النص المفهرس

صفحات 581-600

وقال أبو البَركَات إسْماعيلُ بنُ أبي سَعْد الصُّوفيُّ : كانَ الشَّيخُ أبو بَكْر بنُ زَهْراء
الصُّوفيُّ بِرباطِنا ، قد أعدَّ لنَفسِهِ قَبراً إلى جانبٍ قَبْرِ بِشْر الحافي ، وكان يَمضي إليه كلَّ
أُسبوع مرةً ، ويَنامُ فيه ، ويَتْلُو فيه القُرآنَ كُلَّه، فلمَّا ماتَ أبو بَكْرِ الخَطِيبُ ، كانَ قد
أوْصَىْ أنْ يُدفَن إلى جَنبٍ قَبِرِ بِشْر ، فجاءَ أصْحابُ الحَديثِ إلى ابنِ زَهْراءَ ، وسَألوهُ أنْ
يَدِفِنُوا الخَطيبَ في قَبِهِ، وأن يُؤْثِرَه به ، فامْتَنعَ ، وقالَ : مَوْضعٌ قد أعْدَدتُه لِنَفْسي
يُؤْخَذُ مِنِّي! فجَاؤُوا إلىْ وَالِدي ، وذَكروا له ذلك فأحْضرَ ابنَ زَهْراء وهو أبو بكر
أحمَدُ بنُ عَلَيّ الطُّرَيْئِيُّ فقالَ: أنا لا أقولُ لكَ أعْطِهِمِ القَبرَ ، ولكن أَقُولُ لكَ: لَوْ أنَّ
بِشْراً الحَافِي في الأحْياءِ وأنتَ إلى جانبه ، فجاءَ أبو بَكر الخَطيبُ ليَقْعُدَ دُونَك، أكانَ
يَحسُنُ بِكَ أنْ تَقْعُدَ أَعْلَى منه؟ قالَ لاَ، بل كُنتُ أُجْلِسُه مَكانِي قَالَ : فَهَكَذَا يَنبَغِي أنْ
تَكُونَ السَّاعَةِ قالَ: فَطَابَ قَلْبُه، وأَذِنَ(١).
(١) انظر السير: (الخطيب) ١٨/ ٢٧٠-٢٩٧، وانظر النزهة: ٤/١٤١٤.
٥٨١

(٥) الجِنّ
١ - قِراءُتُهم القُرآنَ على الإنْسِ :
عن أبي الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ الوَاعِظِ ، قالَ: كُنتُ أَتَرَدَّهُ إلى الخِلَعِيِّ فَقُمتُ فِي لَيَةٍ
مُقْمِرَةٍ ظَنَنتُ الصُّبحَ ، فإذا عَلى بابٍ مَسْجِدِه فَرَسٌ حسَنةٌ فصَعَدتُ ، فَوَجَدتُ بِينَ يَدَيه
شَاباً لَمْ أَرَ أحْسَنَ منه يقرأُ القُرآنَ ، فجَلستُ أسْمَعُ إلى أنْ قَرأْ جُزءاً، ثم قالَ لِلشَّيْخِ :
آجَرَكَ اللهُ قَالَ: نَفَعَكَ اللهُ ، ثم نَزَلَ ، فَنَزِلتُ خَلفَه، فلمَّا اسْتَوَىُ على الفَرَسِ ، طارَتْ
به فغُشيَ عليَّ، والقاضي يَصيحُ بي : اصْعَدْ يا أبا الفَضْلِ ، فصَعدتُ، فقالَ : هذا
من مُؤمِنِي الجِنِّ ، يَأتي في الأسبُوعِ مرَّة يَقرأ جُزءاً ويَمضي(١) .
وحكى ابنُ عَقيل عن نَفْسِهِ قالَ : كَانَ عِندَنا بالظّفَرِيَّة دَارٌ ، كلَّما سَكنَها نَاسٌ
أصْبَحُوا مَوْتَى فجَاءَ مرَّة رَجلٌ مُقرىءٌ ، فَاكْتَراها، وارْتَضى بها ، فبَاتَ بها وأصْبحَ
سالِماً ، فعَجِبَ الجِيرانُ، وأقامَ مُدَّة ، ثم انْتُقلَ، فسُئلَ فقالَ : لَمَّا بِتُّ بها، صَلَّيْتُ
العِشاءَ، وقَرأْتُ شَيئاً ، وإذا شَابٌّ قد صَعدَ من البِثْر، فسَلَّمَ عليَّ، فَبُهِثُ، فقالَ:
لا بَأْسَ عَليكَ ، عَلِّمْنِي شَيئاً من القُرآنِ، فَشَرَعتُ أُعلِّمُه، ثم قُلتُ: هذه الدَّارُ كيفَ
حَديثُها ؟ قالَ : نحنُ جِنٌّ مُسْلمونَ، نَقرأُ ونُصَلِّي، وهذه الذَّارُ ما يكتَريها إلاَّ الفُسَّاقُ
فيَجَتَمِعونَ على الخَمرِ ، فَنَخْتُقُهم ، قُلتُ : ففي اللَّيلِ أخَافُك، فَجِىءْ نَهاراً، قالَ :
نَعَم ، فكانَ يَصْعَدُ من الْبِئْرِ في النَّهارِ ، وأَلِفْتُه فَبَينَما هو يَقرَأ، إذا بِمُعَزِّم في الذَّربِ
يَقُولُ : الْمُرْقِي من الدَّبيبِ ، ومنَ العَينِ ومن الجِنِّ ، فقالَ: أيشٍ هـذَا؟ قُلتُ :
مُعَزِّمٌ، قالَ : اطْلُبُهُ ، فَقُمتُ وأدْخَلتُه، فإذا بالجِنِّيِّ قد صارَ ثُعباناً في السَّقفِ ، فَعَزَّمَ
الرَّجُلُ، فمَا زَالَ الثُّعْبانُ يَتَدَلَّى حتَّى سَقطَ في وَسَطِ الْمِندَل ، فقامَ ليَأْخُذَه ويَضَعَه في
الزِّنْبِيلِ ، فمَنَعَتُه، فقالَ: أَتَمنَعُني من صَيْدي؟! فأعْطَيتُه ديناراً ورَاحَ ، فانْتُفضَ
الثُّعْبانُ، وخَرَجَ الجِنِّيُّ، وقد ضَعُفَ واصْفَرَّ وَذَابَ ، فَقُلتُ : مَالَك ؟ قالَ : قَتَلَني
(١) انظر السير: (الخِلَعِيُّ) ٧٤/١٩ -٧٩، وانظر النزهة: ٣/١٤٦١.
٥٨٢

هذا بهَذه الأسَامي، وما أظُنُنِي أُفْلِحِ ، فَاجْعَلْ بالَكَ اللَّيْلَةَ مَتَى سَمعتَ في الْبِئْرِ
صُراخاً ، فانْهَزِمْ ، قالَ : فسَمعتُ تِلكَ اللَّيلَة النَّعْيَ فَانْهَزَمتُ قالَ ابنُ عَقيل : وامْتَنعَ
أحَدٌ أنْ يَسكُنَ تِلكَ الدَّارَ بَعدَها(١).
٢-رُقْيَةٌ تَرْقِي من الچِنِّ :
عن أبي العالِيَة : أنَّ خالِد بنَ الوَليد قالَ يا رَسُولَ الله إنَّ كائداً من الجِنِّ يَكيدُني قال
صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ: أعُوذُ بِكِلِمَاتِ اللهِ النَّمَّاتِ الَّتِي لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فَاجِرٌ
مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأْ فِي الأَرْضِ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْها، ومِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِي السَّمَاءِ وَمَا يَنْزِلُ
مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ كلِّ طَارِقٍ إلَّ طَارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْرِ يَا رَحْمَنُ )) فَفَعلتُ فَأَذْهَبَه اللهُ
عنّي(٢) .
٣- مَنْ سَاءَه منهم قِراءةُ آية الكرْسيِّ :
قالَ عَبَّاسُ الدُّوريُّ: سَمعتُ يَحْيَى بِنَ مَعين، يَقُولُ: كُنتُ إذا دَخلتُ مَنْزِلِي
باللَّيلِ ، قَرأْتُ آيَةَ الكُرسيِّ علىْ دَارِي وعِيالِي خَمسَ مَرَّاتٍ ، فَبَيْنا أنا أقْرَأْ ، إذا شَيءٌ
يُكلِّمُني: كَمْ تَقْرَأْ هَذا؟ كَأنْ لَيسَ إنْسانٌ يُحْسِنُ يَقرَأُ غَيرُك؟ فقُلتُ: أَرَى هَذا
يَسُوءُك؟ والله لأزيدَنَّك فصِرتُ أفْرَؤُها في اللَّيلَة خَمسينَ سِقِينَ مَرَّةٍ (٣).
٤ - عَالمٌ أَحَدُ أَبَوَيْه چِنِّيٌّ :
قالَ أبو بَكر الخَلاَّل : سَمعتُ أبا بكر الْمَرُّوذيَّ يَقُولُ: قَالَ الأثْرَمُ: كُنتُ أَحفَظُ -
يَعني الفِقْهَ والاختلاف - فلمَّا صَحبتُ أحمدَ بنَ حَنْبَل تَركتُ ذلكَ كلَّه . وكانَ مَعه تَيَقُّظٌّ
عَجِيبٌ ، حتَّى نَسبَه يَحْيَى بِنُ مَعين ، ويَحْيَى بِنُ أَيُّوبَ الْمُقابريُّ، فقالَ: كانَ أحَدُ
أبَوَي الأَثْرَم جِنِّياً(٤) .
(١) انظر السير: (ابنُ عَقيل) ٤٤٣/١٩-٤٥١، وانظر النزهة : ١/١٤٩٩.
(٢) انظر السير: (خالِدُ بنُ الوَليد) ٣٦٦/١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٦/١٧٨.
(٣) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ مَعين) ١١/ ٧١ -٩٦، وانظر النزهة: ٢/٩١٢.
(٤) انظر السير: (الأثْرَم) ١٢ / ٦٢٣ - ٦٢٨، وانظر النزهة: ١/١٠٤١.
٥٨٣

٥- مِنْ أخْبَارِ الجِنّ :
عن عائشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها : أنَّهَا قَتَلت جَاناً ، فَأَتِيَتْ في مَنامِها : واللهِ لَقدْ قَتَلتِ
مُسْلِماً .
قالَت : لَوْ كَانَ مُسْلِماً لَمْ يَدخُلْ على أزْوَاجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
فقيلَ : أوَكَانَ يَدخُلُ عَليكِ إلاَّ وعَليك ثِيابُك .
فأصْبَحَت فَزِعَةً ، فأمَرَتْ باثنَيْ عَشرَ ألفَ دِرْهَم فجَعَلتَهَا في سَبيلِ الله .
وعن عائشةَ بنتِ طَلْحَةِ ، قالَت: كانَ جانٌّ يَطلُعُ على عائِشَةَ ، فَرَّجَتْ عليهِ مَرَّةً ،
بعدَ مَرَّة، بَعدَ مَرَّة، فأبى إلاَّ أنْ يَظهَر، فعَدَت عليه بحَديدَة، فقَتَلَته فأُتِيَّت في
مَنَامِها ، فقيلَ لهَا ، أقَتَلتِ فُلاناً، وقد شَهِدَ بَدْراً، وكانَ لا يَطلُعُ عَليكِ، لا حاسِراً
ولا مُتَجَرِّدَة، إلاَّ أنَّه كانَ يَسمَعُ حَديثَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأخَذَها ما تَقَدَّم
وما تَأَخَّرِ فِذَكرَت ذلكَ لأبيها فقالَ : تَصدَّقِي باثنَي عَشرَ ألفَاً دِيَتِهِ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: الإسنادُ الأوَّلُ أَصَحُّ وما أعْلمُ أحَداً اليومَ يَقُولُ بوُجُوبِ
دِيَة في مثل هذا(١) .
وقالَ عاصِمُ بنُ كُلَيْب الجَرميُّ : حدَّثني أبي : أَنْه أبْطَأْ على عُمَرَ خَبرُ نَهاوَنْد وابنِ
مُقَرِّن، وأنَّه كانَ يَسْتَنْصِرُ، وأنَّ النَّاسَ كانُوا، مِمَّا يَرَونَ من اسْتِنْصَارِهِ ، لَيسَ هَمُّهم
إِلَّ نَهاوَنْد وابنِ مُقَرِّن ، فجاءَ إليهم أعْرابِيٌّ مُهاجِرٌ، فلمَّا بَلغَ البقيعَ ، قَالَ : ما أتَاكُم
عن نَهاوَنْد؟ قالوا : وما ذَاكَ ؟ قالَ: لا شَيءٍ فَأرْسَلَ إليه عُمَرُ، فأتاه ، فقالَ : أقْبَلتُ
بأهْلِي مُهاجِراً حتَّى وَرَدْنا مكانَ كَذا وكذا ، فلمَّا صَدَرْنا إذا نَحنُ براكبٍ علىْ جَمَلٍ
أحْمَر، ما رَأيتُ مثلَه، فقُلتُ: يا عبدَ الله ، من أينَ أقْلبتَ ؟ قالَ من العِراقِ ، قُلتُ:
ما خَبرُ النَّاسِ ؟ قالَ : اقْتَلَ النَّاسُ بنَهاوَنْدِ، فَفَتَحَها اللهُ، وقُتْلَ ابنُ مُقَرِّن ، واللهِ
ما أدري أيُّ النَّاسِ هُوَ ؟ ولا ما نَهاوَنْد ؟
فقالَ: أَتَدري أيُّ يَومٍ ذاكَ من الجُمُعَة ؟ قالَ: لا قالَ عُمَرُ : لكنِّي أدري! عُذَّ مَنَازِلَك.
(١) انظر السير: (عائشَةُ أُمّ الْمؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ٢/٢٤٥.
٥٨٤

قالَ : نَزَلنا مَكانَ كَذا، ثم ارْتَحَلْنا، فَتَزَلنا مَنزِلَ كَذا، حتَّى عَدَّ فقالَ عُمَرُ : ذاكَ
يَومُ كَذا وكذا من الجُمُعَةِ، لَعلَّكَ تَكونُ لَقِيتَ بَرِيداً من بُرُدِ الجِنِّ، فإنَّ لَهُم بُداً فَلَبَثَ
ما لَبِثَ ، ثم جاءَ البَشيرُ : بأنَّهِم الْتَقَوا ذَلكَ اليَومَ(١) .
وعن حَميدٍ بنِ هِلال عن رَجُلٍ كأنَّه أبو رِفَاعَة، قالَ: كانَ لي رِئِيٌّ(٢) من الجِنِّ ،
فأسْلَمتُ فِفَقَدتُه ، فَوَقَفْتُ بِعَرَفَة فسَمعتُ حِسَّه ، فقالَ: أشعرتَ أَنِّي أسْلَمتُ ؟ قالَ :
فلمَّا سَمِعَ أصْوَاتَ النَّاسِ يَرْفَعُونَها ، قالَ عَليكَ الخُلُقَ الأسَدَّ، فإنَّ الخَيرَ لَيْسَ بِالصَّوْتِ
الأَشَدِّ(٣).
وعن عَمَّارَ بنِ أبِي عَمَّار، سَمعتُ أمَّ سَلمَة تَقُولُ : سَمعتُ الجِنَّ يَبكينَ على
حُسَين، وتَنُوحُ عَليه(٤) .
وعن مُجَاهِد بنِ جَيْر : بَيْنا أنا أُصَلِّي إذ قامَ مثلُ الغُلام ذاتَ لَيلَةَ ، فَشَدَدتُ عليه
لَآَخُذَه، فوَثَبَ فوَقَعَ خَلفَ الحائطِ حتَّى سَمعتُ وَجْبَتَه ، ثم قالَ: إِنَّهم يَهَابُونَكُمْ كَمَا
تَهَابُونَهم من أجلِ مُلكِ سُلیْمان .
وقالَ حميدٌ الأعْرَج: كانَ مُجاهِدُ بنُ جَبْرِ رَحمَهُ اللهُكبِّرُ من سُورةٍ ﴿وَالضُّحَى﴾(٥)، (٦) .
لمَّا هَمَّ المُسلِمون بالهَزِيمَةِ كَشَفَ مُوسَىُ بنُ نُصَيْرِ سُرادِقَه عن بَنَاتِهِ وحَرَمِه ، وبَرَزَ
ورَفَعَ يَدَيْهِ بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ والبُكاءِ ، فَكُسِرَتْ بِينَ يَدَيْهِ جُفُونِ السُّيوفِ وصَدَقُوا اللَّقَاءَ
ونَزَلَ النَّصِرُ ، وغَنِمُوا ما لَا يُعَبَّرُ عَنه، من ذلك مائِدَةُ سُلَيْمانَ عليه السلام من ذَهَبٍ
وجَوَاهِر ، وقِيلَ : ظَفَرَ بسِتَّةَ عَشَرَ قُمْقُماً عليها خَتمُ سُلَيْمانُ عليه السلام فَفَتَحَ أربَعَةً
ونَقَبَ منْها واحِداً فإذا شَيْطانُ يقولُ: يا نَبِيَ الله لا أَعُودُ أَفْسِدُ في الأَرضِ ثمَّ نَظَرَ فقال :
(١) انظر السير: (التُّعْمانُ بنُ مُقَرِّن) ٣٥٦/٢ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٧٤.
(٢) يُقالُ للتابع من الجن : رئي، سُمي به لأنه يتراءى لمتبوعه، أو هو من الرأي ، من قولهم : فلان رئيُّ
قومه إن کان صاحب رأیھم.
انظر السير: ( أبو رفاعَة العَدَوِيّ) ١٤/٣ - ١٥، وانظر النزهة: ٤/٣٢٠.
(٣)
(٤)
انظر السير: (الحُسِّينُ الشَّهيد) ٢٨٠/٣-٣٢١، وانظر النزهة: ١/٣٨٥.
(٥) أي عند خَتم القُرآن .
(٦) انظر السير: ( مُجَاهِدُ بنُ جَبْر) ٤٤٩/٤ -٤٥٧، وانظر النزهة: ٦/٥٣٠.
٥٨٥

والله ما أَرَىْ سُلَيْمانَ ولا مُلْكَه، وذَهَبَ ، فطُمِرَت البَوَاقِي(١).
وقالَ مَالِكٌ : اسْتُعمِلَ زَيْدُ بنُ أسْلَم على مَعدن بَنِي سُلَيم ، وكان معذراً لا يَزالُ
يُصابُ فيه النَّاسُ من قِبَل الجِنِّ فلمَّا وَلِيَهُمْ شَكَوا ذلك إليه ، فأمَرَهم بالأذَانِ أنْ يُؤُذِّنوا
ويَرِفَعُوا أصْواتَهم ، ففَعلوا ، فارْتَفَعَ عَنهم ذلك حتَّى اليومَ .
قالَ مَالكٌ: أعْجَبَني ذلكَ من مَشُورَة زَيْدِ بنِ أسْلَم(٢) .
وقالَ عُمَرُ بنُ بَحْر : سَمعتُ أحمَدَ بنَ أبي الحَوَارِيِّ يَقُولُ : بَيْنا أنا في قُبَّهُ بِالْمَقَابِرِ
بلا بابٍ إلَّ كسَاءً أسْبَلتُه ، فإذا أنا بامرأةٍ تَدُقُّ على الحائطِ فقُلتُ : مَنْ هذا؟ قالَت:
ضَالَّةٌ، فدُلَّني على الطَّريقِ فَقُلتُ : رَحِمَكِ اللهُ، أُّ الطَّريقِ تَسْلُكِينَ ، فَبَكَت ، ثم
قالَت : علىْ طَريقِ النَّجاةِ يا أحمَدُ ، قُلتُ: هَيْهاتَ! إنَّ بَيْنَا وَبَيْنَها عقاباً، وتلكَ
العقابُ لا تُقْطَعُ إلَّ بالسَّيرِ الحَثيثِ ، وتَصْحيح الْمُعامَلَة، وحَذفِ العَلائقِ الشَّاغِلَة ،
فَبَكَتْ ، ثم قالَت : سُبحانَ مَنْ أمْسَكَ عَليكَ جَوارِحَك فَلَمْ تَتَقَطَّعْ، وَفُؤَادَكَ فَلَمْ
يَتَصَدَّعْ ثم خَرَّتْ مَغْشِياً عَليها فَقُلتُ لِبَعضِ النِّساءِ : أُّ شَيءٍ حالُهَا؟ فقُمنَ ،
فِفَتَّشْنَها ، فإذا وَصِيَّتُها في جَيِْها : كَفْنُوني في أَثْوابي هذه، فإنْ كانَ لي عندَ اللهِ خَيْرٌ
فهو أسْعَدُ لي ، وإنْ كانَ غَيرَ ذلكَ فبُعداً لِنَفْسِي ، قُلتُ : ما هيَ ؟ فحَرَّكوها ، فإذا هي
مَيَِّة فقُلتُ : لِمَنْ هذه الجارِيَة ؟ قالوا : جاريَةٌ قُرَشيّة مُصابَةٌ ، وكانَ قَرِينُها يَمنَعُها من
الطَّعام، وكانَتْ تَشْكُو إلَيْنَا وَجَعاً بجَوْفِها، فَكُنَّا نَصِفُها للأطِبَّاءِ ، فَتَقُولُ : خَلُّوا بَيني
وبَيْنَ الطَّيبِ الرَّاهِب ، تَعْنِي أحمَدَ بنَ أبي الحَوَاريّ، أَشْكُو إليه بَعضَ ما أجِدُ من
بَلَائي ، لَعَلَّه أنْ يَكونَ عندَه شِفَائي(٣) .
وكانَ القَاضِي الخِلَعِيُّ يَحكُمُ بينَ الجِنِّ ، وإنَّهم أبْطَؤُوا عليه قَدَرَ جُمُعَة ثم أتَوه ،
وقَالُوا : كانَ في بَيْتِكَ أُتْرٌُ ، ونَحنُ لا نَدخُلُ مَكاناً يَكونُ فيه (٤).
(١) انظر السير: (موسى بن نصير) ٤٩٦/٤-٥٠٠، وانظر النزهة: ١/٤٥٠.
(٢) انظر السير: (زَيْدُ بنُ أَسْلَم) ٣١٦/٥ -٣١٧، وانظر النزهة: ١/٦٠٦.
(٣)
انظر السير: ( أحمَدُ بنُ أبي الحَوَاريّ) ٨٥/١٢-٩٤، وانظر النزهة : ١/٩٨٧.
(٤) انظر السير: (الخِلَعِيُّ) ٧٤/١٩ -٧٩، وانظر النزهة: ٢/١٤٦١.
٥٨٦

(٦) الحَظُّ والنَّصِيب
عن أبي حَنِيفَة قالَ : قَدِمتُ الْمَدينَةَ فأَتَيْتُ أبا الزِّنادِ ، ورَأيتُ رَبِيعَة فإذا النَّاسُ على
رَبِيعَة ، وأبو الزِّنادِ أفْقَهُ الرَّجُلَين، فقُلتُ له : أنتَ أفْقَهُ أهْلِ بَلِدِك والعَملُ على رَبِيعَة ؟
فقالَ : وَيْحَكِ كَفٌّ من حَظّ خَيرٌ من جِرابٍ من عِلم (١) .
قالَ عبدُ الله بنُ الْمُعْتَزِّ بالله: الحَظُّ يَأْتِ مَنْ لا يَأْتِيه(٢).
ولَمَّا تَمَلَّكَ شِيرازَ، طالَبَه قُوَّادُه بالأمْوالِ ، وثارُوا عَليه ، فاغْتَمَّ لذلك ،
واسْتَلقَى، فَرَأىْ حَيَّةً فِي السَّقْفِ ، فَفَزِعَ ودَعا الفرَّاشينَ فَنَصَبُوا سُلَّماً، فوَجَدوا غُرِفَةً
يُدخَلُ إليها ، فأمَرَهُم بفَتْحِها ففُتِحَت ، فوَجَدوا فيها صَناديقَ فيها قَدرُ خَمسٍ مِئَة ألفِ
دِينارٍ ، فَأَنْزِلَت ، فَفَرِحَ ، وأنْفَقَ في الجَيشِ(٣).
ثم إِنَّه طَلبَ خَيَّطاً ليُفَصِّلَ له ، وكان أُطْرُوشاً ، ففَزَعَ وجاوَبَه عمَّا لم يُسألَ عنه ،
وحَلفَ أنَّه لَيسَ عندَه سِوَى اثنَيْ عشرَ صُندوقاً وَديعَة فَتَعجَّبَ عِمَادُ الدَّولَة، وأُحْضِرَت
إليه ، فإذا فيها أمْوالٌ وثيابٌ وديباجٌ فكانَ ذلكَ من سَعادَتِهِ المقْبِلَة ، ولا عَقِبَ له(٤).
(١) انظر السير: (أبو الزِّناد) ٤٤٥/٥-٤٥١، وانظر النزهة: ٤/٦٢٠.
(٢) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُعْتَزَّ بالله) ٤٢/١٤-٤٤، وانظر النزهة: ٦/١١٢٨.
(٣) انظر السير: (عِمادُ الدَّولة) ٤٠٢/١٥-٤٠٣، وانظر النزهة: ١/١٢٤٢.
(٤) انظر السير: (عِمادُ الدَّولة) ٤٠٢/١٥ -٤٠٣، وانظر النزهة: ١/١٢٤٢.
٥٨٧

(٧) الحَنينُ إلى الأوْطَان
١ - الحَنينُ إلى الوَطَن :
كانَ بِلالٌ إذا أُقْلَعَ عنه وَجَعُ الحُمَّى يَرفَعُ عَقِيرَتَه ويَقُولُ :
بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلٌ
ألا ليتَ شِعري هلْ أبيتنَّ ليلةً
وهلْ يبدوَنْ لي شامةٌ وطفيلٌ(١)
وهلْ أرِدَنْ يوماً مياهَ مِجِنَّةٍ
اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتَبَةً وشَيبَةً وَأُمَيَّةَ بنَ خَلَف كمَا أخرَجُونا من أرْضِنَا إلى أرضٍ
الوَباءِ(٢)، (٣).
٢ - الحَنينُ إلى الغُرْبَة :
قالَ أبو الوليد حَسَّانُ بنُ مُحمَّد : سَمعتُ أبا العَبَّاسِ السَّرَّاجِ يَقُولُ : وا أسَفي علىُ
بَغْدادَ! فقيلَ له : ما حَمَلَكَ علىْ فِراقِها؟ قالَ : أقامَ بها أخي إسْماعيلُ خَمسينَ سَنةً ،
فلمَّا تُوفِّيَ ورُفعَت جَنازَتُه سَمعتُ رَجُلاً على بابِ الدَّرْبِ يَقُولُ لَآخَرَ : مَنْ هذا
الْمَيِّت؟ قالَ : غَرِيبٌ كانَ ها هُنا فقُلتُ : إنَّا له، بَعدَ طُولٍ مُقام أخي بها واشْتِهارِه
بالعِلمِ والِّجارَة يُقالُ له : غَرِيبٌ كانَ هُنا، فحَمَلتني هذه الكَلمَةُ على الانْصِرافِ إلى
الوَطَنَّ(٤) .
(١) يَرفَعُ عَقيرَتَه: أي يرفع صَوتَه بغِناء أوِ بُكاء. ومَجَّة: مَوضِعٌ على أميالٍ من مَكَّةٍ وكانَ به سُوقٌ . شامَة
وطَفيلُ : جَبَلانِ بقُربِ مَّة وقالَ الخطّابِيُّ كُنتُ أحسَبُهِمَا جَبَلَين حتَّى ثَبتَ عندي أنَّهما عَيْنانِ .
(٢) وتمامه: ثم قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدينَةَ كَحُبَّنَا مَكَةَ أَوْ أَشَدَّ ، اللَّهُمَّ
بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وفي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةَ)) قالَت عائشَةُ: وقَدمتُ
الْمَّدینة وهي أوبا أرض الله .
(٣) انظر السير: (بِلالُ بنُ رَباح) ١/ ٣٤٧ -٣٦٠، وانظر النزهة: ٦/١٧٥.
(٤) انظر السير: (السَّرَّاج) ٣٨٨/١٤_٣٩٨، وانظر النزهة: ٢/١١٦٤.
٥٨٨

٣- مَنْ حَملْهُ كلمَةٌ على مُفارَقَة الغُربة والعَوْدَة إلى الوَطَن :
قالَ أبو الوَليد حَسَّانُ بنُ مُحمَّد : سَمعتُ أبا العَبَّاسِ السَّرَّاجِ يَقُولُ: وا أسَفي على
بَعْدَادَ! فقيلَ له : ما حَمَلَكَ علىُ فِراقِها؟ قالَ : أقامَ بها أخي إسْماعيلُ خَمسينَ سَنةً ،
فلمَّا تُوفَِّ ورُفعَت جَنازَتُه سَمعتُ رَجُلاً على بابِ الدَّرْبِ يَقُولُ لَآخَرَ : مَنْ هذا
الْمَيِّت؟ قالَ : غَريبٌ كانَ ها هُنا فقُلتُ: إنَّالله ، بَعدَ طُولٍ مُقام أخي بها واشْتِهارِه
بالعِلمِ والتِّجارَة يُقالُ له : غَريبٌ كانَ هُنا، فحَمَلتني هذه الكَلمَةُ على الانْصِرافِ إلى
الوَطَنَ(١) .
٤ - شِعّرٌ في الحَنين إلى الأوطان :
كانَ بِلالُ إذا أُقْلَعَ عنه وَجَعُ الحُمَّى يَرفَعُ عَقِيرَتَه ويَقُولُ :
بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلٌ
ألا ليتَ شِعري هلْ أبيتنَّ ليلةً
وهلْ يبدوَنْ لي شامةٌ وطفيلٌ (٢)
وهلْ أرِدَنْ يوماً مياهَ مِجنَّةٍ
اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتِبَةَ وشَيبَةً وَأُمَيَّةَ بنَ خَلَف كمَا أخرَجُونا من أرْضِنَا إلى أرضٍ
الوَباءِ(٣)، (٤).
(١) انظر السير: (السَّرَّاج) ٣٨٨/١٤-٣٩٨، وانظر النزهة: ٢/١١٦٤.
يَرِفَعُ عَقِيرَتَه : أي يرفع صَوتَه بغِناء أوِ بُكاء . ومَجنّة : مَوضِعٌ على أميالٍ من مَكَّة وكانَ به سُوقٌ . شامَة
(٢)
وطَفيلُ : جَبَلانِ بِقُرُبِ مَكَّة وقالَ الخطّابِيُّ كُنتُ أحسَبُهِمَا جَبَّلَين حتَّىُ ثَبَتَ عندي أنَّهما عَيْنانِ .
(٣) وتمامه: ثم قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ حَبُّبْ إِلَيْنَا الْمَدينَةَ كَحُبُّنَا مَكَةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ
بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وفي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةَ)) قالَت عائِشَةُ: وَقَدمتُ
الْمَدينَة وهي أوبا أرضِ الله.
(٤) انظر السير: ( بِلالُ بنُ رَباح) ١/ ٣٤٧ - ٣٦٠، وانظر النزهة : ٦/١٧٥ .
٥٨٩

(٨) الرِّزْق
١ - رِزْقُ الله آتٍ :
كانَ ابُنِ الْمِنْكَدِرِ يَقُولُ: كَمْ من عَينٍ ساهِرَة في رِزْقِي فِي ظُلمَاتِ البَرِّ والبَحْر (١).
٢ - الثّقَةُ بالله في الرِّزْق :
قالَ أبو تُرابٍ سَمعتُ حاتماً الأصَمّ يَقُولُ : لي أرْبَعَةُ نِسْوَة، وتِسْعَةُ أوْلادٍ ،
ما طَمِعَ شَيطَانٌ أنْ يُوَسْوِسَ إليَّ فِي أَرْزَاقِهِم (٢) .
٣- فَضْلُ الثَّقَةُ بالله في الرِّزْق :
قالَ ابنُ بَحر الأسَدِيُّ : سَمعتُ أحمَدَ بَن أبي الحَوَاريِّ ، سَمعتُ أبا سُليْمانَ
الدَّارانِيَّ يَقُولُ: مَنْ وَثِقَ بِاللهِ فِي رِزْقِهِ زَادَ في حُسنِ خُلُقِهِ ، وأعْقَبَه الحِلمَ ، وسَخَتْ
نَفَسُه، وقَلَّتْ وَسَاوِسُه في صَلاتِهِ(٣).
٤- الكفافُ في الرِّزْق :
سُئلَ سَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ عن الكَفَافِ من الرِّزْقِ ما هُوَ؟ قالَ : شِبَعُ يَومٍ وُجُوعُ
(٤)
يَومٍ(٤) .
٥ - الرِّزْقُ مَحْضُ فَضْلِ الله :
قال يوسُفُ بنُ الحُسين الرَّازيّ : حَضرْتُ ذا النُّونِ فقيل له : يا أبا الفيض ، ما كان
سَببُ تَوَبَتِكَ ؟ قال : نِمتُ في الصحراء ، ففتحت عَينَيَّ فإذا قُنْبُرَةٌ(٥) عَمياءُ سقطتْ من
(١) انظر السير: (محمَّدُ بنُ المنكدر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٥/٦٠٨.
(٢)
انظر السير: ( حاتِمُ الأصَمُّ) ١١/ ٤٨٤ -٤٨٧، وانظر النزهة : ٥/٩٦٠.
انظر السير: ( أبو سُليمان الدَّاراني) ١٠ / ١٨٢ -١٨٦، وانظر النزهة: ٥/٨٦٥.
(٣)
انظر السير : ( سَعيدُ بنُ عبد العَزيز) ٣٢/٨-٣٨، وانظر النزهة : ٤/٧٢٤.
(٤)
القُنْبُرة والقُنْبَرة والقُبَّرَة والقُنْبُراء والقُنْبَراء : عصفورة من فصيلة القُبَّريات، ورتبة الجواثم المخروطية=
(٥)
٥٩٠

وكْر ، فانشقت الأرضُ ، فخرجَ سُكُرُّجَتان فأكَلَت وشَربَت فقلتُ : حَسبي ، فُتُبْتُ
ولَزِمتُ البابَ إلى أن قَبِلَني(١).
٦ - سُؤالُ الله الرِّزْقَ الحَسَن :
قال أبو الأشهب : سمعتُ بكرَ المزنيّ يقول: اللَّهُمَّ ارزُقنا رزقاً يَزِيدُنا لك شُكراً،
وإليكَ فاقَةً وفَقْراً ، وبكَ عمَّن سِواكَ غِنَىّ .
قال حُمَيدٌ الطّويل : كان بكرُ بنُ عبد الله مُجَابَ الدَّعوة(٢).
٧- شِعْرٌ في الرِّزْق :
قالَ أبو تَمَّام(٣):
هلكْنَ إذاً من جهلهِنَّ البهائمُ
ولو كانتِ الأرزاقُ تجري على الحِجا
ولا المجدُ في كفِّ امرىءٍ والدراهمُ
ولم يجتمع شرقٌ وغربٌ لقاصدٍ
=
المناقير ، سُمر في أعلاها ضاربة إلى بياض في أسفلها ، وعلى صدرها بقعة سوداء ، دائمة التغريد .
(١) انظر السير: (ذو النون المصري) ٥٣٢/١١-٥٣٦، وانظر النزهة: ٣/٩٦٧.
(٢) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤-٥٣٦، وانظر النزهة: ١/٥٥١.
(٣) انظر السير: (أبو تمّام) ٦٣/١١ -٦٩، وانظر النزهة: ٢/٩٠٩.
٥٩١

(٩) الشَّرَفُ والمَكارِم
١ - مِيزانُ الشَّرفُ الحَقيقيّ :
قالَ محمَّدُ بنُ عبد الله الأنْصَارِيُّ : رَأيتُ سُليْمانَ وعبدَ الله ابنَي عليٍّ بنِ عبدِ الله بنِ
عَبَّاس، وابنَي سُلَيْمانَ يَحمِلُونَ سَرِيرَ يُونُسَ بنِ عبيد على أعْناقِهِم فقالَ عبدُ الله بنُ
عَلَيّ : هذا والله الشَّرفُ(١).
وعن أشْعَثَ بنِ شُعْبَة الْمَصِّيصي ، قالَ: قَدِمَ الرَّشيدُ الرَّقَّةَ ، فانْجَفَلَ النَّاسُ خَلفَ
ابنِ الْمُبارَك، وتَقَطَّعَت النِّعالُ، وارْتَفَعَتِ الغَبْرَةُ، فأشْرَفَتْ أُمّ وَلَدٍ لأَمِيرِ الْمُؤمنينَ من
بُرجِ من قَصْرِ الخشب ، فقالَت: ما هَذا؟ قالوا : عَالِمٌ من أهْلِ خُراسَانَ ، قَدِمَ
قَالَتْ: هَذا والله الْمُلكُ، لا مُلكُ هَارُونَ الذي لا يَجمَعُ النَّاسَ إلاَّ شُرَطِ وأعْوانٍ(٢).
وقالَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَة : ( قالَ أبو إِسْحَاقَ الفَزاريُّ(٣) دخلتُ علىْ هَارُونَ ، فقالَ:
يا أبا إِسْحَاقَ ، إنَّكَ في مَوْضِعِ، وفي شَرَفٍ قُلتُ : يا أميرَ الْمُؤمنينَ ، ذاكَ لا يُغني
عَنِّي في الآخِرَةِ شَيْئاً(٤).
٢ - مِيزَانُ المَكارِم :
قيلَ : إنَّ حَكِيمَ بنَ حِزامَ بَاعَ دَارَ النَّدْوَةِ من مُعاويَةَ بِمئةِ ألفٍ فقالَ له ابنُ الزُّبَير :
بِعتَ مَكْرُمَةَ قُرَيْشٍ، فقالَ: ذَهَبَت الْمَكَارِمُ يا ابنَ أخِي إلَّ التَّقْوَى ، إنِّي اشْتَرِيتُ بها
داراً في الجَنَّة، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قد جَعلتُها لله (٥) .
(١) انظر السير: (يُونُسُ بنُ عبيد) ٢٨٨/٦ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٧/٦٥٢.
(٢) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُبارَك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة: ٣/٧٦٦.
(٣)
قال صاحبُ النُّهَة: ما بينَ القَوْسين زيادةٌ لازمة من كتاب ((تاريخ الإسلام)» للإمام الذهبي.
(٤) انظر السير: (أبو إسحاق الفزاري) ٥٣٩/٨-٥٤٣، وانظر النزهة: ٦/٧٩٠.
(٥) انظر السير: (حَكيمُ بنُ حِزام) ٤٤/٣-٥١، وانظر النزهة: ٥/٣٣٠.
٥٩٢

(١٠) الضَّيْف
١ - حَقُّ الضَّيْف :
عن مُعاذِ بنِ خالِد : سَمعتُ أبا حَمْزَة الشُّكَّرِيَّ يَقولُ : ما شَبعتُ منذ ثَلاثِينَ سَنةً ،
إلاَّ أنْ يَكونَ لي ضَيفٌ(١).
٢ - رِزْقُ الضَّيَّف على الله :
عن شَقيقِ بنِ إبراهيمَ: لَيسَ شَيءٌ أحَبَّ إليَّ من الضَّيْفِ لأنَّ رِزْقَهُ على الله ، وأجْرُه
لي(٢) .
٣- الشِّبَعُ مع الضَّيْفِ جَائزٌ :
عن مُعاذِ بنِ خالِد : سَمعتُ أبا حَمْزَة السُّكَّرِيَّ يَقولُ : ما شَبعتُ منذ ثَلاثينَ سَنةً ،
إلاَّ أنْ يَكونَ لِي ضَيفٌ(٣).
٤ - شِعْرٌ في إكرام الضَّيْف :
قالَ أبو بَكر البَيْهَقيُّ في (( شُعَبِ الإِيمَان)) أَنْشَدَنا أبو نَصْر بنُ قَتَادَة، أنْشَدَنا أبو بكر
القَفَّال :
وزادي مباحٌ على مَنْ أكلْ
أوسِّعُ رحلي على من نزلْ
وإنْ لم يكن غيرُ خبز وخلْ
تقدِّمُ حاضرَ ما عندنا
وأما اللئيمُ فمن لم أبلْ (٤)
فأما الكريمُ فيرضى به
(١) انظر السير: (أبو حَمْزَة السُّكَري) ٣٨٥/٧ -٣٨٧، وانظر النزهة: ١/٧٠٧.
(٢) انظر السير: (شَقيق) ٣١٣/٩ -٣١٦، وانظر النزهة: ٨/٨٢٣.
(٣) انظر السير: (أبو حَمْزَة السُّكري) ٧/ ٣٨٥ -٣٨٧، وانظر النزهة: ١/٧٠٧.
(٤) انظر السير: (القَّفَّالُ الشَّاسِي) ٢٨٣/١٦ -٢٨٥، وانظر النزهة: ١/١٢٩٦.
٥٩٣

(١١) عَجائبُ وغَرائبُ من عُصُورٍ مُتَفَرِّقَة
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أميرِ الْمؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب رضي الله عنه : وكانَ
وَلِكِسْرَىُ وقَيْصَرَ ومَنْ قَبْلَهما من الْمُلوك في دَولَتِهِم دَهرٌ طَويلٌ، فأمَّا الأكاسِرَةُ
والفُرس ، وهم الْمَجُوسُ فمَلَكوا العِراقَ والعَجَمَ نَحْواً من خمسمائة سَنة ، فأوَّلُ
مُلوكِهم ((دارا))، وطَالَ عُمرُه فيُقالُ: إنَّه بقيَ في الْمُلكِ مائتي سَنة، وعذَّةُ مُلوكِهم
خَمسَةٌ وعشرون نَفَساً ، منهم امْرأتانِ، وكان آخرُ القَوْمِ ((يَزْدَجِرد )» الذي هَلكَ فِي زَمَنِ
عُثْمانَ رضي الله عنه، ومِمَّنْ مَلَكَ منهم ذُو الأكْتَافِ (( سَابور))، عُقدَ له بالأمْرِ وهو في
بَطْنِ أُمُّه، لأنَّه ماتَ أَبُوه وهو حَمَلٌ فِي بَطْنِ أُمُّه، فقالَ الكُهَانُ : هذا يملِكُ الأرْضَ
فوُضِعَ التَّاجُ علىُ بَطْنِ أُمُّه، وكَتَب منه إلى الآفاقِ وهو بعدُ جَنِينٌ ، وهذا شَيءٌ لَمْ
يُسمَع بمثلِه قَطُ ، وإنَّما لُقِّبَ بِذي الأكْتَافِ لأنَّه كانَ يَنْزِعُ أكْتَافَ مَنْ غَضِبَ عليه ، وهو
الذي بَنَى الإيوانَ الأعْظَم، وبَنَى نِيسَابُورَ، وبَنَى سِجِسْتانَ(١).
ومن مُتَأْخِّري مُلوكِهم (( أنوشروان))، وكان حازماً عاقِلاً ، كان له اثنا عَشَرَ ألفَ
امْرأةٍ وسَريَّة ، وخَمسونَ ألفَ داتّة ، وألفُ فيلٍ إلاَّ واحداً ، ووُلِدَ نَبينا صلى الله عليه
وسلم في زَمانِهِ، ثم مات (( أنوشروان)) وقْتَ مَوْتِ عبدِ الْمُطَّلِّب، ولَمَّا اسْتَوْلَی
الصَّحابَةُ على الإيوانِ أحْرَقوا سُتُرَه ، فطلَعَ منه ألفُ ألفٍ مِثْقَالٍ ذَهَباً(٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أميرِ الْمُؤمنينَ عُثْمانَ بنِ عَفَّان : قال سُليمانُ بنُ
بلال ، عن يَحْيِىُ بنِ سَعيد، عن سَعيدِ بنِ المَسَيِّب ، أنَّ زَيدَ بنَ خارجَة تُوفِّي زَمنَ
عُثمان رضي الله عنه ، فسُجِّيَ بثوبٍ ، ثم إنَّهم سَمعوا جَلْجَلَةً في صَدرِه ، ثم تكلّم
فقالَ : أحمدُ أحمدُ في الكتاب الأوّل ، صَدَقَ صَدَقَ أبو بكر الضَّعيفُ في نَفَسِه القَويُّ
في أمرِ الله في الكتاب الأوّل، صَدَقَ صَدَقَ عُمرُ القَويُّ الأمينُ في الكتاب الأوّل ،
(١) انظر السير: (عُمَرُ بنُ الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٣/٦٧.
(٢) انظر السير: (عُمَرُ بنُ الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ١/٦٨.
٥٩٤

صَدَقَ صَدَقَ عُثمانُ على مِنْهاجِهم ، مَضتْ أربعُ سنين وبَقيَتْ سَنتان ، أَتَتِ الفِتنُ وأكلَ
الشَّديدُ الضَعِيفَ ، وقامت السَّاعةُ، وسيأتيكم خَبرُ بِثْرِ أريس ، وما بِثْرُ أريس .
قال ابنُ المُسَيِّب : ثم هَلكَ رجلٌ من بَني خطمة ، فسُجِّيَ بثوب فسَمعوا جَلْجَلَةً في
صَدرِهِ ، ثم تكلّم فقال: إنَّ أخا بَتي الحارث بنِ الخَزْرَجِ صَدَقَ صَدَقَ .
قال ابنُ عبد البَر: هذا هو الذي تكلّم بعدَ المَوتِ ، لا يَختلفون في ذلك ، وذلكَ
أنَّه غُشيَ عليه وأُسريَ بروحه ، ثم راجَعته نفسُه فتكلَّم بكلامٍ في أبي بكر ، وعُمرَ ،
وعُثمانَ ، ثم مات لوَقْتُه(١) .
عن ابنِ سِيرينَ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَة بالَ قائماً ، فمَاتَ، فسُمعَ قائلٌ يَقُولُ:
خزرج سعد بن عبادة
قد قتلنا سيد الـ
ــم فلم نخطىء فؤاده(٢)
ورميناه بسه
وقالَ ابنُ سَعْد : أنْبأنا عبدُ الله بنُ مُحمَّد بنِ مُرَّة الشَّعْبانيُّ، حدَّثني أشْياغٌ من
شَعْبانَ ، منهم محمَّدُ بنُ أبي أُمَيَّة وكانَ عَالِماً ، أنَّ مَطَراً أصابَ اليَمنَ ، فجَحفَ السَّيلُ
مَوْضِعاً فَأَبْدَىْ عن أزَجِ (٣) عَليه بابٌ من حِجَارَةٍ، فَكُسِرَ الغَلَقُ ودُخِلَ فإذا بَهْوٌ عَظيمٌ فيه
سَرِيرٌ من ذَهَب، فإذا عليه رجلٌ شَبَرِنَاهُ فإذا طُولُه اثْنا عَشرَ شِبْراً ، وإذا عَليه جِبابٌ من
وَشْي مَنْسوجَة بالذَّهَب ، وإلىْ جَنبِهِ مِحْجَنٌ من ذَهَبٍ علىْ رَأْسِه ياقُوتَةٌ حَمْراءُ ، وإذا
رَجُلٌ أَبْيَضَ الرَّأْسِ واللِّحْيَة، لَه ضفْران وإلىْ جَنبه لَوحٌ مَكتوبٌ فيه بالحِمْيَرِيَّة : باسْمِكَ
اللَّهُمَّ رَبِّ حِمْيَر أنا حَسَّانُ بنُ عَمْرو القيْل(٤) إذ لا قيْلَ إلاَّ الله، عِشْتُ بأمَلٍ ومِتُّ
بِأَجَلٍ ، أيامَ وَخِزِ هَيد(٥) ، وما وَخِزِهَيد؟ هَلكَ فيه اثْنَا عَشرَ ألفَ قَيْلِ ، فَكُنتُ أخرَهُم
(١) انظر السير: ( عثمان بن عفان)، وانظر النزهة : ٨٢ .
(٢)
انظر السير : ( سَعْدُ بنُ عُبادَة ) ١/ ٢٧٠ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٢.
(٣)
الأزج : بناء مستطيل مقوس السقف.
القَيْل : الملك من ملوك حمير يتقيّل مَنْ قَبلَه من مُلوكِهم ( يُشبهه ).
(٤)
(٥) الوخز: الطَّعنُ النافذ، أو هو الطاعون، و((هيد)) قال ياقوتُ الحَموي في (( مُعجَم البُلدان »: وأيام
هيد أيام موتان كانت في الجاهلية في الدهر الأول ، قيل مات فيها اثنا عشر ألفاً ، هكذا ذكره العمرانيُّ
في ((أسماء الأماكن))، ولا أدري ما معناه . اهـ
=
٥٩٥

قَيْلاً ، فأتَيْتُ جَبلَ ذي شعبين ليُجيرَني من الْمَوْتِ فَأَخْفَرَني وإلى جَنِه سَيفٌ مَكتُوبٌ
فيه : أنا قَيْلٌ بي يُدرَكُ الثَّارُ .
عن الشَّعْبيِّ ، قالَ : أدْرَكتُ خَمسَ مئة من أصْحابِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم .
عن مَكْحُولٍ ، قالَ : مَا رَأيتُ أحَداً أعْلَمَ من الشَّغْبيِّ .
عن أبي مِجْلَزَ، قَالَ : مَا رَأيتُ أحَداً أفْقَهَ من الشَّعْبِيِّ، لا سَعيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ ،
ولا طَاؤُوسَ، ولا عَطَاءَ ، ولا الحَسَنَ، ولا ابنَ سِيرِينَ، فقد رَأيتُ كُلَّهم (١).
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أبي الجَوْزاء : وكان أبو الجَوْزاء قَويّاً بالْمَرَّة.
عن سُليْمانَ الرَّبعيّ ، قالَ : كَانَ أبو الجَوْزاءِ يُواصِلُ أُسْبوعاً ، ويَقِضُ على ذِراعٍ
الشَّابِّ فِيَكادُ يُحَطِّمُها(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ هَارُونَ بنِ رِئاب : قالَ أبو مُحمَّد بنُ حَزْمِ الفَقيهُ :
يَمَانٌ، وهَارُون ، وعَلَيّ بَنُو رِئاب، فَهَارُونُ من أثمَّةِ السُّنَّة، ويَمَانٌ من أئمَّةِ
الخَوَارِجِ، وعَلَيٌّ من أئمَّةِ الرَّوافِض، وكانوا مُتَعادينَ(٣).
عن البطال ، قالَ : اتَّقَ لي أنَّا أتَينا قَرِيةٌ لِنُغِيرَ ، فإذا بيتٌ فيه سِراجٌ وصَغِيرٌ بَيكي ،
فقالت أمُّه : اسْكُتْ ، أو لأدْفَعَنَّك إلى البطالِ فَبَكَىْ فأخَذَتْه من سَريرِه ، وقالت : خُذْهُ
يا بطالُ فقلتُ : هاتِهِ (٤) .
وقالَ نِفْطَوَيه: يُقالُ للمُعْتَصِمِ: الْمُثَمَّن، فإنَّه ثامِنُ بَنِي العَبَّاس ، وتَملَّكَ ثَمانيَ
سِنِينَ ، وثَمانيَةَ أشْهُر ، ولَه فُتُوحَاتٌ ثَمانية .
وقَتَلَ ثَمانِيَة : بَابَك ، والأفشينَ، ومازَيار، وباطِيسَ ، ورَئيسَ الزَّنَادِقَة ،
وعُجَيفاً ، وقارُونَ، وأميرَ الرَّافِضَةِ(٥) .
(١) انظر السير: (الشَّعْبيُّ) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٧/٥٠٠.
(٢) انظر السير: (أبو الجوزاء) ٣٧١/٤ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٦/٥١٢.
(٣)
انظر السير: (هارُونُ بنُ رئاب) ٢٦٣/٥ -٢٦٤، وانظر النزهة: ٤/٦٠٠.
(٤) انظر السير: (البطال) ٢٦٨/٥ -٢٦٩، وانظر النزهة: ١/٦٠١.
(٥) انظر السير: (الْمُعْتَصِم) ٢٩٠/١٠-٣٠٦، وانظر النزهة: ٥/٨٧٩.
٥٩٦

وقالَ غَيرُ نِفْطَوَيه : خَلَّفَ من الذهَبِ ثَمانِيَةَ آلافِ دينار ، وثَمانِيَةَ عَشرَ ألفَ ألفِ
دِرْهَم ، وثَمانينَ ألفَ فَرَسِ ، وثَمانِيَةَ آلافِ مَمْلوكٍ، وثَمانِيَةَ آلافِ جاريَة، وبَنَى ثَمَانِيَةً
قُصُور وقيلَ بَلِغَ مَمَالِيكُه ثَمَانيَّةَ عَشرَ ألفاً ، وكانَ ذَا سَطْوَةٍ إِذا غَضِبَ لا يُبالي مَنْ قَتَل .
قالَ الخَطيبُ: كَثُرَ عَسْكَرُ الْمُعْتَصِم، وضاقَت عَليهم بَغْدادُ، فَبَنَى مَدينَةَ (( سُرَّ مَنْ
رَأْىُ » وتَحوَّلَ إليهَا وتُسمَّى أيضاً العَسْكَر .
ماتَ الْمُعْتَصِمُ سَنةَ سَبع وعِشْرين ومئتين ، وله سَبعٌ وأرْبَعونَ سَنةً وسَبعَةَ أَشْهُر ،
ودُفِنَ بـ ((سُرَّ مَنْ رَأَى)) وصلَّى عليه ابنُه الوَائِقِ(١) .
وقالَ عُثْمَانُ بنُ جَعْفَرِ اللََّان: حدَّثنا عَليُّ بنُ إِسْحَاقَ بنِ رَاهَوَيْه قالَ : وُلِدَ أبي من
بَطنِ أُمُّه مَثْقُوبَ الأُذُنَين ، فمَضَىْ جَدِّي رَاهَوَيْه إلى الفَضْلِ بنِ مُوسَى فسَأَلَه ، فقالَ :
يَكونُ ابنُكَ رَأساً إِمَّا في الخَيرِ ، وإِمَّا في الشَّرِّ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذه الحِكَايَةُ رَواهَا الخَطِيبُ في ((تاريخِه)) عن
الجَوْهَرِيِّ، أخْبَرَنا محمَّدُ بنُ العَبَّاسِ الخَزَّاز، حدَّثنا عُثْمَانُ فِذَكَرَها وهذا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ
وحِكَايَةٌ عَجيبةٍ(٢) .
وقالَ الحاكمُ : سَمعتُ أبا النَّضْرِ الفَقيهَ، سَمعتُ إبراهيمَ بنَ إسْماعيلَ العَنْبَريَّ
يَقُولُ: كُنتُ بِمِصْرَ، وأنا أكتبُ باللَّلِ كُتُبَ ابنِ وَهْب، وذَلكَ لخَمسٍ بَقِينَ من
الْمُحرَّم سَنةَ اثْنَتَيْن وأرْبَعِينَ ، فَهَتَفَ بي هاتفٌ، يا إبْراهِيمُ ماتَ العَبدُ الصَّالِحُ محمَّدُ بنُ
أسْلَم، فَتَعَجَّبتُ من ذَلك، وكَتَبْتُه على ظَهْرِ كِتابي ، فإذا به قد مَاتَ في تِلكَ
السَّاعَةِ(٣) .
وقالَ مُحمَّدُ بنُ رَافِعٍ، سَمعتُ عبدَ الرَّزَّاق، سَمعتُ مَعْمَراً يَقُولُ : رَأيتُ باليَمَنِ
عُنْقودَ عِنَب وِقْرَ(٤) بَغْلِ تَامٌّ .
(١) انظر السير: (الْمُعْتَصِم) ٢٩٠/١٠-٣٠٦، وانظر النزهة: ١/٨٨٠.
(٢) انظر السير: (إسْحاقُ بنُ رَاهَوَيْه) ٣٥٨/١١ -٣٨٣، وانظر النزهة: ١/٩٥٤.
(٣) انظر السير: (محمَّدُ بنُ أسْلَم) ١٩٥/١٢ -٢٠٧، وانظر النزهة : ٣/٩٩٣.
(٤) الوِقْر : بكسر الواو ، وسكون القاف: الحملُ الثقيل.
٥٩٧

ماتَ مُحمَّدُ بنُ رافِع سَنةَ خَمسٍ وأرْبَعِينَ ومئتَين(١).
وقال أبو داود في (( سُنَتِهِ )) : شَبَرْتُ قِثَّاءَةً بمصر ثلاثةَ عشرَ شِبراً، ورَأيتُ أُتْرُجَّةً
علىْ بَعِير ، وقد قُطعَتْ قطعَتَين ، وعُملَتْ مثلَ عِدْلَين.
تُوفِّي أبو داودَ سَنةً خَمسٍ وسَبعين ومئْتَين(٢).
وعن محمَّدٍ بنِ خَفيف ، يَقُولُ : سَمعتُ الحَكيميَّ يَقُولُ: ذَكَروا عند لَيَلَى الدَّيلَمي
أنَّ أبا بكر بنَ أبي عاصِم ناصِبِيٌّ(٣)، فبَعثَ غُلاماً له ومخلاةَ وسَيفاً، وأمَرَه أنْ يَأتيَه
بِرَأْسِه ، فجاءَ الغُلامُ، وأبو بكر يَقرأ الحَديثَ ، والكتابُ في يدِهِ ، فقالَ: أمَرَني أنْ
أحمِلَ إليه رَأْسَكَ فَنَامَ علىْ قَفَاهُ، ووَضعَ الكتابَ الذي كان في يَدِه على وَجْهِهِ ،
وقالَ : افْعَلْ ما شِئتَ فَلَحِقَه إنْسانٌ، وقالَ: لا تَفْعل، فإنَّ الأميرَ قد نَهاكَ فقامَ أبُو
بَكر وأخَذَ الجُزءَ، ورَجَعَ إلى الحَديثِ الذي قَطَعَه ، فَتَعجَّبَ النَّاسُ .
ماتَ أحمَدُ بنُ عَمْرو سَنةَ سَبعٍ وثَمانينَ(٤) .
وعن ابنِ الجَصَّاصِ قالَ : كُنتُ يَوماً في الدِّهْلِيزِ، فخَرَجَتْ قَهْرَمانَةَ مَعها مئة حبّة
جَوْهَر، تُساوي الحَبَّة ألف دينار، فقالَت: نُريدُ أنْ تَخرُطَ هذا الحَبَّ حتَّى يَصغُر ،
فأخَذتُه منها مُسرِعاً، وجَمَعتُ سائرَ نَهاري من الحَبِّ بمئة ألفِ دِرْهَم ، الواحدَة
بألف ، وأتَيتُ به القَهْر مانَةَ، وقُلتُ : قد خَرَطْنا هذا(٥) .
يَعني : فرَبحَ فيه - في يوم - بِضِعَةً وتسعينَ ألفَ دينار .
ولَمَّا تَزوَّجَ الْمُعْتَضِدُ بالله بقَطَرِ النَّدَى بنتِ خُمَارَوَيه صاحِبٍ مِصْرَ ، نَفَّذَها أبُوها مع
ابنِ الجَصَّاص في جَهَازٍ عَظيمٍ وتُحَفٍ وجَوَاهرَ تَتَّجَاوَزُ الوَصْفَ، فَنَصَحها ابنُ
الجَصَّاص وقالَ: هَذا شَيءٌ كَثِيرٌ، والأوْقَاتُ تَتَغيَّر، فلَوْ أوْدَعتِ من هذا؟ فقالَت :
(١) انظر السير: (مُحمَّدُ بنُ رافع) ٢١٤/١٢ -٢٢١، وانظر النزهة: ١/٩٩٦.
(٢)
انظر السير: ( أبو دَاوُد) ١٣/ ٢٠٣-٢٢١، وانظر النزهة : ١/١٠٧٢.
(٣)
ناصبي : أي مُبِغِضٌ لعَليٍّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه.
انظر السير: ( ابنُ أبي عاصِم) ٤٣٠/١٣ -٤٣٩، وانظر النزهة : ١/١٠٩٩.
(٤)
(٥) انظر السير: (ابنُ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة: ٢/١١٦٥.
٥٩٨

نَعَم يا عَمُّ وأوْدَعَته نَفَائسَ ثَمِينَة، فاتَّفَقَ أنَّها أُدخِلَت على الْمُعْتَضد ، وكَرُمَت عليه ،
وحَمَلت منه ، ثم ماتَت في النُّفَاسِ بَغتَةً، وزَادَت أمْوالُ ابنِ الجَصَّاص إلى الغَايَة ،
ونَظَرَت إليه الأعْينُ ، فلمَّا كانَ فِي سَنةِ اثنَيْنٍ وَثَلاثِ مئة قَبَضَ عليه الْمُقْتَدِرُ ، وكُبْسَت
دارُه، وأخَذوا له من الذَّهَب والجَوْهَر ما قُوَّمَ بأرْبَعةِ آلافِ ألفٍ دينار(١) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الحَاكِمِ بأمْرِ اللهِ العُبَيْدِيِّ: وكان شَيْطاناً مَريداً جَبَّاراً
عَنِيداً ، كَثِيرَ التَّلَوُّن، سَفَّاكاً للدِّماءِ ، خَبِيثَ النِّحْلَةِ ، عَظيمَ المَكْرِ ، جَوَاداً مُمَدَّحاً ،
له شَأنٌ عجيبٌ ونَبَأْ غَرِيبٌ ، كانَ فِرْعَونَ زَمانِهِ ، يَخْترِعُ كُلَّ وَقْت أحْكَاماً يُلْزِمُ الرَّعِيَّةَ بها
أمَرَ بسَبِّ الصَّحَابَة رَضِيَ اللهُ عَنهم ، وبكتَابَة ذلكَ على أبْوابِ المَسَاجِدِ والشَّوارِعِ وأمَرَ
عُمَّالَه بِالسَّبِّ، وبقَتلِ الكِلابِ فِي سَنةِ خَمسٍ وتسْعينَ وثلاث مثَّة وأبْطَلَ الفُقَّاعِ (٢)
والمُلوخيا ، وحرَّمَ السَّمكَ الذي لا فُلُوسَ عليه(٣) ، ووَقِعَ ببائعِ لشيءٍ من ذلكَ
فقتَلَهم(٤) .
وفي سَنة اثنتَين وأربَع مثَّة ، حِرَّمَ بَيْعَ الرُّطَبِ ، وجَمعَ منه شَيئاً عَظيماً ، فأحْرَقَه ،
ومَنعَ من بَيْع العنب، وأبادَ الكُرومَ ، وأمَرَ النَّارَىُ بتَعْلِيقِ صَليبٍ في رِقابِهِم زِنَّتُه رَطلٌ
ورُبْعِ بالدِّمَشْقِيِّ وألْزَمَ اليَهودَ أنْ يُعَلِّقوا في أعْناقِهِم قُرْميَّة في زِنَة الصَّليبِ إشارَةً إلى
رَأْسِ العِجْلِ الذي عَبدُوه ، وأنْ تَكونَ عَمائمُهم سُوداً، وأنْ يَدخُلُوا الحَمَّامَ بالصَّلیبِ
وبالقُرْميَّة ثم أفْرَدَ لهم حَمَّاماتٍ وأمَرَ في العَامِ بهَدْمِ كَنيسةٍ قُمامة(٥) ، وبهَدم كَنائسٍ
مِصْرَ ، فأسلمَ عدَّةٌ ، ثم إنَّه نَهَى عن تَقبيلِ الأرْضِ ، وعن الدُّعاءِ له في الخُطَّب وفي
الكُتُب وجَعلَ بدَله السَّلامَ عَليه (٦) .
وقيلَ : إنَّ ابنَ باديسَ أميرَ المَغْربِ بَعثَ يَنْقَمُ عليه أمُوراً، فأرادَ أنْ يَستميلَه ،
(١) انظر السير: (ابنُ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة: ٣/١١٦٥.
(٢)
شراب يُتخذ من الشعير.
(٣)
الفلس : القشرة على ظهر السمكة.
انظر السير: ( الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة : ١/١٢٠٨.
(٤)
(٥)
في بيت المقدس.
(٦) انظر السير: (الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٨.
٥٩٩

فأَظْهَرَ النَّفَقُّه، وحَملَ فِي كُمِّه الدَّفاتِرَ ، وطَلبَ إلى عندِهِ فَقَيهَينَ ، وأمَرَهما بتَدْرِيسٍ
فِقْهِ مالِك في الجامع، ثم تَغيرَّ فقَتْلَهما صَبْراً(١) .
وأَذِنَ للَّصَارَى الذين أَكْرَهَهُم في العَوْدِ إلى الكُفْرِ (٢).
ومَنعَ النِّساءَ من الخُروجِ من البُيوتِ ، فَأحْسَنَ ، وأبْطَلَ عَمَلَ الخِفافِ لهُنَّ جُمْلَة ،
وما زِلْنَ مَمْنوعاتٍ من الخُرَوَجِ سَبعَ سِنِينَ وسَبعَةَ أشْهُر(٣) .
قد حُبِّبَ في الآخرِ إلى صاحبٍ مِصْرَ الحاكمِ بِأمْرِ الله العُزْلَةُ ، وبَقِيَ يَرْكَبُ وَحْدَه في
الأسْواقِ على حِمارٍ، ويُقِيمُ الحِسْبَةَ بنفسِه، وبَيْنَ يدَيْه عبدٌ ضَخْمٌ فاجِرٌ، فمَنْ وَجَبَ
عليه تأدِيبٌ ، أَمَرَ العَبدَ أنْ يُولِجَ فيه ، والمَفعُولُ به يَصِيحُ .
وقِيلَ : إِنَّه أَرَادَ ادِّعاءَ الإلَهِيَةِ، وشَرَعَ في ذلك، فَكَلَّمَهُ الْكُبَرَاءُ وخَوَّفُوهُ من وُثُوبٍ
النَّاسِ ، فَتَوَقَّفَ .
وفي الأربع مئة وبعدَها كانت الأنْدَلُس تَغْلي بالحُروبِ والقِتالِ على المُلْك (٤).
وأنْشأ داراً كبيرةً ملأها قُيوداً وأغْلالاً، وجَعَلَ لها سَبْعَةَ أبوابٍ ، وسمَّاها جَهَنَّمَ ،
فكان مَنْ سَخِطَ عليه أسْكنَه فيها .
ولمَّا أمرَ بحَريقِ مِصْرَ، واسْتَبَاحَها ، بَعَثَ خادمَه ليُشاهِدَ الحالَ ، فلمَّا رَجعَ قال :
كَيفَ رأيتَ؟ قال: لوْ اسْتَبَاحَها طاغيةُ الرُّوم ما زاد على ما رأيتُ، فضَرَب ◌ُنْقُه .
وفي سَنة ثَلاث وأربع مئة، أُخِذَ الوفْدُ العراقيُّ، وغُوَّرَت المياهُ وهَلكَ بضعة عَشرَ
ألفَ مُسْلم ، ثم أُخِذَ من العَرَب بَبَعْض الثَّارِ ، وقُتْلَ عِدَّةٌ .
وبَعثَ الملكُ مَحمُودُ بنُ سُبُكْتكينَ كتاباً إلى الخَليفَة بأنَّه ورَدَ إليه من الحاكمِ كتابٌ
يَدْعُوهُ فيه إلىُ بَيْعَتِهِ ، وقد خَرَّقَ الكتاب ، وبَصَقَ عَليه(٥) .
(١) انظر السير: (الحاكم) ١٧٣/١٥ -١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٨.
(٢)
انظر السير: ( الحاكم ) ١٧٣/١٥ -١٨٤، وانظر النزهة: ٤/١٢٠٨.
(٣)
انظر السير: ( الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٥/١٢٠٨.
انظر السير: ( الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٧/١٢٠٨.
(٤)
(٥) انظر السير: ( الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/١٢٠٩.
٦٠٠