النص المفهرس
صفحات 381-400
٨- الغِيبة (أ) الخَوْفُ من الغِيبة : قالَ جَرِيرُ بنُ حازِمٍ : كُنتُ عند محمَّدِ بنِ سِيرِينَ فِذَكرَ رجُلاً، فقالَ : ذاكَ الأَسْوَدُ، ثم قالَ: إنَّا لله، إنِّي اغْتَبْتُه(١). وقالَ محمَّدُ بنُ أبي حاتم : سَمعتُ أبا عبدِ الله البُخاري يَقولُ لأبي معشَر الضَّرير : اجْعَلِنِي في حِلِّ يا أبا معشر، فقالَ : من أيِّ شَيءٍ ؟ قالَ : رَوَيتُ يَوماً حَديثاً فَنَظرتُ إليك، وقد أُعجِبتَ به، وأنَت تُحرِّكُ رَأْسَكَ ويَدَكَ ، فَتَبَسَّمتُ من ذلكَ قالَ : أنتَ في حِلِّ، رَحمَكَ الله يا أبا عبدِ الله(٢). ( ب ) عِلاجُ الغِيبة : قالَ ابنُ أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حذَّثنا حَرْمَةُ : سَمعتُ ابنَ وَهْب يَقولُ : نَذَرتُ أنِّي كُلَّمَا اغْتَبتُ إنْساناً أنْ أصُومَ يَوماً ، فَأَجْهَدَني، فَكُنتُ أغْتابُ وأصُومُ ، فَنَوَيتُ أَنِّي كُلَّمَا اغْتَبتُ إنْساناً أنْ أَتَصدَّقَ بدِرْهم ، فمِنْ حُبِّ الدَّراهم تَركتُ الغِيْبَة . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هَكذا والله كانَ العُلماءُ وهذا ثَمَرَةُ العِلمِ النَّافع ، وعبدُ الله حُجَّةٌ مُطلقاً، وحَديثُهُ كَثِيرٌ في الصِّحاحِ ، وفي دَواوين الإسْلامِ ، وحَسبُّك بالنَّسائيِّ وتَعَنُّتِهِ في النَّقْد حَيثُ يَقولُ : وابنُ وَهْب ◌ِثِقةٌ، ما أعلَمُه رَوَى عن الثِّقَاتِ حَديثاً مُنْكَراً(٣) . (ج) تَحْذِيرُ العُلَماءِ النَّاسَ ومَنْعُهم من الغِيبة : عن مُسلمٍ البَطين، عن سَعيدِ بنِ جُبَير أنَّه كانَ لا يَدَعُ أحَدَاً يَغْتَابُ عندَه(٤) . (١) انظر السير : ( محمد بن سيرين ) ٤ / ٦٠٦ -٦٢٢، وانظر النزهة : ٦/٥٦٩. (٢) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريُّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة : ٤/١٠١٦. (٣) انظر السير: (عبدُ الله بنُ وَهْب) ٢٢٣/٩-٢٣٤، وانظر النزهة: ٥/٨١٩. (٤) انظر السير: (سَعيدُ بنُ جُبَيْر) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٢/٥٠٧. ٣٨١ عن ابنِ عَوْن، قالَ : كانوا إذا ذَكَروا عندَ محمَّدٍ بنِ سِيرينَ رَجُلاً بسَيْئَة ذَكرَه هو بأحْسَن ما يَعلم وجاءَه ناسٌ فقالوا: إنَّا نِلْنا منكَ فاجْعَلنا في حِلِّ، قالَ : لا أُحِلُّ لَكُم شَيئاً حَرَّمَه اللهُ . ماتَ محمَّدُ بنُ سِيرِينَ بعدَ الحَسَنِ الْبَصْريِّ بمئة يَومٍ ، سَنةً عشْر ومئة (١). وقيلَ : اغْتَابَ رَجلٌ عندَ مَعْروفٍ الكَرْخِيّ فقالَ : اذْكُر القُطْنَ إذا وُضعَ على عَينَيَّك(٢). (د) الغِيبَة مُضَيِّعَةٌ للحَسَناتِ : عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد: إذا بَلغَكَ عن أخيكَ ما يَسوؤُك، فلا تَغْتَمَّ فإنَّه إنْ كانَ كمَا يَقولُ كانَت عُقوبَةً عُجِّلَت ، وإنْ كانَ على غَيرِ ما يَقولُ كانَت حَسَنَةٌ لَمْ تَعمَلْها(٣). ورُويَ عن ابنِ مَهْديٍّ قالَ : لَوْلا أنِّي أكْرَهُ أنْ يُعْصَى اللهُ، لَتَمِنَّيتُ أنْ لا يَبقَىْ أحَدٌ في الْمِصْرِ إِلَّ اغْتَابَني! أيُّ شَيءٍ أهْنأ من حَسَنةٍ يَجِدُها الرجُلُ فِي صَحِيفَتِهِ لَمْ يَعمَلْ بها !! ؟ (٤). (هـ) مَنْ لَمْ يَغْتَبْ أَحَداً قَطّ : قالَ البُخاريُّ: سَمعتُ أبا عاصِم الضَّخَّاكَ بنَ مَخْلَد يَقولُ : منذ عَقلتُ أنَّ الِغِيبَةَ حَرَامٌ ما اغْتَبتُ أحَداً قَطُ (٥) . وقالَ بَكرُ بنُ مُنير : سَمعتُ أبا عبدِ الله البُخاريَّ يَقولُ: أَرْجُو أنْ ألقَى اللهَ ولا يُحاسِبُني أنِّي اغْتَبتُ أحداً (٦). (١) انظر السير: (محمد بن سيرين) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٢/٥٧١. (٢) انظر السير : ( مَعْروف الكَرْخِيّ) ٣٣٩/٩ -٣٤٥، وانظر النزهة : ٦/٨٢٦. انظر السير: ( جَعْفَر بنُ محمَّد) ٢٥٥/٦-٢٧٠، وانظر النزهة: ٥/٦٤٨ . (٣) انظر السير: (عبدُ الرحمن بنُ مَهْديّ) ٩/ ١٩٢-٢٠٩، وانظر النزهة: ١/٨١٧. (٤) انظر السير: ( أبو عاصم) ٩/ ٤٨٠ _ ٤٨٥، وانظر النزهة: ٢/٨٣٦. (٥) (٦) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٥/١٠١٥. ٣٨٢ وقالَ محمَّدُ بنُ أبي حاتم الوَرَّاق : سَمعتُ أبا عبدِ الله البُخاريَّ يَقولُ : ما اغْتَبتُ أحداً قَطُ منذُ عَلمتُ أنَّ الِغِيبَةَ تَضُرُّ أهلَها قالَ : وكانَ أبو عبدِ الله يُصلِّي فِي وَقتِ السَّحَر ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكَعَةً ، وكانَ لا يُوقِظُني في كُلِّ ما يَقومُ فَقُلتُ : أَرَاكَ تَحمِلُ على نَفَسِك ، ولَمْ تُوقِظْني قالَ أنتَ شَابٌّ ، ولا أحِبُّ أنْ أُفْسِدَ عَليكَ نَوَمَك(١) . ( و) قد يَخْتَلِطُ الجَرْعُ بالغِيبة: جاءَ في تَرَجَمَةِ إِسْماعيلٍ بِنِ إِبْراهيمَ ، الْمَعروفِ بابنٍ عُلَيَّةِ : ذكره الإمامُ الذهَبيُّ في ((الْمِيزَانِ)) وتَعقَّبه بقولِه: إمامَةُ إسماعيلَ وَثيقة لا نزاعَ فيها، وقد بَدَتْ منه هَفوَةٌ وتابَ ، فكانَ ماذا ؟ إنِّي أخافُ الله لا يَكونُ ذِكرُنا له من الغِيبَة، وأمَّ القُرآنُ ، فقد قالَ عبدُ الصَّمَد بنُ يَزِيد بنِ مَرْدَوَيْهِ: سَمعتُ ابنَ عُلَيَّةٍ يَقولُ : القُرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوق(٢) . وقالَ السَّمْعانيُّ: كانَ ابن ناصِر يُحبُّ أنْ يَقعَ في النَّاسِ ، فرَدَّ ابنُ الجَوْزيِّ هذا ، وقَبَّحَه ، وقالَ : صاحِبُ الحَديثِ يَجْرَحُ ويُعَدِّلُ، أَفَلا تُفْرِّقُ يا هذا بينَ الجَرحِ والغِيْبَة؟! ثم قالَ: وهو قد احْتَّ بِكَلامِ ابنِ ناصِر في كثيرٍ من الثَّراجِمِ في (( الذَّيل )) له ، ثم بالَغ ابنُ الجَوْزيّ في الحَطِّ عَلَى أبي سَعْد كذلك، ولا رَيبَ أنَّ ابنَ ناصِر يَتعسَّفُ في الحَطُّ على جَماعَة من الشُّيوخ ، وأبو سَعْد أعْلَمُ بالتَّاريخِ ، وأحْفَظُ من ابنٍ الجَوْزيِّ ومن ابنِ ناصِر، وهذا قَولُه في ابنِ ناصِر في ((الذَّيل)) قَالَ: هو ثقةٌ حافِظٌ دَيِّنٌ مُتْقِنٌ ثَبَتْ لُغَويٌّ، عارفٌ بالْمُتونِ والأسانيدِ ، كَثيرَ الصَّلاةِ والتِّلاوَة غيرَ أنَّه يُحبُّ أنْ يَقعَ في النَّاسِ ، وهو صَحِيحُ القِراءَة والنَّقْلِ (٣). (ز) رُؤْيَا فيها تَحْذيرٌ من الغِيبة: وقال السَّمْعانيُّ: سَمعتُ الحَسَنَ بنَ محمد بنِ الرِّضا العَلويّ يقول: سَمعتُ خالي أبا طالب بنَ طَباطبا يقولُ: كنتُ أَشْتُمُ أبداً عبدَ الرحمَن ابنَ مَنْدَه ، فسافرتُ إلى (١) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٠١٦. (٢) انظر السير: (ابنُ عُلَيَّة) ٩/ ١٠٧- ١٢٠، وانظر النزهة: ٨٠٤ / هامش (١). (٣) انظر السير: (ابنُ ناصِر) ٢٦٥/٢٠ -٢٧١، وانظر النزهة: ٢/١٥٥٠. ٣٨٣ جَرْباذَقان (١) ، فرأيتُ أميرَ المؤمنين عُمرَ في النَّومِ ويدُه في يد رجلٍ عليه جُبَّةٌ زَرْقاء ، وفي عَيْنَه نكتةٌ ، فسَلمتُ عليه فلم يرُدَّ عليَّ، وقال تَشْتُمُ هذا فقيلَ لي في المَنامِ : هذا عُمرُ وهذا عبدُ الرحمن بنُ مَندَه فانتبَهتُ ، ثم رجعتُ إلى أصْبَهان ، وقَصَدَتُ عبدَ الرحمَن ، فلمَّا دخَلتُ عليه، صادَفتُه كما رأيتُه في النَّومِ ، فلمَّا سَلَّمتُ عليه قالَ : وعليكَ السَّلامُ يا أبا طَالِب وقَبْلَها ما رآني ولا رَأيْتُه، فقالَ لي قبلَ أن أُكُلِّمَه : شيءٌ حَرَّمَه الله ورسوله يَجوزُ لنا أن نُحِلَّه؟ فقلتُ: اجْعَلني في حِلٌّ، وناشَدْتُه اللهَ وقَبَّلتُ عَيْنَيْه ، فقال : جعلتُكَ في حِلِّ فيما يَرجعُ إليَّ . وعن صاعد بنِ سيّار ، سَمعتُ الإمام أبا إسماعيلَ الأنصاريَّ يقولُ في عبدٍ الرحمن بنِ مَنده : كانت مَضَرَّته أكثرَ من مَنْفَعَته في الإسْلام . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : أطْلقَ عِباراتٍ بَدَّعَه بَعضُهم بها، اللهُ يُسامحُه ، وكان زَاعِراً على مَنْ خالَفَه، فيه خارجيّةٌ ، وله مَحاسِنُ ، وهو في تَواليفِه حاطِبُ ليلٍ ، يَرْوي الغَثَّ والسَّمين ، ويَنظِمُ رَديء الخَرَزِ مع الدُّرِّ الثَمين . ماتَ سَنة سَبعين وأربع مئة، وشَيَّعَه عالَمٌ لا يُحْصَوْن(٢). (١) بلدة قريبة من هَمَذان . (٢) انظر السير: (ابنُ مَندَه) ٣٤٩/١٨ -٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١٤٢٠. ٣٨٤ ٩ - الفُضُول و و (أ) البُعْدُ عن الفُضُول من أخْلاق الصَّالحين : قالَ زَيدُ بنُ أسْلَم : دُخِلَ على أبي دُجانَةَ الأنصاري وهو مَريضٌ ، وكانَ وَجهُه يَتَهَلَّلُ فقيل له : ما لِوَجهِكَ يَتهلَّلُ؟ فقالَ: ما من عَملِ شَيءٍ أوْثَقَ عندي من اثْنَتَين : كُنتُ لا أتَكلَّمُ فيما لا يَعنيني، والأخرَى فكان قَلبي للمُسلمينَ سَلِيماً(١) . وقيلَ : إنَّ رَجلاً قالَ للأحْنَفِ بنِ قَيْس: بِمَ سُدتَ؟ وأرادَ أنْ يَعِيبَه : قالَ الأحْنَفُ : بتَركي مِنْ ما لا يَعنيني ، كمَا عَناكَ مِنْ أمْري ما لا يَعنيكَ(٢). (ب ) عَاقِبَةُ الفُضُول : عن سَهلٍ بنِ عبدِ الله: مَنْ تَكلَّمَ فيما لا يَعنيه حُرمَ الصِّدقَ، ومَنْ اشْتَغْلَ بالفُضُولِ حُرمَ الوَرَعَ ، ومَنْ ظَنَّ السُّوءَ حُرمَ اليَقينَ ، ومَنْ حُرمَ هذه الثَّلاثَة هَلَكَ(٣). (١) انظر السير: (أبو دُجانَة الأنصاري) ١/ ٢٤٣ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٣/١٥٤. (٢) انظر السير: (الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وأنظر النزهة: ٢/٤٥٢. (٣) انظر السير: (سَهْلُ بنُ عبد الله) ٣٣٠/١٣ -٣٣٣، وانظر النزهة: ٥/١٠٩٣. ٣٨٥ ١٠۔ الکېر (أ) تَعْرِيفُ الکبر : قالَ أبو وَهْب الْمَرْوَزِيُّ : سَألْتُ ابنَ الْمُبارَك : ما الكِبْرُ؟ قالَ : أنْ تَزْدَري النَّاسَ فسَألتُه عن العُجْبِ ؟ قالَ : أنْ تَرَى أَنَّ عِندَكَ شَيئاً لَيسَ عندَ غَيرِك، لا أعْلَمُ في الْمُصَلِينَ شَيئاً شَراً من العُجْبٍ(١) . ( ب ) عَاقِبَةُ الكبر : عن محمَّدٍ بنِ عَليٍّ بنِ الحُسَينِ قالَ: ما دَخَلَ قَلبَ امْرىءٍ من الكِبْرِ شَيءٌ إلاَّ نَقُصَ من عَقلِهِ مِقدارُ ذلك(٢) . (ج ) دَواءُ الكبر : قالَ الأحْنَفُ بنُ قَيْس: عَجبتُ لِمَنْ يَجري في مَجرَى البَوْلِ مرَّتَيَن كَيفَ يَتَكَبَّ !! (٣). وكانَ يَزِيدُ بنُ الْمُهَلَّب ذا تِيهِ وكِبْرٍ، رآه مُطَرِّفُ بنُ الشِّخِّيرِ يَسحَبُ حُلَّتُه ، فقالَ له : إنَّ هذه مِشِيَةٌ يَبِغَضُها اللهُ، قالَ: أوما تَعرِفُني؟ قال : بَلَى ، أوَّلك نُطْفَةٌ مَذِرَة ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَة، وأنتَ بينَ ذلكَ تَحْمِلُ العَذِرَةِ(٤) . وعن الأصْمَعيِّ عن أبيه، قالَ: مَرَّ الْمُهَلَّبُ على مالِكِ بنِ دِينار مُتْبَخْتِراً ، فقالَ: أما علمتَ أنَّها مِشِيَةٌ يَكرَهُها اللهُ إلاَّ بينَ الصَّفَّيْنِ؟ فقالَ الْمُهَلَّبُ : أمَا تَعرِفُني ؟ قالَ : بَلَىْ، أَوَّلك نُطْفَةٌ مَذِرَة، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَة، وأنتَ بينَ ذلكَ تَحمِلُ العَذِرَةِ فَانْكَسَرَ ، وقالَ : الآنَ عَرَفَتَنِي حَقَّ الْمَعرِفَةِ (٥) . (١) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة: ٩/٧٦٩. (٢) انظر السير: (أبو جَعْفَر الباقر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة: ٥/٥٢٣. (٣) انظر السير: ( الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤ -٩٧، وانظر النزهة: ٧/٤٥١. انظر السير: (يَزِيدُ بنُ الْمُهَلَّب) ٥٠٣/٤-٥٠٦، وانظر النزهة : ٤/٥٤٥. (٤) (٥) انظر السير: (مالك بن دينار) ٣٦٢/٥ -٣٦٤، وانظر النزهة: ٦/٦٠٩. ٣٨٦ (د) الخَوْفُ من الكِبْرِ والخُيَلاءِ : عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن عَمرِو بنِ الأسْوَد العَنْسيِّ، أنَّه كانَ إذا خَرجَ من الْمَسجِدِ قَبِضَ بَيَمينِه على شِمالِه ، فسُئلَ عن ذلك ، فقالَ : مَخافَةَ أنْ تُنَافِقَ يَدَيَّ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: يُمسِكُها خوفاً من أنْ يَخْطِرَ بِيَدِهِ في مِشْيَتِه ، فإنَّ ذلكَ من الخُيَلاءِ(١). وعن عبدِ الله بنِ أبي سُليْمانَ ، قالَ : كانَ عَليُّ بنُ الحُسَين إذا مَشَىْ لا تُجاوِزُ يَدُه فَخِذَيهِ ولا يَخْطِرُ بها، وإذا قَامَ إلى الصَّلاةِ، أَخَذَتَهُ رِعْدَةٌ ، فقيلَ له ، فقالَ : تَدَرُونَ بِينَ يَدَي مَنْ أَقُومُ ومَنْ أُناجي . وعنه ، أنَّه كانَ إذا تَوضَّأ اصْفَرَّ(٢). وقالَ يَحْبَى السَّيبانيُّ: قالَ لنا ابنُ مُحَيْرِيز : إنِّي أُحدِّثُكم، فلا تَقَولُوا: حدَّثنا ابنُ مُحَيْرِيز ، إنِّي أَخْشَى أنْ يَصْرَعَني ذلكَ القَولُ مَصْرَعاً يَسُوقُني (٣) . وقالَ أَيُّوبُ العَطَّار : سَمعتُ بِشْرَ بنَ الحارِث - رَحمَهُ اللهُ - يَقولُ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْد، ثم قالَ : أَسْتَغْفرُ اللهَ، إنَّ لِذِكرِ الإسْنادِ في القَلبِ خُيَلاء . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: لا أعْلِمُ بينَ العُلَماءِ نِزاعاً في أنَّ حَمَّادَ بنَ زَيْد من أئمَّة السَّلْفِ، ومِنْ أَتْقَنِ الحُفَّاظِ وأَعْدَلِهِم، وأعْدَمِهم غَلطاً ، على سِعَةِ ما رَوَى ، رَحمَهُ الله(٤). وعن ابنِ عُيَيْنَةَ قالَ : مَنْ كانت مَعصيتُه في الشَّهْوَة فارْجُ له ، ومَنْ كانت معصيتُه في الكِبْرِ، فاخْشَ عليه، فإنَّ آدَمَ عَصَىْ مُشْتَهياً، فغُفِرَ له ، وإِبْليسُ عَصَى مُتَكَبِّراً فلُعِنَ(٥). (٢) (١) انظر السير: (عَمْرُو بن الأسْوَد) ٧٩/٤ -٨١، وانظر النزهة: ٢/٤٤٨. انظر السير: (عليٌّ بنُ الحُسَين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة: ٣/٥١٨ . انظر السير : (عبدُ الله بنُ مُحَيْريز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة : ٧/٥٣٩. (٣) (٤) انظر السير: (حَمَّادُ بنُ زَيْد) ٤٥٦/٧ -٤٦٦، وانظر النزهة: ١/٧١٧. (٥) انظر السير: (سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَة) ٤٥٤/٨-٤٧٥، وانظر النزهة : ٥/٧٨٣. ٣٨٧ (هـ) دُخُولُ العُجْبِ والكبْرِ في أهْلِ العِلْم : قالَ قُطبَةُ بنُ العَلاء : سَمعتُ الفُضَيلَ يَقولُ: آفَهُ الْقُرَّاءِ العُجْبُ وللفُصَيلِ رَحمَهُ اللهُ مَواعِظُ ، وقَدٌ في التَّقْوَى رَاسِخٌ . وكانَ يَعيشُ من صِلَة ابنِ الْمُبارَك ونَحوِهِ من أهْلِ الخَيرِ ، ويَمتَنعُ من جَوائِزِ الْمُلوكِ(١). ( و) مِنْ دَقائق الكبْرِ التي يَذْكرُها الصَّالحون على سَبيلِ تَعْليم النُُّوسِ التَّوَاضُعَ : قالَ أبو يَزِيد البَسْطامي: ما دَامَ العَبدُ يَظُنُّ أنَّ في النَّاسِ مَنْ هو شَرِّ منه ، فهو مُتَكَبٌِّ(٢). (ز) كبْرُ بَعْضِ العُلَماء : جاءَ في تَرَجَمَةِ أحمدِ بنِ صالِح : ذكرَه النَّسائيُّ يَوماً، فَرَمَاهُ، وأَسَاءَ الثَّنَاءَ عَليه(٣) . قالَ ابنُ يُونُس : لَمْ يَكنْ عندنا - بحَمِد الله - كما قالَ النَّسائيُّ ولَمْ يكن له آفَةٌ غيرُ الكِبْر (٤) . وقالَ ابنُ عَدي : سَمعتُ عبدَ الله بنَ محمَّد بنِ سَلْم الْمَقدِسيَّ يَقولُ : قَدمتُ مِصْرَ فبدأتُ بحَرمَةَ ، فَكَتبتُ عنه كتابَ عَمرِو بنِ الحارِث ، ويُونُسَ بنِ يَزِيد والفَوائدَ ، ثم ذهبتُ إلى أحمدَ بنِ صالِحٍ فَلَمْ يُحدِّثْني، فحَملتُ كتابَ يَونُسَ ، فخَرَّقْتُه بينَ يَدَيه - أُرْضِيه بذلك ولَيْتِنَي لَمْ أَخَرِّقْه - فَلَمْ يَرْضَ ، ولَمْ يُحدِّثْنِي . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: نَعوذُ بالله من هَذه الأخْلاقِ صَدَقَ أبو سَعيد بنُ يُونُس (١) انظر السير: (الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٦/٧٧٩ . (٢) انظر السير: ( أبو يَزيد البَسْطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ١/١٠٥٥. (٣) انظر السير: (أحمَدُ بنُ صالِحٍ) ١٦٠/١٢ -١٧٧، وانظر النزهة: ٧/٩٨٩. (٤) انظر السير: ( أحمَدُ بنُ صالح) ١٦٠/١٢ -١٧٧، وانظر النزهة: ١/٩٩٠. ٣٨٨ حَيَثُ يَقولُ: لَمْ يَكُنْ له آفَةٌ غَيرُ الكِبْرِ، فَلَوْ قُدحَ فِي عَدَالَتِهِ بذلك، فإنَّه إِثْمٌ كَبِيرٌ(١). ابنُ وَارَة : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ: محمَّدُ بنُ مُسلِمٍ بنِ عُثْمانَ ، الحافِظُ ، الإمَامُ الْمُجوِّدُ ، أبو عبدِ الله بنُ وَارَة الرَّزي ، أحَدُ الأعْلام . ارتَحلَ إلى الآفَاقِ، وكانَ يُضرَبُ به المثَلُ في الحِفِظِ ، على حُمْقٍ فيه وتِيهٍ وكانَ مَولدُه في حُدودِ عامٍ تِسعينَ ومئة . قالَ النَّسائيُّ : هوثِقةٌ ، صاحِبُ حَديث . وقالَ عبدُ الْمُؤمِنِ بنُ أحمَد : كانَ أبو زُرْعَة لا يَقومُ لأحَدٍ ، ولا يُجلِسُ أحَداً في مَكانِهِ ، إِلَّ ابَن وَارَة . قالَ أبو جَعْفَرَ الطَّحاويُّ: ثَلاثَةٌ من عُلِمَاءِ الزَّمانِ بالحَديثِ ، اَنَّفَقوا بالرَّيِّ ، لَمْ يكن في الأرضِ مثلَهم في وَقَتِهِم، فذَكرَ ابنَ وَارَة ، وأبا حاتم ، وأبا زُرعَة(٢). وعن عبدِ الرحمَن بنِ خِراش ، قالَ : كانَ ابنُ وَارَة من أهلِ ههذا الشَّأْنِ الْمُتَقِنِينَ الأُمَناءِ ، كُنتُ لَيلَةً عندَه ، فذَكرَ أبا إسحاقَ السَّبيعيَّ، فَذَكرَ شُيوخَه ، فَذَكرَ فِي طَلْقٍ واحدٍ سَبعينَ ومئتَين من شيوخِه ، ثم قالَ : كانَ غايَةً ، شَيئاً عَجَباً(٣) . قال عُثمانُ بنُ خُرَّزاذ : سَمعتُ الشَّاذَكُونِيَّ يقولُ : جاءَني محمَّدُ بنُ مُسْلم فقَعدَ يَتَفَعَُّ(٤) في كَلامِه ، فقلتُ له : مِنْ أيِّ بلدٍ أنتَ ؟ قال: مِنْ أهْلِ الرَّيِّ ، أَلَمْ يَأْتِكَ خَبري ؟ أَلَمْ تَسمَعْ بِنبَي؟ أنا ذُو الرّحْلَتين قُلتُ : مَنْ رَوَى عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمَةً)) فقالَ: حدَّثَني بعضُ أصْحابِنا قلتُ : مَنْ ؟ قال : أبو نُعَيم وقَبَيْصَة قلتُ: يا غُلامُ! ائْتِي بالدِّرَّة، فأتاني بها ، فأمَرتُه ، فضَربَه بها (١) انظر السير: ( أحمَدُ بنُ صالح) ١٢/ ١٦٠ -١٧٧، وانظر النزهة: ٥/٩٩٠. (٢) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة: ٦/١٠٤٧. (٣) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة: ٧/١٠٤٧. (٤) التقعير : أن يتكلم بأقصى قعر فمه . ٣٨٩ خَمسينَ ، قلتُ : أنتَ تَخرُجُ من عِندي، ما آمَنُ أن تقولَ: حَدَّثني بَعضُ غِلْمانِنا (١). قال زَكريّا السَّاجي: جاءَ ابنُ وَارَة إلىْ كُرَيْب ، وكان في ابنٍ وَارَة بأوّ(٢) فقال لأبي كُرَيْب : ألَمْ يَبْلُغْكِ خَبرِي ؟ أَمْ يأْتِكَ نَّي ، أنا ذو الرَّحْلَتين، أنا محمَّدُ بنُ مُسْلم بنِ وَارَة فقال : وَارَة؟ !! وما أدْراكَ ما وَارَة؟ قُمْ، فواللهِ لا حَدَّثْتُك، ولا حَدَّثْتُ قَوماً أنت فيهم(٣) . قالَ أبو العَبَّاسِ بنُ عُقدَة: دقَّ ابنُ وَارَة على ابنِ كُرَيْب ، فقالَ: مَنْ ؟ قالَ : ابنُ وَارَة ، أبو الحَديثِ وأُمُّه . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : الصَّوابُ في وَفاتِهِ أنَّها في سَنةِ سَبعينَ ومئتَين (٤). (١) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣ -٣٢، وانظر النزهة: ١/١٠٤٨. (٢) البأوُ : الكِبرُ والتِّيه . (٣) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٨. (٤) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣ -٣٢، وانظر النزهة: ٣/١٠٤٨. ٣٩٠ ١١ - الكذب (أ) الدَّعَاوَى الكاذبة : قالَ ابنُ نُقْطَة: كانَ ابنُ دِحْيَةَ مَوْصُوفاً بالْمَعرِفَة والفَضْلِ ولَمْ أرَهُ ، إلاَّ أنَّه كانَ يَذَّعي أشْياءَ لا حَقيقَةً لها ، ذَكرَ لي أبو القاسِم بنُ عبدِ السَّلام ، ثِقَةٌ، فقالَ : نَزَلَ عندَنا ابنُ دِحْيَة فكانَ يَقولُ: أَحْفَظُ ((صَحيحَ مُسْلِمٍ)) و((التِّرْمِذِيَّ)) قالَ: فَأَخَذْتُ خَمسَةً أُحَاديث من ((التِّرْمِذِيِّ)) وخَمسَةً من ((الْمُسْنَد )) وخَمْسَةً من الْمَوْضُوعاتِ فجعلتُها في جُزءٍ ، ثم عَرضتُ عليه حَديثاً من التِّرْمِذِيِّ، فقالَ: لَيسَ بصَحِيحِ، وَآخَرَ فقالَ : لا أَعْرِفُه، ولَمْ يَعرِفْ منها شيئاً !! (١) . ( ب) كفى فَساداً وكذِباً الكلامُ بكلِّ ما يُسْمَع : قالَ ابنُ وَهْب: سَمعتُ مَالِكأَ يَقولُ: أعْلمْ أنَّه فَسَادٌ عَظيمٌ أنْ يَتَكلَّمَ الإنْسانُ بِكُلِّ ما يَسمَعُ(٢). (ج) ((زَعَمُوا )) كنيَةُ الكذب : عن شُرَيح قالَ: ((زَعَمُوا »، كُنْيَةُ الكَذِبْ(٣). (د) كراهِیةُ الكذب : قالَ ابنُ عُبَيْنَةٍ: قالَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله: ما يَسُرُّنِي أَنِّي كَذَبتُ كِذْبَةً وأنَّ لِيَ الدُّنيا وما فيها(٤). (هـ) جَرَيانُ الكذِبِ على الألْسِنَة: عن عاصِمٍ : عن أبي العَاليَة ، قالَ: أَنْتُم أكثَرُ صَلاةً وصِياماً مِمَّنْ كانَ قَبَلَكُم ، ولكنَّ الكَذِبَ قد جَرَى على ألْسِنَتِكم(٥) . (١) انظر السير: (ابنُ دِحْيَة) ٣٨٩/٢٢ -٣٩٥، وانظر النزهة : ٢/١٧٠٦. (٢) انظر السير: (مالِكَ الإمَام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٢٨. ٩ (٣) انظر السير: ( شَرَيحُ القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة: ٧/٤٥٦. انظر السير: ( مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله) ٤/ ١٨٧ - ١٩٥، وانظر النزهة : ٤٧٦/ ٧. (٤) (٥) انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤ -٢١٣، وانظر النزهة: ٥/٤٧٩. ٣٩١ ١٢ - النّفَاق (أ) مِنْ صِفَاتِ المُنَافِقِ: قالَ الوَليدُ بنُ مَزْيَد: سَمعتُ الأوْزَاعِيَّ يَقولُ: إنَّ الْمُؤمِنَ يَقولُ قَليلاً، ويَعمَلُ كَثِيراً، وإِنَّ الْمُنافِقَ يَتَكلَّمُ كَثِيراً، ويَعمَلُ قَليلاً(١) . وعن شَقيقٍ قالَ: مَثلُ الْمُؤمِنِ مَثلُ مَنْ غَرسَ نَخْلَةً يَخافُ أنْ تَحمِلَ شَوْكاً ، ومَثلُ الْمُنَافِقِ مَثلُ مَنْ زَرَعَ شَوْكاً يَطمَعُ أَنْ يَحمِلَ تَمْراً، هَيْهات(٢). ( ب) الخَوْفُ من النِّفَاق العَمَلي : رَوَى أبو حَيَّنَ عن إبراهيمَ بنِ يَزِيد قالَ : ما عَرَضتُ قَوْلِي عَلىُ عَمَلي إلاَّ خِفتُ أنْ أكُونَ مُكَذَّبًا(٣). (ج) مِنْ صُوَر النِّفَاق العَمَلي : عن وَهْبٍ بنِ مُنبّه ، قالَ: إذا سَمعتَ مَنْ يَمدَحُك بما لَيسَ فيكَ، فلا تَأْمَنْهُ أنْ يَذُمَّكَ بِمَا لَيسَ فيكَ (٤) . ومِنْ كَلامِ الخَرَّازِ: كُلُّ باطِنٍ يُخَالِفُهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ بَاطِلٌ(٥) . (١) انظر السير: (الأوزاعِيُّ) ١٠٧/٧ -١٣٤، وانظر النزهة: ٢/٦٨٤. (٢) انظر السير: (شقيق) ٣١٣/٩-٣١٦، وانظر النزهة: ٧/٨٢٣. انظر السير: ( إبراهيمُ بنُ يَزيد) ٦٠/٥ -٦٢، وانظر النزهة : ٤/٥٨٠. (٣) (٤) انظر السير: (وَهْبُ بنُ مُنبّه) ٥٤٤/٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة : ٨/٥٥٤. (٥) انظر السير: (الخَرَّاز) ٤١٩/١٣-٤٢٢، وانظر النزهة: ٣/١٠٩٧. ٣٩٢ الحُبُّ والعِشْق ١- قصَصُ الحُبّ: عن ابنِ عبَّاس : أنَّ زَوْجَ بَريرة كان عبداً أسْوَدَ، يُسمَّى: مُغيثاً، فقَضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيها أرْبَع قَضيات : أنَّ مَواليها اشْتَرطُوا الوَلاءَ ، فقَضى أنَّ الوَلاءَ لمَنْ أعْتَقَ ، وخُيِّرَتْ فاخْتَارَتِ نَفَسَها ، فأمَرَ النبيُّ أنْ تَعْتَدَّ فَكُنتُ أراهُ يَتَّبِعُها في سِكَكِ المَدِينَةِ ، يَعْصِرُ عَينَيَه عليها . قالَ : وتُصُدِّقَ عليها بصَدقَةً ، فأهْدَت منها إلى عائشَةَ، فذُكرَ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: (( هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). وعن ابنِ سِيرينَ : أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَيَّرَ بَرِيرَةَ فكلَّمَها فيه فقَالَت : يا رَسُولَ الله، أشَيءٌ واجِبٌ؟ قالَ: ((لا، إنَّمَا أَشْفَعُ لَهُ))(١). عن عِكْرِمَةَ ، قالَ : ذُكرَ زَوجُ بَرِيرَةَ عندَ ابنِ عبَّاس ، فقالَ: ذاكَ مُغيثٌ ، عَبدُ بَني فُلان ، قد رَأيْتُهُ يَبْكِي خَلفَها يَتْبَعُها في الطَّريقِ . فأمَّا الجاريَةُ التي في حَديثِ الإِفْكِ ، التي سُئلَت عمَّا تَعلَمُ عن عائشة، فأُخْرَى غَيرُ بَرِيرَة(٢) . وقد هَوِيَ عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر الصِّدِّيق ابنَةَ الجُودِيِّ، وتَغَزَّلَ فيها بقَولِه : (١) ابن سعد (٢٥٩/٨)، ورجاله ثقات، لكنه مرسل، وأخرج البخاري في ((صحيحه)) (٣٥٩/٩) في الطلاق: (( باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بَرِيرَة)) عن طريق محمد بن سلام ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن زوج بَرِيرَة كان عبداً يُقال له ((مغيث)) كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ، ودموعه تسيل على لحيته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس : ((يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ منْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثاً)) ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ رَاجَعَتْهُ)) قالت: يا رَسولَ الله تأمُرُّني؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: (( ((إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ )) قالت : فلا حاجة لي فيه . (٢) انظر السير: ( بَرِيرَة مَوْلاةُ أمِّ المؤمنين عائشة) ٢٩٧/٢ - ٣٠٤، وانظر النزهة: ٢/٢٦٣. ٣٩٣ فمَا لابْنَةِ الجُودِيِّ لَيْلَىُ وَمَا لِيَا تَذَكَّرْتُ لَيْلَىُ وَالسَّماوَةُ دُونَها تَدَقَّنُ بصرىُ(١) أَوْ تَحُلُّ الجَوَابِيَا وأَنَّى تُعَاطِي قَلْبَه حارثِيَّةٌ إِنِ النَّاسُ حَجُوا قابلاً أَنْ تُوَافِيَا وأَنَّى تُلاَقِيهَا بَلَىْ وَلَعَلَّهَا فقالَ عُمَرُ لأميرٍ عَسْكِرِه : إنْ ظَفرتَ بهذه عنوَة ، فَادْفَعها إلى ابنِ أبي بكر ، فظَفرَ بها ، فدَفعَها إليه فأُعْجِبَ بها، وآثرها على نِسائه، حتَّى شَكوْنَه إلى عائشة، فقالَت له : لَقَد أفْرَطتَ فقالَ: والله إنِّي لأرشُفُ من ثناياها حَبَّ الرُّمَّان فأصابَها وَجَعٌ فسَقَطَت أسْنانَها، فجَفَاها، حتَّى شَكَتَهُ إلى عائشة فكلَّمَته قالَ : فجَهَّزَها إلىُ أهْلِها وكانَت من بَاتِ الْمُلوكِ(٢). ذَكَرَ الزُّبَيرُ بنُ بِكَّار أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ أبي مُلَيْكَة عن أبيه عن جَدِّه قالَ: دَخلَ ابنُ أبي عَمَّار وهو يَومئذ فَقيهُ أهلِ الحِجازِ على نَخَّاس فعَرضَ عليه جاريَةً فعَلقَ بها وأخَذَه أمْرٌ عَظيمٌ ولَمْ يَكِنْ مَعه مِقْدَارُ ثَمنِها فمَشَىْ إليه عَطَاءٌ وطَاؤُوسٌ ومُجاهِدٌ يَعْذُلُونَه وبَلِغَ خَبرُه عبدَ الله فاشْتَراها بأرْبَعِينَ ألفاً وزَيَّنَها وحَلاَّها ثم طَلبَ ابنَ أبي عَمَّار فقَالَ : ما فَعَلَ حُبُّكَ فُلانَةَ؟ قالَ : هي التي هامَ قَلبي بذِكْرِها والنَّفْسُ مَشْغُولَةٌ بها فقالَ : يا جارِيَة أُخْرِجيها فأخْرَجَتْها تَرفُلُ في الحُلِيِّ والحُلَلِ، فقالَ شَأَنُك بها بارَكَ اللهُ لكَ فيها فقالَ : تَفَضَّلتَ بشَيءٍ ما يَتفضَّلُ به إلاَّ الله فلمَّا وَلَّى بها قالَ يا غُلامُ احْمِلْ مَعه مئةَ ألفِ دِرِهَم فقالَ: لَئِنْ والله وُعِدْنا نَعَيمَ الآخِرَة فقد عَجَّتَ نَعيمَ الدُّنيا(٣). الْمَجْنون : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَتِهِ : قَيَسُ بنُ الْمُلَوَّحِ، من بَني عامِرِ بنِ صَعْصَعَة ، الذي قَتَله الحُبُّ فِي لَيْلَىُ بنتِ مَهْدِي العَامِرَّة (٤) . (١) قوله ( تَدَمَّنُ بُصْرَى) أي : تَغشاها وتلزمها. (٢) انظر السير: (عبدُ الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق) ٤٧١/٢-٤٧٣، وانظر النزهة : ٢/٢٩٢. انظر السير: (عبدُ الله بن جَعْفَر) ٤٥٦/٣-٤٦٢، وانظر النزهة : ٣/٤٠٩ . (٣) (٤) انظر السير: (الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة: ١/٤٢٩. ٣٩٤ قد أَنْكَرَ بَعضُهُم لَيْلَىُ والمَجْنونَ، وهذا دَفعٌ بالصَّدر ، فما مَنْ لمْ يَعْلَمْ حُجَّة على مَنْ عِندَه عِلمٌ ، ولا المُثْبِتِ كالنَّافي ، لكنْ إذا كان المُثْبِتُ لشَيءٍ شِبْهَ خُرافَة ، والنَّافي لَيسَ غَرَضُه دَفعَ الحَقِّ، فَهُنا النَّافِي مُقدَّمٌ، وهُنا تَقَعُ المُكابَرَة وتُسْكَبُ العَبْرةُ ، فقيلَ : إِنَّ المَجْنونَ عَلِقَ لَيْلَى عَلَاقَةَ الصِّبَا وكانا يَرْعَيان البَهْمَ (١).،(٢). ألا تَسْمَعْ قَولَه وما أفْحَلَ شِعْرَه : وَلَمْ يَبْدُ لْلأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهْيَ ذَاتُ ذُؤَابَةٍ إِلَى اليَومٍ لَمْ تَكْبُرْ وَلَمْ تَكْبُرِ البَهْمُ صَغِيرَيْنِ نَرْعَى البَهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّا فاشتَدَّ شَغَفُهُ بها حتَّى وُسْوسَ وتَخْبَّلَ في عَقِلِهِ(٣) . قالَ أبو عُبَيْدَة : تَزَايَدَ به الأَمْرُ حتَّى فَقَدَ عَقلَه ، فكانَ لا يُؤْويه رَحْلٌ ولا يَعلُوهُ ثَوبٌ إلَّ مَزَّقَه ، ويُقالُ: إنَّ قَوْمَ لَيْلَى شَكَوا الْمَجْنُونَ إلى السُّلطَانِ ، فَأَهْدَرَ دَمَه، وتَرحَّلَ قَومُها بهَا . فجاءَ وبَقِيَ يَتْمَرَّغُ فِي الْمَحِلَّةِ ، ويَقولُ (٤) : بذي سلم(٦) لا جادكُنَّ ربیعُ أَيَا حَرَجات(٥) الحيِّ حیث تحمَّلوا بَلِيْنَ بِلَىّ لم تَبْلَهُنَّ رُبُوعُ وخيماتُكَ اللاتي بمُنْعَرجِ اللَّوى وقيلَ: إنَّ قَومَه حَجُوا به لِيَزُورَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، ويَدعُو حتَّى إذا كانَ بِمِنَى سَمِعَ نداءً: يا لَيْلَى ، فغُشيَ عليه وجَزْعَتْ هي لِفِراقِه وضَنِتْ ، وشِعرُه كثيرٌ من أَرَقِّ شَيءٍ وأعْذَبِهِ ، وكانَ في دَولَةِ يَزِيدَ وابنِ الزُّبَيْرِ(٧). (١) البُهْم : جمع بَهْمة، وهو الصغير من الضأن ، الذكر والأنثى في ذلك سواء. (٢) انظر السير: ( الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة : ٢/٤٢٩. انظر السير: ( الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة: ٣/٤٢٩. (٣) انظر السير: ( الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة : ٤/٤٢٩. (٤) حرجات : جمع حرجة ، وهي الغيضة الملتفة الشجر ، أو الشجرة بين الأشجار لا تصل إليها الأيدي . (٥) (٦) ذو سلم : موضع بالحجاز . (٧) انظر السير: (الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة: ١/٤٣٠. ٣٩٥ جَميلُ بنُ عَبدِ الله : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَتِهِ : ابنُ مَعْمَر أبو عَمْرٍو العُذْرِيُّ الشَّاعِرُ البَلِيغُ ، صاحِبُ بُثَيْنَة. وما أحْلَى اسْتِهْلالَه حيثُ يَقولُ : ألا أيها النُّؤَّام ويحكُمْ هبُوا أسائلكمُ هل يقتُلُ الرَّجُلَ الحبُّ ويُحكَى عنه تَصَوُّنٌ ودينٌ وعِقَّةٌ . يُقالُ : ماتَ سَنَ اثْنَيْنٍ وَثَمانينَ وقيلَ : بَلْ عاشَ حتَّى وَفَدَ علىَ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ. ونَظْمُه في الذُّروَةِ، يُذكَرُ مع كُثَيُرِ عَزَّة والفَرَزْدَق(١). ٢- شِعْرٌ في الحُبِّ والغَزَل : وقد هَوِيَ عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر الصِّدِّيق ابنَةَ الجُودِيِّ، وتَغَزَّلَ فيها بقَولِه : فما لابنة الجوديِّ ليلى وما ليا تذكرتُ ليلىُ والسماوةُ دونَها تدمَّن بصرى(٢) أو تحلُّ الجَوابيا وأنى تُعاطي قلبَهُ حارثیةٌ إنِ الناسُ حجُّوا قابلاً أنْ تُوافیا وأنَّى تُلاقيها بلى ولعلها فقالَ عُمَرُ لأميرٍ عَسْكِرِهِ : إِنْ ظَفرتَ بهذه عنوَة ، فادْفَعها إلى ابنِ أبي بكر ، فظَفرَ بها ، فدَفعَها إليه فأُعْجِبَ بها، وآثرها على نِسائه، حتَّى شَكوْنَه إلى عائشة، فقالَت له : لَقَد أفْرَطتَ فقالَ: والله إنِّي لأَرشُفُ من ثنَاياها حَبَّ الرُّمَّان فأصابَها وَجَعٌ فسَقَطَت أسْنانَها، فجَفَاها، حتَّى شَكَتَهُ إلى عائشة فكلَّمَته قالَ : فجَهَّزَها إلى أهْلِها وكانَت من بَنَاتِ الْمُلوكِ(٣). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ قَيْسٍ بنِ الْمُلَوَّحِ: ألا تَسْمَعْ قَولَه وما أفْحَلَ شِعْرَه: (١) انظر السير: (جَميلُ بنُ عبد الله) ١٨١/٤، وانظر النزهة: ٢/٤٧٢. (٢) قوله: ( تَدمَّنُ بُصْرَى ) أي : تغشاها وتلزمها . (٣) انظر السير: (عبدُ الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق) ٢/ ٤٧١-٤٧٣، وانظر النزهة: ٢/٢٩٢. ٣٩٦ ولم يبدُ للأترابِ من ثديها حجمُ تعلَّقتُ ليلىُ وهي ذاتُ ذؤابةٍ إلى اليوم لم نكبُرْ ولم تكبُرِ البَهْمُ صغيرَيْنِ نرعى البَهْم يا ليتَ أننا فاشتَدَّ شَغَفُهُ بها حتَّى وُسْوسَ وتَخْبَّلَ في عَقِلِهِ(١) . قالَ أبو عُبَيْدَة : تَزَايَدَ به الأمرُ حتَّى فَقَدَ عَقْلَه، فكانَ لا يُؤْويه رَحْلٌ ولا يَعلُوهُ ثَوبٌ إلاَّ مَزَّقَه، ويُقالُ: إِنَّ قَومَ لَيْلَى شَكَوا الْمَجْنُونَ إلى السُّلطَانِ، فَأَهْدَرَ دَمَه، وتَرَخَّلَ قَومُها بهَا . فجاءَ وبَقِيَ يَتْمَرَّغُ فِي الْمَحِلَّةِ ، ويَقولُ (٢): بذي سلم(٤) لا جادكُنَّ ربیعُ أيا حرجات(٣) الحيِّ حیث تحمّلوا بَلِينَ بِلىّ لم تَبْلَهُنَّ رُبوعُ وخيماتك اللاتي بمنْعَرَج اللِّوى قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : ابنُ مَعْمَر أبو عَمْرٍو العُذْرِيُّ الشَّاعِرُ البَلِيغُ ، صاحِبُ بُثَيْنَة . وما أحْلَى اسْتِهْلالَه حيثُ يَقولُ : أُسائِلكُمْ: هَلْ يقتلُ الرجلَ الحبُّ ألا أيُّها النُّوَامُ وَيحكمْ هُبُّوا ويُحكَى عنه تَصَوُّنٌ ودينٌ وعِفَّةٌ . يُقالُ: ماتَ سَنةَ اثَينِ وَثَمانينَ وقيلَ: بَلْ عاشَ حتَّى وَفَدَ علىْ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ. ونَظْمُه في الذُّروَةِ، يُذكَرُ مِع كُثَيِّرِ عَزَّة والفَرَزْدَق(٥) . وقالَ الْمُرْسي : أَبُّكَ ما في القلبِ من لَوْعةِ الحبُّ وما قدْ جَنَتْ تِلكَ اللِّحاظ علىْ لُبِّي (١) انظر السير: (الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة: ٣/٤٢٩. (٢) حرجات: جمع حرجة ، وهي الغيضة الملتفة الشجر ، أو الشجرة بين الأشجار لا تصل إليها الأيدي. (٣) ذو سلم : موضع بالحجاز . انظر السير: (الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة : ٤/٤٢٩. (٤) (٥) انظر السير: ( جَميلُ بنُ عبد الله) ٤/ ١٨١، وانظر النزهة : ٢/٤٧٢. ٣٩٧ ولكنْ غدا سُقْمي على سُقْمِها يُربي أعارتْنيَ السُّقْمَ التي بجُفونِها قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: ولَه أبياتٌ رَقيقَةٌ هَكَذا، وكانَ بَحْرَ مَعارِف ، رَحمَهُ الله(١) . ٣- شِعْرٌ فِي فَقْد الأَحِبَّة : قالَ أبو الفَضْلِ بنُ الْمَأْمُون: أنْشَدَنا أبو عَلَيٍّ بنُ مُقْلَة النَفسِهِ (٢): فَخَلٌّ عَنْ قولِ الأطباءِ إذا أتى الموتُ لميقاتِهِ فالصبرُ مِنْ فِعْل الألِبَّاءِ وإِنْ مضىْ مَنْ أنتَ صِبُّ بهِ أمرٌّ مِنْ فَقْدِ الأحباءِ ما مَرَّ شيءٌ ببني آدمٍ ٤ - صُوَرٌّ من العِشْقِ المُحَرَّم : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الطَّائع لله العَبَّاسِيِّ: وجَرَت وَقْعَةٌ بينَ عِزِّ الدَّولَة ، وعَضُدِ الدَّولَةِ، أُسِرَ فيها مَمْلوكٌ أمْرَدُ لِعِزُّ الدَّولَةِ فجُنَّ عليه، وأخَذَ في البُكاءِ ، وتَركَ الأكْلَ وتَذَلَّلَ فِي طَلبه ، فصَارَ ضُحْكَةً وبَذَلَ جَارِيَتَيْنِ عَوَّادَتَينٍ فِي فِدَائِهِ(٣) . (١) انظر السير: (الْمُرْسي) ٣١٢/٢٣-٣١٨، وانظر النزهة: ١/١٧٣٨. (٢) انظر السير: (ابنُ مُقْلة) ٢٢٤/١٥-٢٣٠، وانظر النزهة: ١/١٢٢٣ (٣) انظر السير: (الطَّائع الله) ١١٨/١٥ -١٢٧، وانظر النزهة: ٢/١١٩١. ٣٩٨ أخبارُ النِّساء ١ - مِثالٌ علىْ مُكثِ النِّساء في بُيُوتِهِنَّ وعَدم الخُروج إلاَّ لحَاجَة : قالَ مَهْدي بنُ مَيْمُون : مَكثَت حَفْصَةُ بنتُ سِيرِينَ ثَلاثينَ سَنةً لا تَخرُجُ من مُصَلَأَّها إلاَّ لِقائلَةٍ أو قَضاءِ حَاجَةٍ(١) . ٢- الحاكمُ بأمْر الله فرضَ على النِّساء الإقامة الجَبرِيَّة في البيوت : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الحاكِمِ العُبَيْدِيِّ ، صاحِبٍ مِصْرَ : ومَنعَ النِّساءَ من الخُروجِ من البيوتِ ، فَأَحْسَنَ ، وأبْطَلَ عَملَ الخِفافِ لهُنَّ جُمْلَة ، وما زِلْنَ مَمْنوعاتٍ من الخُروجِ سَبعَ سِنِينَ وسَبعَةَ أَشْهُر(٢). ٣- الحُرَّةُ لا تَزْني : وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ العَزِيزِ بالله العُبَيْدِيِّ ، صاحِبٍ مِصْر : وفي سَنة سِتُّ وسِتِينَ وثَلاثِ مئة حَجَّت جَميلةُ بنتُ ناصِرِ الدَّولَة ، صاحِبِ المَوْصِلِ فممَّا كانَ مَعَها أَرْبَعُ مَّة مَحْمَل فكانت لا يُدْرَى في أي مَحْمَل هي وأعْتَقَت خَمسَ مئَّة نَفْس ونثَرَت على الكَعْبَة عَشرَةَ آلاف مِثْقال وسَقَت جَميعَ الوَفْدِ سَوِيقَ الشُّكَّر والثَّلْج ، كذا قالَ الثَّعالبيُّ ، وخَلعَت وكَسَت خَمسينَ ألفاً ولقد خَطبَها السُّلْطانُ عَضُد الدَّولَة فأبَتْ فحَنقَ لذلك ، ثم تمَكَّنَ منها فأفْقَرَها وعَذَّبَها ، ثم ألْزَمَها أنْ تَعقدَ في الحائَة لتحصلَ من الفاحشَة ما تُؤدِّي ، فمَرَّتْ معَ الأَعْوانِ ، فَقَذَفَتْ نَفْسَها فِي دِجْلَةَ ، فَغَرِقَت، عَفَا اللهُ عَنها . وفي سنة سِتِّ وثَمانِينَ في رَمَضَانَ ماتَ العَزيزُ بُلْبِيسَ في حِمَّام من القُولَنجِ ، وعُمرُه اثنتان وأرْبَعون سَنةً وأَشْهُر وقامَ ابنُه الحاكِمُ الزِّنْدِيقُ(٣). (١) انظر السير: (حَفْصَة بنتُ سِيرين) ٥٠٧/٤، وانظر النزهة: ٣/٥٤٦ . (٢) انظر السير: (الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٥/١٢٠٨ . (٣) انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/١٢٠٧. ٣٩٩ ٤ - مِنْ أخْبار الجَواري : (أ) جَوارٍ يَحْفَظْنَ القُرآنَ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ زُبَيْدَة بنتِ جَعْفَر الْمَنْصور، زَوجَة هَارونَ الرَّشيد : كانَ في قَصْرِها من الجَواري نَحوٌّ من مئة جاريَة كُلُّنَّ يَحْفَظنَ القُرآنَ(١). ( ب ) أخبارُهُنَّ مع مَواليهِنَّ العُلَماء : قالَ أبو العَبَّاسِ الأزْهَرِيُّ: سَمعتُ خادِمَةَ محمَّد بنِ يَحْبَى الذُّهْليِّ، وهو على السّريرِ يُغَسَّل، تَقولُ: خَدَمتُه ثَلاثينَ سَنةً، وكُنتُ أضَعُ له الْمَاءَ ، فمَا رَأيتُ سَاقَه قَطُّ ، وأنا مِلكٌ له (٢). وقالَ خَيْثَمَةُ بنُ سُليمانَ : مَازَحَ العَبَّاسُ بنُ الوَليد يَوماً جَارِيَةً له فدَفعَتْهُ فَوَقَعَ ، فانْكسَرَت رِجلُهُ، فَلَمْ يُحدِّثْنا عِشرينَ يَوماً فَكُنَّا نَلْقَى الجاريَّةَ، ونَقُولُ: حَسْبُكِ اللهُ كَمَا كَسَرتِ رِجْلَ الشَّبِخِ، وحَبَسِتِنَا عن الحَديثِ(٣). ٥ - مَواقِفُ عَظيمَةٌ لِنِساءِ عَظيماتٍ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، في وَفْعَة مَرْجِ الصفر: وقالَ سَعيدُ بنُ عَبدِ العَزيزِ: الْتَّقَوا على النَّهْرِ عندَ الطَّاحُونَةَ، فقُتلَت الرُّومُ يومَئذٍ حتَّى جَرَى النَّهْرُ وطَحَنَت طاحُونَتَها بدِمائهم ، فأنْزِلَ النَّصْرُ . وقَتْلَت يَومئذٍ أمّ حَكيم سَبعَةً من الرُّومِ بِعَمودِ فُسْطاطِها (٤). ورُويَ أنَّ نائلَةَ بنتَ الفَرَافِصَة، زَوْجَةَ عُثْمانَ بنِ عَفَّان رضي الله عنه كانَت مَلِيحَةَ الثَّغْرِ ، فَكَسَرَت ثَنَايَاها بحَجَرٍ ، وقالَت : والله لا يَجْتَلِيكُنَّ أحَدٌ بعدَ عُثْمَانَ ، فلمَّا (١) انظر السير: (زُبَيْدَة) ٢٤١/١٠، وانظر النزهة: ١/٨٧٣. (٢) انظر السير: (الذُّهْلِيُّ وابنُه) ٢٧٣/١٢ -٢٨٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٠٠. (٣) انظر السير: (البَيْروتيُّ) ٤٧١/١٢-٤٧٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٢٢. (٤) انظر السير: (أبو بكر الصِّدِّيق)، وانظر النزهة: ١/٤٣. ٤٠٠