النص المفهرس
صفحات 261-280
قالَ : تَأْمُرُ مَنْ يَثبتُ معي بوِلايَتِي وكَفَني والصَّلاةِ عليّ ثم تُطلِقُهم ، فَفَعَلَ . قُتلَ سَنةَ اثنَيْ عَشرَةَ ، وقيلَ : سَنةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ ومثَةٍ (١) . مَعْنِ بنُ زائدَة : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : أميرُ العَرَب، أبو الوَليد الشَّيْبانيُّ ، أحدُ أبطال الإسْلام ، وعَينُ الأجْواد(٢). كان من أُمَرَاء مُتَوَلِّي العِراقَيْنِ(٣) يَزِيدُ بنُ عُمَر بنِ هُبَيرة، فلمَّا تَملَّك آلُ العِبَّاسِ اخْتَفِى مَعْنُ مُدَّة، والطَّلبُ عليه حَثيثٌ، فلمَّا كانَ يَومُ خُروج الرِّيوَنْدِيَّة(٤) والخُراسانيّة على الْمَنْصورِ ، وحَمِيَ القِتالُ، وحارَ الْمَنْصورُ في أمْرِه ، ظَهَرَ مَعْنُ وقاتَلَ الرِّيوَنْدِيَّة ، فكانَ النَّصْرُ على يَدِهِ ، وهو مُقَنَّعٌ في الحَديدِ ، فقالَ الْمَنْصورُ : وَيْحَكَ مَنْ تَكُونُ ؟ فَكَشِفَ لَامَه وقالَ: أنا طِلْبَتُك مَعْنٌ فسُرَّبه، وقَدَّمه وعَظّمه ثم وَلاَه اليَمنَ وغَيرَها (٥) . قالَ بَعضُهم : دَخلَ مَعنُ على الْمَنْصورِ فقالَ : كَبُرت سنُّك يا مَعْنُ قالَ : في طاعَتِك قالَ : إنَّك لَتَجلَّدُ قالَ : لأعْدائِكَ قالَ : وإنَّ فيكَ لبقيّة قال: هي لكَ يا أميرَ المؤمنين . ولِمَعْن أخْبارٌ في السَّخاءِ ، وفي البَأسِ والشَّجاعَة ، ولَه نَظْمٌ جَيِّدٌ . ثم وَلِيَ سِجِسْتَانَ، فَوَثَبت عليه خَوارِجٌ وهو يَحْتَجِمُ، فقَتَلُوه، فقَتَلَهم ابنُ أخيه يَزِيدُ بنُ مَزْيَد الأميرُ في سَنةِ اثنَتَين وخمسينَ ومثَةٌ(٦) . (١) انظر السير: (البطال) ٢٦٨/٥-٢٦٩، وانظر النزهة: ٢/٦٠١. (٢) انظر السير: (مَعْنُ بنُ زائدَة) ٩٧/٧-٩٨، وانظر النزهة: ٢/٦٨٠. (٣) العِراقان: الكوفة والبصرة . (٤) في الطبري : (٧/ ٥٠٥ ) الرواندية ، وهم قوم من أهل خراسان ، كانوا على رأي أبي مسلم صاحب دعوة بني هاشم ، يقولون بتناسخ الأرواح ، ويزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك ، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور ، وأن الهيثم بن معاوية جبريل ، وكان خروجهم سنة ١٤١ هـ . (٥) انظر السير: (مَعْنُ بنُ زائدَة) ٩٧/٧-٩٨، وانظر النزهة: ٣/٦٨٠. (٦) انظر السير: (مَعْنُ بنُ زائدَة) ٩٧/٧-٩٨، وانظر النزهة: ٤/٦٨٠. ٢٦١ أحْمَدُ بنُ إسْحاقَ السُّرْماريُّ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : الإمامُ الزَّاهِدُ، العَابِدُ المُجَاهِدُ ، فارِسُ الإسْلامِ أبو إسْحاقَ، من أهْلِ سُرْماري ، من قُرى بُخَارَى وكان أَحَدَ الثِّقَاتِ ، وبِشَجَاعَتِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ(١) . وقال إبراهيمُ بنُ عَفَّانَ البَزَّار : كُنتُ عندَ أبي عبدِ الله البُخَارِيّ فَجَرَى ذِكرُ أبي إسْحَاقَ السُّرْمارِيّ، فقال: ما نَعْلَمُ في الإسْلامِ مِثْلَه فخَرَجْتُ فإذا أُحَيْدُ رَئيسُ المُطَّوِّعَة، فأخْبَرَتُهُ، فَغَضِبَ ودَخَلَ على البُخَارِيّ ، وسَأَلَه فقال : ما كذا قُلتُ ، بل : ما بَلَغَنَا أنَّه كان في الإسْلامِ ولا في الجَاهِلِيَّةِ مِثلُه . وقال ابنُه أبو صَفْوَانُ : دَخَلتُ على أبي يوماً، وهو يَأْكُلُ وحْدَه فَرَأَيْتُ في مائِدَتِهِ عُصْفُوراً يأكُلُ معَه ، فلمَّا رَآنِي طَارَ(٢). وعن أحمَدَ بنِ إسْحاقَ قال : يَنْبَغِي لقائِدِ الغُزَاةِ أنْ يكونَ فِيهِ عَشْرُ خِصالٍ : أنْ يكونَ في قَلبِ الأَسَدِ لا يَجْبُن، وفي كِبْرِ النَمِرِ لا يَتَوَاضَعِ، وفي شَجَاعَةِ الدُّبِّ يَقْتُّلُ بِجَوَارِحِهِ كُلُّها ، وفي حَمْلَةِ الخِنْزِيرِ لا يُؤَلِّي دُبُّرَه ، وفي غارَةِ الذِّئْبِ إذا أَيِسَ من وَجْهٍ أَغَارَ من وَجْه، وفي حَمْلِ السِّلاحِ كالنَّمِلَةِ تَحْمِلُ أكْثَرَ من وَزْنِها ، وفي الثََّاتِ كالصَّخْرِ، وفي الصَّبرِ كالحِمارِ، وفي الوَفَاحَةِ كالكَلْبِ لو دَخَلَ صَيْدُه النَّرَ لدَخَلَ خَلفَه ، وفي التِماسِ الفُرصَةِ كالدِّيك . وكانَ إبراهيمُ بنُ شِمَاسِ يقولُ : كُنتُ أُكاتِبُ أحمَدَ بنَ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيّ ، فَكَتَبَ إليَّ: إذا أرَدْتَ الخُرُوجَ إلى بلادِ الغُزَيّة في شِراءِ الأَسْرَى ، فَاكْتُبْ إليَّ فَكَتَبتُ إليه ، فقَدِمَ سَمَرْقَنْدَ ، فخَرَجْنَا ، فلمَّا عَلِمَ جَعْبَوَيْه ، استَقْبَلَنا في عِدَّةٍ من جُيُوشِه ، فَأَقَمْنا عِندَه ، فعَرَضَ يوماً جَيْشَه ، فمرَّ رجلٌ فعَظّمَه وخَلَعَ عليه ، فسَأَلَنِي عنه السُّرْمارِيّ فقُلتُ : هذا رجلٌ مُبَارِزٌ، يُعَدُّ بألفِ فارسِ قال: أنا أُبَارِزُه فسَكَتُ فقال جَعْبَوَيْه : (١) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٤٨. (٢) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ -٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٤٩. ٢٦٢ ما يقولُ هذا؟ قُلتُ يقولُ: كَذَا وَكَذَا قال : لَعَلَّه سَكْرَانٌ لا يَشْعُر ، ولكن غَدَاً نَركَبُ فلمَّا كان الغَدُ رَكِبُوا، فَرَكِبَ السُّرْمارِيُّ معَه عَمُودٌ في كُمِّه فقامَ بإزاء المُبارِز فقَصَدَه ، فَهَرَبَ أحمَدُ حتّى باعَدَهُ من الجَيْشِ ، ثمَّ كَرَّ وضَرَبَه بالعَمُودِ فقَتَلَه ، وتَبِعَ إبراهيمَ بنَ شِمَاسِ ، لأنَّه كان قد سَبَقَه فَلَحِقَه، وعَلِمَ جَعْبَوَيْهِ ، فجَهَّزَ في طلبِه خمسِينَ فارساً نَقَاوةً ، فأدْرَكُوه ، فَثَبْتَ تحتَ تَلِ مُخْتَفِياً حتّى مَرُوا كُلُّهم واحِداً بعدَ واحِد، وجَعَلَ يَضْرِبُ بعَمُودِهِ من ورَاءِهم إلى أنْ قَتَلَ تَسْعَةً وأربعِينَ، وأَمْسَكَ واحِداً، قَطَعَ أنْفَه وأُذُنَّه ، وأَطْلَقَه لِيُخْبِر ، ثمَّ بعدَ عامَيْن تُؤُفِّي أحمدُ ، وذَهَبَ ابنُ شِمَاسِ في الفِداءِ ، فقال له جَعْبَوَيْه : مَنْ ذَاكَ الذي قَتَلَ فُرْسانَنَا؟ قال : ذاكَ أحمدُ الشُّرْمارِيّ قال : فِلِمَ لَمْ تَحْمِلْهِ مَعَكَ ؟ قُلتُ: تُؤُفِّيَ، فَصَكَّ فِي وَجْهِي ، وقال: لَوْ أَعْلَمْتَنِي أنَّه هو لكُنتُ أُعْطِيهِ خَمْسَ مئةٍ بِرْذَوْن(١) وعَشْرَةَ آلافِ شاة . وعن عِمْرانَ بنِ مُحمَّد المطّوعيّ : سَمعتُ أبي يقولُ: كان عَمُودُ المطَّوِّعيِّ الشُّرْمارِيّ وزْنُهُ ثمانِيَةَ عَشْرَةَ مَنَّ (٢) ، فلمَّا شَاخَ جَعَلَه اثنَيْ عَشْرَ مَنّاً، وكان به يُقاتِلُ (٣). وعن عُبيد الله بنِ واصل ، سَمعتُ أحمدَ الشُّرْماريَّ يقولُ ، وأخرجَ سَيْفَه ، فقال : أعلَمُ يَقيناً أنِّي قَتلتُ به ألفَ تُركيّ ، وإنْ عِشْتُ قَتَلتُ به ألفاً أخرى ، ولولا خَوْفي أن يكونَ بدعةً لأمَرتُ أن يُدفَن معي . وعن محمودِ ابنِ سَهْل الكاتب ، قال : كانوا في بعض الحروب يحاصِرون مكاناً ، ورئيسُ العدوِّ قاعدٌ على صُفَّةَ(٤) ، فرمى الشُّرماريُّ سَهْماً ، فغرزَه في الصُّفَّة ، فأوْماً الرئيسُ لينزعه ، فرماه بسَهمٍ آخر خاطَ يدَه ، فتطاوَلَ الكافرُ لينزعَه من يده ، فرماه بسَهمِ ثالثٍ فِي نَحرِه ، فانهزَمَ العَدوُّ ، وكان الفتح . (١) البرْذَوْن: ضرب من الدواب، يخالف الخيل العراب، عظيم الخِلقَة ، غليظ الأعضاء. (٢) المَنّ : زِنَة رطلين . (٣) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ١٣/ ٣٧ -٤٠، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٩. (٤) الصُفَّة : الظُلة، والبَهو الواسع العالي السقف . ٢٦٣ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً : أخبارُ هذا الغازي تسُرُّ قلبَ المسلم . تُوفِّي في سنة اثنتين وأربعين ومئتين ، رحمه الله تعالى ، فإنه كان مع فَرْط شجاعته من العلماء العاملين العُبَّاد(١). وقال ابنُهُ أبو صَفْوَانُ : وَهَبَ المَأمونُ لأبي ثلاثينَ ألفاً ، وعَشرةَ أفْراسٍ وجارِيَةً ، فلمْ يَقبَلُها(٢) . أبو عبدِ الله مَرْدَنيش : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : الزَّاهِدُ الْمُجاهِدُ، أبو عبدِ الله، محمَّدٌ الجُذاميُّ الْمَغرِبِيُّ . كانَ مَعه عدَّة رجال أبطال يُغيرُ يَمِنَّةً ويَسْرةَ، وكانوا يَحرُّثونَ على خَيلِهم كما يَحرُثُ أهلُ الثَّغْرِ، وكانَ أميرُ الْمُسلمينَ ابنُ تاشفينَ يَمِدُّهم بالْمَالِ والآلاتِ ، ويَبرُّهم . ولِمَرْدَنِيشَ مَغازي ومَواقِفُ مَشْهودَةٌ وفَضائلٌ(٣). فمن عَجيبٍ ما صَحَّ عندي(٤) من مَغازيهِ أنَّه أغَارَ يوماً ، فَغَنمَ غَنِيمَةً كثيرة ، واجْتمَعَ عَليه من الزُّومِ أكثَرُ من ألفِ فَارِسٍ ، فقَالَ لأصْحابِهِ وكانوا ثَلاثَ مئة فارس : ما تَرَونَ ؟ فقالوا : نَشْغَلُهم بتَركِ الغَنيمَة قالَ: أَلَمْ يَقُلْ القَائِلُ: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَِّرُونَ يَغْلِبُواْ مِأْتَنَيْنَّ﴾(٥) فقالَ له ابنُ مُورين: يا رَئيسُ ، اللهُ قالَ هذا! فقالَ: اللهَ يَقولُ هذا وتَقَعُدُونَ عن لِقائِهِم؟! قالَ: فثَبُوا ، فَهَزَمُوا الرُّومَ . وفي سَنةِ سَبعٍ وعِشرينَ وخَمسَةِ مئة سارَ ابنُ رُذْمير ، فنازَلَ مَدينَةَ إفراغة(٦) وبها ابنُ مَرْدَنيش ، وطالَ الحِصَارُ ، فَكَتَبُوا إلى أميرِ الْمُسلمين ابنِ تاشفينَ ليُغيثَهم ، فَكَتبَ إلى انظر السير: ( أحمد بن إسحاق السّرماري) ١٣/ ٣٧ - ٤٠، وانظر النزهة : ١/١٠٥٠. (١) انظر السير: ( أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ - ٤٠، وانظر النزهة : ٢/١٠٥٠. (٢) (٣) انظر السير: (أبو عبد الله مَرْدَنيش) ٢٣٢/٢٠ - ٢٣٤، وانظر النزهة : ٥/١٥٤٤ . (٤) الكلام هنا لليَسع بن حَزْم . (٥) سورة الأنفال ، الآية : ٦٥ . مدينة بالأندلس من أعمال ماردة ، كثيرة الزيتون . (٦) ٢٦٤ ابنِهِ تَاشَفينَ بنِ عَليٍّ وإلى الأميرِ يَحْيَى ابنِ غانيَة بإغاثَتِهِم ، وإدْخالِ الْميرَةِ إليهم ، فَتَهِيَّأ لنَجِدَتِهِم أرْبَعَةُ ألافٍ ، فما وَصَلوا إلى إفراغة إلاَّ وقد فَنِيَ ما بها ، ولَمْ يَبْقَ لابنِ مَرْدَنيشَ سِوَى حِصانٌ فذبَحَه لَهم ، فحَصلَ لكُلِّ واحدٍ أوقيَة أوقية . قالَ اليَسَعُ : فحذَّثني الْمَلكُ الْمُجاهِدُ ابنُ عِياض حَديثَ هذه الغَزَاةِ قالَ: لَمَّا وَصلَ أبو زَكريّا يَحْيَى بِنُ غانيَة مَدينَةَ زَيْتونَةَ، خَرَجْتُ إليه من لارِدَةَ مع فُرْسَاني ، فقالَ : أشِيروا عليَّ، فقُلتُ: الصَّوابُ جَمعُ جُندِ الأنْدَلُسِ تَحتَ رَايَةٍ وَاحِدَة ، وهِلالُ وسُليمُ تَحتَ رَايَةٍ أُخْرَى، ويَتقدَّمُ الزُّبَيرُ بنُ عُمَرَ بأهْلِ الْمَغرِبِ وبالذَّوابُ التي تَحمِلُ الأَقْوَاتَ ، مَعَهم الطُبُولُ والرَّاياتُ ، ونَبَقَى نَحنُ والعَرَبُ كَمِيناً عن يَمِينِ الجَيشِ ويَسارِهِ فإذا أَبْصَرَ اللَّعينُ الرَّآياتِ والُبُولَ والزَّمْرَ حَمَلَ عليه ، فنَكُّ عليه من الجِهَتَينِ قالَ: فصَلَّيْنا الصُّبْحَ فِي لَيْلَةِ سَبعٍ وعِشْرِينَ من رَمَضانَ سَنةَ سَبعٍ وعِشرينَ وخَمسٍ مئة ، وأبْصرَ اللَّعينُ الجَيشَ وقد اسْتراحٌّ من جِراحَاتِه وكانَ عَسْكرُه إذَ ذاكَ أرْبَعَةً وعِشرينَ ألْفَ فارِس سِوَى أَتْباعِهِم، فقَصَدوا الطُّبُولَ، فانْكَسَروا وتَفَرَّقوا - يَعني الْمُسلمينَ - فَأَتَينا الرُّومَ عن أيْمانِهِم ، ونَزَلَ النَّصْرُ وعَملَ السَّيفُ في الرُّومِ حتَّىُ بَقِيَ ابنُ رُذْمير في نَحْو أرْبَع مئة فارِس ، فلَجَؤوا إلى حِصْنٍ لهم ، وباتَ الْمُسَلمُونَ عليه، ثم هَلكَ غَمََّ ، وأصَابَه مَرَضٌ ؛ ماتَ بعدَ خَمسةَ عَشرَ يَوماً من هَزِيمَتِهِ فلا رَحمَهُ الله(١) . محمد بن سعد بن مردنیش : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ محمدِ بن سَعْد: ابنُ محمَّدٍ بنِ مَرْدَنيش الجُذاميُّ الأَنْدَلُسيُّ ، الْمَلكُ أبو عبدِ الله صاحِب مُرْسِيَةً وَبَلَنْسِيَةَ(٢). كان صِهْراً للمَلِكِ المُجاهِدِ الوَرِعِ أبي مُحمّد عبد الله بنِ عياض فلمَّا تُوفِيَ ابنُ عِياض ، اتَّفَقَ رأيُ أجْنادِه على تَقْديمِ ابن مَرْدنيش هذا عليهم، وكان صَغيرَ السِّنِّ شاباً ، لَكنَّه كان مِمَّن يُضْرَبُ بِشَجاعَتِهِ المَثلُ وابْتُلي بجَيشِ عبدِ المُؤمن يُحَارِبُونَه ، (١) انظر السير: (أبو عبد الله مَرْدَنيش) ٢٣٢/٢٠ -٢٣٤، وانظر النزهة: ١/١٥٤٥. (٢) انظر السير: (محمد بن سعد) ٢٤٠/٢٩ -٢٤٢، وانظر النزهة: ١/١٥٤٨. ٢٦٥ فاضْطَرَّ إلى الاسْتِعَانَةَ بالفِرَنْجِ فلمَّا تُؤُنِّي الخَليفَةُ عبدُ المُؤمِن تَمَكَّنَ ابنُ مَرْدنيش ، وقَوِيَ سُلطانُهُ وجَرَتْ له حُروبٌ وخُطُوبٌ . ذَكَرَهُ الْيَسَعُ في ((تاريخِه)) وقال: نازَلَتِ الرُّومُ المَرِيَّةَ عندَ عِلمِهِم بِمَوتِ ابنِ عِياض ، ولِكَونِ ابنِ مَرْدنيش شَاباً ، لَكنَّه عِندَهُ من الإقْدام ما لا يُوجَدُ في أحَدٍ حتى أضَزَّ به في مَواضِحَ شاهَدْناها معه، والرَّأْيُ قبلَ الشَّجَعَةِ، وإلاَّ فهُو في القُوَّةِ والشَّجاعَة في مَحلِّ لا يَتَمَكَّنُ منه أحَدٌ في عَصْرِهِ ، ما اسْتَتَمَّ خَمسَةَ عَشَرَ عَاماً حتى ظَهَرتْ شَجاعَتُه، فإنَّ العَدُوَّ نازَلَ إفراغة، فقَرُبَ فارِسٌ منهُم إلى الشُّورِ، فخَرَجَ مُحمّدٌ، وأبُوهُ سَعدٌ لا يَعرِفُ ، فالْتَّقَيَا على حاقَّةِ النَّهْرِ ، فضَرَبَهُ مُحمّدٌ ألقَاهُ مع حِصانِهِ في المَاءِ ، فلمَّا كان الغَدُ طَلَبَ فارِسٌ من الرُّومِ مُبارَزَتَه ، وقال : أَيْنَ قاتلُ فارِسِنا بالأمْسِ ؟ فامْتَنَعَ والِدُه من إخراجِه له ، فلمَّا كَان وَقتُ القَائِلَة وقد نَامَ أَبُوهُ رَكِبَ حِصانَهَ، وخَرَجَ حتّى وَصَلَ إِلى خِيامِ العَدُوِّ، فِقِيلَ للمَلِك: هذا ابنُ سَعد فأحْضَرَهُ مَجْلِسَه ، وأكْرَمَه وقال : ما تُريدُ ؟ قال : مَنَعَنِي أبي من المُبارَزَةِ ، فأيْنَ الذي يُبارِزُ ؟ فقال: لا تَعْصِ أبَاكَ فقالَ: لا بُدَّ فحَضَرَ المُبارِزُ فالْتَّقَيَا، فضَرَبَ العِلْجُ مُحمَّداً في طارقَتِهِ، وضَرَبَ هو العِلْجَ ألْقَاهُ ثمَّ أوْمَأَ إليه بالرُّمْحِ لِيَقْتُلَه ، فحالَتِ الرُّومُ بينَهُما ، وأعْطَاهُ المَلِكُ جائِزَةً . ومن شَجاعَتِهِ يَومَ نِوَلَةَ(١): كانَ في مئة فارِس ، والرُّومُ في ألفٍ فحَملَ بنَفْسِهِ ، فاجْتَمعَت فيه أكثرُ من عِشْرينَ رُمحاً ، فمَا قَلبوهُ، ولَوْلا حَصَانَةُ عُدَّتِهِ لَهَلكَ، فَكَشِفَ عنه أصْحابُه، وانْهزَمَ الرُّومُ، فاتََّعَهم من الظُّهرِ إلى اللَّيْلِ، ثم هادَنَ الرُّومَ عَشرَ سنين . قالَ: ولَمْ تَزَلِ الأيَّامُ تَخدمُه، وقد اهتمَّ بجَمع الصُّنَّاعِ لآلاتِ الحُروب وللبِناءِ والتَّرْخيم، واشْتَغْلَ ببناءِ القُصُورِ العَجيبَة والتُّزَه والبَساتين العَظيمَة، وصَاهَرَ الرَّئيسَ القائدَ أبا إسحاقَ بنَ هَمُشْك(٢). (١) بكسر أوله وفتح ثانيه : حِصنٌّ من أعمال مَرْسيّة بالأنْدلُس . (٢) انظر السير: (محمد بن سعد) ٢٤٠/٢٩ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٨. ٢٦٦ من الأبطال الذين كانوا ضالّين فتابوا : أبو القاسم هِلال : قال اليسعُ بنُ حَزْم: حدَّثني عنه(١) أبو القاسم هِلالُ أحَدُ وُجُوه العَرب قالَ : كان بَيْنِي وبَيْنَ الْمُرابِطِينَ أمر أَلْجَأني إلى الوُفودِ على ابنِ رُذْمير ، فرخَّب بي ، وأمَرَ لي براتبٍ كَبير فحَضرتُ معه حَرْباً طُعِنَ عنه حِصانُهُ ، فوقَفتُ عليه ذابَاً عن حَوْزَتِه فلمَّا انْصَرفنا إلى رشْقَة أمرَ الصَّوَّاغينَ بِعَملِ كأسٍ من ذَهَبٍ رَصَّعَه بالدُّرِّ، وكتب عليه: (( لا يَشْرِبُ مِنْه إلاَّ مَنْ وَقَفَ على سُلْطانِهِ)) فحضَرتُ يوماً فأخْرَجَ الكأسَ ، وملأه شَراباً ، وناوَلَني بحَضْرَة ألفِ فارس ، ورَأيتُ أعْناقَهم قد اسْوَدَّت من صَدأ الدُّروع قال : فنادَيتُ ، وقُلتُ : غَيرِي أَحَقُّ به ، فقالَ: لا يَشْرَبُ هذا إلاَّ مَنْ عَمَلَ عَمَلَك. وكان هِلالٌ هذا من قَريَة هِلالِ بنِ عامِر ، تابَ بعدُ وغَزا مَعَنا ، فكانَ إذا حَضرَ في الصَّفِّ جَبَلاً راسياً يَمْنَعُ تَهائمَ الجُيوشِ أنْ تَميدَ ، وقَلْباً في البَسَالَة قَاسياً ، يَقولُ في مُقارَعَةِ الأبْطَالِ: هَلْ مِنْ مَزِيد؟ أبْصَرتُه - رَحمَهُ اللهُ - أُقَةً وَحْدَه، يَتحامَاهُ الفَوارِسُ(٢). ٣- من الشَّجَاعَة القُوَّة في الحَقِّ : قالَ مُحمَّدُ بنُ سَعْد بنِ أبي وَقَّاص ، عن أبيه ، أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: ((إيهاً يا ابنَ الخَطَّابِ، فَوَالذِّي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكاً فَجَّا(٣) إِلَّ سَلَكَ غَيْرَ فَجِّكَ))(٤) . وعن أمِّ الْمؤمنينَ عائشةَ ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((إنَّ الشَّيْطَانَ يَفْرَقُ مِنْ عُمَرَ ))(٥) . (١) الضمير عائد على ابن رُذمير اللعين، صاحب مملكة أرَغونة من شرق الأندلس، كان قسِّيساً مُجرّباً داهية مُترَهِّباً ، قوي على بلاد ابن هود وطواها . انظر السير: ( عماد الدولة بن هود) ٢٠/ ٣٧ - ٤١، وانظر النزهة : ٣/١٥٢٤. (٢) (٣) الفَجُّ : الطريق . (٤) انظر السير : ( عُمَرُ بنُ الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ٤/٤٥. انظر السير : ( عُمَرُ بنُ الخَطّاب)، وانظر النزهة : ٥/٤٥ . (٥) ٢٦٧ وقالَ زِرٍّ: كانَ ابنُ مَسْعودٍ يَخْطبُ ويَقولُ : إنِّي لأَحْسَبُ الشَّيْطَانَ يَفْرَقُ من عُمَرَ أنْ يُحدثَ حَدثاً فَيَرُدّه، وإِنِّي أحْسَبُ عُمَرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَلَكٌ يُسدِّدُه ويُقوِّمُه(١) . وقالَ أَنَسُ بنُ مالِك: قالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أَرْحَمُ أُمَتِي أَبُو بكر، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ ))(٢) . العَدْل ١ - العَدْل شَأْنُه عَظيم : عن الشَّعْبِيِّ، قالَ مَسْروقٌ: لأنْ أُفْتِيَ يَوماً بعَدلٍ وحَقٍّ ، أحَبُّ إليَّ من أنْ أغْزُوَ سَنةً(٣) . ٢ - صُورَةٌ على إِقَامَة العَدْل : ذَكرَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ السُّلطانِ العَزيزِ ، عُثمان بن السُّلطان صَلاح الدِّين بن أيُّوب ، قال ابنُ واصِل : وحُكيَ عنه أنَّ عبدَ الكَريمِ ابنَ البيسانيِّ أخا القاضي الفاضِل كان يَتولَّى البحيرَةَ مُدّةً ، ووَقِعَ بينَه وبينَ أخيه ، فعُزِلَ، وكان مُزوَّجاً ببنْتِ ابن ميَسَّر ، فأساءَ عِشْرَتَها لسُوءِ خُلقِه ، فَتَوجَّه أبوها، وأثْبَتَ عند قاضي الإسْكَنْدَريّة ضَررَها ، وأنَّه قد حَصَرَها في بَيَتٍ ، فمَضَى القاضي بنفسِه، ورامَ أنْ يَفْتَحَ عَنها ، فَلَمْ يَقْدرْ ، فأحْضَرَ نَقَّاباً ، فَنَقبَ البَيتَ، وأنْرَجَها، ثم سَدَّ النَّقْبَ، فَهَاجَ عبدُ الكَريمِ ، وقَصدَ الأميرَ جهاركسَ بِمِصْرَ، وقالَ : هذه خَمسَةُ آلاف دينار لك، وأرْبَعُونَ أَلْفَ دينارٍ للشُّلطانِ، وأُوَلَّى قَضاءَ الإِسْكَنْدَرِيَّة فأتَى العَزِيزَ لَيْلاً، وأحْضَرَ الذَّهَبَ، فسَكتَ ، ثم قالَ: رُدَّ عليه مالَه، وقُلْ له : إيَّكَ والعَودَ إلى مثلِها، فمَا كلُّ مَلكِ يَكونُ عادِلاً ، أنا ما أبيعُ أهلَ الإسْكَنْدَريَّة بهَذا الْمَالِ قال جهاركسُ : فوَجَمتُ ، وظَهرَ عليَّ ، فقالَ : انظر السير: ( عُمَرُ بنُ الخَطَّاب )، وانظر النزهة : ٦/٤٥ . (١) انظر السير: ( عُمَرُ بنُ الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ٢/٤٦. (٢) انظر السير: ( مَسْروق) ٦٣/٤ -٦٩، وانظر النزهة: ٣/٤٤٥. (٣) ٢٦٨ أراكَ أَخَذْتَ شَيْئاً، قُلتُ : نعَم خمسةَ آلافِ دينارٍ ، قال: أعْطَاكَ مالاً يَنفَعُ مرَّةً ، وأنا أُعْطِيكَ ما تَنْتَفِعُ به مَرَّاتٍ، ثم وَقَّعَ لي بإِطْلاقِ طُنبذة(١) كنتُ أستغلُّها سَبعةً آلافِ دينار(٢). ٣- العَدْلِ المَشُوب بالمُبالَغَة والجَهْل والشِّدَّة : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ باديسٍ بنِ حَبُوس ، مَلكِ غِرْناطَة : وقَفَت له امرأةٌ عندَ بابِ إِلْبيرة فقالت: يا مَوْلانا! ابني يَعُقُّني، فطَلبَه، ودَعًا بالسَّيفِ ، فقالَت الْمَرأةُ: إنَّما أرَدتُ تَهْديدَه فقالَ: مَا أنا بمُعلِّم كُتَّاب وأمَرَ به فضُربَتْ عُنقُه(٣) . واستعملَ بعضَ أقارِبَه على بلدٍ ، فخَرجَ يَتَصِيَّدُ ، فمَرَّ بِشَيخِ قَريَة فَرَغِبَ في تَشريفِه بالضِّيافَة ، فأنْزَلَه في أرضٍ فيها دُولاب وفَواكه ، فبادَرَ لهَ بَثَريد فِي لَبَنِ وسُكَّر ، وقالَ : نَآتي بعدُ بما تُحبُّ فرمَاهُ بِرِجْلِه وضَربَ الشَّيخَ ، ففَزَّ الشَّيخُ ، وأَتَّى إِلْبِيرَةَ ، فَعَرَفَ الْمَلكُ بما جَرَى عليه فقالَ : ارْجِعْ واصْبِرْ ووَاعَدَه ، ثم جاءَه بعدَ أيَّامٍ فِي كَبْكَبَةٍ منهم خَصْمُه فقدَّم الشيخُ للمَلكِ مثلَ ذلك الثَّريد ، فتَناوَله وأكلَه واسْتَطابَه ، ثم قالَ : خُذْ بتَارِكَ من هذا فاضْرِبْه فاسْتَعظَمَ الشَّيخُ ذلك، فقالَ الْمَلكُ: لا بُدَّ فضَربَه حتَّى اقْتَصَّ منه، فقالَ الْمَلكُ هذا حَقُّ هذا ، بقيَ حَقُّ الله في إهانَةَ نِعْمَتِهِ ، وحَقِّ في اجْتِراء العُمَّال فضَربَ عُنقَه، وطِيفَ برأسِه حكاها اليَسَعُ بنُ حَزْم(٤) . وحَكَى الْيَسَعُ بنُ حَزْم أيضاً أنَّ بَعضَ أهْلِ البادِيَة كانت له بِنتُ عَمِّ بَديعَةُ الحُسْنِ فافْتَقَرَ ، ونَزَحَ بها فصادَفَه في الطَّريقِ أميرٌ صَنْهَاجِيٍّ، فأرْكَبَهَا شَفقَةً عليها ، ثم أسْرَعَ بها ، فلمَّا وَصَلَ الْبَدَويُّ، أتَى دَارَ الأميرِ، فطَرَدُوه، فَقَصَدَ الْمَلكَ باديسَ بنَ حَبُوس، فقالَ لذاك الأمير : ادْفَع إليه زَوجَته فأنْكَرَ فقالَ: يا بَدويُّ! هلْ لكَ مِنْ شَهيد ولو كَلباً يَعرِفُها؟ قالَ: نَعَم فدَخلَ بكَلْبٍ له إلى الدَّارِ ، وأُخرِجَت الحُرَمُ ، فلمَّا رَآها (١) اسم مكان . (٢) انظر السير: (العَزيز) ٢٩١/٢١ -٢٩٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٥. (٣) انظر السير: (باديس بنُ حَبُوس) ٥٩٠/١٨-٥٩٢، وانظر النزهة: ٣/١٤٤٤. (٤) انظر السير: (باديس بنُ حَبُوس) ١٨/ ٥٩٠ -٥٩٢، وانظر النزهة: ٤/١٤٤٤. ٢٦٩ الكَلْبُ ، عَرفَها وبَصْبَصَ فأمَرَ الْمَلكُ بدَفْعِها إلى البَدَويُّ، وضَربَ عُنُقَ الأميرِ ، فقالَ البَدَويُّ: هي طالِقٌ لكَوْنِها سَكَتَت ورَضِيَت ، فقالَ الْمَلكُ : صَدَقْتَ ، ولَوْ لَمْ تُطلِّقْها لِأَلْحَقتُكَ به ثم أمَرَ بالْمَرأةِ فَقُتِلَت . وامتدَّت أيامُه ثم تَملَّكَ غَرْناطَةَ ابنُ أخيه عبدُ الله بنُ بُلُكين بنُ حَبُوس وبَقِيَ حتَّى أخَذَها منه يُوسُفُ بنُ تاشَفين، سَنةَ بضعٍ وثمانينَ وأَرْبَع مئة(١) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الكاملِ بنِ العَادِلِ ، صاحِبٍ مِصْرَ : وكانَ عَدْلُهُ مَشُوباً بعَسْفٍ ، شَنقَ جَماعَةٌ من الجُنْدِ فِي بَطِيحَةِ شَعير(٢). العَقْل ١ - مُجَالَسَةُ العُقَلاء تُورِثُ العَقْلَ الصَّحيح : ذَكَرَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الحافِظِ محمَّد بنِ نَصْر ، قيلَ : إِنَّه كانَ أعْلَمَ الأئمّة باختلاف العُلماء على الإطلاق وقالَ أبو بكر بنُ إسْحاقَ الصِّبْغي، وقيلَ له : ألا تَنظُر إلىْ تَمِكُّنِ أبِي عَلَيَّ الثَّقَفيِّ في عَقِلِهِ؟ فقالَ : ذاكَ عَقلُ الصَّحابَة والتَّابِعِينَ من أهْلِ الْمَدِينَةَ قيلَ : وكيفَ ذاكَ؟ قالَ : إنَّ مالِكاً كانَ من أعْقَلِ أهْلِ زَمانِهِ وكانَ يُقالُ : صارَ إليه عَقلُ الذين جالَسَهم من التَّابعينَ ، فَجَالَسه يَحْيَىُ بنُ يَحْتَى النِّيسابُوري ، فأخذَ من عَقِلِهِ وسَمتِهِ ، ثم جالَس يَحْيَى بنَ يَحْيَىُ محمَّدُ بنَ نَصْرِ سِنينَ ، حتَّى أَخَذَ من سَمتِهِ وعَقلِهِ ، فَلَمْ يُرَ بَعدَ يَحْتَى من فُقَهاء خُراسَانَ أعْقَلُ من ابنِ نَصْر ، ثم إنَّ أبا عليٍّ الثَّقَفيَّ جالَسَه أرْبَع سِنِينَ فَلَمْ يَكِنْ بَعدَه أعْقَلُ من أبي عليّ(٣) . ٢ - مثالٌ على العُقَلاء : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: بَلغَنا أنَّ يَحْيَىُ بنَ يَحْتَى اللَّيِيَّ كانَ عندَ مَالِكِ بنِ أَنَس رَحمَه الله، فمَرَّ على بابِ مَالِك الفِيلُ ، فخَرجَ كُلُّ مَنْ كانَ في مَجلِسِه لِرُؤْيَةِ الفِيلِ ، (١) انظر السير: (باديس بنُ حَبُوس) ١٨ / ٥٩٠-٥٩٢، وانظر النزهة: ١/١٤٤٥. (٢) انظر السير: (الكامل) ١٢٧/٢٢ -١٣١، وانظر النزهة: ١/١٦٧٦. (٣) انظر السير: (محمَّدُ بنُ نَصْر) ٣٣/١٤ -٤٠، وانظر النزهة : ٢/١١٢٥. ٢٧٠ سِوَىُ يَحْيَى بِنِ يَحْيَى ، فَلَمْ يَقُمْ، فَأُعْجِبَ به مَالِكٌ وسَألَ : مَنْ أنْتَ ؟ وأينَ بَلدُك ؟ ثم لَمْ يَزَلْ بَعدُ مُكرِماً له(١) . ٣- قِلَّةُ العَقْلِ ضَياع : عن الإمام الشافعيّ : ضَيَاعُ العالِمِ أن يكونَ بلا إخْوان، وضَيَاعُ الجاهِلِ قلةُ عَقْلِه ، وأضْيَعُ منهما مَنْ واخَى مَنْ لا عَقْلَ له(٢). العَقْو ١ - ضَابطٌ في العَقْوِ : رَوَىْ رَوْحُ بِنُ قَبِيصَة، عن أبيه، قالَ الْمُهَلَّبُ: ما شَيءٌ أَبْقَى للمُلكِ من العَفْو ، خَيرُ مَناقِبِ الْمَلِكِ العَقْوُ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: يَنبَغي أنْ يَكونَ العَفْوُ من الْمَلِكِ عن القَتلِ ، إلاَّ في الحُدودِ، وأنْ لا يَعفُوَ عن وَالِ ظالِم ، ولا عن قَاضٍٍ مُرْتَشٍ بل يُعَجِّلُ بالعَزْلِ ، ويُعاقِبُ الْمُثَّهمَ بالسَّجْنِ ، فحِلمُ الْمُلوكِ مَحمودٌ إذا ما اتَّقُوا اللهَ ، وعَمِلُوا بِطَاعَتِهِ . قيلَ : تُوفِّيَ الْمُهَلَّبُ غازياً بِمَرْوَ الرُّوذ في سنة اثْنَتَين وثَمانينَ . ووَلَيَ خُراسانَ بعدَه ابنُهُ يَزِيدُ بنُ الْمُهَلَّب(٣). ٢ - الحَثُّ على العَفْعِ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَل ، قالَ أبو زُرْعَة : وسَمعتُه يقول : كلُّ مَنْ ذَكَرَني ففي حِلِّ إلاَّ مُبتَدعَاً، وقد جَعَلتُ أبا إسحاقَ - يَعْني المُعْتَصِمَ - في حلِّ، ورأيتُ اللهَ يقول: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤)، (٢) .: ( يَحْيَىُ بنُ يَحْيَى بنِ كَثير) ٥١٩/١٠_٥٢٥، وانظر النزهة: ٣/٨٩٠. انظر السير: ( الإمامُ الشافعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة : ٤/٨٤٩. انظر السير: (الْمُهَلَب) ٣٨٣/٤ _٣٨٥، وانظر النزهة: ٦/٥١٦. (٣) (٤) سورة النور ، الاية : ٢٢ . ٢٧١ وأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعَفوِ في قِصّة مِسْطَح قال أبو عبدِ الله : وما يَنْفَعُك أنْ يُعذِّبَ اللهُ أخاكَ المسلم في سَببك؟ !! (١). ٣- قَولٌ جَميلٌ في العَفْوِ : من كَلامِ الْمُنَتَصِر بالله العَبَّاسِيِّ بعدَ أنْ عَفَا عن أبي العَمَرَّدِ الشَارِي: لَذَّهُ العَقْوِ أعْذَبُ من لَذَّةِ التَّشَفِّي، وأقْبَحُ فِعالِ الْمُقْتَدِرِ الانْتِقَامُ . قالَ الْمَسْعوديُّ: كانَ الْمُنْتَصِرُ أظْهَرَ الإنْصافَ في الرَّعيَّة ، فمَالُوا إليه مع شِدَّة هَیبَتِهِ . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: قلَّ ما وَقِعَ في دَولَتِهِ من الحَوادِثِ لِقِصَرِ الْمُدَّةِ ، وعاشَ سِتّاً وعشْرينَ سَنةً، سامَحَه اللهُ وماتَ سَنةَ ثَمانٍ وأرْبَعينَ ومئتَين فكانَت خِلافَتُه ستّة أشْهُر وأيّاما(٢) . ٤ - صُوَرٌ على العَفْعِ: قالَ أبو عُمَر بنُ عبدِ البَرِّ : رَوَيْنا أنَّ جاريَةً لأمِّ الْمؤمنين صَفيَّة أَتَتْ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ، فقالَت: إنَّ صَفيَّة تُحبُّ السَّبتَ، وتَصِلُ اليَهودَ فبَعثَ عُمَرُ يَسْألُها فقالَت: أمَّا السَّبتُ ، فَلَمْ أُحِبَّه منذُ أَبْدَلَنِي اللهُ به الجُمُعَة ، وأمَّا الْيَهُودُ ، فإنَّ لي فيهم رَحِماً ، فأنا أصِلُها ، ثم قالَت للجَارِيَة : ما حَمَلَك على ما صَنَعتِ ؟ قالَت : الشَّيْطانُ قالَت : فاذْهَبِي فأنْتِ حُرَّة . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : تُوفِيَت سَنةَ خَمسينَ . وكانت أمُّ الْمُؤمنينَ صَفيَّةِ ذَاتَ حِلْمٍ ، ووَقَارٍ ، وقَبْرُها بالبقيعِ (٣). قالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ: كان لابنِ عجْلان قَدرٌ وفَضلٌ بالمَدينَة وكانَ مِمَّنْ خَرجَ مع مُحمَّدٍ بنِ عبدِ الله، فأرادَ جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ قَطِعَ يَدِه ، فَسَمِعَ ضَجَّةً، وكان عندَه (١) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٤٠. (٢) انظر السير: ( الْمُنْتَصرُ بالله) ١٢/ ٤٢-٤٦، وانظر النزهة : ٦/٩٧٩. (٣) انظر السير: (صَفيَّةَ أمُّ المؤمنين) ٢٣١/٢ -٢٣٨، وانظر النزهة: ١/٢٥٢. ٢٧٢ الأكابرُ فقالَ : ما هذا؟ قالوا هذه ضَجَّةُ أهْلِ المَدينَة يَدعُونَ لابنِ عجْلانَ فَلَوْ عَفَوْتَ عنه ؟ وإنَّما غُرَّ، وأخْطأ في الرِّوايَة ظَنَّ أنَّه الْمَهْدِيَّ، فأطْلقَه وعفا عنه(١) . قالَ ثَمامَةُ بنُ أَشْرَس : قالَ ليَ الْمَأمونُ : قد عَزمتُ على تَقَريع عَمِّي ، فحضرتُ ، فجيءَ بإبْراهيمَ بنِ الْمَهْدي مَغْلولاً قد تَهدَّلَ شَعرُه فى عَينِهِ ، فسَلَّمَ، فقالَ : الْمَأمونُ: لا سلَّمَ اللهُ عَليكَ ، أكُفْراً بالنِّعمَة وخُروجاً عليَّ؟ فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ، إنَّ القُدرَةَ تُذْهِبُ الحَفيظَةِ، ومَنْ مُدَّ له في الاغْترارِ هَجمَت به الأناةُ على التَّلفِ ، وقد رَفعَك الله فوقَ كلِّ ذَنب كمَا وَضعَ كلَّ ذِي ذَنبِ دُونَك ، فإنْ تُعاقِب، فبحقِّك، وإنْ تَعَفُ فبفَضلِك قالَ : إِنَّ هَذين - يَعني ابْنَيَه العَبَّاسَ والْمُعْتَصِمَ - يُشيرانِ بقَتِلِك قالَ : أشارا عَليكَ بما يُشارُ به على مِثِلِكَ في مِثلي، والْمُلكُ عَقِيمٌ ، ولكنْ تأتَى لك أنْ تَستجلِبَ نَصراً من حَيثُ عوَّدك اللهُ، وأنا عَمُّك، والعَمُّ صنوُ الأب، وبَكِى ، فَتَغَرْغَرَتْ عَينا الْمَأمونِ، وقالَ : خَلُّوا عن عَمِّي ، ثم أحْضَرَه ، ونادَمَه ، وما زالَ به حتَّى ضَربَ له بالعُودِ(٢). وقيلَ إنَّ أحْمَدَ بنَ خالد الوَزِيرَ قالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنْ قَتَلْتَه ، فَلَكَ نُظَرَاءٌ، وإِنْ عَفَوْتَ ، لَمْ يَكِنْ لَكَ نَظير . تُوفِّيَ إبراهيمُ بنُ الْمَهْدِي فِي سَنَّةِ أَرْبَع وعِشْرِينَ ومِئتين(٣) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَل ، قالَ أبو زُرْعَة : وسَمعتُه يقول : كلُّ مَنْ ذَكرَني ففي حِلِّ إلاَّ مُبتَدعَاً ، وقد جَعَلتُ أبا إسْحاقَ - يَعْنِي المُعْتَصِمَ - في حلِّ، ورأيتُ اللهَ يقول: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾(٤)، وأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعَفوِ في قِصّة مِسْطَح قال أبو عبد الله : وما يَنْفَعُك أنْ يُعذِّبَ اللهُ أخاكَ المسلم في سَببك؟ !! (٥). (١) انظر السير: (محمد بن عَجْلان) ٣١٧/٦ -٣٢٢، وانظر النزهة: ١/٦٥٤. انظر السير: ( إبراهيم بن الْمَهْدي) ١٠ / ٥٥٧ -٥٦١، وانظر النزهة: ٤/٨٩٣. (٢) انظر السير: (إبراهيم بن الْمَهْدي) ١٠/ ٥٥٧- ٥٦١، وانظر النزهة: ١/٨٩٤. (٣) (٤) سورة النور ، الآية : ٢٢ . انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٤٠. (٥) ٢٧٣ ٥- سُؤالُ اللهِ العَفْوَ والصَّفْحَ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ الإمامِ مُوسَى الكاظِم : دَخَلَ مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فسَجَدَ سجدةً في أولِ الليلِ وهو يقولُ في سُجُودِهِ : عَظُمَ الذَّنبُ عندي فليَحْسُن العَفوُ من عندكَ يا أهلَ التَّقوى ويا أهلَ المَغِفِرَة فجَعَلَ يُردِّدُها حتى أصبَحَ(١) . وفي طبقات السُبكيّ(٢)، نقلاً عن شَهدَة بنتِ أحمد ابن الفَرَج الإبري قالت: سمعتُ القاضي الإمامَ عزيزي بن عبد الملك من لفظه سَنَةَ تسعين وأربع مئة يقولُ : اللَّهُمَّ يا واسِعَ المَغْفِرة ، ويا باسِطَ اليَدَيْنِ بالرَّحْمَةِ افعَلْ بي ما أنتَ أهلُه، إلَهِي أَذْنَبَتُ في بعضِ الأوقاتِ ، وَآمَنْتُ بكَ في كُلِّ الأوقاتِ ، فَكَيْفَ يَغِلِبُ بعضُ عُمرِي مُذْنِباً جَمِيعَ عُمرِي مُؤْمِناً إِلَاهِي لو سَألْتَنِي حَسَنَاتِي لجَعَلتُها لكَ مع شِدَّةِ حاجَتِي إليها وأنا عَبِدٌ ، فَكَيْفَ لا أرْجُو أَنْ تَهَبَ لي سَيئاتِي مع غِنَاكَ عنها وأنتَ رَبِّ ، فيا مَنْ أعْطَانِي خَيْرَ ما في خَزَائِهِ، وهو الإيمانُ به قبلَ السُّؤالِ لا تَمنَعْنا أَوسَعَ ما في خَزَائِك وهو العَفْوُ مع السُّؤالِ ، إِلَاهِي حُجَّتي حاجَتِي ، وعُدَّتِي فَاقَتِي فَارْحَمْنِي، إلهي كيف أمتَنِعُ بالذَّنبِ من الدُّعاءِ ولا أراكَ تَمنَعُ مع الذَّنبِ من العَطَاء ، فإِنْ غَفَرَتَ فخيرُ راحمٍ أنتَ وإنْ عَذَّبتَ فغيرُ ظالمٍ أنتَ إلهي أسألُكَ تَذَلُلاً فَأعْطِنِي تَفَضُّلاً(٣). ٦ - أعْظَمُ النَّاسِ عَفْواً : رَوى العُتبيُّ عن رَجلِ قالَ: خَطبَ خَالدُ بنُ عبد الله القَسريُّ بواسِطَ فقالَ : إنَّ أكْرَمَ النَّاسِ مَنْ أعْطَى مَنْ لا يَرجُوه ، وأعْظِمَ النَّاسِ عَفْواً مَنْ عَفَا عن قُدرَة، وأوْصَلَ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ عن قَطيعَةِ(٤) . (١) انظر السير: (موسى الكاظم) ٦/ ٢٧٠ - ٢٧٤، وانظر النزهة: ٢/٦٥٠. طبقات السُّبكي : ٢٣٧/٥. (٢) (٣) انظر النزهة : ١٤٧٢ / هامش (٣). انظر السير: ( القشْري ) ٤٢٥/٥-٤٣٢، وانظر النزهة : ٥/٦١٨. (٤) ٢٧٤ الفِراسَة صُوَرٌ على الفِراسَة : قالَ عبدُ الله بنُ سَلمَة الْمُرادِيُّ: نَظرَ عُمَرُ إلى الأشْتَر ، فصَعَّدَ فيه النَّظَرَ وصَوَّبَه ثم قالَ : إنَّ لِلْمُسلِمِينَ من هذا يَوْماً عَصيبً(١) . وقيلَ: إِنَّ أبا هُرَيْرَةَ نَظَرَ إلى عبدِ الملكِ بنِ مَرْوَانَ وهو غُلامٌ فقالَ : هذا يَملكُ العَربَ(٢). وعن ابنِ سِيرينَ ، قَالَ: حَجَّ بنا الوَليدُ فمَرَّ بنا على الْمَدينَةِ ، فأدخَلَنا علىُ زَيدِ بنِ ثابت ، ونَحنُ سَبعَةٌ وَلَدُ سِيرِينَ ، فقالَ له : هَؤلاء بَنو سِيرِينَ ، فقال زَيْدٌ : هَاذان لأُمِّ ، وهَذان لأُمِّ ، وهَذان لأُمِّ ، وهَذا من أُمَّ قالَ: فمَا أخْطاً . وقالَ عُمَرُ بنُ شَبَّة : حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَطِيَّة : رَأيتُ ابنَ سِيرينَ قَصيراً ، عَظيمَ البَطْنِ ، له وَفْرَةٌ ، يَفْرِقُ شَعْرَه ، كَثيرَ الْمِزاحِ والضَّحِكِ ، يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ. وعن ابنِ عَوْنٍ قَالَ : ثَلاثَةٌ لَمْ تَرَ عَيْنايَ مثلَهم : ابنُ سِيرينَ بالعِراقِ ، والقاسِمُ بنُ مُحمَّد بالحِجازِ ، ورَجاءُ بنُ حَيْوَة بالشَّامِ كأنَّهم الْتَّقَوا فتَواصَوا(٣) . جاءَ في تَرجَمَتِهِ الْمُعْتَضِدِ بالله العَبَّاسيِّ، قال أبو علي الْمُحْسن التَّنُوخِيُّ: بَلغَني عن الْمُعْتَضِدِ أنه كان جالساً في بيتٍ يُبنَى له فرأى فيهم أسْوَدَ مُنْكَرَ الخِلِقَة يَصْعَدُ السَّلَالِمَ دَرجَتينٍ دَرَجَتينٍ ، ويَحمِلُ ضِعْفَ ما يَحْملُهُ غَيرُه، فأنْكَرَ ذلك، وطلَبَه، وسَأَلَه عن سَببٍ ذلك، فتَلَجْلَجَ فكلَّمَه ابنُ حَمْدونَ فيه ، وقالَ : مَنْ هذا حتى صَرَفْتَ فِكْرَكَ إليه؟ قالَ: قد وَقَعَ في خَلَدي أمْرٌ ما أحْسَبُهُ باطِلاً، ثم أمَرَ به، فضُربَ مئةً، وتَهدَّدَه بالقَتلِ ودَعَا بالنَّطَعِ(٤) والسَّيْفِ، فقالَ: الأمانَ ، أنا أعْمَلُ في أَتَونِ الآجُرِّ ، فدَخلَ من (١) انظر السير: (الأشْتَر)/ ٣٤-٣٥، وانظر النزهة: ٤/٤٣٦. (٢) انظر السير: (عبدُ الْمَلِك بنُ مَرْوان) ٢٤٦/٤-٢٤٩، وانظر النزهة: ٦/٤٨٩. (٣) انظر السير: (محمَّد بن سِيرينَ) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ١/٥٦٨. (٤) النَّطَعِ: بفَتح النُّونِ وكَسْرِهَا، وفَتْح الطَّاءِ وكَسْرِها وسُكونِها : بساطٌ من جلد، كثيراً ما كان يُقتَلُ فوقه المحكوم عليه بالقتل . = ٢٧٥ شُهورِ رَجلٌ في وَسَطِه هِمْيَانٌ(١) ، فأخْرَجَ دَنانيرَ فوَثبتُ عليه، وسَدَدتُ فاه ، وكَتَّفْتُه وألْقَيْتُه في الأُتُونِ، والذَّهَبُ مَعي يَقْوَى به قَلبي، فاسْتَحْضَرَها ، فإذا عَلَى الْهِمْيانِ اسْمُ صاحِبِهِ ، فَنُودِيَ في البَلدِ ، فجاءَت امرأةٌ ، فقالَت : هو زَوْجي ولِيَ منه طِفلٌ ، فسَلَّمَ الذَّهَبَ إليها ، وقَتَلَه(٢) . قضاءُ الخَوائِجِ وصَنائعُ الْمَعْروف ١ - عَدُّ واحدٍ من السَّلَف عَدم الْتجاء النَّاس إليه لقَضاء حوائجهم من المَصَائب : قالَ الأصْمَعيُّ: حذَّثنا هِشامُ بنُ سَعْد صاحِبُ الْمَحامل ، عن أبيه قالَ : قالَ حَكِيمُ بنُ حِزَام : ما أصْبَحتُ ولَيسَ ببابي صاحِبُ حاجَةٍ ، إلاَّ عَلمتُ أنَّها من الْمَصائبِ التي أسْألُ اللهَ الأجْرَ عليها(٣). ٢ - قاضي حاجات النَّاس حَبيبٌ إليهم : قالَ عَونُ بنُ محمَّد الكِنْدِيُّ : لَعَهْدِي بالكَرْخِ ، ولَوْ أَنَّ رَجُلاً قالَ : ابنُ أبي دُواد مُسلمٌ لقُتلَ ، ثم وَقِعَ الحَرِيقُ في الكَرْخِ ، فَلَمْ يَكنْ مِثْلُهُ قَطُّ فكلَّم ابنُ أبي دُواد الْمُعْتَصِمَ في النَّاسِ ، ورَقَّقه إلى أنْ أطلَقَ له خمسةَ آلافِ ألفِ دِرْهَم ، فقسَّمَها على النَّاسِ ، وَغَرِمَ من مَالِه جُملةَ فَلَعَهْدي بالكَرْخِ ولو أنَّ إِنْسَاناً ، قالَ : زِرُّ أحمَدَ بنِ أبي دُواد وَسِخٌ لِقُتِل (٤) . ٣- کلامٌ جَميلٌ في قضاء الحوائج : قالَ عَبَّاسُ بنُ عُمَر ، سَمعتُ أبا عُمَرَ الزَّاهِدَ، يَقولُ: تَركُ قَضاءِ حُقوقِ الإخْوَان مَذلَّة ، وفي قَضاء حُقوقِهِم رِفْعَة(٥) . (١) الهِمْيان: كيسٌ للنَّفَقَة يُشْدُّ في الوَسَط. (٢) انظر السير: (الْمُعْتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٤/١١٠٣. (٣) انظر السير: ( حَكِيمُ بنُ حِزام) ٤٤/٣-٥١، وانظر النزهة: ٢/٣٣١. (٤) انظر السير: (أحمَدُ بنُ أبي دُواد) ١٦٩/١١ -١٧١، وانظر النزهة: ٤/٩٢٠. (٥) انظر السير: ( أبو عُمَر الزَّاهِد) ٥٠٨/١٥-٥١٣، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٥ . ٢٧٦ ٤- صُوَرٌ على قَضاء الحَوائج : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ زُبَيدِ بنِ الحارِث: بَلَغَنا عن زُبَيد أنَّه كانَ إذا كانت لَيلَةٌ مَطِيرَةٌ طافَ علىْ عَجائزِ الحَيِّ ، ويَقولُ: أَلَكُم في السُّوقِ حَاجَةٌ ؟(١) قالَ عَبَّاسُ بنُ عُمَر، سَمعتُ أبا عُمَرَ الزَّاهِدَ ، يَقولُ: تَركُ قَضاءِ حُقوقِ الإخْوَان مَذَلَّة ، وفي قضاء حُقوقِهِم رِفْعَة (٢) . ◌َعْلَج : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَتِهِ : هو دَعْلَجُ بنُ أحمد بنِ دَعْلَج المُحَدِّثُ، الحُجَّةُ الفَقيهُ الإمامُ ، أبو محمَّد السِّجِسْتانيُّ، ثم البغداديُّ التَّاجِرُ، ذُو الأمْوالِ العَظيمة. وُلدَ سنةَ تسعٍ وخَمسينَ أو قَبَلَها بقليل وسَمعَ بعد الثَّمانين ما لا يُوصَفُ كَثرةً بالحَرمَينِ ، والعِراقِ، وخُراسانَ ، والنَّواحي حالَ جَولانِه في التِّجارَةِ(٣). قال الخَطيبُ : كان دَعْلَجُ من ذَوي اليَسار ، له وُقوفٌ على أهْلِ الحَديث . وقال الخَطيبُ : حَكَىْ لي أبو العَلاء الواسِطِيُّ ، أنَّ دَعْلَجاً سُئل عن مُفارَقِتِهِ مَكة ، فقال: خَرجتُ لَيلةً من المَسجدِ ، فَتَقدَّم ثلاثةٌ من الأعْرابِ ، فقالوا : أخٌ لك من خُراسان قَتلَ أَخَانا ، فَنَحنُ نَقْتُلك به، فقُلتُ: انَّقوا اللهَ، فإنَّ خُراسانَ لَيست بمَدينَةٍ واحِدَة ، ولمْ أَزَلْ بهم إلى أنْ اجْتَمعَ النَّاسُ وخَلُوا عَنِّي فههذا كان سَببُ انْتِقالي إلى بَغْداد وكان يقولُ : ليسَ في الدُّنيا مثلُ داري ، وذلكَ لأنَّه ليسَ في الدُّنيا مثلُ بَغْدادَ ، ولا يَبَغْدَادَ مثلُ مَحِلَّة القَطيعة، ولا في القَطيعة مثلُ دَرْب أبي خَلَفَ، وليسَ في الدَّرْب مثلُ داري (٤) . ونقلَ أبو بَكْر الخَطيبُ حكايةً مُقْتَضاها أنَّ رجُلاً صلَّى الجُمعَةَ فرأى رجلاً مُتَنْسِّكاً (١) انظر السير: (زُبَيْدُ بنُ الحارث) ٢٩٦/٥-٢٩٨، وانظر النزهة: ٣/٦٠٥. (٢) انظر السير: (أبو عُمَر الزَّاهِد) ٥٠٨/١٥-٥١٣، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٥. (٣) انظر السير: (دَعْلَج) ٣٠/١٦ -٣٥، وانظر النزهة: ١/١٢٦٦. (٤) انظر السير: (دَعْلج) ٣٠/١٦_٣٥، وانظر النزهة: ٢/١٢٦٦. ٢٧٧ لمْ يُصلِّ، فكلَّمَه ، فقال: اسْتُرْ عليَّ، لدَعْلَج عليَّ خَمسَةُ آلافٍ ، فلمَّا رأيتُه أَحْدَثتُ ، فبلغَ ذلك دَعْلَجاً ، فطَلبَه إلى مَنزِلِه، وحلَّله من المال ، ووَصلَه بمثلِها لگَوْنه رَوَّعَه(١) . وقال أحمدُ بنُ الحُسَين الوَاعِظُ : أَوْدَعَ أبو عبد الله بنُ أبي مُوسَى الهاشِمِيُّ عَشرةَ آلافٍ دينارٍ ليتيم ، فضاقَت يَدُه فأنْفَقَها وكَبُرَ الصَّبيُّ، وأُذنَ له في قَبضِ مالِه ، قال ابنُ أبي موسى : فضاقَت عليَّ الأرضُ، وتَحيَّرتُ ، فَبَكرتُ على بَغْلَتي، وقَصدتُ الكَرْخَ فانْتُهتْ بِي البَغْلةُ إلى دَرْبِ السلولي ووَقفَتْ بي على بابِ مَسجِدٍ دَعْلَج ، فدَخلتُ فِصَلَّيْتُ خلفَه الفَجرَ ، فلمَّا انْفتَلَ رَحَّبَ بي، وقُمنا فدَخلنا دَارَه، فقُدْمَت لنا هَرِيسَةٌ ، فأكَلتُ وقَصَّرتُ ، فقالَ : أراكَ مُنقَبضاً، فأخْبَرَتُه، فقالَ : كُلْ فإنَّ حاجَتَك تُفْضَى ، فلمَّا فَرَغْنا، اسْتَدعَىْ بِالذَّهَبِ والمِيزانِ ، فوَزَنَ لي عَشرة آلافِ دينارٍ وقُمتُ أطيرُ فَرحاً ، ثم سَلَّمتُ المالَ إلى الصَّبِيِّ بحَضرةِ قاضي القُضاة، وعَظُمَ الثَّاءُ عليَّ، فلمَّا عُدتُ إلى مَنْزِلي اسْتدعاني أميرٌ من أولادِ الخَليفَة فقال: قد رَغبتُ في مُعامَلَتِك وتَضْمينِك أمْلاكي ، فضَمنْتُها فرَبحتُ في سَنَتَي رِبحاً عَظيماً وكَسبتُ في ثلاث سنين ثلاثينَ ألفَ دينار، وحَملتُ لدَعْلَج المالَ ، فقالَ: سُبحانَ الله ، والله ما نَوَيتُ أخْذَها ، حَلِّ بها الصِّبْيانَ ، فقلتُ : أيُّها الشَّيخُ ، أيشْ أصْلُ هذا المال حتى تَهبَ لي عشرةَ آلافٍ دينار؟ فقال : نَشأتُ ، وحَفظتُ القُرآنَ، وطَلبتُ الحَديثَ ، وكُنتُ أُتَبِزَّزُ ، فوافاني تاجرٌ من البَحْرِ فقال: أنْتَ دَعْلَج ؟ قلتُ : نَعَم قال : قد رَغبتُ في تَسليمٍ مالي إليك مُضارَبةً ، فسلَّمَ إليَّ برنامجات بألفِ درهم ، وقال لي : ابْسُطْ يَدكَ فيه ولا تَعلمْ مَكاناً يُنفَقُ فيه المَتاعُ إلاَّ حَمِلْتَه ، ولمْ يَزِلْ يَتردّدُ إليَّ سَنةً بعدَ سَنةٍ يَحمِلُ إليَّ مثلَ هذا والبضاعَةُ تَنْمَى ثم قال: أنا كثيرُ الأسْفَارِ في البَحرِ ، فإنْ هَلكتُ فهذا المالُ لكَ على أنْ تَصدَّقَ منه، وتَبَني المَساجدَ، فأنا أفعلُ مثل هذا، وقد ثمَّرَ اللهُ تعالى المالَ في يَدي ، فاكْتُم عليَّ ما عِشْتُ . (١) انظر السير: (دَعْلج) ٣٠/١٦ -٣٥، وانظر النزهة: ٣/١٢٦٦. ٢٧٨ قال الحاكمُ : كان السُّلطانُ لا يَتعرَّضُ لتَركَةٍ ، ثم لمْ يَصْبرْ عن أموالِ دَعْلَج ، وقيلَ : لمْ يكنْ في الدُّنيا أيْسَرُ منه من الثُّجَّار، وتَركوا أوْقافَه ، رَحمَه الله . ماتَ سنةَ إِحْدَى وخَمسينَ وثلاثٍ ومئة (١) . الْمَنيعي : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : الشَّيخُ الجَليلُ ، الحَاجُ الرَّئيسُ أبو عليٍّ حَسَّانُ بنُ سَعيد بنِ حَسَّانَ بنِ محمَّد بنِ أحمَد بنِ عبدِ الله بنِ محمَّد ابنِ مَنيع بنِ خالِد بنِ عبد الرحمن بنِ سَيفِ الله خالِدِ بنِ الوَليد الْمَخْزوميُّ ، الخالِدِيُّ ، الْمَنيعيُّ الْمَرْوَرُوديّ . قالَ عبد الغافِرِ : هو شَيخُ الإسْلامِ الْمَحمودُ بالخِصَالِ السَّنيَّة ، عَمَّ الآفاقَ بخَيرِهِ وِيِرِّه، وكانَ في شَبابِهِ تاجِراً ، ثمَ عَظُمَ حتَّى كَانَ من الْمُخاطَبين من مَجالِسٍ السَّلاطين ، لَمْ يَسْتَغنوا عن رَأْيِهِ فَرَغِبَ إلى الخَيْراتِ ، وأنَابَ إلى التَّقْوَى، وبَنَى الْمَسَاجِدَ والرِّبَاطَاتِ وجامِعَ مَروِ الرُّوذِ ، يَكْسُو في الشِّتَاءِ نَحْواً من ألفِ نَفَسٍ ، وسَعَى في إيْطالِ الأعْشَار عن بَلدِهِ ، ورَفْعِ الوَظائفِ عن القُرَى، واسْتَدعَىْ صَدَقَةً عامَّةٍ على أهْلِ البَلِدِ غَنِيِّهم وفَقَيرِهم ، فتُدفَعِ إلَى كُلِّ واحِدٍ خَمسة دراهم ، وكان ذا تَهُّد وصيام واجْتِهاد(٢). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الْمَنيعِيّ : قيلَ: إنَّ امرأةً أَتَتْهُ بِثَوبٍ لِيُنفِقَ ثمنَه في بِناءِ الجَامِعِ، يُساوي نِصفَ دينار، فاشْتَراه منها بألفِ دينار ، وسَلَّمَت الْمَالَ إلى الخازِنِ لإِنْفَاقِهِ وخَبَّأ الثَّوبَ كَفَناً له(٣). وجاءَ في تَرَجَمَةِ الْمَنيعيِّ، وقيلَ : مَرَّ السُّلطانُ ببابِ مَسْجِدِه، فَزَلَ مُراعاةً ، وسَلَّم عليه ومَناقِبَةٌ جَمَّة . (١) انظر السير: (دَعْلَج) ٣٠/١٦ -٣٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٦٦. (٢) انظر السير: (الْمَنيعيّ) ٢٦٢/١٨ -٢٦٤، وانظر النزهة: ١٤١٠ / الْمَنيعيّ. (٣) انظر السير: (الْمَنيعيّ) ٢٦٢/١٨ -٢٦٤، وانظر النزهة: ١/١٤١١. ٢٧٩ مات سَنةَ ثَلاثٍ وستِّينَ وأرْبَع مئة (١). ٥- وَاسِطَةُ الخَير : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الأَحْتَفِ بنِ قَيْس : وقيلَ : إنه كلَّمَ مُصْعَباً في مَحبوسينَ وقالَ : أصْلِحَ اللهُ الأميرَ ، إنْ كانوا حُبِسوا في باطِلٍ ، فالعَدلُ يَسَعُهم ، وإنْ كانوا حُبِسوا في حَقِّ ، فالعَفْوُ يَسَعُهم(٢) . وقيلَ : دَخلَ ابنُ السَّمَّاك علىْ رَئيسٍ فِي شَفَاعَةٍ لفَقيرٍ فقالَ : إِنِّي أَتَيْتُك في حاجَةٍ ، والطَّالِبُ والْمُعْطِي عَزِيزان إنْ قُضيَت الحَاجَةُ ، وذَليلانِ إِنْ لَمْ تُقْضَ، فَاخْتَرْ لنَفْسِكَ عزَّ البَذْلِ عن ذُلِّ الْمَنْعِ، وعزَّ النَّجَحِ عن ذُلِّ الرَّ(٣). وقالَ السَّيفُ أحمَدُ بنُ المجدِ الحافِظُ : سَمعتُ أحمَدَ بنَ سَلامَة النَّجَّار يَقولُ : أرادَ عبدُ الغَني وعبدُ القادِرِ الحافِظانِ سَماعَ كتابِ اللَّلكائي، يَعني شَرحَ السُّنَّة ، على السَّلَفيِّ، فأخَذَ يَتعلَّلُ عَليهما مرَّة، ويُدافِعُهم عنه أُخرَى بأصْلِ السَّماع ، حتى كلَّمَته امرأته في ذلك . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً : ما أظُنُّه حدَّثَ بالكتابِ بلى حدَّث منه بكراماتٍ الأولياء . وتُوفِّيَ الحافِظُ السِّلَفِيُّ في يَومِ الجُمُعَة سَنةَ سِتّ وسَبعينَ وخَمسٍ مئة ولَمْ يَزَلْ يُقرأ عليه الحَديثُ يَومَ الخَميسِ إلى أنْ غَرَبَت الشَّمسُ من لَيْلَةِ وَفاتِه، وهو يَرُدُّ على القارىء اللَّحْنَ الخَفيَّ، وصلَّى يَومَ الجُمُعَة الصُّبحَ عند انْفِجَارِ الفَجْرِ ، وتُوفِّيَ بَعدَها فُجَاءَةً وقَبرُه مَعْروفٌ بظاهِرِ الإِسْكَنْدَريَّة وكانَ يَطأ أهْلَه ويَتمثَّعُ وإلىْ قَرِيبٍ وَفَاتِهِ ، وإنَّما تَزَوَّجَ وقد أسَنَّ بعد سَنةِ خَمسينَ وخَمسٍ مئة (٤). (١) انظر السير: (الْمَنيعيّ) ٢٦٢/١٨ -٢٦٤، وانظر النزهة: ٢/١٤١١. (٢) انظر السير: (الأحْتَفُ بنُ قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٢/٤٥٣. انظر السير: ( ابنُ السَّمَّاك) ٣٢٨/٨-٣٣٠، وانظر النزهة : ٦/٧٦١ . (٣) (٤) انظر السير: (السِّلَفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٥/١٥٩٣. ٢٨٠