النص المفهرس
صفحات 441-460
وقالَ بِلالُ بنُ سَعْد : وُشِيَ بعامِرِ بنِ عبدِ قَيْس إلى زِيادٍ ، فقالوا : ها هُنا رَجلٌ قيلَ له : ما إِبْراهِيمُ عليه السلام خَيراً مِنْكَ فسَكَتَ ، وقد تَرَكَ النِّساءَ . فكَتبَ فيه إلى عُثْمانَ، فَكَتبَ إليه: انْفِه إلى الشَّام علىُ قَتَبٍ(١) فلمَّا جاءَه الكِتابُ ، أَرْسَلَ إلى عامِر ، فقالَ: أنتَ قيلَ لكَ: ما إبْراهِيمُ عليه السلام خَيراً مِنْكَ فسَكَتَّ؟ قالَ : أما والله ما سُكُوتي إلاَّ تَعَجُّبٌ ، ولَوَدِدْتُ أنِّي غُبارُ قَدَمَيْه قالَ : وتَرَكْتَ النِّساءَ؟ قالَ : والله ما تَرَكْتُهنَّ إلاَّ أنِّي قد عَلمتُ أنَّه يَجيءُ الوَلدُ وتشَعَّبُ في الدُّنيا ، فَأحْبَيْتُ التَّخَلِّي . فأجْلاهُ علىْ قَتَبٍ إلى الشَّام ، فَأَنْزَلَه مُعاويَةُ مَعه في الخَضْراءِ(٢) وبَعثَ إليه بجَارِيَةٍ ، وأمَرَها أنْ تُعْلِمَه ما حَالُه فكانَ يَخرُجُ من السَّحَر ، فلا تَراهُ إلَّ بَعدَ العَثْمَة فيَبعَثُ مُعاويَةٌ إليه بطَعَامِ ، فلا يَعْرِضُ له ، ويَجيءُ بِكِسَرٍ ، فَبلُها ويَأْكُلُ، ثم يَقومُ إلى أنْ يَسمَعَ النِّدَاءَ فَيَخْرُجُ ، فَكتَبَ مُعاويَةُ إلىْ عُثْمانَ يَذْكُرُ حالَه ، فَكَتبَ : اجْعَلْهُ أوَّلَ داخِلٍ وَآخِرَ خارجٍ ، ومُرْ له بعَشرَةٍ من الرَّقيقِ ، وعَشرَةٍ من الظَّهْرِ، فَأحْضَرَه وأخْبَرَه قالَ : إنَّ عَليَّ شَيْطاناً قد غَلِبَنِي ، فَكَيفَ أجْمَعُ عَلَيَّ عَشرَةً وكانَت له بَغْلَةٌ (٣) . ٦ - حُبُّ الدُّنْيا والسُّرورُ بها : عن وَهْبٍ بنِ مُنَبِّه، أنَّ عِيسَى عليه السلام قالَ لِلحَوارِّينَ: أَشَدُّكم جَزَعاً على الْمُصيبة، أشَدُّكم حُبَّاً للدُّنيا (٤). وعن سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ: مَنْ سُرَّ بالدُّنيا ، نُزِعَ خَوفُ الآخِرَةِ من قَلِبِهِ (٥) . وعن سُحْنُونَ قالَ : مُحِبُّ الدُّنيا أعْمَىْ ، لَمْ يُنَوِّرْهُ العِلمُ(٦). القَتَب : الرحل الصغير على قدر سَنامِ البَعير . (١) (٢) الخَضْراء: هي دار الإمارَة بدِمَشْقَ، بناها مُعاويَةٍ . (٣) انظر السير: (عامِرُ بنُ عَبد قَيْس) ١٥/٤-١٩، وانظر النزهة: ٢/٤٣٣. (٤) انظر السير: (وَهْبُ بنُ مُنَبِّه) ٥٤٤/٤ -٥٥٧، وانظر النزهة: ١٠/٥٥٤. (٥) انظر السير: (سُفْيانُ الثَّوريُّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ١/٦٩٩. (٦) انظر السير: (سُخْنُون) ١٢/ ٦٣ -٦٩، وانظر النزهة: ٩/٩٨٢. ٤٤١ قالَ أحمَدُ بنُ أبي الحَواريِّ: مَنْ نَظَرَ إلى الدُّنيا نَظَرَ إرادَةٍ وحُبٍّ ، أخْرَجَ اللهُ نُورَ اليقينِ والزُّهْدِ من قَلْبِهِ(١) . ومن كَلامِ أبي عُثْمانَ الحِيري : سُرُورُكَ بالدُّنيا أَذْهَبَ سُرُورُكَ بالله عن قَلبك(٢). ٧ - تَقْدِيمُ أمْر الآخِرَة على أمُور الدُّنْيا : قالَ ابنُ بَشْكُوالَ : كانَ الطُّرْطُوشِيُّ إماماً عالِماً، زَاهِداً وَرِعاً، دَيِّناً مُتَواضِعاً مُتَقَشِّفاً مُتَقَلِّلاً من الدُّنيا ، راضياً باليَسيرِ أخْبَرَنا عنه القاضي أبو بكر ابنُ العَرَبي ، ووَصَفَه بالعِلمِ ، والفَضْلِ ، والزُّهْدِ ، والإِقْبَالِ على ما يَعنيهِ قالَ لي: إذا عَرَضَ لك أمْرُ دُنيا وأمْرُ آخِرَة، فَبَادِرْ بأمْرِ الآخِرَةِ يَحْصُلْ لَكَ أمْرُ الدُّنيا والأُخْرَى . وقالَ إِبْراهيمُ بنُ مَهْدي : كانَ شَيخُنا أبو بكر زُهْدُه وعِبادَتُه أكثرُ من عِلمِه ، وحَگی بَعضُ العُلماء أنَّ أبا بكر الطُّرْطُوشِيُّ أنْجبَ عليه نحوٌ من مِئْتَي فَقيهِ مُفتي(٣) . ٨- قَولٌ بَليغٌ في تَرْكِ الدُّنْيا : عن الْمُحاسَبِيِّ قالَ: تَرِكُ الدُّنيا مع ذِكْرِها صِفَةُ الزَّاهِدِينَ ، وتَرْكُها مع نِسْيانِها صِفَةُ العارفين .(٤) ٩ - اسْتِواءُ الدُّنْيا في أعْيُن الصَّالحين : عن الرِّفاعيِّ أنَّه قالَ: لَوْ أنَّ عن يَمِيني جَماعَةً يُرَوِّحُوني بمَراوحِ النَّدِّ والطِّيبِ وهم أقْرَبُ النَّاسِ إليَّ، وعن يَسَاري مِثْلَهم يَقْرِضُونَ لَحْمِي بِمَقَارِيضَ وهم أبْغَضُ النَّاسِ إليَّ، ما زَادَ هَؤُلاءِ عِندِي، ولا نَقُصَ هَؤُلاءِ عِندِي بِمَا فَعَلوهُ، ثم تَلا: ﴿لِكَيْلًا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنكُمْ﴾ (٥) ، (٦) . (١) انظر السير: (أحمَدُ بنُ أبي الحَواريِّ) ٩٤٨٥/١٢، وانظر النزهة: ٥/٩٨٥ . (٢) انظر السير: ( أبو عُثمان الحِيري) ١٤ / ٦٢ - ٦٦، وانظر النزهة: ١/١١٣١. (٣) انظر السير: (الطّرْطَوشيُّ) ٤٩٠/١٩-٤٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٥٠٠. انظر السير: (الْمُحاسَبيُّ) ١١٠/١٢-١١٢، وانظر النزهة : ٤/٩٨٨. (٤) سورة الحديد ، الآية : ٢٣ . (٥) (٦) انظر السير: (الرِّفاعِيُّ) ٧٧/٢١ - ٨٠، وانظر النزهة: ٥/١٦٠١ ٤٤٢ ١٠ - أخْبارٌ تُحَذِّرُ من الاغْتِرار بالدُّنْيا : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ البَرْمَكيِّ : كانَ خالدٌ من رِجالِ العِلمِ ، تَوَصَّلَ إلى أعْلَى الْمَراتِبِ في دَولَةٍ أبي جَعْفَر ، ثم كانَ ابنُهُ يَحْيَى كامِلَ السُّؤْدُدِ ، جَليلَ الْمِقْدَارِ ، بِحَيثُ إنَّ الْمَهْدِيَّ ضَمَّ إليه وَلدَهُ الرَّشِيدَ، فَأحْسَنَ تَربيتَه وأَّبَه ، فلمَّا أفْضَتِ الخِلافَةُ إلى الرَّشِيدِ ، رَدَّ إلى يَحْيَى مَقاليدَ الأمُورِ ، وَرَفَعَ مَحلَّه ، وكانَ يُخاطِبُه يا أبي ، فكان من أعْظَم الوُزَراءِ ، ونَشْأ له أوْلادٌ صَارُوا مُلُوكاً ، ولا سِيَّما جَعْفَر ، وما أدْراكَ ما جَعْفَر؟ له نَبأُ عَجيبٌ ، وشَأنٌ غَرِيبٌ ، بَقِيَ في الارْتِقَاءِ فِي رُتِبَةٍ ، شَرَكَ الخَلِيفَةَ في أمْوالِهِ ولَذَّاتِهِ وتَصرُّفِه في الْمَمَالِك ، ثم انْقَلبَ الدَّسْتُ في يَومٍ فقُتلَ، وسُجنَ أَبُوهُ وإِخْوَتُه إلى الْمَمَاتِ، فما أجْهَلَ مَنْ يَغْتَرُّ بالدُّنيا !! (١) . وقالَ الأصْمَعِيُّ : سَمعتُ يَحْيَى بنَ خالد يَقولُ: الدُّنيا دُوَلٌ، والْمَالُ عَارِيَةٌ، ولَنَا بِمَنْ قَبَلَنا أُسْوَةٌ ، وفينا لِمَنْ بَعدَنَا عِبْرَةٌ (٢) . قيلَ: إنَّ ولداً لِيَحْبَى قالَ له وهُم في القُيُودِ : يا أبَتِ بَعدَ الأمْرِ والنَّهي والأمْوَالِ صِرْنا إلى هَذا؟ قالَ: يا بُبَيَّ دَعْوَةُ مَظْلُومٍ غَفَلْنا عنها لَمْ يَغْفُلِ اللهُ عنها . ماتَ يَحْبَى مَسْجوناً بالرَّقَّة سَنةَ تِسْعينَ ومئة عن سَبعينَ سَنةً(٣). فأمَّا جَعْفَرٌ ، فكانَ من مِلاحِ زَمانِه ، كانَ وَسيماً أبيَضَ جَميلاً فَصيحاً مُفوَّهاً ، أديباً ، عَذْبَ العِبَارَة ، حاتِمِيَّ السَّخاءِ ، وكانَ لَغَّاباً غارِقاً في لَذَّاتِ دُنياه ، وَلِيَ نيابَةً دِمَشْقَ ، فَقَدِمَها في سَنةِ ثَمانينَ ومئة، فكانَ يَسْتَخْلِفُ عليها ، ويُلازِمُ هارُونَ ، وكانَ يَقولُ : إذا أقْبَلت الدُّنيا عَليكَ، فَأَعْطِ، فإنَّها لا تَفْنَى، وإذا أدْبَرَت ، فأعْطِ فإِنَّها لا تَبْقَىُ . وقد اخْتُلِفَ في سَبَبِ مَصْرَعْ جَعْفَرٍ على أقْوالٍ (٤). (١) انظر السير: ( البَرْمَكِيُّ) ٩/ ٥٩-٧١، وانظر النزهة: ٢/٧٩٧. (٢) انظر السير: ( البَرْمَكِيُّ) ٥٩/٩-٧١، وانظر النزهة: ٣/٧٩٧. انظر السير: ( البَرْمَكِيُّ) ٩/ ٥٩-٧١، وانظر النزهة : ٤/٧٩٧. (٣) (٤) انظر السير: ( البَرْمَكِيُّ) ٩/ ٥٩-٧١، وانظر النزهة : ١/٧٩٨. ٤٤٣ وسُئلَ سَعِيدُ بنُ سَالِمٍ عن ذَنْبِ الْبَرَامِكَة ، فقالَ: ما كانَ منهم بَعضُ ما يُوجِبُ ما فَعَلَ الرَّشيدُ ، لكنْ طَالَتْ أَيَّامُهُم، وكُلُّ طَويلٍ يُمَلُّ(١) . وفي تاريخِ ابنِ خَلِّكانَ: أنَّ الرَّشيدَ دَعا ياسِراً غُلامَه ، فقالَ: قد انْتُخَبْتُكَ لأمرٍ لَمْ أَرَلَه الأمينَ ولا الْمَأْمُونَ ، فَحَقِّقْ ظَنِّي قالَ : لَوْ أمَرتَنِي بقَتلِ نَفَسي ، لَفَعلتُ قالَ : ائْتِنِي برأسٍ جَعْفَر ، فَوَجَمَ لها، قالَ : وَيْلَكَ مَا لَك؟ قالَ: الأمْرُ عَظيمٌ ، لَيْتَنِي مِتُّ قَبَلَ هَذا . قالَ : امْضٍ ، وَيْلَك، فمَضَىْ، فَأَتَى جَعْفَراً، فقالَ: يا ياسِرُ سَرَرْتَنِي بِإِقْبَالِكَ لكن سُؤْتَنِي بِدُخُولِكَ بلا إِذْنٍ قالَ: الأمْرُ وَراءَ ذَلِكَ يا جَعْفَرُ، قد أُمِرِتُ بِكَذَا ، قالَ الْمِسْكِينُ - وأقْبَلَ يُقْبِّلُ قَدَمَه ، وقالَ : دَعْني أدْخُلُ وأُوصِي قالَ : لا سَبيلَ إلى ذلك ، فأوْصِ فقالَ : لي عَليكَ حَقٌّ ، فَارْجِعْ إلى أميرِ الْمُؤمنينَ وقُلْ: قَلْتُه ، فإِنْ نَدِمَ ، كانَتْ حَيَاتِي عَلَى يَدِك قالَ : لا أقْدِرُ، قالَ : فَآَتِي مَعَكَ إلى مُخَيَّمِه وأسْمَعُ كَلامَه ، وقَولَك له قالَ: أَمَّا هذا ، فنَعَم وذَهَبَ به ، فلمَّا دَخَلَ ياسِرٌ، قالَ: ما وَرَاءَك؟ فَذَكَرَ له قَولَ جَعْفَر ، فشَتَمَه، وقالَ: لَئِنْ راجَعْتَني، لأقَدِّمَنَّكَ قَبَلَه فخَرجَ ، وضَرَبَ عُنْقَه ، وأتاهُ برَأسِه ، فقالَ: يا ياسِرُ جِئني، بفُلانٍ وفُلان، فلمَّا أتاهُ بهما ، قالَ : اضْرِبًا عُنُقَه ، فإنِّي لا أقْدِرُ أَرَىُ قاتِلَ جَعْفَر(٢) . ١١ - رُؤى فِي حَال الدُّنْيا : عن العَلاءِ بنِ زِياد قالَ : رَأيتُ النَّاسَ في النَّوْمِ، يَتْبَعونَ شَيئاً فَتَبَعْتُه، فإذا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ هَتْماءُ عَوْراءُ ، عَليها من كُلِّ حِلْيَة وِزِينَة فَقُلتُ : ما أنْتِ ؟ قالَت : أنا الدُّنيا قُلتُ: أسْألُ اللهَ أنْ يُبَغِّضَكِ إليَّ، قالَت: نَعَم، إنْ أَبْغَضْتَ الدَّرَاهِمَ(٣). قالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَة : قالَ لي أبو بكر بنُ عَيَّش : رَأيتُ الدُّنيا في النَّوْمِ عَجُوزاً مُشَوَّهَة (٤) . (١) انظر السير: (البَرْمَكِيُّ) ٥٩/٩-٧١، وانظر النزهة: ٢/٧٩٨. (٢) انظر السير: (البَرْمَكِيُّ) ٥٩/٩-٧١، وانظر النزهة: ٣/٧٩٨. انظر السير: ( العَلاءُ بنُ زياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٣/٤٧٨. (٣) انظر السير: ( أبو بكر بنُ عَيَّاش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة: ٧/٧٨٧. (٤) ٤٤٤ ١٢ - شِعْرٌ في التَّحْذير من الغَفْلَة: ومما روي لعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيز(١) : أَيَقْظَانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ نَائِمُ فَلَوْ كُنْتَ يَفْظَانَ الغَدَاةَ لَخَرَّقَتْ تُسَرُ بِمَا يَبْلَىُ وتَفْرَحُ بِالْمُنى نَهَارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ وسَعْيُكَ فِيمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ومِمَّا كانَ مِسْعَر يُنشِدُه له أو لِغَيرِه (٢): نهاركَ يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ وتَتَعبُ فيما سوفَ تكرهُ غِبَّهُ وكَيْفَ يُطِيقُ النَّوْمَ حَیْرانُ هَائِمُ مَدَامِعَ عَيْنَيْك الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ كَمَا اغْتَرَّ باللذَّاتِ فِي اليَوْمِ حَالِمُ وَلَيْلُكَ نَوْمٌ والَّدَى لَكَ لازِمُ كَذلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعيشُ البَهَائِمُ وليلُك نومٌ والردى لكَ لازِمُ كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ العاضِد العُبَيْدِيّ : وكان وَزِيرَ طَلائع بنِ رُزِّك مَلِيحَ النَّظْمِ، قَويَّ الرَّفْضِ، جَواداً شجاعاً، ينُاظِرُ على الإمامَة والقَدَر ، وعَمِلَ قَبلَ مَوْتِهِ بِثَلاثِ لَيَالٍ : (٣). نحنُ في غفلةٍ ونومٍ وللمو قدْ رَحَلنا إلى الحِمَام سنينا وقالَ الحافِظُ ابنُ عَسَاكِر : أيا نفسُ وَيْحَكِ جاءَ المشيبْ تولى شبابي كأنْ لَمْ يكنْ كأني بنفسي على غِرَّةٍ فيا ليتَ شِعريَ ممَّن أَكونْ تِ عيونٌ يقظانةٌ لا تنامُ ليتَ شِعري متىُ يكونُ الحِمامُ فماذا التصابي وما ذا الغزل وجاءَ مشيبي كأنْ لم يَزَلْ وخطبُ المُنونِ بها قدْ نَزَلْ وما قدَّرَ اللهُ لي في الأزَلْ انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٩١. (١) (٢) انظر السير: (مِسْعَر) ٧/ ١٦٣ -١٧٣، وانظر النزهة: ٦/٦٨٩. (٣) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥ -٢١٥، وانظر النزهة: ١/١٢١٩. ٤٤٥ تُوقِّيَ الحافِظُ ابنُ عَسَاكِرِ سَنَ إحْدَىُ وسَبعينَ وخَمسٍ مئة، وحَضَره السُّلطانُ صَلاحُ الدِّين(١). وقالَ أبو عبدِ الله ابنُ الدُّبَيْنِي في ((تاريخِه)): أنْشَدَني ابنُ الجَوْزِيّ بَوَاسِطَ لِنَفْسِهِ (٢): وانتظرْ يومَ الفراقْ يا ساكنَ الدنيا تأهبْ فسوفَ يُخْدى بالرفاقْ وأعِدَ زاداً للرحيل تَنْهَلُّ من سُخْبِ المآقْ أرضيتَ ما يفنىُ بِباقْ وابك الذنوبَ بأدمعٍ يا مَنْ أضاعَ زَمانَهُ ومن إنْشاءِ ابنِ الدَّمَّان(٣): أيها المغرورُ بِالدنيا انتبه واجتهدْ في نَيَّلِ مُلْكٍ دائمٍ لو عَقَلنا ما ضحكنا لحظةً إنها حالٌ ستفنى وتَحُولْ أيُّ خيرٍ في نعيمٍ سيزولْ غيرَ أنَّا فُقِدَتْ مِنَّا العُقولْ ١٣ - شِعْرٌ في التَّحْذيرِ من الاغْتِرار بالذُّنْيا : قالَ أبو العَتاهِيَة (٤) : في جعفرٍ عِبرةٌ ويحياهُ قولا لمن يرتجي الحياةَ أمَا. رونَ هما ماهما وزيراءُ كانا وزيرَيْ خليفةِ الله ها في حالقٍ رأسَه ونصفاهُ فذلكمْ جَعْفَرٌ بِرُمَّتِهِ نحّاهُ عنْ نفسِهِ وأقصاهُ والشيخُ يحيى الوزيرُ أصبحَ قَدْ فأصبحوا في البلادِ قد تاهوا شِئَّتَ بَعْدَ الجميعِ شملَهُمُ (١) انظر السير: (ابنُ عَساكر) ٢٠/ ٥٥٤ -٥٧١، وانظر النزهة: ٣/١٥٨٥. (٢) انظر السير: ( أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزي) ٣٦٥/٢١ - ٣٨٤، وانظر النزهة: ٧/١٦٣٤. (٣) انظر السير: (ابنُ الدَّهَان) ٨٦/٢٢-٨٩، وانظر النزهة: ٤/١٦٦٧. (٤) انظر السير: (البَرْمَكِيُّ) ٥٩/٩-٧١، وانظر النزهة : ١/٧٩٩. ٤٤٦ كذلكَ من يُسْخِط الإلهَ بما سبحانَ من دانتِ الملوكُ لهُ طوبى لمنْ تابَ قبلَ عثرتِه وقالَ الشَّاعِرُ(١): يُرضي بهِ العبدَ يَجْزِهِ اللهُ نشهدُ أن لا إله إلا هوْ فتابَ قبلَ المتابِ طوباهُ ما الناسُ إلاَّ معَ الدنيا وصاحِبها يعظُّمون أخا الدنيا فإنْ وثبتْ وكيفما انقلبتْ يوماً بهِ انقلبوا يوماً عليهِ بما لا يشتهي وثبوا ١٤ - عِبْرَةٌ وعِظَةٌ فِي حَال الذُّنْيا : قالَ الحاكِمُ: سَمعتُ الأصَمَّ، وقد خَرَجَ ونَحنُ في مَسجِدِه ، وقد امْتَلأت السِّكَّةُ من النَّاسِ سَنَةَ أَرْبَع وأرْبَعينَ وثَلاثِ مئة وكانَ يُمْلِي عَشِيَّة كُلِّ إِثْنَينٍ من أصُولِه فلمَّا نَظَرَ إلىْ كَثْرَةِ النَّاسِ والغُرَباءِ وقد قامُوا يَحمِلُونَه علىُ عَواتِقِهِم من بابِ دَارِه إلى مَسْجِدِه ، بَكَى طَوِيلاً، ثم قالَ : كأنِّي بِهَذِه السِّكَّة لا يَدخُلُها أحَدٌ مِنْكُم ، فإِنِّي لا أسْمَعُ وقد ضَعُفَ البَصَرُ، وحانَ الرَّحيلُ ، فما كانَ إلاَّ بعدَ شَهر أو أقَلَّ منه حتّى كُفَّ بَصَرُه ، وانْقَطَعَتِ الرَّحْلَةُ، وانْصَرِفَ الغُرَباءُ ، فَرَجَع أمْرُه إلى أنَّه كانَ يُنَاوَلُ قَلماً فيَعلَمُ أنَّهم يَطْلبُونَ الرِّوَايَةَ، فَيَقُولُ حدَّثنا الرَّبِيعُ، وكانَ يَحِفَظُ أرْبَعَةَ عَشرَ حَديثاً، وسَبعَ حِكاياتٍ، فَيَرويها وصارَ بأسْوَأْ حالٍ حتَّى تُوفِّيَ(٢). (١) انظر السير: (الذُّهْلِيُّ وابنُه) ٢٧٣/١٢ -٢٨٥، وانظر النزهة: ٥/١٠٠٠. (٢) انظر السير: (الأصَمُّ) ٤٥٢/١٥ -٤٦٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٤٩. ٤٤٧ العُمْر (أ) فائدَةُ طُول العُمْر : قالَ عُمَرُ بنُ ذَر : كَتبَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرِ إلى أبي كتاباً أَوْصَاهُ بِتَقْوَى الله وقالَ : إنَّ بقاءَ المسلم كُلَّ يَومٍ غَنِيمَةٌ، فَذَكَرَ الفَرائضَ والصَّلوَاتِ وما يَرزُقُه اللهُ من ذِكْرِه(١) . ( ب ) أكمَلُ ما يَكون الإنْسَانُ عند الأرْبَعين: قالَ الخَليلُ بنُ أحمَدَ الفَراهيدي : أكمَلُ ما يَكونُ الإنْسَانُ عَقْلاً وذِهْناً عند الأَرْبَعين(٢). (١) انظر السير: (سَعيدُ بنُ جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٣/٥٠٦. (٢) انظر السير: (الخَليل) ٤٢٩/٧-٤٣١، وانظر النزهة: ٢/٧١٣. ٤٤٨ الوَعْظُ والوُعَّاظ ١ - مِنْ آدابِ الوَعْظ : عن عَطاءٍ قالَ : دَخلتُ أنا وعُبَيدُ بنُ عُمَير على عائشَةَ فقالت له : خَفِّفْ فإنَّ الذِّكْرَ ثَقيلٌ ، تَعني إذا وَعَظْتَ(١) . ٢ - مَرَاتِبُ النَّاس في التَّثُّرُ بالوَعْظ : وقالَ أبو زُرْعَة : أمْلَى عليَّ أحمَدُ بنُ عاصِمِ الحَكِيمُ الأَنْطاكيُّ : النَّاسُ ثلاثُ طَبَقاتٍ : مَطْبوعٌ غالبٌ وهم المؤمنون ، فإذا غَفلوا ذَكروا ، ومَطْبوعٌ مَغلوبٌ فإذا بُصِّروا أبْصَروا ورَجَعوا بقُوَّة العَقل ، ومَطْبوعٌ مَغلوبٌ غيرُ ذي طِباع ولا سَبِيلَ إلى رَدِّ هذا بالْمَواعِظِ(٢). ٣- تَفَاؤُت تأثير الوعَّاظ : قالَ حمَّدُ بنُ زَيد : سَمعتُ أُوبَ يَقولُ: كانَ الحَسَنُ يَتكلَّمُ بِكَلام كأنَّه الدُّرُّ ، فَتَكلَّمَ قَومٌ من بَعِدِه بِكَلامِ يَخرُجُ من أفْوَاهِهِم كأنَّ القَيْءُ . وقالَ أبو عمرُو بنُ العَلاءِ : مَا رَأيتُ أفْصَحَ من الحَسَنِ والحَجَّاجِ(٣). قالَ الدُّقِيُّ : ما رَأيتُ شَيْخاً أهْيَبَ من ابنِ الجَلَّء ، مع أنِّي لَقِيتُ ثَلاثَ مئة شيخ ، فسَمِعْتُه يقولُ : ما جَلا أبي شَيئاً قطُّ ، ولكنَّه كانَ يَعِظُ ، فَيَقَعُ كَلامُه في القُلوبِ ، فسُمِّيَ جَلاَءَ القُلوب . قالَ مُحمَّدُ بنُ عليٍّ بن الجُلندي: سُئلَ ابنُ الجَلاَء عن الْمَحَبَّة فسَمعْتُه يقولُ: مَا لي ولِلْمَحَبّة ؟ أنا أُرِيدُ أَتَعَلَّم الثَّوْبَةِ(٤). (١) انظر السير: (عُبَيْدُ بنُ عُمَير) ١٥٦/٤ -١٥٧، وانظر النزهة: ٣/٤٦٧. (٢) انظر السير: (الأنْطَاكيُّ) ٤٠٩/١١ - ٤١٠، وانظر النزهة: ٤/٩٥٥. (٣) انظر السير: (الحَسَنُ البَصْريُّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة : ٥/٥٦١. (٤) انظر السير: (ابنُ الجَلاَء) ٢٥١/١٤-٢٥٢، وانظر النزهة: ٣/١١٤٨. ٤٤٩ ٤- مَنْ مَاتَ من الوَعْظ : وعن رَجُلٍ قالَ: وَعَظَ عبدُ الوَاحِدِ بنُ زَيد ، فَنَادَى رَجلٌ: كُفَّ، فقد كَشَفتَ قِناعَ قَلبي فمَا الْتَّفَتَ، ومَرَّ فِي الْمَوعِظَةِ ، فَحَشْرَجَ الرَّجُلُ، وماتَ فَشَهِدتُ جنازَتَهَ(١) . وقالَ مِسْمَعُ بنُ عاصِم : شَهِدتُ عبدَ الوَاحِدِ يَعِظُ ، فمَاتَ في الْمَجلِسِ أَرْبَعةٌ(٢). قالَ العَبَّاسُ السَّرَّاجُ: حدَّثنا أحمَدُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ قالَ : قَالَ مَنْصورُ بنُ عَمَّار : حَجَجتُ ، فبتُّ بالكُوفَة ، فخَرَجتُ في الظّلماء ، فإذا بصارِخِ يَقولُ : إلَهي وعزَّتِك ما أَرَدتُ بِمَعْصِيَتِي مُخالَفَتَك، وعَصَيتُ وما أنا بنكالِكَ جَاهِلٌ ، ولكنْ خَطِيئَةٌ أعانَني عليها شَقائي، وغَرَّنِي سَترُك، فالآنَ مَنْ يُنقِذُني، فتَلوْتُ هذه الآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٣) قالَ: فسَمعتُ دَكْدَكَةٌ ، فلمَّا كانَ من الغَدِ ، مرَرتُ هُناك ، فإذا بجَنازَةٍ ، وعَجوزٌ تَقولُ : مَرَّ البارِحَةَ رَجلٌ تَلاَآيَةٍ فَتَفَطَّرت مَرَارَتُه ، فوَقَعَ مَّا(٤) . وذَكرَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ محمَّدِ بنِ الفَضْلِ البَلْخِيِّ ، المَعْروفِ بوَاعِظِ بَلْغ ، وقيلَ: إِنَّه وَعَظَ يَوماً ، فماتَ في الْمَجلِسِ أَرْبَعَةُ أنْفُس(٥) . ٥- مَنْ مات من الوعّاظ من شدَّة وَعْظِه : قالَ عبدُ الغافِرِ في (( تاريخِه)): حَكَى الثَّقَاتُ أنَّ أبا عُثْمانَ الصَّابُونِيَّ كَانَ يَعِظُ ، فدُفِعَ إليه كتابٌ وَرَدَ من بُخارَىْ ، مُشتَمَلٌ على ذِكرِ وَبَاءٍ عَظيمٍ بها لِيَدعُوَ لهم ، ووُصِفَ في الكِتابِ أنَّ رَجُلاً أَعْطَى خَبَّزاً دِرْهَماً، فكانَ يَزِنُ ، والْصانِعُ يَخْبِزُ ، والْمُشْتَرِي واقِفٌ ، فماتَ ثَلاثَتُهم في ساعَة . انظر السير: (عبدُ الوَاحد بنُ زَيد) ١٧٨/٧ - ١٨٠، وانظر النزهة: ٣/٦٩١. (١) (٢) انظر السير: (عبدُ الوَاحد بنُ زَيد) ١٧٨/٧ - ١٨٠، وانظر النزهة: ٤/٦٩١. (٣) سورة التحريم ، الآية : ٦ . انظر السير: ( مَنْصورُ بنُ عَمَّار) ٩٣/٩-٩٨، وانظر النزهة: ٥/٨٠١. (٤) (٥) انظر السير: (واعِظُ بَلْخ) ٥٢٣/١٤-٥٢٦، وانظر النزهة: ٤/١١٧١. ٤٥٠ فلمَّا قَرأ الكتابَ هَالَه ذلكَ، واسْتَقرأ من القارىء ﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ﴾(١) الآيات ونَظائرَها وبَالَغَ فِي التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ، وأَثَّرَ ذلكَ فيه وتَغيَّرَ ، وغَلبَه وَجَعُ البَطنِ وأُنزِلَ من الْمِنْبَرِ يَصيحُ من الوَجَع ، فحُملَ إلى حَمَّامٍ ، فَبَقِيَ إِلى قَرِيبِ الْمَغْرِبِ يَتَقلَّبُ ظَهْراً لِبَطْنٍ ، وبَقيَ أسْبُوعاً لا يَنفَعُه ◌ِلاجٌ، فَأوْصَى، ووَدَّعَ أوْلادَه ، ومات(٢). ٦ - الواعِظُ المُحْتاج إلى وَعْظ : وقالَ أبو زُرْعَة : أمْلَى عليَّ أحمَدُ بنُ عاصِم الحَكِيمُ الأَنْطاكيُّ : النَّاسُ ثلاثُ طَبَقاتٍ : مَطْبوعٌ غالبٌ وهم المؤمنون، فإذا غَفلوا ذَكروا ، ومَطْبوعٌ مَغلوبٌ فإذا بُصِّروا أبْصَروا ورَجَعوا بقُوَّة العَقل، ومَطْبوعٌ مَغلوبٌ غيرُ ذي طِباع ولا سَبِيلَ إلى رَدِّ هذا بالْمَواعِظِ(٣). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: فمَا الظّنُّ إذا كانَ وَاعِظُ النَّاس من هذا الضرب عَبْدَ بَطْنِهِ وشَهْوَتِه ، وله قَلبٌ عَريٌّ من الحُزْنِ والخَوْفِ ، فإنِ انْضافَ إلى ذلك فِسْقٌ مَكينٌ ، أو انْحِلالٌ من الدِّينِ، فقد خابَ وخَسِرَ ، ولا بُدَّ أن يَفْضَحَه اللهُ تَعالَى (٤). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي مَنْصُور العَبَّدي: وَاعِظُ باهِرٌ حُلوُ الإشارَة ، رَشِيقُ العِبَارَة، إلاَّ أنَّه قَليلُ الدِّين . وكانَ يُضرَبُ بحُسْنٍ وَعْظِهِ الْمَثلُ(٥). قالَ أبو سَعْد السَّمْعانيُّ: لَمْ يَكُنِ العِبَّادِيُّ بِثِقَةِ، رَأيتُ رسالَةً بخَطُّه جَمَعَها في إياحَةِ شُرْبِ الخَمْرِ . قالَ ابنُ الجَوْزي : له كَلماتٌ جِيِّدَةٌ، وكتبوا عنه من وَعْظِهِ مُجلَّداتٍ ذَهبَ لِيُصْلِحَ سورة النحل ، الآية : ٤٥ . (١) انظر السير : ( الصَّابُونيُّ) ٤٠/١٨-٤٤، وانظر النزهة: ١/١٣٨٥. (٢) انظر السير: (الأنطاكيُّ) ٤٠٩/١١ -٤١٠، وانظر النزهة : ٤/٩٥٥ . (٣) انظر السير: (الأنطاكيُّ) ٤٠٩/١١-٤١٠، وانظر النزهة : ٥/٩٥٥. (٤) (٥) انظر السير: (العبَّادي) ٢٣١/٢٠ -٢٣٢، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٤. ٤٥١ بينَ مَلكِ وكَبِيرٍ ، فحَصُلَ له منهما مَالٌ كَثِيرٌ، وماتَ بعَسْكر مُكرم سَنةَ سَبْعٍ وأَرْبَعِينَ وخَمسٍ مئة (١) . وقيلَ : كَانَ يُخِلُّ بِالصَّلاةِ لَيَلَةَ حُضُوره السَّمَاعَ ، وذَكرَ لَيلَةً مَناقِبَ عَليٍّ رضي الله عنه ، وأنَّ الشَّمسَ رُدَّتْ لَه، فاتَّفَقَ أنَّ الشَّمسَ غَابَتْ بالغَيمِ ، فَعَملَ أبياتاً وهي : مَدْحي لآلِ المصطفىُ ولِنجْلِه لا تغربي يا شمسُ حتى ينتهي أنسيتِ إذ كان الوقوفُ لأجلهِ واثني عنانَكِ إِنْ أردتِ ثناءَهم هذا الوقوفُ لخيلِه ولِرَجْلِهِ إن كانَ للمولى وقوفُكِ فليكنْ قالَ: فطَلَعَت الشَّمسُ من تَحتِ الغَيمِ ، فلا يُدرَى ما رُمِيَ عَليه من الثِّابِ والأمْوَالِ . عاشَ سِتّاً وخَمسينَ سَنةً، والله يُسامِحُه(٢) . ٧- وَعْظُ العُلمَاءِ المُلوكَ والأُمَراءَ والوُزَراءَ : ( وستجدُ غَيرَها في عَلاقة العُلمَاء بالأُمُراء ) قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ السَّمَّاك : وقيلَ : وَعَظَ مرَّةً ، فقالَ : يا أميرَ الْمُؤمنينَ ، إنَّ لك بينَ يَدَي الله مَقاماً، وإنَّه لك من مَقامِكَ مُنْصَرَفاً ، فانْظُرْ إلى أينَ تَكونُ، فبَكَى الرَّشيدُ كَثيراً(٣) . وعن عَليٍّ بنِ حَرْب، عن أبيه قالَ: مَضَى الرَّشيدُ على حِمَارِ ، ومَعَه غُلامٌ إلى العُمَرِيِّ، فوَعَظَه ، فبَكَى ، وغُشِيَ عليه (٤) . وقالَ مُحمَّدُ بنُ زَكريّا الغَلابي، حدَّثنا أبو عُمرَ الجَرْميُّ النَّحْوِيُّ، حدَّثنا الفَضْلُ بنُ الرَّبيع، قالَ : حَجَّ أميرُ المؤمنين - يَعْني هارُونَ الرَّشيدَ - فقالَ لي: وَيْحَكِ ، قَد حَكَّ (١) انظر السير: ( العبَّادي) ٢٠/ ٢٣١ -٢٣٢، وانظر النزهة: ٣/١٥٤٤. انظر السير: (العبَّادي) ٢٣١/٢٠ -٢٣٢، وانظر النزهة: ٥/١٥٤٤ . (٢) انظر السير : ( ابنُ السَّمَّاك) ٣٢٨/٨ -٣٣٠، وانظر النزهة : ٥/٧٦١. (٣) (٤) انظر السير: (العُمَريُّ) ٣٧٣/٨ -٣٧٨، وانظر النزهة: ٨/٧٦٤. ٤٥٢ فِي نَفَسي شَيءٌ، فَانْظُر لي رَجُلاً أسْألُه فقُلتُ: ها هُنا سُفْيَانُ بنُ عُبَيْنَةِ ، فقالَ : امْضٍ بنا إليه ، فأَتَيْناهُ، فقَرَعْنا بابَه ، فقالَ : مَنْ ذا ؟ فقُلتُ : أجِبْ أميرَ المؤمنين . فخَرجَ مُسْرِعاً ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ، لَوْ أرْسَلتَ إليَّ أتَيْتُك فقالَ : خُذْ لِما جِئْتُك له ، فحَدَّثَه ساعَةً، ثم قالَ له : عَليكَ دَينٌ قالَ : نَعَم فقالَ لي : اقْضٍ دَيْنَه ، فلمَّا خَرجْنا قالَ : ما أغْنَى عنِّي صاحبُك شَيئاً ، قُلتُ: ها هُنا عبدُ الرَّزَّاق قالَ : امْضٍ بنا إليه، فأَتَيْناهُ ، فقَرَعْتُ البابَ فخَرَجَ وحادَثَه ساعَةً ، ثم قالَ : عَليكَ دَينٌ ؟ قالَ : نَعَم قالَ : يا أبا عبّاس ، اقْضِ دَيْنَه، فلمَّا خَرجْنا قالَ : مَا أغْنَى عَنِّي صاحبُكَ شَيئاً ، انظُر لي رَجُلاً أسألُه، قُلتُ: ها هُنا الفُضَيلُ بنُ عِياض ، قالَ : امْضٍ بنا إليه ، فَأَتَيْناه ، فإذا هو قائمٌ يُصلِّي ، يَتْلوآيَةً يُردِّدُها، فقالَ: اقْرَع البابَ ، فقَرعْتُ ، فقال : مَنْ هَذا؟ قلتُ أجبْ أميرَ المؤمنين ، قالَ : مالي ولأميرِ المؤمنينَ ؟ قُلتُ سُبْحانَ الله ، أما عَليكَ طَاعَةٌ، فَنَزَلَ، فَفَتحَ البابَ، ثمَّ ارْتَقَى إلى الغُرْفَة، فأطْفَاً السِّراجَ ثمَّ الْتَجأ إلى زاويةٍ ، فَدَخَلنا، فجَعَلْنا نَجولُ عليه بأيدينا ، فسَبَقَتْ كفتُّ هارُونَ قَبْلي إليه ، فقالَ : يا لَها من كَفّ، ما ألْيََّها إنْ نَجَتْ غَداً من عَذابِ الله ، فقُلتُ في نَفَسي : لَيُكَلِّمَتَّه اللَّيلةَ بِكَلامِ نَقَيٍّ من قَلبٍ تَقَيٍّ ، فقالَ له : خُذ ◌ِلِما حِئناكَ له ، رَحمَك الله ، فقالَ: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ لَمَّا وَلَيَ الخِلافَةَ دَعا سالِمَ بنَ عبدِ الله ، ومحمَّدَ بنَ كَعْبٍ، ورَجاءَ بنَ حَيْوَة ، فقالَ لهم : إنَّي قد ابتليتُ بهَذا البَلاء فأشيروا عليَّ، فعَذَّ الخِلافَةَ بلاءً وعَدَدْتَها أنتَ وأصْحابُكَ نِعْمَة ، فقالَ له سَالمٌ : إنْ أَرَدْتَ النَّجاةَ ، فصُم الدُّنيا ، وليَكُنْ إِفْطارَك منها الْمَوْتُ، وقالَ ابنُ كَعْب : إنْ أرَدْتَ النَّجاةَ من عَذابِ الله، فلْيَكُنْ كَبِيرُ المسلمينَ عندَك أباً، وأوْسَطُهم أخاً ، وأصْغَرُهم وَلَداً، فوَقُّرْ أباك ، وأكْرِمْ أخاكَ ، وَتَحَنَّنْ علىْ وَلَدِك . وقال له رَجاءٌ : إنْ أَرَدْتَ النَّجاةَ من عَذابِ الله، فأحِبَّ للمسلمينَ ما تُحبُّ لِنَفْسِك، واكْرَه لهم ما تَكْرَهُ لِنَفْسِك، ثم مُتْ إِذا شِئتَ ، وإنِّي أقولُ لكَ هَذا وإنِّي أخافُ عليكَ أشدَّ الخَوْفِ يوماً تَزِلُّ فيه الأقْدامُ ، فهلْ مَعكَ رَحِمَكَ الله مَنْ يُشيرُ عليكَ بمثلِ هذا، فَبَكَىْ هارُونُ بُكاءَ شَديداً حتّى غُشيَ عليه، فقُلْتُ له : ارْفُقْ بأميرٍ ٤٥٣ المؤمنين ، فقالَ : يا بنَ أُمِّ الرَّبيع ، تَقْتُلُه أنتَ وأصْحابُك ، وأرْفُقُ به أنا ؟ !! ، ثمَّ أَفَاقَ فقالَ له : زِدْني رَحِمَكَ اللهُ قلتُ: بَلَغَني أنَّ عامِلاً لِعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز شُكيَ إليه ، فكتبَ إليه : يا أخي أُذَكِّرُكَ طُولَ سَهر أهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مع خُلودِ الأبَد ، وإيّاكَ أنْ يُنْصَرَفَ بك من عند الله، فَيَكونُ آخرَ العَهْدِ وانْقِطاع الرَّجَاءِ ، فلمَّا قرأ الكتابَ طَوَى البلادَ حتّى قدِمَ عليه، فقالَ: خَلَعْتَ قَلبي بكتَابِك، لا أعُودُ إلى وِلايَة حتَّى ألقَى الله، فبَكَىْ هارُونُ بُكاءً شديداً، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ : إِنَّ العبّاسَ عمِّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جاءَ إليه فقالَ: أمِّرْني، فقال له: ((إنَّ الإمَارَةَ حَسْرَةٌ ونَدَامَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَكونَ أَمِيراً فَافْعَلْ)) فَبَكَىْ هارُونُ ، وقالَ : زِدْني قالَ : يا حَسَنَ الوَجْه أنتَ الذي يَسألُكَ اللهُ عن هذا الخَلقِ يَومَ القِيامَة، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَقي هَذا الوَجْهَ من النَّارِ فافْعَلْ، وإيّاك أنْ تُصْبِحَ وتُمْسي وفي قَلِك غِشٌّ لأحَدٍ من رَعيَّتِك، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ أَصْبَحَ لَهُمْ غَاشَّاً لَمْ يَرُحْ رَائحَةَ الجَنَّةِ )) فَكَىْ هارُونُ وقالَ له: عَليكَ دَيْنٌ؟ قالَ نَعَم: دَينٌّ لِرَبِّي، لم يُحاسِبْنِي عَليه ، فالوَيلُ لي إنْ ساءَلَنِي ، والوَيلُ لي إنْ ناقَشَني ، والوَيْلُ لي إنْ لَمْ أَلْهَم حُجَّتي ، قالَ: إِنَّما أعْنِي من دَينِ العِبادِ ، قالَ: إِنَّ رَبِّي لَمْ يأمُرني بهَذا ، أمَرَني أنْ أُصَدِّقَ وَعْدَه ، وأُطِيعَ أمْرَه، فقالَ عزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(١) ، فقالَ: هَذه ألْفُ دينار خُذْها ، فأنْفِقْها على عِيالِك، وتَقَوَّ بها علىُ عِبادَة رَبِّك، فقالَ: سُبْحانَ الله أنا أدُلك على طريقِ النَّجاةِ وأنتَ تُكافِئُني بمِثلِ هَذا !! سَلَّمَك الله ووَفَّقَكَ ، ثم صَمتَ ، فلمْ يُكلِّمْنا، فخَرَجْنا ، فقالَ هارُونُ : أبا عبَّاس ، إذا دَلَلْتَني ، فدُلَّني على مثلِ هذا، هذا سيِّدُ المسلمينَ ، فدَخَلَت عَليه امرأةٌ من نِسائه فقالَت : قد تَرى ما نَحنُ فيه من الضِّيقِ ، فَلَوْ قَبَلْتَ هَذا المالَ قالَ: إنَّما مَثَلي ومَثَلُكم كمثلِ قومٍ لهم بَعِيرٌ يأكُلُونَ من كَسْبِه، فلمَّا كَبِرَ نَحَروهُ، فأكَلوا لَحْمَه ، فلمَّا سَمِعَ هارونُ هذا الكَلامَ قال : نَدَخُلُ فعَسَى أنْ يَقبَلَ المالَ، فلمَّا عَلَمَ الفُضَيلُ ، خَرجَ فَجَلسَ في السَّطْحِ على بابِ الغُرْفَة، فجاء هارونُ ، فجلسَ إلى جَنبه يُكلِّمُه فلا يُجيبُه ، فبينا نحنُ كذلك إذ (١) سورة الذاريات ، الآية : ٥٦ . ٤٥٤ خَرجَت جاريَةٌ سَوْداء، فقالَت: يا هَذا قَد آذَيتَ الشَّيخَ منذُ اللَّيلَةِ ، فَانْصَرِفْ ، فانْصَرَفْنا(١) . وقالَ محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنْباري : سَمعتُ فُضَيْلاً يَقولُ : لَمَّا قَدِمَ هَارُونُ الرَّشيدُ إلىْ مَكةَ قَعدَ في الحِجْرِ هو ووَلدُه، وقَومٌ من الهَاشِمِينَ، وأَحْضَرُوا الْمَشايخَ ، فَبَعَثُوا إليَّ فَأَرَدتُ أنْ لا أَذْهَب، فاسْتَشَرتُ جاري، فقالَ: اذْهَبْ لَعلَّه يُريدُ أنْ تَعِظَه ، فدَخلتُ الْمَسجِدَ ، فلمَّا صِرْتُ إلى الحِجْرِ ، قُلتُ لأَذْنَاهُم : أيُّكُمْ أميرُ الْمُؤمنين ؟ فأشَارَ إليه ، فقُلتُ : السَّلامُ عَليكم يا أميرَ الْمُؤمنينَ ورَحمَةُ الله وبركاتُهُ ، فَرَدَّ عليَّ ، وقالَ : اقْعُدْ ، ثم قالَ: إِنَّمَا دَعَوْناكَ لِتُحدِّثَنَا بشَيءٍ، وتَعِظَنا، فأقْبَلتُ عليه ، فقُلتُ : يا حَسَنَ الوَجْهِ ، حِسَابُ الخَلقِ كُلُّهُم عَليكَ فجَعَلَ يَبْكي ويَشْهَقُ ، فَرَدَدتُ عَليه وهو يَيْكي، حتَّى جاءَ الخادِمُ فَحَمَلُوني وأخْرَجُوني، وقالَ: اذْهَبْ بِسَلامِ (٢). وقال أبو الثَّناء شُكْر العَضُدي : لَمَّا دَخلَ عَضُد الدَّولة بغدادَ وقد هَلكَ أهلُها قَتْلاً وخَوفاً وجُوعاً للفِتن التي اتَّصلَت بينَ الشُّنَّة والشِّيعَة ، فقال : آفة هؤلاء القُصَّاصُ ، فمَنعَهم ، قال : مَنْ خالَفَ أباحَ دَمَه ، فعَرفَ ابنُ سَمعونَ ، فجَلسَ علىْ كُرسيِّه فأمَرَني مَولايَ، فأحْضَرتُه، فدَخلَ رجلٌ عليه نورٌ، قال شُكْرٌ : فجلسَ إلى جَنبي غير مُكْتِرِث ، فقلتُ : إنَّ هذا المَلك جَبَّارٌ عَظيمٌ، ما أُوْثِرُ لكَ مُخالَفَتَه، وإنِّي مُوصلُكَ إليه ، فقَبِّل الأرضَ وتلَطَّف له واسْتِعِنِ بالله عليه ، فقال : الخَلقُ والأمرُ لله فمَضيتُ به إلى حُجرةٍ قد جَلسَ فيها المَلكُ وَحدَه ، فأوْقَفَتُه ثم دَخلتُ أسْتَأَذِنُ ، فإذا هو إلى جانبِي، وحوَّلَ وَجهَه إلى دارِ عِزِّ الدَّولَة ثم تَلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ﴾ (٣) ثم حوَّلَ وَجهَه وَقَرأَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٤) ثم أخذَ في وَعْظِه فأتىُ بالعَجَب، فدَمِعَت عَينُ المَلك ، وما رَأيتُ ذلك منه قَطُّ وشركَ كُمَّه علىُ وَجهِه، فلمَّا خرجَ أبو الحُسَين رَحمَه الله ، قالَ المَلكُ : (١) انظر السير: (الفُضَيلُ بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ٨/٧٧٤. (٢) انظر السير: ( الفُضَيلُ بن عِياض) ٨/ ٤٢١-٤٤٢، وانظر النزهة: ٨/٧٧٩. (٣) سورة هود، الآية : ١٠٢ . (٤) سورة يونس ، الآية : ١٠٢ ٤٥٥ اذْهَبْ بِثَلاثَة آلاف دِرْهَم وعَشرَة أثْوابٍ من الخزانَةَ فإنِ امْتَنعَ فقُلْ له : فَرَّقْها في أصْحابِك، وإنْ قَبِلَها فجِثْني برأسِه، ففَعَلتُ فقال: إنَّ ثيابي هذه فُصِّلَت من نحو أربعين سَنة ألْبَسُها يومَ خُروجي وأطْويها عند رُجُوعي، وفيها مُتْعَةٌ وبَقِيَّةٌ، ونَفَقَتي من أُجْرَةِ دارٍ خَلَّفَها أبي ، فما أصْنَعُ بهذا؟ قُلتُ : فَرَّقْها على أصْحابِك قال : ما في أصْحابي فَقيرٌ فعدتُ فأخْبَرَتُه، فقال: الحَمدُ لله الذي سَلَّمَه منَّا وسَلَّمَنا منه(١) . وقالَ أبو القاسِم عبدُ الله بنِ عَلَيّ، أخُونِظَامِ الْمُلكِ: دَخَلَ أخي نِظَامُ الْمُلكِ على أبي الحَسَنِ الدَّاوُودِيِّ فقَعدَ بينَ يَدَيه، وتَواضَعَ له، فقالَ لأخي: أيُّها الرَّجُل! إنَّكَ سَلَّطَكَ اللهُ علىْ عِبادِهِ ، فَانْظُرْ كَيفَ تُجِيبُه إذا سَأَلَكَ عَنْهُمْ (٢) . ٨- المَشْهُورون بالوَعْظ : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ القُشَيْرِيِّ: ذَكرَهُ أبو الحَسَن البَاخَرْزُّ في كتاب ((دُمْيَة القَصْر)) وقالَ: لَوْ قَرَعَ الصَّخْرَ بسَوطٍ تَحذيرِهِ لذَابَ، ولَوْ رُبِطَ إبليسُ في مَجْلسِهِ لَتَابَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : مَاتَ أَبُوه وهو طِفِلٌ، فدُفِعَ إلى الأديبِ أبي القاسِمِ اليَمَنيّ فقَرأ عليه الآدَابَ ثم دَخلَ نيسَابُورَ من قَرِيَتِهِ ، فاتَّفَقَ حُضورُهُ مَجلِسَ أبي عَلَيِّ الدَّقَّاق ، فوَقَعَ في شَبِكَتِهِ ، وقَصُرَ أمَلُهُ، فَأقْبلَ عليه أبو عَليٍّ وأشارَ عليه بطَلبِ العِلمِ ، فمَضَى إلىْ حَلقَةِ الطُّوسيِّ. وانْتُقلَ إلى ابنِ فُورَك ، فتَقدَّمَ في الكَلامِ ، ونَظرَ في تصانيفِ ابنِ البَاقِلاَّنِي وَلَمَّا تُوفِّيَ حَمُوهُ أبو عَليٍّ تَردَّدَ إلى السُّلَميِّ، وعاشَّرَه، وصارَ شَيخَ خُراسَانَ فِي التَّصَوُّفِ ، ولَزِمَ الْمُجاهَداتِ وتَخرَّجَ بِه الْمُرِيدُونَ (٣). وكانَ عَديمَ النَّظيرِ في الشُّلوكِ والتَّذْكِيرِ ، لَطيفَ العِبَارَة، طَيِّبَ الأخْلاقِ ، غَوَّاصاً (١) انظر السير: (ابن سَمْعون) ٥٠٥/١٦-٥١١، وانظر النزهة: ٥/١٣١٠. (٢) انظر السير: (الدَّاوُوديّ) ٢٢٢/١٨ -٢٢٦، وانظر النزهة: ٣/١٤٠٦. (٣) انظر السير: (القُشَيْريُّ) ٢٢٧/١٨ -٢٣٣، وانظر النزهة: ١/١٤٠٧. ٤٥٦ على الْمَعَانِي، صَنَّفَ كتابَ ((نَحو القُلوب)) وكتابَ ((لَطَائِفِ الإشَارَاتِ )). وقالَ أبو بكر الخَطيبُ : كَتَبنا عَنه، وكانَ ثِقةً، وكانَ حَسَنَ الوَعْظِ ، مَلِيحَ الإِشَارَة، يَعرِفُ الأصُولَ على مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ، والفُرُوعَ على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ(١). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزيَّ : كانَ رَأْساً في التَّذكيرِ بِلا مُدَافَعَة ، يَقولُ النَّظْمَ الرَّائقَ، والنَّثْرَ الفائقَ بَديهاً ، ويُسهِبُ ، ويُعْجِبُ ، ويُطْرِبُ، ويُطْنِبُ، لَمْ يَأْتِ قبلَه ولا بَعدَه مثلُه، فهو حامِلُ لَواءِ الوَعْظِ ، والقَيِّمُ بفُنُونِه ، مع الشَّكلِ الحَسَن، والصَّوْتِ الطيِّبِ ، والوَقْعِ في النُّفُوسِ ، وحُسْنِ السِّيرَة ، وكانَ بَحْراً فِي التَّفْسِيرِ ، عَلَّمَةً فِي السِّيَرِ والتَّاريخِ ، مَوْصُوفاً بحُسنِ الحَديثِ ، ومَعرِفَةٍ فُنُونِهِ ، فَقِيهاً، عَليماً بالإِجْمَاعِ والاخْتِلافِ ، جَيِّدَ الْمُشَارَكَة في الطُّبِّ ، ذا تَفَنُّنِ وفَهْمٍ وذَكاءٍ وحِفْظٍ واسْتِحضارٍ ، وَإِكْبابٍ على الجَمْعِ والتَّصْنيفِ، مع التَّصَوُّن، والتَّجَمُّل ، وحُسْنِ الشَّارَة، ورَشَاقَةِ العِبَارَةِ، ولُطْفِ الشَّمائلِ، والأوْصَافِ الحَميدَة، والحُرمَة الوَافِرَة عندَ الخَاصِّ والعَامِّ ، وما عَرَفتُ أحَداً صَنَّفَ مَا صَنَّف . وأقاربُه كانوا تُجَّاراً في النُّحَاسِ، فرُبَّما كَتبَ اسْمَه في السَّمَاعِ عبد الرحمن بنُ عَلَيِّ الصَّفَّارِ(٢). وأحَبَّ الوَعْظَ ، ولَهجَ به وهو مُراهِقٌ، فوَعَظَ النَّاسَ وهو صَبِيٍّ، ثم مَا زَالَ نافِقَ السُّوقِ مُعَظَّماً مُتَغَالَيَاً فيه، مُزْدَحَماً عليه، مَضْرُوباً برَوْنَقٍ وَعْظِهِ الْمَثَل، كمَالُه في ازْدیادٍ واشْتِهارِ ، إلى أنْ ماتَ رَحمَهُ اللهُ وسامَحَه، فَلَيْتَه لَمْ يَخُضْ في التَّأْوِيلِ ، ولا خَالَفَ إِمَامَهُ(٣). وكانَ ابنُ الجَوْزي ذا حَظُّ عَظيمٍ وصِيتٍ بَعيدٍ في الوَعْظِ ، يَحضُرُ مَجالِسَه الْمُلوكُ والوُزَراءُ وبَعضُ الخُلَفاء والأثمَّةُ والكُبَرَاءُ ، لا يَكادُ الْمَجلِسُ يَنْقُصُ عن أَلُوفٍ كَثِيرَةٍ ، (١) انظر السير: (القُشَيْريُّ) ٢٢٧/١٨ -٢٣٣، وانظر النزهة: ٢/١٤٠٧. (٢) انظر السير: (أبو الفرج ابنُ الجَوْزي) ٣٦٥/٢١-٣٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٣٢. (٣) انظر السير: (أبو الفرَج ابنُ الجَوْزي) ٣٦٥/٢١-٣٨٤، وانظر النزهة: ١/١٦٣٣. ٤٥٧ حتَّى قِيلَ في بَعضِ مَجالِسِه : حُزِرَ الجَمعُ بِمِئَةِ ألْفٍ ولا رَيبَ أنَّ هذا مَا وَقَع ، ولَوْ وَقَعَ، لَمَا قَدِرَ أنْ يُسمِعَهم، ولا الْمَكانُ يَسَعُهم (١) . ٩ - القُصَّاصُ الوُعَّاظ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ صالِحِ الْمُريِّ: الزَّاهِدُ الخَاشِعُ ، وَاعِظُ البَصْرَة ، أبو بِشْر بنُ بَشير القاصّ(٢). وقالَ عَفَّنُ : كانَ شَديدَ الخَوفِ من الله، كأنَّ تَكْلَىُ إذا قَصَّ . وقالَ ابنُ عَدِي: قاصٌّ، حَسَنُ الصَّوْتِ ، عامَّةُ أحَاديثِهِ مُنكَرَةٌ ، أُتِيَ من قلَّة مَعْرِفَتِهِ بالأسانيدِ ، وعِندِي أنَّه لا يَتَعمَّدُ . وقيلَ : لَمَّا سَمعَهُ سُفيانُ الثَّورِيُّ قالَ: ما هذا قَاصٌّ، هذا نَذِيرٌ(٣). ١٠ - مَواعِظُ مُتَفَرِّقَة : عن عبدِ الله بنِ مُرَّة، أنَّ أبا الدَّرْداء قالَ: اعْبُد اللهَ كأنَّك تَراهُ ، وعُذَّ نَفَسَكَ في الْمَوْتَى، وإِيَّاكَ ودَعْوَةَ الْمَظلُوم ، واعْلِمْ أنَّ قَليلاً يُغنيكَ خَيرٌ من كَثِيرٍ يُلهيكَ، وأنَّ البِرَّ لا يَبْلَى، وأنَّ الإِثْمَ لا يُنسَى (٤). وقالَ سَلَمُ بنُ مِسْكين : حدَّثْنَا قَتَادَة : أنَّ شَدَّادَ بنَ أَوس خَطبَ ، فقالَ : أيُّها النَّاسُ، إنَّ الدُّنيا أجَلٌ حاضِرٌ، يَأْكُلُ منها البَرُ والفَاجِرُ، وإنَّ الآخِرَةَ أجَلٌ مُسْتأخَرٌ ، يَحكُمُ فيها مَلكٌ قادِرٌ، ألا وإنَّ الخَيرَ كُلَّه بحَذافيرِه في الجَنَّةِ ، وإِنَّ الشَّرَّ كُلَّه بحَذافيرِه في النَّار(٥) . وعن مَيْمُونَ بنِ مَيْسَرَة ، قالَ: كانت لأبي هُرَيْرَةَ صَيْحَتانِ في كُلِّ يَومٍ : أوَّلَ النَّهارِ (١) انظر السير: (أبو الفرج ابنُ الجَوْزي) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٣٣. (٢) انظر السير: (صالح المُرِّيُّ) ٤٦/٨-٤٨، وانظر النزهة: ٣/٧٢٥. (٣) انظر السير: (صالح الْمُرِّيُّ) ٤٦/٨-٤٨، وانظر النزهة: ٧٢٥ /٤. انظر السير: ( أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢-٣٥٣، وانظر النزهة : ٧/٢٧٢. (٤) (٥) انظر السير: (شَدَّادُ بنُ أَوْس) ٢/ ٤٦٠ -٤٦٧، وانظر النزهة: ٦/٢٩٠. ٤٥٨ وَآخِرَه يَقولُ: ذَهَبَ اللَّيْلُ، وجاءَ النَّهارُ، وعُرِضَ آلُ فِرْعَوْنَ على النَّارِ فلا يَسمَعُهُ أحَدٌ إلاَّ اسْتَعَاذَ بالله من النَّارِ(١). وقالَ حَزْمٌ القُطَعيُّ: سَمعتُ الحَسَنَ يَقولُ: كانَ أبو هُرَيْرَةَ إذا مَرَّتْ به جَنَازَةٌ ، قالَ : اغْدُوا فإنَّا رَائِحُونَ، وَرُوحُوا فإنَّا غَادُونَ(٢). عن الْمُعَلَّى بنِ زِياد ، قالَ: كانَ هَرِمُ بنُ حَيَّانِ يَخْرُجُ في بَعضِ اللَّلِ ويُنادِي بأعْلَى صَوْتِه : عَجبتُ من الجَنَّةِ كَيفَ نامَ طالِبُها؟ وعَجِبتُ من النَّارِ كَيفَ نامَ هَارِبُها ؟ ثم يَقولُ: ﴿أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَتَّا وَهُمْ نَآَيِمُونَ﴾(٣)، (٤). عن الأحْتَفِ بنِ قَيْس قالَ: رَأْسُ الأدَبِ آلَهُ الْمَنْطِقِ ، لا خَيرَ في قَولٍ بلا فِعلٍ ، ولا في مَنْظَرٍ بلا مَخْبَر ، ولا في مَالٍ بلا جُودٍ ، ولا في صَدِيقٍ بلا وَفاءٍ ، ولا في فِقْهِ بِلا وَرَعٍ ، ولا في صَدَقةٍ إلا بنيّة ، ولا في حَياةٍ إلَّ بِصِحَّةٍ وأمْنٍ(٥) . وعن أبي جَعْفَر الباقِر، مُحمَّدٍ بنِ عَلَيٍّ بنِ الحُسَينِ ، قالَ: اذْكُرُوا من عَظَمَة الله ما شِئْتُم ، ولا تَذْكُرُونَ منه شيئاً إلاَّ وهيَ أعْظَمُ منه، واذْكُرُوا من النَّارِ ما شِئْتُم ، ولا تَذْكُرُونَ منها شَيئاً إلاَّ وهيَ أشَدُّ منه، واذْكُرُوا من الجَنَّة ما شِئْتُم ، ولا تَذْكُرُونَ منها شيئاً إلاَّ وهيَ أَفْضَل(٦). قالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّه : طُوبَى لِمَنْ شَغْلَهُ عَيْبُه عن عَيبٍ أخيه ، طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لله من غَيرِ مَسْكَنَة ، طُوبَى لِمَنْ تَصدَّقَ من مَالٍ جَمَعَه من غَيرِ مَعْصِيَة ، طُوبَى لِأَهْلِ الضُّرِّ وأهْلِ الْمَسْكَنَة ، طُوبَى لِمَنْ جالَسَ أهْلَ العِلمِ والحِلمِ ، طُوبَى لِمَن اقْتَدَى بِأَهْلِ العِلمِ والحِلمِ والخَشْيَة ، طُوبَى لِمَنْ وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ فَلَمْ يَعْدُها(٧) . (١) انظر السير: (أبو هُرَيْرَة) ٥٧٨/٢ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٢/٣١٢. (٢) انظر السير: (أبو هُرَيْرَة) ٢/ ٥٧٨ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٤/٣١٣. (٣) سورة الأعراف ، الآية : ٩٧ . (٤) انظر السير: ( هَرِمُ بنُ حَيَّان) ٤٨/٤ - ٥٠، وانظر النزهة: ٢/٤٤٠. (٥) انظر السير: (الأَحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة : ٧/٤٥٢ . انظر السير: ( أبو جَعْفَر الباقر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة : ٤/٥٢٢. (٦) (٧) انظر السير: (وَهْبُ بنُ مُنَبِّه) ٥٤٤/٤-٥٥٧، وانظر النزهة: ١/٥٥٥ . ٤٥٩ وقالَ مَطْرٌّ الوَرَّاقِ: لَمَّا ظَهَرَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ جاءَ كأنَّما كانَ في الآخِرَة ، فهو يُخِرُ عَمَّا عَايَنَ(١) . وعن الحَسَنِ قالَ: ابنَ آدَم، إنَّما أنتَ أيَامٌ كلَّما ذَهَبَ يَومٌ، ذَهَبَ بَعضُك(٢). وقالَ عبدُ الرحمَنِ بنُ يَزيد بنِ تَميم : سَمعتُ بِلالَ بنَ سَعْد يَقولُ : يا أهْلَ الثُّقَى! إِنَّكُم لَمْ تُخْلَقُوا للفَناءِ، وإنَّما تُنْقَلونَ من دارٍ إلى دارٍ ، كمَا نُقِلتُم من الأصْلابِ إلى الأرْحَامِ ، ومن الأَرْحَامِ إلَى الدُّنيا ، ومن الدُّنيا إلى القُبُورِ ، ومن القُبُورِ إلى الْمَوْقِفِ ، ومن الْمَوْقِفِ إلى الخُلُوَدِ فِي جَنَّةٍ أو نَارٍ(٣) . وكانَ بِلالُ بنُ سَعْد يَقولُ: لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الخَطيئة ، ولكنِ انْظُرْ مَنْ عَصَيْتَ(٤) . عن عبدِ العَزيزِ بنِ يَزيد الأيْلِي قالَ: حَجَّ سُليمانُ بنُ عبد الْمَلِك، ومعه عُمرُ بنُ عبد العَزيز ، فأصابَهم بَرْقٌ ورَعْدٌ حتى كادَت تَنْخَلع قُلوبُهم ، فقالَ سُليمانُ : يا أبا حَفْص! هلْ رَأيتَ مثلَ هذه اللَّيلَة قَطُّ ، أو سَمعتَ بها ؟ قالَ : يا أميرَ المؤمنين! هذا صَوْتُ رَحْمَةِ الله ، فكيف لَوْ سَمعتَ صَوتَ عَذابِ الله!(٥) . عن حَفصٍ بنِ عُمرَ بنِ أبي الزُّبَيْرِ ، قالَ : كَتبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز إلى أبي بَكْر بنِ حَزْم : أنْ أَدِقَّ قَلَمَكَ، وقارِبْ بين أسْطُرِكَ ، فإنِّي أكْرَه أنْ أُخْرِجَ من أمْوالِ المسلمينَ ما لا يَنْتُفعونَ به (٦) . عن عَوْنِ بنِ الْمُعْتَمِرِ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ قالَ لامرأتِه : عندَكِ دِرْهَمٌ أشْتَري به عِنباً ؟ قالَت : لا، قالَ : فعِندَكِ فُلوسٌ؟ قالَت كلَّ، أنتَ أميرُ المؤمنينَ ولا تَقدِرُ (١) انظر السير: (الحَسَنُ البَصْريّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٣/٥٦٠. (٢) انظر السير: (الحَسَنُ البَصْريّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٢/٥٦٣. (٣) انظر السير: (بلالُ بنُ سَعْد) ٩٠/٥ -٩٢، وانظر النزهة: ٣/٥٨٤. (٤) انظر السير: (بلالُ بنُ سَعْد) ٩٠/٥ -٩٢، وانظر النزهة: ٤/٥٨٤. انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٧. (٥) (٦) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٩٠. ٤٦٠