النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَيْمَهْ
المَبْحَثُ الخَامِسُ: تَعْظِيْمُهُ للسُّنَّة:
قَالَ أَبُوْ الحَسَن مُحَمَّد بن الْحُسَيْنِ بن إِبْرَاهِيْمِ الآبُرِي: ((سَمِعْتُ الإِمَام
مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُوْلُ مَا لا أُحْصِي مِنْ مَرَّةٍ: ((أَنَا عَبْدٌ لأَخَبَارِ رَسُوْلِ
الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم))(١).
وَقَالَ أَبُوْ زَكَرِيًّا العَنْبِرِيّ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمةٍ يَقُولُ: لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ
اللهَّ ◌َِّ قَوْلٌ إِذَا صَحَّ الْخَبَرُّ عَنْهُ))(٢).
وَقَالَ أَبُوْ عَمْرو: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُوْل: ((حَرَجٌ عَلَى
كُلِّ مَنْ سَمِعَ مِنِّي مَسْأَلَةً يُرْوَى عَنِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيَهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ خَبَرٌ
صَحِيْعٌ خِلافَهُ لَمْ يَبْلُغْنِي، أَوْ لَمْ أَحْفَظْهُ فِي وَقَتِ جَوَابٍ أَنْ يَحْكِي عَنِّي تَلْكَ المَسْأَلَةَ
الَّتِي خِلاف قَوْل رَسُوْل الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم، وَكلُّ قَوْلٍ قُلْتُ
خِلاف صَحِيْحًا خَبَرَ رَسُوْل الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ صَحِيْحًا مِنْ جِهَةِ
النَّقْلِ لَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ خِلافُهُ بِسْنَادٍ صَحِيْحٍ
فَاشْهَدُوَا عَلَى رُجُوْعِي عَنْ ذَلِكَ القَوْل، وَأَنَا أَتُوْبُ وَأَسْتَغْفِرُ الله مِنْ كَلِّ قَوْلٍ
قُلْتُ خِلاف قَوْل رَسُوْل الله ◌ٍِّ))(٣).
المَبْحَثُ السَّادِسُ: شَجَاعَتُهُ فِي بَيَانِ الحَقِّ وَرَدِّ الخَطَلِ:
قَالَ أَبُوْ عَبْد الله الحَاكِمِ فِي (تَارِيخِهِ)): قَالَ أَبُو بَكْر بن بَالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْن
◌ُخْزَيْمَة يَقُوْلُ: كُنْتُ عِنْدَ الْأَمِيْرِ إِسْمَاعِيل بن أَحْمَدِ فَحَدَّث عَن أَبِيْهِ بِحَدِيْث وَهِمَ
(١) تَارِيْخ دِمَشْق (٤٣٠/٥٢).
(٢) أَخْرَ جَهُ الْحَاكِمِ فِي مَعْرِفَةِ عُلُوْمِ الحَدِيْث (برقم: ١٩٠).
(٣) طَبَقَات عُلَمَاءِ الحَدِيْث (٤٤٤/٢).

٦٢
المَسَالِكُ القَوِيْمَهُ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَيْمَهْ
فِي إِسْنَادِهِ، فَرَدَدْتُهُ عَلَيْهِ فَلَمَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ أَبُو ذَر القَاضِي قَدْ كُنَّا نَعْرِفُ
أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَطَأْ مُنْذُ عِشْرِيْنَ سَنَةٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ وَاحِدٌ مِنَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ
لَهُ: لَا يَحِلُّ لِ أَنْ أَسْمَعَ حَدِيْثًا لِرَسُوْلِ اللهِوَّهِ فِيهِ خَطَأْ أَو تَخْرِيْفٌ فَلَا أَرُدُّ)(١).
وَقَالَ أَبُوْ عَبْد الله القُضَاعِي: أَنَا مُحَمَّدُ بن عَلِيِّ الْغَازِي، بِالْمُسْجِدِ الْرَامِ، أَنَا
أَبُو عَبْدِ اللهَ، مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللهَّ الْخَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعْدٍ عَمْرَو بن مُحَمَّدٍ بن
مَنْصُورٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ، مُحَمَّدَ بن ◌ِسْحَاقَ بن خُزَيْمَةَ يَقُولُ: لَّا دَخَلْتُ
بُخَارَى فَفِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْأَمِيرِ إِسْمَاعِيلَ بِن أَحْمَدَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ
أَهْلِ الْعِلْمِ، فَذُكِرَتْ فِي حَضْرَتِهِ أَحَادِيثَ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: حَدَّثَنَا أَبِي، نا يَزِيدُ بن
هَارُونَ، عَنْ مُمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّوَّةِ: ((أُقَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ... ))،
الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ: أَيَّدَ الله الْأَمِيرَ، مَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَسُُّ، وَلَا حُمَيْدٌّ، وَلَا
يَزِيدُ بن هَارُونَ، فَسَكَتَ، وَقَالَ: فَكَيْفَ؟ قُلْتُ: هَذَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ، وَمَدَارُهُ عَلَيْهِ، فَلَا قُمْنَا مِنَ الْمُجْلِسِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ صَالِحُ بن مُحَمَّدٍ
الْبَغْدَادِيُّ: يَا أَبَا بَكْرِ جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ لَنَا هَذَا الْإِسْنَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَمْ
يَجْسُرْ وَاحِدٌ مِنَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ))(٢).
المَبْحَثُ السَّابِعُ: كَرَامَاتُهُ:
قَالَ أَبُوْ بَكْر الْخَطِيْب في (تَارِيخِهِ))(٣): حَدَّثَنِى أَبُوْ الفَرَج مُحَمَّد بن عُبَيْدِ
(١) طَبَقَات الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى (١١١/٣).
(٢) مُسْنَدَ الشِّهَاب (٩٧٠/١٠١/٢).
(٣) (٢/ ٥٥٢). وَمِنْ هَذِهِ الطَرِيْقِ أَخْرَجَهَا ابْنُ الجَوْزِي فِي الْمُنْتَظَم (٢٣٤/١٣ - ٢٣٦). وَ ابْنُ
عَسَاكِرٍ فِي تَارِيخِهِ (١٩٢/٥٢ - ١٩٤)، ابنُ مَنْدَهْ فِي التَّقْسِيْدِ (ص: ١١٨).
وَأَخْرَجَهَا ابْنُ الجَوْزِي فِي الْمُنْتَظَمَ أَيْضًا مِنْ طَرِيْقِ أُخْرَى بِنَحْوِ ذَلِكَ.

٦٣
المَسَالِكُ القَوِيْمَهُ بِتَرَاجِم رِجَال ابْن خُزَيْمَهْ
الله بن مُحَمَّد الْخَرْخُوْشِيِ الشِّيْرَازِى لَفْظًا، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَد بن مَنْصُوْر بن مُحَمَّد
الشِّيْرَازِى يَقُوْل: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن أَحْمَدِ الصَّخَّاف السِّجِسْتَانِى قال: سَمِعْتُ أَبَا
العَبَّاس البَكْرِى مِنْ وَلِدِ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيْقِ يَقُوْلُ: جَمَعَتِ الرِّحْلَةُ بَيْنَ مُحَمَّد بن
جَرِيْر، وَمُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَةَ، وَمُحَمَّد بن نَصْرِ المَرْوَزِى، وَمُحَمَّد بن
هَارُوْن الرُّوْيَانِى بِمِصْرَ، فَأَرْمَلُوا وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُم مَا يَقُوْتُهُم، وَأَضَرَّ بِهْمُ الْجُوْعَ،
فَاجْتَمَعُوا لَيْلَةً فِي مَنْزِلٍ كَانُوا يَأْوُون إِلَيْهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمُوا، وَيَضْرِبُوا
القُرْعَة فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةَ سَأَلَ لِأَصْحَابِهِ الطَّعَامَ، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلَى
مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ أَمْهِلُوْنِى حَتَّى أَتَوَضأْ وَأُصَلِّى صَلاةَ
الخِيَرَةَ. قَالَ: فَانْدَفَعَ فِي الصَّلاةِ فَإِذَا هُمْ بِالشَّمُوْعِ وَخَصِيٍّ مِنْ قِبَلِ وَالِ مِصْر يَدُّ
البَابَ، فَفَتَحُوا الْبَابِ فَنَزَلَ عَنْ دَابَتِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّد بن نَصْرِ؟ فَقِيْلَ هُوَ هَذَا.
فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيْهَا خَمْسُوْنَ دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّد بن جَرِيْر؟
فَقَالُوا هَذَا. فَأَخْرَجَ صُرَّةَ فِيْهَا خَمْسُوْنَ دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُم مُحَمَّد بن
هَارُوْن؟ فَقَالُوا: هُوَ ذَا. فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيْهَا خَمْسُوْنَ دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّكُم مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَةَ؟ فَقَالُوا: هُوَ ذَا. فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيْهَا خَمْسُوْنَ
دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الأَمِيْرَ كَانَ قَائِلًا بالأَمْسِ فَرَأَى فِي الَنَامِ خَيَّلًا،
قَالَ: إِنَّ الَحَامِد طَوَوا كَشْحَهُمْ جِيَاعًا، فَأَنْفَذَ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الصِّرَر، وَأَقْسَم عَلَيْكُم
إِذَا نَفَدَتْ فَابْعَثُوا إِلََّّ أَمُدَّكُمْ))(١).
(١) قَالَ شَيْخُنَا الزَّاهِدُ الفَاضِلُ أَبُوْ الفِدَاء عَبْد الرَّقِيْب بن علي بن حَسَن الإِبِّ - حَفِظَهُ الله تَعَالَى- فِي
كِتَابِهِ كَرَامَات الأَوْلِيَاءِ (ص: ٤١٩): الأَثَرُ فِيْهِ مَنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَرَْتِّهِ.

٦٤
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَرَاجِم رِجَال ابْنِ خُزَيْمَهْ
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرِ فِي (البِدَايَةِ)) (١) فِي تَرْجَتِهِ لِاِبْنِ خُزَيْمَة: ((وَهُوَ الَّذِي قَامَ
يُصَلِّيّ حِيْنَ وَقَعْتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ لَيَسْتَرْزِقَ اللهِفِي صَلاتِهِ حِيْنَ أَرْمَلَ هُوَ وَمُحَمَّد بن
نَصْرِ، وَمُحَمَّد بن جَرِيْرِ، وَمُحَمَّد بن هَارُوْن الرُّوْيَانِي، وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُ الجَوْزِي مِنْ
طَرِيْقَيْنِ فِي تَرْجَتِهِ، وَذَلِكَ بِبَلَد مِصْرٍ فِي دَوْلَةٍ أَحْمَد بن طُوْلُوْن فَرَزَقَهُم الله عَلَى
يَدَيْهِ)).
المَبْحَثُ السَّادِسُ: مُنَاظَرَتُهُ الكَلامِيَّة:
قَالَ أَبُوْ عَلِي الْحُسَيْن بن عَلى النَّيْسَابُوْرِي يَقُوْلُ سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن
خُزَيْمَة يَقُوْلُ: دَخَلَ إِلَيَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الكَلامِيَّةِ سَمَّهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُم: إِنْ
كَانَ كَما يَزْعُمُوْنَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا حَتَّى خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَنْتُمْ تَزْعُمُوْنَ
أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِالآخِرِ، وَالله عَزَّ وَجَلَّ يَقُوْلُ: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرِ))، فَلَيْسَ هُوَ
بِالآخِرِ حَتَّى يَفْنَى الْخَلْقَ وَلَيْسَ بِمَلِكِ يَوْمَ الدِّيْنِ لِأَنَّ يَوْمَ الدِّيْن يَوْمَ القِيَامَة،
فَبُهُتُّوَا وَرَجَعُوَاهـ(٢).
الَبْحَثُ الثَّامِنُ: بَذْلُهُ وَسَخَاؤُهُ وَإِكَرَامُهُ لأَهْلِ العِلْم:
أَبُوْ بَكْر لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا جهدَهُ، بَلْ يُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ، وَكَانَ لا يَعْرِفُ
سَنْجَةَ الوَزْنِ، وَلا يُمَيِّزُ بَيْنِ العَشَرَةِ وَالِعِشْرِيْن))(٣).
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: ضِيَافَتُهُ العَظِيْمَةُ العَدِيْمَةُ النَّظِيْرِ فِي بَسَاتِيْنِ نُزْهَتِهِ:
قَالَ أَبُوْ عَبْد الله الحَاكِمِ فِي ((تَارِيخِه)): سَمِعْتُ أَبَا بَكْر أَحْمَد بن إِسْحَاق يَقُوْلُ:
(١) (١٠/٩).
(٢) مَجْلِس مِنْ أَمَالِيِ ابْنِ مَنْدَه (ق: ٦/أ).
(٣) تَارِيْخ الإِسْلام (٧/ ٢٤٤).

٦٥
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
كَانَ مِنْ قَضَاءِ الله أَنَّ الْحَاكِمِ أَبَا سَعِيْدِ (١) لَا تُوُنِي أَظْهَرَ بِن خُزَيْمَة الشَّمَاتَةَ بِوَفَاتِهِ
هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَهْلًا مِنْهُم، فَسَأَلُوْهُ أَنْ يَعْمَلَ ضِيَافَةً، وَكَانَتْ لابن
خُزَيْمَة بَسَاتِيْن نُزْهَة، فَأُكْرِهْتُ أَنَا مِنْ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْخُرُوْجِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَيْهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُوْ أَحْمَدِ الْحُسَيْن بن عَلى أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ فِي بُمَادَى الْأُوْلَى
سَنَة تِسْعٍ، وَكَانَتْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا، عَمِلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فَأَحْضَرَ جُمْلَةً مِنَ الأَغْنَام،
وَالِحِمْلان وَأَعْدَال السُّكّرِ، وَالفُرُشِ، والآلاتِ، وَالطَّبَّاخِيْنَ، ثُمَّ تَقَّدَمَ إِلَى جَمَاعَةٍ
مِنَ المُحَدِّثِيْنِ مِنَ الثُّبَّانِ وَالشُّيُوْخِ، فَاجْتَمَعُوا بِجَنْزَرُوْذ، وَرَكِبُوَا مِنْهَا، وَتَقَدَّمَهُم
أَبُوْ بَكْرِ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَخْرِقُ الأَسْوَاقَ سُوْقًا سُوْقَا، يَسْأَّهُمْ أَنْ يُحِيْبُوهُ، وَيَقُوْلُ:
سَأَلْتُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى الفُتُّوَةِ وَالَحَيَّةِ لِي أَنْ يَلْزَمَ جَمَاعَتِنَا الْيَوَمَ، فَكَانُوا يَحِيْتُوَن فَوْجًا
فَوْجَا، حَتَّى لَمْيَبْقَ كَبِير أَحَدٍ فِي البَلَدِ.
وَالطََّّاخُوَنَ يَطْبَخُوْنَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَبَّازِيْنَ يَخْبِزُوَن، حَتَّى ◌ُِلَ ◌َيْعِ مَا وَجَدُوَا
أَيْضًا فِي البَلَدِ مِنَ الْخُبْزِ، وَالشِّوَاءِ عَلَى الِغَالِ وَالْجِمَالِ وَالْحَمِيْرِ، وَالإِمَامُ قَائِمٌ يَجْرِي
أَمْرَ الضِّيَافَة عَلَى أَحْسَنِ مَا يَكُوْنُ حَتَّى شَهِدَ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ لَم يَشْهَدْ مِثْلَهَا))(٢).
قَالَ الْحَاكِمِ: ((وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الْخَلْقِ، لا يَتَهَيَُّ مِثْلَهُ إِلا لِسُطْانٍ
کبیر)»(٣).
(١) هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بن الحُسَيْن بن خَالِد أَبُوْ سَعِيْدِ النَّيْسَابُوْرِي القَاضِي الْحَفِي تُوُلِّ سَنَة تِسْعٍ
وَثَلاثُمَثَة. قَالَ الذَّهَبِي فِي تَارِيخِهِ (٧/ ١٤٥): كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مُنَافَرَةٌ بَيَِّةٌ، فَمَّا مَاتَ
أَظْهَرَ السُّرُوْرَ، وَعَمِلَ دَعْوَةً.
(٢) تَذْكِرَة الحُفَّاظ (٧٢٤/٢ - ٧٢٥).
(٣) طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى (١١٩/٣).

٦٦
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَرَاجِم رِجَال ابْنِ خُزَيْمَهْ
وَقَدْ لَخَّصَ هَذِهِ الضِّيَافَةَ العَظِيْمَةَ الَهِيْبَةَ، الْخَافِظُ الذَّهَبِي فَقَالَ في (ثَارِ يخِهِ))(١):
نَقَلَ الْحَاكِمِ فِي («تَارِيخِهِ)) أَنَّ ابنَ خُزَيْمَةَ عَمِلَ دَعْوَةً عَظِيْمَةً بِبُسْتَانٍ، فَمَرَّ فِي
الأَسْوَاقِ يَعْزِمُ عَلَى النُّجَّارِ، فَبَادَرُوَا مَعَهُ وَخَرَجُوَا، وَنَقَلَ كُلَّ مَا فِي البَلَدِ مِنَ
المَكِلِ وَالشِّواءِ وَالحَلْواءِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الْخَلْقِ، لَمْ يَتَهَيَأْ مِثْلَهُ إِلَّا
لِسُلْطَانٍ گَبِيْر)».
وَقَالَ الذَّهَبِي فِي ((الَّذْكِرَة))(٢):
((سَاقَ الْحَاكَمُ فِي ((تَارِيخِ)) أَنَّهُ عَمِلَ دَعْوَةً عَظِيْمَةً عَدِيْمَةَ النَّظِيْرِ فِي بُسْتَانٍ
خَرَجَ إِلَيْهِ، يَمُرُّ فِي أَسْوَاقِ نَيْسَابُوْرِ، وَيَعْزِمُ عَلَى النَّاسِ، وَيُبَادِرُوَنَ مَعَهُ فَرِحِيْنَ
مَسْرُوْرِيْن حَامِلِيْنَ مَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ الشِّواءِ وَالْحَلْوَاءِ وَالطِّبَاتِ، حَتَّى لَمْ يَتْرُكُوَا فِي
الَدِيْنَةِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ عَالَمٌ لا يُحْصَوْنَ، وَهَذِهِ دَعْوَةٌ لَمْ يَتَهَيّأْ مِثْلُهَا إِلا
لِسُلْطَانٍ».
(١) (٢٤٦/٧).
(٢) (٧٢٩/٢).

٦٧
المَسَالِكُ القَوِيْمَهُ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَيْمَهْ
الفَصْلُ الثَّالِثُ: مَذْهَبُهُ الاعْتِقَادِي وَالفِقْهِي
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَذْهَبُهُ الاعْتِقَادِي
يُعَدُّ الإِمَامِ ابْنُ خْزَيْمَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيْثِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، المُقَرِّرِيْنَ
لِعَقِيْدَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّبِعِيْنِ رُضْوَان الله عَلَيْهِم.
وَفِي مَبْحَثِنَا هَذَا سَأَذْكُرُ شَذَرَاتٍ مِنْ كَلامِهِ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ الَّتِي كَثُرَ فِيْهَا
الخَوْضُ وَالكَلامُ، بَيْنَ الْمُتَّبِعِيْنَ للسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْن، وَالْخَلَفِ
المُتَأَخِّرِيْن(١).
مَذْهَبُهُ فِي الاسْتِوَاء:
قَالَ مُحَمَّد بن صَالِحِ بن هَانِئ: سَمِعْتُ ابن خُزَيْمة يَقُولُ: مَنْ لَمْ يُقِر بِأَنَّ الله
عَلَى عَرْشِهِ قَدْ اسْتَوَى فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِرَبِهِ، يُسْتَنَابُ؛ فَإِنْ تَابَ وِإِلا
ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَأُلْقِي عَلَى بَعْضِ الَابِلِ، حَيْثُ لا يَتَأَذَّى الْمُسْلِمُوْن وَالْمُعَاهِدُوْنَ
بِنْتَنِ جِيْفَتِهِ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا، لا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِيْنِ، إِذْ ((المُسْلِمُ لا يَرِثُ
الكَافِرِ)) كَمَا قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم))(٢).
(١) وَلِلِفَائِدَةِ: فَقَدْ تَعَرَّضَ الأَخُ الكَرِيْم د. عَبْد العَزِيْزِ شَاكِرِ الكُبَيْسِي لِذَا الَبْحَثِ بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَشُعِ
فِي كِتَابِهِ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَة وَمَنْهَجُهُ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيْحِ (٩٩/١-١٢٢).
(٢) أَخْرَ جَهُ الْحَاكِمِ فِي مَعْرِفَةٍ عُلُوْمِ الْحَدِيْث (برقم: ١٨٧). وَمِنْ طَرِيْقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُوْ عُثْمَانِ الصَّابُوْنِي
فِي عَقِيْدَةِ السَّلَف وَأَصْحَاب الحَدِيْث (ص: ١٨٧).
قَالَ الذَّهَبِيِ فِي النُّبَلاءِ (١٤ / ٣٧٣): قُلْتُ: مَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ تَصْدِيْقاً لِكِتَابِ اللهِ، وَلأَحَادِيْثِ رَسُوْلٍ
الله - وَهُ - وَآمَنَ بِهِ مُفَوِّضاً مَعْنَاهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، وَلَمْ يَخُضْ فِي التَّأْوِيْلِ وَلاَ عَمَّقَ، فَهُوَ الْمُسْلِمُ
الَّبِعُ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَدْرِ بِثُبُوْتِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهُوَ مُقَصِّرٌ وَاللهِ يَعْفُو عَنْهُ، إِذْ لَمْ
=

٦٨
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِفِي ((النُّوْنِيَّة))(١):
إِذْ سَلَّ سَيْفَ الْحَقِّ وَالعِرْفَانِ
وَهُوَ الَّذِي قَدْ شَجَّعَ ابْنَ خُزَيْمَةٍ
بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِمْ مِنَ الكُفْرَانِ
وَقَضَى بِقَتْلِ الْمُنْكِرِيْنَ عُلُوَّهُ
قَ مَزَابِلَ الَيْتَاتِ وَالأَنْتَانِ
وَبِأَنَّهُمْ يُلْقَوْنَ بَعْدَ القَتْلِ فَوْ
يُدْعَى إِمَامٍ أَئِمَّةِ الأَزْمَانِ
فَشَفَى الإِمَامُ العَالِمُ الْحَبْرُ الَّذِي
فِي كُتْبِهِ عَنْهُ بِلَا نُكْرَانٍ
وَلَقَدْ حَكَاهُ الْحَاكِمُ العَدْلُ الرِّضَا
مَذْهَبُهُ فِي القُرْآن:
قَالَ أَبُوْ الوَلِيْدِ الفَقِيْهُ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمَة يَقُولُ: ((القُرْآنُ كَلامُ اللهَ، وَمَنْ
قَالَ: مَخْلُوْقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، يُسْتَتَابُ؛ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَلا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ
المُسْلِمِيْنِ))(٢).
وَقَالَ أَبُوْ سَعْد عَبْد الرَّ حْمَن ابن الْمُقْرِئ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمَة يَقُولُ: القُرْآن
كَلامُ اللهَّ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيْلُهُ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ شَيْئًا مِنْ تَنْزِيْلِهِ وَوَحْيِهِ
تَخْلُوْقٌ، أَوْ يَقُوْلُ: إِنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى تَخْلُوْقَةٍ، أَوْ يَقُوْلُ: إِنَّ القُرْآن مُحْدَثٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ،
وَمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِي بْانَ لَهُ أَنَّ الْكُلِّيَة كَذَبَةٌ فِيمَا يَحْكُوْن عَنَّيّ فَقَدْ عَرَفَ الخَلْقُ أَنَّهُ لَمْ
=
يُوجِبِ اللّهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حِفِظَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَنكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ العِلْمِ، وَقَفَا غَيْرَ سَبِيْلِ
السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَتَعَقَلَ عَلَى النَّصِّ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الضَّلَاَلِ وَالقَوَى. وَكَلامُ ابْنِ
خُزَيْمَةَ هَذَا - وَإِنْ كَانَ حَقّاً - فَهُوَ فَجِّ، لاَ تَحْتَمِلُهُ نُفُوْسُ كَثِيْرٍ مِنْ مُتَأَخِرِي العُلَماءِ.
(١) (ص: ٨٩).
(٢) تَارِيْخ الإِسْلام (٧/ ٢٤٥)، وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ أَبُوْ عُثْمَانِ الصَّابُوْنِي فِي عَقِيْدَةِ السَّلَف وَأَصْحَابِ
الحَدِيْث (ص: ١٦٧).

٦٩
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
يُصَنِّفْ أَحَدٌ فِي التَّوْحِيْدِ، وَالقَدَرِ، وَأُصُوْلِ العِلْمِ مِثْلَ تَصْنِيْفِي))(١).
عَقِيْدَتُهُ في الصِّفَاتِ:
قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ ((التَّوْحِيْدِ))(٢): ((فَنَحْنُ وَجَمِيعُ عُلَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ،
وَتِهَامَةَ، وَالْيَمَنِ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، مَذْهَبُنَا: أَنَّا نُشْبِتُ الله مَا أَثْبَتَهُ الله
لِنَفْسِهِ، نُفِرُّ بِذَلِكَ بِأَلْسِنَتِنَا، وَنُصَدِّقُ ذَلِكَ بِقُلُوبِنَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نُشَبِّهَ وَجْهَ خَالِقِنَا
بِوَجْهِ أَحَدٍ مِنَ الْمُخْلُوقِينَ، عَزَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ يُشْبِهَ الْمُخْلُوقِينَ، وَجَلَّ رَبُّنَا عَنْ مَقَالَةٍ
الْمُعَطِّلِينَ، وَعَّ أَنْ يَكُونَ عَدَمَا كَمَا قَالَهُ المُبْطِلُونَ، لِأَنَّ مَا لَا صِفَةَ لَهُ عَدَمٌ! تَعَالَى
اللهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَهْمِيُّونَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ صِفَاتِ خَالِقِنَا الَّذِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي
مُحُكَمٍ تَنْزِيلِهِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِّهِ)).
عَقِيْدَتُهُ فِي الصَّحَابَةِ:
قَالَ البَيْهَقِي فِي ((الاعْتِقَاد))(٣): أَخْبَرَنَا أَبُوْ عَبْد الله الْحَافِظِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
بَكْرٍ مُحَمَّد بن جَعْفَرِ الْمُزَكِِّ، وَأَبَا الطَّيِّب مُحَمَّدَ بن أَحْمَدِ الكَرَائِيْسِي، وَأَبًا أَحْمَد بن
أَبِ الحَسَن الدَّارِمِي يَقُوْلُوْن سَمِعْنَا أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ يَقُوْلُ - وَهُوَ ابْنُ
خُزَيْمَةَ - رَحِمَهُ الله -: ((خَيْرُ النَّاسَ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم
وَأَوْلاهُم بِالْخِلافَةَ أَبُوْ بَكْر الصِّدِّيْقِ ثُمَّ عُمَر الفَارُوْق، ثُمَّ عُثْمَان ذُوْ النُّوْرَيْنِ، ثُمَّ
عَلي بن أَبِي طَالِب رَحِمَةُ الله وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْن. قَالَ: ((وَكُلُّ مَنْ نَازَعَ أَمِيْر
المُؤْمِنِيْنَ عَلي بن أَبِي طَالِبٍ فِي إِمَارَتِهِ فَهْوُ بَاغٍ، عَلَى هَذَا عَهِدْتُ مَشَاءِنَا، وَبِهِ
(١) أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي تَارِيخِه كَمَا فِي تَارِيْخ الإِسْلام (٢٤٦/٧).
(٢) (ص: ٤٠).
(٣) (ص: ٥٣١)، مَعْرِفَةِ عُلُوْمِ الحَدِيْث (ص: ٢٨٦) ..

٧٠
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
قَالَ ابْنُ إِدْرِيْس))(١). يَعْنِي: الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ غَايَةٌ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ أَبُوْ مَنْصُوْر عَبْد القَادِر بن
طَاهِرِ البَغْدَادِي في كتابه(٢)، وَابْنُ الصَّلاحِ، وَابْنُ كَثِيْرِ (٣)، وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ (٤)
عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةٍ مِنْ أَنَّهُ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ رَضِي الله عَنْهُمَا، فَيُنْظَرَ فِي صِحَّةِ
إِسْنَادِ ذَلِكَ عَنْهُ.
المَبْحَثُ الثَّانِي: مَذْهَبُهُ الفِقْهِي:
وَقد اشْتَمِلَ هَذَا الَبْحَثُ عَلَى العَنَاصِرِ الآتية:
بِدَايَةُ أَخْذِهِ للِفِقْهِ:
قَالَ الْحَاكِمِ في ((تَارِيخِهِ)): ((سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيْدِ حَسَّان بن مُحَمَّد الفَقِيْهِ وَسُئِلَ
عِنْدَ مَنْ تَفَقَّهَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة قَبْلَ خُرُوْجِهِ إِلَى مِصْر؟ فَقَال: عِنْدَ
أَحْمَد بن نَصْرِ الْمُقْرِئُ، فَقِيْل: وَعَلَى مَذْهَب مَنْ كَانَ؟ يَعْنِي: أَحْمَد بن نَصْرِ قَالَ:
عَلَى مَذْهَب أَبِي عُبَيْد، خَرَجَ إِلَيْهِ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ مُتَفَقِّهَا، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ
الگُتُب))(٥).
وَقَالَ السَّمْعَانِي: ((أَدْرَكَ أَصْحَابَ الشَّافِعِي، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِم))(٦).
(١) إِسْنَادُهُ صَحِيْح.
(٢) أُصُوْل الدِّيَانَة (ص: ٤٠).
(٣) اخْتِصَار عُلُوْم الحَدِيْث (٢/ ١٢٢).
(٤) تَهْذِيْب التَّهْذِيْب (٣/ ٥٠١).
تَنْهُ: هَاتَانِ المَسْأَلَتَانِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي الخِلافُ فِيْهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَاعَةِ أَنْفُسِهِم.
(٥) تَارِيْخ دِمَشْق (٦/ ٤٧).
(٦) الأَنْسَاب (١١٤/٥).

٧١
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
وَقَالَ الذَّهَبِي: ((تَفَقَّهَ عَلَى الْمُزَنِيّ وَغَيْرِه))(١).
وَقَالَ ابْنُ الْمُقِّن: (تَفَقَّهَ عَلَى الرَّبِيْعِ، وَالُزَنِي)(٢).
وَقَالَ أَبُوْ بَكْرِ ابْنُ هِدَايَةِ الله الحُسَيْنِي: (تَفَقَّهَ عَلَى الْبُوْطِي، وَالُزَني))(٣).
الَذْهَبُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَيْهِ:
وَقَالَ النَّوَوِي فِي ((الَجْمُوْع)): ((مُحَمَّدُ بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَةِ الإِمَامِ مِنْ
أَصْحَابِنَا، تَكَرَّرَ فِي ((الرَّوْضَة)) (٤).
وَقَالَ - أَيْضًا: (( ... وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُوْ بَكْر بن خُزَيْمَة)» (٥).
وَقَالَ مَرَّةً: (( ... إِمَامُ الأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِنَا
الفُقَهَاء)).
وَقَالَ مَرَّةً: ((وَجَلالَةُ ابْنِ خُزَيْمَة وَإِمَامَتُهُ فِي الْحَدِيْثِ وَالفِقْهِ وَمَعْرِفَتِهِ
◌ِنُصُوْصِ الشَّافِعِي بِالِحِلِّ الَعْرُوْف)).
قَالَ شَيْخِ الإِسْلامِ ابن تَيْمِيَّة: مُحَمَّدُ بن إِسْحَاقَ بن خُزَيْمَةَ المُكَقَّبُ إمَامُ
الْأَئِمَّةِ وَهُوَ يِمَّنْ يَفْرَحُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِمَا يَنْصُرُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَيَكَادُ يُقَالُ لَيْسَ
فِيهِمْ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ)(٦).
(١) العِبَرَ (٤٦٢/١).
(٢) العَقْدِ الْمُذَهَب (ص: ٣٨).
(٣) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة (ص: ٤٨).
(٤) تَهْذِيْب الأَسْمَاء (ص: ١٤٧).
(٥) المَجْمُوْع (٢/ ٦١).
(٦) مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (١٧٩/٣٣).

٧٢
المَسَالِكُ القَوِيْمَهُ بِتَراجِم رِجَال ابْن خُزَیْمَهْ
وَقَالَ السُّبُكِّي: ((الْمُحَمَّدُوْن الْأَرْبَعَة: مُحَمَّد بن نَصْرِ، وَمُحَمَّد بن جَرِيْرِ، وَابْنِ
خُزَيْمَة وَابْنِ الْمُنْذِر مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ بَلَغُوَا دَرَجَة الإِجْتِهَادِ المطلقِ، وَلَم يُخْرِجْهُم
ذَلِك عَن كَوْنِم مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِى المُخَرِّجِيْنِ عَلَى أُصُوْلِهِ الْمُتَمَذْهِيْنَ
بِمَذْهَبِهِ لِهِفَاقِ اجْتِهَادِهِم اجْتِهَادُهُ، بَلْ قَدْ ادّعَى مَنْ هُوَ بَعْدُ مِنْ أَصْحَابنَا الخُلَّص
كَالشَّيْخِ أَبِى عَلَى وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمْ وَافَقَ رَأْيُهُمْ رَأَى الإِمَامِ الْأَعْظَم، فَتَبِعُوْهُ وَنُسِبُوَا
إِلَيْهِ لَا أَنَّهُمْ مُقَلِّدُوْنَ فَا ظَنُّكَ بِهَؤُلاءِ الْأَرْبَعَة فَإِنَهُمْ وَإِن خَرجُوا عَن رَأْى الإِمَام
الْأَعْظَمِ فِي كَثِيْرِ مِنَ الْمُسَائِلِ فَلَمْ يَخْرُجُوَا فِي الْأَغْلَبِ، فَاعْرِفْ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَّهُم
فِي أَحْزَابِ الشَّافِعِيَّة مَعْدُوْدُوْن وَعَلَى أُصُوْلِهِ فِي الْأَغْلَبِ مُخَرِّجُوْن، وَبِطَرِيْقِهِ
مُتَهَذِّبُوْن، وَبِمَذْهَبِهِ مُتَمَذْهِبُوْن)).
وَقَالَ مَرَّةً: ((ابْنُ نَصْرِ، وَابْنُ جَرِيْرِ، وَابْنُ خُزَيْمَةٍ مِنْ أَرْكَانِ مَذْهَبِنَا)).
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي ((الفَتْحِ)) (١): ((وَاخْتَارَهُ ابْنُ خُزَيْمَةٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَدِّثِيّ
الشَّافِعِيَّةِ)).
وَقَالَ مَرَّةً: ((وَوَافَقَهُم مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنِ خُزَيْمَة))(٢).
وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي فُقَهَاء الشَّافِعِيَّةِ: أَبُوْ عَاصِمِ العَبَّادِي(٣)، والشِّيْرَازِي(٤)،
وَتَبِعَهُمَا: تَاج الدِّيْنِ السُّبُكِي(٥)، وَجَل الدِّيْنِ الإِسْنَوِي(٦)، وَعِمَاد الدِّيْن
(١) (٣١٠/١).
(٢) (٣٣٨/١).
(٣) طَبَقَات فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّة (ل: ١٧ /أ).
(٤) طَبَقَات الفُقَهَاء (ص: ١١٦).
(٥) الطَّبَّقَاتِ الكُبْرَى(١٠٩/٣).
(٦) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة (٢٢١/١).

٧٣
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَرَاجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
ابن كَثِيْر(١)، وَسِرَاجِ الدِّيْن ابن المُلَقِّن (٢)، وَتَقِي الدِّيْن ابن قَاضِي شُهْبَه(٣)، وَابن
هِدَايَةِ الله الحُسَيْنِي (٤).
وَوَصَفَهُ الذَّهَبِيُّ ((بِالشَّافِعِي))(٥).
إِمَامَتُهُ فِي الفِقْهِ، وَقُوَّةُ اسْتِنْبَاطِهِ لِلأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ:
وَصَفَهَ بِالفَقِيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الَّذِيْنِ أَخَذُوَا عَنْهُ، مِنْهُم: الحَافِظُ أَبُوْ
أَحْمَدِ الْحَاكِمِ الكَبِيْرِ(٦)، وَمُحَمَّد بن أَبِي زَكَرِيًّا الهَمَذَانِي (٧)،
وَقَالَ أَبُوْ بَكْرِ الصَّدَفِي: ((أَبُوْ بَكْر ابن خُزَيْمَة يَسْتَخْرِجُ النُّكَتَ وَالَمَعَانِيَ مِنْ
حَدِيْثِ رَسُوْلِ الله ◌ِ﴾ بِالمَنَاقِيْش)».
وَقَالَ أبو العَبَّاسِ أَحْمَد بن عُمَر بن سُرَيْج فَقِيْهُ العِرَاقَيْنِ وَذُكِرَ عِنْدَهُ ابن
خُزَيْمَة، فَقَالَ: أَبُوْ بَكْر يَسْتَخْرِجُ الفِقْهَ مِنَ الْحَدِيْثِ بِالِنْقَاشِ)) (٨).
وَفِي لَفْظٍ: ((يُخَرِّجُ النُّكَتَ مِنْ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ لَ بِالِمِنْقَاش))(٩).
(١) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة (ص: ٢١٢).
(٢) العَقْد الْمُذَهَّب (برقم: ٥٦).
(٣) طَبَقَات الشَّافِعِيَّةِ (٩٩/١).
(٤) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة (ص: ٤٨).
(٥) النُّبَلاء (١٤ / ٣٦٥).
(٦) الأَسَامِي وَالكُنَى (٢/ ٢١٢).
(٧) الفَوَائَد وَالأَخْبَار وَالِحِكَايَات لابن حَمْكَان (برقم: ١، ٢٦،٢٣).
(٨) طَبَقَّات العَبَّادِي (ل: ١٧ /أ).
(٩) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمِ فِي مَعْرِفَة عُلُوْم الحَدِيْث (برقم: ١٨٤)، وَمِنْ طَرِيْقِهِ شَرَف الدِّيْن المَقْدَسِي فِي
الأَرْبَعِيْن (ص: ٣٣٤).

٧٤
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَرَاجِم رِجَال ابْن خُزَيْمَهْ
وَقَالَ أَبُوْ الحَسَن عَلي بن الحَسَن بن مُحَمَّد السَّنْجَانِي أَحَدُ فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة:
(نَظَرْتُ فِي مَسْأَلَةِ الحَج)) لِمُحَمَّد بن إِسْحَاق؛ فَتَيَقَّنْتُ أَنَّهُ عِلْمٌ لا نُحْسِنُهُ
نَحْنُ))(١).
وَقَالَ الْإِمَامِ أَبُوْ عَلِيّ الحَافِظِ: ((كَانَ ابنُ خُزَيْمَة يَحْفَظُ الفِقْهِيَّاتِ مِنْ حَدِيْثِهِ،
كَمَا يَحْفَظُ القَارِئُ السُّوْرَة)»(٢).
وَذَكَرَهُ أَبُوْ عَبْد الله الْحَاكِمِ فِي فُقَهَاءِ الإِسْلامِ أَصْحَابِ القِيَاسِ وَالرَّأْي،
والاسْتِنْبَاطِ وَالجَدَل وَالنَّظَرِ، وَقَالَ: ((وَلَهُ فِقْهُ حَدِيْثِ بَرِيْرَةٍ فِي ثَلاثَةِ أَجْزَاءٍ،
وَمَسْأَلَة الحَجّ فِي ◌َمْسَةِ أَجْزَاءٍ))(٣).
بُلُوْغُهُ دَرَجَةِ الاجْتِهَادِ المُطْلَق:
يُعَدُّ الإِمَامُ ابنُ خُزَيْمَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ المُجْتَهِدِيْنِ فِي دِيْنِ الإِسْلام، غَيَرِ المُقَلِّدِيْنَ
لِأَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَعْلامِ، وَقَدْ كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهِبِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِهِ،
حَتَّى صَارَ مَنْ يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ يُقَالُ لَهُ: الْخُزَيْمِيُّ (٤).
قَالَ الشِّيْرَازِي فِي طَبَقَاتِ الفُقَهَاء)» (٥): ((حَكَىَ عَنْهُ أَبُوْ بَكْرِ النَّقَّاشِ أَنَّهُ قَالَ:
((مَا قَلَّدْتُ أَحَدًا فِي مَسْأَلَةٍ مُنْذُ بَلَغْتُ سِت عَشْرَة سَنَةٌ)).
(١) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمِ فِي مَعْرِفَة عُلُوْم الْحَدِيْث (برقم: ١٨٥). وَمِنْ طَرِيْقِهِ شَرَف الدِّيْنِ الَقْدَسِي فِي
الأَرْبَعِيْن (ص: ٣٣٥).
(٢) تَارِيْخ الإِسْلام (٢٤٦/٧).
(٣) مَعْرِفَةِ عُلُوْمِ الحَدِيْث (ص: ٢٨٤).
(٤) الأَنْسَاب (١١٤/٥).
(٥) (ص: ١١٦).

٧٥
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَرَاجِم رِجَال ابْن خُزَیْمَهْ
وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرِ فِي (البِدَايَة))(١): وَهُوَ مِنَ المُجْتَهِدِيْنِ فِي دِيْنِ الإِسْلامِ)).
وَذَكَرَ الحاكم في ((تَارِيخِهِ) أَنَّ عَلي بن أَحْمَدَ كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنٍ خُزَيَعْة.
وَقَالَ الْحَاكِمِ فِي (تَارِيخِهِ)): ((دَعْلَج بن أَحْمَدِ السِّجْزِيُّ شَيْخُ أَهْل الحَدِيْث في
عَصْرِهِ، سَمِعَ (الْمُصَنَّفَات)) مِنْ أَبِي بَكْر ابنِ خُزَيْمَة، وَكَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِهِ،
سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ ذَلِكَ))(٢).
وَعَدَّهُ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّ أَثْنَاء ذِكْرِهِ لَذَاهِبِ الفُقَهَاءِ فِي فُقَهَاءِ أَهْلِ
الحَدِيْث(٣).
وَقَالَ لَّا سُئِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيْثِ مِنْهُمْ ابْنُ خُزَيْمَة هَلْ كَانَ هَؤُلاءِ
مُجْتَهِدُوْن لَمْ يُقَلِّدُوَا أَحَدًا مِنَ الأَئِمَّة؟ أَم كَانُوا مُقَلِّدِيْن؟ فَقَالَ: ((أَمَّا مُسْلِمٍ،
وَالتِّرْمِذِي، وَالنَّسَائِي، وَابْنُ مَاجَه، وَابْنُ خُزَيْمَة، وَأَبُوْ يَعْلَى، وَالبَزَّارِ، وَنَحْوُهُم،
فَهُمْ عَلَى مَذْهَبٍ أَهْلِ الحَدِيْثِ، لَيْسُوَا مُقَلِّدِيْنَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنَ العُلَاءِ، وَلا مِنَ
الأَثّمَةِ الْمُجْتَهِدِيْنَ عَلَى الإِطْلاقِ، بَلْ هُمْ يَمِيْلُوَنَ إِلَى قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيْثِ كَالشَّافِعِيِّ،
وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِ عُبَيْدٍ وَأَمْثَالِم))(٤).
وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ فِي ((البِدَايَة))(٥): وَهُوَ مِنَ الْمُجْتَهِدِيْنِ فِي دِيْنِ الإِسْلامِ)).
(١) (٩/٩).
(٢) تَارِيْخ دِمَشْق (٢٧٩/١٧).
(٣) اخْتِيَارَات شَيْخِ الإِسْلام لابن عَبْد الهَادِي (ص: ١٨١).
(٤) مَجْمُوْع الفَتَاوَى (٣٩/٢٠-٤٠).
(٥) (٩/٩).

٧٦
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَرَاجِم رِجَال ابْنِ خُزَيْمَهْ
وَقَالَ ابْنُ قَيِّم الجَوْزِيَّة: ((كَانَ إِمَامُ الأَئِمَّة ابنُ خَزَيْمَةٍ - رَحِمَهُ الله تَعَالَى- لَهُ
أَصْحَابٌ يَنْتَحِلُوْنَ مَذْهَبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا؛ بَلْ إِمَامًا مُسْتَقِلًا كَمَا ذَكَرَ البَيَهْقَيِ فِي
((مَدْخَلِهِ)) عَن يَخْيَى بن مُحَمَّد العَنْبَرِي قَالَ: طَبَقَّات أَصْحَاب الْحَدِيْثِ خَمْسَةٌ:
المَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَبِيَّةِ، وَالرَّاهَوِيَّة، وَالْخُزَيْمِّيَّة أَصْحَاب ابن خُزْيَمَة))(١).
وَقَالَ السُّبُكِّي: ((الُحَمَّدُوْن الْأَرْبَعَة: مُحَمَّد بن نَصْرِ، وَمُحَمَّد بن جَرِيْر، وَابْنِ
خُزَيْمَة وَابْنِ الْمُنْذر مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ بَلَغُوَا دَرَجَة الإِجْتِهَاد المُطلق)).
تَقَيِّد بَعْضُ حُفَّاظٍ زَمَانِهِ بِالفَتْوَى عَلَى مَذْهَبِهِ.
قَالَ الْحَاكِمِ فِي (تَارِيخِهِ)): ((عَلي بن أَحْمَدَ كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنٍ خُزَيْمَة)).
(١) إِعْلامِ المُوَفِّعِيْن (٤/ ٤١).

٧٧
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
الباب الثّاني: حياته العلميّة
الفَصْلُ الأَوّلُ: سِيْرَتُهُ العِلْمِيَّةِ وَالدَّعَوِيَّة
الَبْحَثُ الأَوَّل: نَشْأَتُهُ العِلْمِيَّةِ:
نَشَأَ الإِمَامُ ابنُ خُزَيْمَةِ - رَحِمَهُ الله تَعَالَى - مُنْذُ نُعُوْمَةِ أَظْفَارِهِ فِي مَسْقَطِ رَأْسِهِ
مَدِيْنَةِ نَيْسَابُوْر؛ أَعْظَم مُدنِ خُرَاسَان وَأَشْهَرِهَا، وَأَكْثَرِهَا أَئِمَّةً فِي مُخْتَلِفِ العُلُوْمِ.
قَالَ يَاقُوْت الحَمَوِي فِي ((مُعْجَمِ البُلْدَان))(١): (نَيْسَابُوْر: هِي مَدِيْنَةٌ عَظِيمَةٌ
ذَاتُ فَضَائِلِ جَسِيْمَةٌ، مَعْدِنُ الفُضَلَاءِ، وَمَنْبَعُ العُلَمَاءِ، لَمْ أَرَ فِيُمَا طَوَّفْتُ مِنَ البِلادِ
مَدِيْنَةً كَانَتْ مِثْلهَا».
قَالَ السُّبُكِي: («كَانَتْ نَيْسَابُوْر مِنْ أَجَلِّ البَلادِ وَأَعْظَمِهَا، لَمْ يَكُنْ بَعْدَ بَغْدَادِ
مِثْلھَا))(٢).
وَقَالَ - أَيْضًا -: ((نَيْسَابُوْر قَاعِدَةُ بِلادِ خُرَاسَانِ إِذْ ذَاكَ فِي العِلْم))(٣).
هَذِهِ هِي المَدِيْنَةُ الَّتِي تَرَعْرَعَ فِيْهَا، وََهَلَ مِنْ مَعِيْنِهَا، وَتَنَقَّلَ فِي سِكَكِهَا
وَدَهَلِيْزِهَا، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَئِمَّتِهَا، وَأَعْلامِهَا، وَمَشَاهِيْرِ عُلَائِهَا، وَالوَارِدِيْن عَلَيْهَا،
وَقَدْ كَانَ سَمَاعُهُ بِهَا قَبَلَ سِنِّ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، فِي حَدَاثَةِ سِنِّهِ، وَنَقْصٍ
إِنْقَانِهِ.
(١) مُعْجَم البُلْدَان (٣٣١/٥).
(٢) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة (٣٢٤/١).
(٣) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة (٣٨٩/٣).

٧٨
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
قَالَ ابْنُ عَبْد الهَادِي: ((عُنَي بِهَذَا الشَّأن مِنْ صِغَرِهِ، وَسَمِعَ مِنْ إِسْحَاق بن
رَاهُوْيَهِ، وَمُحَمَّد بن ◌ُمَيْد، وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُمَا لِصِغَرِهِ وَقْتِ السَّمَاعِ))(١).
وَقَالَ الذَّهَبِي: ((عُنَي بِهَذَا الشَّأن في الحداثة، وَسَمِعَ مِنْ إِسْحَاق بن رَاهُوْيَه،
وَمُحَمَّد بن حُمَيّد، وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُمَا لِصِغَرِهِ وَنَقْصٍ إِنْقَانِهِ إِذْ ذَاك))(٢).
وَقَالَ فِي: ((عُنِي فِي حَدَاثَتِهِ بالْحَدِيْثِ وَالفِقْهِ، حَتَّى صَارَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي
سَعَةِ العِلْمِ وَالإِثْقَان))(٣).
وَقَالَ السُّبُّكِي فِي ((طَبَقَاتِهِ)) (٤): ((وَكَانَ سَمَاعُهُ بِنَيْسَابُوْرِ فِى صِغَرِهِ)).
وَقَدْ أَكْرَمَهُ الله تَعَالَى بِأَنْ كَانَ مِنْ أُسْرَةٍ ذَاتِ دِيْنٍ وَصَلاحٍ، وَعِلْمٍ وَفَلاحٍ،
اعْتَنَوَا بِهِ عِنَايَةً فَائِقَة، فَحَرَصُوَا عَلَى حِفْظِهِ للقُرْآن الكَرِيْمِ وَإِنْقَانِهِ لَهُ قَبْلَ تَرْحله
وَتِجْوَ الِهِ إِلَى الآفَاقِ وَالأَمْصَارِ.
قَالَ مُحَمَّد بن الفَضْلِ: ((سَمِعْتُ جدّي يَقُولُ: اسْتَأْذَنْتُ أَبِي فِي الْخُرُوْجِ إِلَى
قُتَيْبَة، فَقَالَ: اقْرَأ القُرْآن أَوَّلَا حَتَّى آذَنَ لَك. فَاسْتَظْهَرْتُ القُرْآن. فَقَالَ لِي: امْكُتْ
حَتَّى تُصَلِّي بِالْخِتْمَةِ. فَمَكَثّتُ. فَلَمَا عَيَّدنَا أَذِنَ لي، فَخَرَجْتُ إِلَى مَرْو، وَسَمِعْتُ
بِمَرْو الرُّوْذ مِنْ مُحَمَّد بن هِشَامٍ، فَنُعِيَ إِلَيْنَا قُتَيْبَةٍ)) (٥).
كَمَا أَنَّهُمْ حَرَصُوَا عَلَى الإِثْيَانِ بِهِ إِلَى مَجَالِسَ العِلْمِ، والمُنَاظَرَةِ مُنْذُ صِغَرِهِ.
(١) طَبَقَاته (٢/ ٤٤٢).
(٢) التَّذْكِرَة (٧٢١/٢).
(٣) النُبَلاء (١٤ / ٣٦٥).
(٤) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة (١١٠/٣).
(٥) تَارِيْخ الإِسْلام (٢٤٥/٧).

٧٩
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَراجِم رِجَال ابْنِ خُزَیْمَهْ
قَالَ أَبُوْ عَبْد الله الحَاكِمِ فِي (تَارِيخِه)): سَمِعْتُ أَحْمَد بن الخَضِرِ الشَّافِعِي
يَقُوْلُ: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُوْلُ: ((كُنْتُ أَرَى عَبْد الله بن
شِيْرُويْه يُنَاظِرُ وَأَنَا صَبِّيٍّ؛ فَكُنْتُ أَقُوْلُ تَرَى أَتَعَلَّمُ مِثْلَ مَا يَعْلَمُ ابن شِيْرُويْه
قَط))(١).
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةٍ: ((حَدَّثَنَا بِنَيْسَابُوْرِ أَبُوْ النَّصْرِ سَعِيْد بن أَبِي سَعِيْدٍ))(٢).
وَقَالَ الخَالِمُ فِي «تَارِيخِه):
سَمِعَ بِنَيْسَأبُوْر: ((إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيْم الْحَنْظَلِي، وَمَحْمُوْد بن غَيْلان، وَمُحَمَّد بن
أَبَان المُسْتَهْلِي، وَمُحَمَّد بن أَسْلَم الزَّاهِد، وَغَيْرَهُمْ))(٣).
الَبْحَثُ الثَّانِي: حِفْظُهُ للقُرْآنِ، وَأَخْذُهُ لِلْقِرَاءَةِ عَرْضًا:
سَبَقَ وَأَنْ تَحَدَّثْنَا فِي الَبْحَثِ السَّابِقِ عَنْ حِرْصٍ أَبِيْهِ عَلَى إِكْتَالِهِ لِحِفْظِ الْقُرآنِ،
وَصَلاتِهِ إِمَامًا بِالخِتْمَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانِ تَثْبِيْتًا لَهُ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ سَنَّةٍ أَرْبَعِيْنَ
وَمَاتَتَيْنِ، أَي: وَعُمْرُهُ فِي حُدُوْدِ سِتَّ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَة.
قَالَ تُحَمَّد بن الفَضْلِ: ((سَمِعْتُ جدّي يَقُولُ: اسْتَأْذَنْتُ أَبِي فِي الْخُرُوْجِ إِلَى
قُتَّبَة، فَقَالَ: اقْرَأ القُرْآن أَوَّلَا حَتَّى آذن لَك. فَاسْتَظْهَرْتُ القُرْآن. فَقَالَ لِي: امْكُثْ
حَتَّى تُصَلِّيّ بِالْخِتْمَةِ. فَمَكَثّتُ. فَلَمَا عَيَّدنَا أَذِنَ لي، فَخَرَجْتُ إِلَى مَرْو، وَسَمِعْتُ
بِمَرْو الرُّوْذ مِنْ مُحَمَّد بن هِشَامٍ، فَنُعِيَ إِلَيْنَا قُتَيْبَةٍ))(٤).
(١) التَّقْبِيْد لابْنِ نُقْطَة (ص: ٣٢٠).
(٢) المُتَّفِقُ وَالمُفْتَرِق (١٠٥٥/٢).
(٣) التَّقْبِيْد لابن نُقْطَة (ص: ٣٧).
(٤) تَارِيْخ الإِسْلامِ (٧/ ٢٤٥). وَقَدْ كَانَ نَعْيَهُ فِي سَنَة أَرْبَعِيْنِ وَمِائَتَيْن.

٨٠
المَسَالِكُ القَوِيْمَهْ بِتَرَاجِم رِجَال ابْن خُزَيْمَهْ
وَقَالَ ابْنِ الْجَزَرِي: ((أَخَذَ القِرَاءَةَ عَرْضًا عَنْ عِمْرَان بن مُؤْسَى القَزَّازِ))(١).
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: حِرْصُهُ الشَّدِيْد عَلَى كِتَابَةِ الحَدِيْث:
قَالَ أَبُوْ عَبْد الله الحَاكِمِ فِي (تَارِيخِهِ)): سَمِعْتُ أَبَا حَامِد أَحْمَد بن عَلي بن
الحَسَنِ الْحَسْنُوْبِي يَقُوْلُ: ((مَا كُنْتُ رَأَيْتُ أَبًا بَكْرٍ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة
بِنَيْسَابُوْر، إِنَّمَا رَأَيْتُهُ أَوَّلَ مَا رَأَيْتُهُ بِمِصْرَ وَمَعَهُ مَخْرَةٌ كَبِيْرَةٌ)(٢).
وَقَالَ - أَيْضًا -: ((سَمِعْتُ أَبَا عَمْرو بن أَبِي جَعْفَر يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْر
مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُوْلُ: ((لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَبِ عَبْد الله البُوْشَنْجِي مِنَ
الْبُخْلِ فِي العِلْمِ مَا كَانَ، وَكَانَ يُعَلِّمُنِي، مَا خَرَجْتُ إِلَى مِصْر))(٣).
الَبْحَثُ الرَّابِعُ: هِمَّتُهُ العَالِيَةِ فِي طَلَبِ العِلْم:
قَالَ الْبَيْهَِي: أَخْبَرَنَا أَبُوْ عَبْد الله الحَافِظِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيْد بن أَبِي
بَكْر بن أَبِي عُثْمَان يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمَةَ يَقُوْلُ - فِي
حَدِيْثٍ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَر بن مُحَمَّد بن بُجَيْرِ(٤) -: ((لَوْ أَمْكَنَنِي أَنْ أَرْحَلَ إِلَي ابنِ بُجَيْر
لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيْث))(٥).
(١) غَايَة النَّهَايَة (٩٨/٢).
(٢) الأَنْسَاب (٤/ ١٤٥).
(٣) مَعْرِفَة عُلُوْم الحَدِيْث (برقم: ١٧٠)، وَمِنْ طَرِيْقِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرِ تَارِيْخ دِمَشْق
(٢٠٦/٥١).
(٤) هُوَ أَبُوْ حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن بُجَيْرِ السَّمَرْ قَنْدِي مُحَدِّثُ مَا وَرَاء النَّهْر، وُلِدَ سَنَة (٢٢٣هـ)
وَتُوُلِّ سَنَة (٣١١هـ). النُّبلاء (١٤ / ٤٠٢).
(٥) السُّنَن الكُبْرَى (٤٦٩/٢).