النص المفهرس
صفحات 181-200
أَغْضَبتُكم؟ قالُوا: لا يا أبا بكر، يَغْفِرُ اللهُ لك(١). وعن هِشام بنِ عُرْوَةَ ، عن أبيه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أخَّرَ الإفاضَةَ من عَرَفَة من أجل أُسامَةَ بنِ زَيْد يَنتَظرُه ، فجاءَ غُلامٌ أَسْوَدُ أفْطَسُ فقالَ أهلُ اليَمَن : إنَّما جَلَسْنا لَهَذا! فلذَلك ارْتَدُوا يَعْنِي أَيَّامَ الرِّدَّةَ(٢) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ عبدِ الرَّحمَن بنِ أبزى الخُزاعي : هو مَوْلى نافِعِ بنِ عبدِ الحارِث ، كان نافعُ مَوْلاه اسْتنابَه على مكة حين تلقَّى عُمرَ بنَ الخَطَّابِ إِلى عُسفان ، فقال له : مَنْ اسْتخلَفْتَ على أهْلِ الوَادي؟ يَعني مَكة ، قال : ابنُ أبْزَى ، قال : ومَن ابنُ أبْزَى؟ قال: إنَّه عالمٌ بالفَرائِض قارِىءٌ لكتاب الله قال أما إنَّ نَبِيَّكم صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ هذا القُرآنَ يَرْفَعُ اللهُ به أقْوَامَاً، ويَضَعُ به آخَرين )) ويُروَى عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ أنَّه قالَ : ابنُ أبزَى مِمَّن رَفعَه اللهُ بالقُرآن . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : عاش إلى سنة نيف وسبعين فيما يظهر لي(٣). عن عبد الملك بنِ عُمَيْر ، قال : قَدِمَ عَلينا الأحْنفُ بنُ قَيس الكُوفَة مع مُصْعَب ، فمَا رَأيتُ صِفةً تُذَمُ إِلَّ رَأيتُها فيه كان ضَئيلاً، صَعْل الرأسِ ، مُتراكِبَ الأسْنان ، مائلَ الذَّقْن، ناتىءَ الوَجْنَة، باخِقِ العَين، خَفيفَ العَارِضَين، أحْنَفَ الرِّجْلَين فكان إذا تكلَّمَ جَلا عن نفسِهِ(٤) . وعن أبي العَاليَة، قالَ : كانَ ابنُ عبَّاس يَرفَعُني على السَّريرِ وَقُرَيشُ أسْفَلَ من السَّريرِ ، فَتَغَامَزَت بي قُرَيشُ، فقالَ ابنُ عِبَّاس: هكَذا العِلمُ يزيدُ الشَّرِيفَ شَرفاً ، ويُجلِسُ الْمَمْلوكَ على الأسِرَّة . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذا كان سَرِيرُ دَارِ الإِمْرَة لَمَّا كانَ ابنُ عبَّاس مُتَوَلِيها لعَلِيٍّ رَضيَ الله عنهما . (١) انظر السير: (سَلمانُ الفارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٢. (٢) انظر السير: ( أسامة بن زَيْد ) ٤٩٦/٢-٥٠٧، وانظر النزهة : ٤/٢٩٦. (٣) انظر السير: (عبد الرحمن بن أبزى الخُزاعي) ٣/ ٢٠١ - ٢٠٢، وانظر النزهة: ٢/٣٦٥. (٤) انظر السير: (الأحْتَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٤/٤٥٣. ١٨١ قالَ أبو بكر بنُ أبي داود: ولَيسَ أحدٌ بعدَ الصَّحابَةِ أعْلمَ بالقُرآن من أبي العالِيَة وبعدَه سَعيدُ بنُ جُبَير (١) . وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ قُتَيْبَة بن مُسْلم: لَمْ يَنِلْ قُتَنْيَةُ أَعلَى الرُّتَب بالنَّسَب ، بلْ بكَمالِ الحَزْمِ والعَزْمِ والإِقْدَام ، والسَّعْد وكَثْرَةِ الفُتُوحات ، ووُفُور الهَيْبَة ، ومن أحْفَادِهِ الأميرُ سَعيدُ بنُ مُسْلم بنِ قُتَيْبَة الذي وَلَيَ أرْمِنِيَةَ، والْمَوْصِل، والسِّنْدَ ، وسِجِسْتَانَ، وكانَ فارساً جَواداً ، وله أخْبارٌ ومَناقِبُ، ماتَ زَمنَ الْمَأْمُون سَنةَ سَبعَ عَشْرة ومئتين(٢) . وعن عُثمانَ بنِ عَطاء قالَ : كانَ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحِ أسْودَ شَديدَ السَّواد ، لَيسَ في رَأْسِه شَعرٌ إِلَّ شَعرات، فَصيحٌ إذا تكلّم، فمَا قالَ بالحِجازِ قُبلَ منه(٣). (د) أمْثَلَةٌ على تَفاؤُت مَراتِب الرِّجَال: عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ : جلسنا مع عُمرَ ، فقالَ : هل سَمعتَ عن رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم شَيئاً أمر به الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ إذا سَها في صَلاتِهِ ، كَيفَ يَصنَعُ ؟ فَقُلتُ : لا والله ، أوَسَمعتَ أنتَ يا أميرَ المؤمنينَ من رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم في ذلكَ شَيْئاً ؟ فقالَ: لا والله فبَيْنا نَحنُ في ذلكَ أتَى عبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوْف فقالَ : فيمَ أنْتُّما ؟ فقالَ عُمرُ : سألتُه، فأخبَرَه فقالَ له عبدُ الرَّحمَن : لكنِّي سَمعتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَأمرُ في ذلك فقالَ له عُمَرُ : فَأنتَ عندَنا عَدْلٌ ، فما سَمعتَ ؟ قالَ : سَمعتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: ((إِذَا سَهَىُ أحَدُكمْ في صَلاتِهِ حَتَّىُ لا يَدْرِي أَزَادَ أَمْ نَقَصَ ، فَإِنْ كانَ شَك في الْوَاحِدَةَ وَالثّْتَيْنِ ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً ، وَإِذَا شَكَّ في الثَّلاثِ والأَرْبَعِ ، فَلْيَجْعَلْهَا ثَلاثَاً حَتَّى يَكُونَ الْوَهْمُ في الزِّيَادَةِ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ يُسَلِّم)) (٤) . (١) انظر السير: (أبو العالية) ٢٠٧/٤ -٢١٣، وانظر النزهة: ٨/٤٧٨. (٢) انظر السير: ( قُتَيْبَة بن مُسْلم) ٤/ ٤١٠ -٤١١، وانظر النزهة : ٥/٥٢٤. (٣) انظر السير: (عَطاءُ بنُ أبي رَباح) ٧٨/٥-٨٨، وانظر النزهة: ٨/٥٨٢. (٤) انظر السير: (عبدُ الرَحْمَنِ بنُ عَوْف) ٦٨/١ -٩٢، وانظر النزهة: ٣/١٢٩. ١٨٢ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً : فأصحابُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وإنْ كانوا عُدولاً فبَعضُهم أعْدَلُ من بَعض وأثْبَتُ ، فهُنا عُمَرُ قَنعَ بخَيرِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوْف ، وفي قصة الاسْتئذان يقول(١): ائتِ بَمَنْ يَشْهَدُ مَعك، وعليُّ بنُ أبي طالب يَقولُ : كانَ إذا حَدَّثني رجلٌ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، اسْتَحْلفْتُه ، وحدَّثني أبو بكر ، وصَدَقَ أبو بكر فَلَمْ يَحْتَجْ عَليٍّ أنْ يَستَحْلفَ الصِّدِّيقَ ، والله أعلم (٢). وعن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ خَالِد وعبدِ الرَّحمَانِ بنِ عَوْف شيءٌ ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((دَعُوا لِي أَصْحَابِي أَوْ أَصيحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَاً لَمْ يُدْرِكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ))(٣). وعن ابنِ الْمُنْكَدِر أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يَا بَنِي سَلَمَةَ! مَنْ سَيِّدُكم؟ )) قَالُوا: الْجِدُّ بِنُ قَيْس، وَإِنَّا لَنُبَخِّلُه قال: ((وَأَبِيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنْ الْبُخْلِ ؟ بَلْ سَيِّدُكم الْجَدُّ الأَبْيَضُ عَمْرُو بِنُ الْجَمُوحِ))(٤) . وكان البَراءُ بنُ مَعْرور لَيلَةَ العَقْبَة هو أجَلُّ السَّبْعِينَ، وهو أوَّلُهم مُبَايَعةً لرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم(٥) . وكان سَعْدُ بنُ عُبَادَة رضي الله عنه يَكتُبُ في الجاهليّة ، ويُحسِنُ العَوْمَ والرَّمْيَ ، وكانَ من أحْسنِ ذلك ، سُمِّيَ الكامل (٦) . عن أبي وَائل قالَ: كُنتُ مَع حُذَيْفَة ، فجاءَ ابنُ مَسْعود، فقالَ حُذَيْفَةُ : إنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ هَدياً ودَلاَ وقَضاءً وخُطبَةً برَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، من حين يَخرجُ من بَيْتِهِ ، إلى أنْ يَرجِعَ ، لا أدري ما يَصنَعُ في أهْلِه .. لَعَبدُ اللهِ بنُ مَسْعود ، ولقد عَلمَ (١) أي يقول عُمرُ لأبي مُوسَى الأشْعَريّ رضي الله عنهما . (٢) انظر السير: (عبدُ الرحْمَنِ بنُ عَوْف) ٦٨/١ -٩٢، وانظر النزهة: ١/١٣٠. (٣) انظر السير: (عبدُ الرحْمَنِ بنُ عَوْف) ١/ ٦٨ -٩٢، وانظر النزهة: ٢/١٣١. (٤) انظر السير: (عَمْرو بنُ الجَموح) ١/ ٢٥٢ -٢٥٥، وانظر النزهة: ٢/١٥٨. انظر السير: ( البَراءُ بنُ مَعْرور) ٢٦٧/١-٢٦٩، وانظر النزهة: ١/١٦١. (٥) (٦) انظر السير: (سَعْدُ بنُ عُيادَة) ١/ ٢٧٠-٢٧٩، وانظر النزهة: ٣/١٦٢. ١٨٣ الْمُتَهِجِّدونَ من أصْحابِ مُحمَّد صلى الله عليه وسلم ، أنَّ عبدَ الله من أقْرَبِهم عندَ الله وَسِيلَةً يَومَ القِيامَةِ(١) . وقالَ أبو جَنَابِ : سَمعتُ عُمَيرَ بنَ سَعيد يَقولُ: صلَّى عَلِيٍّ على سَهْلِ بنِ حُنَيِف ، فكبَّرَ خَمْساً فقالوا : ما هذا؟ فقالَ : لأهْلِ بَدْرٍ فَضْلٌ على غَيرِهِم ، فأرَدتُ أنْ أُعْلِمَكم فَضلَه(٢) . وعن أبي البخْتَري ، قالَ : أَتَّينا عليّاً ، فسَألْنَاه عن أصْحابٍ مُحمَّد صلى الله عليه وسلم قالَ عن أيّهم تَسألُوني؟ قُلنا : عن ابنِ مَسْعود قالَ: عَلِمَ القُرآنَ والسنة ، ثم انْتُهَى، وكَفَى به علماً قُلنا أبو مُوسَى؟ قالَ صُبغَ في العِلمِ صِبْغَةً، ثم خَرجَ منه قُلنا : حُذَيْفَةٍ ؟ قالَ : أَعْلمُ أصْحابٍ مُحمَّد بالْمُنافِقِينَ قالوا : سَلْمانُ ؟ قالَ : أدْرَكَ العلمَ الأوَّلَ، والعِلمَ الآخِرِ ، بَحْرٌ لا يُدرَكُ قَعْرُه، وهو منَّا أهلَ البيتِ قالوا : أبو ذَرْ؟ قالَ : وَعَى عِلماً عَجزَ عنه فسُئلَ عن نَفَسِه قالَ: كُنتُ إذا سَأَلْتُ أُعطيتُ، وإذا سَكتُ ابتديتُ(٣). وقالَ قَتَادَة ، عن أنَسٍ، قالَ : افتَخرَ الحيَّان من الأنْصَارِ ، فقالَت الأوْسُ : مِنَّا غَسيلُ الْمَلائِكَة: حَنْظَلُةُ بنُ الرَّاهِب ، ومِنَّا مَنْ اهْتَزَّله العَرشُ: سَعدٌ، ومِنَّا مَنْ حَمَته الدَّبَرِ(٤) : عاصِمُ بنُ أبي الأقْلَح، ومِنَّا مَنْ أُجيزَتْ شَهادَتُه بِشَهادَتَيْن: خُزَيْمَةُ بنُ ثابت (٥) . ورَوَىْ قَيسُ بنُ أبي حازِمِ ، أَنَّ عَديَّ بنَ حاتِم جاءَ إلى عُمَرَ ، فقالَ : أمَا تَعرِفُني ؟ قالَ: أعرِفُك ، أَقَمتَ (٦) إِذْ كَفَروا، ووَفَيْتَ إِذْ غَدَروا، وأقْبَلتَ إِذْ أَدْبَرِوا(٧). (١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ مَسْعود) ١/ ٤٧١ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٧/١٩٣. (٢) انظر السير: (سَهْلُ بنُ حُنَيَق) ٣٢٥/٢ -٣٢٩، وانظر النزهة: ٤/٢٦٨. انظر السير: ( أبو مُوسَى الأشْعَريّ) ٢/ ٣٨٠-٤٠٢، وانظر النزهة: ٢/٢٨٠. (٣) (٤) الدَّبَر : النَّحل والزنابير . (٥) انظر السير: (خُزَيْمَة بنُ ثَابتْ) ٤٨٥/٢ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٢/٢٩٤. (٦) أقمتَ : أي ثَبتَّ على الإسلام ولم ترتد ، فقد قدم على أبي بكر الصديق في وقت الردّة بصَدَقة قومه . (٧) انظر السير: (عَدِيُّ بنُ حَاتِم) ١٦٢/٣ - ١٦٥، وانظر النزهة: ١/٣٥٨. ١٨٤ وعن ابنِ سِيرينَ ، قالَ : أدْرَكتُ القَومَ وهم يُقدِّمونَ خَمسَة مَنْ بدأ بالحارِثِ الأعْوَرِ ثَتَّى بِعَبِيدَة، ومَنْ بدأ بعَبِيدَة ثَنَّى بالحارِثِ ثم عَلْقَمَة الثالث، لا شَكَّ فيه ، ثم مَسْروقُ ، ثم شُرَيح ، وإنَّ قَوماً أخَشُهم شُرَيح لقَومٌ لهم شَأنٌ . وعنْ محمَّد قالَ : كانَ أصْحابُ عبدِ الله بنِ مَسْعود خَمسَةً كلُّهم فيه عَيبٌ : عَبِيدَةٌ أعْوَر، ومَسْروقُ أحْدَب، وعَلْقَمَةُ أعْرَج، وشُرَيحٌ كَوْسَجْ(١)، والحَارِثُ أعْوَر (٢). وقالَ رَوحُ بنُ عُبادَةٍ : حدَّثنا حَجَّاجُ الأسْوَدُ ، قالَ : تَمنَّى رَجلٌ فقالَ : لَيْتَنِي بِزُهْدِ الحَسَنِ البَصْريِّ، ووَرَعِ ابنِ سِيرينَ ، وعِبادَةِ عامِرِ بنِ عبدِ قَيْس ، وفِقْهِ سَعيدِ بنِ الْمُسيِّبِ، وذَكَرَ مُطَرِّف بَنَ الشِّخِّير بشيء ، قال : فنَظروا في ذلك فوَجَدوه كلَّه كاملاً في الحَسَن(٣). وعن أبي إسْحاقَ الفَزاري : سَمعتُ الأوْزاعيَّ يَقولُ : إذا ماتَ ابنُ عَوْن والثَّورِيُّ اسْتَوَى النَّاسُ(٤). وقالَ أحمدُ بنُ حَنْبَل : الثِّقَةُ كشُعْبَة ومِسْعَر (٥) . وقالَ أبو وَهْب محمَّدُ بنُ مُزاحِم : سَمعتُ ابنَ الْمُبارَك يَقولُ: رَأيتُ أعْبَدَ النَّاس عبدَ العَزيزِ بنِ أبي رَوَّاد، وأَوْرَعَ النَّاسِ الفُضَيلَ بنَ عِيَاض، وأعْلمَ النَّاسِ سُفْيانَ الثَّوْريَّ، وأفْقَهَ النَّاسِ أبا حَنِيفَة ، ما رَأيتُ في الفِقْهِ مثلَه(٦) . وسُئلَ أبو داود : أيُّما أحْفَظُ وَكِيعٌ أو عبدُ الرحْمَان بنُ مَهْدي؟ قالَ: وَكِيعٌ أَحْفَظُ وعبدُ الرَحْمَن أَتْقَنُ ، وقد الْتَّقَيا بعدَ العِشاءِ في الْمَسجِد الحَرامِ ، فَتَواقَفا حتَّى سَمعا أذانَ الصُّبْحِ(٧) . (٢) (١) الكَوْسَج: الذي لا شَعرَ على عارضَيه، ويُقال : النَّقي الخدين من الشعر . انظر السير: ( علْقَمَة) ٥٣/٤-٦١، وانظر النزهة: ٢/٤٤٣. انظر السير : ( الحَسَنُ البَصْريُّ) ٥٦٣/٤_٥٨٨، وانظر النزهة: ٣/٥٦١. (٣) انظر السير: ( عبدُ الله بنُ عَوْن) ٦/ ٣٦٤ -٣٧٥، وانظر النزهة : ١/٦٥٧. (٤) انظر السير: ( مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة : ١/٦٨٩. (٥) (٦) انظر السير: (الفَضَيلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ١/٧٧٣. (٧) انظر السير: (وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٢/٨١٠. ١٨٥ وعن الْمَأْمُونِ قالَ : النَّاسُ ثَلاثَةٌ: رجلٌ منهم مثلُ الغِذَاءِ لا بُدَّ منه ، ومنهم كالدَّواء يُحتاجُ إليه في حالِ الْمَرَض، ومنهم كالدَّاءِ مَكرُوهٌ على كلِّ حال . وعنه قالَ : لا نُزْهَةَ ألذُّ من النَّظرِ في عُقُولِ الرِّجالِ(١). قالَ عبدُ الله بنُ أبي زياد القَطَوَاني: سَمعتُ أبا عُبَيد يَقولُ: انْتُهى العِلمُ إلى أَرْبَعة: أبو بكر بنُ أبي شَيبَة أسْرَدُهم له ، وأحمَدُ بنُ حَنْبَل أفْقَهُهُم فيه ، وعليُّ بنُ الْمَديني أعْلَمُهُم به، ويَحْيَى بِنُ مَعين أكْتَبُهُم له(٢) . وقالَ أبو زُرْعَة : أمْلَى عليَّ أحمَدُ بنُ عاصِمِ الحَكِيمُ الأنطاكيُّ : النَّاسُ ثلاثُ طَبَقاتٍ : مَطْبوعٌ غالبٌ وهم المؤمنون ، فإذا غَفلوا ذَكروا ، ومَطْبوعٌ مَغلوبٌ فإذا بُصِّروا أبْصَروا ورَجَعوا بقُوَّة العَقل، ومَطْبوعٌ مَغلوبٌ غيرُ ذي طِباع ولا سَبِيلَ إلىُ رَدِّ هذا بالْمَواعِظِ(٣). (هـ) رُؤْيا تَدُلُّ على تفاؤُت مَراتِب الصَّالِحِين في الجَنّة : قالَ أبو صالح كاتِبُ اللَّيثُ: حدَّثني يَحْيَى بِنُ أَيُّوبَ أنَّ رَجُلَين تَأَخَيا فَتَعاهَدا: إنْ ماتَ أحَدُهما قبلَ الآخَر أنْ يُخبرَه ما وَجدَ ، فماتَ أحَدُهما ، فرآه الآخَرُ في النَّوم ، فسَأَلَه عن الحَسَنِ البَصْريِّ؟ قالَ: ذاكَ مَلِكٌ في الجَنَّة لا يُعْصَى ، قالَ : فابنُ سِيرينَ ؟ قالَ : ذاكَ فيما شاءَ اشْتَهَى، شَتَّان ما بَينهما، قالَ: فبأيِّ شَيءٍ أدْرَكَ الحَسَنُ ؟ قالَ: بِشِدَّة الخَوفِ والحُزْن (٤) . وكانَ الحَكمُ بنُ حَجْل صَديقاً لابنِ سِيرينَ ، فحَزن على ابنِ سِيرينَ حتَّى كان يُعادُ ، ثم قالَ : رَأيْتُه في الْمَنام في حالِ كَذا وكَذا، فسَألْتُه لَمَّا سَرَّني : ما فَعَلَ الحَسَنُ ؟ قال: رُفِعَ فَوْقِي سَبعينَ دَرَجَةً ، قُلتُ : بِمَ؟ فقد كُنَّا نَرَى أَنَّك فَوقَه ! قالَ : بطُولِ الحُزْن . (١) انظر السير: (الْمَأمون) ٢٧٢/١٠ -٢٩٠، وانظر النزهة: ٢/٨٧٧. (٢) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الْمَدينيّ) ٤١/١١ -٦٠، وانظر النزهة: ١/٩٠٨. (٣) انظر السير: (الأنْطَاكيُّ) ٤٠٩/١١ -٤١٠، وانظر النزهة: ٤/٩٥٥. (٤) انظر السير: (محمّدُ بنُ سيرينَ) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٣/٥٧١ . ١٨٦ وقد كانَ الأوْزاعيُّ أشارَ عليه يَحْيَىُ بنُ أبي كَثِير ، أنْ يَرتَحلَ إلى البَصْرَة لِلْقِيِّ محمَّدٍ بنِ سِيرينَ ، فأتى فوَجدَه في مَرضِ الْمَوتِ ، فعادَه وَلَمْ يَسمَعْ منه، رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى، وبَلغَني أنَّ اسمَ أُمِّه صَفيَّةُ ، مَوْلاةٌ لأبي بكر الصِّدِّيق(١) . ١٣ - دِفَاعُ السَّلَف بعضِهم عن بعض : قالَ كعْبُ بنُ مَالِك: ولمَّا بَلَغَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَبُوك ذَكَرَنِي ، وقال : (( ما فَعَلَ كعْبٌ؟ )) فقال رجُلٌ من قَوْمِي: خَلَّفَهُ يا نَبيَّ اللهِ بُرداه ، والنَّظَرُّ فِي عِطْفَيْه ، فقال مُعاذٌ : بِئْسَ ما قُلتَ : واللهِ ما نَعْلمُ إلَّ خَيْراً. إِلَىْ أَنْ قال : فَلَمَّا رَآنِي صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ تَبَثُمَ المُغْضَب وقال صلى الله عليه وسلم: (( أَلَمْ تَكن ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟)) قُلتُ: بَلَى قال: ((فمَا خَلَّفَكَ؟)) قُلتُ: واللهِ لَوْ بَيْنَ يَدَي أَحَدٍ غَيْرَكْ جَلَسْتُ لخَرَجْتُ من سُخْطِهِ عليَّ بعدُ ، لقد أُوتِيتُ جَدَلاً ، ولكنْ قد عَلِمتُ يا نَبيَّ الله أنِّي أُخْبِرُكَ اليومَ بقَولٍ تَجِدُ عليَّ فيه وهُوَ حَقٌّ فإنِّي أَرْجُو فيه عُقْبَى الله . إلى أنْ قالَ : والله ما كُنتُ قَطُّ أَيْسَرَ ولا أَخَفَّ حاذً (٢) مِنِّي حين تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((أمَّ هذا فَقَدْ صَدَقَكم ، قُمْ حتى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ)) فقُمتُ . إلى أن قال : ونَهىُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ(٣) . فجعلتُ أخرجُ إلى السوق ، فلا يُكلِّمني أحدٌ، وتَنَكَّرَ لنا الناسُ، حتى ما هُم بالذين نعرفُ، وتَنكَّرَت لنا الحيطانُ والأرضُ، وكنتُ أطوفُ وَآتي المسْجدَ ، فأدخلُ وآتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسَلِّمُ عليه، فأقولُ هل حَرَّكَ شَفَتَه بالسلام !! ؟(٤) . (١) انظر السير: (محمّدُ بنُ سِيرينَ) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٤/٥٧١. (٢) الحاذ : الحال. (٣) أيُّها الثلاثةُ: مبني على الضم في محل نصب على الاختصاص ، أي : مختصين بذلك دون بقية الناس . (٤) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢ - ٥٣٠، وانظر النزهة: ٣٠٠ /٤. ١٨٧ وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ خالدِ بنِ مِهْران، الْمَعروفِ بالحَذَّاء : وَثقَّه أحمَدُ بنُ حَنْبَل ، ويَحْيِىُ بنُ مَعين وجَماعةٌ وحَديثُه في الصِّحاح . وقالَ عبَّادُ بنُ عَّاد: أرادَ شُعبةُ أنْ يَضعَ من خالد الحذَّاء فأتَيتُه أنا وحمَّادُ بنُ زَيْد ، فقلتُ له : ما لَكَ: أُجُنِنْتَ؟ أنتَ أعلمُ! قال: وتَهدَّدناه فأمْسَك(١) . ورَوِىَ حِيَّانُ بنُ مُوسَى الْمَروَزُّ، قالَ: سُئلَ ابنُ الْمُبارَكُ : مَالِكٌ أفْقَهُ، أو أبو حَنِيفَة؟ قالَ: أبو حَنِيفَة وقالَ الخُرَيْبِيُّ: ما يَقعُ في أبي حَنِيفَة إلاَّ حاسِدٌ أو جاهِلٌ . وقالَ يَحْيَىُ بنُ سَعيد القَطَّان: لا نَكذبُ اللهَ، ما سَمعنا أحْسَنَ من رَأيٍ أبي حَنيفَة ، وقد أخَذْنا بأكثَر أقْوالِه . وقالَ الشَّافِعِيُّ : النَّاسُ في الفِقْهِ عِيالٌ على أبي حَنِيفَة . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: الإمَامَةُ في الفِقْهِ ودَقائِه مُسلَّمةٌ إلى هذا الإمَامِ ، وهَذا أمْرٌ لا شَكَّ فيه . وليسَ يصحُّ في الأذهانِ شيء إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلٍ وسِيرَتُهُ تَحْتَمِلُ أنْ تُفْرَدَ في مُجلَّدَين ، رَضيَ اللهُ عنه ورَحمَه(٢) . قالَ أبو زُرعَة الدِّمَشقيُّ : ابنُ إسْحاقَ بنُ يَسار رجلٌ قد اجتمعَ الكُبَراء من أهلِ العِلمِ على الأخْذِ عنه، منهم سُفْيانُ، وشُعبّة ، وابنُ عُيَيْنَة ، والحَمَّادان ، وابنُ الْمُبارَك ، وإبراهيمُ بنُ سَعد ، ورَوىَ عنه من القُدَماءِ يَزِيدُ بنُ أبي حَبيب وقد اخْتَبَرَه أهلُ الحَديث فَرَأْوا صِدْقاً وخَيراً مع مَدحِ ابنِ شِهابٍ له وقد ذَاكرتُ دُخَيماً قولَ مَالك فرَأى أنَّ ذلك لَيسَ للحَديثِ إنَّما هو لأنَّ اتُّهِمَ بالقَدَر (٣). وقالَ ابنُ عَدي: ولوْ لمْ يكن لابنِ اسْحاقَ من الفَضلِ إلاَّ أنَّه صَرفَ الْمُلوكَ عن (١) انظر السير: (خَالدُ بنُ مِهْران) ١٩٥/٦-١٩٣، وانظر النزهة: ٢/٦٤٠. (٢) انظر السير: (أبو حَنِيفَة) ٦/ ٣٩٠-٤٠٤، وانظر النزهة: ٨/٦٦٣. (٣) انظر السير: (ابنُ إسْحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ٢/٦٧٥. ١٨٨ الاشتغالِ بكُتبٍ لا يَحصُلُ منها شَيءٌ إلى الاشتغالِ بِمَغَازي رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ومَبعَثِهِ ومُبتَدأ الخَلقِ ، لكانَت هذه فَضيلَةٌ سَبقَ بها ، ثم مِن بَعده صَنَّفَها قَومٌ آخَرون فَلَمْ يَبلُغوا مَبلَغَ ابنِ إِسْحَاقَ منها ، وقد فتَّشتُ أحاديثَه كَثِيراً فَلَمْ أجد من أحاديثِهِ ما يَتِهِيَّأ أنْ يُقْطَعَ عليه بالضَّعفِ ورُبَّما أخْطأ ، أو يَهِمُ في الشَيء بعد الشَيء كما يُخطيءُ غَيرُه ولمْ يَتخلَّف في الرِّوايَة عنه الثِّقَاتُ والأئمَّةُ وهو لا بأسَ به . ماتَ ابنُ إِسْحاقَ سَنةً خَمسينَ ومئةٍ(١) . وقالَ حَنْبَلُ بنُ إِسْحَاقَ : سَمعتُ ابنَ مَعين يَقولُ : رَأيتُ عندَ مَرْوانَ بنِ مُعاويَة لَوْحاً فيه أسْماءُ شُيوخ : فُلانٌ رَافِضِيُّ ، وفُلانٌ كَذَا ، ووَكيعٌ رَافِضِيُّ ، فقُلتُ لِمَرْوانَ : وَكِيعٌ خَيرٌ مِنْكَ ، قالَ : مِنِّي ؟ قُلتُ : نَعَم فسَكتَ ، ولَوْ قالَ لي شَيْئاً ، لَوَثَبَ أصْحابُ الحَديثِ عَليه قالَ : فبَلغَ ذلكَ وَكيعاً ، فقالَ: يَحْيى صاحِبُنا، وكانَ بعدَ ذلكَ يَعرِفُ لي ، ويُرَحِّبُ(٢) . وقال الذهبيُّ في مِحْنةٍ وَكِيعِ : مِحْنَةُ وَكِيعٍ - وهي غَرِيبَةٌ - تَوَرَّطَ فيها ولَمْ يُرِدْ إلاَّ خَيْراً، ولكنْ فاتَتْه سَكْتَةٌ، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((كفَى بالمَرْءِ إِثْماً أنْ يُحَدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ ، فَلْيَتَّقِ عبدٌ رَبَّه، ولا يَخافَنَّ إلَّ ذَنْبُه)). قال عليُّ بنُ خَشْرَم : حَدَّثنا وَكيعٌ عن إسْماعيلَ عن أبي خالد ، عن عبدِ الله البَهِيّ ، أنَّ أبا بَكْرِ الصِّديق جاءَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاتِهِ ، فَأَكَبَّ عليه ، فقَتَّلَه، وقال : بأبي وأُمِّي، ما أْيَبَ حَياتَكَ ومَيْتَتَكَ! ثمَّ قال البَهيُّ : وكان تُرِكَ يَوماً وليلةً حتى رَبَا بَطْنُهُ، وانْثَنَتْ خِنْصَراهُ - قال ابنُ خَشْرم: فلمَّا حدَّثَ وَكيعٌ بهذا بمَكَةَ ، اجْتَمَعتْ قُرِيْشٌ، وأرادُوا صَلْبَ وَكيع، ونَصَبوا خَشَبَةً لِصَلْبِه ، فجاء سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَة ، فقال لهم: اللهَ الله !! ، هذا فَقِيهُ أَهْلِ العِراقِ، وابنُ فقيهِه، وهذا حَديثٌ مَعروفٌ قال سُفيانُ: ولَمْ أُكُنْ سَمعْتُه إلاَّ أَنِّي أَرَدْتُ تَخْليصَ وَكيعِ . قال عليُّ بنُ خَشْرم : سَمعْتُ الحديثَ من وَكيعٍ ، بعدما أرادُوا صَلْبَهُ فَتَعَجَّبتُ من (١) انظر السير: (ابنُ إسْحاق) ٣٣/٧ -٥٥، وانظر النزهة: ٣/٦٧٥. (٢) انظر السير: (وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٤/٨١٠. ١٨٩ جَسَارَتِهِ ، وأُخْبرتُ أنَّ وَكيعاً احْتَجَّ ، فقال : إنَّ عِدَّةً من أصْحابٍ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم منهم عُمَرُ رضي الله عنه قالوا : لَمْ يَمُتْ رسُولُ الله فأرادَ اللهُ أنْ يُرِيَهُم آيةَ المَوْتِ . فهذه زَلَّةُ عَالِمٍ ، فما لوَكيع ولرِوايَةِ هذا الخَبَرِ المُنْكَرِ المُنْقَطِعِ الإسْناد !! ، كادَتْ نفْسُه أنْ تَذْهَبَ غَلطاً، والقائمٌونَ عليه مَعْذورُونَ ، بَلْ مَأْجُورُونَ ، فإنَّهم تَخَيَّلُوا مِنْ إِشاعَةِ هذا الخَبَرِ المَرْدُودِ ، غَضَّأَ ما لمَنْصِبِ النُّبُوَّة ، وهو في بادِىءِ الرَّأيِ يُوهِمُ ذلك، ولكِنْ إذا تَأَمَّلْتَهُ، فلا بَأسَ إنْ شاءَ اللهُ بذلك، فإنَّ الحَيَّ قد يَرْبُو جَوْفُهُ ، وتَسْتَرْخِي مَقاصِلُه، وذلك تَفَرُّعٌ من الأمْراضِ، و(( أَشَدُ النَّاسِ بَلاءُ الأَنْبِياءِ))، وإنَّما المَحْذورُ أنْ تُجَوِّزَ عليه تَغَيُّرَ سائِرٍ مَوْتَى الآدَمَيِّينَ ورائِحَتَهم، وَأَكْلَ الأرضِ لأجْسامِهِم ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم فمُفارِقٌ لسائِرِ أُمَّتِهِ في ذلك ، فلا يَبْلَى، ولا تَأْكُلُ الأرضُ جَسَدَه، ولا يَتَغَيَّرُ رِيحُه، بَلْ هو الآن، وما زالَ أطْيَبَ رِيْحاً من المِسْكِ ، وهو حيٍّ في لَحْدِهِ حَياةَ مِثْلِهِ في البَرْزَخِ ، التي هي أُكْمَلُ من حَياةِ سائِرٍ النَّبِينَ، وحَياتُهم بلا رَيْبٍ أَتَمُّ وأشْرَفُ من حَياةِ الشُّهَداءِ الذين هم بِنَصِّ الكِتَابِ ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(١) ، وهَؤلاءِ حَياتُهُم الآنَ التي في عالَمِ البَرْزَخِ حَقٌّ ، ولكِنْ لَيْسَت هي حَياةَ الدُّنْيا من كُلِّ وَجْهٍ ، ولا حَياةَ أهْلِ الجَنَّةِ من كُلِّ وَجْهٍ ، ولَهُم شِبْهُ بِحَياةِ أهْلِ الكَهْفِ ، ومن ذلك : اجْتِماعُ آدَمَ ومُوسَى، لمَّا احْتَجَّ عليه مُوسَى، وحاجَّهُ آدَمُ بالعِلْمِ السَّابِقِ كان اجْتِماعُهُما حَقًّاً ، وهُما في عالَمِ البَرْزَخِ ، وكذلك نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ أنَّه رَأى في السَّماواتِ آدَمَ ومُوسَى وإبراهيمَ وإدريسَ وعِيسَى ، وسَلَّمَ عليهِم، وطَالَتْ مُحاوَراتُه مع مُوسَى، هذا كُلُّه حَقِّ والذي منهم لَمْ يَذُقِ المَوتَ بَعْدُ هو عيسَى عليه السلام ، فقد تَبَرْهَنَ لك أنَّ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم ما زالَ طَيِباً مُطَيِّباً ، وأنَّ الأرضَ مُحَرَّمٌ عليها أكْلُ أجْسادِ الأنْبياءِ ، وهذا شيء سَبيلُهُ التَّوقيفُ ،. وما عَنَّفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّحابَةَ رضي اللهُ عنهُم لمَّا قالوا له بِلا علْمٍ : وكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عليك وقد أَرَمْتَ ؟ - يَعْنِي بَلِيتَ - فقال صلى الله عليه وسلم: (١) سورة آل عمران، الآية : ١٦٩ . ١٩٠ ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ على الأرْضِ أنْ تَأْكلَ أجْسادَ الأنْبياءِ )). وهذا بَحثٌ مُعتَرِضٌ في الاعْتِذارِ عن إمامٍ من أئِمَّةِ المسلمين ، وقد قَامَ في الدَّفْع عنْهُ مِثْلُ إِمامِ الحِجازِ سُفْيَنَ بن عُبَيْنَة ، ولولا أنَّ هذه الواقِعَةُ في عِدَّةٍ كُتُبٍ ، وفي مثْلِ (( تاريخِ الحافِظِ بنِ عَساكِر »، وفي ((كاملِ الحافِظِ ابنِ عَدِيّ)» لأَعْرَضْتُ عنها جُملَةً ، ففيها عِبْرةٌ . قال عليُّ بنُ عثَّام: مَرِضَ وَكيعٌ، فدَخَلْنا عليه ، فقال: إنَّ سُفْيانَ أتَانِي، فَبَشَّرَنِي بجوارِهِ ، فأنا مُبادِرٌ إليه . ماتَ وَكِيعٌ سَنةَ سَبْعٍ وتِسْعينَ ومِئَة يومَ عاشُوراءَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : عاشَ وَكِيعٌ ثمَانياً وسِتِّينَ سَنةً سِوى شَهِرٍ أو شَهْرَينِ(١). وقالَ عَليُّ بنُ أحمَد بنِ النَّضْر الأزدي ، سَمعتُ أحمَدَ بنَ حَنْبَل ، وسُئلَ عن الشَّافِعِيِّ، فقالَ: لقد مَنَّ اللهُ عَلينا به ، لقد كُنَّا تَعلَّمنا كَلامَ القَوم، وكَتَبْنَا كُنْبَهم ، حتَّى قدِمَ عَلينا ، فلمَّا سَمعنا كَلامَه، عَلِمنا أنَّ أعْلم من غَيرِهِ ، وَقد جالَسْناه الأيّامَ واللَّيالي، فمَا رَأينا منه إلاَّ كُلَّ خَيرٍ ، فقيلَ له: يا أبا عبدِ الله، كانَ يَحْيَى وأبو عُبَيد لا يَرْضَيانه - يُشيرُ إلى التَّشَيُّع وأنَّهما نَسَباه إلى ذلك - فقالَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل : ما نَدري ما يَقولان، والله مَا رَأينا منه إلاَّ خَيراً (٢) . وقالَ سَلَمَةُ بنُ شَبيب : قُلتُ لأحمَدَ بنِ حَنْبَل: طَلبتُ عَفَّانَ بنَ مُسلم في مَنِزِلِه ، قالوا : خَرجَ ، فخَرجتُ أسألُ عنه ، فقيلَ : تَوجَّهَ هكذا ، فجَعلتُ أمضي أسْألُ عنه ، حتَّى انْتُهيتُ إلى مَقْبَرَةٍ ، وإذا هو جالِسٌ يَقرأُ علىْ قَبِرِ بنتِ أخي ذِي الرِّياسَتين ، فبَزَقتُ عليه ، وقُلتُ : سَوْءَةً لكَ قالَ : يا هَذا، الخُبزَ الخُبزَ! قلتُ: لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَكَ قالَ : فقالَ لي أحمَدُ : لا تَذكُرَنَّ هَذا فإِنَّه قد قامَ في الْمِحْنَة مَقاماً مَخْموداً عليه ، ونَحوَ هذا من الكَلامِ . ماتَ عَفَّنُ في سَنةِ عِشرينَ ومئتَين أو قَبلَها . (١) انظر السير: (وَكيع) ١٤٠/٩-١٦٨، وانظر النزهة: ١/٢١٨. (٢) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعِيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٦/٨٥٠. ١٩١ قالَ الإمامُ الذهَبيُّ : عاشَ خمساً وثمانينَ سَنةً رَحمَهُ الله(١). وقالَ الحُسَينُ بنُ إسْماعيلَ الفَارِسيُّ ، سَألْتُ عَبدُوسَ بنَ هانىء عن حالِ عليٍّ بنِ الجَعْد ، فقالَ : ما أعلَمُ أَنِّي لَقِيتُ أحفَظَ منه، فقالَ : كانَ يُتْهَم بالجَهْمِ . قالَ : قد قيلَ هذا ، ولَمْ يَكنْ كما قالوا ، إلاَّ أنَّ ابنَه الحَسَنَ بنَ عَلَيٍّ كانَ على قَضاءِ بَغدادَ ، وكانَ يَقولُ بقَولِ جَهْم ، قالَ : كانَ عندَ عَليٍّ بنِ الجَعْد عن شُعبة نَحو من ألفٍ ومئتَي حَديثٍ ، وكانَ قد لَقِيَ الْمَشايخَ فزَهَدتُ فيه بسَببِ هذا القَولِ ، ثم نَدِمتُ بعد(٢). وقالَ محمَّدُ بنُ حمَّدَ الْمُقرىءُ : سَألْتُ يَحْيَى بِنَ مَعين عن عَلَيٍّ بنِ الجَعْد ، فقالَ : ثِقَةٌ صَدُوقٌ ، ثِقَةٌ صَدُوقٌ قُلتُ : فهذا الذي كانَ منه؟ فقالَ : أَيْش كانَ منه ؟ ثِقَةٌ صَدُوقٌ (٣) . وجاءَ في تَرجَمَةِ سَعيدٍ بنِ كَثِيرِ بنِ عُفَيْرِ ، قالَ ابنُ عَدي : هو عند النَّاسِ ثِقَةٌ ، ثم سَاقَ قَولَ أبي إسْحَاقَ السَّعْدِي الجَوْزَجانيٍّ في سَعيدٍ بنِ عُفَيْرِ : فيه غَيرُ لَونٍ من البِدَع ، وكانَ مُخَلِّطاً غَيرَ ثِقَةٍ ، فَهَذا من مُجازَفات السَّعْدي(٤) . قالَ ابنُ عَدي: هذا الذي قالَه السَّعْدِيُّ لا مَعنَى له، ولَمْ أسْمَعْ أحداً ، ولا بَلغَني عن أحَدٍ كلامٌ في سَعيدٍ بنِ عُفَيْرِ ، وقد حدَّثَ عَنهُ الأئمَّةُ ، إلاَّ أنْ يَكونَ السَّعْديُّ أرادَ به سَعِيدَ بنَ عُفَيْرِ آخَر وقالَ يَحْيَى بِنُ مَعين : رَأيتُ بِمِصْرَ ثَلاثَ عَجائبَ : النيلُ ، والأهرامُ ، وسَعيدُ بنُ عُفَيْر . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: حَسْبُكَ أنَّ يَحْتَى إمامَ الْمُحَدِّثينَ انْبَهَرَ لابنِ عُفَير وقالَ أبو سعيد بنُ يُونُس : كانَ سَعيدُ من أعْلَمِ النَّاسِ بالأنْسَابِ ، والأخْبَارِ الماضية ، وأيَّام العَرَبِ والتَّواريخ ، كانَ في ذلك كُلِّ شَيئاً عَجيباً ، وكانَ مع ذلك أديباً فَصيحاً ، حَسَنَ (١) انظر السير: (عَفَّان) ٢٤٢/١٠ - ٢٥٥، وانظر النزهة: ٣/٨٧٤. (٢) انظر السير: (عليُّ بنُ الجَعْد) ٤٥٩/١٠-٤٦٨، وانظر النزهة: ٣/٨٨٣. (٣) انظر السير: (عليُّ بِنُ الجَعْد) ٤٥٩/١٠-٤٦٨، وانظر النزهة: ١/٨٨٤. نظر السير: ( سَعيدِ بنِ كَثِيرِ بنِ عُفَيْر) ٥٨٣/١٠-٥٨٦، وانظر النزهة: ١/٨٩٧. ١٩٢ البَيَانِ، حاضِرَ الحُجَّة، لا تُمَلُّ مُجالَسَتُه، ولا يُنزَفُ علمُه(١). وذكرَ النَّسائيُّ أحمَدَ بنَ صالِح يَوماً ، فرَمَاهُ، وأسَاءَ الثَّنَاءَ عَليه(٢) . قالَ ابنُ يُونُس : لَمْ يَكنْ عندنا - بحَمِد الله - كما قالَ النَّسائيُّ ولَمْ يكن له آفَةٌ غيرُ الكِبْر(٣). وقالَ عبدُ الكَريمِ بنُ النَّسائيِّ عن أبيه : أحمَدُ بنُ صالِحِ لَيسَ بِثِقَةٍ ولا مَأْمُونٍ ، تَرَكَه محمَّدُ بنُ يَحْيَى، ورَمَاهُ يَحْيَى بنُ مَعين بالكَذِب (٤) . قال ابنُ عَدي : أحمَدُ بنُ صالِح من حُفَّاظِ الحَديثِ ، وخاصّةً لحَديثِ الحِجازِ ، ومن الْمَشْهُورِينَ بِمَعرفَتِهِ ، وحَدَّثَ عنه البُخاريُّ مع شِدَّةِ اسْتِقِصَائه ، ومحمَّدُ بنُ يَحْيِى، واعْتِمادُهُما عليه في كثير من حَديثِ الحِجازِ وحدَّثَ عنه مَنْ حدَّث من الثِّقات، واعتَمَدوه حِفْظاً وإتْقاناً وكلامُ ابنُ مَعين فيه تَحامُل وأمَّا سُوءُ ثَناءِ النَّسَائِيِّ عليه ، فسَمعتُ محمَّدَ بنَ هَارُونَ بنِ حَسَّان البَرْقِي يَقولُ : هذا الخُراسَانِيُّ يَتكلَّمُ في أحمَدَ بنِ صالِح وحَضَرتُ مَجلِسَ أحمَدَ بنِ صالِح، وطردَه من مَجلِسِه ، فحَمَلَه ذلكَ على أنْ تَكلَّمَ فيه قالَ: وهذا أحمَدُ بنُ حَنْبَل قد أثْنَى عليه، فالقَولُ ما قالَه أحمَدُ لا ما قالَه غَيْرُه ، ولَوْلا أنِّي شَرطتُ في كتابي هذا أنْ أذكُرَ فيه كُلَّ من تَكلَّمَ فيه مُتَكلُّم لكُنتُ أُجِلُّ أحمدَ بنَ صالِح أن أذكُرَه(٥) . وعن حمَّدَ الحَرَّانِيِّ أنَّه سَمِعَ السِّلَفيَّ يُنكِرُ على الحاكم في قوله: لا تَجوزُ الرِّوايَة عن ابنٍ قُتَيِبَة ويَقولُ : ابنُ قُتَيبَة من الثِّقاتِ ، وأهلِ السُّنَّة ثم قالَ : لكنَّ الحاكمَ قصدَه لأجلِ الْمَذْهَب . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: عَهْدي بالحاكم يَميلُ إلى الكَرَّامِيَّة ، ثم ما رَأيتُ لأبي (١) انظر السير: (سَعيدِ بنِ كَثيرِ بنِ عُفَيْر) ٥٨٣/١٠-٥٨٦، وانظر النزهة: ٢/٨٩٧. (٢) انظر السير: (أحمَدُ بنُّ صالِحَ) ١٦٠/١٢ -١٧٧، وانظر النزهة: ٧/٩٨٩. انظر السير: (أحمَدُ بنُ صالح) ١٦٠/١٢ -١٧٧، وانظر النزهة : ١/٩٩٠. (٣) انظر السير: ( أحمَدُ بنُ صالِح) ١٢/ ١٦٠ -١٧٧، وانظر النزهة : ٢/٩٩٠. (٤) انظر السير: (أحمَدُ بنُ صالِح) ١٢/ ١٦٠ -١٧٧، وانظر النزهة: ٣/٩٩٠. (٥) ١٩٣ محمَّد بنِ قُتُبِبَة في كتاب (( مُشْكَل الحَديث)) ما يُخالِفُ طَرِيقَة الْمُثْبِتَةِ والحَنَابِلَة ، ومنْ أنَّ أَخْبَارَ الصِّفات تُمَرُّ ولا تُتَأَوَّل، فالله أعلم (١) . قالَ الشُّلَميُّ : سَألتُ الدَّارَقُطنيَّ عن أبي حامِد ابنِ الشَّرْقِي فقالَ: ثِقَةٌ مَأمونٌ إمَامٌ قُلتُ : لِمَ تكلَّمَ فيه ابنُ عُقْدَة ؟ فقالَ : سُبحانَ الله تَرَى يُؤْثِّرُ فيه مثلُ كلامِهِ ، ولَوْ كانَ بَدَلَ ابنِ عُقْدَة يَحْتَى بنُ مَعين فَقُلتُ : وأبو عَلَيّ؟ قالَ : ومَنْ أبو عليّ حتَّى يُسمَع کلامُه فيه . وقالَ الخَليليُّ : هو إمَامُ وَقَتِهِ بِلا مُدافَعَة . ماتَ سَنةَ خَمسٍ وعِشرينَ وَثَلاثٍ مِئة (٢). قال أبو شامَة : كان الرِّفْقُ بابن شَنَبُوذ أوْلَى، وكان اعتقالُهُ وإِغْلاظُ القَولِ له كافياً وليسَ كان بمُصيب فيما ذَهبَ إليه ، لكن أخْطاؤُه في واقِعَةٍ لا تُسقِطُ حَقَّه من حُرمَة أهلِ القُرآنِ والعِلْم . مات ابنُ شَنَبوذ سَنةَ ثمان وعشرين وثلاث مئة ، وهو في عَشْر الثمانين أو جاوَزَه(٣) . قالَ الحاكمُ : قُلتُ لأبي عَليِّ الحافِظ : إنَّ بَعضَ النَّاسِ يَقولُ في أبي العبَّاسِ بِنِ عُقْدَة ، قالَ : في ماذا؟ قُلتُ : في تَفَرُّدِهِ بهَهذه الْمُفْحَمَات عن هَؤلاءِ الْمَجْهُولين فقالَ: لا تَشْتَغْلْ بمثل هَذا ، أبو العَبَّاس إمَامٌ حافِظُ مَحلُّه مَحلُّ مَنْ يُسألُ عن التَّابعينَ وأتْباعِهم . قالَ أبو أحمد بنُ عَدي : هو صاحِبُ مَعرِفَة وحِفظ وتقدُّم في الصَّنعَة، رَأيتُ مَشايخَ بَغدادَ يُسيئون الثَّنَاءَ عليه ، ثم إنَّ ابنَ عَدي قَوَّى أمْرَه ، ومَشَّاه . ماتَ ابْنُ عُقْدَة ، سَنَ اثنَيْن وَثَلاثينَ وثَلاثِ مئة(٤) . (١) انظر السير: (ابنُ قتَيْبَة) ٢٩٦/١٣ -٣٠٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٨. (٢) انظر السير: (ابنُ الشَّرْقيّ) ٣٧/١٥-٣٩، وانظر النزهة: ٢/١١٧٩. (٣) انظر السير: (ابنُ شنبوذ) ٢٦٤/١٥-٢٦٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٢٥. (٤) انظر السير: (ابنُ عُقْدَة) ١٥/ ٣٤٠ _٣٥٥، وانظر النزهة: ١/١٢٣٦. ١٩٤ ١٤ - أمْثَلَةٌ على الإِنْصَاف : عن عاصِمٍ بنِ كُلَيْبٍ ، عن أبيهِ : قال : انْتُهَيْنا إلى عليٍّ رضي الله عنه، فذَكَرَ عائِشَةَ ، فقال : خَليلَةُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً : هذا حَديثٌ حَسَن ومُصْعب فصالحٌ لا بَأسَ به وهذا يقُولُه أميرُ المُؤمِنِينَ في حَقِّ عَائِشَةَ مع ما وَقَعَ بَيْنَهُما ، فرَضِيَ الله عنهُما ولا رَيْبَ أنَّ عَائِشَةَ نَدِمَتْ نَدَامَةً كُلِيَّة علىُ مَسِيرِها إلى البَصْرَةِ وحُضُورِها يومَ الجَمَلِ، وما ظَنَّتْ أنَّ الأمرَ يَبلُغُ مَا بَلَغَ (١) . وقالَ زَكريّا بنُ أبي زائدَة : سَمعتُ عامِراً يَقولُ: تَزوَّجَ عَليٍّ أسماءَ بنتَ عُمَيْس ، فَتَفاخَرِ ابْنَاهَا : محمَّدُ بنُ أبي بكر ، ومحمَّدُ بنُ جَعْفَر، فقالَ كُلٌّ منهما : أنا أُكْرَمُ مِنكَ ، وأبي خَيرٌ من أبيكَ . قالَ : فقالَ لها عَلَيُّ : اقْضٍ بَينَهما قالَت : ما رَأيتُ شاباً من العَرَب خَيراً من جَعْفَر ، ولا رَأيتُ كَهْلاً خيراً من أبي بكر . فقالَ عَليّ : ما تركتِ لنَا شَيئاً، ولَوْ قُلْتِ غَيرَ الذي قُلْتِ لَمَقَنِّك . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: إنَّ ثَلاثَةً أنتَ أخَشُّهم خِيارٌ(٢) . وعن عبد الرحمن بنِ شَمَاسَة قالَ : دَخلتُ على عائشَةَ، فقالَت : مِمَّن أنتَ ؟ قُلتُ : من أهْلِ مِصْرَ قالت: كيفَ وَجدتُمُ ابنَ حُدَيْج في غَزاتِكم هذه؟ قُلتُ : خَيرُ أمير ، ما يَقفُ لرَجُلِ منَّا فَرَسٌ ولا بعيرٌ إلاَّ أَبْدلَ مَكَانَهَ بَعيراً ، ولا غُلامٌ إلاَّ أَبْدلَ مَكانَه غلاماً ، قالَت : إنَّهُ لا يَمنَعُني قَتلَه أخي أحَدَّثَكم ما سَمعتُ من رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، إنَّي سَمعتُه يَقولُ: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ ، وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ))(٣) . انظر السير: ( عائشة أمُّ المؤمنين) ١٣٥/٢-٢٠١، وانظر النزهة: ٣/١٤٢. (١) انظر السير: ( أسْماءُ بنتُ عُمَيْس) ٢/ ٢٨٢ -٢٨٧، وانظر النزهة: ٣/٢٦٠. (٢) (٣) انظر السير: (مُعاوبَةُ بنُ حُدَيج) ٣/ ٣٧ -٤٠، وانظر النزهة: ٢/٣٢٧. ١٩٥ وقالَ حُصَينُ بنُ الْمُنذِر : صَلَّى الوَليدُ بنُ عُقْبَة بِالنَّاسِ الفَجْرَ أرْبَعاً وهو سَكْرانٌ ثم الْتَّفتَ، وقالَ : أزيدُكم؟ فبَلغَ عُثْمانَ ، فطَلبَه ، وحَدَّه . وهذا مِمَّا نَقَموا على عُثمانَ أنْ عَزِلَ سَعدَ بنَ أبي وَقَّاص عن الكُوفَة وَوَلَّى هذا(١). وكان الوَليدُ بنُ عُقبَة مع فِسْقِه - واللهُ يُسامِحه - شُجاعاً قائماً بأمْرِ الجِهاد وله أخْبَارٌ طَوِيلَةٌ في (( تاريخ دِمَشْقَ )) ، ولَمْ يَذْكُر وَفاتَهَ(٢) . وعن الحَكَم ، أنَّ الأسْودَ بنَ يَزيد بنِ قَيْس كانَ يَصومُ الدَّهْرَ - هذا صَحيحٌ عنه - وكأنَّه لَمْ يَبلُغْه النَّهيُّ عن ذلك، أو تَأَّل . كانت وفاةُ الأسْوَدِ سَنةَ خَمسٍ وسَبعينَ ، واللهُ يَرحمُه(٣) . ورَوَىْ يَحْيَى بنُ أبي بُكَيرِ الكِرْمانيُّ، عن أبيه ، قالَ : كان شَهْرُ بنُ حَوْشَب على بَيْتِ الْمَالِ ، فَأخَذَ خَرِيطَة فيها دَرَاهم فقيلَ فيه : فَمَنْ يأْمنُ القُرَّاءَ بعدكَ يا شَهْرُ لقدَ باعَ شَهْرٌ دِينَهُ بِخَريطةٍ مِنْ ابنِ جَرِيرٍ إِنَّ هَذَا هُوَ الغَدْرُ أخَذْتَ بِها شيئاً طفيفاً فَبَعْتَهُ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: إسْنَادُها مُنقَطِعِ، ولَعَلَّها وَقعَت ، وتابَ منها ، أو أخَذَها مُتأوّلاً أنَّ له في بَيْتِ مَالِ الْمُسلمينَ حَقاً ، نَسألُ اللهَ الصَّفْح (٤) . وقالَ يَعقوبُ بنُ شَيْبَة : شَهْرُ بنُ حَوْشَب ثقةٌ ، طَعنَ فيه بعضُهم . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: الرَّجُلُ غَيرُ مَدفُوعٍ عن صِدقٍ وعِلمٍ ، والاحْتجاجُ به مُتَرَجِّح (٥) . (١) انظر السير: (الوَليدُ بنُ عُقبة) ٤١٢/٣-٤١٦، وانظر النزهة: ١/٤٠٤. (٢) انظر السير: ( الوَليدُ بنُ عُقبة) ٤١٢/٣-٤١٦، وانظر النزهة: ٢/٤٠٤. (٣) انظر السير : (الأسْوَدُ بنُ يَزيد) ٤/ ٥٠-٥٣، وانظر النزهة : ١/٤٤٢. انظر السير: ( شَهْر بن حَوْشَب) ٤/ ٣٧٢ -٣٧٨، وانظر النزهة: ٣/٥١٣. (٤) (٥) انظر السير: (شَهْر بن حَوْشب) ٣٧٢/٤ -٣٧٨، وانظر النزهة : ٥/٥١٣. ١٩٦ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وشُهِرَ أبو جَعْفَر بالباقر، من: بَقَرَ العِلمَ ، أي شَقَّه فعَرفَ أصْلَه وخَفِيَّه ولقد كانَ أبو جَعْفَر إماماً، مُجتهداً تالياً لكتابِ الله، كَبِيرَ الشَّأْنِ ولكن لا يَبلِّغُ في القُرآنِ دَرَجَةَ ابنِ كَثير ونَحْوِه ، ولا في الفِقْهِ دَرجَة أبي الزِّنَادِ ، ورَبِيعَة ، ولا في الحِفْظِ ومَعْرفَة السُّنَنْ دَرجَة قَتَادَة وابنِ شِهاب ، فلا نُحابيه ، ولا نَحيفُ عليه ، ونُحبُّه في الله لِمَا تَجمَّع فيه من صِفاتِ الكَمَالَ(١). وقالَ عليُّ بنُ أبي حَمَلَةَ : قَدمَ عَلينا مُسلمُ بنُ يَسار دِمَشْقَ ، فقُلنا له : يا أبا عبدِ الله ، لَوْ عَلمَ اللهُ أنَّ بالعِراقِ مَنْ هو أفْضِلُ منكَ، لجاءَنا به، فقالَ: كَيفَ لَوْ رَأيْتُم عبدَ الله بنَ زَيْد أبا قِلابَةَ الجَرْميَّ قالَ : فما ذَهَبَت الأيَّامُ واللَّيالي حتىْ قَدِمَ علينا أبو قلابة(٢) . قالَ ابنُ عَوْن: لَمَّا وَقعت الفتنةُ زمنَ ابن الأشعَث ، خَفَّ مسلمُ بنُ يَسار فيها ، وأبْطَأْ الحَسَنُ ، فَارْتَفَعَ الحَسَنُ ، واتَّضَعَ مُسْلم . قالَ الإمامُ الذِهَبِيُّ مُعقِّباً: إنَّما يُعْتَبَرُ ذلك في الآخِرَة ، فقد يَرْتَفِعانِ معاً(٣). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة قَتَادَةَ بن دِعامَة قُدوة المُفَسِّرين: هُوَ حُجَّةٌ بِالإِجْمَاعِ إذا بَيَّنَ السَّماعَ ، فإنَّه مُدَلِّسٌ مَعْروفٌ بذَلكَ ، وكان يَرَى القَدَرَ ، نَسْألُ اللهَ العَفْوَ ، ومع هذا فما تَوَقَّفَ أحَدٌ في صِدْقِهِ، وعَدَالَتِهِ ، وحِفْظِهِ، ولَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أمْثالَه مِمَّن تَلَبَّسَ بِدْعَة يُريدُ بها تَعْظِيمَ البَاري وتَنْزِيهَه ، وبَذَلَ وُسْعَه، والله حَكَمٌ عَدْلٌ لَطيفٌ بعِبادِهِ ، وَلَا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ إِنَّ الكَبِيرَ من أثِمَّةِ العِلْم إذا كَثُرَ صَوابُه، وعُلِمَ تَحَرِّيِهِ للحَقِّ ، واتَّسَعَ عِلمُه، وظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وعُرِفَ صَلاحُه ووَرَعُه واتِّباعُه، يُغْفَرُ لَه زَلَلُه، ولا نُضَلِّلُهُ ونَطْرَحُه، ونَنْسَى مَحاسِنَه، نَعَم ولا نَقْتَدي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ ونَرْجُو له الثَّوبَةَ من ذلك (٤) . (١) انظر السير: (أبو جَعْفَر الباقر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة: ٣/٥٢١. (٢) انظر السير: ( أبو قلابة) ٤٦٨/٤- ٤٧٥، وانظر النزهة: ٥/٥٣٣. (٣) انظر السير: (مُسْلمُ بنُ يَسار) ٥١٠/٤-٥١٤، وانظر النزهة: ٧/٥٤٧. (٤) انظر السير: (قَتادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٤/٦٠١. ١٩٧ وقالَ أبو شِهاب ، عبدُ الله بنُ نافِعِ القُرَشي: قالَ لي شُعبَة : عَليكَ بحَجَّاجِ بنِ أرْطَاة ، ومحمَّدٍ بنِ إسْحاقَ فإِنَّهما حافِظان، واكْتُم عليَّ عند البَصْرِيِّين في خالِد الحَذَّاءِ ، وهِشام - يَعني ابنَ حَسَّان(١). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذا الاجْتهادُ من شُعبَة مَردودٌ، لا يُلْتَفَتُ إليه بلْ خالدٌ وهِشامٌ مُحتَجِّ بهما في ((الصَّحيحَين))، وهما أوْتَقُ بكثير من حَجَّاج ، وابنِ إسْحاقَ ، بلْ ضَعفُ هَذين ظاهرٌ ولَمْ يُتْرَكا(٢) . قالَ الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبَل: بَلِغَ ابنُ أبي ذِئب أنَّ مالكاً لَمْ يَأْخُذْ بِحَديث (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)) فقالَ: يُستَتَابُ، فإنْ تابَ، وإلَّ ضُربَت عُنقُه ثم قالَ أحمَدُ: هو أوْرَعُ وأقْوَلُ بالحَقِّ من مَالِك(٣) . ثم قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: لَوْ كانَ وَرِعاً كمَا يَنْبَغِي، لَمَا قالَ هَذا الكَلامَ القَبِيحَ في حَقِّ إِمَامٍ عَظيمٍ فمَالِكُ إِنَّمَا لَمْ يَعمَلْ بظَاهِرِ الحَديثِ ، لأنَّه رَآهُ مَنْسُوخاً(٤) . وقيلَ: عَملَ به وحَمَلَ قَولهَ: ((حَتَّى يَتَفَرَّقَا)» على التَّلِفُّظِ بالإيجابِ والقَبولِ ، فمَالِكُ في هذا الحَديثِ ، وفي كُلِّ حَديثٍ له أجْرٌ ولا بُدَّ ، فإنْ أصابَ ، ازْدَادَ أجْراً آخرَ، وإنَّما يَرَى السَّيفَ على مَنْ أخْطأ في اجْتِهادِهِ الحَرُوريَّةُ(٥) وبكل حالٍ فَكَلامُ الأقْرانِ بَعضُهم في بَعضٍ لا يُعَوَّلُ على كثيرٍ منه ، فلا نَقُصَت جَلالَةُ مالِك بقَولِ ابنِ أبي ذئب فيه ، ولا ضَعَّفَ العُلمَاءُ ابنَ أبي ذئب بمَقالَتِهِ هذه، بلْ هما عالِما الْمَدينَة في زَمانِهِما - رَضِيَ الله عنهما - ولَمْ يُسْنِدْها الإمَامُ أحمَدُ فَلَعَلَّهَا لَمْ تَصح(٦) . قالَ ضَمرَة : سَمعتُ مَالكاً يَقولُ: إنَّما كانَت العِراقُ تَجيشُ عَلينا بالدَّراهِم (١) انظر السير: (خالد بنُ مِهْران) ٦/ ١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ٣/٦٤٠. (٢) انظر السير: (خالد بنُ مِهْران) ١٩٠/٦ -١٩٣، وانظر النزهة: ٤/٦٤٠. (٣) انظر السير: (ابنُ أبي ذِئب) ١٣٩/٧ -١٤٩، وانظر النزهة: ٣/٦٨٦. انظر السير : ( ابنُ أبي ذِئب) ١٣٩/٧ -١٤٩، وانظر النزهة: ٤/٦٨٦. (٤) (٥) الحَرُوريَّة: هم الخَوَارِج، ونسبتُهم إلى: حَروراء، وهو مَوضع بظاهر الكُوفَة، وبه كان أوَّلُ اجتماعهم وتحكيمهم حين خالفوا عَليّاً رضي الله عنه وخَرجوا عليه . (٦) انظر السير: ( ابنُ أبي ذِئب) ١٣٩/٧ -١٤٩، وانظر النزهة: ٥/٦٨٦. ١٩٨ والِياب ، ثم صارَت تَجيشُ عَلينا بسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وكانَ سُفْيانُ يَقولُ : مَالِكُ لَيسَ له حِفظٌ (١). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذا يَقولُهُ سُفْيَانُ لِقُوَّةِ حافِظَتِهِ بِكَثْرَة حَديثِهِ ورِحْلِتِه إلى الآفاقِ، وأمَّا مالكٌ، فَلَه إتْقَانٌ وفِقةٌ، لا يُدرَك شَأْوُه فيه ، وله حِفظُ تائمٌ ، فَرَضِيَ اللهُ عَنهما(٢) . قالَ ابنُ سَعد : ماتَ زَفرُ بنُ الهُذَيلِ سَنةَ ثَمَانٍ وخَمسينَ ومئة ، ولَمْ يَكنْ في الحَديثِ بِشَيءٍ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: قد حَكمَ له إمَامُ الصَّنْعَةِ(٣) بأنَّهِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ(٤). قالَ ابنُ عبد الحَكَم : سَمعتُ الشَّافِعِيَّ يَقولُ : قالَ لي مُحمَّدٌ: أيُّهما أعْلمُ صاحِبُنا أمْ صاحِبُكم ؟ يَعْني أبا حَنِيفَة ومالِكاً، قُلتُ : على الإنْصاف؟ قالَ نَعَم قُلتُ : أنشُدُكَ اللهَ ، مَنْ أعْلَمُ بالقُرآنِ ؟ قالَ : صاحِبُكُم قُلتُ: مَنْ أَعْلمُ بالسُّنَّة؟ قالَ : صاحِبُّكم قُلتُ : فمَنْ أعْلمُ بأقاويلِ الصَّحابة والْمُتقدِّمينَ؟ قالَ : صاحِبُكم قُلتُ : فَلَمْ يَبقَ إلاَّ القياسُ، والقياسُ لا يَكونُ إلاَّ على هذه الأشْياءَ ، فمَنْ لَمْ يَعرِفْ الأُصُولَ ، علىَ أيِّ شَيءٍ يَقيسُ ؟(٥) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: وعلى الإنْصافِ ، لو قالَ قائلٌ: بل هما سواءٌ في عِلمٍ الكتاب، والأوَّلُ ، أعْلِمُ بالقِيَاسِ ، والثاني: أعْلمُ بالسُّنَّة، وعندَه عِلمٌ جَمٌّ من أقْوَال كَثِيرٍ من الصَّحابَة ، كما أنَّ الأوَّلَ أعْلمُ بأقَاويلٍ عَليٍّ ، وابنِ مَسْعود وطائفةٍ مِمَّن كان بالكُوفَة من أصْحابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فرَضِيَ الله عن الإمَامَين ، فقد صِرْنا في وقتٍ لا يَقدِرُ الشَّخصُ على النُّطْقِ بالإِنْصَافِ نَسألُ اللهَ السَّلامَة . (١) انظر السير: (سُفْيان الثَّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٦٩٩. (٢) انظر السير: (سُفيان الثَّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٥/٦٩٩. (٣) هو يَحْيَىُ بنُ مَعين . (٤) انظر السير: (زُفَرُ بنُ الهُذَيْل) ٣٨/٨-٤١، وانظر النزهة: ٢/٧٢٥ . (٥) انظر السير: (مالِكُ الإمام) ٨/ ٤٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٧/٧٣٦ . ١٩٩ كان خاتَمُ مالِك ، الذي ماتَ وهو في يَدِهِ ، فصُّه أسْودُ حجَريّ ، ونَقْشُه : حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ وكَانَ يَلْبَسُه في يَسارِهِ ، ورُبَّمَا لَيسَه في يَمِينِهِ(١) . رَوَى أبو عُمَر الضَّرير ، عن أبي عَوانة قال : دخلتُ على هَمَّام بنِ يَحيىُ وهو مريضٌ ، أعُودُه ، فقال لي : يا أبا عوانة أُدْعُ الله أنْ لا يُميتَني حتى يَبلغَ ولدي الصغار فقلتُ : إِنَّ الأجَلَ قد فُرِغَ منه ، فقال لي : أنتَ بعدُ في ضلالك(٢). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : بئسَ المقالُ هذا، بل كُلُّ شىء بقدرِ سابق ، ولكنْ وإنْ كان الأجَلُ قد فُرِغَ منه ، فإنَّ الدعاءَ بطولِ البقاءِ قد صَحَّ ، دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لخادِمِهِ أَنَس بطولِ العُمر ، والله يَمحُو ما يشاءُ ويُثبتُ فقد يكونُ طولُ العُمرِ في عِلمِ الله مَشْروطاً بدعاء مُجاب ، كما أنَّ طَيَرَانَ العُمر قد يكونُ بأسبابٍ جعلها من جَوْرٍ وعَسف، و(( لا يَرُدُّ القَدَرَ إلاَّ الدُّعاء)) والكتاب الأول فلا يَتَغَيَّر(٣). وقالَ أبو سَعيد بنُ الأعْرابي : أمَّ رابِعَةُ العَدَويَّة فقد حَمَلَ النَّاسُ عنها حِكَمَةً كَثيرةً ، وحَكَىْ عَنها سُفْيانُ وشُعْبَة وغَيرُهما ما يدلُّ على بُطلان ما قيلَ عنها ، وقد تَمثَّلته بهذا : وأبحْتُ جسمي مَنْ أرادَ جُلوسي وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ في الفؤادِ محدِّثي فَنَسَبَها بَعضُهم إلى الحُلولِ بنِصِّ البَيتِ ، وإلى الإباحَة بتَمامِه . قالَ الإمامُ الذهَبيُّ مُعقِّباً: فهذا غُلوٍّ وجَهلٌ، ولَعلَّ مَنْ نَسَبَها إلى ذلك مُباحيٌّ حُلوليٌّ لِيَحتَجَّ بها على كُفْرِهِ كاحْتِجاجِهِم بِخَيرِ: ((كنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِه))(٤) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ عَليٍّ بنِ الفُضَيْلِ بنِ عِياضٍٍ: ماتَ الفُضَيْلُ سَنَ سِتِّ وثَمانينَ ومئة، وله نيٌّ وثمانونَ سَنةً، وهو حُجَّةٌ كَبِيرُ القَدْرِ ، ولا عِبْرَةَ بما نقَلَه (١) انظر السير: (مالِكُ الإمام) ٤٨/٨ -١٣٥، وانظر النزهة : ٨/٧٣٦. (٢) انظر السير: ( أبو عوانة) ٢١٧/٨ -٢٢٢، وانظر النزهة : ٤/٧٤٥. انظر السير: ( أبو عوانة) ٨/ ٢١٧ -٢٢٢، وانظر النزهة : ٥/٧٤٥ . (٣) (٤) انظر السير: (رابعَة العَدَويَّة) ٢٤١/٨ -٢٤٣، وانظر النزهة: ٦/٧٤٧. ٢٠٠