النص المفهرس
صفحات 461-480
على دِرْهَم ، قالَ: هذا أهْوَنُ من مُعالَجَة الأغْلالِ في جَهَنَّم (١). قالَ يَحْيَى بِنُ حَمْزَة : حدَّثْنا عَمرُو بنُ مُهاجِر أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيز كان تُسْرَجُ عليه الشَّمعَةُ ما كانَ في خَوائِجِ المسلمينَ ، فإذا فَرِغَ ، أَطْفأها وأسْرَجَ سِراجَه(٢). وقالَ مَالِكٌ : أُتيَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ بعَنبرَة، فأمْسَك على أنفِهِ مَخافَةَ أنْ يَجدَ ريحَها، وعَنه: أنَّه سَدَّ أنفَه وقد أُحْضِرَ مِسْكٌ من الخَزائن(٣). وعن عَمروِ بنِ مُهاجِر قالَ : اشْتَهَى عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز تُفَّاحاً، فَأَهْدَى له رجلٌ من أهْلِ بَيتِه تُفَّاحاً ، فقالَ: ما أطْيَبَ رِيحَه وأحْسَنَه! وقالَ: ارْفَعَهُ ياغُلامُ للذي أتَى به ، وأقرِ مَوْلاَ السَّلامَ ، وقُلْ له : إنَّ هَديَّتِكَ وَقَعت عندنا بحيثُ تُحبُّ ، فقُلتُ: يا أميرَ المؤمنين! ابنُ عَمِّك، ورَجلٌ من أهْلِ بَيْتِك ، وقد بَلغَكَ أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ ، قالَ : وَيْحَكَ! إنَّ الهَدِيَّةَ كانت له هَديَّةً ، وهي اليومَ لنا رِشْوَةً (٤) . وعن ابنٍ شُبْرُمَةَ قال: مَنْ بالَغَ في الخُصُومَة أثِمَ ، ومَنْ قَصَّرَ فيها خَصِم ولا يُطِيقُ الحَقَّ مَنْ بالَى على مَنْ دارَ الأمْرُ . ورَوَى ابْنُ الْمُبارَكِ عن ابنٍ شُبْرُمَةَ قالَ : عَجِبتُ للنَّاسِ يَحْتَمونَ من الطَّعامِ مَخافَةَ الدَّاء ولا يَحْتَمونَ من الذُّنوبِ مَخافَةَ النَّار(٥). وعن الهقل بن زياد عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته : أيها الناس ؛ تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، فإنكم في دارِ الثواء فيها قليل ، وأنتم مرتحلون وخلائف بعد القرون الذين استقالوا من الدنيا زهرتها ، كانوا أطولَ منكم أعماراً، وأجدًّ أجساماً ، وأعظم آثاراً ، فجددوا (١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥ -١٤٨، وانظر النزهة: ٥/٥٩٠. (٢) انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة : ٦/٥٩٠. انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٧/٥٩٠. (٣) (٤) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٥/٥٩١. (٥) انظر السير: (عبدُ الله بنُ شُبْرُمَة) ٦/ ٣٤٧ -٣٤٩، وانظر النزهة: ١/٦٥٦. ٤٦١ الجبال وجابوا(١) الصُّخُورَ، ونَقَّبوا في البلادِ مُؤْيَّدينَ بِبَطَشِ شَديدٍ ، وأجْسَامِ كالعِمَادِ ، فمَا لَبِثَتِ الأيَّامُ والَّيالي أنْ طَوَتْ مُدَّتَهم، وعَفَتْ آثارَهم، وأخْوَتْ مَنازِلَهم، وأنْسَتْ ذِكرَهم ، فما تُحِسُّ منهم مِنْ أَحَدٍ ولا تَسْمَعُ لهم رِکْزاً(٢).، (٣). وقالَ الأصْمَعِيُّ : رَكِبَ جَعْفَرُ بنُ سُلْمانَ في زِيٍّ عَجيبٍ من الثَّجَمُّلِ ، وكانَ بالبَصْرَةِ فَقَيةٌ صالِحٌ غُلِبَ علىُ عَقِلِهِ ، فَخَرجَ إِلى طَرِيقِ جَعْفَرٍ ، فقالَ له : يا جَعْفَرُ انْظُر أَيَّ رَجُلٍ تَكونُ إذا خَرَجتَ من قَبَرِكَ، وحُمِلتَ على الصِّراطِ ، وهذا الجَمِعُ والزِّيُّ لا يُساوي غَداً حَبَّة، ولا يُغْنونَ عَنكَ من الله شيئاً، إنَّك تَموتُ وَحْدَكَ، وَتَدخُلُ قَبَرَكَ وَحْدَكَ ، وتَقِفُ بَيْنَ يَدِي الله وَحْدَكَ، وتُحاسَبُ وَحْدَكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ ، فقد نَصَحِتُك (٤) . وعن ابنِ السَّمَّاكِ : قالَ : هِمَّةُ العاقِلِ في النَّجاةِ والهَرَبِ ، وهِمَّةُ الأَحْمَق في اللَّهْو والطَّربِ عَجَباً لعَينٍ تَلذُّ بالرّقادِ، وَملكُ الْمَوتِ معها على الوِسَاد ، حتَّى مَتى يُبلِّغُنا الوُّعَاظُ أعْلامَ الآخِرَة، حتَّى كأنَّ النُّفُوسَ عَليها وَاقِفَة ، والعُيُونُ ناظِرَة ، أَفَلا مُنْتَبَهٌ من نَوْمَتِهِ، أو مُسْتَيقِظٌ من غَفْلِهِ، ومُفيقٌ من سَكْرَتِه ، وخائفٌ من صَرْعَتِهِ ، كَدْحاً للدُّنيا كَدْحاً ، أمَا تَجْعَلُ للآخِرَةِ مِنكَ حَظّاً ، أُقْسِمُ بالله، لَوْ رَأْيتَ القِيامَةَ تَخْفِقُ بِأهْوالِها ، والنَّارَ مُشْرِفَةً على آلِهَا، وقد وُضعَ الكِتابُ، وجِيءَ بالنَّبَينَ والشُّهَداءِ، لَسَرَّكَ أنْ يَكُونَ لكَ في ذلكَ الجَمْعِ مَنْزِلَةٌ، أَبَعْدَ الدُّنيا دارُ مُعْتَمَلٍ ، أم إلى غَيرِ الآخِرَة مُنتَقَل ؟ هَيهَاتَ ولكن صُمَّت الآذَانُ عن الْمَواعِظِ ، وذَهَلَت القُلُوبُ عن الْمَنافِعِ ، فلا الوَاعِظُ يَنْتَفِعُ ولا السَّامِعُ يَنْتَفِعُ (٥) . وقالَ محمَّدُ بنُ حَرْب الْمَكَيُّ : قَدِمَ العُمَرِيُّ، فاجْتَمَعنا إليه، فلمَّا نَظَرَ إلى القُصُورِ الْمُحْدِقَة بالكَعْبَة صاحَ : يا أصْحَابَ القُصورِ الْمُشَيِّدَة ، اذْكُرُوا ظُلمَةَ القُبُورِ (١) جابوا الصُّخورَ: نقَبوها، قال الله تعالَى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِأَلْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]. (٢) الرِّكْز: الصَّوت الخَفي، قال الله تعالَى: ﴿هَلْ تُحِسُ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]. (٣) انظر السير: (الأوزاعيُّ) ١٠٧/٧-١٣٤، وانظر النزهة: ٥/٦٨٢. (٤) انظر السير: ( جَعْفَرُ بنُ سُليمان) ٢٣٩/٨-٢٤١، وانظر النزهة : ٢/٧٤٦. (٥) انظر السير: (ابنُ السَّمَّاك) ٣٢٨/٨-٣٣٠، وانظر النزهة: ٧/٧٦١. ٤٦٢ الْمُوحِشَة ، يا أهْلَ التَّنْغُم والتَّذُّذِ اذْكُرُوا الدُّودَ والصَّديدَ ، وبَلاءَ الأجْسَامِ في التّرابِ ، ثم غَلَتَهُ عَينُهُ ، فقام(١) . وعن الفُضَيلِ بنِ عِياض قالَ : كَفَى بالله مُحِباً وبالقُرآنِ مُؤنِساً ، وبالْمَوْتِ وَاعِظاً ، وِبِخَشْيَةِ الله عِلْماً ، وبالاغْتِرارِ جَهْلاً(٢). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ مَنْصورِ بنِ عَمَّار: وَعَظَ بالعِراقِ والشَّامِ ومِصْرَ ، وبَعُدَ صِيتُهُ، وتَزَاحَمَ عَليه الخَلقُ، وكانَ يَنْطَوي علىُ زُهْدٍ وتَلُهُ وخَشْيَة، ولَوَعْظِهِ وَقْعٌ في النُّفُوس(٣) . وقالَ أحمَدُ بنُ أبي الحَوارِي : سَمعتُ أحمَدَ بنَ عاصِم ، يَقولُ : أَصْلِحْ فيما بَقِيَ ، يُغْفَرِ لكَ ما مَضَىْ، ما أَغْبِطُ إلَّ مَنْ عَرَفَ مَوْلاه(٤) . وقالَ الحُسَينُ بنُ محمَّد الفَقيهُ: سَمعتُ محمَّدَ بنَ يَحْبَى يَقولُ : تَقَدَّمَ رَجلٌ إلى عَالِمٍ ، فقالَ : عَلِّمْني وأَوْجِزْ، قالَ : لأوجِزَنَّ لَك، أمَّا لَآخِرَتِك: فإنَّ اللهَ أَوْحَى إلى نَبِيِّ من أنْبيائِه: قُلْ لِقَوْمِكَ: لَوْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ في بَيْتٍ من بُيُوتِ الجَنَّةِ لأَوْصَلَتْ إليه الخَرابَ (٥) . وقالَ إِبراهيمُ بن فاتِك : سَمعتُ أبا يَعْقوبَ، يَقولُ: الدُّنيا بَحرٌ، والآخِرَةُ ساحِلٌ والْمَركبُ التَّقْوَى، والنَّاسُ سَفْرٍ(٦). قال الجُبَّائيُّ: كان الشيخُ عبدُ القادر يقولُ : الخَلْقُ حِجَابُك عن نَفْسِك، ونَفْسُكَ حجابك عن ربِّك . عاش الشيخُ عبدُ القادر تسعين سنة ، وانتَقلَ إلى الله سنةَ إحْدى وستّين وخَمس (١) انظر السير: (العُمَريُّ) ٣٧٣/٨-٣٧٨، وانظر النزهة: ٤/٧٥٦. انظر السير : ( الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة: ١/٧٧٩. (٢) (٣) انظر السير: ( مَنْصورُ بنُ عَمَّار) ٩٣/٩ -٩٨، وانظر النزهة: ٣/٨٠١. انظر السير: (الأنْطاكِيُّ) ٤٠٩/١١ -٤١٠، وانظر النزهة : ١/٩٥٥. (٤) انظر السير: ( الذُّهْلِيُّ وابنُه) ٢٧٣/١٢ - ٢٨٥، وانظر النزهة : ٤/١٠٠٠. (٥) (٦) انظر السير: (النَّهْرَ جَورِيُّ) ٢٣٢/١٥-٢٣٣، وانظر النزهة : ٤/١٢٢٤ . ٤٦٣ مئة ، وشَيَّعَه خلقٌ لا يُحْصَون ، ودُفنَ بمدرَسَته رحمه الله تعالى . وفي الجُملة الشيخُ عبدُ القادر كَبير الشأن ، وعليه مآخذُ في بعض أقوالِه ودعاويه ، والله المَوْعِدُ ، وبعضُ ذلك مَكْذوبٌ عليه(١). ومن غُرَرِ ألفَّظِ أبي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزِيِّ: عَقَارِبُ الْمَناَا تَلسَعُ، وخَدَرانُ جِسمٍ الآمَالِ يَمْنَعُ ، ومَاءُ الحَياةِ في إناءِ العُمْرِ يَرْشَحُ(٢). ١١ - شِعْرُ الوَعْظ : ومن شِعرِ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ (٣): أوِ الغبارُ يخافُ الشَّينَ والشَّعثَا مَنْ كانَ حينَ تصيبُ الشمسُ جبهتَهُ فسوفَ يسكنُ يوماً راغماً جَدَثا ويألفُ الظُّلَّ كَيْ تبقى بشاشَتُه يطيلُ في قعرها تحت الثرى اللَّثَا في قعرِ مظلمةٍ غَبْراءَ موحشةٍ يا نفسُ قبلَ الردى لمْ تخلقي عَبَئًا تجهزي بجهاز تبلغين به قالَ أبو العَبَّاسِ السَّرَّاج: أنْشَدَني يَعقُوبُ بنُ محمَّد لابنِ الْمُبارَك(٤): أيُّ عيشٍ وقدْ نزلتَ يطيبُ أبإذنِ نزلتَ بي يا مشيبُ آملُ العيشَ والمماتُ قريبٌ وكفى الشيبُ واعظاً غيرَ أني وندائي مولِّياً ما يجيبُ كم أنادي الشبابَ إذْ بانَ مني قالَ بَعضُهم كُنَّا جُلوساً عندَ الفُضَيْلِ بنِ عِياض ، فقُلنا له : كَمْ سِنُّك ؟ فقالَ(٥): فماذا أؤملُ أو أنتظرْ بلغتُ الثمانين أوْ جُزْتُها فدقّ العظام وكلَّ البصرْ علتني السُّنونُ فأبلينني (١) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة : ٤/١٥٧٦. (٢) انظر السير: (أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزي) ٣٦٥/٢١-٣٨٤، وانظر النزهة: ٤/١٦٣٣. (٣) انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٩١. انظر السير: ( عبد الله بنُ الْمُبارَك) ٨/ ٣٧٨-٤٢١، وانظر النزهة : ٥/٧٧٠. (٤) (٥) انظر السير: (الفَضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ٧/٧٧٩. ٤٦٤ قالَ الرَّبِيعُ بنُ سُلَيْمانَ(١) : صبراً جميلاً ما أسرعَ الفَرجا من خشيَ اللهَ لمن ينلْه أذى وقالَ الدَّاوُودِيُّ(٢) : يا شاربَ الخمرِ اغتنمْ توبةً الموتُ سلطانٌ لهُ سطوةٌ من صدقَ اللهَ في الأمورِ نجا ومن رجا الله كانَ حیثُ رجا قبلَ التفافِ الساقِ بالساقِ يأتي على المسقيِّ والساقي (١) انظر السير: (الرَّبيعُ بنُ سُليْمانَ) ٥٨٧/١٢-٥٩١، وانظر النزهة: ٢/١٠٣٧. (٢) انظر السير: (الدَّاوُودِيُّ) ١٨/ ٢٢٢-٢٢٦، وانظر النزهة: ٥/١٤٠٦. ٤٦٥ العَلَاقَةُ مع الله ١ - عَدَمُ أمْن مَكرِه سُبْحانَه : أتَى رجلٌ العَلَاءَ بنَ زِياد ، فقالَ : أتاني آتٍ في مَنامي فقالَ : انْتِ العَلاءَ بنَ زِیاد ، فقُلْ له : لِمَ تَبْكي !! ؟ قد غُفِرَ لك . قالَ : فبكى، وقالَ : الآنَ حين لا أهْدَأ(١). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: رُويَ العَلاءُ بنُ زِياد أنَّه من أهْلِ الجَنَّة ، فمَكثَ ثَلاثاً لا تَرَق له دَمْعَة، ولا يَكتَحِلُ بنَومِ، ولا يَذُوقُ طَعاماً فأتاه الحَسَنُ فقالَ : أَيْ أخي ، أتَقْتُلُ نَفْسَك أنْ بُشِّرْتَ بالجَنَّة! فَازدادَ بُكاءً ، فَلَمْ يُفارِقْه حتَّى أَمْسَى وكانَ صائماً ، فطَعِمَ شَيئاً (٢). وقالَ عَطاءُ الخَفَّافِ : ما لَقِيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ إلَّ باكياً ، فقُلْتُ مَا شَأْنُك ؟ قالَ : أَتَخَوَّفُ أنْ أُكُونَ فِي أُمِّ الكتابِ شَقِيًّاً(٣) . قيلَ : كانَ نَقْشُ خاتَم الجُنَيدِ : إِنْ كُنتَ تَأْمَلُهُ فَلا تَأْمَنْهُ . وعنه : أُعْطِيَ أهْلُ بَغدادَ الشَّطِحَ والعِبَارَةِ وأهْلُ خُراسَانَ القَلبَ والسَّخاءَ ، وأهْلُ البَصْرَةِ الزُّهْدَ والقَناعَة، وأهْلُ الشَّامِ الحِلمَ والسَّلامَة، وأهْلُ الحِجَازِ الصَّبَرَ والإنَابَةِ(٤) . ٢ - تَعْظِيمُهُ سُبْحانَه : وقال إبراهيمُ بنُ الأشْعَث : ما رَأيتُ أحَداً كان اللهُ فِي صَدرِه أعظَمَ من الفُضَيل ، كان إذا ذُكِرَ اللهُ، أو ذُكرَ عندَه، أو سَمِعَ القُرآنَ ، ظَهرَ به من الخَوفِ والحُزْن ، (١) انظر السير: (العَلاءُ بنُ زِياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٧/٤٧٧. (٢) انظر السير: (العَلاءُ بنُ زِياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة : ٤٧٧/ ٧. (٣) انظر السير: (سُفْيان الثَّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة : ٥/٦٩٨. (٤) انظر السير: (الجُنَيْد) ٦٦/١٤ - ٧٠، وانظر النزهة: ٣/١١٣٣. ٤٦٦ وفاضَت عَيناهُ، وبَكى حتى يَرحمُه من يَحضُرُه، وكان دائمَ الحُزْن ، شَديدَ الفِكْرَةِ ، ما رَأيتُ رجلاً يريدُ اللهَ بعِلمِهِ وعَمِلِهِ ، وأخْذِهِ وعَطائِهِ ، ومَنْعِه وبَذْلِهِ ، وبُغْضِه وحُبّه ، وخِصَالِهِ كلِّها غَيرَه ، كنّا إذا خَرجْنا معه في جِنازَة لا يَزالُ يَعظُ ويُذَكِّرُ ويَبكي كأنَّه مُودِّعٌ أصْحابَه ، ذاهبٌ إلى الآخِرَة ، حتى يَبلُغَ المَقابِرَ، فَيَجلِسُ مَكانَه بينَ المَوْتَىُّ من الحُزنِ والبكاء حتى يقومَ وكأنَّه رَجعَ من الآخِرَة يُخبِرُ عنها (١) . ٣- الانْكسارُ بين يَدَيْهِ سُبْحانَه والتَّذَلُّلُ له : عن غِيلانَ بنِ جَرِير قالَ : حَبسَ السُّلطانُ ابنَ أخي مُطَرِّفٍ فَلبسَ مُطَرِّفٌ خُلْقَانَ ثيابِه، وأخَذَ عُكَّازاً وقالَ : أسْتَكينُ لِرَبِّي لَعَلَّه أنْ يُشَفِّعَني في ابنٍ أخي (٢) . أتَى رجلٌ العَلَاءَ بنَ زِياد ، فقالَ : أتاني آتٍ في مَنامي فقالَ : اْتِ العَلاءَ بنَ زِياد ، فقُلْ له : لِمَ تَبْكي !! ؟ قد غُفِرَ لك . قالَ : فَبَكى، وقالَ: الآنَ حين لا أهْدَا(٣). وكانَ الأعْمَشُ يَقولُ: حدَّثني يَحْيَىُ بنُ وَثَّابِ وَكُنتُ إذا رَأيْتُه قد جَئا ، قُلتُ : هذا وُقفَ للحِسَابِ فِيَقُولُ : أَيْ رَبِّ، أَذْنَبَتُ كَذا، فعَفَوْتَ عِنِّي، فَلا أعُودُ ، وأذْنَبَتُ كَذا ، فعَفَوْتَ عِنِّي، فَلا أُعُودُ (٤) . وقال الْمُنْكَدِرُ بنُ مُحمَّد : كانَ أبي يَحُجُّ بوَلِدِهِ ، فقيل له: لِمَ تَحُجَّ بِهَؤلاء ؟ قالَ : أَعْرِضُهم لله(٥) . ٤ - الرِّضَا بقَضَائه : ( وسَتجدُ غَيرَها في فهرس الصَّبْر والابْتِلاء ) عن الرَّبيعِ بنِ أبي صالِحِ ، قالَ : دَخلتُ على سَعيدِ بنِ جُبَيْر حين جيءَ به إلى (٢) (١) انظر السير: (الفُضَيل بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ٣/٧٧٣. انظر السير: ( مُطَرِّفُ بنُ عبد الله) ٤/ ١٨٧ - ١٩٥، وانظر النزهة: ١٠/٤٧٦. انظر السير: ( العَلاءُ بنُ زياد) ٤/ ٢٠٢ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٧/٤٧٧. (٣) انظر السير: ( يَحْيَىُ بنُ وَنَّاب) ٣٧٩/٤ -٣٨٢، وانظر النزهة: ٣/٥١٤ . (٤) (٥) انظر السير: (محمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٧/٦٠٨. ٤٦٧ الحَجَّاج، فبكىَ رَجلٌ ، فقالَ سَعيدُ: ما يُبكيكَ؟ قالَ : لِمَا أصابَك، قالَ : فَلا تَبْكِ، كانَ في عِلم الله أنْ يَكُونَ هذا، ثم تَلا: ﴿مَآ أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَآهَاً﴾(١) ،(٢) . ٥- الأُنْسُ به سُبْحانَه : وقالَ أبو عِمْرانَ الجَوْني : قيلَ لعامِرِ بنِ عبدِ قَيْس : إنَّك تَبِيتُ خارجاً ، أمَا تَخافُ الأسَدَ؟ قالَ : إنِّي لأَسْتَحي من رَبِّي أنْ أخافَ شَيئاً دُونَه وهَبطَ وَادياً به عابدٌ حَبَشيٌّ ، فانْفَردَ يُصلِّي في ناحية ، والحَبَشيُّ في ناحية أرْبَعِينَ يَوماً لا يَجتمعان إلاَّ في فَرِيضَةٍ(٣). ٦ - الثِّقَةُ به سُبْحانَه : وكان كثيرٌ من أصْحابِهِ يقُولونَ له : إنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقَعُ فيك، فيقُولُ: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَيْطَنِ كَانَ ضَعِيفً﴾(٤) ويَتْلُو أيْضاً: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّا بِأَهْلِّ﴾ (٥)، (٦). وكان هِجِّيراه من اللَّيلِ(٧) إذا أتَيْتُه في آخِرٍ مَقْدَمِه من العِراقِ: ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُّ وَإِن يَخْذُ لَكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية(٨)، (٩) وقال الذهبيُّ في تَرجمَة أبي عُثمان الحِيَري : ذكرَ الحاكمُ أخبارَ أبي عُثمان في خمسٍ وعشرين ورَقَة في غضون ذلك من كلامِهِ في التَّوكلِ واليقين والرِّضًا ، قال (١) سورة الحديد، الآية : ٢٢ . انظر السير: ( سَعيدُ بنُ جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٣/٥٠٧. (٢) (٣) انظر السير: ( عامِر بن عبد قيْس) ١٥/٤-١٩، وانظر النزهة: ١/٤٣٤. (٤) سورة النساء ، الآية : ٧٦ . (٥) سورة فاطر ، الآية : ٤٣ . انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ١٠١٩/. (٦) أي كلامه ودأبه وشأنه ، وفي حديث عُمَر رضي الله عنه : ما له هجّيرى غيرها ، أي : الدأب والعادة (٧) والدَّيْدَن . سورة آل عمران ، الآية ١٦٠. (٨) (٩) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٠١٩. ٤٦٨ الحاكمُ : وسَمعتُ أبي يقولُ : لمَّا قَتلَ أحمدُ بنُ عبد الله الخُجُستاني - الذي اسْتولَى على البلادِ - الإمامَ حيكانَ بنَ الذهليّ ، أخذَ في الظُّلمِ والعَسفِ، وأمرَ بحَرْبَةٍ رُكزَت على رأس المربّعة(١)، وجمعَ الأعْيانَ، وحلفَ: إنْ لمْ يَصُبُّوا الدَّراهمَ حتى يغيبَ رأسُ الحَرْبَة، فقد أحلُّوا دماءَهم، فكانوا يَقْتَسِمون الغرامَة بينهم ، فخُصَّ تاجرٌ بثلاثين ألفَ درهم ، فلم يكنْ يَقدرُ إلَّ على ثلاثة آلاف دراهم ، فحملها إلى أبي عُثمان وقال : قد حلف هذا كما بلَغَكَ ، ووالله لا أهْتَدي إلاَّ إلى هذه قال : تأذَنُ لي أن أفعَل فيها ما يَنفَعُك؟ قال : ففَرَّقَها أبو عُثمان، وقال للتاجر : امكُثْ عِندي ، وما زالَ أبو عُثمان يَتردّدُ بين السِّكَّةِ والمَسْجِدِ ليلَتَه حتى أصْبَحَ ، وأذَّنَ المؤَذِّنُ ، ثم قال لخادِمِه : اذْهبْ إلى السُّوق، وانظُرْ ماذا تَسْمَع، فَذَهبَ، ورجَعَ فقال: لم أرَ شَيئاً ، قال : اذْهَبْ مرّةً أُخْرَى، وهو في مُناجاتِهِ يقول: وحَقُّكَ لا أَقَمتُ ما لم تُفرِّجْ عن المَكْروبين ، قال : فأتى خادمُه الفَرغانيُّ يقول : وكَفَى اللهُ المؤمنينَ القِتالَ، شُقَّ بَطَنُ أحمدَ بنَ عبد الله، فأخذَ أبو عُثمانَ في الإقامَة . قال الذهبيُّ : بمثلِ هذا يَعْظُمُ مَشايخُ الوَقت . قال أبو الحُسَين أحمدُ بن أبي عُثمان : تُوفيَ أبي سَنةً ثمان وتسعين ومئتين ، وصلَّى عليه الأميرُ أبو صالح (٢) . وجاء في تَرجمة عليٍّ بنِ أبي طاهِر قال الذَّهبيُّ: وثََّه الخَليليُّ، قال : سَمعتُ الحَسنَ بنَ أحمد بنَ صالح يَحْكي عن سُليمانَ بنِ يَزيد : أنَّ عليَّ بنَ أبي طاهر لمَّا رَحلَ إلى الشَّام ، وكَتبَ الحَديثَ جَعَلَ كُتْبَه في صُندوقٍ ، وقَّرَه ورَكبَ البَحرَ ، فاضْطَرِبَت السَّفينَةُ وماجت ، فألْقَى الصُندوقَ في البَحرِ ، ثم سَكنَتِ السَّفينَةُ، فلمَّا خَرجَ منها أقامَ على السَّاحلِ ثلاثاً يَدعُو الله، ثم سَجدَ في اللَّيلَة الثَّالِثَة، وقال: إنْ كان طَلَبي ذلك لوَجْهِك وحبٍّ رسُولِك ، فأغِثْنِي بردِّ ذلك ، فرفَعَ رأسَه ، فإذا بالصُّندوقِ مُلقَى عندَه ، (١) في ((اللِّسان)) والمربعة: خشيبة قصيرة يرفع بها العِدلُ، وقال الأزهريُّ: هي عَصاةٌ تُحمَلُ بها الأثقال حتى تُوضَع على ظهر الدواب (٢) انظر السير: ( أبو عُثمان الحِيري) ١٤ / ٦٢ -٦٦، وانظر النزهة: ٥/١١٣١. ٤٦٩ فَقَدمَ ، وأقامَ بُرْهَة ، ثم قَصَدوه لسَماع الحَديثِ فامْتَنَع منه وقال فرأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، في مَنامي ، ومَعه عليٍّ رضي الله عنه ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((يا عَلَيُّ مَنْ عامَلَ اللهُ بما عامَلَكَ به علىُ شَطُّ البَحْر؟ !! ، لا تَمْتَنِعْ من رِوايَة أحاديثي )) قال : فَقُلتُ : قد تُبتُ إلى الله ، فدَعالي وحَشَي على الرِّوايَة. ماتَ عليُّ بنُ أبي طاهِر سنة نيّ وتسعين ومئتين، رَحمَه الله(١) . ٧ - دَرَجَاتُ العَلاقة مع الله : عن يَحْيَى بنِ مُعاذ: الدَّرَجَاتُ سَبعٌ: الثَّوْبَة، ثم الزُّهْد ، ثم الرِّضَا، ثم الخَوْف، ثم الشَّوْقُ، ثم الْمَحبَّة، ثم الْمَعرِفَةَ(٢). ٨- ﴿ إِنَّالََّ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوَأَ﴾(٣): قال مُحمَّدُ بنُ أبي حاتِمٍ : وسَمعتُهُ يقولُ: لَمْ يَكُنْ يَتَعرَّضُ لنا قَطُّ أحَدٌ من أفْنَاءِ النَّاسِ إلَّ رُمِيَ بقارِعَةٍ، ولَمْ يَسْلَمْ، وكُلَّمَا حَدَّثَ الجُمَّالُ أنْفُسَهم أنْ يَمْكُرُوا بنا رَأيتُ مِن لَيْلَتِي في المَنامِ ناراً تُوقَدُ ثمَّ تُطْفَأُ من غَيرِ أنْ يُنْتَفَعُ بها، فأتَأَوَّلُ قولَه تعَالَى: ﴿كُلَمَاً أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الَّ﴾ (٤)، (٥) . قال الحاكِمُ: سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ العِبَّاسِ الضَّبِّيِّ يقولُ: سَمعتُ أبا بَكرِ بنَ أبي عَمْرو الحافِظَ البُخاريّ يقُولُ : كان سَببُ مُنافَرَةِ أبي عبدِ الله أنَّ خالدَ بنَ أحمدَ الذَّهليَّ الأمير خليفة الطاهرية بيُخارَى سَألَ أنْ يَحْضُرَ مَنزِلَه، فَيَقرَأَ ((الجامِعَ)) و((التَّارِيخَ)) على أوْلادِهِ، فامْتَنَعَ عن الحُضورِ عنده، فراسَلَه بأن يَعْقَدَ مَجْلِساً لأوْلادِه، لا يَحْضُرُه غَيرُهم، فامْتَنَعَ، وقال: لا أخُصُّ أحَداً ، فاسْتَعانَ الأميرُ (١) انظر السير: (عليُّ بن أبي طاهر) ١٤/ ٨٧-٨٨، وانظر النزهة: ٥/١١٣٥. (٢) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ مُعاذ) ١٥/١٣ -١٦، وانظر النزهة: ٥/١٠٤٧ . (٣) سورة الحج ، الاية : ٣٨ . (٤) سورة المائدة ، الآية : ٦٤ . (٥) انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٩. ٤٧٠ بِحُرِيثِ بنِ أبي الوَرْقاء وغَيرِهِ حَتّى تَكَلَّموا في مَذْهَبِه ونَفَاهُ عن البَلَدِ ، فَدَعا عَليهِم ، فَلَمْ يَأْتِ إلَّ شَهِرٌ حَتّى وَرَدَ أمْرُ الطاهرِيَّة ، بأنْ يُنادَى على خالدٍ فِي البَلَدِ ، فَنُودِيَ عليهِ علىْ أَتَانٍ، وأمَّا حُرِيثٌ ، فإِنَّه ابْتُلِيَ بأهْلِهِ ، فَرَأى فيها ما يَجِلُّ عن الوَصْفِ، وأمَّا فُلانٌ، فابتُلِيَ بأولادِهِ، وأَرَاهُ اللهُ فيهِم البَلايَا . وقال الحاكِمُ: حَذَّثنا خَلَفُ بنُ مُحمَّد، حَدَّثنا سَهْلُ بنُ شاذَوَيْه قال : كان مُحمَّدُ بنُ إسْماعيلَ يَسْكُنُ سِكَّةَ الدَّهْقَانِ، وكان جَماعَةٌ يَخْتِفُونَ إليه يُظْهِرونَ شِعارَ أهْلِ الحَديثِ من إِفْرادِ الإقامَةِ ورَفْعِ الأَيْدِي في الصَّلاةِ ، وغَيرِ ذلكَ فقال حُريثُ بنُ أبي الوَرْقاء وغَيرُه: هذا رجلٌ مُشْغَبٌ، وهو يُفْسِدُ علينا هذه المَدينَةِ ، وقد أخْرَجَهُ مُحمَّدُ بنُ يَحْيَى من نِيسابُورَ، وهو إمامُ أهْلِ الحَديثِ ، فَاحْتَجُوا عليه بابنِ يَحْتَى ، واسْتَعَانُوا عليه بالسُّلطانِ فِي نَفْيْهِ من البَلَدِ ، فَأُخْرِجَ ، وكان مُحمَّدُ بنُ إِسْماعيلَ وَرِعَاً ، يَتَجَنَّبُ السُّلطانَ ولا يَدْخُلُ عليهِم(١) . قال الذهبيُّ : خالد بن أحمد الأمير ، قال الحاكمُ : له ببخارَى آثارٌ مَحْمودةٌ كلُّها ، إلاَّ مَوْجِدَته على البُخاريِّ، فإنَّهَا زَلَّةٌ، وسببٌ لزَوالِ مُلْكِه (٢) . وجاءَ في تَرَجَمَةِ ابنِ عَبْدوس ، وقيلَ : أتاه رجلٌ ، فقال : ما تقولُ في الإيمانِ ؟ قال : أنا مؤمنٌ فقال : عندَ الله ؟ قال: أمَّا عند اللهِ فلا أقْطَعُ لنَفسِي بذلك، لأني لا أدري بمَ يُخْتَمُ لي، فَبَصَقَ الرجلُ في وجْهه ، فعَميَ من وَقْتِهِ الرَّجُلُ(٣). ٩ - الإِقْبَالُ على الله وفائدَتُه : قالَ قَتَادَة: كانَ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ يَقولُ: ما أقْبَلَ عَبدٌ بقلبهِ إلى الله، إلَّ أقْبَلَ اللهُ بقُلوبِ الْمُؤمنينَ إليه، حتَّى يَرْزُقَه وُذَّهم(٤) . (١) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٧/١٠١٩. (٢) انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٠٢٠. انظر السير: ( ابن عَبْدوس) ٦٣/١٣ - ٦٤، وانظر النزهة: ٣/١٠٥١. (٣) (٤) انظر السير: (هَرِمُ بنُ حَيَّان) ٤/ ٤٨ - ٥٠، وانظر النزهة: ١/٤٤١. ٤٧١ ١٠ - النَّتَاءُ على الله : رَوَىُ عبدُ الرَزَّاقِ بنُ هَمَّامَ ، عن أبيه ، قالَ: رَأيتُ وَهْباً إذا قامَ في الوترِ قالَ : لكَ الحَمدُ السَّرْمَدُ ، حَمْداً لا يُحْصِيهِ العَدَدُ ، ولا يَقطَعُه الأبَدُ ، كما يَنبَغِي لكَ أنْ تُحْمَدَ ، وكما أنتَ له أهلٌ، وكما هو لك عَلينا حَقٌّ(١). ١١ - التَّعَلُّق به سُبْحانَه : وعن أبي بِشْر قالَ : كان كُرْزُ بنُ وَيَرَةَ الحَارِثِيُّ من أعْبَدِ النَّاسِ ، وكانَ قد امْتَنْعَ من الطَّعامِ ، حتىْ لَمْ يُوجَد عليه من اللَّحْم، إلاَّ بقَدرِ ما يُوجَدُ على العُصْفور ، وكان يَطوي أيَّاماً كثيرة ، وكانَ إذا دَخلَ في الصَّلاة لا يَرفَعُ طَرْفَه يَميناً ولا شِمالاً ، وكانَ من الْمُحِبِّنَ الْمُخْبتين لله، قد وَلِهَ من ذلك فرُبَّما كُلُّمَ فيُجيبُ بعد مُدَّة من شِدَّة تَعلُّق قَلِهِ بالله ، واشْتِياقِه إليه (٢) . قالَ الجُنَيَّدُ : شَيءٌ يُروَى عن أبي سُليْمانَ ، أنا أسْتَحسِنُهُ كَثِيراً: مَنِ اشْتَغْلَ بنَفْسِه شُغِلَ عن النَّاسِ ، ومَنِ اشْتَغْلَ بِرَبِّه شُغِلَ عن نَفْسِه وعن النَّاسِ(٣). ١٢ - الشَّكوَى له سُبْحانَه : قالَ الأَصْمَعِيُّ: نَظرَ الفُضَيْلُ إلى رَجُلٍ يَشكُو إلى رَجُلٍ ، فقالَ: يَا هَذا تَشْكُو مَنْ يَرْحَمُكَ إلى مَنْ لا يَرْحَمُك (٤) . وعن شَقيقٍ ، قالَ: مَنْ شَكَىْ مُصيبَةً إلى غَيرِ اللهِ ، لَمْ يَجِدْ حَلاوَةَ الطَّاعَةِ(٥). وقيلَ : إنَّ أبا حَفْص النِّسَابُوريّ دَخلَ على مَريضٍ ، فقالَ المريض : آه ، فقالَ (١) انظر السير: (وَهْبُ بنُ مُنَبَّه) ٥٤٤/٤- ٥٥٧، وانظر النزهة: ٢/٥٥٣. (٢) انظر السير: (كُرز) ٨٤/٦-٨٦، وانظر النزهة: ٥/٦٣٣. (٣) انظر السير: (أبو سُليمانَ الدَّاراني) ١٠/ ١٨٢ -١٨٦، وانظر النزهة: ٤/٨٦٥. (٤) انظر السير : ( الفُضَيْلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٧/٧٧٨ . (٥) انظر السير: (شَقيق) ٣١٣/٩ -٣١٦، وانظر النزهة : ١/٨٢٤. ٤٧٢ أبو حَفْص : : مِمَّن؟ قالَ: فَكَيفَ أَقُولُ؟ قالَ : لا يَكُنْ أنِنُكَ شَكْوَى ، ولا سُكُوتُكَ تَجَلُّداً ، ولكن بينَ ذلك(١) . وكانَ إبراهيمُ الحَربِيُّ يَقولُ: فَرْدُ عَقِبي(٢) صَحيحٌ والآخَرُ مَقطوعٌ، ولا أُحَدِّثُ نَفَسي أنِّي أُصْلِحُها ، ولا شَكَوتُ إلى أهْلِي وأقَارِبِي حُمَّى أجدُها ، لا يَغْمُّ الرجلُ نَفَسَه وعيالَه ، ولي عَشرُ سنِينَ أُبْصِرُ بفَرْدِ عَين، ما أخْبَرَتُ به أحَداً ، وأفْنَيْتُ من عُمري ثَلاثينَ سَنةً برَغيفَين ، إنْ جاءَتْني بهما أُمِّي أو أُخْتِي ، وإلاَّ بقيتُ جائعاً إلى اللَّيْلَة الثانيَة ، وأفْنَيْتُ ثَلاثينَ سَنةً برَغيفٍ في اليومِ واللَّيْلَة ، إنْ جاءَتْني امْرأتي أو بناتي به وإلاَّ بقيتُ جائعاً، والآنَ آكُلُ نِصْفَ رَغيفٍ ، وَأَرْبَع عَشرَةَ تَمْرةً ، وقامَ إِفْطَاري في رَمضانَ هذا بدِرْهَم ودَانِقَيْن ونِصْف(٣). ١٣ - تَقْدیمُ رِضَاه : عن أبي حازم ، قالَ : شَيئانِ إذا عَمِلتَ بهما أصَبتَ خَيرَ الدُّنيا والآخِرَة لا أطوِّل عليكَ، قيلَ : ما هُما؟ قالَ : تَحْمِلُ ما تَكرَهُ إذا أحَبَّهُ اللهُ، وتَتْرُكُ ما تُحِبُّ إذا كَرِهَهُ الله (٤) . وقالَ مُحمَّدُ بنُ مُطَرِّف، حدَّثنا أبو حازم قالَ : لا يُحسِنُ عَبدٌ فيما بينَه وبينَ الله ، إِلاَّ أَحْسَنَ ما بَينَه وبينَ العِباد ، ولا يُعوِّرُ ما بَينَه وبينَ الله إلاَّ عوَّر فيما بينَه وبينَ العِباد(٥) . وقالَ أيضاً : لَمُصانَعَةُ وَجْه واحدٍ أيْسَرُ من مُصَانَعَةِ الوُجُوهِ كلِّها إِنَّكَ إذا صانَعْتَه مَالَت الوُجُوهُ كلُّها إليكَ، وإذا اسْتَفْسَدتَ ما بينَه، شَنِتَتْكَ الوُجُوهُ كلُّها (٦). انظر السير: ( أبو حَفْص النَّسابوريُّ) ٥١٠/١٢-٥١٣، وانظر النزهة: ٤/١٠٢٥. (١) (٢) العَقبُ هنا : النّعْل ، على سَبيل المجاز انظر السير: ( إبراهيمُ الحَرْبيّ) ٣٥٦/١٣-٣٧٢، وانظر النزهة: ١/١٠٩٥. (٣) (٤) انظر السير: ( أبو حازم) ٩٦/٦ - ١٠٣، وانظر النزهة: ٨/٦٣٦. (٥) انظر السير: (أبو حازم) ٩٦/٦-١٠٣، وانظر النزهة: ٦٣٧ /٧. (٦) انظر السير: (أبو حازم) ٩٦/٦-١٠٣، وانظر النزهة: ٨/٦٣٧. ٤٧٣ ١٤ - الافْتِقَارُ إليه سُبْحانَه : قالَ أبو حَفْص النِّيسابُوري: أحْسَنُ ما يَتَوَسَّلُ به العَبدُ إلى مَوْلاه الافْتِقِارُ إليه ومُلازَمَةُ السُّنَّةَ، وطَلبُ القُوتِ من حِلُّه . تُوفِّيَ الأستاذُ أبو حَفْص النِّيسابوري سَنةَ أرْبَع وستِينَ ومئتَين، رحمَةُ الله عليه(١). ١٥ - رِضَا الله غَايَة : عن مُحمَّدٍ بنِ وَاسِع قالَ: طُوبَى لِمَنْ وَجدَ عَشاءً، ولَمْ يَجِدْ غَداءً، ووَجَدَ غَداءً ولَمْ يَجِدْ عَشاءَ ، واللهُ عَنه رَاضٍ (٢) . وعن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قال : احْذَرْ سَخَطَ الله في ثَلاثٍ : احْذَرْ أنْ تُقَصِّرَ فيما أَمَرَك، واحْذَرْ أنْ يَراكَ وأنتَ لا تَرْضَى بما قَسَمَ لك، وأنْ تَطْلُبَ شَيئاً من الدُّنيا فلا تَجِدُه، أنْ تَسْخَطَ علىْ رَبِّك(٣). ١٦ - عَوْنُهُ سُبْحانَه للعَبد وتَوْفيقِه : قالَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله: إنَّما وَجدتُ العَبدَ مُلقَىُ بينَ رَبِّه وبينَ الشَّيطانِ ، فإنْ اسْتَشْلاهُ رَبُّه وَاسْتَنْقَذَهُ نَجَا، وإنْ تَرَكَه والشَّيطَانَ ذَهبَ به (٤) . وقالَ مُطَرِّفُ: لَوْ أُخرِجَ قَلبي فجُعلَ في يَساري وجيءَ بالخَيرِ ، فَجُعلَ في يَميني ما اسْتَطعتُ أنْ أُولِجَ قَلبي منه شيئاً حتَّى يَكونَ اللهُ يَضعُهُ(٥) . وقالَ الوَخْشِيُّ يوماً : رَحلتُ ، وقاسَيتُ الذُّلَّ والْمَشَاقَّ، ورَجَعتُ إلى وَخْشَ وما عَرَفَ أحَدٌ قَدْري ، فقُلتُ : أمُوتُ ولا يَتْتَشِرُ ذِكْري ، ولا يَتَرَخَّمُ أحدٌ عليَّ ، فسَهَّلَ اللهُ، ووَفَّقَ نِظامَ الْمُلكِ حَتَّى بَنَى هذه المدرَسَةَ وأجْلَسَني فيها أُحَدِّث ، لقد انظر السير: ( أبو حَفْص النّسابوريُّ) ٥١٠/١٢-٥١٣، وانظر النزهة: ١/١٠٢٦. (١) (٢) انظر السير: ( محمَّدُ بنُ واسع) ١١٩/٦ -١٢٣، وانظر النزهة : ٤/٦٣٨. انظر السير: ( سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ١/٦٩٧ . (٣) انظر السير: ( مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله) ٤/ ١٨٧ - ١٩٥، وانظر النزهة : ٥/٤٧٥ . (٤) (٥) انظر السير: (مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله) ١٨٧/٤ - ١٩٥، وانظر النزهة: ٦/٤٧٥. ٤٧٤ كُنتُ بعَسْقَلانَ أسْمَعُ من ابنِ مُصَحِّح ، وبقيتُ أياماً بلا أكْل ، فقَعدتُ بقُربٍ خَبَّاز لأشَمَّ رَائحَةَ الخُبِزِ وَأَتَقَوَّى بها(١). ١٧ - حُبُّه سُبْحانَه : قالَ إبراهيمُ بنُ الأَشْعَثْ : سَمعتُ الفُضَيْلَ يَقولُ في مَرضِه : ارْحَمني بحُبِّي إِيَّاكَ فَلَيسَ شَيءٌ أَحَبَّ إليَّ منْكَ(٢). ١٨ - رُؤْيَةُ المُسَبِّب ومُراعَاةُ الأسباب : قالَ الكَثَّانِيُّ : سَمعتُ أبا سَعيد الخَرَّازَ يَقولُ: مَنْ ظَنَّ أنَّه يَصِلُ بِغَيرِ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فهو مُتَمَّنِّي، ومَنْ ظَنَّ أنَّه يَصِلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فهو مُتَعَنِّي (٣) . وقالَ بُنَانُ الحَمَّالُ : رُؤيَةُ الأسْبابِ على الدَّوامِ قاطِعَةٌ عن مُشاهَدَة الْمُسَبِّب ، والإعْراضُ عن الأسْبابِ جُملَةً يُؤدِّي بصاحبِه إلى رُكُوبِ الباطِل (٤) . ١٩ - مُتَفَرِّقَات في العَلَاقَة مع الله : عن مَعْروفِ الكَرْخِيِّ، قالَ: مَنْ كَابَرَ اللهَ، صَرَعَه ، ومَنْ نازَعَه ، قَمَعَه ، ومَنْ مَاكَرَه خَدَعَه، ومَنْ تَوَّلَ عليه مَنَعَه، ومَنْ تَواضَعَ له ، رَفَعَه ، كَلامُ العَبدِ فيما لا يعنيه خُذْلانٌ من الله(٥) . وعن أحمدَ بنِ أبي الحَواريِّ، قالَ : كُنتُ أسْمَعُ وَكيعاً يَبْتَدِىءُ قبلَ أنْ يُحدِّثَ فيَقُولُ: ما هُنالكَ إلاَّ عَفوُه، ولا نَعيشُ إلاَّ في سِتْرِهِ ، ولَوْ كَشَفَ الغِطاءَ لكَشَفَ عن أمْرٍ عَظيمٍ (٦) . (١) انظر السير: (الوَخْشيُّ) ١٨/ ٣٦٥-٣٦٧، وانظر النزهة: ١/١٤٢٣. (٢) انظر السير: (الفَضَيْلُ بنُ عِياض) ٨/ ٤٢١-٤٤٢، وانظر النزهة: ١/٧٧٨. (٣) انظر السير: ( الخَرَّاز) ٤١٩/١٣ -٤٢٢، وانظر النزهة : ٤/١٠٩٧ . انظر السير: (بُنَانُ الحَمَّال) ٤٨٨/١٤-٤٩٠، وانظر النزهة: ٣/١١٦٩. (٤) انظر السير: (مَعْروف الكَرْخِيّ) ٣٣٩/٩ -٣٤٥، وانظر النزهة : ٨/٨٢٦. (٥) (٦) انظر السير: ( أحمَدُ بنُ أبي الحَواريِّ) ١٢/ ٩٤٨٥، وانظر النزهة: ٢/٩٨٧. ٤٧٥ وعن ابنِ سَمْعُونَ ، أنَّه سَمِعَ البَرْبَهاريَّ يَقولُ : رَأيتُ بالشَّامِ رَاهِباً في صَوْمَعَة حَولَه رُهْبَانٌ يَتَمَسَّحونَ بِالصَّوْمَعَة، فَقُلتُ لِحَدَثٍ منهم: بأيِّ شَيءٍ أُعْطِيَ هُذا؟ قالَ : سُبْحَانَ الله مَتَى رَأيتَ اللهَ يُعطِي شَيئاً على شَيءٍ ؟ قُلتُ : هذا يَحتاجُ إلى إيضاح ، فقد يُعْطي اللهُ عَبدَه بِلا شَيءٍ، وقد يُعطيه علىُ شَيءٍ، لكنَّ الشَّيءَ الذي يُعطيه اللهُ عَبَدَه ، ثم يُثِيبُهُ عَليه هو منه أيضاً قالَ تَعالَى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَاً أَنْ هَدَ نَا اللَّهُ﴾(١) . عاشَ البَرْبَهارُّ سَبْعاً وسَبعينَ سَنةً، وكانَ في آخِرِ عُمرِه قد تَزَوَّجَ بجاريَةٍ(٢). (١) سورة الأعراف، الآية : ٤٣ . (٢) انظر السير: (البَرْبَهاريُّ) ٩٠/١٥-٩٣، وانظر النزهة: ٣/١١٨٦. ٤٧٦ من مَظَاهِرِ حُسْنِ العَلَاقَة مع الله ١ - الاسْتِشْقَاء صُوَرٌ من اسْتِشْقاء الصَّالحين : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ العَبَّاسِ بنِ عبدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم : وثَبتَ من حَديثِ أنَس: أنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى فقالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إذا قَحطْنا على عَهدِ نَبَيِّك تَوَسَّلنا به ، وإنا نَسْتَسْقِي إليكَ بعَمِّ نَبِيِّكَ العَبَّاسِ. وفي ذلك يَقولُ عَبَّاسُ بنُ عُقْبَة بنِ أبِي لَهَبٍ(١) : عشيةَ يستسقي بشيبتهِ عمر بعمي سقى اللهُ الحجازَ وأهلَهُ إليه فما إِنْ رامَ حتى أتى المطر توجَّهَ بالعباسِ في الجَذْبِ راغباً فهلْ فوقَ هذا للمُفاخِرِ مفتَخَر ومِنّا رسولُ اللهِ فينا تراثُهُ وعن ثابِتِ البُنَانِيِّ قالَ: جاءَ قَيِّمُ أرضٍ أَنَسِ بنِ مَالِك فقالَ: عَطِشَتْ أرْضُوكَ ، فَتَردَّى أنَسٌ ، ثم خَرجَ إلى البَرِيَّة، ثم صَلَّى، ودَعَا، فثارَت سَحابَةٌ ، وَغَشِيَتْ أرضَه ومَطَرَت ، حتَّى مَلأت صِهْرِيجَه وذلك في الصَّيفِ ، فَأرْسَلَ بَعضَ أهلِهِ ، فقالَ : انْظُرْ أينَ بَلغَت؟ فإذا هي لَمْ تَعدُ أرْضَه إلاَّ يَسيراً(٢). عن سُلَيمٍ بنِ عامِرِ قالَ : خَرجَ مُعاويَةُ يَسْتَسْقِي ، فلمَّا قَعدَ على الْمِنْبَرِ ، قالَ : أينَ يَزِيدُ بنُ الأسْوَد؟ فنادَاهُ النَّاسُ، فأقْبَلَ يَتَخَطَّاهم فأمَرَهُ مُعاويَةُ، فصَعدَ الْمِنبَرَ ، فقالَ مُعاويَةُ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَستَشِفِعُ إليكَ بِخَيرِنا وأفْضَلِنا يَزِيدِ بنِ الأسْوَدِ ، يا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيكَ إلى الله ، فَرَفَعَ يَدَيه ورَفَعَ النَّاسُ فمَا كانَ بأوْشَك مِنْ أنْ ثارَت سَحابَةٌ كالثُّرسِ ، وهَبَّت رِيحٌ فسُقِينَا حَتَّى كادَ النَّاسُ أنْ لا يَبلُغُوا مَنازِلَهم(٣). (١) انظر السير: (العَبَّاس) ٧٨/٢ -١٠٣، وانظر النزهة: ١/٢٢٣. (٢) انظر السير: (أنَسُ بنُ مَالِك) ٣٩٥/٣ -٤٠٦، وانظر النزهة: ١/٤٠١. (٣) انظر السير: (الجُرَشيُّ) ١٣٦/٤-١٣٧، وانظر النزهة: ٣/٤٦٢. ٤٧٧ وقالَ الأَوْزاعِيُّ: خَرَجوا يَسْتَسْقُونَ بِدِمَشْقَ ، وفيهم بِلالُ بنُ سَعْد ، فقامَ فقالَ : يا مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَا الَسْتُم مُقرِّينَ بالإساءَة؟ قُلنا: نَعَم ، قالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلتَ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾(١) وقد أقْرَرْنا بالإساَءَة، فَاعْفُ عَنَّا واسْقِنَا قالَ : فسُقِينَا يَومَئذ(٢) . وقالَ ابنُ الْمُنْكَدِر : إنِّي لَلَيلَةٌ مُواجِهٌ هذا الْمِنْبَ في جَوفِ اللَّيْلِ أدْعُو ، إذا إنْسَانٌ عندَ أسْطُوانَةٍ مُقَنِّعٌ رَأْسَه ، فأسْمَعُه يَقولُ : أي رَبِّ إنَّ القَحْطَ قد اشْتَدَّ على عِبادِك ، وإِنِّي مُقسِمٌ عَليكَ يا رَبِّ إلاَّ سَقَيْتَهم، قالَ: فما كانَ إلاَّ ساعَةً إذا سَحابَةٌ قد أقْبَلت ، ثم أرْسَلَها اللهُ، وكانَ عَزِيزاً على ابنِ الْمُنْكَدِرِ أنْ يَخْفَى عليه أحَدٌ من أُهِلِ الخَيرِ ، فقالَ: هذا بالْمَدينَةِ ولا أعْرِفُه !! فلمَّا سَلَّمَ الإمامُ ، تَقَنَّعَ وانْصَرَف، وأَتْبَعَه ، ولَمْ يَجلِسْ للقَاص حتَّى أَتَّى دَارَ أَنَسٍ، فَدَخلَ مَوْضِعاً ، ففَتَحَ ودَخلَ قالَ : ورَجَعتُ ، فلمَّا سَبَّحتُ أتَيْتُه فَقُلتُ : أدْخُلُ ؟ قالَ : ادْخُل فإذا هو يَنجِرُ أقْداحاً، فقُلتُ: كَيفَ أصْبَحتَ ؟ أصْلَحَكَ اللهُ، قالَ: فاسْتَشْهَرَهَا وأعْظَمَهَا مِنِّي ، فلمَّا رَأيتُ ذلكَ ، قُلتُ : إِنِّي سَمعتُ إقْسَامَكَ البَارِحَة على الله ، يا أخي هَلْ لكَ فِي نَفَقَةٍ تُغنيكَ عن هذا ، وتُفَرِّغُكَ لِمَا تُريدُ من الآَخِرَةِ، قالَ : لا ، ولَكِنْ غيرُ ذلكَ، لا تَذْكُرْنِي لِأحَدٍ ، ولا تَذْكُرْ هذا لأحَدٍ حَتَّى أمُوتَ، ولا تَأْتِي يا ابنَ الْمُنْكَدِر ، فإنَّك إنْ تَأْتِي شَهَرْتَنِي للنَّاسِ ، فقُلتُ : إِنِّي أُحِبُّ أنْ أَلْقَاكَ، قَالَ : الْقَنِي فِي الْمَسجِدِ ، قالَ : وكانَ فارسياً ، فمَا ذَكرَ ذلكَ ابنُ الْمُنْكَدِر لأحَدٍ حتَّى ماتَ الرَّجُلُ قالَ ابنُ وَهْبٍ : بَلغَني أنَّه انْتُقلَ من تِلكَ الدَّارِ ، فَلَمْ يُرَ ، ولَمْ يُدْرَ أينَ ذَهَبَ فقالَ أهْلُ تِلكَ الدَّار: اللهُ بَيْنَا وبينَ ابنِ الْمُنْكَدِر ، أخْرَجَ عَنَّا الرجُلَ الصَّالِحِ(٣) . وكان أيُّوب السَّخْتياني في طَريقِ مكّة ، فأصابَ الناسَ عَطَشٌ شَديدٌ حتّى خافُوا فقال أيُّوبُ: أَتْكتُمونَ عليَّ؟ قالوا: نَعَم فدوَّرَ رِداءَه ودَعا، فَنَبَعَ الماءُ ، وسَقوا (١) سورة التوبة ، الآية : ٩١ . (٢) انظر السير: (بلالُ بنُ سَعْد) ٩٠/٥ -٩٢، وانظر النزهة: ٥/٥٨٤. (٣) انظر السير: ( مَحمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٤/٦٠٨. ٤٧٨ الجِمالَ ، ورَوَوا ، ثم أمرَّ يَدَه على المَوْضِع فصار كما كان. قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : انَّفَقوا على أنَّه تُوفِّيَ سَنةً إِحْدَى وَثَلاثينَ ومئة بالبَصْرَةِ زَمَنَ الطَّاعُونِ وله ثَلاثٌ وسِكُونَ سَنةً(١) . قالَ ابنُ مَسْروق: حدَّثنا يَعقوبُ ابنُ أخي مَعْروفِ الكَرْخِيِّ ، أنَّ مَعْروفاً اسْتَسقى لهم في يَومٍ حارٌّ، فما اسْتَتَّقُوا رَفعَ ثِياِبِهِم حتَّى مُطِرُوا . وقد استُجِيبَ دُعاءُ مَعْروفٍ فِي غَيرِ قَضِيَّة، وأفْرَدَ الإمامُ أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزيّ مَنَاقِبَ مَعْروفٍ في أرْبَعَةِ كَراريسَ (٢) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أحمدَ بنِ حَرْب : وقيلَ إنَّه استَسْقَى لهم بِبُخَارَىُ، فما انْصَرَفوا إلاَّ يَخوضونَ فِي الْمَطَرِ رَحمَةُ الله عليه ماتَ سَنةً أرْبَع وثَلاثينَ ومئتين ، وقد قارَبَ السِّينَ(٣). وقالَ أبو عَليِّ الغَسَّانِيُّ: أخْبَرَنا أبو الفَتْحِ نَصْرُ بنُ الحَسَن السكتيُّ السَّمَرْ قَندِيُّ ، قالَ : قَحطَ الْمَطَرُّ عندَنا بسَمَرْقَنْدَ في بَعضِ الأعْوَامِ ، فاسْتَسْقَى النَّاسُ مِراراً، فَلَمْ يُسْقَوا، فَأَتَى رَجلٌ صالِحٌ مَعرُوفٌ بالصَّلاحِ إلى قاضي سَمَرْقَنْدَ ، فقالَ له : إنِّي رَأيتُ رأياً أعْرِضُه عَليكَ قالَ: وما هو ؟ قالَ: أَرَى أنْ تَخْرُجَ ويَخرُجَ النَّاسُ مَعَكَ إلىُ قَبْرِ الإمامِ مُحمَّدٍ بنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيّ، وقَبْرُه بخَرْتَنْكَ ونَسْتَسْقِي عندَه، فَعَسَى اللهُ أنْ يَسْقِيَنا ، قالَ : فقالَ القاضي: نِعْمَ ما رَأْيتَ! فَخَرَجَ القاضي والنَّاسُ معه، واسْتَسْقَى القاضي بالنَّاسِ، وبَكَى النَّاسُ عندَ القَبرِ، وتَشَفَّعُوا بصاحِبِه، فَأرْسَلَ اللهُ تَعَالَى السَّماءَ بِمَاءٍ عَظيمٍ غَزِيرٍ ، أقامَ النَّاسُ من أجلِه بخَرْتَنْكَ سَبعَةَ أَّامٍ أو نَحْوَها ، لا يَستَطيعُ أحَدٌ الوُصُولَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ مِن كَثْرَةِ الْمَطَرِ وغَزَارَتِهِ ، وبينَ خَرْتَنْكَ وسَمَرْقَنْدَ نَحوَ ثَلاثَةٍ أمْيَال (٤) . (١) انظر السير: (أَيُّوبُ السَّخْتِيانيُّ) ١٥/٦-٢٦، وانظر النزهة: ١٣/٦٢٦. (٢) انظر السير: ( مَعْروف الكَرْخِيّ) ٣٣٩/٩ -٣٤٥، وانظر النزهة : ١/٨٢٧. (٣) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَرْب) ١١/ ٣٢ -٣٥، وانظر النزهة : ٥/٩٠٦. انظر السير: (أبو عبد الله البُخاريُّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠٢١. (٤) ٤٧٩ وقالَ الحَسَنُ بنُ مُحمَّد: قَحَطَ النَّاسُ في بَعضِ السُّنينَ آخِرَ مُدَّة النَّاصِر، فأمَرَ القاضي مُنْذِرَ بنَ سَعيد بالبُرُوزِ إلى الاسْتِسْقاءِ بِالنَّاسِ ، فصَامَ أيَاماً وتَأَهَّبَ ، واجْتَمعَ الخَلقُ في مُصَلَّى الرَّبَضِ وصَعَدَ النَّاصِرُ في أعْلَى قَصْرِهِ لِيُشَاهِدَ الجَمْعَ ، فَأَبْطَأْ مُنْذِرٌ ثم خَرجَ راحِلاً مُتَخَشِّعاً ، وقامَ لِيَخْطُبَ فلمَّا رَأى الحَالَ بَكَىُ ونَشَجَ وافْتَتَحَ خُطبَتَه بأنْ قالَ : سَلامٌ عَليكم، ثم سَكتَ شِبهَ الحَسيرِ ، ولَمْ يَكُنْ من عادَتِهِ ، فَنَظَرَ النَّاسُ بَعضُهُم إلىْ بَعضٍ لا يَدْرُونَ ما عَرَاهُ ، ثم انْدَفَعَ فقالَ: سَلامٌ عَليكم ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ (١) اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم وَتُوبُوا إليه، وتَقَرَّبوا بالأعْمَالِ الصَّالِحَة لَدَيه، فضَجَّ النَّاسُ بالبُّكَاءِ، وجَأْرُوا بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ وخَطَبَ فأبْلَغَ ، فَلَمْ يَنفَضَّ القَومُ حتَّى نَزَلَ غَيْثٌ عَظيمٌ(٢) . واسْتَسْقَىْ مُنْذِرُ بنُ سَعيد مرَّةً، فقالَ يَهْتِفُ بالخَلقِ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾(٣) فهيَّجَ الخَلقَ على البُكاءِ (٤). وقالَ الحَسَنُ بنُ مُحمَّد: وسَمعتُ مَنْ يَذْكُرُ أنَّ رَسُولَ النَّاسِ جاءَه للاسْتِسْقاءِ ، فقالَ لِلرَّسُولِ : ها أنا سائرٌ، فَلَيْتَ شِعْري ما الذي يَصْنَعُه الخَلِيفَةُ فِي يَوْمِنا هذا؟ فقالَ: ما رَأيْتُه قَطُّ أَخْشَعَ منه في يَومِه هذا، إنَّه مُنْفَرِدٌ بِنَفسِه، لابِسٌّ أخْشَنَ الثُّيابِ ، مُفْتَرشٌ الثُّرابَ ، قد عَلَا نَحيبُهُ واعْتِرافُه بِذُنُوبِه ، يَقُولُ: رَبِّ هذه ناصِيَتَي بيَدِك ، أَتُرَاكَ تُعَذِّبُ الرَّعيَّةَ، وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأعْدَلُهم ، أنْ يَفُوتُك مِنِّي شَيءٌ، فَتَهَلَّلَ مُنْذِرُ بنُ سَعيد، وقالَ: يا غُلامُ احْمِلْ الْمِمْطَرَةَ مَعَك، إذا خَشَعَ جَبَّارُ الأَرْضِ رَحِمَ جَبَّارُ السَّماءِ(٥). (٢) انظر السير: (مُنذرُ بنُ سَعيد) ١٧٣/١٦ -١٧٨، وانظر النزهة: ٣/١٢٧٨. (١) سورة الأنعام ، الآية : ٥٤ . (٣) سورة فاطر ، الايتان : ١٥، ١٦ . انظر السير: ( مُنْذِرُ بنُ سَعيد) ١٧٣/١٦ - ١٧٨، وانظر النزهة: ١/١٢٧٩. (٤) (٥) انظر السير: ( مُنْذِرُ بنُ سَعيد) ١٧٣/١٦ -١٧٨، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٩. ٤٨٠