النص المفهرس
صفحات 361-380
وقالَ دَاوُدُ بنُ الحُسَينِ البَيْهَقِيُّ: كُنَّا نَخْتَلِفُ إلى عَمرِو بنِ زُرارَة فخَرجَ عَلينا يَوماً فضَحِكَ رَجُلٌ ، فقَالَ عَمرُو: هَبِ التَّحَرُّجَ ، أَلَيسَ الثُّقَى؟ هَبِ الثُّقَى، أليسَ الحَياء ؟ ثم قامَ ودَخلَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: قد يُقالُ للزَّعِرِ الأخْلاقِ: هَبِ حُسْنَ الخُلُقْ ذَهَبَ ، أَلَيسَ الِحِلْمُ؟ وهَبِ الحِلْمَ ذَهَبَ، أَلَيْسَ العَفْوُ؟(١). (١) انظر السير: (عَمْرو بنُ زُرارَة) ٤٠٦/١١ -٤٠٧، وانظر النزهة: ٣/٩٥٤. ٣٦١ آفاتٌ مُتنوِّعَةٌ في القَلب واللِّسَان (١) الأذِيَّة (أ) مَنْ قَتلَه الله قبلَ أنْ يُؤذي النَّاسَ : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ العَزيزِ ، عُثْمانِ بنِ السُّلطان صَلاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب: نَقَلتُ من خَطِّ الضِّياءِ الحافِظِ ، قالَ: خَرجَ إلى الصَّيدِ، فجاءَته كُتبٌ من دِمَشْقَ في أذِيَّة أصْحابِنا الحَنابِلَة - يَعني في فِتْنَة الحافِظِ عبدِ الغَنِيّ - فقالَ: إذا رَجَعنا من هذه السَّفْرَة، كلُّ مَنْ كانَ يَقولُ بمَقالَتِهِم أخْرَجْناهُ من بَلدِنا، قالَ: فَرَماهُ فَرَسٌ ، ووَقَعَ عليه ، فَخَسَفَ صَدرَه، كذا حدَّثني يُوسُفُ بنُ الطُّفَيْلِ، وهو الذي غَسَّلَه . وقالَ الْمُنْذِرُّ: عاشَ ثَمانياً وعِشْرينَ سَنةً ماتَ سَنَةَ خَمسٍ وتِسْعينَ وخَمْسٍ مئه(١) . (ب) قَوْلٌ يَحُثُّ على البُعْد عن الأذِيَّة : قالَ فَيْضُ بنُ إِسْحَاقَ : قالَ الفُضَيْلُ بنُ عِياض : والله ما يَحِلُّ لَكَ أنْ تُؤْذِي كَلباً ولا خِنْزِيراً بغَيرِ حَقٌّ، فَكَيفَ تُؤْذِي مُسْلِماً(٢) . (١) انظر السير: (العَزيز) ٢٩١/٢١ -٢٩٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٤. (٢) انظر السير: (الفُضَيْلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة : ٥/٧٧٤. ٣٦٢ (٢) الجدَالُ والمِراء (أ) شِعْرٌ في الحَثِّ على البُعْد عن المِراءِ: قالَ جَعْفَرُ بنُ عَوْن : سَمعتُ مِسْعَراً يُوصِي وَلَدَه كِدامً(١) : فَاسْمَعْ مَقَالَ أَبٍ عَلَيْكَ شَفِيقٍ إِنِّي مَنَحْتُكَ يَا كِدَامُ نَصِيحَتِي خُلُقَانِ لا أَرْضَاهُمَا لِصَدِيقِ أَمَّا الْمُزَاحَةُ والِمِرَاءُ فَدَعْهُما لِمُجَاوِرِ جَاراً ولا لِرَفِيقِ إِنِّي بَلَوْتُهُمَا فَلَمْ أَحْمَدْهُمَا وعُرُوقُهُ في النَّاسِ أيُّ عُرُوقٍ والجَهْلِ يُزري بالفَتَّىَ في قَوْمِهِ قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : وهذانِ البَيِّتَانِ أظُنُّهما لابنِ الْمُبارَك : فَلْيَأْتِ حَلْقَةَ مِسْعَرٍ بْنِ كِدَامِ مَنْ كَانَ مُلْتَمِساً جَلِيساً صَالِحاً أهْلُ العفَاف وعِلْيَةُ الأَقْوامِ فيها السَّكِينَةُ والوَقَارُ وأَهْلُهَا (ب ) أقْوالٌ بَليغَة تَحُتُّ على البُعْدِ عن المِرَاءِ والجِدَالِ: عن خالدِ بنِ يَزيدِ بنِ مُعاويَة قالَ: إذا كانَ الرَّجُلُ لَجُوجاً ، مُمَارياً، مُعجَباً برأيه ، فقد تمَّت خَسارَتُه . قيلَ : تُوفِّيَ سَنةَ أرْبَعِ أو خَمسٍ وثَمانِينَ(٢). وعن وَهْبٍ بنِ مُنَبِّه قالَ: دَع الْمِراءَ والْجَدَلَ، فإنَّه لَنْ يُعْجِزَ أحدَ رَجُلَيْن : رجلٌ هو أعْلَمُ منكَ، فَكَيفَ تُعادي وَتُجادِلُ مَنْ هو أعلَمُ منكَ ؟ ورجلٌ أنتَ أعلَمُ منه ، فَكَيفَ تُعادي وتُجادِلُ مَنْ أنت أعلَمُ منه ولا يُطِيعُك؟(٣). (١) انظر السير: (مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ٤/٦٩٠. (٢) انظر السير: (خالد ابن الخَليفَة يَزيد) ٣٨٢/٤ -٣٨٣، وانظر النزهة: ٦/٥١٥. (٣) انظر السير: (وَهْب بن مُنْبَّه) ٥٤٤/٤- ٥٥٧، وانظر النزهة: ٢/٤٥٤. ٣٦٣ ورَوَى الأَوْزاعِيُّ عن عَبْدَةَ بنِ أبي لُبَابَةَ قالَ: إذا رَأْيتَ الرَّجُلَ لَجُوجاً مُمارياً مُعْجَباً برَأيه ، فقد تَمَّتْ خَسارَتُه(١) . وعن يَحْيَى بنِ أبي كثير قالَ: قالَ سُليمانُ عليه السلام: يا بُنيَّ إِيَّاكَ والْمِراءَ ، فإنَّه لَيسَ فيه مَنْفعَةٌ، وهو يُورِثُ العَداوَةَ بين الإخْوانِ(٢) . وعن مَنْصورِ بنِ أبي مُزاحِم ، حذَّثنا عَنْبَسَةُ الخَتْعَميُّ ، وكان من الأخيار ، سَمعتُ جَعْفَرَ بنَ مُحمَّد يَقولُ : إِيَّاكُم والخُصومَةُ في الدِّينِ ، فإنَّها تشغلُ القَلبَ ، وتُورِثُ النِّفاقَ(٣). وقال الوَليدُ بنُ مَزْيَد : سَمعتُ الأوْزاعيَّ يَقولُ: إذا أرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ شَرّاً فَتحَ عَليهِم الجَدَلَ ومَنَّعَهُمْ العَمَلَ (٤) . وعن الإمامِ مَالكِ قالَ : الجِدالُ في الدِّينِ يُنشىءُ الْمِراءَ، ويَذْهَبُ بنُورِ العِلْمِ من القَلبِ ويُقَسِّي ، ويُورِثُ الضُّغْنَ(٥) . وعن مَعْروفِ الكرْخِيِّ قالَ: إذا أرادَ اللهُ بعَبدٍ شَرّاً، أغْلقَ عنه بابَ العَمَل، وفَتْحَ عَليه بابَ الجَدَل(٦) . وقال الرّبيعُ : سَمعتُ الشَّافعيَّ يَقولُ : الْمِرَاءُ في الدِّينِ يُقَسِّي القَلبَ ، ويُورِثُ الضَّغائِنَ(٧) . (ج) الصَّالِحِونَ بَعيدُون عن المِرَاءِ: عن أبي الجَوْزاء أنَّه قالَ: ما مارَيتُ أحداً قَطُّ (٨). (١) انظر السير: (عَبْدَة بن أبي لُبابَة) ٢٢٩/٥-٢٣٠، وانظر النزهة: ٦/٥٩٧. (٢) انظر السير: (يَحْبَى بن أبي كثير) ٣٢٧/٦ -٣٣١، وانظر النزهة: ٤/٦٢٧. (٣) انظر السير: ( جَعْفُر بن محمَّد) ٢٥٥/٦-٢٧٠، وانظر النزهة : ٤/٦٤٨. (٤) انظر السير: ( الأوزاعيُّ) ٧/ ١٠٧ - ١٣٤، وانظر النزهة: ٨/٦٨٣. (٥) انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٥/٧٣٥. (٦) انظر السير: (مَعْروفُ الكرْخِيُّ) ٣٣٩/٩ -٣٤٥، وانظر النزهة : ٤/٨٢٦. (٧) انظر السير: (الإمامُ الشّافِعِيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٦/٨٤٦. (٨) انظر السير: ( أبو الجَوْزاء) ٣٧٢/٤ -٣٧٨، وانظر النزهة: ٤/٥١٢. ٣٦٤ ٣- الجَھْل (أ) مِنْ صِفَاتِ الجَاهِل: عن مُحمَّدٍ بنٍ مَنْصُور قالَ: يُعرَفُ الجاهِلُ بالغَضَبِ فِي غَيرِ شَيءٍ ، وإفْشَاءِ السِّرِّ ، والثِّقَةَ بَكُلٌّ أحَد ، والعِظَةِ فِي غَيرِ مَوْضِعها . ماتَ رَحمَهُ اللهُسَنةَ أرْبَع وخَمسينَ ومئتَين ، وعاشَ ثَمانياً وثَمانينَ سَنةً(١) . (ب) جَهْلُ أهْلِ الجَاهِلِيَّة : قالَ حَجَّاجُ بنُ أبي زَيْنَب ، سَمعتُ أبا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ يَقُولُ: كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّة نَعَبُدُ حَجَراً ، فسَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي: يا أهْلَ الرِّحَالِ، إنَّ رَبَّكم قد هَلكَ، فالْتَمِسُوا رَبّاً ، فخَرَجنا على كُلِّ صَعبٍ وَذَلُولٍ ، فَبَيْنا نَحنُ كَذلكَ إذْ سَمعْنا مُنادِياً ينادِي : إنَّا قد وَجَدنا رَبَّكم أو شِبْهَه، فجِئنا فإذا حَجَرٌ فَنَحَرْنا عليه الجُزُرَ(٢). وعن أبي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ قالَ : رَأيتُ يَغُوثَ صَنماً من رصَاصِ يُحمَلُ علىْ جَمَلٍ أجْرَد ، فإذا بَلِغَ وَادِياً ، بَرَكَ فيه ، وقالُوا: قد رَضِيَ لكم رَبُّكم هذا الوَادِي . وقالَ أبو حبيب الْمَرْوَزِيُّ : سَمعتُ أبا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ يَقُولُ : حَجَجْتُ في الجَاهِلِيّة حَجَّتين(٣) . وجاءَ في تَرَجَمَةِ أبِي رَجَاء العُطَارديّ، قالَ أبو الحارِث الكَرْمانِيُّ ، وكانَ ثِقَةً ، قالَ : سَمعتُ أبا رجاء يقولُ: أدْرَكتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وأنا شَابٌّ أمْرَد ، ولَمْ أَرَ ناساً كانوا أضَلَّ من العَرَب ، كانوا يجيئون بالشَّاةِ البَيْضاء فيَعبُدونَها ، فيختِلِسُها الذِّئْبُ، فَيَأْخُذُونَ أُخْرَى مَكانَها يَعْبُدُونَها، وإذا رَأْوا صَخْرَةً حَسَنةً، جَاؤُوا بها، (١) انظر السير: (محمّد بن مَنْصور) ٢١٢/١٢-٢١٤، وانظر النزهة: ٦/٩٩٤. (٢) انظر السير: (أبو عُثمان النّهْديّ) ١٧٥/٤-١٧٨، وانظر النزهة: ٢/٤٧١. (٣) انظر السير: ( أبو عُثْمان النَّهْديّ) ١٧٥/٤ -١٧٨، وانظر النزهة: ٣/٤٧١. ٣٦٥ وصَلُّوا إليها ، فإذا رَأَوْا أحْسَنَ منها رَمَوْها ، فبُعثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا أرْعَى الإبلَ على أهْلي، فلمَّا سَمعنا بخُروجِه لَحِقْنا بِمُسَيْلِمَةَ(١). وعن وَهْبِ بنِ جَرير ، عن أبيه ، سَمعتُ أبا رَجَاء يَقُولُ : بَلَغَنا أمْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ونَحنُ علىْ مَاءٍ لنا يُقالُ لَه سَند فانْطَلَقْنَا نَحوَ الشَّجرَةِ هارِبينَ بعِيالِنا ، فبَيّنا أنا أُسُوقُ القَوْمَ، إذْ وَجَدتُ كُراعَ ظَبي، فأخَذتُه فأتَيتُ الْمَرأةَ فَقُلتُ : هَلْ عِندَكْ شَعِيرٌ؟ فقالَت : قد كانَ في وِعاءٍ لنا عامَ أوَّلٍ شَيءٌ من شَعيرٍ، فما أدْري بَقِيَ منه شَيءٌ أَمْ لا فأخَذتُه فنَفضتُه فاسْتَخرَجتُ منه مِل ءَكَفٍّ من شَعِيرٍ، ورَضَخْتُه بين حَجَرِيَن ، وألقَيتُه والكُراعَ في بُرمَةٍ لنا ، ثم قُمتُ إلى بَعيرٍ ، فَصَدْتُهُ إناءً من دَمٍ ، وأوْقَدتُ تَحتَه ، ثم أخَذتُ عُوداً فِلَبَكْتُه به لَبْكاً شديداً حتَّى أَنْضَجْتُه ، ثم أكَلنا . فقالَ له رَجلٌ: وكيفَ طَعمُ الدَّمِ ؟ قالَ: حُلْوٌ (٢) . (١) انظر السير: ( أبو رجاء العُطَارديّ) ٢٥٣/٤-٢٥٧، وانظر النزهة: ٢/٤٩١. (٢) انظر السير: ( أبو رجاء العطارديّ) ٢٥٣/٤-٢٥٧، وانظر النزهة: ٤/٤٩١. ٣٦٦ ٤ - الحَسَد (أ) صُوَرٌّ من الحَسَد : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الإمام أحمد بنِ حَرْب : رَغبَ النَّاسُ في سَماع كتُبِه ، ثم إنَّ أمَّه ماتَت سنةَ عشرين ومئتين فحَجَّ ، وعاوَدَ الغَزْوَ ، وخرَجَ إلى بلادِ التُّرْكَ ، وافْتَحَ فَتْحاً عظيماً غُبطَ به ، فسَعىُ به الأعداءُ إلى ابنِ طاهِر ، فأحْضَرَه ، ولمْ يأذَنْ له في الجُلوسِ وقالَ : أَتَخْرُجُ وتَجمَعُ إلى نفسِك هذا الجَمْعِ ، وتُخالِفُ أعْوانَ السُّلطانِ؟ ثمَّ إِنَّ ابنَ طاهِرِ عَرَفَ صِدقَه، فَتَركَه، فسَارَ، وجاوَرَ بِمَكة وكان تَنْتُحِلُه الكرَّاميَّةُ، وتُعظِّمُه لأنَّه أسْتاذُ محمَّدٍ بن كرَّام، ولكنَّه سَليمُ الاعْتِقَادِ بحَمدِ الله(١) . قالَ الخَلَّل: بُلينا بقَوم جُهَّال، يَظُّونَ أنَّهم عُلمَاء فإذَا ذَكَرْنا فَضَائِلَ أبي عبدِ الله أحمَدَ بنِ حَنْبَل ، يُخرِجُهُم الحَسَدُ ، إلى أنْ قالَ بَعضُهم فيما أخْبَرَني ثقةٌ عنه : أحمَدُ بنُ حَنْبَل نَبِيُّهم . وقالَ عبدُ الله بنُ أحمَد : سَمعتُ أبي يَقولُ : رُبَّما أردتُ البُكورَ في الحَديثِ ، فتأخذُ أمّي بِثَوْبِي وتَقُولُ : حتَّى يُؤْذِّنَ الْمُؤَذِّنُ(٢). (ب) صُوَرٌّ من الحَسَد بين العُلَماء : عن الرّبيعِ بنِ سُليْمانَ قالَ : كانَ البُوَيْطِيُّ حينَ مَرِضَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ هو وابنُ عبد الحَكَم والْمُزَنِيُّ ، فَتَنَازَعوا الخَلقَةَ، فَبَلِغَ ذلكَ الشَّافِعِيَّ، فقالَ: الحَلقَةُ للبُوَيْطِيِّ فِلِهَذا اعتزلَ ابنُ عبد الحَكَمِ الشَّافعيَّ وأصْحابَه ، وكانَت أعْظَمَ حَلقَةٍ فِي الْمَسْجِد ، فكانَ البُوَيْطِيُّ يَصُومُ، ويَتْلُو غالباً في اليَومِ واللَّيْلَة خَتمَةً مع صَنائع الْمَعْرُوفِ إلى النَّاسِ(٣) . (١) انظر السير: (أحمد بن حَرْب) ٣٢/١١ -٣٥، وانظر النزهة: ٢/٩٠٦. (٢) انظر السير: (أحمَد بنُ حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٤٥. (٣) انظر السير: (البُوَيْطيُّ) ٥٨/١٢-٦١، وانظر النزهة: ٤/٩٨١. ٣٦٧ فسُعيَ بالبُوَيْطِيِّ حتى كتبَ فيه ابنُ أبي دُواد إلى وَالي مِصْرَ ، فامْتَحَنَه ، فلم يُجِبْ ، وكان الوَالِي حَسَنَ الرَّأي فيه ، فقالَ له : قُلْ فيما بَيْنِي وبَيْنَك ، قال : إنَّه يَقْتَدي بي مئةُ ألفٍ ، ولا يَدْرُونَ المَعْنى، قال: وقد كان أُمِرَ أنْ يُحْمَلَ إلى بَغْداد في أرْبَعِينَ رَطل حَديد(١) . قالَ الرَّبِيعُ: وكانَ الْمُزَنِيُّ مِمَّنْ سَعَى بالبُوَيْطِيِّ وحَرْمَلَةٍ(٢). قال الحاكِمُ أبو عبدِ الله: سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ حامِدِ البَزَّازَ قال: سمعتُ الحَسَنَ بنَ مُحمَّد بنِ جابِرِ يقُولُ: سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ يَحْيى قال لنا لمَّا وَرَدَ مُحمَّدُ بنُ إسْماعيل البُخاريُّ نيسابُورَ: اذْهَبُوا إلى هذا الرجُلِ الصَّالِحِ فاسْمَعوا مِنْه ، فَذَهَبَ النَّاسُ إليه ، وأقْبَلُوا على السَّماعِ منه، حتّى ظَهَرَ الخَلَلُ فِي مَجْلِسٍ مُحمَّدٍ بِنِ يَحْيَى ، فَحَسَدَه بعدَ ذلكَ وتَكَلَّمَ فيه(٣) . وقال الحاكِمُ: حَدَّثنا طاهِرُ بنُ مُحمَّد الوَرَّاق، سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ شاذِل يقولُ : لمَّا وَقَعَ بينَ مُحمَّدٍ بنِ يَحْيَى والبُخارِيِّ، دَخَلْتُ على البُخارِيِّ فقُلتُ : يا أبا عبدَ اللهِ أَيشِ الحيلَةُ لنا فيما بَيْنَكَ وبينَ مُحمَّد بنِ يَحْتَى كُلُّ مَنْ يَخْتِلِفُ إلَيْكَ يُطْرَدُ؟ ، فقال : كَمْ يَعْتَرِي مُحمَّدَ بنَ يَحْيَى الحَسَدُ في العِلْمِ والعِلْمُ رِزْقُ الله يُعْطِيهِ مَنْ يَشاءُ فقُلتُ : هذه المَسْألَةُ التي تُحْكَى عَنْكَ؟ قال: يا بُنيَّ ، هذه مَسْألَةٌ مَشْؤومَةٌ ، رَأيْتُ أحْمَدَ بنَ حَنْبلَ وما نالَهُ في هذه المَسْألَة ، وجَعلتُ على نَفْسِي أن لا أتَكَلَّمَ فيها (٤) . وقال مُحمَّدُ بنُ نَصْر المَرْوزيُّ: سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ صالِحِ بنِ هانِىء : سَمعتُ أحمَدَ بنَ سَلَمَةَ يقُولُ : دَخَلتُ على البُخاريِّ ، فقُلتُ : يا أبا عبدَ الله، هذا رَجُلٌ مَقْبُولٌ بِخُراسانَ خُصُوصاً في هذه المَدينَةِ ، وقد لَجَّ في هذا الحَديثِ حتى لا يَقْدِرُ أحَدٌ منَّا أنْ يُكَلِّمَهُ فيه، فمَا تَرَى؟ فقَبَضَ علىُ لِحْيَتِه، ثمَّ قال: ﴿ وَأُفَوَّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهَّ (١) انظر السير: (البُوَيْطي) ١٢ / ٥٨-٦١، وانظر النزهة: ١/٩٨٢. (٢) انظر السير: (البُوَيْطيُّ) ١٢ /٥٨-٦١، وانظر النزهة: ٢/٩٨٢. انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٧. (٣) (٤) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٧. ٣٦٨ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(١) اللَّهِمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُرِدِ المُقَامَ بنيسَابُورَ أَشَراً ولا بَطَراً ، ولا طَلَباً للرِّئاسَةِ، وإِنَّمَا أَبَتْ عليَّ نَفَسِي في الرُّجوع إلى وَطَنِي لِغَلَبَةِ المُخالِفِينَ وقد قَصَدَنِي هذا الرجُلُ حَسَداً لما آتاني اللهُ لا غَيْرِ، ثمَّ قَال لي : يا أحمدُ إنِّي خَارِجٌ غَداً لِتَتَخَلَّصُوا من حَدِيثِهِ لأجْلِي . قال : فأخْبَرَتُ جَماعَةَ أصْحابِنا ، فوالله ما شَيَّعه غَيري كُنتُ معهُ حين خَرَجَ من البَلَدِ ، وأقامَ علىْ بَابِ البَلَدِ ثَلاثَةَ أَّامٍ الإصْلاحِ أمْرِه (٢). (ج) سَبَبُ الحَسَد بين العُلَماء : رَوَى البَيْهَقيُّ، قال الإمامُ أحمَدُ لِمَنْ حَولَه: اعْلَموا رَحِمَكُم اللهُ تَعالَى أنَّ الرَّجُلَ مِنْ أهْلِ العِلمٍ إذا مَنَحَهُ اللهُ شَيئاً من العِلمِ ، وحَرَمَه قُرَناءه وأشْكَالَه ، حَسَدُوه فرَمَوْه بما لَيْسَ فيه ، وبئسَت الخَصْلةُ في أهْلِ العِلم (٣) . (د) مَنْ نُصِحَ فَلَمْ يَنْتَصِحْ ظاناً أنَّ ناصِحَه حاسِدٌ : قالَ أحمَدُ بنُ عُبَيد : شاوَرَني يَعقوبُ بنُ السِّكِّيت(٤) في مُنادَمَة الْمُتَوَكلِ ، فَنَهِيتُه فحَمَلَ قَولي على الحَسَد ، ولَمْ يَنْتُهِ (٥) . ويُرْوَىُ أنَّ الْمُتَوَكَلِ نَظَرَ إلى ابْنَيْهِ الْمُعْتَرِّ والْمُؤَّد، فقالَ لابنِ السِّكِّيتِ : مَنْ أحَبَّ إليكَ: هُما أو الحَسَنُ والحُسَين ؟ (٦) فقالَ: بَلْ قَنْبَر، فأمَرَ الأنْراكَ فدَاسوا بَطَنَه فماتَ (١) سورة غافر، الآية : ٤٤ . انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٨. (٢) (٣) انظر السير: ( الإمامُ الشَّافعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٨٥١/ هامش (١). قالَ ابنُ خلَكان : عُرفَ بذلك لأنه كان كثير السُّكوت ، طويل الصَّمت ، وكل ما كان على وزن (٤) ((فِعِيل)) أو ((فِعْليل)) فإنه مكسور الأول . (٥) انظر السير: (ابنُ السِّكَيت) ١٦/١٢-١٩، وانظر النزهة: ٢/٩٧٥. (٦) الخبر بألفاظ مختلفة في ((وفيات الأعيان)) ٣٩٧/٦ - ٣٩٨، وفي ((النجوم الزاهرة)) ٣١٨/٢، واللفظ فيه : مَنْ أحبُّ إليك، أنا وولداي الْمُؤْيَّد والْمُعْتَزُّ أم عَليٍّ والحَسَنُ والحُسَينُ ؟؟ فقال: والله إِنَّ شَعْرَةً من قَنْبَرِ خادِمٍ عَليٍّ خَيرٌ منك ومن وَلَدَيْك . ٣٦٩ بعدَ يَومٍ وقيلَ : حُمْلَ ميتاً في بسَاطٍ، وكانَ في الْمُتَوَكَلِ نَصْبٌ(١) ، نَسألُ اللهَ العَفْوَ ، ماتَ سَنَةَ أرْبَع وأرْبَعِينَ ومِئْتَين(٢) . (هـ) الحَسَدُ المُفْضي إلى القَتْل : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ الأَبَّار ، أبي عبدِ الله محمَّد بنِ عبدِ الله الأَنْدَلُسيِّ: انْتُقلَ من الأنْدَلُسِ عندَ اسْتيلاءِ النَّصَارَى، فَتَزَلَ تُونُسَ مُدَّةٍ ، فبَلغَني أنَّ بَعضَ أعْدائه شَغْبَ عَليه عندَ مَلكِ تُونُسَ ، بأنَّه عَملَ تاريخاً وتَكلَّمَ في جَماعَةٍ ، وقالُوا: هو فُضُوليٌّ يَتَكلَّمُ فِي الكِبَارِ ، فأُخذَ، فلمَّا أحسَّ بالثَّلَفِ قالَ الغُلامِه : خُذِ البَغْلَةَ لكَ ، وامْضٍ حَيثُ شِئتَ، فلمَّا أُدخِلَ، أمَرَ الْمَلكُ بِقَتِلِهِ، فَنَعوذُ بالله من شَرِّكُلِّ ذِي شَرِ(٣). (١) أهل النصب هم المتديّنون ببغضة عليٍّ رضي الله عنه، لأنهم نَصَبوا له: أي عادوه . (٢) انظر السير: (ابنُ السُّكُّيت) ١٦/١٢ -١٩، وانظر النزهة: ٣/٩٧٥. (٣) انظر السير: (ابنُ الأبَّار) ٣٣٦/٢٣-٣٣٩، وانظر النزهة: ١/١٧٣٩. ٣٧٠ ٥- الخِيَانَة (أ) صُوَرٌ على الخِيَانَة: قالَ ابنُ خَلِّكانَ : كانَ عُمارَةُ بنُ عَليّ بن زَيْدَانَ الحَكَمِيُّ شَديدَ التَّعَصُّب للسُّنَّة أديباً ماهِراً، رائجاً في الدَّولَة ، ثم تَملَّكَ صَلاحُ الدِّين، فامْتَدحَه، ثم إنَّه شَرعَ في اتّفاقٍ مع رُؤْسَاء في إعَادَة دَولَة العُبَيْدِيِّين، فَنُقِلَ أمْرُهم إلى صَلاحِ الدِّين ، فشَنَقَ عُمَارَةَ في سَنةٍ تِسعٍ وسِتِّينَ وخَمسٍ مئة (١). قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَةِ محمّدٍ بنِ يُوسُف بنِ هُود حِينَمَا خَلُصَت الأنْدِلُسُ كُلُّها له وقاتَلَ بها المُوَحِدِّينَ ثم جَهَّزَ الخَلقَ للقاءِ الإفْرَنْجِ فلمَّا تَرَاءَى الجَمْعانِ وَقَعتِ الهَزِيمَةُ للمُسلِمِين أقْبَحَ هَزِيمَة وَرَجَعَ ابنُ هُود في أسْوَأٍ حَالٍ ، ثم قالَ الذهبيُّ : قامَ عليه شُعَيْبُ بنُ هلالة بِلَئْلَة ، فصَالَحَ ابنُ هُود الأدْفُونَش على مُحاصَرَةٍ لَئُلَه ومُعاوَنَتِه على أنْ يُعْطِيهِ قُرْطُبَة، واتَّفَقَا علىُ ذلكَ، وقالَ لَهُ: لا يَسُوغُ أنْ يدخُلَها الفِرَنْجُ على البَديهَةِ ، وإنَّما تُهمِلُ أمْرَها ، وتُخْلِيها من حَرَسٍ ، ووَجُّهْ أنْتَ الفِرَنْجَ يَتَعَلَّقُونَ بأسْوارِها بِاللَّيْلِ وَيَغْدُونَ بها ، ففَعَلُوا كذلكَ ووَجَّهَ ابنُ هُود إلىْ والِيهِ بِقُرْطُبَةٍ فَأَعْلَمَه بذلكَ، وأَمَرَهُ بضياعِها من حَيّزِ الشَّرقيّة فجَاءَ الفِرَنْجُ، فوَجَدُوهُ خالياً ، فجَعَلُوا السَّلالِمَ واسْتَوَوا على السُّورِ فلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(٢). وكانت قُرْطُبَةُ مَدينَتَيْن : إحْدَاهُما الشَّرقِيَّةِ والأخْرَى المَدينَةُ العُظْمَىْ، فقامَتِ الصَّيْحَةُ والنَّاسُ فِي صَلاةِ الفَجْرِ ، فَرَكِبَ الجُنْدُ وقالوا للوَالِي: اخْرُجْ بِنَا للمُلْتَقَى، فقالَ : اصْبِرُوا حتّى يَضْحَى النَّهارُ، فلمَّا أضْحَى رَكِبَ وخَرَجَ مَعَهُم ، فلمَّا أشْرَفَ على الفِرَنْجِ قالَ : ارْجِعُوا حتّى الْبَسَ سِلاحِي !! ، فَرَجَعَ بهم وهُم يُصَدِّقونَه ، وذا أمرٌ قد دُبَِّ بِلَيْلٍ ، فَدَخَلَ الفِرَنْجُ على إِثْرِهِم، وانْتَشَرُوا، وهَرَبَ النَّاسُ إلى البَلَدِ ، وقُتِلَ خَلْقٌ (١) انظر السير: (عُمارَة) ٢٠/ ٥٩٢-٥٩٦، وانظر النزهة: ٤/١٥٨٧. (٢) انظر السير: (محمد بن يوسف بن هود) ٢٠/٢٣ -٢٢، وانظر النزهة: ٤/١٧١١. ٣٧١ من الشُّيُوخِ والوِلْدانِ والنِّسْوانِ ، ونُهِبَ للنَّاسِ ما لا يُخْصَى، وانْحَصَرَتِ المَدينَةُ العُظْمَى بالَخَلْقِ فحاصَرَهُم الفِرَنْجُ شُهوراً، وقاتَلُوهم أشَدَّ القِتَال، وعُدِمَ أهلُها الأقْواتَ ، ومَاتَ خَلقٌ كثيرٌ جُوعاً ، ثُمَّ اتَّفَقَ رأيُهُم مع أدْفُونْشَ - لَعَنَه الله - على أنْ يسَلِّمُوها ويَخْرُجُوا بأَمْتِعَتِهِم كُلُّها، ففَعَلَ، ووَفَّى لَهُم ووَصَلَهم إلى مَأْمَنِهِم في سَنَةِ أربَعٍ وثلاثينَ وسِتٌّ مِئَّة . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ: ولَمْ يُمَثَّعْ بَعدَها ابنُ هُود، بَلْ أخَذَهُ اللهُ في سَنةِ خَمسٍ فكانَتْ دَولَتُه تِسْعَةَ أعْوامٍ وتِسعَةَ أشْهرٍ وتِسعَةَ أيّامٍ ، وهَلَكَ بالمريّة جَهَزَ عليه مَنْ غَمَّهُ وهو نائمٌ، وحُمِلَ إلى مُرسيةَ فدُفِنَ هُناكَ ، ولَمْ يَمُتْ حتىْ قَوِيَ أمْرُ المُوَحِّدينَ وقَامَ بَعدَهُ مُحمّدُ بنُ يُوسُف بنِ نَصْر بنِ الأَحْمَر، ودَامَ المُلكُ في ذُرِيَتِهِ(١) . (ب) عَدّ ابنُ سِيرين الخُروجَ اليَّوْميَّ من السِّجْن ثمَّ العَوْدة إليه بدون إِذْن السُّلْطان خِيانَة : قالَ قُرَيشُ بنُ أنَس: حدَّثنا عبدُ الحَميدُ بنِ عبدِ الله بنِ مُسلِمِ بنِ يَسار ، أنَّ السَّجَّانَ قالَ لابنِ سِيرِينَ : إذا كانَ اللَّلُ فاذْهَبْ إلى أهْلِكَ، فإذَا أَصْبَحتَ فَتَعالَ قالَ : لا والله، لا أكُونُ لكَ عَوْناً على خِيانَةِ السُّلطانِ(٢). (١) انظر السير: (محمد بن يوسف بن هود) ٢٠/٢٣ -٢٢، وانظر النزهة: ١/١٧١٢. (٢) انظر السير: (محمّدُ بنُ سِيرين) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٨/٥٦٩. ٣٧٢ ٦- الرِّیاء (أ) أقْوالٌ بَليغَةٌ في الرِّياء : : رَوَى الأوزاعيُّ: عن عَبْدَة بن أبي لُبابة قال : أقْرَبُ النَّاسِ إلى الرِّياءِ آمَنُهم منه وقالَ رَجاءُ بنُ أبي سَلمَة : سَمعتُ عَبْدَةَ يَقولُ : لَوَدِدْتُ أنَّ حظِّي من أهلِ الزَّمانِ أنَّهم لا يَسألُوني عن شَيءٍ، ولا أسْألُهم ، إنَّهم يتكاثرون بالْمَسائلِ كمَا يَتكَاثَرُ أهلُ الدَّراهِم بالدَّراهِم . ماتَ عَبْدَةُ في حُدود سَنةِ سَبِعٍ وعِشرينَ ومِنَّةٌ (١) . وقالَ الفَيْضُ : قالَ ليَ الفُضَيلُ: لَوْ قيلَ لك : يا مُرائي، غَضبتَ وشقَّ عَليكَ ، وعَسَى ما قيلَ لك حَقٌّ، تَزَيَّنتَ للدُّنيا وتَصنَّعتَ، وقَصَّرتَ ثِابَك، وحسَّنتَ سَمتَك ، وكَفَفْتَ أذاكَ حتَّى يُقالَ : أبو فُلان عابدٌ، ما أحْسَنَ سَمْتَه، فيُكرِمونَك ويَنظرونَك ، ويَقصِدونَك، ويُهْدونَ إليكَ، مثل الدرهم السُُّّوق(٢) لا يعرفُه كلُّ أحَد ، فإذا قُشرَ ، قُشرَ عن نُحاس(٣) . وقالَ أبو بَكْر الرَّزي : سَمعتُ أبا عَلَيِّ الثَّقَفيَّ يَقولُ: تَركُ الرِّياءِ للرِّياءِ أقْبَحُ من الرِّياءِ وكانَ كَثيراً ما يَتكلَّمُ في رُؤيَة عَيبِ الأَفْعالِ (٤). ( ب ) مِنْ دَقائق الرِّياء: عن بِشرِ بنِ الحارِث قالَ: قد يَكونُ الرجُلُ مُرائياً بعدَ مَوتِه، يُحبُّ أنْ يَكْثُرَ الخَلقُ في جنازَتِه(٥) . (٥) (١) انظر السير: (عَبْدَة بن أبي لُبابَة) ٢٢٩/٥ - ٢٣٠، وانظر النزهة: ٨/٥٩٧. (٢) هو الرديء الزيُّف الذي لا خير فيه . (٣) انظر السير: ( الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٩/٧٧٨. (٤) انظر السير: (أبو عَليّ الثَّقَفيُّ) ٢٨٠/١٥ -٢٨٣، وانظر النزهة: ١/١٢٢٨. (٥) انظر السير: (بِشْرُ بنُ الحارث) ٤٦٩/١٠-٤٧٧، وانظر النزهة: ٤/٨٨٦. ٣٧٣ (ج) دَواءُ الرِّياء: وعن عُبيدِ الله بن أبي جَعْفَر ، قالَ : إذا كانَ الْمَرءُ يُحدِّثُ في مَجلسٍ فَأَعْجَبَه الحَديثُ ، فليُمْسِكْ وإذا كانَ ساكتاً ، فأعْجَبَه السُّكوتُ فليَتَحدَّثْ(١). (د) الخَوْفُ والتَّحْذيرُ من الرِّياء: قالَ محمدُ بنُ زياد: رَأيتُ أبا أُمامَة أتَى على رَجلِ فِي الْمَسجِدِ ، وهو ساجِدٌ يَبكي ، ويَدعُو ، فقالَ: أنتَ أنتَ! لَوْ كانَ هذا فِي بَتِك(٢) . وعن العِرْباضِ بنِ ساريَة ، قالَ : لَوْلا أنْ يُقالَ : فَعَلَ أبو نَجيح لألْحَقتُ مالي سُبْلَةً ، ثم لَحقتُ وَادياً من أوْدِيَةِ لُبنانَ عَبدتُ اللهَ حتَّى أموتَ (٣) . وعن عبد الرحمن بنِ يَزيد ، قُلنا لعَلْقَمَةَ: لَوْ صَلَّيْتَ فِي الْمَسجِدِ وجَلسنا مَعكَ فتُسألُ، قَالَ: أكرَهُ أنْ يُقالَ: هذا عَلْقَمَةُ (٤) . وعن أبي بَكْر بنِ عِيَّاش، عن عاصِم قالَ : كانَ أبو وَائل إذا صَلَّىُ فِي بَتِهِ يَنْشِجُ نَشْيجاً ، ولَوْ جُعلَت له الدُّنيا على أنْ يَفعَله وأحدٌ يَراهُ، ما فَعَلَه(٥) . وعن الأعْمَشِ ، قالَ : كانَ عبدُ الرحمن بنُ أبي لَيْلَى يُصلِّي، فإذا دَخلَ الدَّاخِلُ ، نامَ على فِراشِه . وقال ثابتٌ: كانَ ابنُ أبي لَيْلَىُ إذا صَلَّى الصُّبحَ نَشْرَ الْمُصحَفَ، وقَرأَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ . قُتلَ بوَقْعَة الجَماجِم سَنةً اثنَتَين وثَمانينَ(٦). (١) انظر السير: (عُبَيد الله بن أبي جَعْفَر) ٨/٦-١٠، وانظر النزهة: ٤/٦٢٥. (٢) انظر السير: (أبو أَمامَة البَاهِليُّ) ٣٥٩/٣ -٣٦٣، وانظر النزهة: ٣/٣٩٣. انظر السير: ( العِرْباضُ بنُ ساريَة) ٤١٩/٣-٤٢٢، وانظر النزهة: ٢/٤٠٥. (٣) (٤) انظر السير: ( عَلْقَمَة) ٤/ ٥٣-٦١، وانظر النزهة : ٥/٤٤٣. انظر السير: ( شَقيقُ بنُ سَلمَة) ١٦١/٤ -١٦٦، وانظر النزهة: ٧/٤٦٩. (٥) (٦) انظر السير: (عبدُ الرحمن بنُ أبي لَيَلَى) ٢٦٢/٤ -٢٦٧، وانظر النزهة: ٦/٤٩٤. ٣٧٤ وقالَ رَجاءُ بنُ أبي سَلمَة ، نَظَرَ رَجاءُ بنُ حَيْوَة إلى رَجلٍ يَنْعَسُ بعدَ الصُّبحِ فقالَ : انْتُبه لا يَظُنُّونَ أنَّ ذا عن سَهَر(١) . وعن حمَّادِ بنِ زَيْد ، قالَ : كانَ أيُّوبُ السَّخْتيانِيُّ في مَجلِسٍ فجاءَتهُ عَبَرَةٌ فجَعلَ يَمْتَخِطُ ويَقولُ: ما أشَدَّ الزُّكامَ . وقالَ أبو حاتم وسُئلَ عن أيُّوبَ فقالَ: ثِقَةٌ، لا يُسألُ عن مثلِه(٢). وعن ابنِ عُيَيْنَة قالَ : بَكَى رَبِيعَةُ بنُ فَرُوخِ يَوماً ، فقيلَ: ما يُبكِيكَ؟ قالَ: رياءٌ حاضِرٌ، وشَهْوَةٌ خَفيَّةٌ، والنَّاسُ عندَ عُلمَائهم كصِبْيَانٍ في حُجُورِ أُمَّهاتِهِم ، إِنْ أَمَرُوهم ائْتَمَروا ، وإنْ نَهَوْهُم، انْتُهوا؟!(٣). وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري : حدَّثنا أبو عبدِ الله الأنطاكيُّ قالَ : اجْتَمعَ الفُضَيلُ والثَّورِيُّ ، فَتَذاكَرا، فرَقَّ سُفْيانُ وبَكَىْ، ثم قالَ: أرْجُو أنْ يَكُونَ هذا الْمَجلِسُ عَلینا رَحْمَةٌ وبَرَكَةً ، فقالَ له الفُضَيلُ : لَكِنِّي يا أبا عبدِ الله أخافُ أنْ لا يَكونَ أَضَرَّ عَلينا منه أَسْتَ تَخلَّصْتَ إلى أحْسَنِ حَديثِك، وتَخلَّصْتُ أنا إلى أحْسَنِ حَديثِي ، فَتَزَيَّنتَ لي وتَزَيَّنتُ لكَ؟ فبَكَىْ سُفيانُ، وقالَ: أحْبَيْتَني أحْياكَ الله(٤) .. وقيلَ: إنَّ مُحمَّدَ بنَ الحَسَنِ بنَ فَرْقَد الشَّيْبانيُّ، صاحبٍ أبي حَنِيفَةٍ، لَمَّا احْتُضرَ ، قيلَ له : أتَبْكي مع العِلمِ ؟ قالَ : أرأيتَ إنْ أوْقَفَني اللهُ وقالَ : يا محمَّدُ ، ما أقْدَمَكَ الرَّيَّ ؟ الجِهادُ في سَبيلي ، أمْ ابْتِغَاءَ مَرْضاتي؟ ماذا أقُولُ . قالَ الإمامُ الذَّهَبِيُّ: تُوفِّيَ إلىْ رَحمَة الله سَنَةَ تِسِعِ وثَمانينَ ومئة بالرَّيِّ (٥). وعن عبدِ الرحمَنِ بنِ مَهْدي قالَ : كُنتُ أجلِسُ يَومَ الجُمُعَة ، فإذا كَثُرَ النَّاسُ ، (١) انظر السير: (رَجاءُ بنُ حَيْوَة) ٥٥٧/٤-٥٦١، وانظر النزهة: ٥/٥٥٨. (٢) انظر السير: ( أيُّوبُ السَّختيانيّ) ١٥/٦-٢٦، وانظر النزهة: ٩/٦٢٦. (٣) انظر السير: (رَبِيعَة) ٨٩/٦-٩٦، وانظر النزهة: ٢/٦٣٥. انظر السير : ( الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٨/٧٧٨. (٤) (٥) انظر السير: (محمَّد بن الحَسَن) ٩/ ١٣٤ -١٣٦، وانظر النزهة: ٢/٨٠٨. ٣٧٥ فِرِحْتُ، وإذا قَلُّوا ، حَزِنْتُ ، فسَألْتُ بِشْرَ بنَ مَنْصُور، فقالَ : هذا مَجلِسُ سُوءٍ ، فلا تَعُدْ إليه ، فمَا عُدتُ إليه(١) . وقالَ الرَّبيعُ: سَمعتُ الشَّافِعِيَّ يَقولُ: وَدِدْتُ أنَّ النَّاسَ تَعلَّموا هذا العِلمَ - يَعني كُتُبَه - عَلى أنْ لا يُنسَبَ إليَّ منه شَيءٌ(٢) . وعن حَمزَةَ بنِ دهقان قال : قلتُ لبشرِ بنِ الحَارِث: أُحِبُّ أنْ أخْلُوَ معَكَ قال : إذا شِئتَ فيكُونُ يوماً فَرَأيْتُه قد دَخَلَ قُبَّةً ، فَصَلىُ فيها أربَعَ ركعاتٍ لا أُحسِنُ أصلي مثلها ، فسمعتُه يقولُ في سُجودِهِ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلمُ فوقَ عَرشِك أنَّ الذُّلَّ أَحَبُّ إليك من الشَّرفِ ، اللَّهِمَّ إِنَّكَ تَعلمُ فوقَ عَرشِك أنَّ الفَقْرَ أَحَبُّ إليك من الغِنَى ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلمُ فوقَ عَرشِك أنِّي لا أُوْثِرُ على حُبِّكَ شيئاً، فلمَّا سَمعتُه، أخَذَنِيِ الشَّهِيقُ والبُكاءُ ، فقال : اللَّهُمَّ أنت تَعلمُ أَنِّي لَو أعلمُ أنَّ هذا ها هُنا لَم أتَّكَلَّم (٣) . عن سُحْنونَ قالَ: كَانَ بَعضُ مَنْ مَضَىْ يُريدُ أنْ يَتكلَّمَ بِالكَلِمَة ولَوْ تَكلَّمَ بها لانُتُفعَ بها خَلقٌ كثيرٌ ، فَيَخْبِسُها ، ولا يَتكلَّمُ بها مَخافَةَ الْمُبَاهَاةِ(٤) . وقالَ أبو يَعقُوبُ الْمَرْوزيُّ صَحبتُ محمَّدَ بنَ أسْلمَ أكثر من عِشرينَ سَنةً لَمْ أَرَهُ يُصلِّي حَيثُ أرَاهُ رَكعَتَينٍ من التَّطوُّعِ إلَّ يَومَ الجُمُعَة وسَمعتُه كَذا وكَذا مرَّةً يَحلفُ : لَوْ قَدِرتُ أنْ أَتَطْوَّعَ حَيثُ لا يَراني مَلَكَايَ لَفَعلتُ خَوْفاً من الرِّياءِ وكَانَ يَدخُلُ بَيْتاً له ، ويُغلِقُ بابَه ، ولَمْ أدْرِ ما يَصْنَعُ حتَّىُ سَمعتُ ابْناً له صَغيراً يَحْكِي بُكاءَه، فَنَهَتُهُ أَمُّه ، فقُلتُ لها : ما هَذا؟ قالَت : إنَّ أبا الحَسَن يَدخُلُ هَذا البَيتَ ، فيقرأُ ويَبكي ، فَيَسمَعُهُ الصَّبيُّ، فَيَحكيه ، وكانَ إذا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ، غَسلَ وَجهَه ، واكْتَحِلَ ، فلا يُرَىُ عليه أثَرُ الْبُكاء ، وكانَ يَصِلُ قَوماً ويَكْسُوهُم، ويَقولُ للرَّسُولِ : انْظُر أنْ لا يَعلَمُوا مَنْ بَعثَه(٥) . انظر السير: (عبد الرحمن بن مَهْدي) ١٩٢/٩ -٢٠٩، وانظر النزهة: ٢/٨١٧. (١) (٢) انظر السير: ( الإمامُ الشَّافِعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ١/٨٤٧. انظر السير: ( بشر بن الحارث) ٤٦٩/١٠ -٤٧٧، وانظر النزهة : ٦/٨٨٦. (٣) انظر السير: (سُخْنُون) ٦٣/١٢ -٦٩، وانظر النزهة: ٢/٩٨٣. (٤) (٥) انظر السير: (محمَّد بن أسْلَم) ١٢/ ١٩٥ -٢٠٧، وانظر النزهة: ٦/٩٩٢. ٣٧٦ (هـ) ضَوابطٌ للرِّياء: وعن ابنِ بُرَيْدَة ، عن أبيه، قالَ: شَهدتُ خَيْبَرَ ، وكُنتُ فيمَنْ صَعَدَ الثُّلمَة ، فقَاتَلَتُ حتَّى رُئِّيَ مَكاني ، وعليَّ ثَوبٌ أَحْمَر ، فمَا أعْلَمُ أَنِّي رَكبتُ في الإسْلامِ ذَنْباً أعْظَمَ عليّ منه - أي الشُّهْرَة . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: بلَى، جُهَّالُ زَماننا يَعدُّونَ اليَومَ مثلَ هذا الفِعلَ من أعْظَمِ الجِهادِ ، وبُكلِّ حالٍ فالأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ، ولَعَلَّ بُرَيْدَة رضي الله عنه بإزرائه على نَفْسِه ، يَصيرُ له عَملُه طاعَةً وجِهاداً! وكَذلكَ يَقعُ في العَمَلِ الصَّالِحِ، رُبَّما افْتَخْرَ به الغِرُّ ونَوَّهَ به ، فيَحَوَّلُ إلى ديوانِ الرِّياء قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنَّهُ هَبَآَ مَنْتُورًا﴾(١) . تُوفِّيَ بُرَيْدَةُ سَنةَ اثْنَتَينٍ وسِتِينَ (٢) . قال محمَّدُ بنُ عَبْدَوَيه : سَمعتُ الفُضَيلَ يَقولُ : تَرْكُ العَمَلِ من أجْلِ النَّاسِ رِياءٌ والعَمَلُ من أجْلِ النَّاسِ شِرٌْ، والإِخْلاصُ أنْ يُعافِيَكَ اللهُ عنهما(٣). وقالَ فَيَضُ بنُ وثيق : سَمعتُ الفُضَيلَ يَقولُ : إنِ اسْتَطِعتَ أنْ لا تَكونَ مُحدِّثاً ولا قارئاً، ولا مُتَكلِّماً ، إنْ كُنتَ بليغاً، قالوا: ما أبْلَغَه، وأحْسَنَ حَديثَه، وأحْسَنَ صَوْتَه! فيُعجِبُكَ ذلك، فتَنْتُفخُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَليغاً، ولا حَسَنَ الصَّوتِ ، قالوا : لَيسَ يُحسِنُ يُحدِّث، ولَيسَ صَوتُه بحَسَنِ ، أحْزَنكَ ذلك، وشَقَّ عَليكَ ، فتكونُ مُرائياً، وإذا جَلستَ ، فَتَكلَّمتَ ، فَلَمْ تُبَالِ مَنْ ذَمَّكَ ومَنْ مَدَحَك، فتكلَّم (٤) . ( و) قاعِدَةٌ في الرِّياء : قالَ إِبْراهيمُ بنُ الأشْعَث : سَمعتُ الفُضَيلَ يَقولُ : مَنْ أحَبَّ أنْ يُذكَر لَمْ يُذكَر ، ومَنْ كَرِهَ أنْ يُذكَر ذُكِرَ(٥) . سورة الفرقان ، الآية : ٢٣ . (١) انظر السير: ( بُرَيْدَة بنُ الحُصَيب) ٤٦٩/٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٤/٢٩١. (٢) (٣) انظر السير : ( الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٣/٧٧٤ . انظر السير: ( الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ٣/٧٧٧. (٤) (٥) انظر السير: ( الفُضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة : ١/٧٧٧. ٣٧٧ ٧- المُجْب (أ) تَعْرِيفُ العُجْب : قالَ أبو وَهْب الْمَرْوَزِيُّ : سَألتُ ابنَ الْمُبارَك: ما الكِبْرُ؟ قالَ : أنْ تَزْدَري النَّاسَ فسَألته عن العُجْبِ ؟ قالَ : أنْ تَرَى أنَّ عِندَكَ شَيئاً لَيسَ عندَ غَيرِك، لا أعْلَمُ في الْمُصَلِّينَ شَيئاً شَراً من العُجْبِ(١). (ب) مَنْ كان مُعْجَباً بنفسِه من العُلَماء : ابنُ وَارَة : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : محمَّدُ بنُ مُسلِمٍ بنِ عُثْمانَ، الحافِظُ ، الإمَامُ الْمُجوِّدُ ، أبو عبدِ الله بنُ وَارَة الرَّزي، أحَدُ الأعْلام . ارتَحلَ إلى الآفَاقِ، وكانَ يُضرَبُ به المثَلُ في الحِفظِ ، على حُمْقٍ فيه وتِيهِ وكانَ مَولدُه في حُدودِ عامٍ تِسعينَ ومئة . قالَ النَّسائيُّ : هوثِقَةٌ ، صاحِبُ حَديث . وقالَ عبدُ الْمُؤْمِنِ بنُ أحمَد : كانَ أبو زُرْعَة لا يَقومُ لأحَدٍ ، ولا يُجلِسُ أحَداً في مَكانِهِ ، إلاَّ ابَن وَارَة . قالَ أبو جَعْفَرِ الطَّحاويُّ: ثَلاثَةٌ من عُلِمَاءِ الزَّمانِ بالحَديثِ ، اتَّفَقوا بالرَّيِّ ، لَمْ يكن في الأرضٍ مثلُ +هم في وَقَتِهِم، فذَكرَ ابنَ وَارَة، وأبا حاتم ، وأبا زُرعَةِ(٢) . وعن عبد الرحمن بنِ خِراش، قالَ : كانَ ابنُ وَارَة من أهلِ هذا الشَّأنِ الْمُتَقِنِينَ الأُمَناء ، كُنتُ لَيْلَةً عندَه ، فذَكرَ أبا إسحاقَ السَّبيعيَّ، فَذَكرَ شُيوخَه ، فَذَكرَ في طَلْقٍ واحدٍ سَبعينَ ومئتَين من شُيوخِه ، ثم قالَ : كانَ غايَةً، شَيئاً عَجَباً(٣) . (١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ المبارَك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة : ٩/٧٦٩. (٢) انظر السير: (ابنُ وَارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة: ٦/١٠٤٧. (٣) انظر السير: (ابنُ وَارَة) ٢٨/١٣ -٣٢، وانظر النزهة: ٧/١٠٤٧. ٣٧٨ قال عُثمانُ بنُ خُرَّزاذِ : سَمعتُ الشَّاذَكُونِيَّ يقولُ: جاءَني محمَّدُ ابنُ مُسْلم فقَعدَ يَتَقعَّرُ (١) في كَلامِه، فقلتُ له : مِنْ أيِّ بلدٍ أنتَ ؟ قال: مِنْ أهْلِ الرَّيِّ، أَمْ يَأْتِكَ خَبري ؟ أَلَمْ تَسمَعْ بنَبَي؟ أنا ذُو الرَّحْلَتين قُلتُ : مَنْ رَوَى عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمَةً)) فقالَ: حدَّثَنِي بعضُ أصْحابِنا قلتُ : مَنْ ؟ قال : أبو نُعَيم وقَبَيْصَة قلتُ: يا غُلامُ! اثْنِي بالدِّرَّة، فأتاني بها ، فأمَرتُه ، فضَربَه بها خَمسينَ ، قلتُ : أنتَ تَخرُجُ من عِندي ، ما آمَنُ أن تقولَ: حَدَّثني بَعضُ غِلْمانِنا (٢) . قال زَكريّا السَّاجي: جاءَ ابنُ وَارَة إلى كُرَيْب، وكان في ابنِ وَارَة بأوٌ(٣) فقال لأبي كُرَيْب: أَمْ يَبْلُغْك خَبري؟ ألَمْ يأْتِكَ نَبَي ، أنا ذو الرَّحْلَتين ، أنا محمَّدُ بنُ مُسْلم بنِ وَارَة فقال: وَارَة؟ !! وما أدْراكَ ما وَارَة؟ قُمْ، فواللهِ لا حَدَّثْتُك، ولا حَدَّثْتُ قَوماً أنت فيهم(٤) . قالَ أبو العَبَّاسِ بنُ عُقدَة: دقَّ ابنُ وَارَة على ابنِ كُرَيْب، فقالَ: مَنْ؟ قالَ : ابنُ وَارَة ، أبو الحَديثِ وأُمُّه . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : الصَّوابُ في وَفَاتِهِ أنَّها في سَنةِ سَبعينَ ومئتَين(٥) . وقالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كان ابنُ كامل مُتساهِلاً، رُبَّما حدَّثَ من حِفِظِه بما لَيسَ في كِتابِهِ ، وأهْلكَه العُجبُ ، كانَ يَختارُ لنَفسِه ، ولا يُقلِّدُ أحَداً . تُوفِّيَ سَنةَ خَمسينَ وثلاث مئة ، وله تِسْعونَ سَنةً(٦) . وقالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أيضاً : كانَ ابنُ كامِلِ لا يَعُدُّ لأحَدٍ من الفُقَهَاءِ وَزْناً ، أمْلَى كتاباً في السُّننِ، وتَكلَّمَ على الأخْبَارِ(٧). (١) التقعير : أن يتكلم بأقصى قعر فمه . (٢) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة: ١/١٠٤٨. (٣) البأوُ : الكِبرُ والتِّيه . انظر السير: ( ابنُ وَارَة) ٢٨/١٣ -٣٢، وانظر النزهة : ٢/١٠٤٨. (٤) (٥) انظر السير: ( ابنُ وَارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة : ٣/١٠٤٨. (٦) انظر السير: (ابنُ كامِل) ٥٤٤/١٥-٥٤٦، وانظر النزهة: ١/١٢٥٨. (٧) انظر السير: (ابنُ كامِل) ٥٤٤/١٥-٥٤٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٥٨. ٣٧٩ قال ابنُ الذَّهَبِيِّ: كانَ ابنُ كامِل من بُحورِ العِلمِ فأخْمَلَه العُجبُ(١). (ج ) العُجْبُ بَلاءُ : قالَ أبو القاسِمِ القُشَيْرُّ: كانَ يُوسُفُ بنُ الحُسَين نَسيجَ وَحِدِه في إسْقاطِ التَّصنُّعِ يُقالُ : كَتبَ إلى الجُنَيدِ : لا أذاقَك اللهُ طَعمَ نَفَسِك، فإنْ ذُقْتَها لا تُفْلِح(٢). وخَطبَ مُنْذِرُ بنُ سَعيد يوماً فأعْجَبته نَفَسُه، فقالَ: حتَّى مَتَى أعِظُ ولا أنَّعِظُ وأَزْجُرُ ولا أزْدَجِرُ ، أدُلُّ على الطَّريقِ الْمُستَدلِّينَ وأبْقَى مُقيماً مع الحَائِرِينَ ، كلَّ إِنَّ هَذا لَهُوَ البَلاءُ الْمُبينُ ، اللَّهُمَّ فَرَغِبْنِي لِمَا خَلقْتَنِي لَه، ولا تَشْغَلني بما تَكفَّتَ لي به (٣). (١) انظر السير: (ابنُ كامِل) ٥٤٤/١٥-٥٤٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٨. (٢) انظر السير: (يُوسُفُ بنُ الحُسَينِ) ٢٤٨/١٤ -٢٥١، وانظر النزهة: ٦/١١٤٧. (٣) انظر السير: ( مُنْذِرُ بنُ سَعيد البَلَّوطيُّ) ١٧٣/١٦ -١٧٨، وانظر النزهة : ٤/١٢٧٩. ٣٨٠