النص المفهرس
صفحات 321-340
إبراهيمُ : والله لَوْ رَأى ابنُ عُبَيْنَةَ أباكَ ، لَقامَ إليه . وقد أثنى على أبي عبدِ الله جَماعَةٌ من أولياء الله ، وتَبَرَّكوا به رَوَى ذلك ابنُ الجَوْزِيِّ، وشَيخُ الإسْلامِ ولَمْ يَصِحَّ سَندُ بَعضٍ ذلك(١) . ٤ - حُزْنُ البَهَائم على الصَّالحين : قالَ الْمُؤَّدُ في ((تاريخه)) أُهدِيَ الشَّيخ أبي القاسِم عبدِ الكَريم القُشَيْرِي فَرسُ ، فرَكَبَهَ نَحواً من عِشرينَ سَنةً ، فلمَّا ماتَ الشَّيخُ لم يأكُلْ الفَرسُ شَيْئاً ، وماتَ بعدَ أسبوع (٢) . الدَّهَاءُ والمَكر ١ - دُهَاةُ العَرَب : عن الشعبي قال : دهاة العرب أربعة: مُعاوِيَةُ، وعَمْرٌو ، والْمُغِيرَةُ، وزِيَادٌ ، فأمَّا مُعاوِيَةُ فللأنَاةِ والحِلمٍ ، وأمَّا عَمْرٌو فِلِلمُعْضِلاتِ، والْمُغِيرَةُ للمُبادَهَة ، وأمَّا زِيَادٌ فالصَّغِيرِ والكَبير(٣) . ٢ - صُوَرٌ على الذَّهَاء والمكر : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أميرِ المؤمنين عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ، بعدَ فَتْح تُشْتَر ، فقال عُمرُ : الحمدُ لله الذي أذَلَّ هذا وشيعَتَه بالإسْلام، ثمَّ قالَ للوَفْد تَكلَّموا ، فقال أنَسُ بنُ مالك : الحَمدُ لله الذي أنْجَزَ وَعْدَه وأعزَّ دينَه وخَذلَ مَنْ حادَّه، وأوْرثَنَا أرْضَهم وديارَهم ، وأفاءَ علينا أبناءَهم وأمْوالَهم، فبكى عُمرُ ثم قال للهُرمُزان : كيفَ رأيتَ صَنِيعَ الله بكم ؟ فلَمْ يُحِبْه، قالَ: ما لَك لا تَتَكلَّم ؟ قال : أكلامُ حَيِّ امْ کلامُ ميِّت ؟ قال : أوَلَسْتَ حَياً؟ فاسْتَسْقى الهُرمُزان، فقال عُمرُ: لا يُجْمَعُ عليكَ القَتَلُ (١) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٢٧. (٢) انظر السير: (القُشَيْريُّ) ٢٢٧/١٨-٢٣٣، وانظر النزهة: ٢/١٤٠٨. (٣) انظر السير: (عَمْرو بنُ العَاص) ٥٤/٣ -٧٧، وانظر النزهة: ٥/٣٣٣. ٣٢١ والعَطشُ ، فَأَتَوْهُ بماءٍ فأمْسَكه ، فقال عُمرُ : اشْربْ لا بأسَ عليك ، فرَمىُ بالإناءِ وقال : يا مَعْشرَ العَرب كُنتم وأنتم علىُ غَير دينٍ نَسْتَعِدُكم ونَقْتُلُكم وكُنتم أسْوأَ الأُمَمِ عندنا حالاً ، فلمَّا كانَ الله مَعكم لمْ يَكنْ لأَحَد بالله طاقَة ، فأمَرَ عُمرُ بقَتلِه ، فقال : أوَلمْ تُؤَمِّنِّي ؟! قال : وكيف ؟ قال: قُلتَ لي : تَكلَّم لا بأسَ عليكَ، وقُلْتَ : اشْرَب لا أقْتُلك حتى تَشْرَبه ، فقال الزُّبَيرُ وأنسُ: صَدِقَ ، فقال عُمرُ: قاتَله الله أخَذَ أماناً وأنا لا أشْعرُ، فَتَزَعَ ما كان عليه، فقال عُمرُ لسُراقَةَ بنِ مالك بنٍ جَعْشَم - وكان أسْودَ نَحيفاً - : إِلْبَسْ سوارَي الهُرمُزان، فلَبسَهما ولبسَ كِسْوتَه(١) . فلمَّا انتَهَيْنا إليه - يَعني إلى عُمَر بالهُرْمُزان - قال: تَكلَّم ، قال: كَلامُ حَيٍّ أو كَلامُ مَيّت ؟ قال : تَكلَّم فلا بأسَ ، قال: إنَّا وإيّاكم مَعشَر العَرب ما خَلى الله بيننا وبينكم ، كُنَّا نَغْصِبُكم ونَقْتُلُكم ونفعَلُ ، فلمَّا كان الله معكم لَمْ يكُنْ لنا بكُم يَدان ، قال : يا أنَس ما تقولُ ؟ قُلتُ: يا أميرَ المؤمنين تَركتُ بَعدي عَدداً كثيراً وشَوْكَةً شَديدة فإنْ تَقْتُلُه بَيْأس القَومُ من الحَياة ويكُون أشَدَّ لشَوْكَتهم ، قال: فأنا أَسْتَحْيِي قاتلَ البَراء ومجْزَأة بنَ ثَور !! فلمَّا أحْسَسْتُ بقَتِلِهِ قُلتُ : لَيْسَ إلىْ قَتِلِهِ سَبيل ، قد قُلتَ له : تَكلَّم بلا بأس ، قال : لتأتيَّنِّي بمَنْ يَشْهِدُ به غَيرُك، فَلَقيتُ الزُّبَيْرَ فَشَهِدَ معي، فأمْسَكَ عنه عُمرُ ، وأسْلَمَ الهُرمُزانُ ، وفَرضَ له عُمرُ ، وأقامَ بالمَدينة(٢). وقال ابنُ جَرِير في وَقْعَة نَهاوَنْد : لمَّ انْتُهى النُّعْمانُ إلى نَهاوَنْد في جيشه طرَحوا له حَسَكَ(٣) الحَديد ، فبَعثَ عُيوناً فساروا لا يَعلمون بالحَسَك فزَجَر بعضُهم فَرسَه وقد دَخَلَ في حافِهِ حَسَكةٌ ، فَلَمْ يَبْرَحْ ، فنزلَ فإذا الحَسَك ، فأقْبلَ بها ، وأخْبرَ النُّعْمانَ ، فقال النُّعْمانُ : ما تَرَونَ ؟ فقالوا : تَقَهْقَر حتى يَرَوا أنَّك هاربٌ فيَخرُجُوا في طلَبِك، فتَأَخَّرَ النُّعْمانُ ، وكَنسَت الأعاجمُ الحَسَكَ وخَرجُوا في طلَبِهِ فعَطفَ عليهم النُّعْمَانُ وعبَّأَ كَتائبَه وخَطبَ النَّاسَ وقال: إنْ أُصِبتُ فعلَيكم حُذَيْفَة ، فإنْ أُصِيبَ فعليكم جریر (١) انظر السير: (عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٥٨. (٢) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٧٢. (٣) قال صاحب النزهة: الحَسَك، هو الشَّرَك. ٣٢٢ البجليّ ، وإنْ أُصِيبَ فعليكم قَيْسُ بنُ مَكْشوح، فوَجدَ المُغيرَةُ في نفْسِه إذْ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ ، قال: وخَرجَت الأعاجِمُ وقد شَدُّوا أنفُسَهم في السَّلَاسِل لثَلاَّ يَفْرُّوا ، وحَملَ عليهم المسلمون ، فرُمِيَ النُّعْمَانُ بسَهمٍ فقُتِلَ، ولفَّهُ أخُوهُ سُويدُ بنُ مُقَرِّن في ثَوِهِ وكَتَمَ قَتْلَه حتى فَتَحَ اللهُ تعالى عليهم ، ودَفعَ الرَّايةَ إلى حُذَيْفَة . وَقَتَلِ اللهُ ذا الحَاجِب(١) يَعني مقدمَهم، وافْتُتِحَت نَهاوَنْدُ ، ولم يكُنْ للأعاجِم بعد ذلك جماعة (٢) عن زَيدِ بنِ أسْلم ، عن أبيه ، أنَّ عُمَرَ اسْتعمَلَ الْمُغيرَةَ بنَ شُعْبَة على البَحْرَينِ ، فكَرِهُوهُ ، فَعَزْلَّه عُمَرُ ، فخَافُوا أنْ يَرُدَّه فقالَ دِهْقَانُهم: إنْ فَعلتُم ما آمُرُكُمْ لَمْ يَرُدَّه عَلينا قالوا : مُرْنا قالَ : تَجْمَعونَ مئةَ ألْفِ حتَّى أذْهبَ بها إلى عُمَرَ ، فأقُولُ: إنَّ الْمُغيرةَ اخْتَانَ هذا ، فدَفَعه إليَّ قالَ: فجَمَعوا له مئةَ ألفٍ، وأتَى عُمَرَ ، فقالَ ذلك فدَعَا الْمُغِيرَةَ فسَأْلَه، قالَ : كَذبَ أصْلحَكَ اللهُ، إنَّما كانَت مِئتَي ألفٍ ، قالَ : فمَا حَملَكَ على هذا؟ قالَ : العِيالُ والحاجَة قالَ عُمَرُ للعِلْجِ: ما تَقُولُ ؟ قالَ : لا والله لأَصْدُقنَّك ما دَفعَ إليَّ قَليلاً ولا كَثيراً فقالَ عُمَرُ للمُغيرَة : ما أرَدتَ إلى هذا؟ قالَ : الخَبِيثُ كَذِبَ عليَّ فَأَحْبَيتُ أن أُخْزِيَهِ(٣). وعن الشَّعْبِيِّ: سَمعتُ قَبِيصَةَ بنَ جابِرِ يَقولُ : صَحبتُ الْمُغيرَةَ بنَ شُعْبَة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب ، لا يُخْرَجُ من باب منها إلا بمَكْرٍ لخَرجَ من أبوابِها كُلِّها (٤). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ قَيْسٍ بنِ سَعْد : وجود قَيْسٍ يُضرَبُ به المثل ، وكذلك دهاؤه . عن قَيْسٍ بنِ سَعْد قالَ : لَوْلا أنِّي سَمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ : ((الْمَكَرُ وَالْخَديعَةُ فِي النَّارِ)» لكُنتُ من أمْكَر هذه الأمّة . (١) ذا الحاجب: هو مردانشاه المُلقب ببهمن، وسُمي ذا الحاجب لأنه كان يعضب حاجبيه ليرفعهما عن عینیه کبراً ، ويُقال إن اسمه رُسْتم. (٢) انظر السير : ( عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٣/٧٤ . (٣) انظر السير: ( الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةٍ) ٢١/٣-٣٢، وانظر النزهة: ٢/٣٢٤. انظر السير: (الْمُغيرَةُ بنُ شَعْبَة) ٢١/٣ -٣٢، وانظر النزهة : ٢/٣٢٥. (٤) ٣٢٣ وقالَ ابنُ عُبَيْنَة: حذَّثني عَمرُّو قالَ : قال قَيْسٌ: لَوْلا الإسْلامُ لَمَكَرتُ مَكْراً لا تُطِيقُه العَرَب . وقالَ عَوْفُ عن محمَّد : كانَ محمَّدُ بنُ أبي بكر ، ومحمَّدُ بنُ أبي حُذَيفَة بنِ عُتبة من أَشَدِّهم على عُثمانَ ، فأمَّرَ عَلَيٍّ قَيْسَ بنَ سَعْد على مِصْرَ ، وكان حازِماً فنُّنْتُ أنَّه كانَ يَقولُ: لَوْلا أَنَّ الْمَكرَ فُجورٌ، لَمَكَرتُ مَكْراً تَضطربُ منه أهلُ الشَّام بينهم فَكَتبَ معاويَةُ وعَمرُو إليه يَدعُوانِه إلى مُبَايَعتِهما ، فكَتبَ إليهما كتاباً فيه غلظ ، فكتَبا إليه بكتابٍ فيه عُنْفٌ ، فَكَتبَ إليهما بكتابٍ فيه لينٌ ، فلمَّا قرآه ، عَلِمَا أنَّهما لا يَدانِ لهما بمَكرِه ، فأذاعا بالشَّامِ أنَّه قد تابَعَنا ، فبَلِغَ ذلك عَليّاً ، فقالَ له أصحابُه : أدْرِكْ مِصْرَ فإنَّ قَيْساً قد بايَعَ مُعاويَة، فَبَعثَ محمَّدَ بنَ أبي بكر، ومحمَّدَ بنَ أبي حُذَيْفَة إلى مِصْرَ، وأَقَّرَ ابنَ أبي بكر ، فلمَّا قَدِما علىُ قَيْسٍ بِنَزْعِه، عَلِمَ أنَّ عَليّاً قد خُدِعَ فقالَ لِمُحمَّد : يا ابنَ أخي احْذَرْ، يَعني أهلَ مِصْرَ ، فإنَّه سَيُسْلِمُونَكُما، فتُقْتَلان ، فكانَ كَمَا قالَ. تُوفِّيَ قَيْسٌ في آخِرٍ خِلافَةِ مُعاويَةٍ(١). العِتَاب تَرْك العِتَابِ أَوْلَى : عن الأحْتَفِ بنِ قَيْس ، قالَ : العِتابُ مفتاح الثُّقَالَىُ، والعِتابُ خَيرٌ من الحِقْدِ(٢). وعن أبي يَعقُوبَ الْمَدنيِّ، قالَ: كانَ بين حَسَنِ بنِ حَسَن وبينَ ابنِ عَمِّه عَلَيٍّ بنِ الحُسَين شَيءٌ، فمَا تَركَ حَسَنٌ شَيئاً إلاَّ قالَه، وعَليُّ سَاكِتْ، فَذَهبَ حَسَنٌ ، فلمَّا كانَ في اللَّيلِ ، أتاهُ عَلَيٍّ، فخَرجَ ، فقالَ عَليٍّ: يا ابنَ عَمِّي إنْ كُنْتَ صَادِقاً فَغَفَرَ الهُ لي وإنْ كُنتَ کاذِباً، فَغَفَرَ اللهُ لكَ، السَّلامُ عَلیكَ قالَ : فالْتَزِمَه حَسَنٌ ، وبَکَی حتَّى رَثَی له(٣) . (١) انظر السير: (قَيْسُ بنُ سَعْد) ١٠٢/٣ -١١٢ النزهة: ٣/٣٤٥. (٢) انظر السير: (الأحْنَفُ بنُ قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٨/٤٥٢. (٣) انظر السير: (عَليُّ بنُ الحُسَين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة: ٨/٥١٩. ٣٢٤ الفَضَب ١ - صُورَةٌ علىْ تَرْكُ الغَضَب الله : عن سِماكِ بنِ الفَضْلِ ، قالَ : كنا عند عُرْوَةَ بنِ محمَّد الأمير ، وإلى جنبه وَهْبُ بنُ مُنَبِّه ، فجاءَ قَومٌ فَشَكَوا عامِلَهم وذَكروا منه شيئاً قَبيحاً ، فتَناوَلَ وَهْبٌ عَصاً كانت في يَدِ عُرْوَة فضَربَ بها رَأْسَ العامِلِ حتَّى سالَ الذَّمُ، فضَحِكَ عُرْوَةُ واسْتَلقَى وقالَ : يَعيبُ عَلينا وَهْبٌ الغَضبَ وهو يَغْضَبُ قالَ: وما لي لا أغْضَبُ وقد غَضِبَ الذي خَلقَ الأحْلامَ، يَقولُ تَعالَى: ﴿ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾(١)، (٢). ٢ - مَنْ كان لا يَغْضَب : رُوِيَ عن القَعْنَبِيِّ، قالَ: كانَ ابنُ عَوْن لا يَغْضَبُ فإذا أَغْضَبَهُ رَجلٌ قالَ : بارَكَ اللهُ فيك(٣) . وكانَ - فيما حذَّثني بَعضُ أصْحابنا - لابنِ عَوْن ناقَةٌ يَغْزُو عَليها ويَحُجُّ ، وكان بها مُعْجَباً قالَ : فأمَرَ غُلاماً له يَسْتَقِي عَليها ، فجاءَ بها وقد ضَربَها على وَجْهِها ، فسالَت عَيْنُها على خَدِّها ، فقُلنا : إنْ كانَ من ابنٍ عَوْن شَيءٌ فاليَومَ! قالَ : فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ نَزَلَ ، فلمَّا نَظَرَ إِلى النَّاقَةِ قالَ: سُبحانَ الله ، أفَلا غَيرَ الوَجْه ، بارَكَ اللهُ فيكَ اخْرُجْ عَنِّي ، اشْهَدُوا أنَّه حُرٍ(٤). سورة الزخرف ، الآية : ٥٥ (١) انظر السير: ( وَهْبُ بنُ مُنَبِّه) ٥٤٤/٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة : ٤/٥٥٣. (٢) (٣) انظر السير: (عبدُ الله بنُ عَوْن) ٦/ ٣٦٤ -٣٧٥، وانظر النزهة: ٥/٦٥٦. انظر السير: (عبدُ الله بنُ عَوْن) ٦/ ٣٦٤ - ٣٧٥، وانظر النزهة: ٢/٦٥٨. (٤) ٣٢٥ الفَخْر ١ - الفَخْرُ في غَيرِ مَوْضِعه : قال أبو العباس بنُ عُقْدَة : دق ابن وَارَة على ابنٍ كُرَيْب ، فقالَ : مَنْ ؟ قالَ : ابنُ وَارَة، أبو الحَديثِ وأُّه(١) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الأَبِيوَرْدِيِّ(٢) : هو ريَّانٌ من العُلوم، موصُوفٌ بالدِّين والوَرَع ، إلاَّ أنه تَّاهُ مُعجَبٌ بنَفسِه ، قد قَتلَه حُبُّ السُّؤْدُدِ وكان جَمیلاً لََّاساً له هَيْئَةٌ وَرُوَاءٌ، وكان يَفتَخرُ ، ويَكتبُ اسمَه : العَبْشَمِيُّ الْمُعاوي، يُقالُ: إنَّه كَتبَ رُقعَةً إلى الخَليفَةِ الْمُسْتَظِهِرِ بالله، وكَتبَ : الْمَمْلُوكُ الْمُعاوي ، فحَكَّ الْمُسْتَظِهِرُ الميمَ ، فصارَ : العَاوِي ، ورَدَّ الرُّقعَةَ إليه . قالَ حمَّدٌ الحَرَّانِيُّ : سَمعتُ السِّلِفِيَّ يَقُولُ : كان الأبِيوَرْدِيُّ - والله - من أهْلِ الدِّين والخَيرِ والصَّلاح والثِّقَة ، قالَ لي : والله ما نمتُ في بَيَتٍ فيه كتابُ الله ، ولا حَديثُ رَسُولِ الله احْتراماً لَهما أنْ يبدُوَ مِنِّي شَيءٌ لا يَجوزُ . قالَ عبدُ الغافِرِ في (( السياق )): ظَهرَ أمْرُه، وعَلَا قَدرُه، وحَصلَ له من السُّلطانِ مَكَانَةٌ ونِعمَة ، ثم كانَ يَرْشُحُ من كَلامِهِ نَوعُ تَشَبُّثٍ بالخِلافَةِ ودَعوَة إلى اتِّبَاعِ فَضِلِهِ ، وادِّعاء اسْتحقاقِ الإمَامَة ، تَبِيضُ وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ في رأسه وتُفَرِّغُ ، فاضْطَّه الحالُ إِلى مُفارَقَة بَغدادَ ، ورَجعَ إلى هَمَذانَ ، فَأَقَام بها يُدَرُّسُ ويُفيدُ ويُصَنِّفُ مُدَّةٍ . تُوفِّيَ الأبْيوَرْدِيُّ بِأَصْبَهَانَ مَسْموماً سَنَةَ سَبعٍ وخَمسٍ مئة ، كَهْلاً(٣). (١) انظر السير: (ابنُ وَارَة) ٢٨/١٣ -٣٢، وانظر النزهة: ٣/١٠٤٨. (٢) نسبة إلى أبْوَرْدِ ، ويقال لها : أباورد ، وباورد ، وهي من بلاد خراسان بين سرخس ونسا ، وقد فتحها المسلمون سنة إحدى وثلاثين بقيادة عبد الله بن عامر بن كرير ، ويُقال : الأحْنَف بن قَيس . (٣) انظر السير: (الأبْيوَرْدِيُّ) ٢٨٣/١٩ -٢٩٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٧٧. ٣٢٦ ٢ - شِعْرٌ في الفَخْرِ : قالَ الصُّوليُّ: حدَّثنا أحمَدُ بنُ يَحْيَى أنَّ الشَّعْبيَّ قالَ : أفْخَرُ بَيَتٍ قِلَ قَولُ الأنْصَارِ يَومَ بَدْرِ(١) : جبريلُ تحتَ لِوائِنا ومحمدُ وببئرِ بدرٍ إِذْ يَرُدُّ وجوهَهِمْ ثم قالَ الصُّوليُّ : أفْخَرُ منه قَولُ الحَسَنِ بنِ هانِيء في عَليٍّ بنِ مُوسَى الرِّضَى(٢): ــلٌّ كلامٍ منَ المقالِ بديهِ قیلَ لي أنتَ واحدُ الناسِ في ◌ُ يُثْمِرُ الدرّ في يَدَيْ مجتنیهِ لكَ في جوهرِ الكلامِ بديعٌ بِالخصالِ التي تجمَّعنَ فيهِ فعلامَ تركتَ مدحَ ابنِ موسى كانَ جبريلُ خادماً لأبيهِ قلتُ لا أهتدي لمدحِ إمامٍ ٣- عَدَمُ الفَخْرِ بالأعْمال الصَّالحَة : قالَ يَحْيَىُ بنُ مَعين : ما رَأيتُ مثلَ أحمَد بنِ حَنْبَل ، صَحِبْناه خَمسينَ سَنةً ما افْتَخرَ عَلينا بشَيءٍ مِمَّا كانَ فيه من الخَير(٣). ٤- الفَخْرُ بالعُلَمَاءِ والعُبَّاد : وقالَ قَتَادَة ، عن أنَسِ، قالَ : افتَخرَ الحيَّان من الأنْصَارِ ، فقالَت الأوْسُ: مِنَّا غَسيلُ الْمَلائِكَة : حَنْظَلَةُ بنُ الرَّاهِب ، ومِنَّا مَنْ اهْتَزَّله العَرشُ: سَعدٌ، ومِنَّا مَنْ حَمَته الدَّبَرِ (٤) : عاصِمُ بنُ أبي الأفْلَح، ومِنَّا مَنْ أُجيزَتْ شَهادَتُه بِشَهادَتَيْن : خُزَيْمَةُ بنُ ثابت (٥) . (١) انظر السير: (عَليُّ الرِّضَى) ٣٨٧/٩ -٣٩٣، وانظر النزهة: ٢/٨٣١ (٢) انظر السير: (عَليُّ الرِّضَى) ٣٨٧/٩-٣٩٣، وانظر النزهة: ٣/٨٣١ انظر السير: ( أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١١ / ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٤/٩٢٩. (٣) (٤) الدَّبر : النَّحل والزنابير. (٥) انظر السير: (خُزَيْمَةُ بنُ ثابت) ٤٨٥/٢ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٢/٢٩٤. ٣٢٧ وقالَ رَجاءُ بنُ حَيوَة : إنْ يَفخَرْ عَليْنا أهلُ الْمَدينَة بعَابِدِهم ابنِ عُمَر ، فإنَّا نَفَخَرُ عَليهم بعَابِدِنا ابنِ مُحَيْريز(١) . قالَ ضَمرَة : سَمعتُ مَالكاً يَقولُ: إنَّما كانَت العِراقُ تَجيشُ عَلينا بالذَّرَاهِم والِّياب ، ثم صارَت تَجيشُ عَلينا بسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وكانَ سُفْيَانُ يَقولُ : مَالِكٌ لَيسَ له حِفظٌ(٢). وكانَ اللَّيْثُ بنُ سَعْد رَحمَه الله فَقيهَ مِصْرَ ، ومُحدِّثَها ، ومُخْتَشِمَها ، ورَئيسَها ، ومَنْ يَفْتَخِرُ بوُجودِهِ الإِقْلِيمُ، بحَيثُ إنَّ مُتَوَلِي مِصْرَ وقاضِيَها وناظرَها ، منْ تَحتِ أوامِرِه ، ويَرجِعُونَ إلىْ رَأْيه ومَشُورَتِهِ ، ولقد أرادَه الْمَنْصُورُ على أنْ يَنوبَ له على الإِقْلِيمٍ ، فاسْتَعفَى من ذلك(٣). المِزاحُ والضَّحِك ١ - المِزاحُ بِقَصْد الاسْتَهْزاء لا خَيرَ فيه : عن عبدِ الجَليلِ بنِ الحَسَن ، قالَ : كانَ أحمدُ بنُ الْمُعَذَّل في مَجلِسِ أبي عاصِم فمَزَحَ أبو عاصِم يُخجلُ أحمَدَ ، فقالَ: يا أبا عاصِم ، إنَّ الله خَلقكَ جداً فَلا تَهزِلَنَّ ، فإنَّ الْمُستهزِىءَ جاهِلٌ قالَ تَعالَى: ﴿قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا هُزُوَأْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾(٤). فخَجلَ أبو عاصِم ثم كانَ يُقعِدُ أحمدَ بنَ الْمُعَذَّل إلى جَنِه (٥). (١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ مُحَيْريز) ٤٩٤/٤ -٤٩٦، وانظر النزهة: ٢/٥٣٩. (٢) انظر السير: (سُفْيانُ الثَّوْريُّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٦٩٩. انظر السير: (اللَّيْثُ بنُ سَعْد) ١٣٦/٨ -١٦٣، وانظر النزهة: ٧/٧٣٨ . (٣) (٤) سورة البقرة ، الآية : ٦٧ . (٥) انظر السير: (أحمدُ بنُ الْمُعَذَّل) ٥١٩/١١-٥٢١، وانظر النزهة: ٤/٩٦٤. ٣٢٨ ٢ - المِزاحُ والضَّحِكُ الجِبلِّيان لا يُنقَدان : عن عيسَى بنِ محمَّد: أنَّ سُفيانَ الثَّورِيَّ كانَ يَضحَكُ حتَّى يَسْتَلِقِيَ ويَمُدُّ رجْلَيْه(١) . وذَكرَ أبو الوليد الباجي في كتابٍ ((فرق الفُقهاء)) له: حدَّثنا أبو عبد الله محمَّدُ بنُ عَلَيّ الوَرَّاق - وكانَ ثِقةً مُتْقِناً - أنَّه شاهَدَ أبا عبدِ الله الصُّورِيَّ، وكانَ فيه حُسنُ خُلُق ومِزاحٌ وضَحكٌ، لَمْ يَكُنْ وَراء ذلك إلاَّ الخَيرُ والدِّينُ ، ولكنَّه كانَ شَيئاً جُبلَ عليه ، ولَمْ يَكُنْ في ذلكَ بالخَارِقِ للعَادَةِ ، فَقَرأْ يَوماً جُزءاً على أبي العَبَّاسِ الرَّزي، وعَنَّ له أمرٌ ضَخَّكَه، وكانَ بالحَضرَةِ جَماعَةٌ من أُهِلِ بَلِدِه، فأنْكَروا عليه، وقالُوا : هذا لا يَصلُحُ ، ولا يَليقُ بِعِلمِكَ وتَقَدُّمِكَ أنْ تَقْرأ حَديثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأنتَ تَضحَكُ وكثَّروا عليه، وقالُوا: شُيوغُ بَلِدِنا لا يَرْضَونَ بهَذا فقالَ: ما في بَلِكُمْ شَيخٌ إلَّ يَجبُ أنْ يَقعُدَ بِينَ يَدَيَّ ويَقتَدي بي، ودَليلُ ذلك أنِّي قدْ صِرتُ مَعَكم على غَير. مَوْعِد، فانْظُرُوا إلى أيِّ حَديثٍ شِئْتُم من حَديثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، اقْرَؤُوا إِسْنادَه لأقْرِأَ مَتنَه أو اقْرؤوا مَتنَه حتَّى أُخْبِرَكم بإسْنادِه ، ثم قالَ الباجيُّ : لَزِمتُ الصُّورِيَّ ثلاثَة أعْوامٍ، فمَا رَأيته تَعرَّضَ لِفَتَوَى . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كانَ من أثمَّةِ السُّنَّ وله شِعرٌ رائقٌ. ماتَ الصُّورِيُّ سنةَ إِحْدَى وأربَعِينَ وأرْبَع مئة (٢). ٣- من العُلَماء مَنْ كان يَكرَهُ المِزاحَ : رَوَى الْمَرُّوذِيُّ عن جَعْفَرِ بنِ مَيْمُونَ حكايَةً تَدِلُّ على أنَّ يَزِيدَ بنَ هَارُونَ كانَ صَاحِبَ مِزاحٍ، وكانَ يَتأذَّبُ بحُضُورِ الإمَامِ (٣)، ولا يُمازِحُه(٤). (١) انظر السير: (سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ١/٧٠٠. (٢) انظر السير: (الصُّوريُّ) ٦٢٧/١٧ -٦٣١، وانظر النزهة: ٣/١٣٦٩. (٣) يقصد أحمدَ بنَ حنبل. (٤) انظر السير: (يَزِيدُ بنُ هارون) ٣٥٨/٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ٢/٨٣٠. ٣٢٩ وقالَ الطَّبَرانِيُّ: حدَّثْنَا الْمَعْمَرِيُّ، سَمعتُ خَلفَ بنَ سَالِمٍ يَقُولُ : كُنَّا فِي مَجلِسٍ يَزِيدِ بنِ هَارُونَ، فَمَزَحَ مع مُسْتَمليه ، فَتَنَحْنَحَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل ، فقالَ يَزِيدُ : مَنْ الْمُتَنَحْنِحُ ؟ فقيلَ له : أحمَدُ بنُ حَنْبَل ، فضَربَ يَزِيدُ علىُ جَبينِهِ وقالَ: ألا أعْلَمْتُمُوني أنَّ أحمَدَ هَا هُنا حتَّى لا أَمْزَح(١) . وقالَ الْمَرُوذيُّ: سَمعتُ جَعْفَرَ بنَ مَيْمُونَ بنَ الأَصْبغ، سَمعتُ أبي يَقُولُ: كُنَّا عندَ يَزِيدَ بنِ هارُون ، وكانَ عندَه الْمُعَيْطِيُّ، وأبو خَيْثَمَة ، وأحمَدُ ابنُ حَنْبَل ، وكانت في يَزِيدَ رَحمَهُ اللهُ، مُداعَبَة ، فَذَاكَرَه الْمُعَيْطِيُّ بِشَيء فقالَ له يَزِيدُ : فَقَدْتُك، فَتَنَحْنَحَ أحمَدُ فالْتُفتَ إليه، فقالَ : مَنْ ذَا؟ قالوا : أحمَدُ بنُ حَنْبَل ، فقالَ : ألا أعْلَمْتُموني أنَّه ها هُنا ؟ (٢). وقالَ أحمدُ بنُ سِنان القَطَّان: ما رَأيتُ يَزِيدَ لأحَدٍ أشَدَّ تَعْظيماً منه لأحمَدَ بنِ حَنْبَل ، ولا أكرَمَ أحَداً مثلَه، كانَ يُقعِدُه إلىْ جَنِبِه ويُوَفِّرُه، ولا يُمازِحُه(٣). ٤- مَنْ كُرِهَ من العُلَماء لأجْلِ المِزاح : قالَ الخَطيبُ: وكانَ في أبي سَهْلِ القَطَّان مِزَاحٌ ودُعابَة ، سَمعتُ البَرْقانيَّ يَقُولُ : كَرُوهُ لِمِزَاحٍ فیه ، وهو صَدوقٌ . وقالَ محمدُ بنُ الصُّوريِّ : سَمعتُ عليَّ بِنَ نَصْرِ بِمِصْرَ يَقولُ : كُنَّا يوماً بين يدي أبي سهل بن زياد ، فأخذ شخصٌ سِكَّيناً كانت بينَ يَديه ، فجعَلَ يَنظُرُ فيها ، فقالَ : ما لَكَ ولَها ؟ أتُريدُ أن تَسْرِقَها كما سَرَقْتُها أنا؟ هذه سِكِّينُ البَغَويِّ سَرَقْتُها منه . تُوفِّيَ أبو سَهْل سنةَ خمسينَ وثلاثٍ مئة، وكان مَوْلدُه في سنةٍ تِسْعٍ وخَمسينَ (٤) ومئتين (٤) . (١) انظر السير: (يَزِيدُ بنُ هارون) ٣٥٨/٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ٣/٨٣٠. (٢) انظر السير: ( أحمد بن حَنْيَل ) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٢٥. انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١-٣٥٨، وانظر النزهة : ٣/٩٢٥ . (٣) (٤) انظر السير: (أبو سَهْل القَطَّان) ٥٢١/١٥-٥٢٢، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٧. ٣٣٠ ٥- شِعْرٌ في البُعْدِ عن المِزاح الزَّائد : قالَ جَعْفَرُ بنُ عَوْن: سَمعتُ مِسْعَراً يُوصِي وَلِدَه كِدامً(١): فاسمعْ مقالَ أبٍ عليكَ شَفيقِ إني منحتُكَ يا كِدامُ نصيحتي خُلُقانٍ لا أرضاهُما لصديقٍ أمّا المُزاحةُ والمِراءُ فَدَعْهُمَا لمجاور جاراً ولا لرفيقٍ إني بلَوْتُهُما فلمْ أحمدْهُما وعُرُوقهُ في الناس أيُّ عُروقٍ والجهلُ يُزْري بالفتى في قومهِ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وهذانِ البَيْتَانِ أظُنُّهما لابنِ الْمُبارَك : فلْياتِ حَلْقةَ مِسعرٍ بنِ كِدامٍ مِنْ كانَ مُلتمِساً جليساً صالحاً أهلُ العفافِ وعِليةُ الأقوامِ فيها السكينةُ والوقارُ وأهلُها ٦ - صُورَتان للمِزاح : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عن أبي رافع قالَ : ورُبَّما أَتَى أَبُو هُرَيْرَة الصِّبْيانَ ، وهم يَلعَبُونَ باللَّيلِ لُعبَةَ الأعْرابِ فلا يَشعُرُونَ، حتَّى يُلِقِي نَفَسَه بينَهم ، ويَضرِبُ بِرِجِلَيْهِ، فَيَفْزَعُ الصِّنْيَانُ، فَيَفِرُونَ ورُبَّمَا دَعاني إلىُ عَشَائِهِ ، فِيَقُولُ : دَع العُراقَ(٢) للأميرِ فَأَنْظُرُ فإذا هو ثَريدَةٌ بِزَيْت(٣) . وقالَ قَبِيصَةُ : كانَ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ مَزَّاحاً، كُنتُ أَتَأَخَّرُ خَلفَه، مَخافَةَ أنْ يُحَيِّرَني بِمِزاحِه(٤) . ٧ - ضَابطٌ في الضَّحِكِ والتَُّّم : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ يَحْيَى بنِ حمَّد: الضَّحِكُ اليَسيرُ والتَّبَسُمُ أَفْضَلُ وعدم ذلكَ من مشايخ العِلمٍ على قسْمَين : (١) انظر السير: (مِسْعَر) ١٦٣/٧ - ١٧٣، وانظر النزهة: ٤/٦٩٠. (٢) العُراق: العَظمُ الذي أُخذَ عنه معظم اللَّحم، أو الغِذْرةُ من اللَّحْم. انظر السير: ( أبو هُرَيْرَة) ٢/ ٥٧٨-٦٣٢، وانظر النزهة: ٣/٣١٣ . (٣) (٤) انظر السير: (سُفْيانُ الثَّوْريُّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ١١/٦٩٩. ٣٣١ أحدهما : يَكونُ فاضِلاً لِمَنْ تَرَكَه أدَباً وخَوفاً من الله، وحُزْناً علىُ نَفَسِهِ الْمِسْكينَة . والثاني: مَذْمُؤُمٌ لِمَنْ فَعَلَه حُمْقاً وكِبْراً وتَصِتُّعاً، كمَا أنَّ مَنْ أكثَرَ الضَّحِكَ اسْتُخِفَّ به ، ولا رَيبَ أنَّ الضَّحِكَ في الشَّبَابِ أَخَفُّ منه وأعْذَر في الشُّيوخ(١). أمّا التبتُّمُ وطَلَاقَةُ الوَجْه فأرْفَعُ من ذلك كُلُّه ، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ))، وقالَ جَرِيرٌ: مَا رَآنِي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلاَّ تَبَّمَ فَهَذا هو خُلُقُ الإسْلامِ ، فَأَعْلَى الْمَقامَاتِ مَنْ كانَ بَكَّاءً بِاللَّيْلِ ، بَشَّاماً بالنَّهارِ(٢) . بَقِيَ هنا شَيءٌ: يَنبَغِي لِمَنْ كانَ ضَحُوكاً بشَّاماً أنْ يُقصرَ من ذلك ، ويَلومُ نَفَسَه حتَّى لا تَمَجَّه الأَنْفُسُ، ويَنْبَغِي لِمَنْ كانَ عَبُوساً مُنقَبِضاً أنْ يَتبسَّمَ ، ويُحسِّنَ خُلقَه ، ويَمقُتُ نَفَسَه علىُ رَدَاءَة خُلقِه، وكُلُّ انْحِرافٍ عن الاعْتِدالِ فَمَذْمُومٌ، ولا بُدَّ للنَّفْسِ من مُجاهَدَة وتَأديبٍ(٣) . النَّدَم قالَ ابنُ الْمَديني : سَمعتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : جاءَ ابنُ جُرُمُوزٍ إلى مُصْعَبٍ بِنِ الزُّبَيْرِ - يَعنِي لَمَّا وَلِيَ إِمْرَةَ العِراقِ لأخيه الخَليفَةِ عبدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ - فقالَ : أقِدْنِي بالزُّبَيْر ، فكتَبَ في ذلك يُشاوِرُ ابنَ الزُّبَيْرِ ، فجاءَه الخَبرُ : أنا أقْتُلُ ابنَ جُرْمُوز بالزُّبَيْرِ ؟ ولا بِشِسْعِ نَعِلِه . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : أكَلَ الْمُعَثَّرُ يَدَيه نَدماً علىْ قَتِلِه، واسْتَغْفَرَ ، لا كَقَاتِلِ طَلْحَة، وقَاتِلِ عُثْمان، وقَاتِلٍ عَليّ(٤). (١) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ حمَّاد) ١٣٩/١٠ -١٤١، وانظر النزهة: ٧/٨٥٨. (٢) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ حمَّاد) ١٣٩/١٠ -١٤١، وانظر النزهة: ١/٨٥٩. (٣) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ حمَّاد) ١٣٩/١٠-١٤١، وانظر النزهة: ٢/٨٥٩. (٤) انظر السير: (الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّام) ١/ ٤١ -٦٧، وانظر النزهة: ١/١٢٩. ٣٣٢ وعن عَلقمَةَ بنِ وائل بنِ حُجْرِ بنِ سَعْد الحَضْرَميِّ ، عن أبيه : أنَّه وَفَدَ علىُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأقْطَعَه أرْضاً ، وأَرْسَلَ مَعه مُعاويَةَ بنَ أبي سُفْيانَ لِيُعرِّفَه بها . قالَ : فقالَ لي مُعاويَةُ : أرْدِفْني خَلْفَك قُلتُ: إِنَّكَ لا تَكونُ من أرْدافِ الْمُلوكِ قالَ : أعْطِنِي نَعْلَك فقُلتُ : انْتُعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ . قالَ : فلمَّا اسْتُخِلِفَ ، أتَيْتُه، فَأقْعَدَني مَعَه على السَّريرِ، فذَكَّرَنِي الحَديثَ فقُلتُ فِي نَفَسِي : لَيْتَنِي كُنتُ حَمِلتُه بَيْنَ يَدِيَّ (١) . عن أبي قِلابَة : قالَ لي مُسْلمُ بنُ يَسار: إنِّي أحْمَدُ اللهَ إليكَ، أنِّي لَمْ أرْمِ بِسَهْم ولَمْ أضْرِبْ فيها بسَيفٍ ، قُلتُ له : فَكَيفَ بمَنْ رَاكَ بينَ الصَّفَّينِ فقالَ: هذا مُسْلمُ بنُ يَسار لَنْ يُقاتلَ إلاَّ على حَقٌّ، فقَاتلَ حتَّى قُتْلَ؟ فَبَكَىْ واللهِ حَتَّى وَدِدْتُ أنَّ الأرضَ انْشِقَّت فدَخلتُ فيها(٢) . وقالَ أيُوبُ السِّخْتيانيُّ: وفي القُرّاء الذَّين خَرجُوا مع ابنِ الأشْعَث ، لا أعْلمُ أحداً منهم قُتلَ ، إلاَّ رُغِبَ له عن مَصْرَعِه أو نَجا إلاَّ نَدِمَ على ما كانَ منه(٣). التَّزْكيَة والمَذْح ١ - ضَوابط للتَزْكية والمَلْح: عن أنَسِ بنِ مالِك ، قالَ: بَعَثني أبو موسَى الأشْعَرِيُّ إلى عُمَرَ ، فقالَ لي: كَيفَ تَركتَ الأَشْعَريَّ؟ قُلتُ: تَركتُه يُعلِّمُ النَّاسَ القُرآنَ فقالَ: أما إنَّه كَيِّسرٌ! ولا تُسْمِعْها إِيَّه(٤). وعن سَعيدِ بنِ العَاصِ قالَ: القُلُوبُ تَتَغَيَّرُ، فلا يَنبَغِي للمَرِ أنْ يَكونَ مادِحاً اليَومَ ذامَاً غَداً . (١) انظر السير: (وَائلُ بنُ حُجْر بنُ سَعْد) ٢/ ٥٧٢- ٥٧٤، وانظر النزهة: ٢/٣٠٦. (٢) انظر السير: ( مُسلم بن يَسار) ٥١٠/٥-٥١٤، وانظر النزهة: ٢/٥٤٨. (٣) انظر السير: (مُسلم بن يَسار) ٥١٠/٥-٥١٤، وانظر النزهة: ٣/٥٤٨. (٤) انظر السير: ( أبو موسَى الأشْعَريُّ) ٢/ ٣٨٠-٤٠٢، وانظر النزهة: ٥/٢٨٠. ٣٣٣ قالَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّار : تُوفِّيَ سَعيدُ بنُ العَاصِ بقَصرِه بالعَرصَة على ثلاثَةِ أَمْيالٍ من الْمَدِينَةِ، وحُملَ إلى البقيعِ في سَنةِ تِسعٍ وخَمسين(١) . قالَ محمَّدُ بنُ يُوسُفُ الفِرْيابي : كُنتُ في مَجلِسٍ فيه الأوْزاعيُّ وسَعيدُ بنُ عبد العَزيز ، وسُلْمانُ الخَوَّاصُ ، فَذَكرَ الأوْزاعيُّ الزُّهَّادَ، فقالَ : ما نزيدُ أنْ نُرِيدَ مثل هَؤلاء، فقالَ سَعيدٌ: ما رَأيتُ أزْهَدَ من سُليْمانَ الخَوَّاص، وما شَعَرَ أَنَّه في الْمَجلِسِ ، فقَنَّعَ سُليمانُ رَأْسَه، وقَامَ ، فأقْبلَ الأوْزَاعِيُّ على سَعيدٍ ، وقالَ : وَيُحَكَ لا تَعْقِلُ ما يَخرُجُ من رَأْسِك! تُؤْذِي جَليسَنا تُزَكِّيه في وَجهِه(٢). ٢- كراهيَة الصَّالحين للمَلْح : عن نافع أو غَيرِه ، أنَّ رَجُلاً قالَ لابنِ عُمَرَ : يا خَيرَ النَّاسِ وابنَ خَيرِ النَّاسِ فقالَ : ما أنا بخَيرِ النَّاسِ ، ولا ابن خِيَّرِ النَّاسِ ، ولَكِنِّي عبدٌ من عبادِ الله، أرْجُو الله ، وأخافُه ، واللهِ لَنْ تَزَالُوا بِالرَّجُلِ حَتَّى تُهْلِكُوه(٣). ٣- الاعْتِدالُ في المَدْح والذَّمِّ واجبٌ : قالَ مالكُ بنُ دينار : مُذْ عَرفتُ النَّاسَ لَمْ أفْرَحْ بِمَدْحِهم ، ولَمْ أكْرَه ذَفَّهم لأنَّ حامدَهم مُفرِّطٌ، وذامَهم مُفرِّطٌ، إذا تَعلَّمَ العالمُ العِلْمَ للعَمَلِ كَسَرَه ، وإذا تَعَلَّمَه لغير العِلْمِ ، زادَه فَخْراً(٤) . ٤- التَّحْذِيرُ من مَدْح النَّفْس : عن الإمامِ مَالِك قالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إذا ذَهبَ يَمْدَحُ نَفَسَه، ذَهبَ بَهَاؤُه(٥). (٢) (١) انظر السير: (سَعيد بن العاص) ٣/ ٤٤٤-٤٤٩، وانظر النزهة: ٦/٤٠٦. انظر السير: ( سُليمان الخَوَّاص) ١٧٨/٨ -١٧٩، وانظر النزهة: ٤/٧٤٢. انظر السير: (عبدُ الله بنُ عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة : ١/٣٧٣. (٣) (٤) انظر السير: (مالك بن دينار) ٣٦٢/٥ -٣٦٤، وانظر النزهة: ٥/٦٠٩. (٥) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٣٦. ٣٣٤ ٥ - خَوفُ السَّلَف من كونِ المَدْح والثَّاء استدراجاً : قالَ الْمَرُّوذيُ : قُلتُ لأبي عبدِ اللهِ أحمَد بنِ حَنْبَل: ما أكثَرَ الدَّاعي لَكَ! قالَ : أخافُ أنْ يَكُونَ هذا اسْتدراجاً بأيِّ شَيءٍ هَذا؟ وقُلتُ له : قَدِمَ رَجلٌ من طَرْسُوسَ ، فقالَ: كُنَّا فِي بِلادِ الرُّومِ في الغَزوِ إذا هَدَأ اللَيلُ، رَفَعوا أصْوَاتَهم بالدُّعاءِ ، ادْعُوا لأبي عبدِ الله ، وكُنَّا نَمُدُّ الْمِنْجَنِيقَ ونَزْمي عن أبي عبدِ الله ولَقَدْ رُميَ عنه بحَجٍ ، والعِلْجُ على الحِصنِ مُتَتَرِّسٌ بِدَرَقَةٍ فَذَهبَ بِرَأْسِه وبالدَّرَقَة ، قالَ: فَتَغْيَّرَ وَجهُ أبي عبدِ الله وقالَ : لَيْتَه لا يَكونُ اسْتِدراجاً قُلتُ: كلاً(١). وقالَ خُرسانيٌّ للإمام أحمدَ بنِ حَنْبَل الحَمدُ لله الذي رَأيتُك ، قالَ : اقْعُد ، أيُّ شَيءٍ ذا؟ مَنْ أنا ؟(٢). وعن رَجلٍ قَالَ : رَأيتُ أثَرَ الغَمِّ في وَجْه أبي عبدِ الله أحمد بنِ حَنْبَل ، وقد أثنَى عليه شَخصٌ ، وقيلَ له : جزاكَ اللهُ عن الإسْلامِ خَيراً ، قالَ : بَلْ جَزَى اللهُ الإسْلامَ عنّي خَيراً مَنْ أنا ومَا أنا !! ؟ . قالَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ : كانَ أحمدُ بنُ حَنْبَل يُجيبُ في العُرْسِ والخِتانِ ، ويأكُلُ وذَكرَ غَيرُه أنَّ أحمدَ رُبَّمَا اسْتَعْفَى من الإجابة، وكانَ إنْ رَأْىُ إناءَ فضَّة أو مُنْكَراً خرج ، وكان يُحبُّ الخُمولَ والانْزِواءَ عن النَّاسِ ، ويَعودُ المَريضَ وكان يَكرَهُ الْمَشيَ في الأسْواقِ ، ويُؤثِرُ الوَحْدَةَ(٣) . ٦ - لو سَألكَ إنْسانُ هلْ رأيتَ مثلَ نَفْسِكَ ؟ فبماذا تُجيبُ ؟ قالَ رَجاءُ بنُ محمَّد الْمُعَدَّل : قُلتُ الدَّارَقُطْنِيِّ: رَأيتَ مثلَ نَفَسِك؟ فقالَ : قالَ اللهُ: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٤) فألْحَحْتُ عليه فقالَ: لَمْ أَرَ أحداً جَمِعَ ما جَمِعتُ ، (١) انظر السير: (أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر ٦/٩٢٧. (٢) انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر ٤/٩٣٠. انظر السير: ( أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر ٥/٩٣٠. (٣) (٤) سورة النجم، الآية: ٣٢ . ٣٣٥ وقالَ أبو ذَرْ: قُلتُ لأبي عبدِ الله الحَاكِم : هلْ رَأيتَ مثلَ الدَّارَقُطْنيّ ؟ فقالَ : هو ما رَأَىْ مثلَ نَفَسِه، فكيفَ أنا ؟(١). وجاءَ في تَرجَمَةِ الحافِظِ بنِ عَساكِرِ ، قالَ عنه أبو الْمَواهِب : وأنا كُنتُ أُذاكِرُه في خَلوَاتِه عن الحُفَّاظِ الذين لَقِيَهم فقالَ: أمَّا بِبَغْدَادَ، فأبو عامِرِ العَبْدَريُّ، وأمَّا بأصْبَهانَ ، فأبُو نَصْر اليُونارتي ، لكنَّ إِسْماعيلَ الحافظَ كانَ أَشْهَرَ منه ، فقُلْتُ له : فَعَلَىُ هذا ما رَأَىْ سَيِّدُنا مثلَ نَفَسِه فقالَ: لا تَقُلْ هذا، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ﴾(٢) قُلتُ: فقد قالَ: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(٣) فقالَ: نَعَم لَوْ قالَ قائلٌ: إِنَّ عَينَيَّ لَمْ تَرَ مثِي لَصَدَق (٤) . ٧- ثَنَاءُ العُلَماء على البُخَاري : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ أبي عبدِ الله البُخاريِّ: قالَ أبو جَعْفَر : سَمعتُ يَحْيَى بِنَ جَعْفَرِ يَقُولُ: لَوْ قَدرتُ أنْ أزيدَ في عُمرٍ مُحمَّدٍ بنِ إسْماعيلَ من عُمْري لَفعَلتُ ، فإنَّ مَوْتِي يَكُونُ مَوتَ رَجُلٍ واحِدٍ ومَوتُهُ ذَهَابُ العِلمِ . وقالَ محمَّدٌ: حذَّثني محمَّدُ بنُ إسْماعيلَ ، قالَ : كُنتُ إذا دَخَلتُ علىُ سُلْيْمانَ بنَ حَرْب يَقُولُ : بَيِّنْ لنا غَلطَ شُعْبَةٍ . قالَ وسَمعتُه يَقُولُ : اجْتَمَعَ أصْحابُ الحَديثِ ، فسَأَلُوني أنْ أكلِّمَ إِسْماعيلَ بنَ أبي أُوَيْس لِيَزِيدَهُم في القِراءَة ، ففَعلتُ، فدَعَا إِسْماعيلُ الجارِيَة، وأمَرَها أنْ تُخرِجَ صُرَّةَ دَنانير ، وقالَ : يا أبا عبد الله ، فرَّقْها عَليهم قُلتُ: إنَّما أرَادُوا الحَديثَ قالَ: قد أجَبتُك إلى ما طَلبتَ من الزِّيادَةِ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أنْ يُضَمَّ هَذا إلى ذَاكَ لِيَظهَرَ أَثَرُّك فيهم . وقالَ محمَّدُ بنُ أبي حاتم : سَمعتُ حاشِدَ بنَ عبد الله يَقُولُ : قالَ لي أبو مُصْعَب انظر السير: (الدَّارَقُطْنيُّ) ٤٤٩/١٦-٤٦١، وانظر النزهة: ٢/١٣٠٤. (١) (٢) سورة النجم ، الآية : ٣٢ . (٣) سورة الضحى ، الآية : ١١ . انظر السير: ( ابنُ عَساكِر) ٢٠/ ٥٥٤ - ٥٧١، وانظر النزهة: ٤/١٥٨٤. (٤) ٣٣٦ الزُّهْرِيُّ : محمَّدُ بنُ إسْماعيلَ أفْقَهُ عندَنا وَأَبْصَرُ بالحَديثِ من أحمَد بنِ حَنْبَل فقيل له : جاوَزْتَ الحَدَّ فقالَ للرجُلِ: لَوْ أدْرَكتَ مَالِكاً ونَظَرَتَ إلى وَجْهِه ووَجْهِ محمَّدِ بنِ إِسْماعيلَ ، لقُلتَ : كِلاهُما واحدٌ في الفِقْه والحَديثِ . قالَ : وسَمعتُ حاشِدَ بنَ إسْماعيلَ يَقُولُ : سَمعتُ إسْحَاقَ بنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ : اكْتُبوا عن هذا الشَّابِّ - يَعني البُخاريَّ - فَلَوْ كانَ في زَمَنِ الحَسَن لاحْتَاجَ إليه النَّاسُ لِمَعرِفَتِهِ بالحَديثِ وفِقهِه . وعن عبدِ الله بنِ أحمَد بنٍ حَنْبَل ، سَمعتُ أبي يَقُولُ : انْتُهَى الحِفظُ إلى أَرْبَعة من أهْلِ خُراسَان : أبو زُرْعَة الرَّزي ، ومحمَّدُ بنُ إسْماعيلَ البُخاري ، وعبدُ الله بنُ عبد الرحمن السَّمَرَ قَنْدي ، والحَسَنُ بنُ شُجاع البَلْخي . قالَ ابنُ الأَشْعَث : فحَكيتُ هذا لِمُحمَّدِ بنِ عَقيل البَلْخِي ، فَأَطْرَى ذِكرَ ابنِ شُجاع ، فقُلتُ له: لِمَ لَمْ يَشْتِهِرْ؟ قال: لأنَّه لَمْ يُمََّّعْ بالعُمرِ . وقالَ محمَّدٌ: حدَّثني جَعَفَرُ بنُّ محمَّد الفِرَبْري قالَ: خَرجَ رَجلٌ من أصْحابٍ عبدِ الله بنِ مُثير ، رَحمَهُ اللهُ إلى بُخَارَى في حاجَةٍ له فلمَّا رَجَعَ قالَ له ابنُ مُنير : لَقِيتَ أبا عبد الله ؟ قالَ: لا، فَطَرَدَه وقالَ: ما فيكَ بعدَ هذا خَيرٌ، إذ قَدِمتَ بُخارَىُ ولَمْ تَصِرْ إلى أبي عبدِ الله محمَّدٍ بنِ إِسْماعيل . عن قُتُبِبَة بنِ سَعيد أنَّه قالَ : رُحِلَ إليَّ من شَرقِ الأرضِ وغَرِبِها ، فمَا رَحلَ إليَّ مثلُ محمَّدٍ بنِ إسْماعيل ، فقالَ مهيارُ : صَدَقَ أنا رَأيتُه مع يَحْيَى بنِ مَعين ، وهما يَخْتَلِفان جَميعاً إلى محمَّدٍ بنِ إِسْماعيلَ، فَرَأيتُ يَحْيَى يَنْقَادُ له في الْمَعرِفَة . وعن قُتِبَة قالَ : لَوْ كانَ محمَّدٌ فِي الصَّحَابَةِ لَكَانَ آيَةً . وقالَ محمَّدُ بنُ يُوسُفِ الهَمَذاني : كُنَّا عندَ قُتَيبَة بن سَعيد، فجاءَ رَجلٌ شَعرانيٌّ يُقالُ له : أبو يَعْقوب، فسَألَه عن محمَّدٍ بنِ إِسْماعيل، فنَكَّسَ رَأْسَه، ثم رَفَعَه إلى السَّماءِ ، فقالَ: يَا هَؤلاء، نَظَرتُ في الحَديثِ ونَظَرتُ في الرَّأي ، وجالَستُ الفُقَهَاءَ والزُّهَّادَ والعُبَّادَ، ما رَأيتُ منذُ عَقلتُ مثلَ محمَّدٍ بنِ إِسْماعيل . قالَ الحاكِمُ : سَمعتُ محمَّدَ بنَ يَعْقوبَ الحافِظَ يَقُولُ : سَمعتُ أبي يَقُولُ : رَأيت ٣٣٧ مُسْلِمَ بنَ الحَجَّاجِ بين يدي البُخاريِّ يَسألُهُ سُؤالَ الصَّبيُّ(١). ثم قالَ : سَمعتُ الحَسَنَ بنَ أحمَد الشَّيْباني الْمُعَدَّل، سَمعتُ أحمَدَ ابنَ حَمْدونَ يَقُولُ: رَأيتُ محمَّدَ بنَ إسْماعيل في جِنازَة سَعيدٍ بنِ مَرْوانَ ومحمَّدُ بنُ يَحْتَى الذُّهْليُّ يَسألُه عن الأسَامي والكُنَى والعِلَلِ، ومحمَّدُ بنُ إسْماعيلَ يَمرُ فيه مثلَ السَّهْمِ ، كأنَّه يَقرأُ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾(٢). وقالَ محمَّدُ بنُ حَمْدونَ بنِ رُسْتُم : سَمعتُ مُسْلِمَ بنَ الحَجَّاج ، وجاءَ إلى البُخاريِّ فقالَ: دَعْني أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يا أُسْتاذَ الأُسْتاذِين، وسَيِّدَ الْمُحَدِّثين، وطَبيبَ الحَديثِ في عِلله . وقالَ أبو عَليّ صالِحُ بنُ محمَّد جَزَرَة : كانَ مُحمَّدُ بنُ إسْماعيلَ البُخاريُّ يَجلِسُ بَبَغْدادَ ، وكُنتُ أسْتَمْلِي له ، ويَجتَمِعُ في مَجلِسِه أكْثَرُ من عِشْرِينَ ألْفاً(٣) . قال خالدُ بنُ عبدِ الله المَرْوَزِيُّ، سَمعتُ أبا سَهْل محمَّدَ بنَ أحمَدَ المَرْوزِيّ ، سَمعتُ أبا زَيْدِ المَرْوزِيَّ الفَقيهَ يَقُولُ: كُنتُ نائماً بين الرُّكنِ والمَقَام فرَأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : يا أبا زَيْد ، إلى مَتى تَدْرُسُ كتابَ الشَّافعي، ولا تَدَرُسُ كتابي ؟ فَقُلتُ: يا رسُولَ الله، وما كتابُك؟ قالَ: ((جامِعُ مُحمَّد بن إِسْماعيل))(٤) . ٨- ثَنَاءُ عالمٍ على آخرَ مع تَدابُرِهِما : قيلَ : إِنَّ أبا نُعَيم الحافِظَ ذُكِرَ له ابنُ مَنْدَةِ، فقالَ : كانَ جَبلاً من الجِبالِ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: فهَذا يَقولُه أبو نُعَيم مع الوَحْشَة الشَّديدَةِ التي بَينَه وبينَه(٥) ، (٦) . (١) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ١٠١٣ / ثناء العُلماء عليه. (٢) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة : ١/١٠١٥. (٣) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٥. (٤) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٥. وهي بسبب الخلاف المتأجج بين العُلماء وقتئذ حول قضية اللفظ بالقُرآن، أهو مَخْلوقٌ أو غيرُ مَخْلوقٍ. (٥) (٦) انظر السير: (ابنُ مَنْدَة) ٢٨/١٧-٤٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٢١. ٣٣٨ ٩- تَوْجيهُ الثَّنَاءِ وِجْهَةً صَحيحَة : قال أبو المَليح : قال رجلٌ لمَيْمونَ بنِ مِهْران : يا أبا أيوب! ما يَزالُ النَّاسُ بِخَيرٍ ما أبقاك الله لهم ، قال: أقْبلْ على شأنِكْ، ما يَزالُ النَّاسُ بخَير ما اتَّقَوا ربَّهُم (١). قالَ ابنُ عُيَيْنَة : قالَ رَجلٌ لعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيز : جَزاكَ اللهُ عن الإسْلامِ خَيراً ، قالَ : بَلْ جَزَى اللهُ الإسْلامَ عنِّي خَيراً . ماتَ سَنَةَ إِحْدَى ومئة(٢). وعن فُضَيلِ بنِ عِياض قالَ : قيلَ لسُليْمانَ الثَّميِّ: أنْتَ أنْتَ ومَنْ مثلُك ؟! قالَ : لا تَقُولوا هكذا لا أدري ما يَبدو لي من رَبِّي عزَّ وجلَّ سَمعتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿ وَبَدَا لَم مِنَ اللَّهِ مَا لَمَّ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾(٣)، (٤) . ١٠ - نَمَاذج من تَزْكِيَة السَّلَف بَعْضهم بَعْضاً: قالَ الشَّعْبِيُّ : أهلُ بَيتٍ خُلقوا للجَنَّة عَلقَمَةُ والأسْوَدُ وعبدُ الرحمن(٥). رَوَى عطاءُ بنُ أبي رَباح عن ابنِ عَبَّاس قالَ: إنِّي لأظُنُّ طاؤُوساً من أهْلِ الجَنَّةُ(٦). وعن سُفْيانَ الثَّوري ، قالَ : وهلْ كانَ في الدُّنيا مثل قَتَادَةَ(٧). وقالَ سُليْمانُ الثَّيميُّ : ما أحَدٌ أُحِبُّ أنْ أَلْقَى اللهَ بمثلٍ صَحِيفَتِهِ مثل محمَّدٍ بنِ واسع (٨). وقالَ وَكِيعٌ : شَكُ مِسْعَر كَيَّقِينٍ غَيرِه . (١) انظر السير: (مَيْمونُ بن مِهْران) ٧١/٥ -٧٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٢. انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥ -١٤٨، وانظر النزهة : ٤/٥٩٢. (٢) (٣) سورة الزمر ، الآية : ٤٧ . انظر السير: ( سُلِيْمانُ بنُ طَرْخان) ٦/ ١٩٥-٢٠٢، وانظر النزهة: ١٠/٦٤١. (٤) (٥) انظر السير: (عبدُ الرحمن بن الأسْوَد) ١١/٥-١٢، وانظر النزهة : ٨/٥٧٥. (٦) انظر السير: ( طاؤُوس ) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة : ٤/٥٧٧. انظر السير: ( قَتَادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٢/٦٠٣. (٧) (٨) انظر السير: (محمد بن واسع) ١١٩/٦ - ١٢٣، وانظر النزهة: ٢/٦٣٨. ٣٣٩ ورُويَ عن الحَسَنِ بنِ عُمارَة قال: إنْ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ إلاَّ مِثلُ مِسْعَر، إنَّ أَهْلَ الجَنَّة لَقَليل(١) . وقالَ يَحْيَى بِنُ مَعين: شُعْبَةُ إمَامُ الْمُتَّقِينَ، وقالَ أبو زَيْد الأنْصَارِيُّ: هلْ العُلَمَاءُ إلاَّ شُعْبةٌ من شُعْبَةٍ (٢). وقالَ البَراءُ بنُ رتيم : سَمعتُ يُونُسَ بنَ عُبَيَد يَقُولُ : ما رَأيتُ أفْضَلَ من سُفْيانَ فقيل له : فقد رَأيتَ سَعيدَ بنَ جُبير، وإبراهيمَ ، وعَطاءَ ، ومُجاهِداً ، وتَقُولُ هذا؟! قالَ : هو ما أقُولُ، ما رَأيتُ أفْضَلَ من سُفْيانَ . وقالَ عَبَّاسُ الدُّورِيُّ: رَأيتُ يَحْيَى بِنَ مَعين ، لا يُقدِّمُ علىْ سُفْيَانَ أحَداً في زَمانِهِ ، في الفِقْه والحَديثِ والزُّهْدِ وكُلِّ شَيءٍ(٣) . وعن ابنِ الْمُبارَك قالَ: ما نُعِتَ لي أحَدٌ ، فرَأيْتُه إلاَّ وَجدتُهُ دُونَ نَعَتِهِ ، إلاَّ سُفْيانَ الثَّوري . وقالَ ابنُ عَرْعَرَة : سَمعتُ يَحْيَى بِنَ سَعيد يقولُ : سُفْيَانُ أَثْبَتُ من شُعْبَة، وأعْلَمُ بالرِّجالِ (٤) . وقالَ بِشْرٌ الحَافي : كانَ الثَّورِيُّ عندَنا إمَامَ النَّاسِ وعنه قالَ : سُفْيانُ في زَمانِهِ كأبي بكر وعُمَرَ في زَمانِهِما(٥) . وعن شُعَيبٍ بنِ حَرْب قالَ : إنِّي لأَحْسَبُ أنَّه يُجاءُ غَداً بسُفْيَانَ حُجَّةً من الله على خَلقِهِ يَقُولُ لهم : لَمْ تدرِكُوا نَبِيِّكم ، قد رَأيْتُمْ سُفْيانَ . قالَ شُعْبَةُ: إنَّ سُفْيانَ سَادَ النَّاسَ بِالوَرَعِ والعِلمِ (٦). (١) انظر السير: (مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦٨٩. (٢) انظر السير: ( شَعْبة) ٧/ ٢٠٢-٢٢٨، وانظر النزهة: ٦/٦٩٣. انظر السير : (سُفيان الثَّوري) ٧/ ٢٢٩ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٦٩٥. (٣) انظر السير: ( سُفيان الثوري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة : ٦/٦٩٥. (٤) انظر السير: ( سُفيان الثوري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٧/٦٩٥. (٥) (٦) انظر السير: (سُفْيان الثَّوري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٨/٦٩٥. ٣٤٠