النص المفهرس

صفحات 641-660

وَجَرَىْ لَهُ صَالِحُ عَمَلِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))(١) .
عن ابنِ عبَّاسِ قالَ: حدَّثني سَلْمانُ الفَارِسيُّ قالَ : كُنتُ رَجلاً فارسياً من أهلِ
أَصْبَهانَ ، من أهلِ قَريَةٍ منها يُقالُ لها : جيّ، وكانَ أبي دِهْقَانَها وكنتُ أحبَّ خَلقِ الله
إليه ، فَلَمْ يَزِلْ بِي حِبُّه إِيَّاي حتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كما تُحَبَسُ الجاريَةُ ، فاجْتَهدتُ في
الْمَجوسيَّة حتَّى كنتُ قاطِنَ النَّارِ الذي يُوقِدُها لا يَترُكُها تَخْبُو سَاعةً وكانت لأبي ضَيْعَةٌ
عَظيمَةٌ ، فشُغلَ في بُيَانٍ له يَوماً ، فقالَ لي : يا بُنَيَّ إنِّي قد شُغلتُ في بُنْيَانِي هذا اليومَ
عن ضَيْعَتِي ، فَاذْهَب فاطَّعْها ، وأمَرَنِي بَبَعض ما يُريدُ فخَرجتُ ، ثم قالَ: لا تَحْتَبسْ
عليَّ ، فإنَّك إنْ احْتَبستَ عليَّ كُنتَ أهَمَّ إليَّ من ضَيْعَتي، وشَغلْتَني عن كُلِّ شَيءٍ من
أمْري فخَرجتُ أريدُ ضَيعَتَه ، فمَرَرتُ بكَنيسَةٍ من كَنَائِسِ النَّصَارَى ، فسَمعتُ أصْواتَهم
فيها وهم يُصلُّونَ ، وكُنتُ لا أدري ما أمْرُ النَّاسِ بحَبْسٍ أبي إيَّايَ في بَيتِهِ ، فلمَّا مَرَرْتُ
بهم ، وسَمعتُ أصْواتَهم، دَخَلتُ إليهم أنْظُرُ ما يَصْنَعونَ ، فلمَّا رَأيتُهم أعْجَبَني
صَلَوَاتُهم ، ورَغِبتُ في أمْرِهِم ، وقُلتُ : هذا والله خَيرٌ من الدِّينِ الذي نَحنُ عليه ،
فوالله ما تَرَكتُهم حتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، وتَرَكتُ ضَيْعَةَ أبي ولَمْ آتِهَا ، فَقُلتُ لهم : أينَ
أصْلُ هذا الدِّينِ ؟ قالوا بالشَّامِ .
قالَ : ثم رَجعتُ إلى أبي وقد بَعثَ في طَلَبي وشَغَلتُه عن عَمِلِهِ كُلُّه، فلمَّا جِئْتُه
قالَ : أي بُنَيَّ أينَ كُنتَ ؟ ألَمْ أكُنْ عَهدتُ إليكَ ما عَهدتُ ؟ قُلتُ : يا أبَتِ مَرَرتُ بناسِ
يُصَلُّونَ في كَنيسَةٍ لَهم ، فأعْجَبَتي ما رَأيتُ من دِينِهم ، فوالله ما زِلتُ عندَهم حتَّىُّ
غَرَبَت الشَّمسُ قالَ أي بُنَيَّ لَيسَ في ذلكَ الدِّينِ خَيرٌ ، دينُكَ ودينُ آبائكَ خَيرٌ منه قُلتُ :
كلّ والله! إنَّه لَخَيرٌ من دِينِنا قالَ: فخَافَنِي، فَجَعلَ في رِجْلِي قَيداً ، ثم حَبَسَني في
بَيْتِهِ ، قالَ : وبَعَنتُ إلى النَّصَارَى فَقُلتُ: إذا قَدِمَ عَليْكُمْ رَكبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ من
النَّصَارَىْ، فَأَخْبِرُوني بهم فَقَدِمَ عَليهم رَكبٌ من الشَّامِ قالَ : فَفَعَلوا فألْقَيْتُ الحَديدَ من
رِجْلي ، ثم خَرجْتُ مَعهم حتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فلمَّا قَدمَتُها ، قُلتُ: مَنْ أَفْضَلُ أهْلِ هذا
الدِّينِ ، قالوا الأُسْقُفُ في الكَنيسَة فجئتُه ، فقُلتُ : إنِّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّينِ ،
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارِسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/١٩٨.
٦٤١

وأحْبَيتُ أنْ أكُونَ مَعكَ أخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِك، وأتَعلَّمُ منكَ، وأُصَلِّي مَعَكَ قالَ :
فَادْخُلْ، فدَخَلتُ مَعه، فكانَ رَجُلُ سُوءٍ يَأْمُرُهم بالصَّدَقَةِ ويُرَغِّبُهم فيها ، فإِذا جَمَعوا
منها شَيئاً ، اكْتَنَزَه لنَفْسِه، ولَمْ يُعطِهِ الْمَساكينَ حتَّى جَمِعَ سَبعَ قِلالٍ من ذَهَبٍ ووَرِق ،
فَأَبْغَضتُه بُغضاً شديداً لِمَا رَأيْتُه يَصنَعُ ثم ماتَ، فاجْتَمَعَت إليه النَّصارَى لِيَدِفِئُوه ، فَقُلتُ
لهم : إنَّ هَذا رَجُلَ سُوءٍ ، يَأْمُرُكُم بِالصَّدَقَةِ، ويُرَغِّبُكم فيها ، فإذا جئتُم بها ، كَنزَها
لِنَفْسِهِ، ولَمْ يُعْطِ الْمَساكينَ، وأَرَيْتُهم مَوْضِعَ كَنزِهِ سَبعَ قِلالٍ مَمْلوءَة ، فلمَّا رَأوْها
قالوا : والله لا نَدِفِنُه أبداً .
فِصَلَبُوهُ ثم رَمَوْه بالحِجَارَة ثم جاؤوا برَجُلِ جَعلُوه مَكانَه ، فما رأيتُ رَجُلاً - يَعني
لا يُصَلِّي الخَمسَ - أَرَىَ أَنَّه أفْضَلَ منه، أَزْهَدَ في الدُّنيا، ولا أرْغَبَ في الآخِرَة ،
ولا أدْأبَ ليلاً ونهاراً ، ما أعْلَمُني أحْبَبتُ شَيئاً قَطُ قَبَلَه حُبَّه ، فَلَمْ أزَلْ مَعَه حتَّى حَضَرَتهُ
الوَفاءُ، فقُلتُ: يا فُلانُ! قد حَضَرَكَ ما تَرَى من أمْرِ الله، وإنِّي والله ما أحْبَيتُ شَيئاً قَطُّ
حُبَّك، فمَاذا تَأْمُرُّني وإلىْ مَنْ تُوصِيني ؟
قالَ لي: يا بُنَيَّ والله ما أعْلمُه إلاَّ رَجُلاً بالْمَوْصِلِ ، فائتِهِ ، فإنَّكَ سَتجدُه على مثلِ
حالي .
فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ ، لَحِقْتُ بِالْمَوْصِلِ ، فأتَيتُ صاحِبَها ، فوَجدتُه على مثلِ حالِه من
الاجْتِهادِ والزُّهْدِ فقُلتُ له: إنَّ فُلاناً أوْصَاني إليكَ أنْ آتيكَ وأكُونَ مَعَك قالَ فَأَقِمْ أي
بْنَيَّ ، فأَقَمتُ عندَه على مثلِ أمْرِ صاحِبِهِ حتَّى حَضَرَتَهُ الوَفَاةُ فَقُلتُ له : إنَّ فُلاناً أوْصَىُ
بي إليكَ وقد حَضَرَكَ من أمْرِ اللهِ ما تَرَىُ ، فإلى مَنْ تُوصِي بي ؟ وما تَأْمُرُني به ؟ قالَ :
واللهِ ما أعْلَمُ ، أَي ◌ُبَيَّ ، إلاَّ رَجُلاً بنَصِيبينَ .
فلمَّا دَفَّاه، لَحِقتُ بِالآخَرِ ، فَأَقَمتُ عندَه على مثلِ حالِهِم حتَّى حَضَرَهِ الْمَوتُ ،
فَأوْصَى بي إلى رَجُلٍ من أهْلِ عَمُّوريَة بالرُّومِ ، فَأَتَيْتُه فوَجَدتُهُ مثلَ حالِهِم ، واكْتَسَبتُ
حَتَّى كَانَ لِي غُنِيمَةٌ وبُقَيْرات .
ثم اخْتُضِرَ فكلَّمتُه إلى مَنْ يُوصي بي ؟ قالَ : أي بُنَيَّ! والله ما أعْلمُه بَقِيَ أحَدٌ على
مثلِ ما كُنَّا عليه آمُرُكَ أنْ تَأَتِيَه ، ولكنْ قد أظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيِّ يُبعَثُ من الحَرَمِ ، مُهَاجَرُه
٦٤٢

بَيْنَ حَرَّتَيْنِ إلى أرْضٍ سَبِخَة ذاتِ نَخْلٍ ، وإنَّ فيه عَلامَاتٌ لا تَخْفَىْ ، بَيَنَ كَتَفَيْهِ خَاتَمُ
النُّبُوَّة ، يَأْكُلُ الهَدِيَّة ولَا يَأْكُلُ الصَّدَقَة، فإنِ اسْتَطِعْتَ أنْ تَخلُصَ إلى تِلكَ البلادِ
فافْعَلْ ، فإنَّه قد أظلَّكَ زَمانُه .
فلمَّا وَارَيْناهُ ، أَقَمتُ حتَّى مَرَّ بي رِجالٌ من تُجَّارِ العَرَبِ من كَلِبٍ ، فَقُلتُ لهم :
تَحْمِلُوني إلى أرْضِ العَرَبِ ، وأُعْطِيكُمْ غُنَيْمَتي وبَقَراتي هذه؟ قالوا : نَعَم فأعْطَيتُهم
إِيَّاها وحَمَلُوني، حتَّى إذا جاؤُوا بِي وَادِي القُرَى، ظَلَمُونِي ، فَبَاعُونِي عَبْداً من رَجُلٍ
يَهُودِيِّ بوَادِي القُرَى فوالله لَقَدْ رَأيتُ النَّخلَ، وطَمِعتُ أنْ يَكُونَ البَلدَ الذي نَعَتَ لي
صاحِبي .
وما حقَّت عندي حتَّى قَدِمَ رَجلٌ من بَنِي قُرَيْظَة وادي القُرَى، فابْتَاعَني من
صاحِبِي ، فَخَرَجَ بي حتَّى قَدِمْنا الْمَدينَةَ فوالله ما هُو إلاَّ أنْ رَأيْتُها ، فعَرفْتُ نَعْتَها .
فَأَقَمتُ في رِقِّي، وبَعثَ اللهُ نَبَتَّهِ صلى الله عليه وسلم بمَكةَ لا يُذكَرُ لي شَيءٌ من
أمْرِه مع ما أنا فيه من الرِقِّ ، حتَّى قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُبَاءَ ، وأنا أعمَلُ
لِصَاحِبِي فِي نَخلَةٍ له ، فوالله إنِّي لفيها إذ جاءَه ابنُ عَمِّ له ، فقالَ : يا فُلانُ قاتَلَ الله بَني
قَيلة ، والله إنَّهم الآنَ لَفِي قُباءَ مُجتَمِعُونَ علىْ رَجُلٍ جاءَ من مَكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّه نَبِيُّ .
فوالله ما هو إلاَّ أنْ سَمعتُها فأخَذَتني العُرَواءُ - يَقولُ الرِّعْدَة - حَتَّى ظَنَنْتُ لأَسْقُطَنَّ
علىْ صَاحِبِي ونَزَلتُ أَقُولُ : ما هذا الخَبرُ؟
فَرَفِعَ مَوْلايَ يَدَه فَلَكَمَني لَكِمَةً شَديدَةً، وقالَ : مَا لَكَ ولَهَذا؟! أقْبلْ علىْ عَمَلِك
فقُلتُ : لا شَيءَ، إنَّما سَمعتُ خَبراً ، فَأَحْبَيتُ أنْ أَعْلمَه .
فلمَّا أمْسَيتُ، وكانَ عندي شَيءٌ من طَعَامِ، فحَمَلتُه وذَهَبتُ إلىْ رَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم، وهو بقُبَاءَ ، فقُلتُ له: بَلَغَني أنَّك رَجلٌ صالِحُ، وأنَّ مَعكَ
أصْحاباً لَكَ غُرَبَاءَ ، وقد كانَ عندي شَيءٌ من الصَّدَقَة فَرَأيْتُكم أحَقَّ مَنْ بهذه البِلادِ ،
فَهَاكَ هَذا ، فكُلْ مِنْهُ .
قالَ: فأمْسَكَ، وقالَ لأصْحابِهِ: ((كلُوا)) فقُلتُ في نَفسِي: هذه خَلَّةٌ مِمَّا وَصَفَ
لي صَاحِبِي .
٦٤٣

ثم رَجَعتُ، وتَحوَّلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الْمَدينَة ، فجَمَعتُ شَيئاً
كانَ عندي ثم جِئْتُهُ به فقُلتُ : إنِّي قد رَأيتُكَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةِ، وهذه هَديَّةٌ فَأَكَلَ
رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأكَلَ أصْحَابُه ، فَقُلتُ هذه خَلَّتان .
ثم جِئْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَتْبَعُ جنازَةً وعليَّ شمْلتان لي وهو في
أصْحابِهِ ، فاسْتَدَرتُ أنْظُرُ إلى ظَهرِه هَلْ أَرَى الخَاتَم الذي وُصِفَ فلمَّا رآني اسْتَدبَرْتَه
و
عَرَفَ أَنِّي أتْتَبَّتُ في شَيءٍ وُصِفَ لِي، فَأَلْقَى رِداءَه عن ظَهرِهِ فَنَظَرتُ إلى الخَاتَم
فَعَرفتُه ، فانْكَبَيْتُ عليه أُقْبِلُه وأبكي .
فقالَ لي : تَحوَّلْ : فَتَحَوَّلتُ، فَقَصَصْتُ عَليه حَديثي كَما حدَّثْتُكَ يا ابنَ عَبَّاس ،
فَأَعْجَبَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَسمَعَ ذلكَ أصْحابُه(١) .
ثم شَغْلَ سَلِمَانُ الرِّقَّ حتَّى فاتَه مع رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَدْر وأُحُد ثم قالَ
رَسُولُ الله: ((كاتِبْ يَا سَلْمانُ)) فكاتَبتُ صاحِبِي على ثَلاثِ مئة نَخْلة أُحْبيها له بالفَقير
وبأرْبَعِينَ أُوْقِيَة فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصْحابِه: ((أَعِينُوا أَخَاكُمْ))
فأعانُوني بالنْخْل، الرَّجُلُ بِثَلاثينَ وَدِيَّةٍ (٢)، والرَّجُلُ بعِشرينَ، والرَّجُلُ بِخَمسَ
عَشرَة، حتَّى اجتَمعَت ثَلاثُ مئة وَدِيَّة فقال صلى الله عليه وسلم: ((اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ
فَفَقِّرْ لَهَا ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَائْتِي أَكونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ )) فَفَقَّرتُ لها وأعَانَنَي أصْحابي ،
حتَّى إذا فَرَغتُ منها ، جئتُه وأخْبَرتُه ، فخَرَجَ مَعي إليها نُقَرِّبُ له الوَدِيَّ، ويَضَعُه
بيَدِهِ، فوالذي نَفْسُ سَلمانَ بيَدِه ما ماتَت منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ فأدَّيتُ النَّخْلَ ، وبَقِيَ عليّ
المالُ، فَأَتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بمثلٍ بَيْضَة دَجاجَة من ذَهَب من بَعضٍ
الْمَغَازِي فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكاتَبُ؟)) فدُعيتُ له ، فقالَ
صلى الله عليه وسلم: (( خُذْهَا فَادِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ)) قُلتُ: وأينَ تَقَعُ هذه يا رَسُولَ الله
ممَّا عليَّ؟ قالَ : خُذْها فإنَّ اللهَ سَيؤدِّي بها عَنكَ فأخَذتُها فوَزَنتُ لهم منها أَرْبَعِينَ
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١٩٨ /٤.
(٢) الودية : جمع ودي : صِغار الفسيل .
٦٤٤

أُوقِيَة ، وأَوْفَيتُهم حَقَّهم وعَتقتُ ، فشهدتُ مع رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الخَنْدَقَ
حُرَّاً ، ثم لَمْ يَفُتَنِي معه مَشْهَدٌ (١) .
عن عائذِ بنِ عَمرو أنَّ أبا سُفْيانَ مَرَّ علىْ سَلمانَ وبِلال وصُهَيب في نَفَر فقالوا :
ما أخَذَت سُيوفُ الله من عُنُقَ عَدو الله مأخَذَها فقال أبو بكر : تَقولون هذا الشَيخ قُرَيش
وسَيِِّها! ثم أتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخْبرَه، فقالَ: ((يَا أَبَا بَكرٍ! لَعَلَّكَ
أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كِنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ)) فأتاهُم أبو بكر فقالَ: يا إخْوَتَاهُ
أغْضَبتُكم؟ قالُوا: لا يا أبا بكر ، يَغْفِرُ اللهُ لك(٢).
عن أبي البَخْتَرِيِّ قالَ : قيلَ لعَليٍّ : أخبرنا عن أصْحَابِ محمَّد صلی الله عليه وسلم
قالَ : عن أيّهم تَسألُون ؟ قيلَ: عن عبدِ الله بنِ مَسْعود ، قالَ: عَلِمَ القُرآنَ والسُّنَّةَ ،
ثم انْتُهىُ وكَفَى به عِلماً قَالُوا: عَمَّار؟ قالَ: مُؤمِنٌ نَسَيٍّ فإنْ ذَكَّرَتَه ذَكَرَ ، قالوا :
أبو ذَر؟ قالَ: وَعَى عِلماً عَجَزَ عنه، قَالُوا: أبو مُوسَى؟ قالَ صُبغَ في العِلمِ صِبْغَةً ،
ثم خَرجَ منه قالوا : حُذَيْفَة ؟ قالَ : أعْلمُ أصْحابِ مُحمَّد بالْمُنافِقِينَ قَالُوا : سَلْمانُ ؟
قالَ : أدْرَكَ العلمَ الأوَّلَ، والعِلمَ الآخِرِ ، بَحْرٌ لا يُدرَكُ قَعْرُه ، وهو منَّا أهلَ البيتِ
قَالُوا : فأنتَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟ قالَ : كُنتُ إذا سألتُ أُعطِيتُ ، وإذا سَكتُ
ابتُديتُ (٣).
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تَلا هذه الآية ﴿ وَإِن
تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَّكُمْ﴾(٤) قالوا : يا رَسولَ الله! مَنْ هَؤلاء؟ قالَ رضي الله عنه :
فضَرَبَ عَلَىْ فَخِذِ سَلْمانَ الفَارِسِيِّ، ثم قالَ صلى الله عليه وسلم: ((هَذا وَقَوْمُهُ، وَلَوْ
كانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ الفُرْسِ )) (٥) .
عن أبي البَخْتَريِّ قالَ : جاءَ الأشْعَثُ بنُ فَيَسٍ وجَرِيرُ بنُ عبدِ الله ، فدَخَلا على
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٢.
(٢) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٢.
(٣)
انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٣.
(٤)
سورة محمد ، الآية : ٣٨ .
(٥) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارِسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٣ .
٦٤٥

سَلَمَانَ في خُصٍّ فسَلَّمَا وحَيَّياه ، ثم قَالا : أنتَ صاحِبُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
قالَ : لا أدْري فارْتابا قالَ : إنَّما صاحِبُهُ مَنْ دَخَلَ مَعه الجَنَّةَ قالا : جِئنا من عندِ
أبي الدَّرْداء ، قالَ : فأينَ هَديَّتُه؟ قالا: ما مَعنا هَديَّة قالَ: اتَّقَيا الله ، وأدِّيا الأمانَةَ ،
ما أتاني أحَدٌ من عندِه إلاَّ بِهَديَّة ، قالا: لا تَرفَع عَلينا هَذا ، إنَّ لنا أمْوالاً فاحْتَكِم ،
قالَ : ما أُريدُ إلَّ الهَدِيَّة، قالا: والله ما بَعثَ مَعنا بشَيءٍ إلاَّ أنَّه قالَ: إِنَّ فِيكُم رَجُلاً
كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا خَلا به لَمْ يَبْغِ غَيرَه ، فإذا أتَيْثُمَاهُ ، فأقْرِئاهُ منِّي
السَّلامَ قالَ: فأيُّ هَديَّة كُنْتُ أُريدُ مِنْكُمَا غَيرَ هذه؟ وَأَيُّ هَديَّة أفْضَلُ منها؟(١) .
عن طارِقٍ بنِ شِهابٍ عن سَلْمانَ قالَ : إذا كانَ اللَّيلُ ، كانَ النَّاسُ منه علىُ ثَلاثِ
مَنازِلَ : فمنهم مَنْ لَه ولا عَليه ، ومنهم مَنْ عَليه ولا لَه ، ومنهم مَنْ لا عَليه ولا لَه!
فقُلتُ: وكَيفَ ذَاكَ ؟ قالَ : أَمَّا مَنْ لَه ولا عَليه، فَرَجلٌ اغْتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاسِ وظُلمَةَ
اللَّيلِ، فَتَوضَّأ وصَلَّى، فذاكَ لَه ولا عَليه، ورَجُلٌ اغْتَنَمَ غَفَلَةَ النَّاسِ وَظُلَمَةَ اللَّيلِ
فمَشَىُ في مَعاصي الله، فَذَاكَ عَليه ولا لَه، ورَجُلٌ نامَ حتَّى أصْبَحَ ، فَذَاكَ لا لَه
ولا عَليه(٢) .
قالَ طارقٌ : فقُلتُ : لأَصْحَبنَّ هذا فضُربَ على النَّاسِ بَعثٌ، فخَرجَ فيهم ،
فصَحبتُه وكُنْتُ لا أَفْضُلُهُ فِي عَمَلٍ ، إنْ أَنا عَجنتُ خَبَزَ وإِنْ خَبَزْتُ طَبِخَ ، فَزَلنَا مَنْزِلاً
فبتْنا فيه ، وكانت لِطَارِق سَاعَةٌ من اللَّيْلِ يَقُومُها، فَكُنتُ أَتَقَظُ لها فأجِدُه نائماً،
فَأَقُولُ : صاحِبُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، خَيرٌ مِنِّي نائمٌ ، فأنامُ ثم أُقُومُ فأجِدُهُ
نائماً فأنامُ ، إلاَّ أنَّه كانَ إذا تَعارَّ من اللَّيْلِ قالَ وهو مُضطَجِعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، والْحَمْدُ
للهِ، ولا إلَهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أكبرُ، لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلكُ ولَهُ
الْحَمْدُ ، وهو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ حَتَّى إذا كانَ قُبَيلَ الصُّبحِ قامَ فَتَوضَّأ ثم رَكَعَ أرْبَعَ
رَكَعَاتٍ فلمَّا صَلَّيْنا الفَجْرَ قُلتُ: يا أبا عبدِ الله! كانَت ليَ سَاعَةٌ من اللَّيْلِ أقُومُها وكُنتُ
أَتَقَّظُ لها فأجدُكَ نائماً، قالَ : يا ابنَ أخي! فإيش كُنتَ تَسْمَعُني أَقُولُ؟ فأخْبَرَتُه ،
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/٢٠٣ .
(٢) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة : ١/٢٠٤.
٦٤٦

فقالَ : يا ابنَ أخي تِلكَ الصَّلاةُ، إنَّ الصَّلوَاتِ الخَمسَ كَفَّاراتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ما اجْتُنَبَت
الْمَقْتَلَةِ ، يا ابنَ أخي عَليكَ بالقَصْدِ فإنَّهِ أَبْلَغُ(١) .
عن أبي وَائلٍ قالَ: ذَهبتُ أنا وصاحبٍ لي إلى سَلْمانَ ، فقالَ : لَوْلا أَنَّ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم نَهانا عن التّكلُّفِ، لتكلَّفْتُ لكم، فجاءَنا بخُبِزِ ومِلْحِ فَقُلتُ
لصاحِبِي : لَوْ كانَ في مِلْحِنا صَعْتَرٌ فِبَعَثَ سَلْمَانُ بِمِطْهَرَتِهِ ، فَرَهَنَها ، فجاء بصَعْتَر ،
فلمَّا أكَلْنا قالَ صاحبي : الحَمْدُ لله الذي قَنَّعَنا بما رَزَقَنا، فقالَ سَلْمانُ : لَوْ قَنَعْتَ لَمْ
تَكُنْ مِطْهَرَتِي مَرْهونَةَ(٢) .
وعن أَنَس قالَ : دَخلَ سَعدٌ وابنُ مَسْعُود عَلى سَلْمانَ عندَ الْمَوتِ ، فَبَكَى فقيلَ له :
ما يُبكيكَ ؟ قالَ: عَهِدٌ عَهِدَه إلينا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، لَمْ نَحْفَظْه قالَ :
((لِيَكِنْ بَلاغُ أَحَدِكمْ مِنْ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكبِ )) وأمَّا أنتَ يا سَعدُ فاتَّقِ اللهَ في حُكمِكَ إذا
حَكمتَ ، وفي قَسْمِكَ إِذا قَسَمْتَ، وعندَ هَمِّكَ إذا هَمَمتَ .
قالَ ثابتٌ: فَبَلغَني أنَّه ما تَركَ إلاَّ بضعَةً وعِشرينَ دِرْهَماً نُفَيْقَة كانت عندَه(٣).
عن سَلَمانَ ، قالَ : فَتَرَةُ ما بَيْنَ عِيسَى ومُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم سِتُّ مئة
سَنةً(٤) .
ماتَ سَلمانُ فِي خِلافَةَ عُثْمَانَ بِالْمَدائنِ .
قالَ العَبَّاسُ بنُ يَزِيد البَحْراني: يَقولُ أهْلُ العِلمِ : عَاشَ سَلمانُ ثَلاثَ مئةٍ وخَمسينَ
سَنةً ، فأمَّا مِئتانِ وخَمسُونَ ، فلا يَشُكُّونَ فِيه .
ومَجْموعُ أمْرِه وأحْوَالِهِ، وغَزْوه، وهِمَّته، وتَصَرُّفه، وسَفّه للجَريد ، وأشياء مِمَّا
تَقَدَّمَ يُنِىءُ بأنَّه لَيسَ بمُعَمَّر ولا هَرِمٍ فقد فارَقَ وَطَنَه وهو حَدَثٌ ، ولَعلَّه قَدِمَ الحِجَازَ
وله أرْبَعُونَ سَنةً أو أقلُّ ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ سَمِعَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثم
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٤.
(٢)
انظر السير: (سَلْمانَ الفارسىُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/٢٠٤ .
(٣) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٥.
(٤) انظر السير: (سَلْمَانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٥ .
٦٤٧

هاجَرَ ، فَلَعَلَّه عاشَ بِضْعاً وسَبعينَ سَنةً وما أرَاهُ بَلِغَ الْمِئَةَ فَمَنْ كانَ عندَه عِلمٌ ،
فليُفِدْنا .
وقد نَقَلَ طُولَ عُمرِه أبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزي وغَيرُه وما عَلمتُ في ذلكَ شَيئاً يُركَنُ
إليه(١) .
عن ثابتِ البُنانيِّ قالَ: لَمَّا مَرِضَ سَلمانُ، خَرجَ سَعدٌ من الكُوفَةِ يَعُودُه ، فقَدِمَ ،
فوَافَقَه وهو في الْمَوتِ يَبْكِي ، فَسَلَّمَ وجَلسَ ، وقالَ : ما يُبكيكَ يا أخي ؟ ألا تَذْكُرُ
صُحْبَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تَذكُرُ الْمَشَاهِدَ الصَّالِحَة ؟
قالَ : والله ما يُبْكيني وَاحِدَةٌ من اثنَتَين: ما أبْكي حُبّاً بالدُّنيا ولا كَراهيَةً لِلِقاءِ الله
قالَ سَعدٌ: فما يُبْكيكَ بعدَ ثَمانينَ؟ قالَ: يُبْكيني أنَّ خَليلي صلى الله عليه وسلم عَهِدَ
إليَّ عَهْداً قالَ: ((لِيَكنْ بَلاغُ أَحَدِكمْ مِنْ الدُّنْيَا كِزَادِ الرَّاكبِ )) وإنَّا قد خَشينا أنَّا قد
تَعدَّينا .
رَواهُ بَعضُهم عن ثابت ، فقالَ: عن أبي عُثْمانَ ، وإرْسَالُه أشْبَه قالَه أبو حاتم ،
وهذا يُوضِّحُ لكَ أنَّه من أبناء الثَّمانينَ .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : وقد ذكرتُ في تاريخي الكَبير أنَّه عاشَ مِئْتَين وخمسينَ سَنةً ،
وأنا السَّاعَةَ لا أرْتَضي ذلكَ ولا أُصَحِّحُه(٢) .
٣- قِصَّةُ عبدُ الله بن حُذافَة مع مَلكِ الرُّوم :
عن أبي رافع، قالَ: وَجَّه عُمَرُ جَيشاً إلى الرُّوم، فأسَروا عبدَ الله بنَ حُذافَة ،
فِذَهبوا به إلى مَلِكِهم، فقالوا : إنَّ هذا من أصْحابٍ محمَّد فقالَ: هَلْ لكَ أنْ تَتْنَصَّرَ
وأُعطيكَ نِصفَ مُلكي؟ قالَ : لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ ما تَملِك، وجَمِيعَ مُلكِ العَرب ،
ما رَجَعتُ عن دينِ محمَّد طَرِفَةَ عَين ، قالَ : إذاً أقتُلك قالَ : أنتَ وذَاكَ فأمَرَ به فصُلبَ
وقالَ للرُّماة : ارْمُوه قريباً من بَدنِه ، وهو يَعرضُ عليه ، ويَأْبَى ، فأَنزَلَه ودَعا بقدرٍ ،
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/٢٠٥.
(٢) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ١/ ٥٠٥-٥٥٨، وانظر النزهة: ٤/٢٠٥.
٦٤٨

فصَبَّ فيها ماءً حتى احتَرَقَت ، ودَعا بأسيرَينِ من الْمُسلِمِينَ ، فأمَرَ بأحَدِهما ، فأُلِقِيَ
فيها ، وهو يَعرضُ عليه النَّصْرانيَّة ، وهو يَأْبَى ثم بَكَىْ فقيلَ للمَلِك: إنَّه بَكَىْ، فظَنَّ
أنَّه قد جَزعَ، فقالَ : رُدُّوه ما أبْكاكَ ؟ قالَ : قُلتُ : هِي نَفَسٌ واحدةٌ تُلقَى السَّاعَة
فَتَذْهَبُ ، فَكُنتُ أشْتَهِي أنْ يَكونَ بعَدِدِ شَعري أنْفسٌ تُلقَى في النَّارِ في الله .
فقالَ له الطَّاغيَةُ : هل لك أنْ تُقُبِّلَ رَأسي وأُخلِّي عَنكَ ؟
فقالَ له عبدُ الله: وعنْ جَميعِ الأُسارَى؟ قالَ: نَعَم فقَبَّلَ رَأْسَه .
وقَدمَ بالأُسَارَىُ علىْ عُمَرَ، فأخْبَرَه خَبرَه فقالَ عُمَرُ: حَقٌّ على كُلِّ مُسلمٍ أنْ يُقْبِّلَ
رَأْسَ ابنِ حُذافَة ، وأنا أبدأُ ، فَقَبَّلَ رَأْسَه .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: ولعلَّ هذا الْمَلك قد أسْلَمَ سِراً، ويَدُّ علىُ ذَلك
مُبالَغْتُه في إِكْرامِ ابنِ حُذَافَة وكذا القَولُ في هِرَقْل إذ عَرضَ علىُ قَومِهِ الدُّخُولَ في
الدِّين ، فلمَّا خافَهم قالَ : إنَّما كُنتُ اختبرُ شِئَتكُم في دینکم .
فمَنْ أَسْلمَ في باطِنِهِ هَكذا ، فيُرجَى له الخَلاصُ من خُلودِ النَّار ، إذ قد حَصَّل في
باطِنِهِ إيماناً ما ، وإنَّما يُخافُ أنْ يَكُونَ قد خَضَعَ للإِسْلام وللرَّسُولِ ، واعْتَقَدَ أنَّهما
حَقٌّ ، مع كَونِ أنَّه على دينٍ صَحيحٍ ، فَتَراه يُعَظِّمُ الدِّينَيَنِ ، كما قد فَعَلَه كَثِيرٌ من
الْمُسلِمانيَّةِ الدَّواوين ، فهَذا لا يَنفَعُهُ الإسْلامُ حتَّى يَتَبَرَّأ من الشِّرْك .
ماتَ ابنُ حُذافَة في خِلافَة عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنهم(١) .
٤- قِصَّةُ إِسْلام أبي ذَرّ :
عن عبدِ الله بنِ الصَّامِت، قالَ: قالَ أبو ذَرْ: خَرَجنا مع قَومِنا غِفَار ، وكانوا
يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الحَرامَ ، فخَرَجتُ أنا وأخي أُنَيْس وأُنَا ، فَتَزَلنا على خَالٍ لَنَا ، فَأَكْرَمَنا
وأَحْسَنَ فحَسَدَنا قَومُه، فقَالُوا: إنَّك إذا خَرَجتَ عن أهْلِك يُخالِفُكَ إليهم أُنَيْسٌ ،
فجاءَ خَالُنا ، فَذَكرَ لَنا ما قيلَ له : فقُلتُ : أمَّا ما مَضَىْ من مَعْروفِك، فقد كَذَّرْتَه ،
(١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ حُذافَة) ١١/٢ -١٦، وانظر النزهة: ١/٢١١.
٦٤٩

ولا جِمَاعَ لك فيما بَعدُ فقدَّمْنا صِرْمَتَنَا (١) فاحْتَمَلنا عَليها، وَجَعَلَ خَالُنَا يَبْكِي ، فَانْطَلِقْنا
حتَّى نَزَلنا بحضرَةِ مَكَة، فَنَافَر(٢) أُنَيَسٌ عن صِرْمَتِنا وعن مِثِلِها، فأتّيًا الكامِنَ فخَيَّرَ
أُنَيَساً ، فَأَتَانا أُنَيَسٌ بصِرْمَتِنا ومثلِها مَعَها .
قالَ : وقد صَلَّيْتُ يا ابنَ أخي قبلَ أنْ ألْقَىْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بثَلاثٍ
سِنِينَ قُلتُ : لِمَنْ؟ قالَ لله قُلتُ: أينَ تَوجَّهُ؟ قالَ: حَيثُ وجَّهَني اللهُ، أُصَلِّي عِشاءً
حتَّى إذا كانَ من آخِرِ اللَّيلِ أُلْقِيتُ كأَنِّي خِفَاءٌ (٣) حَتَّى تَعَلُوني الشَّمسُ .
فقالَ أُنَيَس : إنَّ لي حاجَة بمَكة، فاكْفِنِي فَانْطَلَقَ أُنَيُّ حتَّى أَتَى مَكَةَ فِرَاثَ
عليَّ(٤) ، ثم جاءَ فقُلْتُ: ما صَنعتَ؟ قالَ لَقِيتُ رَجُلاً بمَكة علىُ دِينِكَ يَزِعُمُ أنَّه مُرْسَل
قُلتُ: فمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ ، سَاحِرٌ قالَ : وكانَ أُنَيَسٌ
أحَدَ الشُّعَراء : فقالَ : لقَد سَمعتُ قَولَ الكَهَنَةِ ، وما هو بقَولِهِم، ولقد وَضَعتُ قَولَه
علىْ أقْوَالِ الشُّعَراءِ ، فمَا يَلَثُمُ علىْ لِسَانِ أحَدٍ أَنَّه شِعْرٌ، والله إنَّه لَصَادِقٌ ، وإِنَّهم
لَكَاذِبُونَ! قُلتُ : فَاكْفِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُر .
فأَتَيْتُ مَكَةَ ، فَتَضَعَّفتُ(٥) رَجُلاً منهم، فقُلتُ: مَنْ هذا الذي تَدعُونَه الصَّابىءَ ؟
فأشَارَ إليَّ فقالَ: الصَّابِىءُ قالَ : فَمَالَ عَلَيَّ أهلُ الوَادِي بَكُلِّ مَدَرة ، وعَظْمٍ ، حتَّى
خَرَرتُ مَغْشياً عليَّ فَارْتَفَعتُ حينَ ارْتَفَعتُ كأَنِّي نُصُبَّ أَحْمَر (٦) ، فأَتَيْتُ زَمْزَمَ،
فَغَسَلتُ عنِّي الدِّمَاءَ ، وشَربتُ من مائها .
ولقد لَبثتُ - يا ابنَ أخي - ثَلاثينَ ، بينَ لَيْلٍ ويَومٍ، ما لي طَعامٌ إلَّ ماءُ زَمْزَم ،
(١) في ((صحيح مسلم)): فقربنا صِرْمَتنا، والصَّرْمَة: القطعة من الإبل.
(٢) نافَرَ : حاكم، يُقالُ: نافَرتُ الرجلَ منافرَة إذا قاضيته ، والمنافَرة : المحاكمة تكون في تفضيل أحد
الشيئين على الآخر .
(٣)
الخِفاء : كساءٌ يُطرَح على السِّقاء .
(٤)
يُقالُ : راثَ فُلانٌ علينا إذا أبطأ.
(٥)
أي نظرتُ إلى أضعَفهم .
و
النَّصُب : الحجر أو الصنم الذي كانوا ينصبونه في الجاهلية ويذبحون عليه ، فيحمَرُّ من كثرة دم القَربان
(٦)
والذبائح ، أراد أنهم ضربوه حتى أدموه .
٦٥٠

فسَمِنتُ حتَّى تَكَسَّرَت عُكَنِي، وما وَجَدتُ علىُ كَبِدِي سَخْفَةَ(١) جُوعٍ .
فبَيّنا أهلُ مَكة في لَيَلَةٍ قَمْراء إضْحِيان(٢) ، جاءَت امْرأتانِ تَطُوفانِ، وتَدَعُوانِ إسافاً
ونائلة(٣)، فأتَتَا عليَّ فِي طَوافِهما فقُلتُ: أنكحا أحدَهما الآخَر فما تَنَاهَتا عن قولِهِما،
فأتتَا عليَّ فَقُلتُ: هَرٍ(٤) مثلُ الخَشَبَة ، غيرَ أنَّي لا أَكْنِي فانْطَلِقَتَا تُوَلوِلانِ ، تَقُولانِ:
لَوْ كانَ هَا هُنا أحَدٌ من أنْفَارِنَا!، فاسْتَقْبَلَهُما رَسُولُ الله، وأبو بكر، وهُما هابِطَتان ،
فقالَ: ما لَكُمَا؟ قَالَتَا: الصَّابىءُ بينَ الكَعبَة وأسْتارِهَا قالَ: فما قالَ لَكُمَا ؟ قَالَتَا: إنَّه
قالَ كَلِمَةً تَملأُ الفَم .
قالَ : وجاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حتَّى اسْتَلمَ الحَجَرَ ، ثم طَافَ بالبَيتِ ،
هو وصَاحِبُهُ، ثم صَلَّى وكُنتُ أوَّلَ مَنْ حَيَّاه بتَحِيَّة الإسْلامِ قالَ: عَليكَ ورَحمَة الله! من
أين أنتَ ؟ قُلتُ : من غِفَار فأهْوَى بِيَدِهِ ، ووَضَعَ أصَابِعَه على جَبهَتِهِ .
فَقُلْتُ فِي نَفَسِي : كَرِهَ أنِّي انْتُمَيتُ إلىْ غِفَارَ فَذَهَبتُ آخُذُ بِيَدِه فدَفَعَنِي صَاحِبُهُ ،
وكانَ أعْلمَ به مِنِّي قالَ : ثم رَفَعَ رَأْسَه ، فقالَ : مَتى كُنتَ هَا هُنا ؟ قُلتُ : مُنذُ ثَلاثِينَ
من بَيْنِ لَيلَةٍ ويَومٍ قالَ: فَمَنْ كانَ يُطْعِمُك ؟ قُلتُ: ما كانَ لي طَعامٌ إلاَّ ماءُ زَمْزَم
فسَمِنتُ ، وما أجِدُ علىُ بَطْني سَخفَةَ جُوعٍ قالَ صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا
طَعَامُ طُعْمٍ )) .
فقال أبو بكر: يا رَسُولَ الله، ائذَنْ لِي فِي طَعامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقنا، فَفَتَحَ أبو بكر
باباً ، فجَعلَ يَقْبِضُ لنَا من زَبيبِ الطَّائفِ فكانَ أوَّلَ طَعامِ أكَلتُه بها .
وأتَيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: ((إنَّه قَدْ وُجِّهَتْ لي أرْضٌ ذَاتُ
نَخْلِ ، لا أرَاهَا إلَّ يَثْرِبَ ، فَهَلْ أنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَنْفَعَهُم بِكَ وَيَأْجُرَكَ
فِيهِم؟ )) قالَ: فانْطَلقتُ، فَلَقِيتُ أُنَيَّساً، فقالَ: ما صَنعتَ؟ قُلتُ: صَنَعتُ أَنِّي
(١) سخفة الجوع : رقته وهزاله .
(٢) يُقالُ: ليلة إضحيان وإضحيانة ، أي : مضيئة، لا غيم فيها ، فقمرها ظاهر يضيئها.
(٣٣) إساف ونائلة: صَنمان تزعم العربُ أنهما كانا لرجل وامرأة زَنيا في الكعبة فُمُسخا .
(٤) عنى به الذَّكرَ ، وقوله : لا أُكْني : أراد أنه أفصح باسمه ولم يُكنَّ عنه .
٦٥١

أسْلَمتُ وصَدَّقتُ قالَ : ما بي رَغبَةٌ عن دِينِك، فإنِّي قد أسْلَمتُ وصَدَّقتُ فأسْلَمَتْ
أُمُنا، فاحتَمَلنا حتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنا غِفَار، فأسْلمَ نِصْفُهم ، وكانَ يَؤُمُّهم إِيْمَاءُ بنُ رَحَضَة ،
وكانَ سَيِّدَهم وقالَ نِصْفُهم : إذا قَدِمَ رَسُولُ الله الْمَدينَةَ أسْلَمْنا فقَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله
عليه وسلم الْمَدِينَةَ ، فأسْلمَ نِصْفُهم الباقي .
وجاءَتْ أسْلَمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إخْوَانُنا، نُسْلِمُ عَلى الذي أسْلَمُوا عَليه
فأسْلَمُوا فِقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا! وَأَسْلَمُ
سَالَمَهَا اللهُ))(١) .
٥ - قِصَّةُ كعب بن مالك :
عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كَعْبٍ ، عن أبيه : سَمعتُ كعْباً يقولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ
عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوةٍ ، حتى كانت تَبُوك إلاَّ بَدْراً، وما أُحِبُّ
أنِي شَهِدتُها ، وفاتَثْنِي بَيْعَتِي ليلةَ العَقَبَةِ(٢) وقَلَّمَا أَرَادَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
غَزْوةً إلاَّ وَرَّى عنها بغيرِها، فَأَرَادَ في غَزْوَةٍ تَبُوكُ أنْ يَتَأْهَبَ النَّاسُ أُهبةً وكنتُ أَيْسَرَ
ما كنتُ، وأنا في ذلك أَصْغُو(٣) إلى الظُّلالِ وطَيِّبِ الثَّمَارِ، فَلَمْ أَزَلْ كذلك حتى خَرَجَ
فقُلتُ : أَنْطَلِقُ غَداً ، فَأَشْتَرِي جَهَازِي، ثم ألْحَقُ بِهِم فانْطَلَقْتُ إلى السُّوقِ، فَعَسُرَ
عليَّ، فرَجَعتُ، فَقُلتُ: أرْجِعُ غَداً فَلَمْ أَزَلْ حتى الْتَبَسَ بي الذنْبُ، وَتَخَلَّيْتُ ،
فجعَلتُ أمشِي فِي أَسْواقِ المَدِينَةِ ، فَيُحْزِنُنِي أَنِّي لا أَرَىْ إلَّ مَغْمُوصاً(٤) عليه في
النِّفاقِ، أو ضَعِيفاً وكان جَميعُ مِنْ تَخَلَّفَ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِضْعَةً
وثَمانِينَ رَجُلاً(٥) .
(١) انظر السير: ( أبو ذر الغفاريُّ) ٤٦/٢-٧٨، وانظر النزهة: ٥/٢١٧-٢١٩.
(٢) في البخاري ومسلم : ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة حين تواثقنا على
الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها .
(٣) أصغو : أميل.
(٤) أي مطعوناً عليه في دينه، متهماً بالنفاق، وقيل: معناه مستحقراً، فتقول غمصتُ فلاناً إذا
استحقرته .
(٥) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ٣/٣٠٠.
٦٥٢

ولمَّا بَلَغَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَبُوك ذَكَرَنِي، وقال: (( ما فَعَلَ كَعْبٌ ؟)) فقال
رُجُلٌ من قَوْمِي: خَلَّفَهُ يا نَبيَّ اللهِ بُرداه، والنَّظَرُ في عِطْفَيْه، فقال مُعاذٌ : بِشْسَ
ما قُلتَ : واللهِ ما نَعْلمُ إلَّ خَيْراً .
إلى أنْ قال : فَلَمَّا رَآنِي صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ تَبَشُّمَ المُغْضَب وقال صلى الله
عليه وسلم: ((أَلَمْ تَكن ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟)) قُلتُ: بَلَى قال: ((فمَا خَلَّفَكَ؟)) قُلتُ:
واللهِ لَوْ بَيْنَ يَدَي أَحَدٍ غَيْرِكُ جَلَسْتُ لخَرَجْتُ من سُخْطِهِ عليَّ بعدُ ، لقد أُوتِيتُ جَدَلاً ،
ولكنْ قد عَلِمتُ يا نَبيَّ الله أنِّي أُخْبِرُكَ اليومَ بقَولٍ تَجِدُ عليَّ فيه وهُوَ حَقٌّ فإنِّي أَرْجُو فيه
عُقْبَى الله .
إلى أنْ قالَ: والله ما كُنتُ قَطُّ أَيْسَرَ ولا أَخَفَّ حاذً (١) مِنِّي حين تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقَالَ
صلى الله عليه وسلم: ((أمَّا هـذا فَقَدْ صَدَقَكُم، قُمْ حتى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ)) فقُمتُ .
إلى أن قال : ونَهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ(٢).
فجعلتُ أخرجُ إلى السوق ، فلا يُكلِّمني أحدٌ ، وتَنَكَّرَ لنا الناسُ، حتى ما هُم
بالذين نعرفُ، وتَنَكَّرَت لنا الحيطانُ والأرضُ، وكنتُ أطوفُ وَآتي المسْجدَ ، فأدخلُ
وآتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسَلِّمُ عليه، فأقولُ هل حَرَّكَ شَفَتَيه بالسلام !! ؟(٣).
واسْتَكانَ صاحِبَايَ (٤) ، فجَعَلا يَبكيانِ اللَّيلَ والنَّهَارَ لا يُطْلِعانِ رُؤُوسَهما! فبَيْنا أنا
أُطُوفُ بالسُّوقِ إذا بنَصْرانيٍّ جاءَ بِطَعامٍ ، يَقولُ : مَنْ يَدِلُّ على كعْب ؟ فدَلُّوهُ عَلَيَّ!،
فأتَانِي بصَحِيفَةٍ من مَلِكِ غَسَّانَ ، فإذا فيها : أمَّا بَعدُ فإنَّ بَلغَني أنَّ صاحِبَك قد جَفَاكَ ،
وأقْصَاكَ، ولَسْتَ بِدَارِ مَضْيَعَة ولا هَوَانٍ ، فالْحَقْ بنا نُواسِكْ فسَجَّرتُ لها التَّتُّورَ
وأحْرَقتُها .
(١) الحاذ : الجال .
(٢) أيّها الثلاثةُ: مبني على الضم في محل نصب على الاختصاص ، أي : مختصين بذلك دون بقية
الناس .
(٣) انظر السير: ( كعب بن مالك) ٢/ ٥٢٣ - ٥٣٠، وانظر النزهة: ٤/٣٠٠.
(٤) وهما : مِرارَةُ بنُ الرَّبيع العمريّ ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيّ .
٦٥٣

إلىْ أَنْ قالَ: إذْ سَمعتُ نداءً من ذِرْوَة سَلْع(١): أَبْشِرْ يا كعْبُ بنُ مالِك فخَرَرْتُ
ساجِداً ، ثم جاءَ رَجلٌ علىْ فَرَس يُبَشِّرُنِي، فَكَانَ الصَّوتُ أَسْرَعَ من فَرسِه ، فَأعْطَيْتُه
ثَوْبَيَّ بِشَارَةً ، ولَبِستُ غَيْرَهُما .
ونَزَلَتْ تَوبتُنا على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُلثَ اللَّيلِ، فقالَت أمُّ سَلمَة :
يا نَبِيَّ الله، ألا نُشِّرُ كعْباً؟ قالَ: ((إذاً يَحْطِمُكُمُ النَّاسُ وَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ)) قالَ:
فانْطَلقتُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو جالِسٌ في المسجِدِ ، وحولَه
المسلمونَ ، وهو يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ القَمَرِ ، فقالَ: ((أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَىّ
عَلَيْكَ))، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ﴾ الآية(٢).
وفينا نَزَلت أيضاً: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾(٣).
فِقُلتُ : يا نَبيَّ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتي ألاَّ أُحَدِّثَ إلاَّ صِدْقاً، وأنْ أنْخَلِعَ من مَالي كُلِّه
صَدَقَةً، فقالَ صلى الله عليه وسلم : ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))
الحديث (٤) .
وفي لَفِظِ ، فقَامَ إليَّ طَلحَةُ يُهَرْوِلُ، حتَّى صافَحَني وهَنَّأْنِ . فكانَ لا يَنْسَاها
لِطَلْحَة(٥) .
٦ - قِصَّةُ إسْلام عمرو بن العاص :
عن رَاشِد مَوْلَى حَبيب ، عن حَبيبٍ بنٍ أَوْس، قالَ : حذَّثني عمرُو بنُ العاص
قالَ : لَمَا انْصَرَفْنا من الخَندَقِ، جَمَعتُ رِجالاً من قُرَيش، فَقُلتُ : والله إنَّ أمْرَ مُحمَّدٍ
يَعلُو عُلواً مُنْكَراً، والله ما يَقومُ له شَيءٌ، وقد رَأيتُ رَأياً، قَالُوا: وما هو ؟ قُلتُ : أنْ
نَلحَقَ بالنَّجَاشِيِّ على حامِيَتِنا، فإنْ ظَفرَ قَومُنا، فَنَحنُ مَنْ قد عَرَفوا ، نَرجِعُ إلَيهِم ،
(١) سلع : جبل بالمدينة .
(٢) سورة التوبة ، الآية : ١١٧.
سورة التوبة ، الآية : ١١٩ .
(٣)
انظر السير: ( كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ١/٣٠١ .
(٤)
(٥) انظر السير: ( كعب بن مالك) ٢/ ٥٢٣- ٥٣٠، وانظر النزهة: ١/٣٠٢.
٦٥٤

وإِنْ يَظهَرْ مُحمَّدٌ، فَنَكُونُ تَحتَ يَدَي النَّجَاشِيِّ أحَبَّ إلَينا من أنْ نَكُونَ تَحتَ يَدَي مُحمَّدٍ
قالوا : أصَبتَ قُلتُ : فابْتَاعُوا له هَدايا ، وكانَ من أعْجَب ما يُهدَى إليه من أرضِنا
الأدَمُ ، فَجَمَعَنا له أدَماً كَثيراً، وقدِمنا عَليه ، فوافَقْنا عندَه عَمرَو بنَ أُمَّيّة الضَّمْريّ قد
بَعثَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في أمْرِ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ ، فلمَّا رَأيْتُه قُلتُ لَعَلِّي أَقْتُله
وأدخَلتُ الهَدايا ، فقالَ: مَرْحباً وأهْلاً بصَديقي وعَجِبَ بالهَدِيَّةِ ، فَقُلتُ : أيُّها
الْمَلكُ! إنِّي رَأيتُ رَسُولَ مُحمَّد عندَك وهو رجلٌ قد وَتِرَنا ، وقَتلَ أشْرافَنَا ، فَأَعْطِنِيهِ
أضْرِبُ عُنُقَه، فَغَضِبَ وضَربَ أنفَه ضَربةً ظَنَنتُ أنَّه قد كَسَرَه، فَلَوْ أَنْشَقَّت لي الأرضُ
دَخَلتُ فيها وقُلتُ : لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكَرَهُ هذا لَمْ أسْألْكَه فقالَ: سَأَلْتَنِي أنْ أُعْطِيَكَ
رَسُولَ رَجُلٍ يَأتيهِ النَّامُوسُ(١) الذي كان يَأْتِي مُوسَى الأكبر تَقْتُلُه؟! فَقُلتُ: وإِنَّ ذَاكَ
لِكَذلك ؟ قالَ نَعَم والله إنِّي لكَ ناصحٌ فَاتَّبِعْه ، فوالله لَيَظْهَرَنَّ كَمَا ظَهرَ مُوسَى وجُنودُه ،
قُلتُ : أَيُّهَا الْمَلكُ، فبابِعْنِي أنتَ لَه على الإسْلامِ ، فقالَ: نَعَم فبَسَطَ يدَه ، فبايَعتُه
لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، على الإسْلامِ، وخَرَجتُ على أصْحابي وقد حالَ
رأي ، فقالوا: ما وَراءَك؟ فَقُلتُ: خَيراً، فلَمَّا أمْسَيتُ، جَلَستُ علىْ رَاحِلَتِي ،
وانْطَلقتُ ، وتَرَكتُهم ، فوالله إنِّي لأَهْوي إذ لَقِيتُ خالدَ بنَ الوَليد ، فقُلتُ : إلى أينَ
يا أبا سُلْمان؟ قالَ: أَذْهَبُ والله أُسْلِمُ، إنَّه والله قد اسْتَقَامَ الْمَيْسَمُ، إنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيِّ
ما أشُكُ فيه فقُلتُ: وأنا والله، فقَدِمْنا الْمَدينَةَ، فقُلتُ: يا رَسُولَ الله، أُبايعُكَ على
أنْ يُغفَرَ لي ما تَقَدَّم من ذَنبي، ولَمْ أَذْكُرْ ما تَأْخَّرَ فقالَ لي: ((يَا عَمْرُو بَايِعْ فَإِنَّ الإسْلامَ
يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَه))(٢)، (٣) .
(١) الناموسُ: جبريلُ عليه السلام، وكذا يُسمِّيه أهلُ الكتاب، وفي حديث ورَقَة بن نَوْفَل لخَديجَة
رَضيَ اللهُ عنها ، إنْ كان ما تَقَولين حَقاً ، فإنَّه لَيَأتيه الناموسُ الذي كان يَأْتِي مُوسَى عليه السلام .
(٢) رجاله ثقاتٌ خَلا راشِد مَولَى حَبيب، فلَم يوثقه غيرُ ابن حبَّان وأخرَجَه من طَريق ابنِ إسحاق بنَحوه ابنُ
هشام في السيرة (٢٧٦/٢، ٢٧٧)، وأحمد في ((الْمُسنَد)) (١٩٨/٤، ١٩٩)، وهو في تاريخ ابن
عَساكر ، ومَغازي الواقدي .
(٣) انظر السير: (عَمْرُو بنُ العاص) ٣/ ٥٤ -٧٧، وانظر النزهة: ٧/٣٣٣.
٦٥٥

٧ - قِصَّةُ إِسْلام أحَد الرُّوم :
عن ابنِ جابِرِ، حدَّثنا القاسِمُ أبو عبد الرحمن، قالَ: غَزَونا مع فَضَالَةَ بنِ عُبَيْد ،
ولَمْ يَغْزُ فَضَّالَةُ في الْبَرِّ غَيْرَها - فَبَينَما نَحنُ نُسرِعُ في السِّيرِ ، وهو أميرُ الجَيشِ ، وكانَت
الوُلاةُ إذ ذَاكَ يَسمَعُونَ مِمَّن اسْتَرعاهُم اللهُ عَليه، فقالَ قائلٌ: أيُّها الأميرُ! إنَّ النَّاسَ قد
تَقْطَّعوا ، قِفْ حَتَّى يَلحَقُوا بك فوَقَفَ في مَرجِ عَليهِ قَلعَةٌ ، فإذا نَحنُ برَجُلٍ أحْمَر ذي
شَوارب فأتينا به فَضَالَة، فقُلنا : إنَّه هَبطَ من الحِصْنِ بِلا عَهِدٍ ، فسَأْلَه، فقالَ : إِنِّي
البَارِحَةَ أَكَلتُ الخِنْزِيرَ ، وشَرِبتُ الخَمَرَ ، فَأَتَانِي فِي النَّومِ رَجُلانِ ، فَغَسَلا بَطْني
وجَاءَتني امْرأْتَانِ، فَقَالَتَا: أسْلِمْ، فأنا مُسلِمٌ، فمَا كانَت كلمَتُه أسْرَعَ من أنْ رُمِينا
بالزِّبَارِ(١) فأصَابَه، فدَقَّ عُنقَه، فقالَ فَضَالَةُ: اللهُ أكبَرَ عَمِلَ قَليلاً ، وأُجِرَ كَثِيراً فصَلَّينا
عَليه ، ثم دَفنَّه(٢).
٨- قِصَّةُ إسلام عَديٍّ بنِ حَاتِم :
عن ابنِ سِيرينَ ، عن أبي عُبَيْدَة بنِ حُذَيْفَة ، قالَ : كُنتُ أسْألُ النَّاسَ عن حَديثٍ
عَديٍّ بنِ حاتم وهو إلى جَنبي لا آتيه ، ثم أتَيْتُه فسَألتُهُ فقالَ : بُعثَ النَّبيُّ صلى الله عليه
وسلم فكرهْتُه، ثم كُنتُ بأرْضِ الرُّوم، فقُلتُ: لَوْ أَتَيْتُ هذا الرَّجُلَ ، فإنْ كانَ صَادِقاً
تَبَعْتُه، فلمَّا قَدَمْتُ الْمَدينَةَ، اسْتَشْرَفَنِي النَّاسُ فقالَ لي صلى الله عليه وسلم: (( يا
عَدَيُّ! أسْلِمْ تَسْلَمْ)) ، قُلتُ: إنَّ لي دِيناً، قالَ صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا أَعْلَمُ
بِدِينِكَ مِنْكَ، أَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟)) قُلتُ: بَلَى قال: ((أَلَسْتَ رَكوسِيًّا(٣) تَأْكلُ
الْمِرْبَاعَ (٤) )) قُلتُ: بلى قالَ: ((فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ))، فَتَضَعْضَعْتُ لذلك
ثم قالَ : (( يا عَدِيُّ! أسْلِمْ تَسْلَمْ فَأَظُ مِمَّ يَمْنَعُكَ أَنْ تُسْلِمْ خَصَاصَةً تَرَاهَا بِمَنْ حَوْلِي ،
(١) الزِّبار: كأنها الحجارة، من قولهم: زبر الرجل إذا رَماه بالحجارة، والزبر : الحجارة.
(٢) انظر السير: (فَضَالَةُ بنُ عُبَيْد) ١١٣/٣ -١١٧، وانظر النزهة: ٣/٣٤٦.
(٣) قال في النهاية : الرَّكوسية : هو دينٌ بين النصارى والصابئين.
(٤) كانوا في الجاهلية إذا غزا بعضهم بعضاً، وغنموا ، أخذ الرئيسُ رُبع الغنيمة خالصاً دون أصحابه ،
ويسمّى ذلك المرباع .
٦٥٦

وَأَنَّكَ تَرَى النَّاسَ عَلَيْنَا إِلْباً وَاحِداً هَلْ أَتَيْتَ الْحِيرَةَ؟ )) قُلْتُ: لمْ آتِها ، وقد عَلمتُ
مَكانَها قال: ((تُوشِكُ الظَّعِينَةُ أَنْ تَرْتَحِلَ مِنْ الْحِيرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ ،
وَلَىُّفْتَحَنَّ عَلَيْنَا كُنُوزُ كَسْرَى)) قُلتُ: كَسْرَىُ بنُ هُرْمُزْ! قالَ: ((كسْرَىُ بنُ هُرْمُز،
وَلَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حَتَّى يُهِمَّ الرَّجُلُ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ مَالَهُ صَدَقَةٌ )) .
قالَ عَديٌّ: فلقد رَأيتُ اثنَتَين، وأحلِفُ بالله لَتَجيئنَّ الثالثةُ، يَعني: فَيَضَ الْمَال(١).
٩- قِصَّةُ جُنْذُب رضي الله عنه مع السَّاحِر :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : قَدِمَ دِمَشْقَ، ويُقالُ له : جُندُب الخَير ، وهو الذي
قَتَلَ الْمُشَعْوِذَ .
عن أبي عُثْمانَ النَّهْدي : أنَّ ساحِراً كانَ يَلعَبُ عندَ الوَليدِ بنِ عُقْبَة الأميرِ ، فكانَ
يَأْخُذُ سَيِفَه، فَيَذْبَحُ نَفَسَه ولا يَضُرُّه، فقامَ جُنْدُبُ إلى السَّيفِ فَأَخَذَه، فَضَرَبَ عُنقَه،
ثم قَرأ: ﴿أَفَتَأْتُوُنَ اُلْسِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾(٢)، (٣).
وعن أبي الأسْوَد أنَّ الوَليدَ كانَ بالعِراقِ ، فَلَعِبَ بَينَ يَدَيه سَاحِرٌ ، فَكَانَ يَضرِبُ
رَأسَ الرجُل، ثم يَصيحُ به، فيَقُومُ خارِجاً، فيَرتَدُ إليه رَأْسُه ، فقالَ النَّاسُ:
سُبْحانَ الله سُبْحانَ الله، ورآهُ رَجلٌ من صالِحِي الْمُهاجِرينَ ، فلمَّا كانَ من الغَد اشْتَملَ
علىُ سَيْفِه ، فَذَهبَ لِيَلعَبَ، فاخْتَرطَ الرجُلُ سَيفَه، فضَربَ عُنقَه، وقالَ : إِنْ كانَ
صَادِقاً ، فليُحْيِ نَفَسَه، فسَجَنَه الوَليدُ، فَهَرَّبَه السَّجَّانُ لِصَلاحِهِ(٤) .
١٠ - قِصَّةُ إِسْلام أبي رَجَاء العطارديّ :
عن يُوسُفَ بنِ عَطيّة ، ن أبيه : دَخلتُ على أبي رَجَاء فقالَ: بُعثَ النَّبيُّ صلى الله
عليه وسلم وكانَ لنَا صَنمٌ مُدَوَّر، فحَمِلنَاهُ على قَتَب ، وتَحوَّلنا ففَقَدنا الحَجَرِ انْسلَّ
(١) انظر السير: (عَديُّ بنُ حاتِم) ١٦٢/٣ - ١٦٥، وانظر النزهة: ٥/٣٥٧.
(٢)
سورة الأنبياء ، الآية : ٣ .
(٣) انظر السير: ( جُنْدُب الأزدي) ٣/ ١٧٥ -١٧٧، وانظر النزهة: ٥/٣٦١.
(٤) انظر السير: (جُنْدُب الأزدي) ١٧٥/٣ - ١٧٧، وانظر النزهة: ٢/٣٦٢.
٦٥٧

فوَقَعَ في رَمَلٍ ، فَرَجَعْنا في طَلِهِ فإذا هو في رَمَلٍ قد غَابَ فيه ، فاسْتَخرَجتُه فكانَ ذلك
أُوَّلَ إسْلامي، فَقُلتُ: إنَّ إلَهَاً لَمْ يَمْتَنعْ من تُرابٍ يَغِيبُ فيه لإِلَهُ سُوءٍ وإِنَّ العَنْزَ لَتَمنَعُ
حَيَاها بذَنَبها .
فكانَ أوَّلَ إسْلامي، فرَجَعتُ إلى الْمَدِينَةِ وقد تُوفِّيَ النَّبيُّ صلى الله عليه
وسلم(١) .
١١ - قِصَّةُ محمَّد بن المُنكدِر مع أحد الصَّالحين :
وقالَ ابنُ الْمُنْكَدِر: إنِّي لَلَيْلَةٌ مُواجِةٌ هذا الْمِنْبَ في جَوفِ اللَّيْلِ أَدْعُو ، إذا إنْسَانٌ
عندَ أسْطُوانَةَ مُقَنِّعٌ رَأْسَه ، فأسْمَعُه يَقولُ : أي رَبُّ إنَّ القَحْطَ قد اشْتدَّ على عِبادِك ،
وإنِّي مُقْسِمٌ عَليكَ يارَبِّ إلاَّ سَقَيْتَهم ، قالَ: فما كانَ إلاَّ ساعَةً إذا سَحابَةٌ قد أقْبَلت ، ثم
أرْسَلَها اللهُ، وكانَ عَزِيزاً على ابنِ الْمُنْكَدِرِ أنْ يَخْفَى عليه أحَدٌ من أُهِلِ الخَيرِ ، فقالَ :
هذا بالْمَدينَةِ ولا أعْرِفُه !! فلمَّا سَلَّمَ الإمامُ، تَقَنَّعَ وانْصَرَف، وأنْبَعَه ، ولَمْ يَجلِسْ
للقَاص حتَّى أَتَّى دَارَ أنَسٍ، فدَخَلَ مَوْضِعاً، ففَتَحَ ودَخلَ قالَ : ورَجَعتُ ، فلمَّا
سَبَّحتُ أَيْتُه فقُلتُ : أدْخُلُ؟ قالَ : ادْخُل فإذا هو يَنجِرُ أقْداحاً ، فقُلتُ : كَيفَ
أصْبَحتَ ؟ أصْلَحَكَ اللهُ ، قَالَ : فَاسْتَشْهَرَهَا وأعْظَمَهَا مِنِّي، فلمَّا رَأيتُ ذلكَ ، قُلتُ :
إنِّي سَمعتُ إِقْسَامَكَ البَارِحَة على الله ، يا أخي هَلْ لكَ فِي نَفَقَّةٍ تُغْنيكَ عن هذا،
وتُفَرِّغُكَ لِمَا تُريدُ من الآَخِرَةِ، قالَ : لا ، ولَكِنْ غيرُ ذلكَ، لا تَذْكُرْني لِأحَدٍ ،
ولا تَذْكُرْ هذا لأحَدٍ حَتَّى أَمُوتَ ، ولا تَأْتِ يا ابنَ الْمُنْكَدِر ، فإنَّكَ إِنْ تَأْتِي شَهَرْتَنِي
للنَّاسِ ، فقُلتُ : إِنِّي أُحِبُّ أنْ الْقَاكَ، قَالَ : الْقَنِي فِي الْمَسجِدِ ، قالَ : وكانَ
فارسياً، فمَا ذَكرَ ذلكَ ابنُ الْمُنْكَدِر لأحَدٍ حتَّى ماتَ الرَّجُلُ قالَ ابنُ وَهْبٍ : بَلَغَني أنَّه
انْتُقلَ من تِلكَ الدَّارِ ، فَلَمْ يُرَ ، ولَمْ يُدْرَ أيْنَ ذَهَبَ فقالَ أهْلُ تِلكَ الدَّار: اللهُ بَيْنَنَا وبينَ
ابنِ الْمُنْكَدِر ، أخْرَجَ عَنَّ الرجُلَ الصَّالِحِ(٢).
(١) انظر السير: ( أبو رجاء العطارديّ) ٢٥٣/٤ -٢٥٧، وانظر النزهة: ١/٤٩٢.
(٢) انظر السير: (محمَّدُ بنُ الْمُنْكدِر) ٣٥٣/٥ -٣٦١، وانظر النزهة: ٤/٦٠٨.
٦٥٨

١٢ - قِصَّةُ تَوْبَةِ إبراهيم بن أدهم :
قالَ السَّرَّاجُ : سَمعتُ إبراهيمَ بنَ بَشَار يَقُولُ : قُلتُ لإبراهيمَ بنِ أدْهَمَ : كَيفَ كانَ
بَدَءُ أمْرِك ؟ قالَ : غَيرُ ذا أوْلَىُ بك قالَ: قُلتُ : أَخْبِرْنِي لَعَلَّ اللهَ أنَ يَنْفَعَنا به يوماً قالَ:
كانَ أبي من الْمُلوكِ الْمَياسير، وحُبِّبَ إلينا الصَّيدُ فَرَكبتُ ، فثارَ أرْنَبٌ أو ثَعَلَبٌ
فحَرَّكتُ فَرَسي، فسَمعتُ نِداءً من وَرَائِي: لَيْسَ لِذَا خُلِقْتَ، ولا بِذَا أُمِرْتَ فوَقَفْتُ
أَنْظُرُ يَمْنَةً وَيَسْرَةٌ ، فَلَمْ أَرَ أَحَداً ، فَقُلتُ : لَعَنَ اللهُ إِبْليسَ ، ثم حَرَّكتُ فَرَسي ، فأسْمَعُ
نِداءً أجْهَر من ذلك: يا إبراهيمُ! لَيسَ لِذَا خُلِقْتَ ولا بِذَا أُمِرْتَ، فَوَقَفتُ أَنْظُرُ فلا أَرَى
أحَداً فَقُلتُ : لَعَنَ اللهُ إِبْليسَ، فَأسْمَعُ نِداءً من قَرْبُوس(١) سِرْجي بِذَاكَ ، فَقُلتُ :
أُنْبِهْتُ، أُنْبِهْتُ، جاءَني نَذِيرٌ ، واللهِ لا عَصَيتُ اللهَ بعدَ يَومي ما عَصَمَني اللهُ ، فَرَجَعتُ
إِلَىْ أَهْلِي، فخَلَّيْتُ فَرَسي ، ثم جِئتُ إلى رُعاةٍ لأبي، فأخَذْتُ جُبَّة وكِسَاءً ، وألْقَيْتُ
ثيابي إليه ثم أقْبَلتُ إلى العِراقِ، فَعَمِلتُ بها أيّاماً، فَلَمْ يَصْفُ لي منها الحَلالُ فقيلَ
لي: عَليكَ بِالشَّامِ فَذَكرَ حِكايَةَ نِظارَتِهِ الرُّمَّانَ ، وقالَ الخادِمُ له : أنْتَ تَأْكُلُ فاكِهَتَنا ،
ولا تَعرفُ الحُلوَ مَن الحَامِضِ ؟ قُلتُ: والله ما ذُقْتُها فقالَ : أتُراكَ لَوْ أَنَّك إبراهيمُ بنُ
أَذْهَم ، فانْصَرفَ ، فلمَّا كانَ من الغَدِ ذَكَر صِفَتي في الْمَسجِدِ ، فعَرَفَني بَعضُ النَّاسِ،
فجاءَ الخَادِمُ ومَعه عُنقٌ (٢) من النَّاسِ فَاخْتَفَيَتُ خَلفَ الشَّجَرِ والنَّاسُ دَاخِلُونَ ،
فاخْتَلَطتُّ مَعَهم وأنا هَاربٌ .
تُوقِّيَ سَنةَ اثْنَتَينِ وسِتِينَ ومئة ، وقَبرُه يُزار(٣) .
١٣ - قِصَّةُ تَوْبَةِ الفُضَيْلِ بن عِیاض :
وعن الفَضْلِ بنِ مُوسَى، قالَ: كانَ الفُضَيْلُ بنُ عِياض شاطِراً يَقطَعُ الطَّريقَ بينَ
أبِيوَرْدَ وسَرْخَس ، وكانَ سَببُ تَوبَيِّهِ أنَّه عَشِقَ جاريَةً ، فَبَينا هو يَرْتَقي الجُدْرانَ إليها،
(١) القربوس: هو حنو السرج، قال الأزهَريُّ: وللسرج قربوسان، فأما القربوس المقدَّم ، ففيه
العضدان ، وهما رجلا السرج ، ويُقالُ لهما حنواه والقربوس الآخر فيه رجلا المؤخرة ، وهما حنواه .
(٢) العنقُ من الناس : الجماعة من الناس والرؤساء .
(٣) انظر السير: (إبراهيمُ بنُ أدْهَم) ٧/ ٣٨٧ -٣٩٦، وانظر النزهة: ٢/٧٠٩.
٦٥٩

إِذْ سَمِعَ تَالياً يَتْلُو ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ... ﴾(١) فلمَّا سَمعَها، قالَ:
بَلَى، يا رَبِّ، قد آنَ، فَرَجَعَ، فَآواهُ اللَّيلُ إلى خَرِبَة، فإذا فيها سَابِلَةٌ ، فقالَ
بَعضُهم: نَزْحَلُ ، وقالَ بَعضُهم: حتَّى نُصْبِحَ فإنَّ فُضَيْلاً عَلى الطَّريقِ يَقْطَعُ عَلينا .
قالَ: فَكَّرتُ، وقُلتُ: أنا أسْعَى باللَّيْلِ فِي الْمَعاصي، وقَومٌ من الْمُسْلِمِينَ ها
هُنا، يَخافُوني ، وما أَرَى اللهَ ساقَني إليهم إلَّ لأرْتَدِعَ ، اللَّهُمَّ إنِّي قد تُبْتُ إليكَ،
وجَعلتُ تَوْبَتِي مُجاوَرَةَ البَيتِ الحَرام(٢) .
١٤ - قِصَّةُ إِبراهيم بن المَهْدي مع يَهوديٍّ قاطِعِ طَريق :
قالَ عَلَيُّ بِنُ الْمُغيرَة الأَثْرَمُ: حدَّثنا إبراهيمُ: أنَّه وَلِيَ إِمْرةَ دِمَشْقَ أعْواماً لَمْ يُقْطَع
فيها على أحَدٍ طَريقٌ ، وحُدِّثتُ أنَّ الآفَةَ في قَطع الطَّريقِ من دُعامَة ونُعْمان ويَحْيَى بن
أُرميا اليَهوديّ البلقاوي، وأنَّهم لَمْ يَضَعوا يَدَهُمَ في يَدِ عاملٍ ، فكاتَبْتُهم فتَابَ دُعامَة
وحَلفَ النُّعْمانُ بالأيْمانِ أنَّه لا يُؤذي مَهْما وَليتُ ، وطَلبَ ابنُ أُرميا أمَاناً لِيَأْتِي ،
ويُناظِرَ ، فَأَجَبتُه، فقَدِمَ شابٌّ أشْعرُ أَمْعَرُ في أَقْبِيَة ديباجٍ ، ومِنطَقَةٍ وسَيفٍ مُحلَّى ،
فدَخلَ على الخَضْراءِ ، فسَلَّمَ دُونَ البسَاطِ ، فقُلتُ : اصْعَّدْ قال : إنَّ للبساطِ ذماماً ،
أخافُ أنْ يلزمني جُلوسِي عَليه ، وما أدري ما تَسُومني ، قُلتُ: أسْلِمْ، وأَطِعْ قالَ :
أمَّ الطَّاعَةُ فأرْجُو، ولا سَبِيلَ إلى الإسْلامِ، فما عِندَكَ إنْ لَمْ أُسْلِمْ؟ قُلتُ : لا بُدَّ من
جِزْيَة قالَ : اغْفِي قُلتُ : كلَّ قالَ: فأناَ مُنْصَرِفٌ على أمَانِ فَأذِنتُ له ، وأمَرتُهم أنْ
يَسْقُوا فَرَسَه، فلمَّا رَأى ذلكَ، دَعا بدَابَّةِ غُلامِه، وتَرَكَ فَرَسَه، وقالَ: لَنْ آخُذَ شَيئاً
ارْتَفَقَ منكُم ، فأُحارِبُكُم عليه، فاسْتَحِيَيْتُ وطَلبْتُه ، فلمَّا دَخَلَ ، قُلتُ: الحَمدُ لله ،
ظَفْرتُ بكَ بِلا عَهْد قالَ : وكَيفَ ؟ قُلتُ : لأنَّك انْصَرَفْتَ من عِندِي، وقد عُدتَ ،
قالَ : شَرطُك أنْ تَصْرِفَني إلى مَأْمَني، فإنْ كانَ دَارُكُ مَأْمَني ، فَلَستُ بخائف ، وإنْ
كانَ مَأْمَني أرْضِي، فرُذَّني ، فجَهِدتُ به أنْ يُؤدِّي جِزْيَة عَلَى أنْ أهَبَه في السَّنَةَ أَلْفَي
دينار ، فأَبَى، وذَهَبَ فأسْعَرَ الدُّنيا شَرَّاً، وحُملَ مَالٌ من مِصْرَ ، فَتَعرَّضَ له ، فَكَتبَ
(١) سورة الحديد، الآية : ١٦.
(٢) انظر السير: (الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٨/ ٤٢١-٤٤٢، وانظر النزهة: ٥/٧٧٢.
٦٦٠