩.
١٥١
(ت ٣٢٣ هـ)(١) وغيرهم. مما يشير إلى مشاركته في علمي التفسير واللغة .
وتدل أقوال بعض معاصريه على جلالته، وتبيّن جوانب ثقافته، وسعة
اطلاعه .
قال السهمي: سمعت الحسن بن علي(٢) الحافظ، يقول: كان من
الواجب على الشيخ أبي بكر الإسماعيلي، أن يصنف لنفسه سنناً، ويختار،
على حسب اجتهاده، فإنه كان يقدر عليه لكثرة ما كتب، ولغزارة علمه وفهمه
وجلالته. وما كان ينبغي أن يتقيد بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري (٣)،
فإنه كان أجل من أن يتبع غيره - أو كما قال (٤) -.
قال الذهبي: ((من جلالة الإِسماعيلي أن عرف قدر ((صحيح البخاري))
وتقيد به)) (٥) .
وقال أبو الطيب الطبري (٣٤٨ - ٤٥٠ هـ): جمع بين الأصول
والفقه، والحديث، وصنف صحيحاً على شرط البخاري (٦).
وهناك أقوال كثيرة للعلماء في الثناء على هذا الإِمام، تكشف عن
جوانب معرفته، ومدى مشاركته فيها، سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى (٧).
وربما دلت صلته ببعض القراء، والمؤرخين، والأدباء، من شيوخه،
(١) ترجمته ١٩٧ .
(٢) ابن عمرو البصري المعروف بابن غلام الزهري. سأله الحافظ السهمي عن الرجال وثقتهم
ولينهم. عاش إلى حدود الثمانين وثلاثمائة .
انظر: (تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٢١). والسير (١٦ / ٤٣٦).
(٣) يريد بذلك ((المستخرج)).
(٤) انظر: تاريخ جرجان ٨٧. والأنساب (٢٥١/١). والسير (٢٩٤/١٦). وتاريخ الإسلام
٢/٤/ أ) والتقييد ٧/ ب .
٠ ١
(٥) السير (١٦ / ٢٩٤).
(٦) انظر: تبيين كذب المفتري ١٩٤.
(٧) انظر: مكانته العلمية. ص ١٥٥ .
١٥٢
أمثال: مطَيّن (ت ٢٩٧ هـ)، صاحب ((تاريخ صفين)) (١). وأبي خليفة
الجمحي (ت ٣٠٥ هـ)، ثقة عالم، أديب نحوي لغوي، مقرىء، متكلم،
أخباري (٣). ومحمد بن صالح بن ذريح العكبري (ت ٣٠٧ هـ) المقرىء
المعروف (٣). والزبير بن أحمد بن سليمان الضرير (ت ٣١٧ هـ) الأديب،
النسابة، المقرىء، الفقيه، المحدث، صاحب ((الكافي))
و ((المسكت)) (٤). ربما دل ذلك على اهتمامه بالقراءات، وبالنواحي الأدبية
والتأريخية .
هذا ولم يكن الإِسماعيلي عَسِر الرواية، محتفظاً بعلمه لنفسه ، بل كان
باذلاً علمه لكل أحد، متفاعلاً مع ما تعلمه من شيوخه، الأمر الذي دفع به إلى
ميدان العمل الجاد، لتبليغ ما استوعبه من العلم والمعرفة، فتصدر
للتدريس، في بلده، فازدحم عليه طلاب العلم، من أولاده وأحفاده
وأسباطه (٥)، وغيرهم من أهل جرجان والواردين عليها، حيث كان يلتقي بهم
على العلم في بيته، ومسجده (٦).
کما کان له كرسي في الجامع الكبير بجرجان يجلس عليه ويملي كل
یوم سبت (٧).
وقد وصف الحافظ السهمي، مجالس شيخه الإسماعيلي التي كان
يحضرها عنده، مع من يحضر من أهل جرجان والقادمين عليها لسماع الإمام
الإسماعيلي والكتابة عنه ... فقال: ((كنت كلما حضرت مجلس الشيخ
(١) ترجمته رقم ٥٩.
(٢) ترجمته رقم ٣٧٦.
(٣) ترجمته رقم ٩١.
(٤) ترجمته رقم ٢٧٥ .
(٥) تقدم اهتمامه بهم وبتعليمهم في (وسطه العائلي). ص ٨١ - ٩٤.
(٦) تقدم الكلام على ذلك أثناء الكلام على الحركة الفكرية في جرجان . ص ٧٦ - ٧٧ .
(٧) انظر: تاريخ جرجان ١٣٥ .
١٥٣
الإِمام أبي بكر الإِسماعيلي ورأيته، لم يتفوه بشيء من تفسير خبر، أو ضرب
مثل، أو حكاية، أو بيت شعر، أو نادرة، أو غير ذلك من سائر العلوم، إلا
ويبادر جماعة من الغرباء، وأهل البلد، غلقوا وكتبوا، خصوصاً أبو بكر
البَرْقاني أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي، فإنه قلما كان يترك شيئاً
يجري إلا هو يكتب، وكذلك أبو الفرج الورثاني، وأبو جعفر محمد بن
علي بن دلان الجرجاني، وأبو الفضل بن أبي سعد الهروي، وأبو الفضل
المخزومي البصري، وأبو سعد الماليني، وأبو القاسم عيسى بن عباد
الدينوري، ويحيى الأبهري، وأحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وأبو بكر
الجرجرائي، وعبد الرحمن السجزي، وغيرهم(١) - رضي الله عنهم - ممن لا
أحصي عددهم. وما من يوم، إلا وكان بحضرته من الغرباء الجوالين ممن
يفهم ويحفظ، مقدار أربعين، أو خمسين نفساً، وكنت أعلق عنه بمقدار
فهمي وحفظي، أو أنسخ مما علق عنه أبو بكر البرقاني، وأبو جعفر بن دلان
الجرجاني)) (٢).
إن تنوع ثقافة هذا الإِمام، وسعة اطّلاعه، وتبحره في علم الحديث،
مع ازدهار الحركة الفكرية التي عاصرها، وهمته العالية، وبحثه الدقيق ، كل
ذلك تضافر ومنحه القدرة على التأليف والتصنيف.
وعلى الرغم من قلة عدد مصنفاته، فإنها كانت محط عناية العلماء، ولا
زالت نصوصها مدونة في بطون أمهات الكتب. فقلما تجد كتاباً من الكتب
التي تتعلق بالحديث وعلومه، إلّ وللإسماعيلي، أو لكتبه أثر فيه (٣).
وبهذا يتضح أنّ الإِسماعيلي لم يأل جهداً في تأدية واجبه، من حيث
التحصيل والأداء العلميين، فقد طلب العلم منذ طفولته. ثم ارتحل من أجله
(١) سيأتي ذكرهم في قائمة تلاميذ المؤلف. ص ٢٠٢ - ٢١٥ .
(٢) تاريخ جرجان ٨٨ - ٨٩. وانظر: الأنساب للسمعاني (١/ ٢٥١).
(٣) سيأتي ذكر مؤلفاته وأثرها في كتب المؤلفين. ص ١٦٥ .
١٥٤
في مستهل صباه، لبناء كيانه الثقافي وبالتالي استقر في بلده، متصدراً
للتدريس، عاكفاً على التأليف، لتبليغ رسالته، فأداها على خير وجه، بلسانه
وقلمه، حتى شملت دراسته التفسير، والحديث، والفقه وأصوله، وعلم
الرجال، واللغة. إلا أن المصادر لم تشر إلا إلى تصنيفه في الحديث، ونقد
الرجال، على الرغم من مشاركته الواسعة في علم الفقه، لا سيما في الفقه
الشافعي .
مكانته العلمية والرحلة إليه :
أمضى الإسماعيلي أيامه في التحصيل، والتدريس، والتأليف،
فتنوعت ثقافته، وكثر تلاميذه، وتعددت مصنفاته، حتى بلغ درجة عالية من
العلم والمعرفة، نال بها رضى وإعجاب معاصريه، ومن بعدهم من النقاد
والمؤرخين .
فهذا إبراهيم بن موسى السهمي (ت ٣٢٤ هـ) يحكي بعض ما كان
يحصل بينه وبين أقرانه من الصبيان، فيقول: كنا نسبق أبا بكر الإسماعيلي
حتى يتأخر فيما يقرأ، ((فأبى الله العليُّ إلا رفعه ونفعه بما تعلم)) (١) .
وكتب الصاحب بن عباد (ت ٣٨٥ هـ) في رسالته، التي مدح فيها
الإسماعيلي وولديه أبا نصر، وأبا سعد، ما نصه: (( ... وأما أنت أيها الفقيه
أبا سعد، فمن رآك كيف تدرس وثفتي، وتحاضر وتروي، وتكتب وتملي،
علم أنك الحبر بن الحبر، والبحر بن البحر، والضياء بن الفجر، وأبو
سعد بن أبي بكر، فرحم الله شيخكم الأكبر، فإن الثناء عليه غنم، والنساء
بمثله عقم، فليفخر أهل جرجان، ما سال واديها، وأذن مناديها))(٢).
(١) تقدم ذلك كاملاً في نشأة المؤلف. ص ٩٩.
(٢) تقدم ذلك كاملاً في وسطه العائلي ((أبناؤه)). ص ٨٥.
١٥٥
وفي مصر التقى الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات
المعروف بابن حنزابة (ت ٣٩١ هـ) بحمزة السهمي (ت ٤٢٧ هـ) وسأله
عن أبي بكر الإسماعيلي، ومصنفاته، فأخبره بما صنف، وجمع ، فتعجب من
ذلك وقال: ((لقد كان رُزق من العلم والجاه، وكان له صيت حسن))(١) .
وقال الحاكم النيسابوري أبو عبدالله (ت ٤٠٥ هـ): ((كان
الإِسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة
والمروءة، والسخاء، ولا خلاف بين علماء الفريقين وعقلائهم فيه))(٢).
وقال الخليلي (ت ٤٤٦ هـ): ((كبير المحل، كان يعرف هذا الشأن ،
وله تصانيف كثيرة فيه، ومن الفقه كبير))(٣).
وقد وصفه أبو سعد السمعاني (ت ٥٦٢ هـ)، بأنه «إمام أهل جرجان ،
والمرجوع إليه في الحديث والفقه)) (٤) .
وقال ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ): ((الإمام الفقيه، كان عالماً بالحديث
وغيره)»(٥) .
وقال الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ): الإمام الحافظ الثبت، شيخ
الإِسلام، كبير الشافعية بناحيته، وجمع مع إمامته في علم الحديث والفقه،
رفعة الأسانيد والتفرد ببلاد العجم، ثم قال: ومن جملة ما صنف: ((مسند
(١) انظر: تاريخ جرجان ٨٧ - ٨٨. والسير (١٦/ ٢٩٤). وتاريخ الإِسلام ٤/ ٢ب.
(٢) انظر: الأنساب (١/ ٢٥٠). وتذكرة الحفاظ (٩٤٨/٣ - ٩٤٩). والسير (١٦/ ٢٩٤).
وتاريخ الإِسلام ٤ /٢/ ب). والوافي للصفدي (١٣/٦). وطبقات السبكي (٨/٣).
وطبقات الإِسنوي (١/ ٥٠). وشذرات الذهب (٣/ ٧٥).
(٣) الإِرشاد للخليلي .
(٤) الأنساب للسمعاني (١/ ٢٤٩). وكذا قال السبكي في طبقاته (٧/٣). ولم يعزه إلى
السمعاني .
(٥) الكامل لابن الأثير (١٦/٩). وبنحوه قال الصفدي في الوافي (٦/ ٢١٣).
١٥٦
عمر))، فقد طالعته وعلقت منه، وابتهرت بحفظ هذا الإِمام، وجزمت بأن
المتأخرين على أياس من أن يلحقوا المتقدمين، في الحفظ والمعرفة(١).
وقال أيضاً: ((الإِمام الحبر الجامع، الحافظ الفقيه الشافعي، وكان ثقة حجة
كثير العلم)) (٢) .
ووصفه ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) فيما نصه: ((الحافظ الكبير، الرحال
الجوال سمع الكثير، وحدث، وخرج، وصنف فأجاد، وأحسن الانتقاد
والاعتقاد))(٣).
كما ذكره السخاوي فيمن حمل لواء علم الحديث في جرجان (٤)، وقال
في موضع آخر: الحافظ الفقيه الإِمام النظار(٥).
هذه باقة من الثناء العطر، كلّلت هام هذا العالم الجليل، وأوضحت
مكانته العلمية المرموقة التي كان يتمتع بها في ذلك العصر.
قال ابن الكيَّال (ت ٩٣٩ هـ): حدث الإسماعيلي في ((صحيحه)) (٦)
عن محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن السري الجرجاني أبي أحمد
الغِطْريفي (بضع و ٢٨٠ - ٣٧٧ هـ) (٧)، إلا أنه دلَّس اسمه، فقال مرة:
حدثنا محمد بن أبي حامد النيسابوري، وقال مرة: حدثنا محمد بن أحمد
البغوي، وقال مرة: حدثنا محمد بن أحمد الوردي، وقال مرة: حدثنا
محمد بن أبي حامد، وقال مرة: حدثنا محمد بن أحمد العبقسي، وقال مرة :
(١) تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٧، ٩٤٨، ٩٥٠). وانظر: السير (١٦ / ٢٩٦).
(٢) العبر للذهبي (٣٥٨/٢ - ٣٥٩). وانظر: المعين في طبقات المحدثين ١٣٥. وشذرات
الذهب (٣/ ٧٥). نقلاً عن الذهبي.
(٣) البداية والنهاية (١١/ ٢٩٨).
(٤) انظر: الإعلان بالتوبيخ ١٤١.
(٥) انظر: فتح المغيث (١/ ٣٠).
(٦) المراد به ((المستخرج على صحيح البخاري)).
(٧) سيأتي ذكره في عداد من لم يرد ذكرهم في المعجم ص ٢٠١ .
١٥٧
حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين ولم ينسبه (١) .
ثم قال: ولم يدلسه الإسماعيلي لضعفه، ولكن لكونه ليس في مرتبة
شيوخه، وإنما هو من أقرانه، وكان نازلاً في منزل الإِسماعيلي، وتوفي
الإِسماعيلي قبله (ت ٣٧١ هـ) بست سنين. وقيل: إن الغطريفي تغير
بآخره، إلا أن سماع الإِسماعيلي منه، كان قبل ذلك (٢).
وقال الذهبي: دلَّسه لكونه باقياً عنده بالبلد (٢).
ويسمى هذا النوع من التدليس، تدليس الشيوخ، وهو أن يروي
الراوي عن شيخ حديثاً سمعه منه، فيسميه أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه
بما لا يُعرف به كي لا يُعرف (٤).
وحكمه: أخف أنواع التدليس كراهة (٥)، لأن المدلس لم يسقط أحداً،
وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع ،
وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه .
والأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ أربعة، وهي:
أ - ضعف الشيخ أو كونه غير ثقة .
(١) انظر: الكواكب النيرات ٤٠٣ - ٤٠٥. وكذا أورده الذهبي مختصراً في السير (١٦/ ٣٥٤).
(٢) انظر: تدريب الراوي (١/ ٢٢٨).
(٣) انظر: السير (١٦ / ٣٥٤).
(٤) وهناك نوع آخر من نوعي التدليس الرئيسيين، وهو تدليس الإِسناد. وهذا يتفرع منه قسم
آخر، وهو تدليس التسوية .
فتدليس الإسناد: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه
سمعه منه . وحكمه مكروه جداً، ذمه أكثر العلماء. وتدليس التسوية : هو رواية الراوي عن
شيخه، ثم إسقاط راو ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر. فهو أشد كراهة من سابقه. وهناك
أقسام أخرى للتدليس لا يتسع المقام لذكرها .
انظر: (تدريب الراوي (٢٢٣/١ - ٢٣١). وتيسير مصطلح الحديث للطحان ٧٨ - ٨٢)
(٥) انظر: تيسير مصطلح الحديث للطحان ٨٢.
١٥٨
ب - تأخر وفاته بحيث شاركه في السماع منه جماعة دونه .
جـ۔۔ صغر سنه بحیث یکون أصغر من الراوي عنه .
د - كثرة الرواية عنه فلا يحب الإكثار من ذكر اسمه على صورة
واحدة .
وقد برىء الإسماعيلي من الغرض الأول - كما تقدم آنفاً -.
أما الأغراض الثلاثة الباقية، فقد احتملها عدد من أئمة هذا الشأن .
فقد اعتبر الحافظ أبو عامر العَقَديّ (ت ٢٥٠ هـ) قول الراوي، حدثني
رجل ، وإذا عرف الرجل بالاسم كناه، وإذا عرف - بالكنية - سماه ، اعتبر ذلك
تزييناً وليس بتدليس(١) .
وقال السيوطي: وإذا دلسه لكونه صغيراً في السن، أو متأخر الوفاة
حتی شارکه من هو دونه فالأمر فيه سهل ، أو سمع منه كثيراً فامتنع من تكراره
على صورة واحدة إيهاماً لكثرة شيوخه، أو تفنناً في العبارة فسهل أيضاً، وقد
سمح الخطيب وغيره من الرواة المصنفين بهذا(٢).
فرواية الإسماعيلي عن الحافظ الغطريفي بصور مختلفة ، لا تعكر عليه
إمامته، وعلو شأنه في هذا الفن ، بل هي من باب التزيين للرواية والتفنن في
العبارة، طالما كانت روايته عن ثقة حافظ، والله أعلم .
ومما يعزز مكانته العلمية، ويزيد في رفعتها، أنه كان رحمه الله،
مقصد طلاب العلم، ومحط رحالهم، من كل حدب وصوب، حتى صارت
إليه الرحلة في زمانه، كما وصفه بذلك أبو نصر هبة الله بن عبد الجبار
السجزي .
فيما نصه: ((شيخ كبير جليل ثقة، من الفقهاء والمحدثين في عصره،
(١ و٢) انظر: تدريب الراوي (٢٣٠/١ - ٢٣١).
١٥٩
يرجع إلى علم وافر، ومعرفة بالحديث صادقة، ومروءة ظاهرة، وكانت إليه
الرحلة في زمانه))(١) .
وكان ممن قصد الإسماعيلي إلى جرجان، من غير أهلها، عدد كبير من
المشتغلين بالعلم، فمنهم من حالت الأقدار بينه وبين الوصول إليه. واللقاء
به. ومنهم من أدركه وسمع منه، وكتب عنه الكثير.
فأبو الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) مثلاً، يقول: ((كنت عزمت غير
مرة أن أرحل إلى أبي بكر الإِسماعيلي، فلم أُرزق))(٢).
ويقول أبو الطيب الطبري (ت ٤٥٠ هـ): ((خرجت - من آمل - إلى
جرجان للقاء أبي بكر الإسماعيلي، والسماع منه، فوصلت إلى البلد في يوم
الخميس فاشتغلت بدخول الحمام، ولما كان من الغد، رأيت أبا سعد بن
أبي بكر الإسماعيلي، فأخبرني أن أباه قد شرب دواء لمرض كان به، وقال
لي : تجيء في صبيحة غد لتسمع منه، فلما كان في بكرة يوم السبت غدوت
للموعد، وإذا الناس يقولون: مات أبو بكر الإسماعيلي، فنظرت وإذا به قد
توفي في تلك الليلة))(٣) .
وكان ممن أدركه وسمع منه بجرجان، أمثال: محمد بن إدريس بن
محمد بن إدريس أبي بكر الجرجرائي (ت ٤١٥ هـ) (٤). وأبي بكر البَرْقاني
(ت ٤٢٥ هـ) حيث رحل إليه في سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكان من
المکثرین عنه (٥)
(١) تبيين كذب المفتري ١٩٤.
(٢) تاريخ جرجان ٨٧. والأنساب (٢٥١/١). والمنتظم (٧/ ١٠٨). والسير (١٦ /٢٩٤).
وتاريخ الإِسلام ٢/٤/أ). والتقييد (٧/ أ).
(٣) تاريخ بغداد للخطيب (٣٥٩/٩). واللفظ له. وطبقات الشيرازي ١١٦. وتبيين كذب
المفتري ١٩٤. والسير (٦٦٩/١٧). وطبقات الأسوي (١/ ٥٠).
(٤ و ٥) سيأتي ذكرهم في قائمة التلاميذ. ص ٢١٢، ٢٠٥.
١٦٠