النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٤١" - أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر ابن العجمي المتوفى سنة ٨٨٧، اشتغل بالعلم يسيراً،
وصاهر أبا ذرّ ابن البرهانِ السبطِ على ابنته عائشة، ومات بالإِسكندرية في السنة المذكورة، أو أوائل التي
بعدها. ترجمه الطباخ ٥: ٢٩٥ .
٤٢" - عائشة بنت محمد بن أحمد بن عمر ابنة ابن العجمي، ترجمها السخاوي ترجمة جيدة
١٢: ٧٩، وبيَّض لوفاتها، وأرخ ولادتها سنة ٨١١، وهي زوجةُ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن
العَديم المولود سنة ٨١١ أيضاً، والمتوفّى سنة ٨٨٢، وهو من المُكْثِرِين عن البرهان وابنه أبي ذر(١)، قال
السخاوي: ((قرأتُ عليها بحلب، وهي من بيت رئاسة وفخر بها)). وهي أختُ المذكورِ قبلها. انظر تاريخ
الأستاذ الطباخ ٥ : ٢٩٥ .
٤٣" - ناصر الدين أبو حمزة أنس ابن البرهان الحلبي (٨١٣ - ٨٨١)، سمع على أبيه وغيره، ورحل
إلى القاهرة، ودرَّس في حياة والده على الكرسيِّ بالجامع الكبير بحلب، واستجازه السخاوي لما قَدِم حلب.
((الضوء اللامع)) ٢ : ٣٢٣.
وكانت ولادتُه أوائل العام الذي سافر فيه والده البرهانُ إلى الحج.
وترجم أبو ذر في «كنوز الذهب)) لبدر الدين المارْدِيني المتوفّى سنة ٨٣٧، ومما قال في ترجمته - كما
في «إعلام النبلاء)) ٥: ١٩١ - ١٩٢ -: (کتب إلى والدي سنةً ثلاث عشرة وقد وُلد له مولود ۔ ھو أنس هذا -:
وسَمَا الأئمةَ رفعةً وبهاء
يا سيِّداً بعلومه سادَ الورى
بحياته مُتَسَرْبلا نَعْماء
هُنِّئْتَ بالولد العزيز ممتَّعاً
حتى تَرَى أبناءَه آباء
وبقيتَ في عيشٍ رغيدٍ طيِّبٍ
قلت - هو أبو ذر -: لو قال: ((أحفادَه) لكان أبلغَ. وقد مَدَحَ البحتُرِيُّ المتوكّلَ لما وُلِد له المعتزُّ فقال:
وتَرَى الكهولَ الشَّيْبَ من أولاده»
وبقيتَ حتى تَسْتَضِىءَ برأيه
٤٤" - موفق الدين أبو ذر أحمد ابن البرهان الحلبي (٨١٨ - ٨٨٤) أخو أنس المذكور، اشتغل بالعلم
وتفنَّن فيه، وسمع الكثير، وأخذ عن شيوخٍ كثيرين بحلب ودمشق والقاهرة، وتَعَاطَى الأدب أولاً ومَهَر فيه،
وألَّف فيه مؤلَّفات، واستدراكُه على قولَ المارديني المتقدِّم قبلَ أسطر شاهدٌ على ذلك، ثم توجّه
للحديث حتى بَرَع فيه وصنَّف، وأكثر من قراءة الصحيحين و((الشفا)).
ولما قَدِم الحافظ ابن حجر رحمه الله حلب سنة ٨٣٦ - والموفَّق هذا ابنُ ثماني عَشْرَة سنة - ((اغتَبَطَ به
وأحبّه لذكائه وخِفَّة روحه)) وأُذِن له في تدريس الحديث في حياة والده، وراسَلَه بذلك بعد وفاته أيضاً. ترجم
له السخاوي في ((الضوء)) ١: ١٩٨، والسيوطي في ((نظم العقيان)) ص ٣٠، ووصفه السخاوي في ((الجواهر
والدرر)) ١: ١١٧ - ١١٨ بـ ((محدث حلب الآن)).
وفي ((الضوء اللامع)) ١: ١٤٣ آخر الصفحة أن الحافظ أرسل من القاهرة إلى البرهان السبط بعد أنْ
(١) انظر ص ١١٨، رقم ٨ من ثناء الأئمة على البرهان السبط.

١٠٢
رجِعَ من حلب: ((المسئولُ من فضلِ سيدنا وشيخنا الشيخِ برهان الدين، ومن فضلِ ولدِه الإمام
موفق الدين ... )).
فانظر كيف وصفه الحافظ ابن حجر - وهو من هو - بـ ((الإمام)) ولعلَّه لم يبلُغ العشرين من العمر !.
٤٥" - جمال الدين أبو حامد عبد الله ابن البرهان الحلبي، المتوفّى سنة ٨٨٩، سمع على أبيه قطعةً
من كتابه ((الكشف الحثيث)) من حرف الدال إلى الطاء، وهي سبعون ترجمةً فقط مع نجم الدين ابن فهد
سنة ٨٣٨، كما سيأتي عند الكلام على الكتاب المذكور برقم ١٩، وسمع بحلب مع السخاوي سنة ٨٥٩،
ثم رحل إلى دمشق والقاهرة فسمع بهما، قال السخاوي ٥: ٣: ((كان متميِّزاً في الرَّمْي وصنَّف فيه)). وله
ولأخَوَيْه السابقَيْن ذكرٌ في مقدمة ((معجم الشيوخ)) لابن فهد.
٤٦" - أبو هريرة محمد ابن البرهان الحلبي. لم أَرَ له ترجمةً، لكنْ ذكره البرهان نفسه على وجه
كتابه: (نَثْلِ الهِمْيان في معيار الميزان)) الذي ذيَّل به على ((ميزان الاعتدال)) - وسيأتي الحديثُ عنه في
(مصنفاته) برقم ٢١ - فكتب الشيخ رحمه الله: ((الحمد لله. وَقَفَه كاتبُه ومؤلّفُه إبراهيمُ المحدِّث على أولاده
الثلاثة، وهم: أنس، وأبو هريرة محمد، وأبو ذر أحمد ... وكَتَبَ في غُرَّة شهر ربيع الأول من سنة
اثنتين وعشرين وثماني مائة أحسن الله خاتمتها بمحمد وآله. آمين))، ويغلب أنه يذكرهم حسبَ ترتيبٍ
ولادتهم، ومع ذلك أخَّرت ذكره بعد أبي ذر، لأني مشيتُ فيمن ذكرتُه من أفراد عائلة آل العجمي على حسبٍ
سِنِي وَفَيَاتهم. وهذا لم أعرفْ سنةَ وفاته فأخَّرَتُه.
٤٧ " - أبو بكر بن أبي ذر أحمد ابن البرهان السبط، المتوفى سنة ٨٩٧ بحلب، سمع مع السخاوي سنة
٨٥٩، ترجمه في ((الضوء)) ١١: ١٦ ولم يؤرخ مولده، وهكذا ترجمه في الكنى، لكن انظر رقم ٥٠ الآتي.
٤٨" - عائشة بنت الموفق أبي ذر ابن البرهان السبط، تقدم ذكرها أثناء ترجمة زوجها برقم ٤١.
٤٩" - حسين بن أبي بكر أحمد بن أبي ذر ابن البرهان السبط، المتوفّى سنة ٩٤١، ترجمة الأستاذ الطباخ
٥: ٤٦٧ نقلاً عن ((درِّ الحَبَب)) لابن الحنبلي.
٥٠" - شيخ الشيوخ موفّق الدين أبو ذر أحمد بن أبي بكر بن موفق الدين أبي ذر (١) أحمد ابن البرهان
الحلبي (٨٨٦ - ٩٦٢) أخو حسين المذكور قبله، وحفيد أبي ذر المتقدم برقم ٤٤. له ترجمة طويلة في
((إعلام النبلاء)) ٦: ٢٤ وكأن أباه كان من العلماء، فإنه ذُكِر في المصدر المذكور هكذا: موفق الدين أبو ذر
أحمد بن شمس الدين أبي بكر أحمد .
ومما جاء في ترجمة المترجم: ((تولَّى تدريسَ الظاهرية والصاحبية والشدَّادية، ثم الصلاحية، وكانت له
الوَجَاهة والحِشْمة والأبّهة))، ومات شهيداً مطعوناً، وكان خطّه يشبه خطَّ جدِّ أبيه البرهان الحلبي، انظر
١: ١٦٣ من ((ترتيب ثقات العجلي)) الحاشية اليمنى العليا، ففيها ما نصُّه: ((من كتب أحمد بن أبي بكر بن
أبي ذر ابن إبراهيم المحدث عفا الله عنه))، وص ١٤ من ((الكشف الحثيث)) طبعة السيد صبحي السامرائي.
(١) كَنَّاه الطباخ: أبي محمد، وأراه تحريفاً. و((شيخ الشيوخ)) لقب لوظيفة دينية، أُقدِّر أنها كانت
ودون القضاء والفتوى.
نقابة الأشراف،

١٠٣
٥١" - أم عبد الله عائشة بنت إبراهيم بن عبد الله الدمشقية الحلبية ثم البابية، ترجمها السخاوي في
((الضوء اللامع)) ٧٣:١٢ وقال: ((بنتُ أختِ البرهان الحلبي لأمه، ولدت قبل سنة سبعين وسبعمائة ظناً،
وماتت بعد سنة خمسين - وثمانمائة - ظناً، رحمها الله)) وأثنى عليها خيراً، وذَكَرَ من أجاز لها من كبارهم.
هذا ما استطعت الوقوف عليه من رجالاتِ هذه العائلة الكريمة آل العجمي(١)، وجلُّهم من أجداده،
وليس فيهم من أسرته ونسله إلا أولاده الثلاثة: أنس، وأبوذر، وعبد الله، ولأبي ذر: عائشة وأبو بكر، ولأبي
بكر: أحمد وحسين.
وخلاصةً ما لأجداده من آثار علمية بحلب: المدرسة الزَّجَّاجية، والخانقاه الشمسية، وقد اندثرتا،
والمدرسة الشرفية الجامع القائم الذي فيه مقر المكتبة الوقفية، بين الباب الشمالي للجامع الكبير ومدخل
السُّوَيقة، والمدرسة الكاملية المعروفة بمسجد أبي ذر في حيِّ الجُبِيلة.
والأوصافُ العلمية الغالبةُ على رجالات آل العجمي: العلم والعمل والصلاح، والاشتغال بالفقه
الشافعي والحديث الشريف.
وقد كان لهم شرفُ غَرْسِ هذه المدارس العلمية، ومن ورائها الخير العظيم الذي نَتَج عنها، فإنها
قِلاع العلم وحصون الإسلام. رحمهم الله تعالى وجزاهم خير الجزاء.
شيوخه ورحلاته: أخذ البرهانُ السبطُ عن شيوخ كثيرين جداً من علماء حلب وحماة وحمص ودمشق،
والبلدان الأخرى الكثيرة التي دخلها، لا سيما من بلاد مصر.
قال السخاوي رحمه الله: (ارتحلَ إلى البلاد المصرية مرتين: الأولى: في سنة ثمانين - وسبعمائة -
والثانية: في سنة ست وثمانين - وسبعمائة(٢) - فسمع بالقاهرة، ومصر، والإِسكندرية، ودمياط، وتِيس، وبيت
المقدس، والخليل، وغَزَّة، والرملة، ونابلس، وحماة، وحمص، وطرابلس، وبَعْلَبك، ودمشق)).
ويضاف إلى هذه البلاد: بِلْبْس، ذكرها التقي ابن فهد في قوله: ((ثم عاد - من القاهرة إلى
الإسكندرية إلى حلب، فسمع في طريقه بِيلْيْس ودمياط وغَزَّة)). فكأن هذا في عودته من رحلته الأولى إلى
القاهرة، ثم دخلها ثانية في رحلته الثانية .
وبعضُ هذه البلدان دخلها ثلاثَ مرات، فقد رأيتُ في ((الضوء اللامع)) ١: ١٣٤ آخر ترجمة
إبراهيم بن محمد بن بَهادُر ابن زُقَّاعة نقلاً عن ((مشيخة)) البرهان للنجم ابن فهد - وسيأتي ذكرها قريباً - قال
البرهان : - ((اجتمعتُ به في مدينة غَزَّة في قَدْمَتي إليها في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، وقد
طَلَبَ مني أحاديثَ يَسمعُها عليَّ في القَدْمة الثالثة، فانتقيتُ له أحاديث من ((كتاب العلم)) لأبي خيثمة زهير بن
حرب، وسمعها عليَّ في القَدْمة الثالثة، وسمعت أنا عليه، وقرأتُ أيضاً بعضَ شيءٍ من شعره)).
(١) ثم وقفت على آخرين، منهم: إبراهيم بن علي بن إبراهيم ابن العجمي، حفيد الذي ذكرته برقم ٢٠، ترجمته في ((الدرر
الكامنة)) ١ : ٤٢، وأرخ وفاته سنة ٧٤٩ وقد جاوز الأربعين، وأظن صوابه: ٧٩٤؟.
ومنهم: أبو بكر عثمان بن عبد الله الحلبي ابن العجمي، ذكره في ((الجواهر والدرر)) ١: ١٦٧ بين شيوخ ابن حجر في
المذاكرة. وانظر التعليق عليه .
(٢) سيأتي ص ١٠٥ أنه كان بحلب أواسط ذي القعدة من عام ٧٨٦.

١٠٤
وقال السخاويُّ أيضاً ١: ١٤٠ آخر الصفحة: ((زار بيت المقدس أربعَ مرار))، قلت: وكانت إحداها
سنة ٧٨٢، سنة دخوله غَزَّة .
قال الحافظ في ((الدرر الكامنة)) ٣: ٣٣٥ في ترجمة شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان
التُّركُسْتاني القَرْمِيِّ: ((كان كثيرَ التلاوة سريعَها جداً. قال البرهانُ الحلبي سبطُ ابن العجمي: دخلتُ القدس
سنة ٧٨٢ ، فرأيتُ الشيخَ محمداً القَرْميَّ يصلِّي صلاةَ المغربِ، ثم صلَّى بعدها ركعتين، ثم ستَّ ركعات،
فأخبرني الشيخ محمد الحلبي المعروف بالألواحي - وكان قريباً منه في الصف، ليس بينهما إلا ما يَسَعُ شخصاً
واحداً - أنه قرأ في السبتِّ ركعات من أول القرآن إلى سورة الأنبياء، وانصرف بين العشاءين)). وانظر ((الأنْس
الجليل)) للعُلَيمي ٢: ١٦١، وهذه قراءة للتعبُّد، لا للتدبُّر والتفقُّه، سمح بها أهل العلم وأجازوها.
وذكر السخاويُّ بعضَ شيوخِ المترجَمِ البرهانِ وقال: ((قرأتُ بخطِّه - البرهان -: مشايخي في الحديث
نحوُ المائتين، ومَن رويتُ عنه شيئاً من الشعر دون الحديث: بضعٌ وثلاثون، وفي العلوم غيرِ الحديث: نحو
الثلاثین)» .
وقد عمِل لنفسه ((ثَبَتَا)) كان يتعبُ في استخراج ما يريده منه، فَيَسَّر له ذلك تلميذُه نجم الدين أبو القاسم
عمرُ بن محمد بن محمد ابن عبد الله بن فهد المكي (٨١٢ - ٨٨٥)(١). أشار إلى ذلك في ((معجم شيوخه))
ص ٤٨، وصرَّح به وسماه والده تقي الدين في ((لحظ الألحاظ)) ص ٣١٢ ولفظهُ: ((وشيوخُه بالسماع والإجازة
يجمعهم ((معجمه)) الذي خَرَّجه له ابني نجم الدين أبو القاسم محمد المدعو بعمر، نَفَعَه الله تعالی ونفع به،
سماه ((مورد الطالب الظَّمِي من مرويات الحافظ سبط ابن العجمي)) بمكة المكرمة المُبَجّلة، لما قدم من
رحلته، أرسل به إليه صحبةَ الحاجِّ الحلبي في موسم سنة تسع وثلاثين وثمانمائة)) ووصفه فقال: ((في مجلد
ضخم، وهو کثیر الفوائد)).
وعلّق العلامة الكوثري رحمه الله تعالى على هذا بالنقل عن ابن طولون، وفيه ثناؤه على المعجم وسعةُ
رواية البرهان فقال: ((من أراد معرفة مشايخه وتراجمهم ومسموعاتهم فليراجعها، لينظر العَجَبَ العُجَاب)).
وكان ارتحالُه عن بلده بعد أنْ سمع نحواً من سبعين شيخاً من شيوخها، وهذه من سُنَّة المحدثين. قال
ابن الصلاح والنووي رحمهما الله تعالى أول النوع الثامن والعشرين من أنواع علوم الحديث: من آداب طالب
الحديث: ((أن يبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً، وغيره، فإذا فَرَغ من مهماتهم
فليرحَلْ، على عادة الحفاظ المبرِّزين)). وهذا لفظ النووي.
قال التقي ابن فهد في ((لحظ الألحاظ)) مشيراً إلى تأَدُّب السبط بهذا الأدب: ((سمع وقرأ الكثير ببلدة
حلب (حتى) جاء على غالب مروياتها، وشيوخُه بها قريبٌ من سبعين شيخاً ... )) وعدَّد أربعة وعشرين واحداً
منهم، ثم قال: ((ثم رحل في سنة ثمانين وسبعمائة، فسمع بحماة وحمص ... ))، فيكون عمره لما ارتحل
للمرة الأولى سبعاً وعشرين سنة، وقد استوعبَ الأخذَ عن هؤلاء الشيوخ، ويكون عدد شيوخه في الرحلة
نحوَ ١٣٠ شيخٍ .
(١) صاحب ((معجم الشيوخ))، وهو نجم الدين، ولد تقيِّ الدين صاحب ((لحظ الألحاظ)). وكان نجم الدين شديد الحبِّ
والإعجاب به. انظر ما يأتي في الكلام عن تلاميذه ص ١١٥ رقم ١٢ .

١٠٥
وكم استغرق في كلٍّ من الرحلتين، وفيهما معاً؟ لم أَرَ ما أستطيع أن أقولَه جواباً عن هذا السؤال، لكن
سيأتي في ترجمة شيخه العراقي أنه لازمه نحو عشر سنوات، فهل هذه الفترة الطويلة - بالنظر إلى غريب
طارىء - كانت مجموعَ مُقَامه بالقاهرة في الرحلتين؟ .
وسيأتي في الكلام على مصنفاته رقم ١: ((اختصار الغوامض والمبهمات))، أن اختصاره كان في شوال
سنة ٧٨٤ بالقاهرة، فهذا يفيد أن رحلته الأولى استغرقت أربع سنوات، ويحتمل أن تكون زادت أوْ لا(١). والله
أعلم .
بل أرَّخ إتمامَ نَسْخِه الجزءَ الأولَ من شرح شيخه ابن الملقن للبخاري: شعبان عام ٧٨٥ بالقاهرة،
وأرخ نَسْخَه لـ ((المقتنى في سرد الكنى)) أواسط ذي القعدة سنة ٧٨٦ بحلب، فكأن مدة رحلته الأولى كانت
خمس سنوات، فتكون رحلته الثانية قدر خمس سنوات ثانية (٧٨٧ - ٧٩٢) لتتمَّ العشرُ سنواتٍ التي لازم فيها
الحافظ العراقي؟. ويُستخلص من هذا أن فترة عودته إلى حلب بين الرحلتين كانت قصيرة.
ومن شيوخه بحلب:
١ - ٣ - ثلاثة من آل العجمي: محمد بن عبد الكريم، وعمر بن إبراهيم، وهاشم بن عمر، وتقدمت
تراجمهم: ٣٠، ٣٢، ٣٧. وتقدم أنه أخذ عن عمر بن إبراهيم الحديث والفقه والنحو.
٤ - ومنهم - أو من أجلُّهم - في حلب: شهاب الدين الأَذْرَعي (٧٠٨ - ٧٨٣) أحدُ تلامذة الإمامين
المزي والذهبي، وصاحبُ ((التوسط والفتح بين الروضة والشرح)) في عشرين مجلداً، قال عنه ابن حجر في
((الدرر)) ١: ١٢٦: ((كثير الفوائد)) ثم قال: «قرأتُ بخط الشيخ برهان الدين المحدث بحلب ـ وأجازَنيه -:
أنشدَنا الإمامُ شيخُ الشافعية شهاب الدين الأذرعي لنفسه:
ما هكذا الرأيُ الأسدُّ
كم ذا برأيكَ تَسْتَبِدُّ
ءِ ومَنْ له البطشُ الأشدُّ
أَأَمِنْتَ جَبَّارَ السَما
ما مِن مقامِ العَرْضِ بُدُّ
فاعلمْ يقيناً أنه
ـفُ ويضعُفُ الخَصْمِ الأَلَهُ
عَرْضٌ به يَقْوى الضعيـ
أهلُ التُّقَى وله استعدُّوا
ولذلك العَرْضِ اتَّقى
وهي طويلة)) (٢).
٥ - ومن شيوخه بحلب قبل رحلته: بقيَّة السلف الصالحين نجم الدين أبو محمد عبد اللطيف بن
محمد بن موسى ابن أبي الخير المِيْهَني، المتوفّى سنة ٧٨٧ بحلب، أَخَذ عنه التصوف (وأَلْبَسَه الخِرْقة) سنة
٧٧٦، ذكر ذلك عنه ولده أبو ذر الحلبي في ((كنوز الذهب)) وَنَقله عنه الأستاذ الطباخ ٤: ٢٠٨، وأن ذلك
كان في خانقاه البلَّط، الذي لا يزال قائماً أولَ مدخلٍ سوق الصابون من الجهة الشمالية، وهو أولُ خانقاه بُني
(١) وانظر التعليق الآتي عند الكلام على: مكتوباته ص ١٢٠ .
(٢) وانظر ترجمته في ((الدرر)) وفي ((الدارس)) ١: ٥٦ فإنه نقلها عن البرهان السبط في ((مشيخته)) التي عملها له النجم ابن
فهد، السابق ذكرها قبل قليل وتقدم ص ٤٣ تعليقاً أن الحافظ وَصَفه بـ ((فقيه النّفْس)).

١٠٦
بحلب سنة ٥٠٩، وما بينه وبين المدرسة الشرفية إلا نحو ٥٠٠ متر، والميْهَني هذا مترجَم في ((الدرر))
٢: ٤١٠، و ((إعلام النبلاء)) ٥: ٩٥.
٦" - وكان الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن جابر الأندلسي الضرير المتوفّى سنة ٧٨٠ قد نَزَل
حلب أواخر عام ٧٤٣ واستقر بها إلى أواخر حياته، فأخذ عنه البرهان علم النحو والبديع. وترجم الأستاذ
الطباخ لابن جابر هذا نقلاً عن ابن الحنبلي، ومما قاله فيه: ((كان أمةً في النحو)).
ومن شيوخه بدمشق :
٧" - صدرُ الدين أبو الربيع سليمانُ بن يوسف بن مفلح الياسُوفي (٧٣٩ - ٧٨٩)، عن خمسين سنة رحمه
الله. ترجمه الحافظ في ((الدرر)) ٢: ١٦٦، ونقل فيها كلام البرهان نفسه فيه - ولعله من ((ثَبَته)) الذي تقدم
ذكره - فقال: ((قرأتُ بخط الشيخ برهان الدين المحدث الحلبي: أن الشيخ صدر الدين حفظ ((التنبيه)) وهو
صغير، و ((مختصر ابن الحاجب)) ومَهَر في المذهب - الشافعي - وأقبلَ على الحديث فأكثر، وتخرَّج بابن
رافع وابن كثير وغيرهما، وسمع الكثير، وكان ديِّناً كثير العلم والعملِ والإِحسان إلى الطلبة والواردين، وخرَّج
عدة تخاريج، وجمع عدة كتب، وقال - البرهان -: إنه كان يحفظُ من ((المختصر)) كلَّ يوم مائتي سطر،
ورحل في الحديث إلى حلب وحمص والقاهرة وغيرها)).
وقال ابن قاضي شُهْبة ٣: ٢٠٩: ((ذكر له الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي ترجمة طويلة، وبالغ
في الثناء عليه وقال: كان من محاسن الدهر، لم تَرَ عينايَ في بابه مثله)).
وذكر الحافظ في ((الدرر الكامنة)) ٣: ٣٠٥ في ترجمة الصلاح ابن أبي عمر المقدسي أن الياسوفي
عمل له ((مشيخة))، وحدَّث بها، وآخر من سمعها منه البرهان سبط ابن العجمي)).
قلت: وكان الياسوفيُّ في مبدإِ طلبه غيرَ متزِن، فأورثه ذلك عدمَ اتَّزانٍ في آخر أمره. حكى عنه
الحافظُ أولَ ترجمته أنه كان يقول: ((كنتُ إذا سمعتُ شخصاً يقول: أخطأ النووي: اعتقد أنه كفر !! )).
ثم نقل عن ابن حَجيٍّ قولَه فيه: ((كان في أواخر أمره قد أحبَّ مذهبَ الظاهر، وسلك طريق الاجتهاد،
وصار يُصرِّحُ بتخطئة جماعة من أكابر الفقهاء)). وانظر ترجمته هناك، وفي ((لحظ الألحاظ)) ص ١٧٣،
و ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شُهْبة ٣: ٢٠٧.
وأخذ السبط العلم - ولا سيما الحديث الشريف - في القاهرة عن كثيرين أيضاً، يقرُب عددهم من
الأربعين(١)، أجلُّهم أربعةٌ، وهم المذكورون في قول البرهان الذي حكاه عنه تقي الدين ابن فهد في ((لحظ
الألحاظ)) ص ٢٠١ .
قال: ((قال شيخنا الحافظ برهان الدين سبطُ ابن العجمي: حفاظُ مصر أربعةُ أشخاص، وهم من
مشايخي : البُلْقينيُّ وهو أحفظُهم لأحاديث الأحكام، والعراقيُّ وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثميُّ وهو أحفظهم
للأحاديث من حيثُ هي، وابنُ الملقِّن وهو أكثرهُم فوائدَ في الكتابة على الحديث)).
وكأن هذا الكلام من ((ثَبَت)) البرهان، الذي تقدمت الإشارة إليه ص ١٠٤ .
(١) ((الضوء اللامع)) ١: ١٤٠، و((لحظ الألحاظ)) ص ٣١١.

١٠٧
وهذه كلماتٌ موجزة في تراجم هؤلاء الأئمة الأربعة، أُحرِصُ أن تكون من كلام البرهان نفسه.
٨" - أما سراج الدين البلقيني (٧٢٣ - ٨٠٥) رحمه الله: فهو مفخرةُ القرن التاسع في الجمع بين
علوم التفسير والحديث والأصول والفقه، وله ترجمةٌ حافلة رائعة في ((لحظ الألحاظ)) ص ٢٠٦ - ٢١٧، ومن
أخبار البرهان مع شيخه البلقيني: قولُ التقي ابن فهد ص ٢١٢ :
((قال شيخنا الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي: كان فيه من قوّة الحافظة وشدَّة الذكاء ما لم
يُشَاهَد في مثله، أخبرني في رحلتي الأولى إلى القاهرة بمدرسته أنه لما قدم شرفُ الدين ابن قاضي الجَبَل
الحنبلي نزل في قصر بشتك، فدعاه شخص إلى الجيزة، فحضرتُ معه في جماعة من علماء القاهرة، منهم
بدرُ الدين الزركشي، وابنُ العَنْبَرِي، والطُّنْبُذي، فلما صليتُ العشاء قال لي شرف الدين ابن قاضي الجبل:
يا سراج الدين أيُّنا أحفظ، أنا أم أنت؟ فقلت له: سبحان الله، أنتم كذا وكذا، أتواضع له.
فقال: أستحضر أنا أو أنت؟ فقلت له: إن أنا استحضرتُ شيئاً - يعني حديثاً - تذكر له طُرُقَه، وكذا
بالعكس، لكنْ اذكر أنت على حِدَة وأنا كذلك، فقال ابن قاضي الجبل: اذكر أنت. فأخذتُ أذكُر أحاديث
معلَّلة من أول أبواب الفقه، ولا زلتُ أذكر إلى أن طلع الفجر، وقد وصلتُ إلى كتاب النكاح، فقام
ابن قاضي الجبل وقبَّل بين عينيّ وقال: يا سراج الدين ما رأيتُ بعد الشيخ - يعني شيخ الإسلام تقي الدين
ابن تيمية - أحفظَ منك)).
ومما سمعه البرهانُ على البُلْقيني: ((سنن الدارقطني)) أو ((سنن ابن ماجه)) - الشكُّ من تقي الدين ابن
فهد - وجَرَى له طريفة في أثناء السماع، حكاها ابن فهد عن البرهان، قال:
((لما كنا نسمعُ عليه بالقاهرة ((سنن الدارقطني)) أو ((سنن ابن ماجه)) - الشكُّ مني - سألني شخصٍ
بحضوره عن حديث مرَّ في القراءة: أهذا صحيح أم لا؟ فقلتُ للقارىء: اذكر السند، فذكره، فإذا فيه عطيةٌ
العَوْفُّ، فقلت له: اتفقوا على تضعيف هذا، فقال الشيخ: ليس كذلك، فذكرتُ أنا قولَ الذهبي فيه(١)،
فقال الشيخ: قد حسِّن له الترمذي حديثاً، فقلت له: أين؟ فقال: بعد (بياض في المطبوع) في حديثٍ: ((يا
عليُّ لا يَحلُّ لأحدٍ يُجنبُ في هذا المسجد غيري وغيرُك))(٢) ثم قام من المجلس فجاء بـ ((مختصر المنذري لسنن
أبي داود)) فكشف منه شيئاً، ثم قال: أنا أحفظُ هذا الكتاب)).
ثم نقل ابن فهد عن البرهان قوله: ((اجتمعت به في رحلتي الأولى إلى القاهرة في سنة ثمانين، فرأيتُه
إماماً لا يُجارى، أكثرُ الناسِ استحضاراً لكل ما يُلقي من العلوم، وقد حضرتُ عنده عدَّة دروس مع جماعة
من أرباب المذاهب، فيتكلّم على الحديث الواحد من بعد طلوع الشمس، وربما أذَّن الظهر في الغالب وهو
لم يَفْرُغ من الكلام عليه، ويفيد فوائد جليلة لأرباب كل مذهب، خصوصاً المالكيةَ، وكان بعضُ فضلائه يقرأ
عليه في ((مختصر مسلم)) للقرطبي، وممن كان يحضر عنده الإمام نورُ الدين ابنُ الجلال، وكان أفقه أهل
(١) يريد قول الذهبي في ((المغني ١ (٤٩٣٠): ((مجمع على ضعفه)). وقد ذكر البرهان هذه الكلمة للذهبي في ((حاشيته))
هذه (٣٨٢٠)، واستدرك عليه بتحسين الترمذي للحديث المذكور، فتكون حاشيته على ترجمة عطية العوفي خلاصةً لهذه
الحادثةِ والحوارٍ مع شيخه البلقيني رحمهما الله تعالى. وكأن هذا التنبيه من البُلقيني هو الذي أَصَّل في نفسِ البرهان
رجوعَه واعتمادَه على أقوال الترمذي في الرجال وتصحيحهِ وتحسينِه لأحاديثهم، كما هو واضح جداً من هذه ((الحاشية)).
(٢) وأحاديث أخرى، منها في صلاة الضحى ٢: ١٩٨ (٤٧٧).

١٠٨
القاهرة يومئذ في مذهب مالك، وكان يستفيدُ منه، وكذا جمعٌ سِواه من أرباب المذاهب الأربعة، واستقْدتُ
منه فوائدَ جمَّةً في التفسير والحديث والفقه والأصول، وعلَّقتُ من فوائده أشياءَ، وهو أجلُّ مَن أخذت عنه
العلم وسمعت عليه الحديث، وكان بي حَفِيَّاً. انتهى)).
وفي ((الضوء اللامع)) ٦: ٨٧: ((قال البرهان الحلبي: رأيتُ رجلًا فريدَ دهره، لم تَرَ عينايَ أحفظَ للفقه
وأحاديث الأحكام منه ... )).
وقال ابن قاضي شُهْبة في ((طبقات الشافعية)) ٤: ٥١: ((قال الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي: سألني
الشيخ شهاب الدين الأذرعي عن مولد الشيخ سراج الدين البُلْقيني فذكرته له، فقال: أنا أصلُح أن أكونَ
والدَه، ثم ذكر لي أنه لم يَرَّ أحفظً منه لنصوص الشافعي)).
٩" - وأما الحافظ زين الدين العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦) رحمه الله: فهو مجدّد عصره في السنة وعلومها،
وأقرَّ له شيوخه برسوخه في هذا الفن، وقد كان حظّ البرهان منه وافراً. ففي ((الضوء اللامع)) ٤: ١٧٥ نقلاً
عن ابن حجر قولَه: ((لازمه البرهان الحلبي نحواً من عشر سنين))، وهذا زمنٌ طويلٌ بالنظر إلى طارىء على
القاهرة، إذْ أن ابن حجر - وشهرتُه بالتلمذة عليه معروفةٌ - يقول عن نفسه(١): ((لازمتُه عشر سنين سوى ما
تخلَّلها من الرِّخِّلات)) وهو بلديُّه ليس بطارىء.
وفي المصدر المذكور ما يدلُّ على حُظْوة البرهان السبط عند شيخه العراقي. قال: ((وكان المستملي -
على العراقي - ولده، وربما استملى البرهانُ الحلبي، أو شيخنا - ابنُ حجر - أو الفخرُ البِرْماوي)).
وجُلُّ استفادةِ البرهانِ من العراقي كانت في علومِ الحديث، فإنه قرأ عليه هذه الجوانب.
قال السخاوي رحمه الله ١: ١٣٩: أخذ فنونَ الحديث ((عن الزين العراقي، وبه انتفع، فإنه قرأ عليه
((ألفيته)) وشرحَها، و((نكتَه)) على ابن الصلاح مع البحث في جميعها، وغيرها من تصانيفه وغيرها، وتخرَّج
به، بل أشار له أن يخرِّج ولده الوليَّ أبا زرعة، وأُذِن له في الإِقراء والكتابة على الحديث)).
ومما قرأه عليه في الرحلة الثانية إلى القاهرة: كتابُه في ((رواة الكتب الستة، وفيه استدراكات على
المزي، وصل فيه إلى أثناء الأحمدين، وقد قرأتُ بعض ذلك عليه، ثم تركه قبل خروجنا من القاهرة في
الرحلة الثانية))(٢). وهذا الكتاب أحدُ مصادر السبط في ((حاشيته)) هذه على ((الكاشف))، كما سيأتي إن
شاء الله تعالى.
١٠" - وأما الحافظ نور الدين الهيثميُّ رحمه الله (٧٣٥ - ٨٠٧): فهو الإِمام الحافظ الزاهد شيخُ فنِّ
الزوائد، نقل السخاوي في ترجمته ٥: ٢٠٢ عن البرهان أنه قال فيه: ((كان من محاسن القاهرة، ومن أهل
الخير، غالب نهاره في اشتغال وكتابة مع ملازمة خدمة الشيخ - الحافظ العراقي - في أمر وُضوئه وثيابه، ولا
يُخاطبه إلا بـ ((سيِّدي))، حتى كان في أمر خِدمته كالعبد، مع محبته للطلبة والغرباء وأهل الخير، وكثرة
الاستحضار جداً)).
(١) كما في المصدر المذكور نفسه، و((الجواهر والدرر)) ١ : ٦٧.
(٢) هذا ما تبيَّن لي من كلام السبط في مقدمة ((نهاية السول))، وهي كتابة ألحقها على الحاشية بخط دقيق متداخل مع
إلحاقات أخرى في الموضع نفسه.

١٠٩
وأرى أن وصفَ البرهان لشيخه الهيثمي بأنه كان أحفظ الأربعة للأحاديث من حيثُ هي، وبكثرة
الاستحضار جداً: أعدلُ من وصف ابن حجر ومتابعة السخاوي له.
قال في ((الضوء اللامع)) ٥: ٢٠٢: ((الثناءُ على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك: كثيرٌ جداً، بل هو في
ذلك محلُّ كلمة اتفاق، وأما في الحديث: فالحقُّ ما قاله شيخنا - ابن حجر -: إنه كان يدري منه فناً واحداً.
يعني: الذي درّبَه فيه شيخُهما العراقي. قال - ابن حجر -: وقد كان مَن لا يَدري يَظُّ لسرعة جوابه بحضرة
الشيخ أنه أحفظ، وليس كذلك، بل الحفظُ: المعرفةُ)). ومثله في ((الجواهر والدرر)) ١: ٣٨.
ووجهُ ما رأيتُه: كتبُه رحمه الله، فإنها شاهدُ صدقٍ على استحضاره وحفظه .
١١" - وأما سراج الدين ابن الملقِّن (٧٢٣ - ٨٠٤) رحمه الله تعالى: فهو الإِمام شيخ الإِسلام، المكثِرُ
سماعاً وتصنيفاً، يقال: بلغتْ مصنفاته ثلاثمائة مجلدة، وكثير منها في تخريج أحاديثٍ كتبٍ أخرى، وشرحٍ
كتب، ونَفَسُه فيها طويل.
فمن ذلك: ((شرحه على صحيح البخاري) في عشرِين مجلداً، وهذا أكبر مصنفاته، و((شرحه على
عمدة الأحكام)) لعبد الغني المقدسي، و((العمدة)) كتِّّب صغير الحجم مشهور، ومع ذلك، فإنه أطنب في
شرحه، بحيثُ بلغَ به ثلاثَ مجلدات، وأفرد لرجاله مجلداً آخر، وشرح زوائد ((سنن أبي داود)» على
الصحيحين في مجلدين، وزوائد ((سنن ابن ماجه)) على الكتب الخمسة في ثلاث مجلدات، كتبها في أقلّ
من سنة .
وهذا يؤيِّد وصفَ البرهان له بأنه ((أكثرهم فوائدَ في الكتابة على الحديث)).
ومما قاله البرهان في الثناء على شيخه ابن الملقن: ما نقله السخاوي ٦: ١٠٤: ((إنه كان فريدَ وقته
في التصنيف، وعبارتُه فيه جلِيَّة جيدة، وغرائبه كثيرة، وشَكَالته حسنة، وكذا خُلُقه، مع التواضع والإحسان،
لازمته مدةً فلم أَرَه منحرفاً قطُّ ... )).
ومما قرأه البرهان على شيخه ابن الملقِّن من مصنفاته: جزءً لطيف له في ((خصائص أفضل
المخلوقين ﴿)). ذكره السخاوي أيضاً ٦: ١٠٢.
ومن حكايات البرهان السبط: حكايةٌ تتعلَّق بشيخيه البُلْقيني وابن الملقِّن رحمهم الله تعالى، نقلها ابن
فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ٢٠١ آخر ترجمة ابن الملقن، قال: ((قال شيخنا برهان الدين: حُكي لي أن
الشيخَ بهاءَ الدين ابنَ عَقيل حُكي له عن قيِّم مسجد النارنج بالقَرَافة أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان
يخرجُ إلى المسجد المذكور يوم الأربعاء ومعه ((نهاية)) إمام الحرمين، فيمكُث بالمسجد يوم الأربعاء، ويوم
الخميس ويوم الجمعة إلى قُبيل الصلاة، فينظُر في هذا الوقت ((النهايةَ)).
((قال الشيخ بهاء الدين: وأنا أستبعدُ ذلك، فقال الشيخ سراج الدين البلقيني(١): ولا أستبعد(٢)، لأن
(١) وكان تلميذُ ابن عقيل وصهره على ابنته، كما في ((الضوء اللامع)) ٦: ٨٥.
(٢) كذا، ولعلها: ولا استبعاد، أو: وأنا لا أستبعد؟ ونحو ذلك.

١١٠
الشيخ عز الدين لا يُشكلُ عليه منها شيء، ولا يَحتاج إلى أن يتأمَّلَ منها إلا شيئاً قليلاً - أو ما هذا معناه - وأنا
أنظر مجلداً في يوم واحد.
((قال شيخناً برهان الدين: فذكرتُ هذه الحكايةَ لشيخنا سراح الدين ابن الملقن فقال لي عقيب ذلك:
أنا نظرتُ مجلدين من ((الأحكام)) للمحبِّ الطبري في يوم واحد))(١).
١٢" - ومن مشاهير شيوخه: مجد الدين الفيروزآبادي صاحب ((القاموس المحيط))، وصرَّح بالنقل
عنه في أكثرٍ من موضع في ((حاشيته)) هذه، وعدَّد السخاوي ١٠: ٨٢ كثيراً من مؤلفات الفيروز آبادي، ومنها
(«تحبير المُوَشِّين فيما يقال بالسين والشين)) قال: ((أخذه عنه البرهان الحلبي الحافظ، ونَقَلَ(٢) عنه أنه تتبّع أوهام
((المُجْمَل)) لابن فارس في ألف موضع، مع تعظيمه لابن فارس وثنائه عليه)).
وقال ابن قاضي شُهْبة في ((طبقات الشافعية)) ٤: ٨٤: ((ذكر له الحافظ برهان الدين في ((مشيخته))
ترجمةً طويلة وقال: كان في اللغة بحرَ علمٍ لا تكدِّره الدِّلاء، وأَلَّف فيها تواليف حسنة. قال: وكان معظَّماً
عند الملوك، أعطاه تيمورلنك خمسةَ آلاف دينار، ومع ذلك فإنه كان قليل المال، لِسَعَة نفقاته، وكان سريعَ
الحفظ، يُحكى عنه أنه كان يقول: ما كنتُ أنام حتى أحفظَ مائتي سطر. وعدَّ تصانيفه، وهي بضع وأربعون
مصنفاً)).
ومما لا بد من ذكره هنا: قول النجم ابن فهد: ((وذُكر أنه كان عنده - عند البرهان - استدعاءٌ فيه اسمه،
فيه إجازةُ جماعةٍ، منهم العزُّ ابن جَمَاعة، ولم نعرفْ أحداً ممن أجاز فيه غيره، وأنه ذهب في فتنة تمرلنك،
وكان - أي البرهان - لا يَرضَى أن يحدِّث عن العز ابن جماعة، تديُّناً).
فهذا متصلٌ بخلق علمي كريم، هو الأمانة في الرواية. فرحمه الله تعالى وجزاه خيراً. وابن جماعة
المراد هنا: هو الإِمام عز الدين عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكِنَاني (٦٩٤ - ٧٦٧)، وأول
سماع عُرف للبرهان كان سنة ٧٦٩، فلذلك أمسك البرهان عن الرواية عنه.
أما عز الدين ابن جماعة: محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم، فهو حفيد الذي
قبله، وهو من أقران البرهان في الولادة (٧٤٩)، وتوفي قبله بدهر (٨١٩). فهو غير المراد هنا.
ومن رِجْلاته:
حجُّه عام ٨١٣، ولا يُتصوَّرُ من طالب علم أن يجحَّ ولا يلتقيَ بعلماء الحرمين الشريفين، وبالعلماء
القادمين إليهما في هذا الموسم العظيم من أقطار الدنيا! أو أن يلتقي بهم ولا يكون لقاؤه بهم لقاءً علمياً، بل
الحجُّ غايةُ أمنيَّةِ العالِم لأداء نُسُكِه ولِمَا يتيسَّرُ له من لقاءِ عددٍ كبير من علماء العالم الإسلامي المترامي
(١) أين هذا وهذا من ذاك! فـ((النهاية)) لإمام الحرمين: تبلغ مجلدات النسخة المصورة المحفوظة بمركز البحث العلمي
بجامعة أمِّ القرى سبعَةً وعشرين مجلداً في نحو ٥٥٠٠ ورقة !! وهي تنقص نحو مجلد أو أكثر، فإن صح الخبر عن
الإِما العز ابن عبد السلام تبيَّن شفوفُ إمامته على المذكورين. والله ذو الفضل العظيم.
(٢) لعل ضبطها كذلك، فيكون الخبر من فوائد البرهان عن شيخه، ويحتمل أن يكون ضبطها: ونَقِل، فلا علاقة لنا بالخبر
حينئذ .

١١١
الأطراف، فَيُغنيه عن رحلات كثيرة. ومع ذلك فإني لم أقف على شي من ذلك فأذكره هنا، لكن يغلب على
ظني أن كثيراً من أخبار العلم والعلماء الحادثة في حجته هذه، مدوَّنٌ في كتاب ولده أبي ذر: ((كنوز
الذهب)). والله تعالى أعلم.
نعم رأيتُ خبراً واحداً كان فيه البرهان مفيداً لا مستفيداً. قال تقي الدين ابن فهدص ٣١٤ - ٣١٥:
((اجتمعتُ به لما وَرَدَ إلى مكة المشرفة صحبةَ الحاجِّ الحلبي مؤدِّياً لحجة الإسلام في موسم سنة ثلاثَ عَشْرةً
وثمانمائة، كَرَّاتٍ، واستفدتُ منه شيئاً، وسمعتُ عليه بِمِنَى المعظّم ((المائة المنتقاة)) من ((مشيخة)) الفخر ابن
البخاري الظاهرية، والحديثُ بآخرها من الذيل عليها، وأجازني بما له من مروياته مشافهةً وكتابةً غيرَ مرة)).
قال مترجِموه: وكانت الوَقْفة بعرفة ذاك العامَ يومَ جمعة، ولم يحجَّ سواها، كما قال السخاوي
١: ١٤٠، وكان خروجُه إليه مع الحاج الشامي، وصَحِبَه في حَجِّه من أقاربه وتلامذته:
١" - شهاب الدين أبو جعفر محمد بن أحمد بن عمر ابن العجمي، المتقدِّم ذكره برقم ٤٠، قال في
((الضوء اللامع)) ٧: ٣٠: ((كان حريصاً على ملازمة البرهان الحلبي، حتى إنه حج هو وإياه في سنة
ثلاث عشرة)» .
٢" - ضياء الدين محمد بن عمر النَّصِيبي، المتوفّى سنة ٨٥٧، وهو قرشيُّ أمويٌّ، كآلِ العجمي، قاله
في ((الضوء اللامع)) أيضاً ٨: ٢٤٠ - ٢٤١.
ومما يذكر في الحديث عن مشيخة السبط: أنه أخذ عن عدد من النساء، أولُهنَّ:
١٣" - أمه عائشة بنت عمر بن محمد ابن العجمي، وتقدم ذكرها رقم ٣٦ .
١٤" - جُوَيرية الهَكَّاريَّة القاهرية (٧٠٤ - ٧٨٣)، ترجمها الحافظ في ((الدرر)) ١: ٥٤٤، وذكر
مسموعاتها، ذَكَر روايةَ البرهان عنها التقيُّ ابن فهد والسخاويُّ .
١٥" - شرف بنت محمد بن حسن، قال الحافظ في ((الدرر)) ٢: ١٨٩: ((سمع منها البرهان محدثُ
حلب، وعاشت إلى بعد سنة ٧٨٠))، وكان سماعُه منها ببلدها حماة، قاله السخاوي ١ : ١٤٠، وابن تغري
بردي ١ : ١٣٤.
١٦" - عائشة بنت إسماعيل، قال في ((الدرر)) أيضاً ٢: ٢٣٦: ((سمع منها البرهان الحلبي المحدث في
رحلته)) .
١٧ " - ياسمين بنت عبد الله الحلبية أمُّ هديَّة، قال في ((الدرر)) ٤: ٤٠٨: ((سمع منها أبو حامد ابن
ظهيرة، والبرهان الحلبي، وعُمِّرت)) .
ولئنْ لم يُمكن الوقوفُ على ((معجم شيوخه)) الذي عَمِله له النجم ابن فهد، ولا على ((ثَبَته)) الذي
كتبه بنفسه: فإن من الممكن إحصاءَ عددٍ كبير منهم، وذلك بتُّع ((الدرر الكامنة)) خاصةً و((الضوء اللامع))،
وقد بدأت أولاً بجمع ذلك، ثم رأيت أنه عملُ نافلة بالنظر إلى هذه الترجمة الموجزة التي أكتبها، فتركته.

١١٢
تلامذته :
يُقال في أصحابه الآخذين عنه، ما يُقال في شيوخه: إنهم من الكثرة بمكان، ويمكن الوقوف على
أسماء عدد كبير منهم من خلال تراجم رجال القرن التاسع، وقد جمعتُ منهم عدداً، ثم رأيت ما رأيته في
جمع أسماء شيوخه، فتركته.
إنما لفت نظري شيءٌ في بعض مَن جمعتُه، هو أنه حَصَل في أصحابه ما يُسمَّى في علوم الحديث
بالسابق واللاحق، فبعضُ أصحابه توفي في وقتٍ مبكّر بالنظر إلى وفاة الشيخ البرهان، وتأخرت وفاة بعض
أصحابه إلى ما بعد وفاته بأكثر من خمسين عاماً، فصارت الفترة الزمنية بين أقدم وفاة تلميذ له، وبين وفاة
آخر تلميذ له - حسبما وقفتُ عليه - صارت الفترة الزمنية طويلة نسبياً.
فأقدم أصحابه وفاةً هو:
١" - ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن سحلول الحلبي، المتوفّى سنة ٨١٢، أرَّخ
وفاته كذلك السخاوي ٨: ٤٥، وذكر أنه ((سمع على البرهان الحلبي)).
وآخرهم وفاةً حسبما وقفت عليه: هو:
٢" - محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن زُرَيق (٨١٢ - ٩٠٠). قال السخاوي ٧: ١٧٠ : ((سمع
بحلب على حافظها البرهان الكثير، كـ ((سنن النسائي))، و((ابن ماجه))، و((المحدِّث الفاصل)). فيكون بين
أقدمِهم وآخرِهم وفاةً: ثمان وثمانون سنة.
ويكفيه أن من تلامذته:
٣" - الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢، رحمه الله، وإذا نُظر إلى تاريخ ولادتهما رأينا أنها ليست
من تلمذة القَرين على قرينه، فولادة البرهان (٧٥٣) قبل ولادة ابن حجر (٧٧٣) بعشرين سنة كاملة.
قال السخاوي ١: ١٤٣: ((لما سافر شيخنا في سنة ست وثلاثين(١) - وثمانمائة - صحبةً الركاب
الأشرفي .. قرأ عليه بنفسه كتاباً لم يقرأه قبلها، وهو ((مشيخة)) الفخر ابن البخاري. هذا مع أنه لم يكن
حينئذ منفرداً بالكتاب المذكور(٢) .. ، وسمع عليه بقراءة غيره أشياء)).
وقال في ((الجواهر والدرر)) ١: ١٢٢ وهو يحكي عن رحلة الحافظ إلى حلب: ((ولما أشرفوا على حلب
(١) ينظر في أي شهر كان وصول ابن حجر إلى حلب، نعم كان فيها في شهر رمضان، فإنه أرَّخ به قراءتَه لكتاب ((نثل
الهميان)) للسبط، الآتي ذكره في مؤلفاته برقم ٢١ - فانظره ص ١٢٨ .
ثم رأيت في ((الجواهر والدرر)) ١: ٢٣٨ تأريخ قدومه حلب وسفره عنها من كلام ابن خطيب الناصرية الآتي برقم ٥،
وهو: يوم السبت الخامس من شهر رمضان، إلى: سابع ذي الحجة من السنة نفسها، فيكون مكتُه فيها ثلاثة أشهر
ويومين. وفي المصدر المذكور ١ : ١١٦ بيان سبب سفره إليها، وقد حصَّل رحمه الله في هذه الفترة فوائد ونوادر علَّقها
في تَذْكِرته التي سماها ((جَلَب حَلَب)» كما في الصفحة التالية من المصدر المذكور.
(٢) انظر لزاماً كلامَ ابن خطيب الناصرية - وهو من خاصَّة أصحاب البرهان وبلدُّه - المنقولَ في (المنهل الصافي)) ١: ١٣٧،
وخلاصة أن البرهان كان منفرداً برواية هذا الكتاب. وانتقاءُ ابن حجر له واختيارُه أن يقرأه عليه: دليل واضح على ذلك،
بل إن حرصه الشديد على ذلك، بحيث أرسل من يُحضِرها إليه من دمشق - كما سيأتي - والله أعلم. وممن سمع بقراءته
هذه: المحب ابن الشحنة. انظر ((الجواهر والدرر)) ١: ٢٦٢.

١١٣
تلقَّاهم أهلها، وكان مِن جملة مَن لقي صاحبَ الترجمة - يعني ابنَ حجر - العلامةُ محب الدين ابن الشِّخْنة،
فسلَّم عليه وهنَّه بالسلامة، وسأله شيخنا - ابن حجر - عن الشيخ الحافظ محدث البلاد الحلبية برهان الدين
سبط ابن العجمي، فذكر له أنه بخير، فقال له: لم أشدَّ الرحل، ولا اسْتَبَحْتُ القصر إلا لِلْقِّه)).
وفي أول يوم منها سمع على البرهان المشار إليه الحديثَ المسلسلَ بالأولية بقراءة برهان الدين
البقاعي ...
وقرأ صاحبُ الترجمة - ابنُ حجر- بنفسه على المذكور - البرهان الحلبي - ((مشيخة)) الفخر ابن
البخاري، تخريج ابن الظاهري في أربعة مجالس .. والعجب أنه لم يكن بحلب من ((المشيخة)) نسخة،
فجهّز شيخنا مَن أحضرها له من دمشق، وسمع على البرهان أشياءَ غير ذلك)).
ثم قال ١: ١٢٥: ((وحدَّث صاحب الترجمة - ابن حجر - بحلب هو والبرهان الحلبي معاً بأشياء، من
ذلك ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)) للرامَهُرْمُزي، قرأه عليهما البقاعي، ونظم القارىء - يعني
البقاعي - إسنادهما)).
ثم حكى السخاوي ١: ١٢٩ ما كتبه ابن حجر في حلب، قال: ((وكان قد علَّق بخطه في حال إقامته
بالشام وحلب أشياء كثيرة جداً تزيد على مجلدين - فمن ذلك: أنه انتقى من ((شرح البخاري)) للحافظ
برهان الدين الحلبي مجدداً ... ولَخَّص ((ثَبَت)) البرهان الحلبي ...
وسمعته يقول: استفدت في هذه الرحلة أن اسمَ أبي عُمير بن أبي طلحة: حفصٌ، نقلته من كتاب
((فاضلات النساء)) لابن الجوزي، وألحقتُه في ((الأدب)) من الشرح(١)، ولم يكن صاحب الترجمة - ابن
حجر - وقف على الكتاب المذكور قبل ذلك، بل أرسل الشيخ برهان الدين الحلبي إلى من هو عنده من أهل
حلب، فأحضِر إليه، وهو المنبِّه له على ذلك أولاً، وكان رحمه الله يقول: لم أستفد من البرهان المذكور غير
ذلك))(٢).
٤" - ومنهم: ابن ناصر الدين الدمشقي (٧٧٧ - ٨٤٢)، قَدِم حلب سنة ٨٣٧، كما قاله ابن تَغْرِي بَرْدي
في ((المنهل الصافي)) ١: ١٣٦، والسخاوي ١ : ١٤٣، فيكون له من العمر ستون سنة.
وقال السخاوي ٨: ١٠٣: ((سافر - ابن ناصر الدين - بأخَرة صحبةَ تلميذه النجم ابن فهد المكيِّ إلى
حلب، وقرأ على حافظها البرهان بعض الأجزاء)).
٥ " - ومنهم علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد ابن خطيب الناصرية الحلبي (٧٧٤ - ٨٤٣)،
وشارك البرهانَ في عدد من شيوخه، ترجم للبرهان في تاريخه لحلب المسمى ((الدر المنتخب))، فقال - كما
في ((المنهل)) و((الضوء)) -: ((هو شيخي، عليه قرأتُ هذا الفنَّ وبه انتفعتُ، وبهديه اقتديتُ، وبسلوكه
تأدَّبتُ، وعليه استفدت(٣)، وهو شيخٌ إمامٌ عالم عامل حافظٌ ورع مفيد زاهد على طريق السلف الصالح،
(١) (فتح الباري)) كتاب الأدب - باب الكنية للصبي ١٠: ٥٨٦، فيصحَّح اسم الكتاب هناك.
(٢) لكن أين (المجلد) الذي انتقاه من ((شرح البخاري)) للبرهان؟ فلعله يريد: لم أستفِدْ منه مشافهةً ومذاكرةً؟ .
(٣) كذا، ولعلها: وعليه استعدت، أي: كان معيد الدرس في حلقة البرهان، والله أعلم.

١١٤
ليس مقبلاً إلا على شأنه من الاشتغال والإشغال ــ كذا، والمراد: يَشْغَل معه غيره بالعلم - لا يتردّد إلى
أحد، وأهلُ حلب يعظّمونه ويعتقدون بركته .. )).
وابنُ خطيب الناصرية هذا: لِتَعْلَم وَقْعَ كلامه ومكانةَ ثنائه على الآخرين: اسمعْ كلامَ السخاوي فيه
٥: ٣٠٦: ((كان إماماً علامة محقّقاً متقناً بارعاً في الفقه كثيرَ الاستحضار له، إماماً في الحديث، مشاركاً في
الأصول مشاركةً جيدة، وكذا في العربية وغيرها، مستحضراً للتاريخ لا سيما السيرة النبوية، فيكادُ يحفظُ
مؤلَّف ابن سيد الناس فيها (١)، كلُّ ذلك مع الإتقان والثقة، وحسنِ المحاضرة، وجودةِ المذاكرة، والرئاسة
والحِشْمة والوجاهة)». هذا كلام السخاوي فيه، وهو من هو.
بل كان البرهانُ نفسُه يُثني عليه ثناءً بالغاً جداً بجملة واحدة فيقول عن دروسه: ((هي دروسُ اجتهاد،
ولم أسمعْ شِبْهَها إلا من شيخنا البلقيني)) !.
ومن أجلاء تلامذته الحلبيين أيضاً:
٦" - زين الدين عمر بن محمد النَّصِيبي الحلبي (٨٢٣ - ٨٧٣).
٧" - وأخوه أبو بكر بن محمد النَّصِيبي الحلبي (٨٢٤ - ٨٦٣)، ومما قَرَآ عليه ((سنن ابن ماجه)). كما هو
واضح من طبعة الدكتور الأعظمي في مقدمتها وفي أثنائها، وكان ذلك سنة ٨٣٩ - ٨٤٠ بالمدرسة الشَّرَفية
بحلب، انظر ١: ١٠٧، ٢: ٢٨٣، وما بينهما، وأما ما جاء في الصورة الظاهرة ١: ٣١٢: ((٧٤٠)): فَسَبْق
قلم، صوابه: ٨٤٠ .
٨" - محمد بن محمد بن محمد ابن أمير حاج الحلبي (٨٢٥ - ٨٧٩) رحمه الله، صاحب ((حَلْبَة
المُجَلِّي شرح مُنْية المصلِّي)) في مجلد كبير، وشارح ((التحرير)) في الأصول لشيخه ابن الهمام. ذكر تلمذتَه
على البرهان السخاويُّ في ((الضوء)) ٩: ٢١٠، ونقل هو نفسُه عن البرهان الحلبي في ((شرح التحرير))
٢: ٢٣٨ قال: ((قال شيخنا الحافظ برهان الدين الحلبي)).
ومن تلامذته الدمشقيين :
٩" - عبد الوهاب ابن زُريق (٨٢٤ - ٨٤٥)، قال السخاوي ٥: ٩٩: ((ومن شيوخه: ابن
ناصر الدين ... والبرهان الحلبي وشيخنا - ابن حجر - وما أظنه حدَّث)) لكونه توفي شاباً، عمره
إحدى وعشرون سنة .
ومما قرأه على البرهانِ السبطِ مع أخيه محمد المتقدم رقم ٢: ((سنن ابن ماجه)) وسماعُهما له واضحٌ
من طبعة الدكتور الأعظمي، وكان ذلك عام ٨٣٧ بالمدرسة الشَّرَفية أيضاً.
ومن تلامذته المكيين:
من ذكره السخاوي ١: ١٤٢ بقوله: ((وممن أَخَذَ عنه من الأكابر: الحافظ الجمال ابن موسى
المُرَّاكشي، وكان معه في السماع عليه الموفَّق الإِبِي وغيره)».
(١) هو ((عيون الأثر في فنون المغازي والسير)) المطبوع في جزأين ..

١١٥
١٠" - فالمراكشيُّ: هو محمد بن موسى بن علي المراكشي الأصل المكي الشافعي (٧٨٩ - ٨٢٣)،
وانظر ترجمته عند السخاوي ١٠: ٥٦ وفيها ثناءُ ابن حجر عليه بقوله: ((الشيخ الإمام العالم الفاضل البارع
الرَّحَّال، جمال الدين، سليل السلف الصالحين، عمدة المحدثين نفع الله به)) مع أنه توفي وله من العمر
أربعة وثلاثون عاماً فقط، وانظر قول السخاوي أيضاً: أخذ عنه من الأكابر ..!. وسيأتيك ثناءُ المراكشي على
البرهان .
١١" - وأما الأبي(١): فهو علي بن إبراهيم بن علي (قُبيل ٧٩٠ - ٨٥٩)، ترجمه السخاوي ٥: ١٥٣،
ومما قال: ((ارتَحَل في موسم سنة أربع عشرة - وثمانمائة - رفيقاً للجمال ابن موسى المراكشي الحافظ صحبةً
الركب الشامي، فسمعا بالمدينة، ثم بدمشق وحلب .. فكان ممن سمع عليه ... بحلب حافظُها البرهانُ،
والعزُّ الحاضري، والشهاب ابن العديم وطائفة)).
١٢" - ومن المكيين أيضاً: نجم الدين ابن فهد، الذي عمِل ((مشيخة)) للبرهان سماها ((مورد الطالب
الطَّمِي من مرويات الحافظ سبط ابن العجمي))، وتقدم أنه رحل إلى البرهان صحبة ابن ناصر الدين عام
٨٣٧، ثم سافر إلى دمشق مراراً، والقاهرة مرتين، ثم عاد إلى حلب ليبلَّ غليله من البرهان، فمكث عنده
طويلًا، وقرأ عليه كثيراً(٢)، وكأنه كان يقرأ عليه مؤلفاته الصغيرةَ، ويكتفي بقراءة مقدِّمات كتبه الكبيرة،
ليتسَنَّى له قراءة كتب غيرها عليه.
من ذلك: أنه قرأ عليه رسالته ((التبيين لأسماء المدلسين)) كما هو مثبت آخر النسخة الآتي وصفها،
وفي سماعه ذلك أخبره بتاريخ ولادته: ((ثاني عشري رجب من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بحلب)).
ومن ذلك: مقدمة كتابه ((نثل الهميان)) و((نهاية السول)). انظر صفحة ١٢٦، ١٢٨، وتاريخ قراءة المقدمة
الأولى غير واضح أبداً، أما قراءة المقدمة الثانية فكانت ((يوم الأحد سابع صفر المبارك من سنة ثمان وثلاثين
وثماني مائة بالمدرسة الشرفية بحلب)). كما هو ظاهر في أعلى صفحة ١١ من المخطوط.
ولما رجع إلى بلده مكة المكرمة عمل له معجم شيوخه الذي سماه ((مورد الطالب الظمي)» وأرسله إليه
إلى حلب مع حجاج عام ٨٣٩، كما تقدم ص ١٠٤.
وفي تتُع أصحابه ودراسةِ مكانتهم العلمية طولٌ زائدٌ، لأن تلامذة العالِم مرآته التي تنعكس فيها علومُه
وأحوالُه.
علومه :
كان جلُّ اهتمامِ الحافظِ السبط رحمه الله تعالى متوجّهاً نحو الحديث الشريف وفنونه، كما هو ظاهرٌ
من ترجمته، ومن مؤلَّفاته، لكنْ لم يكن حالُ علمائنا السابقين الاقتصار على علم واحد وإهمال ما سواه - إلا
نفراً يسيراً من رجال القرن الثاني والثالث والرابع -. بل لا بدَّ عندهم من الاشتغالِ بعلومٍ أخرى أساسيةٍ
كالعربية والفقه، والمشاركة بالتفسير والعقائد والأصول وعلوم الآلة.
(١) ضبط السخاوي ٥: ١٥٣ الهمزة بالكسر، وزاد في ١١: ١٨٢ قوله: ((أو بفتحها)).
(٢) (معجم الشيوخ)) له ص ١٩٣ - ١٩٤، و((الضوء)) ٦: ١٢٧ - ١٢٨.

١١٦
وكذلك كان حالُ البرهانِ الحلبي .
فقد تقدم صفحة ١٠٤ نَقْلُ ما رآه السخاوي بخطُّ البرهان، وفيه يقول: ((مشايخي في الحديث نحوُ
المائتين، ومَن رويتُ عنه شيئاً من الشعر دون الحديث بضعٌ وثلاثون، وفي العلومِ غيرِ الحديث نحو
الثلاثین)» .
وقال التقي ابن فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ٣١٢: ((عُني بهذا الشأن - الحديث الشريف - واشتغل في
علومٍ، وجمع وصنَف)). ونحوه قولُ ولده النجم في ((معجم الشيوخ)» ص ٤٨.
ومن العلوم التي اشتغل بها في أول أمره - ولم يَسبق له ذكرٌ في هذه الترجمة -: علم القراءات - فإنه
بعدما حفظ القرآنَ الكريم أولَ نشأتِه، توجَّه إلى علم القراءات. قال النجم ابن فهد في ((معجم الشيوخ»
ص ٤٨: ((ثم قرأ من أول القرآن العظيم إلى سورة التوبة لأبي عمرو على الماجدي، ثم قرأ من أول القرآن
الكريم إلى أول سورة المزمِّلِ لقالون على الإمام شهاب الدين أحمد بن أبي الرضا الحَمَوي، وقرأ ختمتينِ
لأبي عَمْرو، وثالثةً بَلَغَ فيها إلى أول سورة يَس لعاصم، على الشيخ عبد الأحَد الحراني الحنبلي، ثم قرأ
بعضَ القرآن لنافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو على الإمام المُجِيد أبي عمرو الحسن بن ميمون البَلَوي
الأندلسي».
والشيخُ عبد الأَحَدِ هذا حرانيُّ الأصل، حلبيُّ المنشَأ، توفي سنة ٨٠٣، ترجمه الحافظ في ((الدرر))
٢: ٣١٥ بقوله: ((عبد الأحَد الحراني، قال البرهان الحلبي سبط ابن العجمي: قرأت عليه ختمةً لأبي
عمرو)). هكذا في المطبوع .
لكن في ((المعجم)) ما قدَّمتُه، ومثلُه في كتاب والده ((لحظ الألحاظ)) ص ٣٠٩، و((الضوء اللامع))
١ : ١٣٨.
وفي ((الضوء)) أيضاً ٤: ٢١ ترجمة عبد الأحد نفسِه: ((قرأَ عليه البرهان الحلبي ختمتين لأبي عمرو)). أما
بعضُ الختمة الثالثة فكانت لعاصم، فلا تَعَارُض.
أما علم الحديث: فإنه توجَّه إليه بكلِّيَّته منذ بَدْء كتابته له سنة ٧٧٠، وسَبَقَ له قبل سنةٍ سماعٌ له مؤرَّخ
سنة ٧٦٩ - ومعلومٌ أن ولادته كانت سنة ٧٥٣ -. ذُكر هذا في مصادر ترجمته الثلاثة: ((لحظ الألحاظ))،
و ((معجم الشيوخ)) و((الضوء اللامع)).
ومَهَر فيه، وبَلَغ درجة الإمامة، وصارَ المُشَار إليه، والرُّحْلَةِ، وأَخَذَ عليه فكرَه، وهِمَّته، واستغرق منه
كلَّ أوقاته.
من مظاهر ذلك: أنه لم يؤلِّف في علم سِواه - وستأتي مؤلَّفاته وترى منها ذلك - وأنه لم يُعْرَف عنه إقراءٌ
ولا تدريسٌ لغيره.
قال النجم ابن فهد رحمه الله: ((قرأ ((صحيح البخاري)) على الناس في الجوامع والمساجد وغير ذلك -
خارجاً عما قرأه في الطلب وقُرِىء عليه -: ستين مرة(١)! وقرأ ((صحيح مسلم)) نحو العشرين)).
(١) لفظ السخاوي: ((أكثر من ستين مرة)).

١١٧
حتى إنه عُرف بالبرهان المحدث، وبخادم السنة .
قال السخاوي ١: ١٤٢: ((اتَّفق أنه في بعض الأوقات حُوصِرت حلب، فرأى بعضُ أهلها في المنام
السراجَ البُلْقينيَّ فقال له: ليس على أهل حلب بأسٌ، ولكن رُحْ إلى خادم السنة إبراهيم المحدِّث وقلْ له
يقرأ ((عمدة الأحكام)) ليفرِّج الله عن المسلمين، فاستيقظ، فأعلَم الشيخَ، فبادر إلى قراءتها في جمعٍ من
طلبة العلم وغيرهم بالشَّرَفية يوم الجمعة بُكْرةَ النهار، ودعا للمسلمين بالفرج، فاتفق أنه في آخر ذلك النهار
نصر الله أهل حلب)).
وكان هذا الحصار أيام علي باك سنة ٨١٠، انظر الخبر عنه مفضَّلًا في ((إعلام النبلاء)) للطباخ
٥: ١٧٥ فما بعدها، وهناك ذُكِرتْ هذه القصة، وليس مصدره فيها ((الضوء اللامع))، ولعله من ((الدر
المنتخب)) لابن خطيب الناصرية المذكور قبل قليل ص ١١٣، فيكون الخبر منقولاً عن مصدرين.
ثم إنه اتفقتْ كلمةُ مترجِميه على أنه ((كان صبوراً على الاستماع، ربما استمع اليومَ الكاملَ من غير
ملل ولا ضجر!)). وقد قرىء عليه ((سنن النسائي)) الصغرى في ستة مجالس، كما هو مثبت في القطعة
المحفوظة من الكتاب المذكور برقم ٢٥٣٣ في قسم مخطوطات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وقبل أنْ أُنْهِي الحديثَ عن علومه لا بدَّ من التنبيه إلى كلمة نقلها السخاوي ١: ١٤٣ عن الحافظ
ابن حجر في البرهان، ستأتي بتمامها قريباً بعد أسطر إن شاء الله، ومحلَّ القصد منها قوله: (( ... ومعرفتِه
بالعلوم فناً فناً».
هكذا جاء في مطبوعة ((الضوء اللامع))، ومثلُه في ((إعلام النبلاء)) ٥: ٢٠٥ وهو ينقل عن مخطوطة
((الضوء)) المحفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، كما نَّه إليه تعليقاً ٥: ١٢١، لكنْ نَقَل هذه الكلمةَ العلامةُ
الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على ((لحظ الألحاظ)) ص٣١٣ بلفظ: (( ... ومعرفتهِ بالعلوِّ فناً فناً)). فإما
أنها كذلك في النسخة التي ينقل عنها، وإما أنه يَرَى صحتها وصوابها كذلك، وإلى هذا الاحتمال أميلُ(١)، أو
أن يقال: مراده بالعلوم: العلوم الحديثية. والله أعلم.
ثناء الأئمة عليه :
اتفقت كلمة عارفيه على وصفه بالإِمامة، وما وراء ذلك من مطلب! فقد تقدم:
١" - قول البدر المارديني المتوفى سنة ٨٣٧ في أبياته التي هنا فيها البرهان بولادة ابنهِ أنس سنة
٨١٣، وأولُها:
وسما الأئمةَ رِفْعةً وبهاء
يا سيداً بعلومه ساد الورى
٢" - وتقدَّم قول ابن خطيب الناصرية (٨٤٣) وفيه: ((هو شيخ إمام، عامل، عالم، حافظ، ورع،
مفيد، زاهد .. ، وصار رُحْلة الآفاق)).
٣" - وقَدِم الحافظ ابن حجر حلب سنة ٨٣٦، وعمره ثلاث وستون سنة، وبعد رجوعه إلى القاهرة
عمل ((مشيخة)) للبرهان، قال في مقدِّمتها - كما في ((الضوء)) ١: ١٤٣ -: ((أما بعد: فقد وقفتُ على (ثَبَت))
الشيخ الإمام العلامة الحافظ المسندِ شيخِ السنَّة النبوية برهان الدين الحلبي .. ، فأحببتُ أن أخرِّج له
(١) لأني أميل أيضاً إلى أن الإمام الكوثري ينقلُ عن نسخة الظاهرية نفسها. والله أعلم.

١١٨
(مشيخة))(١) أذكرُ فيها أحوالَ الشيوخ المذكورين ومروياتِهم ليستفيدَها الرحَّالة، فإنه اليومَ أحقُّ النّاس بالرِّحلة
إليه، لعلوِّ سنده حساً ومعنى، ومعرفته بالعلوم فناً فناً. أثابه الحسنى. آمين).
فاتفق قول ابن حجر فيه مع قول ابن خطيب الناصرية مع قول الشمسِ الغَرَّاقي الآتي برقم ٩: أن
المترجَم رُحْلَة، أي: يُقصد بالارتحال إليه، وهذا لا يُقَال في كل أحد.
قال السخاوي عقبَ ما تقدم: ((وفَهْرَسَ ((المشيخة)) - أي كتب ابن حجر عنواناً عليها - بخطه بما
نصُّه: جزءً فيه تراجم مشايخ شيخ الحفاظ برهان الدين)). فهل بعد هذا ثناءٌ ولا سيما من الحافظ ابن حجر،
وقد بلغَ من العمر ثلاثاً وستين سنة، وليس في أول أمره لِيَخْلُبُهُ كلُّ بَرْقٍ؟ !.
ولابن حجر كلماتٌ أخرى في الثناء عليه تجدُها في ((الضوء اللامع)) أيضاً.
٤" - وقال تقي الدين ابن فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ٣١٢ - ٣١٣: ((اشتغل في علوم، وجَمَع،
وصنّف، مع حسن السيرة والانجماع عن التردُّد إلى ذوي الوجاهات، والتخلَّق بجميل الصفات، والإقبال
على القراءة بنفسه، ودوام الإسماع والإشغال، وهو إمام حافظ علامة ورع، ديِّن، وافر العقل، حسن
الأخلاق، جميل المعاشرة، متواضع، محبّ للحديث وأهله ... )).
ثم قال صفحة ٣١٤: ((هو الآن ... بقيّة حفاظ الإسلام بالإجماع)). وليتضح للقارىء أَثَر هذا الثناء
العظيم، ينبغي أن نلاحظ أن ابن فهد يقول هذا الكلام ويُطلق عليه هذا اللقبَ ((بقية حفاظ الإسلام
بالإِجماع)) - يقول هذا والبرهان السبط في قيد الحياة، كما هو ظاهر آخر الترجمة، فليس كلامُه كلامَ من لا
يضع أكاليل الزهور للرجال إلا على نعوشهم بعد وفاتهم! أما في حال الحياة فَتَغِطُ الرجالَ حقوقَهم، وندعُ
الحساب ليوم الحساب !!.
٥ " - وقال ابن تَغْرِي بَرْدِي في ((المنهل الصافي)): ((قلت: كان إماماً حافظاً بارعاً مفيداً)).
٦" - وقال نجم الدين ابن فهد - ولد تقي الدين - في ((معجم شيوخه)) ص ٤٧ أول الترجمة: ((الإمام
العلامة الحافظ الكبير برهان الدين أبو الوفاء، حافظ بلاد الشام، أشهرُ من أن يُوصف، وأكبرُ من أن ينبِّه مثلي
على قَدْرِه))، ثم قال آخر الترجمة ما تقدم نحوه عن والده.
٧" - وقال السخاوي فيه من الأوصاف مثلَ ما تقدم عن ابنيْ فهد.
٨" - ورأيت في آخر السيرة الصغرى للإمام علاء الدين مغلطاي، المسماة بـ ((الإشارة)) من النسخة
الخطية المحفوظة بمكتبة الحرم المكي، رأيتُ في آخرها صورةً سماعٍ صاحبها رضيِّ الدين محمد بن
محمد بن علي الحلبي الحنبلي، على أبي البركات عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن العَدِيم المتوفى
سنة ٨٨٢، قال ابن العديم: ((أخبرنا المشايخُ برهانُ الدين حافظُ الإسلام شيخُ المحدثين أبو الوفاء
إبراهيم بن محمد بن خليل سبطُ ابن العجمي المحدث الحلبي، والعلامتان الحافظان قاضي المسلمين
علاء الدين أبو الحسن علي ابن خطيب الناصرية، وشهاب الدين أبو جعفر محمد ابن العجمي
(١) وتقدم ص ١٠٤ أن نجم الدين ابن فهد عمل له مشيخة سماها ((مورد الطالب الظمي)).

١١٩
الشافعيان .. ))، إلى آخر السماع، وكان ذلك: تُجاه المدرسة الزَّجَّاجية بحلب آخر نهار الأربعاء عشرين
جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثمانمائة(١).
فانظر قول ابن العديم: حافظ الإسلام شيخ المحدثين، وتقدم ص ١٠١ في ترجمة عائشة العجمية برقم
٤٢ أن زوجَها هذا ابنَ العديم كان ((من المكثرين عن البرهان وابنه أبي ذر)).
٩" - ثم إني وصلتُ إلى الغايةِ التي كنتُ أسعى إليها: هل وصَفَه أحدٌ بـ((أمير المؤمنين في
الحديث))؟ فإن كلام تقي الدين ابن فهد ((بقية حفاظ الإسلام بالإجماع))، وابنِ العديم: ((حافظ الإسلام شيخ
المحدثين) ليس وراءَه إلا ((أمير المؤمنين)) (٢).
وقد وقفتُ عليه الآن من عالمٍ متأهِّل لإعطاءِ هذا اللقب والوسام، هو شمسُ الدين أبو البركات
محمد بن محمد بن محمد بن علي الغَرَّاقيُّ القاهري (٧٩٥ - ٨٥٨) رحمه الله تعالى، أحدُ أصحاب الحافظ
ابن حجر، بل من تلامذة شيخ ابن حجر، هو ولي الدين العراقي، فإنه أكثر أخْذ علم الحديث عنه إملاءً،
وسماعاً وبحثاً، كما أخذ عنه - وعن غيره - الفقه والأصولَ، وأخذ بحلب عن البرهان الحلبي ((شرحَه على
الشفا)) وبعضاً من ((شرحه على البخاري)) (٣) وأثنى عليه البرهان بقوله: ((الشيخ الإمام الفاضل)) ووصفه
السخاوي في «الضوء)) ٩: ٢٥٤: ((كان إماماً عالماً بارعاً في فنون كثيرة)).
هذا الإمام كَتَب من كُتُب شيخه البرهان نسخةً لنفسه من ((الكشف الحثيث))، وكتب أولها: ((كتاب
الكشف الحثيث عمن رُمي بوضع الحديث، تصنيف سيدنا ومولانا الشيخ ... ناصر السنة ... الرُّحْلة، أمير
المؤمنين في الحديث ... محدِّث البلاد الشامية ... سبطِ ابن العجمي، أبقاه الله تعالى في خير
وعافية ... ))((٤).
وكانت هذه الكتابة قبل وفاة السبط بقليل جداً، فإنه بدأ نَسْخَ الكتاب في حياته، وفَرَغ منه بعد وفاته
بثمانية أيام، كما سيأتي عند الحديث عن ((الكشف الحثيث)) برقم ١٩.
مكتوباته :
لا بدَّ من الوقوف عند نقطة تَلِفِتُ النظر من خلال كلام مترجميه، وهي الواردة في كلام النجم ابن فهد
ص ٤٩: ((وكتب بخطه الحسن المليح عدة مجلدات ومجاميع)) ونحوه في ((الضوء)) ١: ١٤١. لكن كان
وقوفي عندها متأخراً، ففاتني بعضُ ما كنتُ وقفتُ عليه من منسوخاته .
وقد أَمكّنني معرفةُ بعض هذه المجلدات والمجاميع من خلال الفهارس وبعض المطبوعات، فمن ذلك:
(١) يستفاد من هذا التعيين للمكان والزمان: أن المدرسة الزجاجية كانت قائمة في هذا التاريخ، فقارن هذا بما في ((إعلام
النبلاء)) ٤: ٢٤٠.
(٢) للمترجم مقولة حسنة في أمراء المؤمنين في الحديث أول كتابه ((نور النبراس)) ٣/آ، لا يتسع المقام لنقلها.
(٣) ونسخته هذه كانت عن نسخة السبط التي استقرَّ أمره عليها. انظر ((الجواهر والدرر)) ١: ٢٣٤.
(٤) انظر مقدمة الدكتور عبد الله اللاحم للکتاب المذکور ص (ر).

١٢٠
١" - ((شرح البخاري)) لشيخه ابن الملقن. قال السخاوي ١: ١٤١: ((فمن ذلك كما تقدم: شرح
البخاري لابن الملقن، بل فُقِد منه نصفُه في الفِتنة، فأعاد كتابته أيضاً)).
والإشارة في قوله: ((كما تقدم)) يريد قولَه عند كلامه عن شيوخ البرهان وأن منهم ابن الملقن: قال:
((وكتبَ عنه ((شرحه)) على البخاري في مجلدين بخطه الدقيق، الذي لم يَحْسُن عند مصنفه، لكونه كتبه في
عشرين مجلدً)).
فانظر إلى هِمَّته في الكتابة والنسخ، أعاد كتابة نصفه الذي فقده.
والجزء الأول من هذه النسخة محفوظٌ في خَزَائن المكتبة العثمانية بحلب برقم ١/١٠٦، وكانت كتابةٌ
البرهان له في القاهرة في شعبان من عام ٧٨٥(١).
وفي المكتبة العثمانية أيضاً الجزء الثالثُ من الشرح المذكور بخط البرهان نفسه، لكن تاريخ كتابته
سنة ٨٢١ بحلب(١)، فهذا من النصف الذي فُقد وأعاد كتابته، كما تقدم في كلام السخاوي.
٢" - ((المغني عن حمل الأسفار في الأسفار)) لشيخه العراقي، توجد نسخة أخذت عن نسخة البرهان
في المكتبة الأحمدية بحلب، رقم ٢٣٢ .
٣" - ((المقتنى في سرد الكنى)) للذهبي، ونسخته محفوظة في خزائن المكتبة الأحمدية بحلب برقم
٣٢٨، وفي آخرها أنه نسخها سنة ٧٨٦ بالمدرسة الشرفية بحلب.
٤ " - ((ميزان الاعتدال)) للذهبي، اعتمد على هذه النسخة الأستاذ البجاوي رحمه الله اعتماداً خفيفاً،
وذكرها في مقدمته، دون ذكر اسم المكتبة التي هي فيها، أو تاريخ نسخها ومكانه.
وفي مكتبة شهيد علي باشا بتركيا مجموع فيه خمسة كتب، تحت رقم ٢٧٤٧، ويبدو أن الجمع بين
هذه الكتب الخمسة جاء متأخراً، وليس من عمل السبط ليدخل تحت قول ابن فهد والسخاوي المتقدم:
كتب بخطه عدة مجلدات ومجاميع .
والكتب الخمسة هي :
٥" - ((الإشارة إلى سيرة المصطفى ومَن بعده مِن الخُلَفا)» لعلاء الدين مغلطاي.
٦" - ((الإشارات إلى بيان أسماء المبهمات)) للنووي.
٧" - ((ترتيب ثقات العجلي)) لشيخه الهيثمي.
٨" - ((الكشف الحثيث عمن رُمي بوضع الحديث)) للبرهان الحلبي نفسه.
(١) جاء ذلك في ((منتخب المخطوطات العربية بحلب)) ص ١١٦ لكمال الحوت. ويلاحظ التاريخ، والمكان: ٧٨٥،
القاهرة، مع ما تقدم ص ١٠٣ من أنه ارتحل إلى القاهرة مرتين: سنة ٧٨٠، و٧٨٦، فمتى عاد من الرحلة الأولى، ثم
خرج إليها مرة ثانية سنة ٧٨٦، وتقدم هناك ـ وسيأتي أيضاً - أنه اختصر ((مبهمات)) ابن بَشْكُوال سنة ٧٨٤ وهو في
القاهرة .