النص المفهرس
صفحات 61-80
مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تُمرّ كما جاءت، بذلك أقول، وبه أدين، ولا تُؤوَّل. له تصانيف كثيرة في هذا الفن، منها: ((الصفات)) و ((الرد على المجسمة)) و((الفصول في الرد على الملحدين))، وغبرها(١). وشيخ المعتزلة الجعل بن الحسين البصري نزيل بغداد (ت ٣٦٩ هـ) كان داعية إلى الاعتزال، وصاحب مصنفات، منها: ((نقض كلام الريوندي)) و ((الكلام)) و((الإِيمان)) و((الإِقراء)) وغيرها (٢). ويبرز في الفلسفة: أبو بكر الرازي (ت ٣١١ هـ) الفيلسوف الطبيب(٣). وأبو نصر الفارابي محمد بن محمد بن أوزلغ التركي (ت ٣٣٩ هـ) صاحب ((التوطئة في المنطق)) و((شروط القياس)) و((البرهان)) و ((الجدل)) وغيرها، وكان قد اتقن علم الطب، والعلوم الرياضية (٤). وفي النحو: الأخفش الصغير علي بن سليمان البغدادي (ت ٣١٥ هـ)، صاحب التصانيف، منها: ((شرح سيبويه)) و((التثنية والجمع)) و ((المهذب)) وغيرها(٥). والإِمام النحاس أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري (ت ٣٣٧ هـ)، من مؤلفاته: ((الكافي)) في النحو، و((التفاحة)) مختصر في النحو، وغيرهما في النحو والأدب والتفسير (٦) ... وابن القوطيّة القرطبي محمد بن محمد بن عبد العزيز (١) انظر: السير (٨٥/١٥). وطبقات السبكي (٣٤٧/٣ - ٤٤٤). (٢) انظر: تاريخ بغداد (٧٣/٨). والسير (١٦/ ٢٢٤). (٣) سيأتي ذكره في عداد الأطباء . (٤) انظر: طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة ٦٠٣. ووفيات الأعيان (١٥٣/٥). وسير النبلاء (١٥ / ٤١٦) . (٥) انظر: إِنباه الرواة للقفطي (٢٧٦/٢). وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١٦٧). (٦) انظر: إِنباه الرواة للقفطي (٩٩/١)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٣٦٢). ٦١ (ت ٣٦٧ هـ)، صاحب ((تصاريف الأفعال)) و((المقصور والممدود)) وغيرهما (١) . ويلمع في اللغة : ابن دريد البصري محمد بن الحسن نزيل بغداد (ت ٣٢١ هـ)، له مصنفات كثيرة منها: ((الجمهرة في اللغة)) و((المجتنى))، و((المقصور والممدود)) وغيرها(٢). والمطرز غلام ثعلب أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد البغدادي (ت ٣٤٥ هـ)، صاحب ((الياقوت)) في اللغة، و ((شرح كتاب الفصيح)) و((غريب الحديث)) (٣). وأبو الطيب اللغوي العسكري عبد الواحد بن علي نزيل حلب (ت ٣٥١ هـ)، صاحب ((مراتب النحويين)) وغيره(٤). وأحمد بن فارس بن زكريا الهمذاني نزيل الري (ت ٣٩٥ هـ) صاحب ((المجمل)) و((مقاييس اللغة)) وغيرهما(٥). وفي الأدب: أبو بكر الصولي محمد بن يحيى بن عبدالله البغدادي (ت ٣٣٥ هـ)، كان عالماً بفنون الآداب، من مصنفاته: ((أدب الكاتب)) و ((الأوراق في أخبار الخلفاء والشعراء)) ولم تكمل(٦) . والحسن بن بشر الآمدي ثم البصري الكاتب (ت ٣٧٠ هـ) صاحب كتاب ((الموازنة بين الطائيين)) و((نثر المنظوم)) و((الحروف)) في اللغة (٧). والمرزباني محمد بن عمران بن موسى الكاتب البغدادي (ت ٣٨٤ هـ) صاحب التصانيف الكثيرة، منها: ((الموشح مآخذ العلماء على الشعراء))، (١) انظر: تاريخ علماء الأندلس (٧٦/٢). وبغية الوعاة (١٩٨/١). (٢) انظر: مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي ٨٤. وإنباه الرواة (٩٢/٣). (٣) انظر: نزهة الألباء ٢٧٦. وإنباه الرواة (١٧١/٣). (٤) انظر: بغية الوعاة (٢/ ١٢٠). (٥) انظر: إنباه الرواة (٩٢/١). وبغية الوعاة (٣٥٢/١). (٦) انظر: نزهة الألباء ٢٧٣. ومعجم المؤلفين (١٠٥/١٢). (٧) انظر: إنباه الرواة (٢٨٥/١). وبغية الوعاة (١/ ٥٠٠). ٦٢ و ((الموثق)) في أخبار الشعراء، و((الشباب والشيب))، و((التسليم والزيارة))، و ((التعازي)) (١). وفي الشعر: يبرز اسم المتنبي أحمد بن الحسين أبوالطيب الكوفي ثم الشامي (ت ٣٥٤ هـ) (٢) والسري الرّفاء الموصلي (ت ٣٦٢ هـ) (٣). وأبو فراس الحمداني الحارث بن سعيد (ت ٣٦٣ هـ) شاعر ابن عمه سيف الدولة الحمداني (٤) ... ويظهر في الطب: أبو بكر الرازي محمد بن زكريا (ت ٣١١ هـ)، له مشاركة في علم الكيمياء أيضاً، وهو صاحب كتاب ((المنصوري)) في الطب و((الفالج)) و((هيئة العين)) وغيرها (٥). وسنان بن ثابت بن قرة البغدادي (ت ٣٣١ هـ)، طبيب مشهور، مشارك في علوم الهندسة، وله رسالة في النجوم. وأصلح كتاباً في الأصول الهندسية وغير ذلك (٦). ومحمد بن غلج القرطبي (ت بعد ٣٥٨ هـ)، له كتاب في الطب (٧). والتميمي المصري محمد بن سعيد (ت بعد ٣٧٠ هـ) صاحب ((الترياق)) و((الفاحص والأخبار)) (٨) . ب - نظرة في الحركة الفكرية لجرجان زمن المؤلف : ولكي نقف على صورة أوضح نشاهد من خلالها مدى تأثر الإسماعيلي (١) انظر: معجم الأدباء (٢٦٨/١٨). والوافي بالوفيات (٤/ ٢٣٥). (٢) انظر: يتيمة الدهر للثعالبي (٧٨/١). ونزهة الألباء ٢٩٤. (٣) انظر: يتيمة الدهر للثعالبي (١/ ٤٥٠). ومعجم الأدباء (١١ / ١٨١). (٤) انظر: يتيمة الدهر للثعالبي (٢٢/١). (٥) انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٤١٤. والسير (١٤/ ٣٥٤). (٦) انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٣٠٠. (٧) انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٤٩١. (٨) انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٤٥٦. ٦٣ بعصره، لا بد لنا من دراسة واعية للحركة الفكرية في مدينته جرجان ، لأن الحياة الفكرية التي يعيشها أي بلد، تعتبر من أهم العوامل التي تشارك في التكوين الثقافي، والإِبداع الفكري لدى أبنائه . والكلام على دراسة مثل هذه الحركة، يعني الكلام على الإبداع الفكري، وعلى وسائل ازدهاره في مجتمع مضى عليه أكثر من عشرة قرون ، كما يعني الكشف عن العلماء والمفكرين المبرزين، وعن مدوناتهم المتنوعة التي تعبر عن إنتاجهم الفكري، وتترجم تفاعلهم مع مجتمعهم في حياته الفكرية . وتعتبر الكتب أفضل وسيلة تمكننا من الوقوف على أخبار تلك القرون البعيدة، وعلى نتاجها الفكري الأصيل، كما قال الجاحظ: ((لا أعلم نتاجاً يجمع من التدابير العجيبة والحكم الرفيعة والمذاهب القديمة، والتجارب الحكيمة، ومن الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتنازحة، والأمثال السائرة، والأمم البائدة، ما يجمع لك الكتاب، ولولا الكتب المدونة، والأخبار المخلدة، والحكم المخطوطة التي تحصن الحساب وغير الحساب، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو تم ذلك لحرمنا أكثر النفع)) (١). غير أن فقدان الكثير من المؤلفات أفقدنا كثيراً من النصوص المهمة التي يمكن أن تفيدنا في دراسة هذه الحركة بشكل أدق وأشمل، ومما يزيد في صعوبة هذا المسلك أمام الباحث، هو أن جرجان لم تحظ بعناية الباحثين المعاصرين - فيما أعلم -، ولم يبق بين أيدينا من المؤلفات المتعلقة بجرجان، سوى ((تاريخ جرجان للسهمي)»، وبعض الفوائد التي يمكن استخراجها من هذا ((المعجم))، وبعض النصوص المتناثرة في بطون الكتب (١) انظر: الحيوان للجاحظ (٣٥/١، ٣٩). ٦٤ الأخرى. لذلك عمدت إلى تحليل ((تاريخ جرجان)) للإفادة منه في هذا المجال، علماً بأنه لا يفي بالغرض المنشود، ولكن هذا لا يمنع من المحاولة لإعطاء صورة توضح مدى نشاط هذه الحركة، بشكل يتناسب مع الدلائل التي تتوفر لدينا . وقبل أن نشرع في الكلام على الحركة الفكرية التي عاصرها المؤلف، تجدر الإشارة هنا إلى الانطلاقة الأولى التي بدأت منها تلك الحركة، لأنها لم تكن وليدة وقتها، ولا من جرّاء فلتة عارضة، بل كانت ثماراً لبذور غُرست في أواخر القرن الأول، فأينعت وآن قطافها بعد أكثر من قرنين في حياة المؤلف . فمنذ أن فُتح البلد ودخل في جغرافية العالم الإسلامي، أخذ يستقبل وفوداً من التابعين، الذين وضعوا حجر الأساس في بناء مجتمع إسلامي، قام بواجبه تجاه دعوته فيما بعد . . هذا وإن كانت جرجان قد شرفت في القرن الأول بثُلَّة من صحابة رسول الله وسلم، من بينهم: حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ)، وهند بن عمرو الجمَلي (ت ٣٦ هـ)، وسماك بن مخرمة (ت بعد ٤١ هـ)، ويقال: الحسن بن علي بن أبي طالب (ت ٤٩ هـ)، وأبو هريرة (ت ٥٨ هـ)، وسويد بن مقرِّن المزني(١)، وعتيبة بن النهاس العِجْلي(١)، والحسين بن علي بن أبي طالب (ت ٦١ هـ)، وعبدالله بن عمر بن الخطاب (ت ٧٣ هـ)، وعبدالله بن أبي أوفى بن علقمة الأسلمي (ت ٨٧ هـ)، وسواد أو سوادة بن قطبة(١)، رضي الله عنهم أجمعين(٢). إلا أن هؤلاء الصحابة لم يكن لهم دور مباشر في توجيه الحياة الفكرية في جرجان، لأنهم لم يقيموا فيها. بل صالحوا أهلها، وخرجوا عنها، دون أن يثبتوا دعائم (١) لم أقف على تاريخ وفاته . (٢) انظر: تاريخ جرجان ٧. والكامل في التاريخ (٢٥/٣، ١٠٩). ٦٥ حكمهم، مما أدى إلى تمردها ونقضها للعهود والمواثيق، حتى زحف إليها يزيد بن المهلب سنة ثنان وتسعين (١) بجيش يضم عدداً من كرام التابعين ، من الأزد وقريش والأنصار وغيرهم (٢)، أمثال: كرز بن وبرة الحارثي الكوفي الزاهد العابد القدوة - دخل جرجان غازياً مع يزيد بن المهلب، وأقام فيها، واتخذ لنفسه مسجداً (٢) -. وسليمان بن الجهم الحارثي مولى البراء بن عازب الأنصاري (٤). وعبيدة بن ربيعة الكوفي قاضي جرجان(٥) . وغيرهم ممن أقاموا فيها أو وفدوا إليها ممن غرسوا البذور الأولى التي كانت أساساً قوياً لحركة فكرية واسعة الخطى، متمثلة بتعليم العربية أولاً ، وبالدروس القرآنية ثانياً، ثم بالأحاديث النبوية ثالثاً . ثم أقبل القرن الثاني، ولم تزل جرجان تستقبل وفوداً من رجالات الفكر الإسلامي الذين ساهموا في تنشيط الحياة الفكرية، حتى صارت تتسم بحيوية ملحوظة، وأصبحت تمتاز بنضوج عدد أكبر من العلماء الأجلاء الذين برعوا في فني الرواية والتأليف. فكان من أبرزهم: العالم الزاهد أبو طيبة عيسى بن سليمان بن دينار الدارمي الجرجاني (ت ١٥٣ هـ) (٦). وسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) (٧). وأبو عوانة اليشكري الوضاح بن عبدالله الحافظ الواسطي من سبي جرجان (ت ١٧٦ هـ) (٨). وأبو يوسف القاضي (١) لاحظ فتح جرجان في هذه المقدمة . (٢) انظر: تاريخ جرجان ١٠ . (٣) انظر تاريخ جرجان ١٠، ٣٧٥. وحلية الأولياء (٥/ ٧٩). (٤) انظر: تاريخ جرجان ٢٢١. وكان أحد ثقات الطبقة الثالثة، كما في تقريب التهذيب ١٣٢. (٥) انظر تاريخ جرجان ٣٠٢ . (٦) انظر: الكبير للبخاري (٤٠٢/٦). وتاريخ جرجان ٣١٠. (٧) انظر: تاريخ جرجان ٢٢١ . (٨) انظر: تاريخ جرجان ٥٥٧. وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٣٦). ٦٦ يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الفقيه الكوفي (ت ١٨٢ هـ) صاحب كتاب ((الخراج)) و ((الآثار))، و ((اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى))، و ((أدب القاضي))، وغيرها(١). غير أن النشاط الثقافي لم يتجلّ في هذه المرحلة بوضوح، إلى أن جاء القرن الثالث، حيث بدأت الحركة الفكرية تأخذ مظهرها الحقيقي، على أيدي أعداد هائلة من المشتغلين بالعلم والتعلم، فكثرت المؤلفات وازدحمت المساجد بالحلقات العلمية المختلفة، مما عمل على إشعال الجذوة العلمية وإمدادها بوقود جزل، أضاء الطريق أمام حركة قوية، زاد علماء القرن التالي في توقدها، حتى بلغت أشدها، ووصل سنا برقها إلى بداية القرن الخامس الهجري . وممن نبغ في القرن الثالث: محمد بن عبدالله بن الحسن العصار الجرجاني رفيق أحمد بن حنبل في رحلته باليمن، وأول من أظهر مذهب الحديث بجرجان (٢). وإسماعيل بن سعيد الكسائي الشالنجي الجرجاني (ت ٢٤٦ هـ) أبو إسحاق الحنفي. كتب الحديث، واتبع السنة، وكان يكاتب الإِمام أحمد بن حنبل، وله تصانيف، منها: ((البيان)) في فروع الفقه الحنفي، رد فيه على محمد بن الحسن، وكتاب ((فضائل الشيخين))(٣). والحافظ الوزدولي إسحاق بن إبراهيم بن موسى الجرجاني العصار (ت ٢٥٧ هـ) صاحب ((المسند))(٤). والحافظ الجرجاني محمد بن سِنْجَر (ت ٢٥٨ هـ)، كان قد صنف ((المسند)) (٥) . (١) انظر: تاريخ جرجان ٥٦٥. وتذكرة الحفاظ (٢٩٢/١). وتاريخ التراث (٢ / ٤٩). (٢) تاريخ جرجان ٤٢٤. (٣) انظر: تاريخ جرجان ١٢٥ - ١٢٨. والأنساب للسمعاني (٢٥٩/٧)، والجواهر المضية (١ / ٤٠٦) . (٤) انظر: تاريخ جرجان ١٥١. والسير (٥٠٧/١٢). والجواهر المضية (٣٦٢/١). (٥) انظر: تاريخ جرجان ٤٢٨. وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٧٨). وحسن المحاضرة (٣٤٨/١). ٦٧ وقبل أن ندخل في الكلام على هذه الحركة خلال القرن الرابع ، يجدر بنا في هذا المقام أن نقف مع السهمي في كتابه ((تاريخ جرجان)) وقفة تأمل ، نستجلي من خلالها مراحل تطور الحركة الفكرية في جرجان عبر القرون الأربعة الأولى، بطريقة كميّة تتناسب مع عرضه لأصحاب التراجم الذين رتبهم في كتابه على حروف المعجم، ممن أقاموا فيها أو وردوا إليها ... فإذا رتبنا رجاله بحسب طبقاتهم على القرون، نجده يذكر ثلاثة عشر من صحابة رسول الله وَلو، وتسعة من التابعين من القرن الأول، وخمسة وخمسين عالماً من القرن الثاني، وتسعة وثمانين وثلاثمائة عالم من القرن الثالث، وسبعة وتسعين وخمسمائة عالم من القرن الرابع، وأربعين عالماً كانت وفياتهم في الربع الأول من القرن الخامس (١). ولكن الحقبة الزمنية التي تهمنا في هذه الدراسة، هي الفترة التي عاصرها الإسماعيلي منذ نعومة أظفاره إلى أن بلغ أشده في عطائه العلمي، وذلك من بداية الربع الأخير للقرن الثالث حتى بداية الربع الأخير من القرن الرابع، وقد تمتد إلى أوائل القرن الخامس، حسب امتداد حياة تلاميذ المؤلف حيث إن كل المتوفين من علماء جرجان في أوائل الخامس هم من ثمرات عصره . فكان عدد من احتضنتهم جرجان من العلماء في هذه الحقبة الزمنية ، ثمان وخمسين وسبعمائة عالم، منهم واحد وعشرون ومائة عالم من رجال أواخر القرن الثالث، وعشر ومائتا عالم ممن شاركوا في القرنين الثالث والرابع، وكلهم من شيوخ الإِسماعيلي وطبقتهم، وخمسة وثلاثمائة عالم من (١) وهناك خمسة وثلاثون رجلاً لم أتمكن من معرفة طبقتهم. وقد وقفت على ستة وخمسين ترجمة مكررة في ((تاريخ جرجان)) فيكون عدد تراجم الكتاب من غير المكرر، ثمان وثلاثين ومائة وألف ترجمة . ٦٨ طبقة الإسماعيلي. واثنان وثلاثون ومائة عالم من تلاميذه وممن هم في طبقتهم . لقد بلغت جرجان بهذا العدد الكبير درجة لم تبلغها من قبل في حياتها الفكرية، حتى صارت مجمعاً للمتصلين بالعلم، والراغبين في الأدب . وقد نبغ فيها من القراء: أبو عبدالله محمد بن إبراهيم الرفاء الرازي (ت ٣١٣ هـ) كان من ساكني جرجان(١). وعبد الكريم بن عبد الكريم الخزاعي الجرجاني (ت ٣٧٩ هـ) له عناية بالقراءات، وكان قد صنف أسانيدها(٢). وأبو الفضل الخزاعي محمد بن جعفر بن عبد الكريم الجرجاني (ت ٤٠٨ هـ)، إمام مشهور، مشارك في علم التأريخ، صاحب تصانيف، منها: ((المنتهى في القراءات العشر))، و((تهذيب الأداء في السبع))، و((الإبانة في الوقف والابتداء))، و((الواضح في التاريخ))، وهو أحد تلاميذ الإسماعيلي (٢) . وكان فيها من المفسرين: شيخ الإسماعيلي، محمد بن علي بن سهل أبو بكر الأنصاري المفسر (ت ٢٩٦ هـ)(٤). وأبو الحسن على بن عبد العزيز ابن الحسن الشافعي قاضي جرجان (ت ٣٩٢ هـ)، كان من مفاخر. جرجان في التفسير، والتأريخ، والفقه، والأدب. من تصانيفه: ((تفسير القرآن المجيد))، و ((تهذيب التاريخ))، و((الوكالة))، و((ديوان شعر))، و ((الوساطة بين المتنبي وخصومه))(9) . (١) انظر: تاريخ جرجان ٤٥٩. (٢) انظر: البداية والنهاية (٣٠٨/١١). ومعجم المؤلفين (٣١٧/٥). (٣) انظر: تاريخ جرجان ٥٢٩. وغاية النهاية (٢/ ١٠٩). ومعجم المؤلفين (٨/ ٦٧)، (٩/ ١٥٣) . (٤) انظر: الترجمة ١٤٢ . (٥) انظر: تاريخ جرجان ٣٥١. وطبقات السبكي (٣/ ٤٥٩). وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٤١٠). ومعجم المؤلفين (٧/ ١٢٣). ٦٩ 1 أما في الحديث فيبرز عدد كبير من شيوخ الإسماعيلي، أمثال: أبي زرعة الأنصاري (ت ٣٠٤ هـ)، وعمران بن موسى السَّخْتِياني (ت ٣١٥ هـ)، والحافظ البحرى (ت ٣٣٧ هـ) (١). وكان ممن عُني بهذا الشأن واشتهر به أيضاً: الحافظ الآبندوني أبو القاسم عبدالله بن إبراهيم بن يوسف الجرجاني (ت ٣٦٨ هـ) (٢) ... ومحمد بن محمد بن يوسف المكي الجرجاني (ت ٣٧٤ هـ) أحد رواة صحيح البخاري عن الفربري، وله رحلة واسعة في طلب الحديث(٢). والحافظ الغطريفي (ت ٣٧٧ هـ)، رفيق الإسماعيلي، صنف ((الصحيح على المسانيد)) على كتاب البخاري(٤). والحافظ الإدريسي (ت ٤٠٥ هـ)، نزيل سمرقند ومؤرخها، ومصنف الأبواب والشيوخ، وكان أحد تلاميذ الإِسماعيلي (٥) . ويلمع في نقد الرجال: الحافظ أبو نعيم الأستراباذي عبد الملك بن محمد بن عدي نزيل جرجان (ت ٣٢٣ هـ) وصاحب كتاب ((الضعفاء)) في عشرة أجزاء، و((الجرح والتعديل)) وله تصانيف في الفقه (٦). والحافظ ابن القطان أبو أحمد عبدالله بن عدي (ت ٣٦٥ هـ) الإِمام المشهور، وصاحب كتاب ((الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الأحاديث)) و ((الانتصار (١) انظر: التراجم التالية: ٨٥، ٣٤١، ٢٠٦. (٢) انظر: تاريخ جرجان ٢٩٢. وتذكرة الحفاظ (٩٤٣/٣). (٣) انظر: تاريخ جرجان ٤٨٨. وتاريخ بغداد (٢٢٢/١٠). والنجوم الزاهرة (١٤٦/٤). وفيهما أنه ((ابن مكي بن يوسف الجرجاني)). (٤) سيأتي ذكره في عداد رفاق المؤلف. (٥) سيأتي ذكره في عداد تلاميذ المؤلف . (٦) انظر: تاريخ جرجان ٢٩٩. والمنتظم (٢٤٥/٦). وتذكرة الحفاظ (٨١٦/٣). ومعجم المؤلفين (٦/ ١٩١). ٧٠ على مختصر المزني في فروع الفقه))(١). والإِسماعيلي صاحب هذا المعجم (٢). وتلميذهما الحافظ حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني (ت ٤٢٧ هـ) من تصانيفه ((تاريخ جرجان))، و ((سؤالات السهمي للدار قطني وغيره من المشايخ)) (٣) . وكان فيها ممن كتب في التاريخ: أبو بكر الصولي محمد بن يحيى الجرجاني الأصل (ت ٣٣٥ هـ)، له من التصانيف: ((أخبار القرامطة)) و ((أخبار أبي تمام)) وغيرهما (٤). وعلي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ٣٩٢ هـ) صاحب ((تهذيب التاريخ)) وغيره (٥). وأبو منصور أحمد بن الفضل الجرجاني (ت ٤١٥ هـ) أحد تلاميذ الإسماعيلي، وصاحب كتاب ((أخبار الجبل))، و ((المجتبى)) في الحديث(٦) . وأما الفقه وأصوله : فيبرز في الفقه الشافعي: أبو جعفر الطبري محمد بن الحسن الفقيه المفتي (ت ٣٢٣ هـ) (٢). وأبو عبدالله الختن - ختن الإِسماعيلي - محمد بن الحسن بن إبراهيم الفارسي (ت ٣٨٦ هـ) إمام شافعي (٨)، وله وجوه حسنة في المذهب، وكان قد شرح كتاب ((التلخيص)) لابن القاص. وفي الفقه الحنفي: كُمَيْل بن جعفر الجرجاني (ت ٣٣٦ هـ)، إمام (١) انظر: تاريخ جرجان ٢٨٧. وفتح المغيث (٣/ ٢٢٠). ومعجم المؤلفين (٨٢/٦): (٢) سيأتي الكلام على ذلك في دراسة نقده للرجال في هذه المقدمة . (٣) انظر: السير (٤٦٩/١٧). وفتح المغيث (٢٢١/٣). ومعجم المؤلفين (٨٢/٤). وكتابه السؤالات طبع مؤخراً بتحقيق الأخ موفق عبد الله . (٤) سيأتي ذكره في عداد الأدباء أيضاً. (٥) تقدم ذكره بین مفسري جرجان . (٦) انظر: تاريخ جرجان ١٠٢ . (٧) انظر: تاريخ جرجان ٥١٣. وطبقات السبكي (١٤٧/٣). (٨) سيأتي ذكره في البيت الإسماعيلي. ٧١ مشهور في مذهبه (١). وإسحاق بن عبدالله بن إسحاق النصري (ت ٣٩٦ هـ) شيخ أصحاب أبي حنيفة، وعالمهم وفقيههم في جرجان (٢). وفي الفقه الحنبلي: محمد بن يحيى الجرجاني (ت ٣٩٨ هـ)، صاحب ((شرح الجامع الكبير)) للشيباني، في فروع الفقه الحنبلي (٣). ولم أقف فيها على أحد في الفقه المالكي، ويبدو أنه كان منعدماً هناك في تلك الفترة، وكان المذهب الشافعي منتشراً بكثرة، ويليه الحنفي، والله أعلم . . وفي الزهد والتصوف: محمد بن عمران بن علي المَقَابُري الزاهد الجرجاني (ت ٢٩١ هـ) شيخ الإسماعيلي (٤). والزاهد الثقة محمد بن أبي عمران الشافعي (ت ٢٩٣ هـ)(٥) . ومحمد بن إبراهيم بن الحسن الفرخاني الجرجاني نزيل سمرقند (ت ٣٧٠ هـ)، كان ثقة في الحديث. زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة (٦). وتلميذ الإسماعيلي، علي بن محمد بن القاسم الفارسي (ت ٤٠١ هـ)، كان من عباد الله الصالحين، مجتهداً في العبادة وأعمال الخير(٧) . وكان فيها من الوعاظ والخطباء: محمد بن محمد بن عبيد الله الجرجاني الواعظ (ت ٣٣٤ هـ)(٨). والداعية أبو يوسف الثومي يعقوب بن (١) انظر: تاريخ جرجان ٤٠٢. (٢) انظر: تاريخ جرجان ١٥٦. والجواهر المضية (١ / ٣٦٧). (٣) انظر: معجم المؤلفين (١٢/ ١٠١). (٤) انظر: الترجمة ٦٣. وتاريخ جرجان ٤٤٣ . (٥) انظر: تاريخ جرجان ٤٦٥. (٦) انظر: تاريخ جرجان ٦٣١ . (٧) المصدر السابق ٣٥٤. (٨) المصدر السابق ٤٨٣. ٧٢ القاسم التميمي (ت بعد ٣٦٨ هـ)، هو الذي دعا الجيل (١) إلى الإسلام وأسلموا على يده، وكل من هو على طريقة السنة هم مواليه، وكان يملي في مسجد الإسماعيلي سنة ثمان وستين وثلاثمائة (٢). والخطيب أبو بكر الشالنجي محمد بن يوسف بن الفضل الجرجاني (ت ٤١٨ هـ)، أحد تلاميذ الإِسماعيلي وأحد مشاهير جرجان في الفتيا والتدريس والوعظ (٢). وظهر فيها من المتكلمين : أحمد بن داود بن سعيد الفزاري الجرجاني (كان حياً قبل ٢٩٨ هـ)، كان فقيهاً متكلماً، من تصانيفه: ((مفاخرة البكرية والعمرية)) و ((الغوغاء من أصناف الأمة من المرجئة والقدرية والخوارج))، و ((طلاق المجنون)) (٤). ومحمد بن إسماعيل بن أبي عبد الرحمن القطان الشروطي (ت ٣٨٩ هـ)، كان متكلماً على مذهب السنة، وعالماً بالشروط، وبالطب، كما اهتم بالحديث (٥). والحسن بن إسماعيل بن زيد بن الحسن الشجري (ت ٤٢٠ هـ) تقريباً، من تصانيفه: ((الاعتبار وسلوة العارفين))، و ((الإِحاطة في علم الكلام)) (٦) . ومن أئمة اللغة والنحو: أبو جعفر محمد بن أحمد الجرجاني (ت ٣٦٨ هـ)، كان أديباً فاضلاً، نحوياً شاعراً (٧). وأبو القاسم الزُّجَاجِيّ يوسف بن عبدالله الهمداني نزيل جرجان (ت ٤١٥ هـ)، لغوي مشهور، (١) علم للبلاد الواقعة على الزاوية الجنوبية الغربية من ساحل بحر قزوين وتسمى ((جيلان)) وتقع اليوم في المنطقة الشمالية من إيران . انظر: بلدان الخلافة الشرقية ٢٠٦. وأطلس التاريخ الإسلامي ١١ - ٣٥. (٢) انظر: تاريخ جرجان ٥٧٠ . (٣) انظر: تاريخ جرجان ٥٢٦. وطبقات السبكي (٢١٤/٤). وطبقات الأسنوي (٣٥٥/١). (٤) انظر: معجم المؤلفين (١/ ٢١٨). (٥) انظر: تاريخ جرجان ٤٨٣. (٦) انظر: معجم المؤلفين (٣/ ٢٠٧). (٧) انظر: بغية الوعاة (١/ ٥٢). ٧٣ بارع في النحو، والأدب، مشارك في علم البلاغة. من تصانيفه: ((شرح الفصيح))، و ((عمدة الكتاب))، و ((اشتقاق الأسماء))(١). ومن الأدباء: أبو عبدالله الغازي محمد بن الحسين بن معاذ (ت ٣٢٥ هـ)، كان بارعاً في الأدب، ثقة في الحديث(٢). وأبو بكر الصولي محمد بن يحيى بن عبدالله الشطرنجي الجرجاني الأصل (ت ٣٣٥ هـ)، أديب بارع، ومؤرخ مشهور، من تصانيفه: ((أدب الكاتب)) (٣). ومنصور بن محمد بن يوسف القزويني، نزيل جرجان، وكان يعلم فيها الأدب (ت ٣٧٥ هـ) (٤). ومن الشعراء: الحسن بن الحسين الجرجاني الشاعر(٥). ومعبد بن جمعة بن حِيْد الرُؤْياني نزيل جرجان، كان شاعراً جوالاً (٦). وعلي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ٣٦٦ هـ)، كان أديباً شاعراً(٧). ومن الأطباء: محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن القطان (ت ٣٨٩ هـ) (٨)، وعيسى بن يحيى المسيحي الجرجاني (ت ٣٩٠ هـ)، طبيب حكيم، متقن للعربية، صاحب تصانيف، منها: ((إظهار حكمة الله تعالى في خلق الإنسان))، و((كتاب في العلم الطبيعي))، و ((كفاية الطب (١) انظر: تاريخ جرجان ٥٧٨. وبغية الوعاة (٢/ ٣٥٧). (٢) انظر: تاريخ جرجان ٥٠١ . (٣) انظر: نزهة الألباء ٢٧٣. وإنباه الرواة (٢٣٣/٣). ووفيات الأعيان (٣٥٦/٤). وقد تقدم ذكره في عداد المؤرخين أيضاً. (٤) انظر: تاريخ جرجان ٥٤٩. (٥) نفس المصدر ١٨٨. (٦) نفس المصدر ٥٥٠ . (٧) انظر: يتيمة الدهر (٣/٤)، ووفيات الأعيان (٢٧٨/٣). وقد تقدّم في عداد مفسري جرجان . (٨) تقدم آنفاً في عداد المتكلمين . ٧٤ الكلي))، و ((الوباء))، و((تعبير الرؤيا)) (١). هذا ولما كانت ثقافة أي عصر تقاس بعدد علمائه، وكثرة مؤلفاته، فإن هذا الحشد من العلماء والمفكرين، وما لهم من مدونات، يشير إلى أحد مبررات اعتبار عصره عصراً ذهبياً . أما دور حكام جرجان في دعم هذه الحركة وازدهارها، فإنه لم يبد واضحاً في المصادر التي درست الجانب الحضاري في العالم الإسلامي خلال القرن الرابع الهجري (٢). غير أن بعض المصادر التي عُنيت بالجوانب التاريخية، وبتراجم الرجال، ذكرت نصوصاً متناثرة، تعبر في فحواها عن تقييم صريح لبعض شخصيات حكام هذا البلد، برز من خلالها مدى تفاعلهم مع الحياة الفكرية، في البذل والعطاء، وتشجيع العلماء، وتطوير وسائل ازدهار الحركة الفكرية. وقد أشارت هذه المصادر إلى أن عطاياهم وجِراياتهم كان يحظى بها غير أهل جرجان(٣). لكن الأمر الذي سُجل في صفحاتهم البيض، وساعد على تطور هذه الحركة، وشارك في ازدهارها خلال هذه الفترة، هو حرية الحياة الفكرية التي كانت تتخذ من المساجد والبيوت، والطرقات، والفنادق، والأسواق العامة مكاناً لبث برامجها الثقافية والتربوية. فنشط التعليم حينئذٍ نشاطاً واسعاً على جميع المستويات حتى شمل مختلف طبقات الشعب، وبرز من خلاله بوضوح الاهتمام بتعليمٍ الصغار منذ سن مبكرة، فقد كان سن عبدالله بن عدي (٢٧٧ - ٣٦٥ هـ) مثلا ثلاثة عشر عاماً عند أول سماع له (٤). أما الإِسماعيلي فقد كان عمره عند (١) انظر: عيون الأنباء ٢٧٩. ومعجم المؤلفين (٨/ ٣٥). (٢) لاحظ مثلاً: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع لآدم متز. (٣) انظر: الحياة الفكرية للعالم الإسلامي، في هذه المقدمة، ولاحظ دور البويهيين والسامانيين . ص ٤٧ - ٦٣. (٤) انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٠). ٧٥ سماعه الأول ست سنين(١). وكان عمر ابن ابنه المفضل بن إسماعيل (٣٦٠ - ٤٣١ هـ) سبع سنين لما أتم حفظ القرآن، وتعلم الفرائض (٢). وكانت سن حمزة السهمي (٣٤٥ - ٤٢٧ هـ) لما كتب عن شيخه الإِسماعيلي ست (٣) سنين (٣) . وكان أول ما يقتصر عليه تعليم هؤلاء الناشئة بالكتاتيب (٤) على القراءة والكتابة، ثم يرتقي بهم أهلوهم ويرسلونهم إلى حلقات علمية أوسع نطاقاً، لتعلم الفقه(٥) وغيره. وبعد انقضاء هذه المرحلة ودخولهم في ريعان الشباب، يتجهون إلى المساجد لتلقي العلم على أيدي علماء آخرين، والإفادة من تخصصاتهم المتنوعة. لذلك كان المسجد أشبه بجامعة حرّة، فهو بيت الله الذي يقصده المسلمون ليقيموا صلواتهم فيه، فإن كل مسلم يستطيع دخوله والإفادة ممن يعلم فيه بدون أي قيد أو شرط. وأكثر ما كانت تُلقى هذه الدروس على هيئة حلقات يلتف فيها الطلاب حول أستاذهم، وكانت الطريقة الشائعة في مثل هذه الدروس هي الإملاء، وقد يجلس العالم على كرسي يوضع له في المسجد أثناء التدريس كأبي بكر الإِسماعيلي وآله من بعده، عندما كانوا يتصدرون للإملاء كل سبت في الجامع الكبير(٦). وكان يعقوب بن القاسم الآملي الثومي يملي في مسجد أبي بكر الإِسماعيلي أيضاً، وذلك سنة ثمان وستين وثلاثمائة (٧) . كما استُخدم المسجد لوعظ الناس وإرشادهم، فقد كان عبد السلام بن (١) انظر: الترجمة رقم ٢٥٦. وتاريخ جرجان ١٩٠. (٢) انظر: ص ٨٩. (٣) انظر: تاريخ جرجان ص ٩٢. (٤) انظر: الترجمة ٢٥٦. وتاريخ جرجان ١٩٠. (٥) انظر: تاريخ جرجان ٨٦. (٦) انظر: تاريخ جرجان ١٣٥. (٧) نفس المصدر ٥٧٠ . ٧٦ عبد الواحد بن بكر السلمي الجرجاني واعظاً في مسجده (١). وكذلك كان منصور بن عبدالله بن عدي (ت ٤٠١ هـ) في مسجد أبيه(٢). وإلى جانب المسجد، شاركت بيوت بعض العلماء في تنشيط الحركة الفكرية وانتعاشها، فكان بيت أبي ذر التميمي (ت ٣٢٤ هـ) مجمعاً للعلماء والفضلاء(٣). وكانت بعض البيوت الأخرى ميداناً حياً للرواية والتدريس، فقد حدث الإسماعيلي على باب دار عمران السَّخْتِياني (ت ٣٠٥ هـ) (٤). كما سمع البرقاني (ت ٤٢٥ هـ) وأبو منصور الكرجي (ت ٣٦٨ هـ) من الحافظ أبي القاسم الآبندوني (ت ٣٦٧ هـ) في بيته؛ كل بمفرده (٥). وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة كان عبد الرحمن بن محمد السعيدي الجرجاني يحدث في منزل الإسماعيلي (٦)، كما حدث في بيته أيضاً أحمد بن عيسى الصائغ (٢)، وكذلك طيفور بن إسحاق الميشقي على باب داره (٨). بالإضافة إلى المجلس الذي كان يعقده الإسماعيلي مع طلبة العلم على باب داره أيضاً(٩). كما كانت الحوانيت تتخذ مكاناً لتداول العلم، والإفادة من أهله، كما هو الحال في حانوت علي بن أبي طالب المشاط بجرجان، حيث يخبرنا (١) نفس المصدر ٢٨٠. (٢) نفس المصدر ٥٤٩. (٣) نفس المصدر ٤٧٨ . (٤) انظر: الترجمة ١٢٣. وتاريخ جرجان ٤٧١. (٥) وكان لا يحدّث إلا واحداً واحداً. (انظر: تاريخ جرجان ٢٩٣). (٦) انظر تاريخ جرجان ٢٧٨ . (٧) نفس المصدر ٧٦، ٢١٨. (٨) نفس المصدر ٢٤٨ . (٩) نفس المصدر ١٣٥ . ٧٧ الإسماعيلي عن سماعه فيه من شيخه القاسم بن ماهان السكري الأهوازي (١) . هذا وقد لعبت جرجان دوراً كبيراً في دعم الحركة الفكرية من الخارج بفضل استقطاب علمائها لطلبة العلم من المدن المختلفة، وبفضل موقعها الجغرافي الذي جعل منها ميناءاً تجارياً هاماً لملاحة الصقالبة - الروس (٢) - ومسلكاً برياً رئيسياً على قارعة الطرق التي تصل شمال شرق العالم الإسلامي بغربيّه، فكانت تتصل بحضارات الأمم الأخرى من جهة، وتستقبل ورّادها في طريقهم إلى الحج، أو إلى دار الخلافة في بغداد، أو ما كانت تجلبه إليها الرحلات العلمية من علماء أجلاء، من جهة أخرى. منهم من كان ينزل في فنادق المدينة، أو مساجدها، ومنهم من كان ينزل ضيفاً في بيت صاحبه، كما هو حال أحمد بن عيسى بن نعمان الاستراباذي، فإنه كان ينزل كل سنة ضيفاً على الإمام أبي بكر الإسماعيلي (٣). وكان محمد بن أحمد بن الحسين الغطريفي نازلاً في داره أيضاً (٤). وكان موسى بن جعفر الفارسي - شيخ الإسماعيلي - ينزل في مسجد بسكة الفرس (٥). وفي خان القطراني كان يسكن محمد بن الحسن بن حمويه الإِستراباذي (ت ٣٤٥ هـ) (٦). وكان محمد بن موسى = ابن الطبري (ت ٤٢٢ هـ) ينزل بخان نُعَيم (٢). (١) انظر الترجمة ٣٨٣. (٢) انظر: مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه ٢٧٠ - ٢٧١ . (٣) انظر تاريخ جرجان ٧٦. (٤) نفس المصدر ٤٩١ . (٥) نفس المصدر ٥٤٠ . (٦) نفس المصدر ٤٧٥ . (٧) نفس المصدر ٥٣١ . ٧٨ وكان ممن دخلها من العلماء أيضاً: الإِمام محمد بن إسحاق بن خُزيمة النيسابوري سنة ثلاثمائة (١). والشاعر معبد بن جمعة الرُوياني(٢). والقاضي عبدالله بن علي بن الحسن القومسي (ت ٣٦٧ هـ)(٣). وغيرهم كثير ممن ذكرهم السهمي في تاريخ جرجان))، كالأصبهاني، البغدادي، والمكي .... إلخ. وفي نفس الوقت الذي كانت فيه جرجان تستقبل وفوداً من علماء مختلف أرجاء العالم الإسلامي، كانت تودِّع أعداداً من أعيان رجالاتها، ليجوبوا الشرق والغرب في رحلاتهم العلمية المباركة، فبرز من بينهم أمثال: علي بن أحمد بن علي بن عمران الجرجاني (ت ٣١١ هـ)، سكن حلب ومات بها(٤). ومحمد بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني، ولي قضاء دمشق قبل سنة ستين وثلاثمائة ، ومات بها(٥). والإمام أبي عبدالله بن عدي (ت ٣٦٥ هـ) كانت رحلته بين جرجان والعراق والشام ومصر (٦). وأبي زرعة الكشي محمد بن يوسف بن الجنيد الجرجاني (ت ٣٩٠ هـ)، رحل إلى نيسابور، وهمذان، والبصرة، وبغداد، والحجاز(٧). وغيرهم كثيرون ممن لا یحصی عددهم . ولما كانت الرحلة تحمل في طياتها ما تحمل من كلفة وعناء ومشقة ، فإنه لا يستطيع أن يقدم عليها كل إنسان، أو أن يقوم بها متى شاء، لذلك وُجد لون جديد لانتقال المعلومات، وتبادل الأفكار، بواسطة الكتابة، عن طريق (١) نفس المصدر ٥٢٦. (٢) نفس المصدر ٥٥٠ . (٣) انظر: تاريخ جرجان ٢٩٦ . (٤) نفس المصدر ٣٣٠. (٥) نفس المصدر ٥٠٨. (٦) نفس المصدر ٢٨٨ . (٧) نفس المصدر ٥٢٤. ٧٩ المراسلات الشخصية التي كان يقوم بها بعض العلماء فيما بينهم . فقد ظهر ذلك جلياً في قول ابن عدي: ((كتب إليّ الحسين بن محمد الآبسكوني، حدثنا محمد بن بندار السباك ... )) ثم ساق باقي الإسناد وذكر حديثاً(١) . وكذلك في قول السهمي: كتب إليّ أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد العزيز المحتسب الجرجاني من نيسابور على يد أخي أبي سعد، سنة أربع وستين وثلاثمائة (٢) . كل ذلك يوضح علاقة جرجان بالعالم الخارجي، ويكشف عن مدى الاتصال الفكري بينها وبين مختلف المدن الإِسلامية . أما علاقة الإسماعيلي بهذه الحركة، فإنها تبدو واضحة أمام من يتتبعه منذ طفولته في الكتاتيب، إلى أن تنقّل بين شيوخه. حتى نضج ووقف نفسه للعلم وطلابه في بيته، ومسجده، وعلى باب داره، وفي كل مكان وجد هو فيه . هكذا عاش الإسماعيلي في عصر يموج بالاضطرابات السياسية، والفتن الداخلية، في وقت كانت فيه جرجان تسير في موكب علمي متطور إزاء النشاط الثقافي المزدهر الذي شهده العالم الإسلامي في تلك الفترة، فكانت تعيش عصراً ذهبياً في حياتها الفكرية بما شهدته من حرية في الفكر، وبما ازدانت به من علماء أجلاء، ومفكرين مبرزين، جعلوا منها ميداناً حياً لحركة فكرية قوية، ساهمت في بناء الحياة الفكرية في مختلف مراكز الفكر الإسلامي. (١) انظر: تاريخ جرجان ١٩١. (٢) نفس المصدر ٣٥١. ٨٠