النص المفهرس
صفحات 301-320
عن أبي البَخْتَرِيِّ قالَ : قيلَ لعَليٍّ : أخبرنا عن أصْحَابِ محمَّد صلی الله عليه وسلم قالَ : عن أيّهم تَسألُون ؟ قيلَ: عن عبدِ الله بنِ مَسْعود ، قالَ: عَلِمَ القُرآنَ والسُّنَّةَ ، ثم انْتُهىُ وكَفَى به عِلماً قَالُوا: عَمَّار؟ قالَ: مُؤْمِنٌ نَسَيٍّ فإنْ ذَكَّرَتَه ذَكَرَ ، قالوا : أبو ذَر؟ قالَ: وَعَى عِلماً عَجَزَ عنه قَالُوا: أبو مُوسَى؟ قالَ: صُبِغَ في الْعِلمِ صِبْغَةً ، ثم خَرجَ منه قالوا : حُذَيْفَة ؟ قالَ : أَعْلمُ أصْحابِ مُحمَّد بالْمُنافِقِينَ قَالُوا : سَلْمانُ ؟ قالَ : أدْرَكَ العلمَ الأوَّلَ ، والعِلمَ الآخِرِ ، بَحْرٌ لا يُدرَكُ قَعْرُه، وهو منَّا أهلَ البيتِ قَالُوا : فأنتَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟ قالَ : كُنتُ إذا سألتُ أُعطِيتُ، وإذا سَكتُّ ابْتُديتُ(١). وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم تَلا هذه الآية ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾(٢) قالوا : يا رَسولَ الله! مَنْ هَؤلاء؟ قالَ رضي الله عنه : فضَرَبَ عَلىَ فَخِذِ سَلْمانَ الفَارسِيِّ، ثم قالَ صلى الله عليه وسلم: ((هَذا وَقَوْمُهُ ، وَلَوْ كانَ الدِّينُ عِنْدَ الَُّيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ الفُرْسِ)) (٣). عن أبي البَخْتَريِّ قالَ: جاءَ الأَشْعَثُ بنُ قَيْسٍ وجَرِيرُ بنُ عبدِ الله ، فدَخَلا على سَلَمَانَ في خُصٍّ فسَلَّما وحَيَّياه ، ثم قَالا : أنتَ صاحِبُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ : لا أدري فارْتابا قالَ : إنَّما صاحِبُهُ مَنْ دَخَلَ مَعه الجَنَّةَ قالا : جئنا من عندٍ أبي الدَّرْداء ، قالَ : فأينَ هَديَّتُه؟ قالا: ما مَعنا هَديَّة قالَ: اتَّقيا اللهَ، وأدِّيا الأمانَةَ، ما أتاني أحَدٌ من عندِه إلاَّ بَهَديَّة ، قالا: لا تَرفَع عَلينا هَذا، إنَّ لنا أمْوالاً فاحْتَكِم ، قالَ : ما أُريدُ إلَّ الهَدِيَّة، قالا: والله ما بَعثَ مَعنا بشَيءٍ إلاَّ أنَّه قالَ: إنَّ فِيكُم رَجُلاً كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا خَلا به لَمْ يَبْغِ غَيْرَه ، فإذا أتَيْتُمَاهُ ، فأقْرِئَاهُ منِّي السَّلامَ قالَ: فَأَيُّ هَديَّةٍ كُنتُ أُريدُ مِنْكُمَا غَيرَ هذه؟ وَأيُّ هَديَّة أفْضَلُ منها؟(٤) . عن طارِقٍ بنِ شِهابٍ عن سَلْمانَ قالَ : إذا كانَ اللَّيْلُ ، كانَ النَّاسُ منه علىْ ثَلاثِ (١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٣. (٢) سورة محمد، الآية : ٣٨. (٣) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٣. (٤) انظر السير: (سَلْمَانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/٢٠٣. ٣٠١ مَنازِلَ : فمنهم مَنْ لَه ولا عَليه، ومنهم مَنْ عَليه ولا لَه ، ومنهم مَنْ لا عَليه ولا لَه! فقُلتُ : وكَيفَ ذَاكَ ؟ قالَ: أَمَّا مَنْ لَه ولا عَليه ، فرَجلِ اغْتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاسِ وظُلمَةً اللَّيلِ، فَتَوضَّأ وصَلَّى، فذاكَ لَه ولا عَليه، ورَجُلٌّ اغْتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاسِ وظُلمَةَ اللَّيلِ فمَشَىْ فِي مَعاصي الله، فَذَاكَ عَليه ولا لَه، وَرَجُلٌ نامَ حتَّى أَصْبَحَ ، فَذَاكَ لا لَه ولا عَليه(١) . قالَ طارِقٌ : فقُلتُ : لأصْحَبنَّ هذا فضُربَ على النَّاسِ بَعثُ، فخَرجَ فيهم ، فصَحبتُهُ وكُنْتُ لا أفْضُلهُ فِي عَمَلٍ ، إنْ أنا عَجنتُ خَبزَ وإِنْ خَبَرْتُ طَبِخَ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فبتْنا فيه، وكانت لِطَارِق سَاعَةٌ من اللَّيْلِ يَقُومُها ، فَكُنتُ أَتَفَّظُ لها فأجِدُه نائماً ، فَأَقُولُ : صاحِبُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، خَيرٌ مِنِّي نائمٌ ، فأنامُ ثم أقُومُ فأجِدُهُ نائماً فأنامُ، إلاَّ أنَّه كانَ إذا تَعارَّ من اللَّيلِ قالَ وهو مُضطَجِعٌ: سُبْحَانَ اللهِ ، والْحَمْدُ للهِ ، ولا إلَهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ ولَهُ الْحَمْدُ ، وهو علىْ كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ حَتَّى إذا كانَ قُبَيَلَ الصُّبحِ قامَ فَتَوضَّأ ثم رَكَعَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ فلمَّا صَلَّيْنَا الفَجْرَ قُلتُ : يا أبا عبدِ الله! كانَت ليَ سَاعَةٌ من اللَّيْلِ أقُومُها وكُنتُ أَتَفَظُ لها فأجدُكَ نائماً ، قالَ : يا ابنَ أخي! فإيش كُنتَ تَسْمَعُني أقُولُ؟ فأخْبَرتُه ، فقالَ : يا ابنَ أخي تِلكَ الصَّلاةُ، إنَّ الصَّلوَاتِ الخَمسَ كَفَّاراتٌ لِمَا بَنَهُنَّ ما اجْتُنْبَت الْمَقْتَلَة، يا ابنَ أخي عَليكَ بالقَصْدِ فإِنَّهِ أَبْلَغُ(٢) . عن أبي وَائلٍ قالَ: ذَهبتُ أنا وصاحبٍ لي إلى سَلْمانَ، فقالَ: لَوْلا أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهانا عن التَّكلُّفِ، لتَكلَّفْتُ لكم ، فجاءَنا بخُبزٍ ومِلْحِ فَقُلتُ لصاحِبِي: لَوْ كانَ في مِلْحِنا صَعْتَرٌّ فَبَعَثَ سَلْمَانُ بِمِطْهَرَتِهِ ، فَرَهَنَها، فجاء بَصَعْتَر ، فلمَّا أُكَلْنا قالَ صاحبي : الحَمْدُ لله الذي قَنَّعَنا بما رَزَقَنا، فقالَ سَلْمانُ : لَوْ قَنَعْتَ لَمْ تَكُنْ مِطْهَرَتِي مَرْهونَةَ(٣) . (١) انظر السير: (سلمانَ الفارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٤. (٢) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٤. (٣) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارِسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/٢٠٤. ٣٠٢ وعن أَنَس قالَ : دَخلَ سَعدٌ وابنُ مَسْعُود عَلى سَلْمانَ عندَ الْمَوتِ ، فَبَكَى فقيل له : ما يُبكيكَ ؟ قالَ: عَهِدٌ عَهِدَه إلينا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، لَمْ نَحْفَظْه قالَ : ((لِيَكنْ بَلاغُ أَحَدِكِمْ مِنْ الدُّنْيَا كَادِ الرَّاكبِ )) وأمَّا أنتَ يا سَعدُ فَاتَّقِ اللهَ في حُكمِكَ إذا حَكمتَ ، وفي قَسْمِكَ إذا قَسَمْتَ ، وعندَ هَمِّكَ إذا هَمَمتَ . قالَ ثابتٌ: فَبَلغَني أنَّه ما تَركَ إلاَّ بضعَةٌ وعِشرينَ دِرْهَماً نُفَيْقَة كانت عندَه(١) . عن سلمانَ ، قَالَ : فَتَرَةُ ما بَيْنَ عِيسَى ومُحمَّد صلى الله عليه وسلم سِثُ مئة سَنةٌ(٢) . ماتَ سَلمانُ في خِلافَةِ عُثْمانَ بالْمَدائنِ . قالَ العَبَّاسُ بنُ يَزِيد البَحْراني: يَقولُ أهْلُ العِلمِ: عَاشَ سَلمانُ ثَلاثَ مئةٍ وخَمسينَ سَنَةً ، فأمَّا مِئتانِ وخَمسُونَ ، فلا يَشُكُّونَ فيه . ومَجْموعُ أمْرِهِ وأَحْوَالِه، وغَزْوه، وهِمَّته، وتَصَرُّفه، وسَفّه للجَريد، وأشياء مِمَّا تَقَدَّمَ يُنِىُّء بأنَّه لَيسَ بمُعَمَّر ولا هَرِمِ فقد فارَقَ وَطَنَه وهو حَدَثٌ، ولَعَلَّه قَدِمَ الحِجَازَ وله أَرْبَعُونَ سَنةً أو أقلُّ ، فَلَمْ يَنْشَبْ أنْ سَمِعَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثم هاجَرَ ، فلَعلَّه عاشَ بِضْعاً وسَبعينَ سَنةً وما أرَاهُ بَلِغَ الْمِثَّةَ فَمَنْ كانَ عندَه عِلمٌ ، فليُفِدْنا . وقد نَقَلَ طُولَ عُمرِه أبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزي وغَيرُه وما عَلمتُ في ذلكَ شَيئاً يُركَنُ إليه (٣). عن ثابتِ البُنانيِّ قالَ: لَمَّا مَرِضَ سَلمانُ، خَرجَ سَعدٌ من الكُوفَةِ يَعُودُه ، فَقَدِمَ ، فَوَافَقَه وهو في الْمَوتِ يَبْكِي ، فَسَلَّمَ وجَلسَ ، وقالَ : ما يُبكيكَ يا أخي؟ ألا تَذْكُرُ صُحْبَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تَذْكُرُ الْمَشَاهِدَ الصَّالِحَة ؟ (١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٥. (٢) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٥. (٣) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/٢٠٥ . ٣٠٣ قالَ : والله ما يُبْكيني وَاحِدَةٌ من اثَتَين: ما أبْكي حُبّاً بالدُّنيا ولا كَراهيَةً لِلِقاءِ الله قالَ سَعدٌ : فما يُبْكيكَ بعدَ ثَمانينَ؟ قالَ : يُبْكيني أنَّ خَليلي صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إليَّ عَهْداً قالَ: ((لِيَكِنْ بَلاغُ أَحَدِكمْ مِنْ الدُّنْيَا كِزَادِ الرَّاكبِ )) وإِنَّا قد خَشينا أنَّا قد تَعدَّينا . رَواهُ بَعضُهم عن ثابت ، فقالَ: عن أبي عُثْمانَ، وإرْسَالُه أشْبَه قالَه أبو حاتم ، وهذا يُوضِّحُ لكَ أنَّه من أبناء الثَّمانينَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وقد ذكرتُ في تاريخي الكَبير أنَّه عاشَ مِئْتَين وخَمسينَ سَنةً ، وأنا السَّاعَةَ لا أرْتَضي ذلكَ ولا أُصَحِّحُه (١) . وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: ((أَلَا تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ؟ )) قُلتُ: أسْألُك أنْ تُعَلِّمَني مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ فَتَزَعَ نَمِرَةً كانت علىْ ظَهْرِي ، فَبَسَطَهَا بَيْنِي وبَينَه، حتَّى كأَنِّي أَنْظُرُ إلى الثَّمْلِ يَدُبُّ عَليها، فحدَّثَنِي، حتَّى إذا اسْتَوْعَبتُ حَديثَه، قالَ: ((اجْمَعْهَا فَصُرْهَا إِلَيْكَ )) فأصْبَحتُ لا أُسْقِطُ حَرْفاً مِمَّا حدَّثني. عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قالَ: تَزْعُمُونَ أَنِّي أُكثِرُ الرِّوايَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم واللهُ الْمَوْعِدُ إنِّي كُنتُ امْراً مِسْكيناً، أصْحَبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم علىُ مِلْءِ بَطْنِي، وإنَّه حدَّثنا يَوماً، وقالَ: (( مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ، ثُمَّ قَبَضَهُ إِلَيْهِ ، لَمْ يَنْسَ شَيْئاً سَمِعَ مِنِّي أَبَداً)) ففَعلتُ فوَالذي بَعثَه بالحَقِّ ، ما نَسيتُ شَيئاً سَمعتُه منه (٢) . عن سَعيدِ بنِ جُبير ، قالَ : كانَ ناسٌ من الْمُهاجرينَ قد وَجَدوا علىْ عُمَرَ في إذْنائه ابنَ عَبَّاس دُونَهم قالَ : وكانَ يَسْألُه فقالَ عُمَرُ: أما سأُرِيكُم اليَومَ منه ما تَعْرِفونَ فَضْلَه ، فسَأَلَهم عن هذه الشُّورَةِ ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الَّهِ﴾(٣)، فقالَ بَعضُهم: أمَرَ اللهُ (١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٤/٢٠٥. (٢) انظر السير: (أبو هُرَيْرَة) ٥٧٨/٢-٦٣٢، وانظر النزهة: ١/٣٠٩. (٣) سورة النصر، الآية : ١ . ٣٠٤ نَبَّه إذا رَأَى النَّاسَ يَدخُلُونَ في دِينِ الله أفْواجاً أنْ يَحْمَدَه ويَسْتَغْفِرَه فقالَ عُمَرُ : يا ابنَ عَبَّاسِ تَكلَّم فقالَ: أَعْلَمَه متى يَموتُ، أي: فهي آيَتُكَ من الْمَوْتِ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْه(١) . وعن الحَسَن، أنَّ عامرَ بنَ عبدٍ قَيس كانَ يَقولُ: مَنْ أُقْرِىءُ؟ فَيَأتيه نَاسٌ ، فيُقْرِتُهم القُرآنَ ، ثم يَقومُ فيُصلِّي إلى الظُّهْر، ثم يُصلِّي العَصرَ ، ثم يُقرِىءُ النَّاسَ إلى الْمَغْرِبِ ، ثم يُصلِّي ما بَيْنَ العِشَاءَينِ ثم يَنصَرِفُ إلى مَنِزِلِه ، فيَأْكُلُ رَغيفاً، ويَنامُ نَومَةً خَفِيفَةً ، ثم يَقومُ لصَلاتِه ثم يَتسَخَّرُ رَغيفاً ويَخرجُ(٢) . عن هشام بنِ عُرْوَة، عن أبيه، أنَّه كان يَقولُ لنا ونَحنُ شَبابٌ : ما لكم لا تَعَلَّمون، إنْ تَكونوا صِغارَ قَوْمٍ يُوشِكُ أنْ تَكونوا كِبَارَ قَوْمٍ، وما خيرُ الشَّيخِ أنْ يَكونَ شَيخاً وهو جاهلٌ ، لقد رَأيْتُنْي قبلَ مَوتِ عائشَةَ بأَرْبَعِ حِجَجٍ وأنا أقولُ لو ماتَت اليومَ ما نَدَمْتُ علىْ حَديثٍ عندَها إلاَّ وقد وَعَيْتُه، ولقد كان يَبلُغُني عن الصَّحابيِّ الحَديثُ فَآتيه فأجدُه قد قالَ ، فأجلسُ على بابِهِ ، ثم أسْألُ عنه(٣) . وقالَ أبو مُسْهِر: حذَّثني سَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ النَّنوخِيُّ قالَ : كُنتُ أجلسُ بالغَدَواتِ إلى ابنِ أبي مالِك ، وأُجالِسُ بعدَ الظُّهْرِ إسماعيلَ ابنَ عُبَيدِ الله وبعدَ العَصْرِ مَكْحُولاً . قالَ أبو حاتم الرَّزي : كانَ أبو مُسْهِر يُقدِّمُ سَعيداً على الأوْزَاعِيِّ. وقالَ أبو عبدِ الله الحاكِمُ: سَعيدُ بنُ عبدِ العَزيز لأهْلِ الشَّامِ كمَالِكٍ لأهْلِ الْمَدينَة في التَّقدُّمِ والفِقه والأمانَةَ(٤) . ورُوي عن سُليم الرَّازي قال : كان أبو حامد الإسْفَراييني في أوَّلِ أمرِهِ يَحرُسُ في دَربٍ ، وكان يُطالِعُ علىْ زَيتِ الحَرَس ، وإنَّه أفْتَى وهو ابنُ سَبع عشرةَ سنة . (١) انظر السير: (عبد الله بن عبَّاس البَحْر) ٣٣١/٣ -٣٥٩، وانظر النزهة: ٣/٣٩٠. (٢) انظر السير : ( عامِرُ بنُ عَبدِ قَيْس) ١٥/٤-١٩، وانظر النزهة: ١/٤٣٣. (٣) انظر السير: (عُرْوَة بن الزُّبَيْر) ٤٢١/٤-٤٣٧، وانظر النزهة: ٢/٥٢٦. (٤) انظر السير: (سَعيدُ بنُ عبد العَزيز) ٣٢/٨-٣٨، وانظر النزهة: ٣/٧٢٣. ٣٠٥ قال الخَطيبُ : ماتَ أبو حامد في سَنةِ سِتٍّ وأربع مئة ، كان يَوماً مَشْهوداً ، ودُفنَ في دارِه ، ثم تُقِلَ بعد أربعٍ سِنِينَ ، ودُفنَ ببابِ حَربٍ ، رَحمَه الله(١) . وعن أبي إسحاقَ الشِّيرازي : أنه اشْتَهِى ثَريداً بماءٍ باقلاَء ، قالَ : فما صَحَّ لي أكلُه لاشْتِغالي بالدَّرْسِ وأخذي النَّوْبَةِ (٢). السَّمْعانيُّ : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ: الإمامُ الحافِظُ الكَبِيرُ الأوْحَدُ الثِّقةُ، مُحدِّثُ خُراسَانَ ، أبو سَعْد عبدُ الكَريم بنِ الإمامِ الحافِظِ النَّقِد أبي بَكْر محمَّدٍ بنِ العَلَّمَة مُفْتي خُراسَانَ أبي الْمُظفَّر مَنْصُور، التَّميمِيُّ السَّمْعَانِيُّ الخُرَاسَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، صاحبُ الْمُصنَّفَاتِ الكَثيرَة . وُلد بمَرْوَ ، سَنَةَ سِتُّ وخَمسٍ مئة(٣). ولا يُوصَف كثرةُ البلادِ والمشايخ الذين أخذَ عنهم . فسَمِعَ بَآمُل طَبَرِسْتان ، وبأبِيْوَرد ، وبإسفرايين ، وبالأنْبار، وببُخارَى، وبُبُرُوجِرْد، وبَسْطام ، وبالبَصْرة ، وببَغْشور، وبَلْخ، وبتِرْمِذ، وبجُرْجان ، وبحَلَب ، وبحَماة ، وبحَمْص ، وبخَرْتَنْك عند قَبِ البُخاريِّ ، وبخُسْرَوجِرد ، وبالريٍّ، وبسَرْخَس ، وبسَمَرْقَند ، وبهَمَذان وهَراة والحَرمَين ، والكُوفَة ، وطُوس، والكَرخ ، ونَسَا، وواسِط ، والمَوْصِل ، ونَهاوَنْد، والطَّالقان، وبوشنج، والمدائن ، ويِقاعِ يَطولُ ذِكْرُها بحيث إنَّه زارَ القُدسَ والخَليلَ وهما بأيدي الفِرَنْج ، تَحِيَّلَ، وخاطَرَ في ذلك ، وما تَهِيَّأَ ذلكَ للسِّلَفيِّ ولا لابنِ عَساكر . وكان ظَرِيفَ الشَّمائل، حُلوَ المُذاكَرَةِ ، سَرِيعَ الفَهْم ، قَويَ الكتابَة سَرِيعَها ، (١) انظر السير: (أبو حامد الإسْفرايينيّ) ١٩٣/١٧ -١٩٧، وانظر النزهة: ٣/١٣٣٦. (٢) انظر السير: ( أبو إسْحاقَ الشَّيرازي) ١٨/ ٤٥٢-٤٦٤، وانظر النزهة : ٤/١٤٢٩. (٣) انظر السير: (السَّمْعَانِيُّ) ٤٥٦/٢٠ -٤٦٥، وانظر النزهة : ١/١٥٧٧. ٣٠٦ دَرسَ وأفْتَى ووَعَظَ، وسادَ أهلَ بَيتِهِ ، وكانوا يُلقِّبُونَه بلقَب والدِه تاج الإسلام ، وكان أبُوه يُلقَّب أيضاً مُعين الدِّين(١). قالَ ابنُ النَّجَّار : سَمعتُ مَنْ يَذكرُ أنَّ عَددَ شُيوخ أبي سَعْد سَبعَةُ آلافِ شَيخ قالَ : وهذا شَيءٌ لَمْ يَبلُغْه أحَدٌ ، وكانَ مَلِيحَ النَّصانيفِ كَثِيرَ النشوارِ والأناشِيدِ ، لَطيفَ الْمِزاجِ، ظَرِيفاً ، حافِظاً ، واسِعَ الرِّحْلَةِ، ثِقةً صَدوقاً دَيِّناً ، سَمعَ منه مَشايخُه وأقرانُه. ماتَ الحافِظُ أبو سَعْد سَنةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِينَ وخَمسِ مئة بمَرْو وله سِتُّ وخَمْسُونَ سَنةً (٢). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ السِّلَفيِّ: بَقِيَ ثَمانيَةَ عَشرَ عَاماً ، يَكْتُبُ الحَديثَ والفِقْهَ والأدَبَ والشِّعْرَ وقَدِمَ دِمَشْقَ سَنةَ تِسع وخَمسٍ مئة ، فأقامَ بها سَنَتَينِ ، يَكتُبُ العِلْمَ مُقيماً بالخانقاه ثم اسْتَوطَنَ ثَغْرَ الإسْكَندِّريّة بضْعاً وسِتِينَ سَنةً وإلى أنْ ماتَ يَنْشُرُ العِلمَ ويُحصِّلُ الكُتبَ التي قَلَّ ما اجْتَمَعَ لعَالِمٍ مثلَها في الدُّنيا . ارْتَحَلَ إليه خَلقٌ كَثِيرٌ جداً ، ولا سيَّما لَمَّا زالَت دَولَةُ الرَّفْضِ عن إقْليمِ مِصْرَ وتَملَّكَها عَسكَرُ الشَّامِ ، فَارْتَحلَ إليه السُّطَانُ صَلاحُ الدِّينِ، وإخْوَتُه وأُمَرَاؤُه ، فسَمِعُوا منه . وحدَّث عنه الأئمَّةُ وكانَ مُكبّاً على الكِتابَة والاشْتِغَالِ والرِّوايَة ، لا رَاحَةَ له غالباً إلاَّ في ذلك ولَه تَصانيفُ كَثيرة ، وكانَ يَستَحسِنُ الشِّعرَ، ويَنظُمُه، ويُثِيبُ مَنْ يَمْدَحُه(٣). ٥ - أبْيَاتٌ في الهِمَّة : قال ابن فارس (٤) : ويُيْس الخريفِ وبردِّ الشِّتا إذا كنتَ تُؤذى بحرِّ المصيفْ فأخذكَ للعلمِ قلْ لي متى؟! ويُلهيكَ حسنُ زمانِ الربيعْ (١) انظر السير: (السَّمْعَانيُّ) ٤٥٦/٢٠- ٤٦٥، وانظر النزهة : ٢/١٥٧٧. (٢) انظر السير: (السَّمْعَانِيُّ) ٤٥٦/٢٠ -٤٦٥، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٧. (٣) انظر السير: (السِّلَفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٩١. (٤) انظر السير: (ابنُ فارس) ١٧/ ١٠٣ -١٠٦، وانظر النزهة: ١/١٣٢٥. ٣٠٧ الوَرَعُ ١ - الوَرَعُ لا يَكونُ على النَّاسِ وإنَّما على النَّفْس خاصَّة : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الْمُزَنِيِّ: وكانَ من أشَدُ النَّاسِ تَضييقاً على نَفْسِه في الوَرَعِ ، وأوْسَعِه في ذلكَ على النَّاسِ ، وكانَ يَقولُ : أنا خُلُقٌ من أخْلاقِ الشَّافِعِيِّ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: وبَلغَنا أنَّ الْمُزَنِيَّ رَحمَه اللهُ كانَ مُجابَ الدَّعْوَة ، ذا زُهْدٍ وثَأَلُّه، أخَذَ عَنه خَلقٌ من العُلَماء وبه انْتُشرَ مَذهَبُ الإمامِ الشَّافِعِيِّ في الآفَاقِ(١). ٢- أقْوَالٌ تَحُثُّ على الوَرَع : عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الله، قالَ: فَضِلُ العِلمِ أحَبُّ إليَّ من فَضْلِ العِبَادَةِ ، وخَيرُ دِينِكم الوَرَعُ(٢) . وعن الضَّخَّاكِ بنِ مُزاحِم ، قالَ: أدْرَكتُهُم ومَا يَتعلَّمُونَ إلاَّ الوَرَعَ (٣). ٣- صُوَرٌّ من الوَرَع : قالَ الوَلِيُّد بنُ مُسلم ، حدَّثنا عُثمانُ بنُ أبي العَاتِكَة: أنَّ عُبادَةَ بنَ الصَّامِت مَرَّ بقَريَة دُمَّرَ(٤) ، فأمَرَ غُلامَه أنْ يَقطَعَ له سِواكاً من صِفْصَافٍ على نهر بَرَدَى ، فمَضَىْ لِيَفْعَلَ ، ثم قالَ له: ارْجِعْ ، فإنَّه إنْ لا يَكُنْ بِثَمَن، فإنَّه يَيْبَسُ، فَيَعُودُ حَطباً بَثَمَن(٥). وعن أنسٍ : أنَّ أبا مُوسَى كانَ له سَراويلٌ يَلْبَسُه مَخافَةً أَنْ يَتَكَشَّفَ(٦). وعن الحَكَمِ بنِ الأعْرَجِ ، قالَ : جَلبَ رَجلٌ خَشباً ، فطَلبَه زيادٌ ، فَأَبَى أنْ يَبِيعَه ، (١) انظر السير: (الْمُزَنِيُّ) ٤٩٢/١٢ -٤٩٧، وانظر النزهة: ٣/١٠٢٤ . (٢) انظر السير: ( مُطَرِّفُ بنُ عَبدِ الله) ١٨٧/٤ - ١٩٥، وانظر النزهة: ٣/٤٧٥ . (٣) انظر السير: ( الضَّخَّاكُ بنُ مُزاحِم) ٥٩٨/٤- ٦٠٠، وانظر النزهة : ٤/٥٦٦. قرية من غوطة دمشق الغربية تبعد عنها سنَّة أميال . (٤) (٥) انظر السير: ( عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتْ) ٢/ ٥-١١، وانظر النزهة: ١/٢١٠. (٦) انظر السير: (أبو مُوسَى الأشعَريّ) ٣٨٠/٢-٤٠٢، وانظر النزهة: ٢/٢٨١. ٣٠٨ فَغَصَبَهَ إِيَّاه، وبَنَى صُفَّة مَسجِدِ البَصْرَة، قالَ: فَلَمْ يُصَلِّ أبو بَكْرَةَ فيها حتى قُلِعَت (١). وعن قَزَعَة ، قالَ : رَأيتُ على ابنِ عُمَرَ ثياباً خَشِنَةٍ أو جَشبَةٍ (٢) فَقُلتُ له: إنِّي قد أتَيْتُكَ بِثَوبٍ لَيْنٍ مِمَّا يُصنَعُ بِخُراسَانَ، وتَقَرُّ عَيْنايَ أنْ أراهُ عَليكَ قالَ : أرِنيه ، فَلَمَسَه، وقالَ : أحَرِيرٌ هذا؟ قُلتُ : لا ، إنَّه من قُطنِ قالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَلْبَسَه، أخافُ أكونُ مُخْتَالاً فَخُوراً ، واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُور . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: كُلُّ لِباسٍ أوْجَدَ في الْمَرءِ خُيَلاءَ وفَخْراً فَتَرِكُه مُتَعيَّنٌ ولو كانَ من غَيرِ ذَهَبٍ ولا حَرِير فإِنَّا نَرَى الشَّابَ يَلْبَسُ الفَرَجِيَّةَ(٣) الصُّوفَ بِفَرْو مِن أَثْمَان أَرْبَع مئة دِرْهَم ونَحْوَها ، والكِبرُ والخُيَلاءُ على مِشِيَتِهِ ظاهرٌ ، فإنْ نَصحتَه ولُمتَه برفقٍ كابَرَ ، وقالَ : ما فيَّ خُيَلاءٌ ولا فَخْرٌ وهذا السَّيِّدُ ابنُ عُمَر يَخافُ ذلك علىُ نَفَسِهِ وكذلكَ تَرَى الفَقيهَ الْمُتْرَفَ إذا لِيمَ في تَفصيلِ فَرَجيّة تَحتَ كَعْبَيَه، وقيلَ له : قد قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكِعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ)) ، يَقولُ: إنَّما قالَ هذا فيمَنْ جرَّ إزارَه خُيَلاء، وأنا لا أفعَلُ خُيَلاء ، فَتَراهُ يُكابِرُ ، ويُبرِّىُ نَفَسَه الحَمْقَاءَ ، ويَعمَدُ إلى نَصِّ مُستَقلِّ عامٌّ فيَخُصُّه بِحَديثٍ آخَرَ مُسْتَقلِّ بمَعنَى الخُيَلاءِ ، ويَترَخَّصُ بقَولِ الصِّدِّيق : إنَّه يا رَسُولَ الله يَسْتَرخي إزَارِي ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((لَسْتَ يَا أَبَا بَكر مِمَّنْ يَفْعَلْهُ خُيَلاء)) فقُلْنَا: أبو بكر رضي الله عنه لَمْ يَكنْ يَشُدُّ إزارَه مَسْدولاً علىَ كَعْبَيَه أولاً ، بلْ كانَ يَشدُّه فَوقَ الکَعْبِ ، ثم فيما بعد يَسْتَرخي وقد قالَ صلى الله عليه وسلم: ((إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ)) ومثلُ هذا في النَّهِي لِمَنْ فَصَّلَ سَراويلَ مُغَطِّاً لِكِعابِهِ ومنه طُولُ الأكْمَامِ زائداً ، وتَطويلُ العَذَبَة وكلُّ هذا من خُيَلاء كامِنٍ في النُّفُوسِ وقد يُعذَرُ الواحِدُ منهم بالجَهْلِ ، والعالِمُ لا عُذرَ له في تَركِهِ الإِنْكَارَ على الجَهَلَة فإنْ خُلِعَ على رَئيسٍ خِلْعَة سِيَراء (٤) من ذَهَب وحَرير، وقُنْدُس، يُحَرِّمُه ما وَرَدَ في النَّهي عن جُلُودِ (١) انظر السير: (أبو بَكرَةَ الثَّقَفيُّ الطَّائفيُّ) ٥/٣-١٠، وانظر النزهة: ١/٣٢٠. (٢) الجَشبُ من الثياب : الخَشن الغليظ . (٣) الفرجية: ثوب واسع طويل الأكمام، يُتخذ من قطن أو حرير أو صوف. (٤) السِّيَراء : نوع من البرود تُتْخَذ من الحرير. ٣٠٩ السِّباع، ولَبِسَها الشَّخصُ يَسحَبُها ويَخْتَالُ فيها ، ويَخطُرُ بَيَدِه ويَغضَبُ مِمَّنْ لا يُهَنِّهِ بهذهَ الْمُحرَّماتِ ، ولا سِيَّما إنْ كانَت خِلعَةَ وَزارَة وظُلمٍ ونَظَرِ مَكْسٍ (١)، أو وِلايَة شُرْطَةٍ فَلْيَتِهِيّأ للمَقْتِ وللعَزْلِ والإهانَةِ والضَّربِ، وفي الآخِرَة أَشَدُّ عَذاباً وتَنْكيلاً فرَضِيَ اللهُ عن ابنِ عُمَرَ وأبيه وأينَ مثلُ ابنِ عُمَرَ في دينِه ، ووَرَعِه وعِلمِه ، وتَأَلُّهِهِ وخَوفِه ، من رَجُلٍ تُعرَضُ عليه الخِلافَةُ، فيَأباها ، والقَضَاءُ من مثلِ عُثْمانَ ، فَيَردُّه ، ونِيَابَةِ الشَّامِ لِعَلِيٍّ فيَهرَبُ منه فالله يَجتَبي إليه مَنْ يَشاءُ، ويَهْدِي إليه مَنْ يُنِيب(٢) . قال جَعفَرُ بنُ بَرْقان : حدَّثنا مَيْمونُ بنُ مَهْران ، أنَّ عامرَ بنَ عبد قَيس ، بعثَ إليه أميرُ البَصْرَة: ما لَكَ لا تَأْكلُ الجُبنَ؟ قال: إنَّا بأرضٍ فيها مَجُوسٌ، فما شَهدَ مُسْلِمان أنْ ليس فيه مَيْنَة أكلتُه ، قال : وما يَمنعُك أنْ تأتي الأُمَراء؟ قال : إنَّ لدَى أبوابِكم طُلَبُ الحاجات ، فادعوهم واقضُوا حاجاتِهِم ، ودَعوا مَنْ لا حاجَةَ له إليكم (٣) . وعن عَبِيدَةَ بنِ عَمرو قالَ: اخْتلفَ النَّاسُ في الأشْرِبَة فمَا لِيَ شَرابٌ منذ ثَلاثينَ سَنةً إلَّ العَسَلُ واللَّبَنُ وَالْمَاءُ(٤) . وجاءَ في تَرجَمَةِ شَقيقٍ بِنِ سَلَمَةَ ، قَالَ عاصمُ بنُ بَهْدَلة : كانَ أبو وائل يَقولُ لِجاريَتِهِ: إذا جاءَ يَحيَى - يعني ابنَه - بشَيءٍ فلا تَقَبَليه، وإذا جاءَ أصْحابي بشَيءٍ ، فخُذِيه ، وكانَ ابنُه قاضياً على الكُنَاسَةِ(٥) ، قالَ: وكانَ لأبي وائل رَحمَه الله خُصٌّ من قَصَب، يَكونُ فيه هو وفَرَسُه، فإذا غَزَا ، نَقَضَه وتَصدَّقَ به ، فإذا رَجَعَ ، أَنْشَأْ بِناءَه . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: قد كانَ هذا السَّيِّدُ رَأْساً في العِلمِ والعَمَل ماتَ سَنةً اثْتَينٍ وَثَمانينَ(٦) . وقالَ عيسَىْ بنُ يُونُس، سَمعتُ الأعْمَشَ يَقولُ: لَمَّا جيءَ بسَعيدِ بنِ جُبَيْر ، (١) الْمَكْس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العُشار . (٢) انظر السير: (عبد الله بنُ عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٧٢. (٣) انظر السير: (عامِرُ بنُ عَبدِ قَيْس) ١٥/٤ -١٩، وانظر النزهة: ٢/٤٣٤. انظر السير: ( عَبِيدَةُ بنُ عَمْرو ) ٤/ ٤٠-٤٤، وانظر النزهة: ٣/٤٣٩. (٤) الكُناسَة : محل بالكوفة . (٥) (٦) انظر السير: (شَقيقُ بنُ سَلَمَة) ١٦١/٤ -١٦٦، وانظر النزهة: ٩/٤٦٩. ٣١٠ وطَلقِ بنِ حَبيب ، وأصْحابِهِما دَخَلتُ عليهم السِّجْنَ فَقُلتُ : جاءَ بكم شُرْطِيٌّ أو جُلَيويز من مَكة إلى القَتلِ أفلا كَتَّفْتُموهُ وألْقَيْتُموهُ فِي الْبَرِّيَة ؟ فقالَ سَعيدُ : فمَنْ كانَ يَسقيهِ الْمَاءَ إذا عَطِشَ(١). وقد وَقفَ على ابنِ سِيرِينَ دَینٌ كثيرٌ من أجْلِ زَیتٍ کثیر أرَاقَه ، لگونه وَجَدَ في بعضٍ الظُروفِ فَأَرَةٍ(٢) . وقالَ النَّضْرُ بنُ شميل: غَلا الخَزُّ في مَوْضِع كانَ إذا غَلَا هُناكَ غَلا بالبَصْرَة ، وكانَ يُونُسُ بنُ عُبَيد خَزَّازاً فعَلمَ بذلك فاشْتَرَى من رَجُلٍ مَتاعاً بَثَلاثينَ ألفاً فلمَّا كانَ بَعد ذلك قالَ لصاحبه : هلْ كُنتَ عَلمتَ أنَّ الْمَتَاعَ غَلا بأرْضٍ كَذا وكذا؟ قالَ : لا ولَوْ عَلمتُ لَمْ أبعْ قالَ : هَلُمَّ إليَّ مالي، وخُذْ مَالَكَ فَرَدَّ عليه الثَّلاثينَ الألفَ(٣). وقيلَ: إِنَّ كَهْمَساً سَقطَ منه دِينارٌ ففَتَّشَ، فَلَقَيَه، فَلَمْ يَأْخُذْهِ، وقالَ: لَعَلَّهِ غَيرُه(٤). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الإمام أبي حَنِيفَة النُّعْمان : وابنُه الفَقيهُ حمَّادُ بنُ أبي حَنِيفَة كَانَ ذَا عِلمٍ ودينٍ وصَلاحٍ ووَرَعِ تَامٌّ ، لَمَّا تُوفِّيَ والدُه ، كانَ عندَه وَدائعُ كَثِيرَة ، وأهْلُها غائبون فنَقَلها حمَّاد إلى الحَاكِم ليَتسلَّمها ، فقالَ : بلْ دَعْها عندَك ، فإنَّك أهلٌ فقالَ : زِنْها واقْبِضْها حتَّى تَبرأ منها ذِمَّةُ الوَالِدِ ، ثم افعل ما تَرَىُ ففَعَلَ القاضي ذلك وبَقيَ في وَزنِها وحِسابِها أيّاماً واسْتترَ حَمَّادٌ فمَا ظَهرَ حتَّى أَوْدَعَها القاضي عندَ أمين . تُوفِّيَ حمَّادٌ سَنةَ سِتُّ وسَبعينَ ومئة كَهْلاً(٥) . وقالَ حُسَينٌ الجُعْفيُّ: رُبَّما عَطِشَ حَمْزَةُ بنُ حَبيب ، فلا يَسْتَقِي كَراهيةَ أن يُصادِفَ مَنْ قَرأَ عَليه(٦) . (١) انظر السير: (سَعيدُ بنُ جُبَيْر) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٧/٥٠٧. (٢) انظر السير: (محمَّدُ بنُ سيرينَ) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٢/٥٦٨. (٣) انظر السير: ( يُونُسُ بنُ عُبَيْد) ٦/ ٢٨٨ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٦٥٢ /٤. انظر السير: ( كهْمَس) ٣١٦/٦ -٣١٧، وانظر النزهة: ٣/٦٥٣. (٤) (٥) انظر السير: (أبو حنيفة) ٦/ ٣٩٠ -٤٠٤، وانظر النزهة: ٢/٦٦٤. (٦) انظر السير: (حَمْزَةُ بنُ حَبيب) ٧/ ٩٠ -٩٢، وانظر النزهة: ٧/٦٧٩. ٣١١ وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ يَزِيدِ بنِ زُرَيْع: ماتَ أبوهُ، وكانَ والِياً على الأُبُلَّة ، فخلَّفَ خَمسَ مئة ألفٍ ، فمَا أَخَذَ منها حَبَّةً، رَحمَهُ الله(١) . وقالَ أبو حسَّان عيسَىُ بنُ عبدِ الله البَصْري: سَمعتُ الحَسَنَ بنَ عَرَفَةَ يَقولُ : قالَ لي ابنُ الْمُبارَك : اسْتَعرتُ قَلماً بأرْضِ الشَّام ، فذَهَبتُ على أنْ أَرُدَّه ، فلمَّا قَدِمتُ مَرْوَ ، نَظرتُ فإذا هو مَعي، فرَجَعتُ إلى الشَّامِ حتَّى رَدَدتُه على صاحِبِهِ (٢). وقالَ الحَسَنُ بنُ الرَّبيع : لَمَّا احْتُضِرَ ابنُ الْمُبارَك في السَّفَرِ قال : أشْتَهي سَويقاً ، فَلَمْ نَجدْهُ إلاَّ عندَ رَجلٍ كانَ يَعمَلُ للشُّلطانِ ، وكانَ مَعنا في السَّفينَةِ فَذَكَرْنا ذلك لعبدِ الله ، فقالَ: دَعُوهُ، فمَاتَ وَلَمْ يَشْرَبْه(٣) . وبالإسْنادِ عن فُضَيل : كانَت لنَا شَاةٌ بالكُوفَةِ ، أَكَلَتْ شَيئاً يَسيراً من عَلَفِ أميرٍ ، فَمَا شَرِبَ لَها عَليٍّ ابني لَبناً بعدُ(٤) . وعن الفُضَيلِ قَالَ : أَهْدَىْ لَنَا ابنُ الْمُبارَك شاةً فكانَ ابْني لا يَشرَبُ منها ، فقُلتُ له في ذلك فقالَ : إنَّها قد رَعَت بالعِراقِ(٥) . وقالَ ابنُ أبي شَيخ: حدَّثنا يَحْبَىُ بنُ سَعيد ، قالَ: زَامَلتُ أبا بكر ابنَ عَيَّاش إلى مَكة ، فمَا رَأيتُ أوْرَعَ منه ، لقد أهْدَى له رَجَلٌ رُطَباً، فبَلغَه أنَّه من بُسْتانٍ أُخِذَ من خالدِ بنِ سَلمَة الْمَخْزُومي ، فأتَى آل خالِد، فاسْتَحلَّهم، وتَصدَّقَ بِثَمَنِهِ (٦) . وكان الحَفَرِيُّ إذا أراد أن يَنْتَثِّرَ ، خَرجَ من المسجِدِ ، وكانَ مَسجِدُهم مُحَصَّباً ، فقيلَ : أَلَيْسَ كَفَّارَتُهَا دَفْنُها؟ فيقولُ: لَعلِّي أَوْخَذُ قبلَ أنْ أُكَفِّر(٧). وقالَ أبو يَحْبَىُ صاعِقَة: قَدِمَ زَكريّا بنُ عَديّ، فكلَّموا له مَنْ يَستعملُه على قَريَة في (١) انظر السير: (يَزِيدُ بنُ زُرَيْع) ٢٩٦/٨ -٢٩٩، وانظر النزهة: ١/٧٦٠. (٢) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُبارَك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ١/٧٦٨. انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُبارَك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة : ٣/٧٧٠. (٣) انظر السير : ( عَليُّ بنُ الفضيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٥/٧٨١. (٤) انظر السير : (عَليُّ بنُ الفضيل) ٨/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ٦/٧٨١. (٥) انظر السير: ( أبو بكر بنُ عَيَّاش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة : ٥/٧٨٦. (٦) (٧) انظر السير: (الحَفريُّ) ٤١٥/٩-٤١٧، وانظر النزهة: ٣/٨٣٤. ٣١٢ الشَّهْرِ بِثَلاثينَ دِرْهماً، فَرَجَعَ بعدَ شَهرٍ ، وقالَ: لَيسَ أجدُني أعْمَلُ بقَدرِ الأُجْرَةِ(١). واشْتكت عَينُهُ، فأتاه رَجُلٌ بكُحْل ، فقالَ : أنتَ مِمَّن يَسمَعُ الحَديثَ مِنِّي ؟ قالَ : نَعَم ، فأَبَىُ أنْ يَأْخُذَه(٢). وقالَ أبو بكر بنُ عُثْمانَ : سَمعتُ بِشْرَ بنَ الحارِثِ يَقولُ : إنِّي لأشْتَهي شِواءً منذُ أَرْبَعِينَ سَنةً ، ما صَفَا لِي دِرْهَمُه(٣) . وعن عليٍّ بنِ عَّام، قالَ: أقامَ بِشْرُ بنُ الحارِث بعبَّادان يَشربُ ماءَ البَحْر ، ولا يَشرَبُ من حياضِ السُّلطانِ، حتَّى أَضَرَّ بجَوْفِه، ورَجَعَ إلى أُخْتِهِ وَجِعاً، وكانَ يَعْمَلُ الْمَغازِلَ ويَبيعُها ، فذاك كَسْبُه(٤) . وقالَ خَلفُ بنُ هِشَامٍ : أعَدتُ الصَّلاةَ أرْبَعينَ سَنةً كُنتُ أتَناوَلُ فيها الشَّرابَ على مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ(٥) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ شَيخِ الحَنابِلَة ، الحَسَنِ البَرْبَهاريِّ: وقيلَ : إنَّه تَركَ ميراثَ أبيه تَوَرُّعاً ، وكانَ سَبعينَ ألفاً(٦). وقالَ محمَّدُ بنُ جَعْفَر بنِ النَّجَّار : حَكَى لنا أبو عليٍّ النََّّار قالَ : سَقطَت من ابنِ عُقْدَة دَنانيرُ، فجاءَ بنخَّالٍ لِيَطلُبَها ، قالَ ابنُ عُقْدَة: فوَجَدتُها ثم فَكَّرتُ فَقُلتُ : لَيسَ في الدُّنيا غَيرُ دَنانيرِك ؟ فقُلتُ للنخَّال: هي في ذِمَّتِك، وذَهبتُ وتَرَكتُه(٧) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الذَّاوُوديِّ: وسَمعتُ أسْعدَ بنَ زِياد يَقولُ : كانَ شَيخُنا الذَّاوُوديّ بَقِيَ أرْبَعِينَ سَنةً لا يَأْكُلُ لَحْماً، وَقتَ تَشْويش التُّرْكُمان، واخْتِلاطِ النَّهْب فأضَرَّ به فكانَ يأكُلُ السَّمَكَ، ويُصْطادُ له من نَهْر كَبير ، فحُكِيَ له أنَّ بَعضَ (١) انظر السير: (زَكريّا بنُ عَديّ) ١٠/ ٤٤٢-٤٤٥، وانظر النزهة: ٢/٨٨٢. (٢) انظر السير: (زَكريّا بنُ عَديّ) ١٠/ ٤٤٢ -٤٤٥، وانظر النزهة: ٣/٨٨٢. انظر السير: ( بِشْرُ بنُ الحارث) ٤٦٩/١٠ -٤٧٧، وانظر النزهة : ٤/٨٨٥. (٣) انظر السير: ( بشرُ بنُ الحارث) ٤٦٩/١٠-٤٧٧، وانظر النزهة: ٥/٨٨٥. (٤) انظر السير: ( خَلفُ بنُ هِشَامٍ) ١٠ / ٥٧٦ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ١/٨٩٦. (٥) (٦) انظر السير: (الْبَرْبَهاريُّ) ٩٠/١٥ -٩٣، وانظر النزهة: ٢/١١٨٦. (٧) انظر السير: (ابنُ عُقْدَة) ١٥/ ٣٤٠ _٣٥٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٣٤. ٣١٣ الأُمَراءِ أَكلَ على حافَّةٍ ذلك النَّهْرِ ونُفِضَتْ سُفرَتُه وما فَضُلَ فِي النَّهْر ، فما أكَلَ السَّمكَ بعدُ . تَفْقََّ بسَهْلِ الصُّعْلوكيّ، وبأبي حامد الإسْفَراييني(١). وقالَ السَّمْعانيُّ : دَخَلَ أبو إسْحاقَ الشِّيرازيُّ يَوماً مَسْجِداً ليَتَغَدَّى ، فَنَسي ديناراً ، ثم ذَكرَ ، فرَجعَ فوَجدَه ، فَفَكَّرَ وقالَ: لَعَلَّه وَقعَ من غَيرِي، فَتَركَه(٢) . قال السَّمْعانِيُّ : سَمعتُ عبدَ الخالِقِ بنَ زِياد يَقولُ: أمَرَ بَعضُ الأُمَراءِ أنْ يُضْربَ عَطَاءُ الفُقَّاعيُّ(٣) ، في مِخْنَة الشَّهيدِ عبدِ الهادي بنِ شَيخِ الإسْلامِ، مئةً ، فَبُطَحَ على وَجهِهِ ، فكانَ يَضرِبُ إلى أنْ ضُربَ سِتِينَ ، فشَكُوا كم ضُربَ خَمَسينَ أو سِتِين ؟ فقالَ عَطَاءٌ: خُذوا بالأقَلِّ احْتِياطاً، وحُبسَ مع نِساءِ ، وكانَ في الْمَوْضِعِ أَتْرُسَة ، فقامَ بجَهْد من الضَّربِ ، وأقامَ الأنْرُسَة بينَه وبينَهُنَّ، وقالَ : نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الخُلوَة بالأجْنَبِيَّة . تُوفِّيَ تَقْديراً سَنةَ خَمسٍ وَثَلاثِينَ وخَمسٍ مئة(٤) . وقالَ ابنُ الأثير : طَالَعتُ السِّيرَ ، فَلَمْ أَرَ فيها بعد الخُلفاء الرَّاشِدين وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أحْسَنَ من سِيرَته ، ولا أكْثَرَ تَحَرِّيّاً منه للعَدْلِ، وكانَ لا يَأْكلُ ولا يلبَسُ ولا يَتصرَّفُ إلاَّ من مُلكِ له قد اشْتراه من سَهْمِه من الغَنِيمَةِ ، لِقَدْ طَلَبَتْ زَوجَتُه منه ، فأعطاهَا ثَلاثةَ دَكاكين فاسْتَقلَّتها ، فقالَ : ليسَ لي إلاَّ هذا، وجَميعُ ما بيدي أنا فيه خازنٌ للمُسلمينَ ، وكان يتهجَّدُ كثيراً، وكان عارفاً بمَذْهَب أبي حَنِيفَة (٥) . قالَ سبطُ الجَوْزي : كان له عَجائزٌ ، فكان يَخيطُ الكَوافي ، ويَعمَلُ السَّكاكِرَ فَيَبَعْنَها له سِراً، ويُفْطِرُ على ثَمَنِها(٦). (١) انظر السير: (الدَّاوُوديُّ) ١٨/ ٢٢٢ -٢٢٦، وانظر النزهة: ١/١٤٠٦. (٢) انظر السير: (أبو إسْحاقَ الشِّيرازيُّ) ٤٥٢/١٨-٤٦٤، وانظر النزهة: ٣/١٤٣٠. نسبة إلى الفقَّاع وعمله، وهو شراب يُتَخَذ من الشَّعير، سُمّيَ به لما يعلوه من الزَّبَد . (٣) انظر السير: ( عَطاءُ بنُ سَعْد) ٢٠/ ٥٤-٥٦، وانظر النزهة: ٣/١٥٣٠. (٤) (٥) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٨١. (٦) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٨٢. ! ٣١٤ : وجاءَ في تَرَجَمَةِ ابنِ عَساكر ، قال أبو شَامَة : وكان يتورَّعُ من الْمُرورِ في زُقاق الحَنابلَة لِئِلاَّ يَأْثَموا بالوَقيعَة فيه، وذلك لأنَّ عَوامَّهم يَبْغَضُونَ بَنِي عَساكر للتَّمَشِعُر(١)، ولَمْ يُولِّه الْمُعَظَّم تَدريسَ العَادِلِيَّة لأنَّه أَنْكَرَ عليهِ تَضِمينَ الخَمْرِ والْمكس . تُوفِّيَ ابنُ عَساكر في سَنةِ عشرينَ ومئة ، وقلَّ مَنْ تَخلَّفَ عن جنازَتِهِ(٢). الیقین ١ - فَائِدَةُ اليَقِين : عن الأنْطَاكِيِّ قال: يَسيرُ اليقينِ يُخرِجُ كُلَّ الشَّكِّ من القَلبِ(٣). ٢- رُؤْيا تَحُثُّ على اليَقِين : قالَ الحُسَينُ بنُ مُصْعَب : حدَّثنا محمَّدُ بنُ مَنْصُور الطُّوسيُّ، قالَ : رَأيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّومِ ، فقُلتُ : مُرني بشَيء حتَّى أَلْزَمَه قالَ : عَليكَ (٤) باليقينِ (٤) . ٣- صُوَرٌ على اليَقِين : وقال ابنُ وَهْب: كان حَيْوَة يأْخُذُ عَطاءَه في السَّنة ستين ديناراً ، فلمْ يَطلُع إلى مَنِزِله حتىُ يَتصدَّقَ بها ، ثم يَجِيءُ إلى مَنِزِلِه ، فَيَجِدُها تَحْتِ فِراشِه، وبلغَ ذلك ابنُ عمِّ له ، فأخذَ عَطاءَه ، فتصدَّق به كُلَّه، وجاء إلى تَحْت فِراشِه فلمْ يَجدْ شَيئاً، فشَكا إلى حَيْوَة ، فقال : أنا أعْطيتُ ربِّي بيقين ، وأنتَ أعْطَيْتَه تَجْربةً وكنّا نَجلسُ إلى حَيوَةَ في الفِقْه فيقولُ : أَبْدَلَني اللهُ بكم عَموداً أقومُ وراءَه أُصلِّي ثم فعل ذلك (٥) . (١) أي بسبب كونهم أشاعرة، وهذا من اصطلاح الإمام الذَّهَبِي، وإلاَّ فإنَّ أبا شامَة قال: لأنَّهم كانوا أعْيانَ الشَّافِعِيَّةِ الأشْعَريَّة . (٢) انظر السير: (ابنُ عَساكر) ١٨٧/٢٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٤. (٣) انظر السير : ( الأنْطَاكِيُّ) ٤٠٩/١١-٤١٠، وانظر النزهة : ٢/٩٥٥. انظر السير: (محمَّدُ بنُ مَنْصُور) ٢١٢/١٢ -٢١٤، وانظر النزهة : ٥/٩٩٤ . (٤) (٥) انظر السير: ( حَيْوَة بن شُرَيح) ٤٠٤/٦-٤٠٦، وانظر النزهة: ٦/٦٦٤ . ٣١٥ وذَكَرَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَرْدَنيش ، قالَ الْيَسَعُ بنُ حَزْم : فمن عَجيبٍ ما صَحَّ عندي من مَغازيهِ أنَّه أغَارَ يوماً ، فَغَنمَ غَنِيمَةً كثيرَة ، واجْتمَعَ عَليه من الرُّومِ أكثرُ من ألفِ فارِسٍ ، فقَالَ لأصْحابِهِ وكانوا ثَلاثَ مئةٍ فارس : ما تَرَونَ ؟ فقالوا: نَشْغَلُهم بتَركِ الغَنِيمَةِ قالَ : ألَمْ يَقُلْ القَائِلُ: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِأْتَنَيْنَ﴾(١) فقالَ له ابنُ مُورين: يا رَئيسُ، اللهُ قالَ هذا! فقالَ : اللهَ يَقولُ هذا وتَقَعُدُونَ عن لِقائِهِم ؟! قالَ: فَثَبْتُوا ، فَهَزَمُوا الرُّومَ . وفي سَنةِ سَبعٍ وعِشرينَ وخَمسَةِ مئة سارَ ابنُ رُذْمير ، فنازَلَ مَدينَةَ إفراغة(٢) وبها ابنُ مَرْدَنيش ، وطالَ الحِصَارُ ، فَكَتَبُوا إلى أميرِ الْمُسلمين ابنِ تاشفينَ ليُغيثَهم ، فَكَتبَ إلى ابنِهِ تَاشَفينَ بنِ عَليٍّ وإلى الأميرِ يَحْيَى ابنِ غانيَة بإغائَتِهِم ، وإدْخالِ الْمِيرَةِ إليهم ، فَتَهِيَأ لنَجِدَتِهِم أرْبَعَةُ ألافٍ ، فما وَصَلوا إلى إفراغة إلَّ وقد فَنِيَ ما بها، ولَمْ يَبْقَ لابنٍ مَرْدَنِيشَ سِوَى حِصانٌ فذبَحَه لَهم ، فحَصلَ لكُلِّ واحدٍ أوقية أوقيّة . قالَ اليَسَعُ: فحذَّثني الْمَلكُ الْمُجاهِدُ ابنُ عِياض حَديثَ هذه الغَزَاةِ قالَ: لَمَّا وَصلَ أبو زَكريّا يَحْيَىُ بنُ غانيَة مَدينَةَ زَيْتونَةَ، خَرَجْتُ إليه من لارِدَةَ مع فُرْسَاني ، فقالَ : أشِيروا عليَّ، فقُلتُ: الصَّوابُ جَمِعُ جُندِ الأَنْدَلْسِ تَحتَ رَايَةٍ وَاحِدَة، وهِلالُ وسُليمُ تَحتَ رَايَةٍ أُخْرَى، ويَتقدَّمُ الزُّبَيرُ بنُ عُمَرَ بأهْلِ الْمَغْرِبِ وبالذَّوابِّ التي تَحمِلُ الأقْوَاتَ ، مَعَهم الطُّبُولُ والرَّاياتُ، ونَبَقَى نَحْنُ والعَرَبُ كَميناً عن يَمينِ الجَيشِ ويَسَارِهِ فإذا أبْصَرَ اللَّعينُ الرَّاياتِ والكُّبُولَ والزَّمْرَ حَمَلَ عليه، فَنَكرُّ عليه من الجِهَتَينِ قالَ : فِصَلَّينا الصُّبحَ فِي لَيلَةِ سَبعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ سَنةَ سَبعٍ وعِشرينَ وخَمسٍ مئة ، وأَبْصرَ اللَّعينُ الجَيشَ وقد اسْتراحٌ من جِراحَاتِهِ وكانَ عَسْكرُه إِذَ ذاكَ أرْبَعَةً وعِشرينَ ألْفَ فارس سِوَىْ أتْبَاعِهِم، فَقَصَدوا الطُّبُولَ، فانْكَسَروا وتَفرَّقوا - يَعني الْمُسلمينَ - فأتَينا الرُّومَ عن أيْمانِهِم ، ونَزَلَ النَّصْرُ وعَملَ السَّيفُ في الرُّومِ حتَّى بَقِيَ ابنُ رُذْمير في نَحْو أرْبَع مئة فارِس ، فَلَجَؤوا إلى حِصْنٍ لهم، وباتَ الْمُسَلمُونَ عليه، ثم هَلكَ غَمَّاً ، وأصَابَه (١) سورة الأنفال، الآية : ٦٥ . (٢) مدينة بالأنْدَلُس من أعمال ماردة ، كثيرة الزيتون. ٣١٦ مَرَضٌ ؛ ماتَ بعدَ خمسةَ عَشرَ يَوماً من هَزِيمَتِهِ فلا رَحمَهُ الله(١) . وجاءَ في تَرَجَمَةِ الشَّيخِ عبدِ القادِرِ الجيلانيّ ، قالَ الجُبَّائِيُّ، قَالَ لَيَ الشَيخُ عبدُ القادِرْ الجيلانيُّ: وتَردُ علَيَّ الأثقالُ التي لوْ وُضِعَت على الجِبالِ تَفْسَّحَت فَأَضَعُ جَنبي على الأرضِ ، وأقولُ: إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً ، ثم أرفَعُ رأسي وقد انفَرَجَتْ عنِّي(٢) . (١) انظر السير: (أبو عبد الله بنُ مَرْدَنيش) ٢٣٢/٢٠ -٢٣٤، وانظر النزهة : ١/١٥٤٥. (٢) انظر السير: (الشَيخُ عبدُ القادر الجيلانيُّ) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة : ٤/١٥٧٥. ٣١٧ صِفَاتٌ تُطْلَبُ بقَدر الحَذَر الحَذَرُ لا يَمْنَعُ القَدَر : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الإمام الناصر لدين اللهِ العَبَّاسيِّ: نَقَلَ العَدلُ شَمسُ الدين الجَزَريُّ في ((تاريخه))، عن أبيه قالَ: سَمعتُ الْمُؤَّدَ ابنَ الْعَلْقَميَّ الوَزِيرَ يقولُ : إنَّ الْمَاءَ الذي يَشرَبُه الإمامُ الناصرُ كانَ تَجيءُ به الدَّواتُ من فَوقِ بَغْدادَ بسَبعَةِ فَرَاسِخَ ويُغْلَى سَبعَ غَلواتٍ ثم يُحبَسُ في الأوْعِيَة أُسْبُوعاً ثم يَشرَبُ منه ، وما ماتَ حتَّى سُقِيَ الْمُرَقَّدَ ثلاثَ مِرار وشُقَّ ذَكَرُه، وأُخرِجَ منه الخَصَى . وقالَ ابنُ الأثير : بَقِيَ الناصِرُ ثلاثَ سِنينَ عاطِلاً عن الحَرَكَة بالكُليَّة وقد ذَهَبت إحْدَى عَينَيَه، وفي الآخِرِ أصابَه دُوسُنطاريا عِشرينَ يَوماً وماتَ(١) . الحُزْن ١ - حُزْنُ العُلَمَاءِ العامِلِين: قالَ إبْراهيمُ بنُ عيسَى اليَشْكُرِيُّ: ما رَأيتُ أحَداً أطْوَلَ حُزْناً من الحَسَنِ البَصْريِّ ، ما رَأيْتُه إلاَّ حَسِبتُه حَديثَ عَهدٍ بمُصيبةٍ (٢) . وقالَ مُسْلمُ بنُ إبراهيمَ : حدَّثَنَا إياسُ بنُ أبي تَمِيمَة : شَهدتُ الحَسَنَ في جنازَةِ أبي رَجاء علىُ بَغْلَة ، والفَرَزْدَقُ إلى جَنبه علىْ بَعير ، فقالَ له الفَرَزِدَقُ: قد اسْتَشْرَفَنَا النَّاسُ، يَقولونَ : خَيرُ النَّاسِ وشَرُّ النَّاسِ، قالَ: يا أبا فِراس ، كَمْ من أشْعَثَ أغْبَر ، ذي طِمْرَينٍ، خَيرٌ مِنِّي، وكَمْ من شَيخِ مُشْرِكٍ أنتَ خَيرٌ منه، ما أعْدَدْتَ للمَوْتِ ؟ (١) انظر السير: (النَّاصِرُ لدين الله العَبَّاسيُّ) ١٩٢/٢٢-٢٤٢، وانظر النزهة: ١/١٦٨٦. (٢) انظر السير: (الحَسَنُ البَصَريُّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٧/٥٦٠. ٣١٨ قالَ : شَهادَةُ أنْ لا إلَه إلاَّ الله قالَ: إنَّ مَعَها شُروطاً، فإِيَّاكَ وقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، قالَ: هَلْ من تَوْبَةِ قالَ : نَعَم (١) . وعن علقَمَةَ بنِ مَرْئَد في ذِكْرِ الثَّمانية من التَّابعين، قالَ: وأمَّا الحَسَنُ فمَا رَأينا أحَداً أطْوَلَ حُزْناً منه، ما كُنَّا نَراهُ إلَّ حَديثَ عَهْد بمُصيبَة ، ثم قالَ : نَضحَكُ ولا نَدري لَعَلَّ اللهَ قد اطَّلِعَ على بَعضِ أعْمَالِنَا وقالَ: لا أقْبلُ منكُم شَيئاً ، وَيُحَكَ يا ابنَ آدَمَ، هَلْ بِمُحارَبَةِ الله - يَعْني قُوَّة - واللهِ لقَد رَأيتُ أقْوَاماً كانَت الدُّنيا أهْوَن على أَحَدِهم من الثُّرابِ تَحتَ قَدمَيه ، ولقد رأيتُ أقْواماً يُمْسِي أحدُهم ولا يَجِدُ عندَه إلاَّ قُوتاً فِيَقولُ: لا أَجْعَلُ هذا كلَّه في بَطْنِي فِيَتصدَّقُ ببَعضِه ولعَلَّه أجْوَعُ إليه مِمَّنْ يَتصَدَّقُ به عليه(٢) . قالَ أبو صالِح كاتِبُ اللَّيثِ: حدَّثني يَحْيَى بِنُ أَيُّوبَ أنَّ رَجُلَين تَأَخَيا فَتَعاهَدا: إنْ ماتَ أحَدُهما قبلَ الآخَرِ أنْ يُخبرَه ما وَجدَ ، فماتَ أحَدُهما ، فرآه الآخَرُ في النَّوم ، فسَأَلَه عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ ؟ قالَ : ذاكَ مَلكٌ فِي الجَنَّة لا يُعْصَىُ ، قالَ : فابنُ سِيرِينَ ؟ قالَ : ذاكَ فيما شاءَ اشْتَهَى، شَتَّان ما بينهما، قالَ: فبأيِّ شَيءٍ أدْرَكَ الحَسَنُ ؟ قالَ : بِشِدَّة الخَوفِ والحُزْن(٣). وكانَ الحَكُمُ بنُ حَجْل ، صَديقاً لابنِ سِيرينَ ، فحَزن على ابنِ سِيرِينَ حتَّى كان يُعادُ، ثم قالَ : رَأيْتُه في الْمَنامِ في حالٍ كَذا وكذا، فسَألتُه لَمَّا سَرَّني : ما فَعَلَ الحَسَنُ ؟ قال: رُفِعَ فَوْقِي سَبعينَ دَرَجَةً ، قُلتُ : بمَ؟ فقد كُنَّا نَرَى أَنَّك فَوقَه قالَ ؟ بِطُولِ الحُزْن . وقد كانَ الأوْزاعيُّ أشارَ عليه يَحْيَىُ بنُ أبي كَثِير ، أنْ يَرتَحلَ إلى البَصْرَة لِلُقِيِّ محمَّدِ بنِ سِيرينَ، فأتى فوَجدَه في مَرضِ الْمَوتِ، فعادَه ولَمْ يَسمَعْ منه، رَحمَهُ اللهُ (١) انظر السير: (الحَسَنُ البَصْريُّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٣/٥٦٢. (٢) انظر السير: (الحَسَنُ البَصْريُّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة : ٤/٥٦٢. (٣) انظر السير: (محمَّدُ بنُ سِيرين) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٣/٥٧١ . ٣١٩ تَعالَى، وبَلَغَنِي أَنَّ اسمَ أُمِّه صَفيَّةُ، مَؤْلاةٌ لأبي بكر الصِّدِّيق(١). وعن حُصَينِ الوَزَّانِ قالَ : لَوْ قُسِّمَ بتُ (٢) عبدِ الوَاحِدِ بنِ زَيْد علىُ أهْلِ البَصْرَة لوَسِعَهم وكانَ يَقومُ إلى مِخْرابِه كأنَّه رجلٌ مُخاطَب(٣) . ٢ - الحُزْنُ الزَّائد المُبَالَغ فيه مَنْھيٌّ عنه : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ إمامِ الحَرَمَينِ : تُوفِّيَ سَنةَ ثَماٍ وسَبعينَ وأرْبَع مئة ، ودُفنَ في دارِه ، ثم نُقُلَ بعد سِنِينَ إلى مَقبرَةِ الحُسَينِ فَدُفنَ بِجَنبٍ والدِهِ ، وكَسَروا منْبَرَه ، وغُلِّقَتِ الأسْواقُ ، ورُنِيَ بقَصائدَ وكانَ له نَحوٌ من أرْبَع مئة تِلميذٍ ، كَسَروا مَحابِرَهم وأقْلامَهم ، وأقامُوا حَوْلاً ، ووُضعَتِ الْمَناديلُ عن الرُّؤُوسِ عاماً ، بحيثُ ما اجْتَرأْ أحَدٌ على سَترِ رأسِه ، وكانت الطلبَةُ يَطوفُونَ في البلدِ نائحينَ عَليه ، مُبَالِغِينَ في الصِّيَاحِ والجَزَع . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: هذا كان من زِيِّ الأعاجِمِ لا من فِعلِ العُلمَاء الْمُتَّبعين (٤) . ٣- تَصْحِيحُ الذهَبِيُّ لمُبالَغَة أحَد السَّلَف : قالَ محمَّدُ بنُ يَحْتَى النِّسَابُورُّ، حينَ بَلغَه وَفاةُ أحمَد، يَقولُ: يَنبَغِي لَكُلِّ أَهْلِ دارٍ ببغدادَ أنْ يُقِيمُوا عَليه النِّيَاحَةَ في دُورِهم . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: تَكَلَّمَ الذُّهْليُّ بِمُقْتَضَى الحُزْن لا بِمُقْتَضَى الشَّرْع. لَمَّا ماتَ سَعيدُ بنُ أحمَدَ بنِ حَنْبَل ، جاءَ إبراهيمُ الحَربيُّ إلى عبدِ اللهِ ابنِ أحمَد ، فقامَ إليه عبدُ الله، فقالَ : تَقومُ إليَّ؟ قالَ: والله لَوْ رَاكَ أبي، لَقَامَ إليكَ، فقالَ (١) انظر السير: (محمَّدُ بنُ سِيرِين) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٤/٥٧١. (٢) البَثُّ: الحُزْنُ والغَمُّ الذي تُفْضي به إلى صاحبك، قالَ ابنُ الأثير: البَثُّ في الأصل شدَّة الحُزن، والمرضُ الشديد ، كأنَّه من شدَّته یبئه صاحبه. (٣) انظر السير: (عبدُ الواحِد بنُ زَيْد) ٧/ ١٧٨ - ١٨٠، وانظر النزهة: ٥/٦٩١. (٤) انظر السير: (إمامُ الحَرَمَين) ٤٦٨/١٨-٤٧٧، وانظر النزهة : ١/١٤٣٤. ٣٢٠