النص المفهرس
صفحات 161-180
وكان ابنُ رُذمير مَعروفاً بالوفاء ، حدَّثَنِي مَنْ أثقُ به أنَّ رجلاً كانت له بنتٌ من أجْمل النساء ففقَدَها، فأُخْبرَ أنَّ كَبيراً من رؤوس الرُّوم خَرجَ بها إلىْ سَرَقُسْطَة ، فَتَبَعَه أبَواها وأقاربُها، فشَكَوه إلى ابنِ رُذْمير، فأحضرَه ، وقال: عليَّ بالنار ، كيف تَفْعَلُ هذا بمَنْ هو في جِواري ؟ فقالَ الرُّوميُّ: لا تَعْجَل عليَّ، فإنَّها فَرَّت إلى ديننا ، فجيء بها ، فأنكَرَت أَبَوَيْها ، وارتَدَّت ولمّا دخلَ سَرَقُسْطَة ، أقرَّهم على الصلاة في جامِعِها سبعةَ أعوام، وبعد ذلك يعمل ما يَرى، وحاصَر قُتِّدَة(١) بعد سَرَقُسْطَة سَنتَيْن، فلمّا كان في آخر سنة أربع عشرة ، قصَدَه عبد الله ابنُ حيونة في جَيشٍ فيهم قاضي المَريّة ، أبو عبد الله بنُ الفراء، وأبو علي ابنُ سُكَّرة، فبرزَ لهمُ اللَّعينُ، فقَتَلَ خَلْقاً، وأُسرَ آخرون، واستُشْهَدَ المَذْكوران، فبنى عليهم ابنُ رُذْمير قُبُوراً، ثم سُلِّمَ البلدُ إليه ، وأخذَ في تلك المدة دورقة ، وقلعة أيُّوب، وطَرَسُونة ، وأكثر من مئتي مسَوَّر ، ولم يَبْقَ أكثرُ من ثلاثة مدائن لم يأخذها ، وبقي من أعمال بَني هود لارِدَة وإفراغة ، وطُرْطُوشَة، وغير ذلك معاملة عشرة أيام لم يَظْفَر اللَّعينُ بها، فقام بلارِدة الهُمامُ البَطَلُ أبو محمد ، وقام بإفراغة الزاهدُ المُجاهدُ محمد مَردنيش الجُذامي جَدُّ الأمير محمد بن سَعْد(٢). ٤ - صُوَرٌ مِنْ الوَفَاء : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أبِي جَنْدَل بنِ سُهَيل بنِ عَمْرو العَامِرِيِّ القُرَشِيِّ : كانَ من خِيارِ الصَّحابَة، وقد أسْلمَ وحَبَسَه أبوهُ وقَيَّدَه ، فلمَّا كانَ يَومَ صُلحِ الحُدَيْبِيَة ، هَربَ يَحْجِلُ في قُودِهِ ، وأَبُوهُ حاضِرٌ بينَ يَدَي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، لكِتابِ الصُّلِحِ فقالَ: هذا أوَّلُ مَنْ أُقاضيكَ عليه يا مُحمَّدُ فقالَ: هَبَهُ لي فأَبَى فَرَدَّه وهو يَصيحُ ويَقولُ: يا مُسلِمُونَ! أُرَدُّ إلى الكُفْرِ؟ ثم إنَّه هَربَ وله قِصَّةٌ مَشْهورَةٌ مَذكُورَةٌ في الصَّحِيحِ، ثم خَلُصَ وهاجَرَ، وجاهَدَ ، ثم انْتَقَلَ إلى جِهَادِ الشَّامِ ، فَتُوفِّيَ (١) وهي ثَغْر سَرَقُسْطَة من قُرى مرسية . (٢) انظر السير: (عِمادُ الدولَة بن هُود) ٣٧/٢٠ -٤١°، وانظر النزهة: ١/١٥٢٦. ١٦١ شَهيداً في طاعُونِ عَمَواس بالأُردُن سَنةَ ثَمانيَ عَشرَةٍ(١) . وقال الْمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة : أثنى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على أبي العَاصِ بنِ الرَّبيع في مُصَاهَرتِهِ خَيراً، وقالَ: ((حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي، فَوَفََّ لِي)) وكانَ قد وَعَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أنْ يَرْجِعَ إلى مَكة، بعدَ وَقعَة بَدْر ، فيَبَعَث إليه بِزَيْنَبَ ابنَتِهِ، فَوَفَّى بوَعِدِه، وفارَقَها مع شِدَّة حُبِّه لها، وكانَ من تُجَّارِ قُرَيش وأُمَنَائِهِم ، وما عَلمتُ له رِوَايَةٍ . وَلَمَّا هاجَرَ ، رَدَّ عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، زَوجتَه زَيْنَبَ بعدَ سِتَّةِ أعْوَام على النُّكَاحِ الأوَّل، وقد كانَت زَوجتُه لَمَّا أُسِرَ نَوبَة بَدْر، بَعثَتْ قلادَتَها لِتَفُكَّه بها، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لِهَذِهِ أَسِيرَهَا)) فبادَرَ الصَّحابَةُ إلى ذلك(٢). وعن عائشةَ : دَخَلت امرأةٌ سَوْداءُ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فأقْبلَ عَليها قالَت : فقُلتُ : يا رَسُولَ الله، أقْبَلتَ علىْ هَذه السَّوْداء هَذَا الإِقْبَالَ فقالَ: (( إنَّهَا كانَتْ تَدْخُلُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنْ الإِيمَانِ))(٣). وقالَ حُذَيْفَةُ بنُ الْيَمَان : ما مَنَعَني أنْ أَشْهَدَ بَدْراً إلاَّ أنِّي خَرجتُ أنا وأبي، فأخَذَنا كُفَّارُ قُرَيش، فقالوا: إنَّكم تُريدُونَ مُحمَّداً! فقُلنا: ما نُريدُ إلَّ الْمَدينَةِ، فَأَخَذُوا العَهدَ عَلينا : لنَصْرِفَنَّ إلى المدينة ولا نُقَاتِلُ معه فأخْبَرْنا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((نَفِي بِعَهْدِهِم، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِم )) (٤) . وعن حَبيبٍ بنِ أبي ثابت : أنَّ أبا أيُوبَ الأنْصَارِيَّ قَدِمَ على ابنِ عبَّاسِ البَصْرَةَ ، فَفَرَّغَ له بَيْتَه ، وقالَ: لأصْنَعَنَّ بكَ كمَا صَنعْتَ برَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، كَمْ عَليكَ ؟ قالَ : عِشْرُونَ أَلْفاً فَأَعْطَاهُ أَرْبَعينَ ألْفاً ، وعِشْرِينَ مَمْلوكاً ، ومَتَاعَ البَيتِ . (١) انظر السير: (أبو جَنْدَل) ١/ ١٩٢ -١٩٣، وانظر النزهة: ٢/١٤٦. (٢) انظر السير: (أبو العَاص بن الرَّبيع) ١/ ٣٣٠ -٣٣٤، وانظر النزهة: ٦/١٧٢. (٣) انظر السير: (عائشة أمُّ المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ٢/٢٣٩. (٤) انظر السير: ( حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَان) ٢٦١/٢ -٣٦٩، وانظر النزهة: ٣/٢٧٥. ١٦٢ ماتَ أبو أيُّوب سَنةَ اثنَتَينٍ وخَمْسينَ(١). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الْمَهْرِيِّ: وقد جالَ ابنُ عَمَّار في الأنْدَلُسِ أولاً ، ومَدَحَ الْمُلوكَ الكِبارَ والسُّوقَةَ بحيث إنَّه مَدَحَ فَلأَّحاً أعْطَاهُ مِخْلاةَ شَعِيرٍ لِحِمَارِه ، ثم آلَ بابنِ عَمَّار الحَالُ إلى الإمْرَة ، فمَلأ للفَلَّحِ مِخْلاتَه دَرَاهِم ، وقالَ: لَوْ مَلأها بُراً لَمَلأناها تِبْراً . وقد سَجَنَه الْمُعْتَمِدُ مِدَّة ، وتَوسَّلَ إليه بِقَصَائِدَ(٢) تُلَيِّنُ الصَّخْرَ، فَقَتلَه فِي سَنةِ تِسْعِ وسَبعينَ وأَرْبَع مئة (٣). (١) انظر السير: (أبو أيُّوب الأنصاري) ٤٠٢/٢-٤١٣، وانظر النزهة: ٣/٢٨٣. 13 (٢) انظر هذه القصائدَ في (الذَخيرَة)، ٤١٩/١/٢، وما بعدها . (٣) انظر السير: (الْمَهْري) ١٨/ ٥٨٢-٥٨٤، وانظر النزهة: ١/١٤٤٤. ١٦٣ من صِفَاتِ المُؤمنين الإنْصَاف ١ - البَشَرُ مَجْبولونَ علىُ عَدَمِ الإنْصَافِ إلَّ مَنْ رَحِمَ الله: قالَ داودُ بنُ يَزِيد ، سَمعتُ الشَّعْبِيَّ يَقولُ : والله لَوْ أصَبتُ تِسعاً وتسعينَ مَرَّة ، وأخْطأتُ مَرَّة لأعدُّوا عليَّ تلكَ الوَاحِدَةِ(١) . ٢ - قال الذهبيُّ : صِرْنا في وَقْتٍ لا يَقدِرُ الشَّخصُ على النُّطْقِ بالإنْصافِ نَسألُ اللهَ السَّلَامَةِ قالَ ابنُ عبد الحَكَم : سَمعتُ الشَّافِعِيَّ يَقولُ : قالَ لي مُحمَّدٌ: أَيُّهما أعْلِمُ صاحِبُنا أمْ صاحِبُكم ؟ يَعْني أبا حَنِيفَة ومالِكاً ، قُلتُ: على الإنْصاف؟ قالَ نَعَم قُلتُ : أنشُدُكَ اللهَ، مَنْ أَعْلَمُ بالقُرآنِ ؟ قالَ : صاحِبُكم قُلتُ: مَنْ أَعْلِمُ بالسُّنَّة؟ قالَ : صاحِبُكُم قُلتُ : فمَنْ أعْلمُ بأقاويلِ الصَّحَابَة والْمُتَقدِّمِينَ ؟ قالَ : صاحِبُكُم قُلتُ : فَلَمْ يَبقَ إلاَّ القِياسُ، والقياسُ لا يَكونُ إلَّ على هذه الأشْياءَ، فمَنْ لَمْ يَعرِفْ الأُصُولَ ، على أيِّ شَيءٍ يَقيسُ ؟(٢) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: وعلى الإنْصافِ، لو قالَ قائلٌ: بل هما سواءٌ في عِلمٍ الكتاب، والأوَّلُ، أعْلمُ بالقِيَاسِ ، والثاني: أعْلمُ بالسُّنَّة، وعندَه عِلمٌ جَمٌّ من أقْوَال كَثِيرٍ من الصَّحابَة ، كما أنَّ الأوَّلَ أعْلمُ بأقَاويلِ عَليٍّ ، وابنِ مَسْعود وطائفةٍ مِمَّن كان بالكُوفَة من أصْحابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فرَضِيَ الله عن الإمَامَين ، فقد صِرْنا في وَقتٍ لا يَقدِرُ الشَّخصُ على النُّطْقِ بِالإِنْصَافِ نَسألُ اللهَ السَّلامَة . كان خاتَمُ مالِك ، الذي ماتَ وهو في يَدِهِ ، فصُّه أسْودُ حجَريّ ، ونَقْشُه : (١) انظر السير: (الشَّعْبي) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ١/٥٠٤. (٢) انظر السير: (مالِكُ الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٧/٧٣٦. ١٦٤ حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ وكانَ يَلْبَسُه في يَسارِهِ ، ورُبَّمَا لَيسَه في يَمِينِهِ(١) . ٣- تَصْرِيحُ الذهبيِّ أنَّ بعضَ المُحدِّثين يَتَتَطَّع في الحُكم على الأشْخَاص : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ عليٍّ بنِ الجَعْد: قد كانَ طَائِفَةٌ من الْمُحدِّثِينَ يَتَنطَّعونَ فيمَنْ له هَفوَةٌ صَغِيرَةٌ تُخالِفُ السُّنَّة، وإلاَّ فعليٌّ إمامٌ كبيرٌ حُجَّةٌ، يُقالُ: مَكثَ سِتِّينَ سَنَةً يَصومُ يَوماً ، ويُفطِرُ يَوماً، وبحَسْبِكَ أنَّ ابنَ عَدي يَقولُ في ((كامِلِهِ)) لَمْ أَرَ في رِواياتِه حَديثاً مُنْكَراً إذا حدَّث عنه ثِقَة . تُوفِّيَ عَليُّ بنُ الجَعْد سَنةَ ثَلاث ومئتين، وقد اسْتَكمَلَ سِتَّاً وتِسْعِينَ سَنةٌ(٢). ٤- وُجُوب التَّخلُّص ممَّا في كتب التَّاريخ وغيرِها من القَدْح في العُلَماء بالهَوَى : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الإِمامِ الشَّافِعِيّ: كلامُ الأَقْرانِ إذا تَبَرِهَنَ لنا أنَّ بَهَوَى وعَصبيّة ، لا يُلتَفَتُ إليه، بل يُطوَى وَلَا يُروَى، كما تَقرَّر الكَفُّ عن الكثير مِمَّا شَجرَ بين الصَّحابَة وقِتالِهِم رَضيَ اللهُ عنهم أجْمَعين ، وما زالَ يَمرُّ بنا ذلك في الدَّواوين والكُتبِ والأجْزاء ، ولكنَّ أكثرَ ذلكَ مُنقَطْعٌ وضَعِيفٌ، وبَعضُه كَذبٌ ، وهذا فيما بأيدينا وبينَ عُلمائِنا فيَنبَغي طُّه وإخفاؤُه، بلْ إِعْدامُه لَتَصْفُو القُلوبُ وتَتَوقَّر على حُبُّ الصَّحابَة، والتَّرضِّي عنهم، وكِثْمانُ ذلك مُتَعيِّنٌ عن العامَّة وآحادِ العُلماءِ ، وقد يُرَخَّصُ في مُطالَعَة ذلك خلوَةً للعَالِمِ الْمُنصِفِ العَرَيِّ من الهَوَىُ ، بشَرطِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُم ، كمَا علَّمَنا اللهُ تَعالَى حَيثُ يَقولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآَ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، (٤). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: وأما أئمتنا اليوم وحكامُنا ، فإذا أعدَموا ما وُجِدَ مِنْ (١) انظر السير: (مالِكُ الإمام) ٤٨/٨ -١٣٥، وانظر النزهة: ٨/٧٣٦. (٢) انظر السير: (عَليّ بن الجَعْد) ٤٥٩/١٠ -٤٦٨، وانظر النزهة: ٣/٨٨٤. (٣) سورة الحشر، الآية : ١٠ . (٤) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعِيّ) ١٠/ ٥-٩٩، وانظر النزهة: ٩/٨٥٣. ١٦٥ قَدْحِ بِهَوَى، فقد يُقالُ: أحْسَنوا ووُقِّقُوا وطاعتهم في ذلك مُفترضَة لما قد رأوه من حَسمِ مادَّة الباطِلِ والشَّرِّ . وبكل حال فالجُهَّالُ والضُلاَّلُ قد تكلَّموا في خِيارِ الصَّحابَة ، وفي الحَديثِ الثابتِ : ((لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذَىَ يَسْمَعُهُ مِنْ اللّهِ، إنَّهُمْ لَيَدَّعُونَ لَهُ وَلَداً، وَإِنَّهُ لَيَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِم ))(١) . ٥- حَالُ الأقْران : قالَ إبراهيمُ بنُ الْمُنْذِرِ الحزاميُّ : كان ابنُ الزِّنَادِ سَببَ جَلِدٍ رَبيعَة الرأي ، ثم وَلِيَ بعدَ ذلكَ الْمَدينةَ فلان التيمي ، فأرسلَ إلى أبي الزِّناد ، فطَيَّنَ عليه بيتاً ، فشَفَّعَ فيه رَبِيعَة . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: تَؤُولُ الشَّحْناءُ بَيْنَ القُرَناءِ إلى أعْظَمَ من هذا(٢). ولمَّا رَأىَ رَبيعةُ أنَّ أبا الزِّنَادِ يَهْلِكُ بسَبَبَه ما وَسِعَهُ السُّكُوتُ، فأخْرَجُوا أبا الزِّناد ، وقد عايَنَ المَوْتَ وذَبُلَ ، ومالَتْ عُنُقُه ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلامَةَ(٣). وعن الإمامِ البُوَيْطِيِّ أنَّه قالَ : بَرىء النَّاسُ من دَمِي إلاَّ ثَلاثَةُ: حَرْمَلة ، والْمُزَنِيّ ، وَآخَر (٤) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: اسْتَفِقْ، وَيْحَك، وسَلْ رَبَّكَ العافيَةَ، فَكَلامُ الأقْرانِ بَعضُهم في بعضٍ أمرٌ عَجيبٌ ، وقعَ فيه سادَةٌ ، فَرَحِمَ اللهُ الجَميعَ . وقد ماتَ الإِمامُ البُوَيْطِيُّ فِي قَيدِه مَسْجوناً بالعِراقِ سَنةَ إِحْدَى وثَلاثينَ ومِئْتَين (٥) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي عَمْرو الدَّاني : قد كانَ بينَ أبي عَمرو ، وبينَ أبي مُحمَّدٍ بنِ حَزْم وَحْشَة ومُنافَرَة شَديدَة، أفْضَت بهما إلى التَّهاجي ، وهذا مَذمومٌ (١) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٥٥. (٢) انظر السير: (أبو الزُّناد) ٤٤٥/٥-٤٥١، وانظر النزهة: ٦/٦٢٠. انظر السير: ( أبو الزُّناد) ٤٤٥/٥-٤٥١، وانظر النزهة: ١/٦٢١. (٣) انظر السير: ( البُوَيْطيُّ) ٥٨/١٢-٦١، وانظر النزهة: ٣/٩٨٢. (٤) (٥) انظر السير: (البُوَيْطيُّ) ١٢ /٥٨-٦١، وانظر النزهة: ٤/٩٨٢. ١٦٦ من الأَقْرانِ ، مَوْفورُ الوُجود نسألُ اللهَ الصَّفْحَ، وأبو عَمرو أقْوَمُ قِيلاً ، وأَتْبَعُ للسُّنَّة ولكنَّ أبا مُحمَّد أوْسَع دائرةً في العُلوم بَلَغَت تَواليفُ أبي عَمْرو مئة وعشرين كتاباً(١). ٦ - كلامُ الأَقْرانِ فِي بَعضِهم لا يُسْمَع : رَوَى اللَّيْثُ بنُ سَعد، عن رَبِيعَةَ بنِ أبي عبدِ الرحمَن قالَ: أمَّا أبو الزِّنادِ ، فَلَيسَ بثقةٍ ولا رَضِيّ . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: انْعقَد الإجْماعُ على أنَّ أبا الزِّنَاد ثَقَةٌ رَضِيٌّ(٢). وقالَ مَالكٌ حينمَا ذَكرَ ابنَ إسْحاق بن يَسار الإِخْباريّ: دَجَّالٌ من الدَّجاجِلَةِ(٣). قالَ الخَطيبُ : ذَكرَ بَعضُهم : أنَّ مَالِكاً عابَه جَماعَةٌ من أهْلِ العِلمِ في زَمانِهِ بِإِطْلاقِ لِسانِهِ في قَومٍ مَعْروفينَ بِالصَّلاحِ والدِّينَة والثِّقَة والأمَانَةَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: كلاً ما عابَهم إلاَّ وهُم عندَه بخِلافِ ذلك وهو مُثابٌ على ذلك وإنْ أخْطَأ اجتهادُه رَحمَةُ اللهِ عليه (٤) . وعن عبدِ الله بنِ نافع قالَ : كانَ ابنُ أبي ذِئب وابنُ الماحِشُون وابنُ حازِمٍ وابنُ إِسْحاقَ يَتَكلَّمون في مَالِك . وكانَ أَشَدَّهم فيه كلاماً محمَّدُ بنُ إسْحاقَ كانَ يَقولُ : انْتُونِي بِبَعضٍ كُتِه حتَّى أُبَيِّنَ عُيوبَه، أنا بَيْطَارُ كُتُبه(٥) . وذكر البُخاريُّ هنا فَصلاً حَسَناً عن رجالِهِ ، وإبراهيمٍ بنِ سَعد ، وصالحِ بنِ كِيسَان فقد أكْثَرَ عن ابنِ إِسْحاق قال البخاريُّ : ولَوْ صحَّ عن مالك تَنَاوُلُهُ من ابنِ إسْحاق فلَرُبَّما تكلَّمَ الإنْسانُ فيَرمِي صاحبه بشيءٍ واحد ولا يَّهِمُه في الأمُورِ كلِّها قال : وقال إبراهيمُ بنُ الْمُنْذِر عن محمدِ بنِ فُلَيْح : نَهاني مالكٌ عن شَيخَينٍ من قُريش وقد أكثرَ عنهما في ((المُوَطَّأ)) وهما ممَّن يُحْتَجُّ بهما ، ولمْ ينجُ كثيرٌ من النَّاسِ من كلامِ بَعضٍ (١) انظر السير: ( أبو عَمْرو الدَّاني) ١٨/ ٧٧ -٨٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٨٦. (٢) انظر السير: (أبو الزُّناد) ٤٤٥/٥-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/٦٢١. (٣) انظر السير: (ابنُ إسْحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ١/٦٧٤. (٤) انظر السير: (ابنُ إسْحاق) ٣٣/٧- ٥٥، وانظر النزهة: ٢/٦٧٤. (٥) انظر السير: (ابنُ إسْحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ٣/٦٧٤. ١٦٧ النَّاسِ فيهم نَحْو ما يُذكَر عن إبراهيمَ من كلامِه في الشَّعْبِيِّ وكلام الشَّعْبِيِّ في عِكْرِمَة وفيمَن كان قبلَهم وتناول بعضِهِم في العِرْض والنَّفْس ولمْ يَلتَفِتْ أهلُ العلم في هذا النَّحْو إلَّ بَيان وحُجَّة ولمْ تَسْقُطِ عَدَالَتُّهم إلاَّ بيُرْهانٍ ثابتٍ وحُجَّة، والكَلامُ في هذا كَثِير(١). قالَ الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبَل: بَلغَ ابنُ أبي ذِئب أنَّ مالكاً لَمْ يَأْخُذْ بِحَديث (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)) فقالَ: يُستَتَابُ، فإنْ تابَ، وإلاَّ ضُربَت عُنقُه ثم قالَ أحمَدُ : هو أوْرَعُ وأقْوَلُ بالحَقِّ من مَالِك(٢). ثم قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: لَوْ كَانَ وَرِعاً كمَا يَنْبَغِي، لَمَا قالَ هَذا الكَلامَ القَبِيحَ في حَقِّ إمَامٍ عَظيمٍ فمَالِكٌّ إنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِظَاهِرِ الحَديثِ ، لأنَّه رَآهُ مَنْسُوخاً(٣). وقيلَ: عَملَ به وحَملَ قَولهَ: ((حَتَّى يَتَفَرَّقَا)) على التَّلِفُّظِ بالإيجابِ والقَبولِ ، فمَالِكٌ في هذا الحَديثِ ، وفي كُلِّ حَديثٍ له أجْرٌ ولا بُدَّ ، فإنْ أصابَ ، ازْدادَ أجْراً آخرَ، وإنَّما يَرَى السَّيفَ على مَنْ أخْطأ في اجْتِهادِهِ الحَرُوريَّةُ(٤) وبكل حالٍ فَكَلامُ الأقْرانِ بَعضُهم في بَعضٍ لا يُعَوَّلُ على كثيرٍ منه ، فلا نَقُصَت جَلالَةُ مالِك بقَولِ ابنِ أبي ذئب فيه ، ولا ضَعَّفَ العُلمَاءُ ابنَ أبي ذئب بمَقالَتِهِ هذه، بلْ هما عالِما الْمَدينَة في زَمانِهِما - رَضِيَ الله عنهما - ولَمْ يُسْنِدْها الإمَامُ أحمَدُ فَلَعَلَّهَا لَمْ تَصح(٥) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ زَكَريّا بنِ عَديّ : وقد نالَ منه أبو نُعَيم الكُوفيُّ بِلا حُجَّة، وقالَ : مالَه وللحَديثِ ؟ هو بالثَّوْراةِ أَعْلِمُ . قالَ ابنُ سَعْد : هو من مَوَالِي تَيم الله ، وكانَ رَجلاً صالِحاً ثِقةً ، قالَ : وتُوفِّيَ في سَنةِ إِحْدَى عَشرَةَ ومِئْتَين(٦) . (١) انظر السير: (ابن إسحاق) ٧/ ٣٣ - ٥٥، وانظر النزهة: ٥/٦٧٤. (٢) انظر السير: (ابنُ أبي ذِئب) ١٣٩/٧ -١٤٩، وانظر النزهة: ٣/٦٨٦. (٣) انظر السير: (ابنُ أبي ذِئب) ١٣٩/٧ -١٤٩، وانظر النزهة: ٤/٦٨٦. (٤) الحَرُوريَّة: هم الخَوَارِج، ونسبتُهم إلى: حَروراء، وهو مَوضع بظاهر الكُوفَةَ، وبه كان أوَّلُ اجتماعهم وتحكيمهم حين خالفوا عَليّاً رضي الله عنه وخرجوا عليه . (٥) انظر السير: ( ابنُ أبي ذِئب) ١٣٩/٧ - ١٤٩، وانظر النزهة: ٥/٦٨٦. (٦) انظر السير: (زَكَريّا بن عَدي) ١٠/ ٤٤٢ - ٤٤٥، وانظر النزهة: ٤/٨٨٢. ١٦٨ وعن الإمامِ البُوَيْطِيِّ أنَّه قالَ : بَرىء النَّاسُ من دَمِي إلاَّ ثَلاثَة: حَرْمَلة ، والْمُزَنِيّ ، وَآخَرَ(١) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: اسْتَفِقْ، وَيْحَك، وسَلْ رَبَّكَ العافيَةَ، فَكَلامُ الأقْرانِ بَعضُهم في بعضٍ أمرٌ عَجيبٌ ، وقعَ فيه سادَةٌ ، فَرَحِمَ اللهُ الجَميعَ . وقد ماتَ الإِمامُ البُوَيْطِيُّ في قَيِدِهِ مَسْجوناً بالعِراقِ سَنةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ ومِئْتَين(٢). ٧ - ضَابطٌ في كلام الأقْران : قالَ مَكْحولٌ : ما زِلتُ مُضطلِعاً على مَنْ ناوَأني حتَّى عاوَنَهم عليَّ رَجاءُ بنُ حَيْوَة ، وذلكَ أنَّه كانَ سَيِّدَ أهْلِ الشَّامِ في أنْفُسِهم . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: كانَ ما بَيْنَهما فاسِداً، وما زَالَ الأَقْرانُ يَنالُ بَعضُهم من بَعضٍ، ومَكْحُولٌ ورَجَاءٌ إِمَامَانِ ، فَلا يُلْتَفتُ إلى قَولِ أحدٍ منهما في الآخَرَ (٣) . وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ إِسْحاقَ: وقد أمْسَكَ عن الاحْتجاجِ برِوَاياتِ ابنِ إسْحاق غيرُ واحدٍ من العُلماء لأشياءَ ، منها : تَشْيُّعُه، ونُسِبَ إلى القَدَرَ، ويُدَلِّسُ في حَديثِهِ ، فأمَّا الصِّدْقُ فليس بمَدُفُوع عنه (٤) . وذكر البُخاريُّ هنا فَصلاً حَسَناً عن رجالِه ، وإبراهيمِ بنِ سَعد ، وصالحِ بنِ كِيسَان فقد أكْثَرَ عن ابنِ إِسْحاق قال البخاريُّ : ولَوْ صحَّ عن مالك تَنَاوُلُهُ من ابنِ إسْحاق فَلَرُبَّما تكلَّمَ الإنْسانُ فيَرمِي صاحبَه بشيءٍ واحد ولا يَتَّهِمُه في الأمُورِ كلِّها قال : وقال إبراهيمُ بنُ الْمُنْذِر عن محمدِ بنِ فُلَيْح : نَهاني مالكُ عن شَيخَينٍ من قُريش وقد أكثرَ عنهما في ((المُوَطَّأ)) وهما ممَّن يُخْتَجُّ بهما ، ولمْ ينجُ كثيرٌ من النَّاسِ من كلامِ بَعضٍ النَّاسِ فيهم نَحْو ما يُذكَر عن إبراهيمَ من كلامِه في الشَّعْبِيِّ وكلامِ الشَّعْبِيِّ في عِكْرِمَة (١) انظر السير: (البُوَيْطيُّ) ٥٨/١٢-٦١، وانظر النزهة: ٣/٩٨٢. (٢) انظر السير: ( البُوَيْطِيُّ) ١٢/ ٥٨ -٦١، وانظر النزهة : ٤/٩٨٢. (٣) انظر السير: (رَجاءُ بنُ حَيْوَة) ٥٥٧/٤-٥٦١، وانظر النزهة: ١/٥٥٨. (٤) انظر السير: (ابن إسْحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ٦٧٤ /٤. ١٦٩ وفيمَن كان قبلَهم وتناوُل بعضِهِمٍ في العِرْض والنَّفْس ولمْ يَلْتَفِتْ أهلُ العلم في هذا النَّحْو إلَّ بَبَيَان وحُجَّة ولمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُّهم إلاَّ بُبُرْهانٍ ثابتٍ وحُجَّة، والكَلامُ في هذا كَثِير(١). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: لَسنا نَدَّعي في أئمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْديلِ العِصْمَةَ من الغَلَطِ النادر ، ولا من الكَلامِ بنَفَس حادٌّ فيمَنْ بينهم وبينَه شَحْنَاءَ وإحنَةٍ(٢) وقد عُلمَ أنَّ كثيراً من كَلامِ الأَقْرانِ بَعضُهم في بعض مُهْدَرٌ لا عِبِرَةَ به ، ولا سيَّما إذا وَثَّقَ الرجُلَ جَماعَةٌ يَلوحُ علَى قَولِهِم الإنْصافُ، وهذان الرَّجُلان كُلٌّ منهما قد نَالَ من صاحِبِه لكن أثَّرَ كَلامُ مالِكِ في مُحمَّد بَعضَ اللِّين، ولَمْ يُؤْثِّرْ كَلامُ مُحمَّد فيه ولا ذَرَّة ، وارْتَفَعَ مَالِكٌ ، وصارَ كالنَّجمِ، والآخَرُ فَلَه ارْتفاعٌ بحَسِبِهِ ، ولا سيَّما في السِّيَر ، وأمَّا في أحاديثٍ الأحْكام فيَنْحَطُّ حَديثُه فيها عن رُتِبَة الصِّحَّة إلى رُتِبَة الحَسَنِ إلَّ فيما شَذَّ فيه فإنَّه يُعَدُّ مُنكَراً ، هذا الذي عندي في حالِه، واللهُ أعلم (٣) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ الإمامِ الشَّافِعِيّ : كلامُ الأقْرانِ إذا تَبَرهَنَ لنا أنَّه بهَوَى وعَصبيّة ، لا يُلتَفَتُ إليه ، بل يُطوَى وَلا يُروَى، كما تَقرَّر الكَفُّ عن الكثير مِمَّا شَجرَ بين الصَّحابَة وقِتالِهِم رَضيَ اللهُ عنهم أجْمَعين ، وما زالَ يَمرُّ بنا ذلك في الدَّواوين والكُتبِ والأجْزاء ، ولكنَّ أكثرُ ذلكَ مُنقَطِعٌ وضَعيفٌ، وبَعضُه كَذبٌ ، وهذا فيما بأيدينا وبينَ عُلمائِنا فيَنبَغي طيُّه وإخفاؤُه، بلْ إِعْدامُه لتَصْفُو القُلوبُ وتَتَوفَّر على حُبِّ الصَّحابَة ، والتَّرضِّي عنهم، وكتمانُ ذلك مُتعيِّنٌ عن العامَّة وَآحادِ العُلماءِ ، وقد يُرَخَّصُ في مُطالَعَة ذلك خلوَةً للعَالِمِ الْمُنصِفِ العَرَيِّ من الهَوَىُ، بشرطِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُم، كمَا علَّمَنا اللهُ تَعالَى حَيثُ يَقولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤)، (٥). (١) انظر السير: (ابن إسحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ٥/٦٧٤ . (٢) الإحنة : الحقد في الصدر . (٣) انظر السير: (ابن إسْحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ١/٦٧٥. (٤) سورة الحشر، الاية : ١٠ . (٥) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٩/٨٥٣. ١٧٠ قالَ أَبُو بَكْرِ المَرْوِذِيّ: ذَكَرَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل هِشَامَ بنَ عَمّارٍ ، فقال: طَيّاشٌ خَفيف (١) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : أمَّا قَولُ الإمامِ أحمَد عن هِشَامِ بنِ عَمّارٍ إنَّه طيّاش ، فلأنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّه قالَ في خُطْبَتِهِ: ((الحَمْدُ للهِ الذي تَجَلّىُ لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ))، فَهَذهِ الكَلِمَةِ لا يَنْبَغِي إِطْلاقُها، وإنْ كانَ لها مَعْنَى صَحيح، لكنْ يَحْتَجُّ بها الخُلُولِيُّ والاتِّحاديُّ وما بَلَغَنَا أنَّ سُبْحانَه وتَعالَى تَجَلَّى لشَيءٍ إلاَّ بجَبَلِ الطُّورِ، فصَيَّرَهُ دَكَّاً، وفي تَجَلِّيهِ لنَبيِّنا صلى الله عليه وسلم اختلافٌ أنْكَرَتَهُ عائِشَةُ وأثْبَتَهُ ابنُ عَبَّاس(٢) . وبكل حالٍ كلامُ الأَقْرانِ بَعضِهم في بَعْض يُحْتمَلُ ، وطَيُّه أوْلَى من بَنِّه إلاَّ أنْ يَتَّفِقُ الْمُعاصِرونَ علىْ جَرْحِ شَيخِ ، فَيُعْتمَدُ قَوْلُهم ، والله أعْلم(٣) . وقال أبو نُعيم في ((تاريخ أصبهان)): ابنُ مَنْدَة حافِظُ منْ أولادِ الْمُحدِّثين، اخْتلطَ في آخِرِ عُمرِهِ ، وتَخْبَّطَ في أمَاليهِ ، ونَسبَ إلى جَماعَةٍ أَقْوَالاً في الْمُعتَقَدات لَمْ يُعرَفوا بها ، نسألُ اللهَ السِّتْرَ والصِّيانَةِ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: لا نَعبَأ بقَولِك في خَصْمِك للعَدَاوَةِ السَّائرَة، كمَا لا نَسمَعُ أيضاً قَولَه فيك، فلقَدَ رَأيتُ لابنِ مَنْدَةٍ حَطَّاً مُقَذّعاً على أبي نُعَيم وتَبْديعاً ، وما لا أحبُّ ذِكْرَه، وكلٌّ منهما فَصَدوقٌ فِي نَفَسِه، غَيرُ مُتَّهم في نَقَلِه بحَمدِ الله(٤) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ أبي نُعَيم: قد كانَ أبو عبدِ اللهِ بنُ مَنْدَه يُقذعُ في الْمَقالِ في أبي نُعَيم لِمَكانِ الاعْتِقِادِ الْمُتَنَازَعِ فيه بين الحَنابِلَة وأصْحَابِ أبي الحَسَن ، ونالَ أبو نُعَيم أيضاً من أبي عبدِ الله في ((تاريخِه)) وقد عُرفَ وَهَنُ كَلامِ الأَقْرانِ الْمُتَنَافِسِينَ بَعضهم في بَعضٍ نَسألُ اللهَ السَّماحَ . (١) انظر السير: (هشام بن عمار) ٤٢٠/١١ -٤٣٥، وانظر النزهة : ١/٩٥٧. (٢) انظر السير: ( هشام بن عمار) ٤٢٠/١١ -٤٣٥، وانظر النزهة: ٥/٩٥٧. (٣) انظر السير: (هشام بن عمار) ٤٢٠/١١ -٤٣٥، وانظر النزهة: ١/٩٥٨. (٤) انظر السير: (ابنُ مَندَه) ٢٨/١٧ -٤٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٢١. ١٧١ ماتَ أبو نُعَيم الحافِظُ، سَنةَ ثَلاثينَ وأرْبَع مئة وله أربعٌ وتِسْعونَ سَنةً(١) . وجاءَ في تَرجَمَةِ سُلَيمانِ بنِ إِبْراهيم : قالَ يَحْيَىُ بنُ مَنْده : في سَماعِهِ كَلامٌ ، سَمعتُ مِنْ ثِقاتٍ أنَّ له أخاً يُسمَّى إسْمَاعِيلَ أكْبرُ منه، فحَكَّ اسمَه ، وأثبتَ اسمَ نفسِه ، وهو شَيخ شَرِهٌ لا يَتَوزَّعُ، لَكَانٌ وَقَّاح(٢) . تُوفِّيَ سَنَ سِتٍّ وثَمانينَ ، وله تِسْعُونَ عَاماً غَيرَ أشْهُر(٣). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : وينبغي التوقف في كلام يَحْيَىُ ، فَبَيْنَ آلِ مَنْدَه وأَصْحَابِ أبي نُعَيم عَداواتٌ وإحَنٌ (٤). ٨- تَعْلِيلٌ لِذَمِّ الأقْرانِ بعضهم بعضاً : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الإمام الشَّافِعِيِّ: وصَنَّفَ الكِبارُ في مَناقِبٍ هذا الإمَامِ قديماً وحديثاً ، ونالَ بَعضُ النَّاسِ منهَ غَضّاً، فما زادَه ذلكَ إلاَّ رِفْعَةً وجَلالَةً ، ولاحَ للمُنْصِفِينَ أنَّ كَلامَ أقْرانِه فيه بهَوىّ، وقَلَّ مَنْ بَرَّزَ في الإمَامَة، ورَدَّ على من خالَفَه إلاَّ وَعُودي ، نَعوذُ بالله من الهَوَىُ ، وهذه الأوْرَاقُ تَضيقُ عن مَناقِبٍ هذا السَّيِّد . قالَ الْمُزَنِيُّ : ما رَأيتُ أحْسَنَ وَجْهاً من الشَّافِعِيِّ رَحمَهُ اللهُ وكانَ رُبَّما قَبَضَ على لِحْيَتِه فلا يَفْضُلُ عن قَبَضَتِهِ (٥) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وقد كُنتُ وَقفتُ على بَعضٍ كَلام الْمَغارِبَة في الإمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَه الله، فكانَت فائدَتي من ذلك تَضْعيفُ حالٍ مَنْ تَعرَّضَ إلى الإمام ، وللهِ الحَمدُ . ولا رَيبَ أنَّ الإمامَ لَمَّا سَكنَ مِصْرَ، وخَالَفَ أقْرانَه من الْمالِكِيَّة ، ووَهَّى بَعضَ فُروعِهم بدَلائلِ السُّنَّة وخالَفَ شَيخَه في مَسائل ، تألَّموا منه، ونالوا منه ، وجَرَت بينَهم وحْشَة ، غَفرَ الله للكُلِّ ، قد اعْتَرَفَ الإمامُ سُحْنُونُ، وقالَ : لَمْ يَكنْ في الشَّافِعِيِّ (١) انظر السير: ( أبو نُعَيم) ١٧/ ٤٥٣ - ٤٦٤، وانظر النزهة: ٣/١٣٤٩. (٢) في اللسان: وَقُحَ الرجُلُ: إذا صار قليلَ الحَياء ، فهو وَقِحٌّ ووَقَّاح . (٣) انظر السير: (سُلَيمانُ بنُ إبراهيم) ٢١/١٩-٢٥، وانظر النزهة: ٢/١٤٥٣. (٤) انظر السير: (سُلَيمانُ بنُ إبراهيم) ٢١/١٩ -٢٥، وانظر النزهة: ٣/١٤٥٣. (٥) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعِيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٤٥. ١٧٢ بدعَةٌ ، فصَدَقَ والله ، فرَحِمَ اللهُ الشَّافِعِيَّ، وأينَ مثلُ الشَّافِعِيِّ والله! في صِدقِهِ ، وشَرَفِه ، ونُبُلِه، وسِعَةِ عِلمِه، وفَرطِ ذَكائه ، ونَصرِه للحَقِّ، وكَثْرَةِ مَناقِهِ، رَحمَه اللهُ تعالى(١) . ٩- قَواعِدٌ في الإنْصَاف : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ السَّفَّاحِ : وكان إذا عَلمَ بينَ اثْنينٍ تَعادِياً لَمْ يَقبَلْ شَهادَةَ ذَا علىُ ذَا، ويَقولُ: العَدَاوَةُ تُزِيلُ العَدَالَةَ (٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ الْمُبارَك قالَ : إذا غَلَبَتْ مَحاسِنُ الرجُلِ على مَساوئه لَمْ تُذْكَر الْمَساوىء، وإذا غَلَبَت الْمَساوىء على الْمَحاسِن لَمْ تُذْكَرِ الْمَحاسِن(٣). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي بكر السِّجِسْتَانِيّ: لَيسَ من شَرط الثّقَةِ أنْ لا يُخْطِىءَ ولا يَغْلَطَ ولا يَسْهوَ، والرجلُ فِمِنْ كِبَارِ عُلماء الإسْلام، ومن أَوْثَق الحُفَّاظ ، رحمه الله تعالى (٤). وقالَ أبو الحَسَنِ الصَّفَّار : سَمعتُ أبا سَهْلِ الصُّعْلُوكِيَّ، وسُئلَ عن تَفَسيرِ أبي بكر القَفَّال فقالَ: قدَّسَه من وَجْه ، ودَنَّسَه من وجه أي: دَنَّسَه نَصرُه للاعْتِزِالِ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: الكَمالُ عَزِيزٌ، وإنَّما يُمدَحُ العالِمُ بِكَثْرَةِ ما لَه من الفَضائل ، فلا تُدفَنِ الْمَحاسِنُ لوَرْطَة، ولَعلَّه رَجعَ عنها وقد يُغفَر له باسْتَفْراغِه الوُسْعَ فِي طَلبِ الحَقِّ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(٥) . ١٠ - ضَوابطٌ جَميلَةٌ في إعْذارٍ مَنْ تَلَبَّسَ بِدْعَةٍ أو خطأ : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة قَتَادَةَ بن دِعامَة قُدوة المُفَسِّرين: هُوَ حُجَّةٌ بالإجماع إذا بَيِّنَ السَّمَاعَ، فإنَّه مُدَلِّسٌ مَعْروفٌ بِذَلِكَ، وكان يَرَى القَدَرَ ، نَسْألُ اللهَ العَفْوَ ، ومع (١) ان- ر السير: (الإمامُ الشَّافِعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٥٥. (٢) انظر السير: (السَّفاح) ٧٧/٦ - ٨٠، وانظر النزهة: ٣/٦٣٢. (٣) انظر السير: (عبد الله بن المُبارَك) ٣٧٨ - ٤٢١، وانظر النزهة : ٥/٧٦٨. انظر السير: ( أبو بكر السِّجسْتانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ١/١٠٧٥. (٤) (٥) انظر السير: (القَفَّال الشَّاشِي) ٢٨٣/١٦-٢٨٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٩٥. ١٧٣ هذا فما تَوَقَّفَ أحَدٌ فِي صِدْقِهِ، وعَدالَتِهِ، وحِفْظِهِ ، ولَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أمْثالَه مِمَّن تَلَّسَ بِبِدْعَة يُرِيدُ بها تَعْظِيمَ البَاري وتَنْزِيهَه، وبَذَلَ وُسْعَه، والله حَكَمٌ عَدْلٌ لَطِيفٌ بعِبادِه ، وَلَا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ إِنَّ الكَبِيرَ من أئِمَّةِ العِلْم إذا كَثُرَ صَوابُه، وعُلِمَ تَحَرِّيهِ للحَقِّ ، واتَّسَعَ عِلمُه، وظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وعُرِفَ صَلاحُه ووَرَعُه واتِّبَاعُه، يُغْفَرُ لَه زَلَلُه، ولا نُضَلِّلُهُ ونَطْرَحُه، ونَنْسَى مَحاسِنَه، نَعَم ولا تَقْتَدي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ ونَرْجُو له الثَّوبَةَ من ذلك(١) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ عَليٍّ بن الفُضَيلِ بن عياض: إذا كانَ كُبَرَاءُ السَّابقين الأوَّلينَ قد تَكلَّم فيهم الرَّوافِضُ والخَوارجُ ، ومثل الفُضَيل يُتكلّم فيه ، فمَنِ الذي يَسلَمُ من ألْسِنَةَ النَّاسِ ، لكن إذا ثَبِتَت إمَامَةُ الرجُلِ وفَضْلُه ، لَمْ يَضِرُّه ما قيلَ فيه ، وإنَّما الكَلامُ في العُلماءِ مُفْتِقِرٌ إلى وَزنٍ بِالعَدلِ والوَرَع (٢) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ وَكيع : وكلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ من قَولِه ويُتَرَك ، فلا قُدوَةَ في خَطأ العَالِمِ ، نَعَم ، ولا يُوبَخ بما فَعَلَه باجْتهاد ، نَسألُ اللهَله الْمُسامَحَة . قال يَحْبَىُ بنُ مَعين : وَكِيعٌ في زَمانِهِ كالأوْزاعيِّ في زَمانِه . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: كان أحمَدُ يُعظِّمُ وَكيعاً ويُفَخِّمُه(٣) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي بكر السِّجِسْتانيّ : لَيسَ من شَرط الثِّقَةِ أنْ لا يُخْطِىءَ ولا يَغْلَطَ ولا يَسْهوَ، والرجلُ فِمِنْ كِبَارِ عُلماء الإسْلام، ومن أَوْثَق الحُفَّاظ، رحمه الله تعالى (٤). قال الحافظُ أبو عبد الله بنُ مَندَه في مسألة الإيمان : صَرَّحَ محمدُ ابنُ نَصْر في كتاب ((الإيمان)) بأنَّ الإيمانَ مَخْلوق، وأنَّ الإقْرارَ، والشَّهادَةَ، وقِراءةَ القُرآن بلَفْظه مَخْلوق ثم قال: وهَجَرَه على ذلك عُلماءُ وَقْته وخالَفَه أئمَّةُ خُراسانَ والعِراق(٥) . (١) انظر السير: (قَتَادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٤/٦٠١. (٢) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الفُضَيل) ٨/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ٣/٧٨٢. (٣) انظر السير: ( وَكيع) ٩/ ١٤٠ -١٦٨، وانظر النزهة: ١/٨٠٩. (٤) انظر السير: ( أبو بكر السِّجسْتانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ١/١٠٧٥. (٥) انظر السير: (محمد بن نَصر) ١٤/ ٣٣-٤٠، وانظر النزهة : ١/١١٢٧. ١٧٤ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : الخَوْضُ في ذلك لا يجوزُ ، وكذلك لا يجوزُ أنْ يُقالَ: الإيمانُ ، والإقْرارُ، والقِراءةُ، والتَّلقُّظُ بالقُرآن غَيرُ مَخْلوق، فإنَّ اللهَ خَلقَ العِبادَ وأعْمالَهم، والإيمانُ : فقَولٌ وعَمل، والقِراءَةُ والتَّلفُّظُ : من كَسْب القارىء ، والمَقْروءُ المَلْفوظُ: هو كَلامُ الله ووَحْيُه وتَنزِيلُه، وهو غَيرُ مَخْلوق، وكذلك كَلمَةُ الإيمان ، وهو قَوْلُ ((لا إلهَ إلاَّ الله، محمَّدٌ رَسُولُ الله)) داخلةٌ في القُرآن ، وما كان من القُرآن فليس بمَخْلوق ، والتكلُّمُ بها من فِعْلِنا، وأفْعالُنا مَخْلوقَة ، ولو أنَّ كُلما أخطأ إمامٌ في اجْتهادِه في آحادِ المَسائل خطأً مَغْفوراً له ، قُمْنا عليه، وبَدَّعْناه ، وهَجَرْناه ، لما سَلِمَ مَعنا لا ابنُ نَصْر ، ولا ابنُ مَنْدَة ، ولا مَنْ هو أكْبرُ منهما، واللهُ هو هادي الخَلق إلى الحَقِّ، وهو أرْحَمُ الراحمين، فَنَعوذُ بالله من الهَوى والفَظاظَةِ(١) . وقالَ أبو الحَسَنِ الصَّفَّارِ : سَمعتُ أبا سَهْلِ الصُّعْلُوكِيَّ، وسُئلَ عن تَفسيرِ أبي بكر القَفَّال فقالَ: قدَّسَه من وَجْه، ودَنَّسَه من وجه أي : دَنَّسَه نَصرُه للاعْتِزالِ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: الكَمالُ عَزيزٌ، وإنَّما يُمدَحُ العالِمُ بِكَثْرَةِ مالَه من الفَضائل، فلا تُدفَنِ الْمَحاسِنُ لوَرْطَة، ولَعلَّه رَجعَ عنها وقد يُغْفَر له باسْتَفْراغِه الوُسْعَ فِي طَلبِ الحَقِّ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(٢). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ ابنِ عبدِ البَرِّ : كان إماماً دَيِّناً ثِقةً، مُتْقِناً ، علاّمة ، مُتْبَخِّراً ، صاحِبَ سُنَّة واتِباع، وكانَ أوّلاً ظاهِرياً فيما قيلَ ، ثم تَحوَّلَ مَالِكِيّاً مع مَيلٍ بَيِّنٍ إلى فِقْهِ الشَّافِعِيِّ في مَسائل، ولا يُنكَرُ له ذلك، فإنَّه مِمَّن بَلِغَ رُتبَة الأئمَّة الْمُجتَهدين ، ومَنْ نَظرَ في مُصنَّفَاتِه ، بانَ له مَنزلتُه من سعة العِلم ، وقُوَّة الفَهم ، وسَيلان الذُّهْن، وكلُّ أحَد يُؤْخَذ من قَوله ويُترَك إلاَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنْ إذا أخْطأ إمامٌ في اجْتِهادِه ، لا يَنبَغي لنا أنْ نَنْسىُ مَحاسِنَه، ونُغَطِّي مَعارِفَه بل نستغفِرُ له ، ونَعتَذِرُ عنه . وقالَ أبو عليٍّ الغَسَّانِيُّ: ألفَ أبو عُمَر في ((الْمُوَطَّأ)) كُتباً مفيدَة ، منها : كتاب (١) انظر السير: (محمد بن نَصر) ٣٣/١٤-٤٠، وانظر النزهة: ٢/١١٢٧. (٢) انظر السير: (القَفَّال الشَّاشِي) ٢٨٣/١٦ -٢٨٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٩٥. ١٧٥ ((التَّمْهيد لِما في الْمُوَطَّأ من الْمَعاني والأسَانيد))، فرتَّبَه على أسماء شُيوخِ مالِك على حُروفِ المُعجَم ، وهو كتابٌ لم يَتقدَّمه أحدٌ إلى مثله ، وهو سَبعون جُزءاً . قالَ الإمامُ الذَّهَبِيُّ : هي أجْزاءٌ ضَخْمَة جداً . قالَ ابنُ حَزْم لا أعْلمُ في الكلام على فِقِه الحَديث مثلَه ، فَكَيفَ أحْسنَ منه ؟ !! ثم صنعَ كتاب ((الاستذكار لِمَذهب عُلماء الأمْصَار فيما تَضمنَّه الْمُوَطَّأ من مَعاني الرأي والآثار )) شَرح فيه ((الْمُوَطَّأ)» على وجهه، وجَمعَ كتاباً جَليلاً مُفيداً ، وهو (( الاسْتيعاب في أسْماء الصَّحابَة))، وله كتابُ ((جامع بيَان العِلم وفَضِلِه ، وما يَنْبَغِي في روايتِهِ وحملِهِ )) ، وغير ذلك من تَواليفِه . وكان مُوقَّقاً في التأليف ، مُعاناً عليه ، ونفع الله بتَواليفِه ، وكان مع تقدُّمه في عِلم الأثَرِ وبصره بالفِقْه ومَعاني الحَديثِ له بَسْطَة كبيرة في عِلْمِ النَّسَب والخَبَر . ماتَ أبو عُمَر سَنةَ ثَلاثٍ وسِتِينَ وأرْبَع مئة ، واسْتكمَلَ خَمْساً وتِسْعينَ سَنةً وخَمْسَة أيّام ، رحمه اللهُ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: وكان في أصُول الدِّينَةَ على مَذْهَب السَّلف، لمْ يَدخُلْ في عِلمِ الكَلامِ ، بلْ قَفا آثارَ مَشايخِه رحمهم الله(١). ١١ - ضَابطٌ في الجَرْحِ والتَّعْديل : قالَ عبدُ الخالِقِ بنُ مَنصور : سَمعتُ ابنَ الرُّومِيِّ ، يَقولُ : ما رَأيتُ أحَداً قَطُ يَقولُ الحَقَّ في الْمَشايخ غير يَحْيَى بِنِ مَعين وغَيرُه كان يَتحامَلُ بالقَولِ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً : هذا القَولُ من عبدِ الله بنِ الرُّومِيِّ غَيرُ مَقبول ، وإنَّما قالَه باجْتهاده ، ونَحنُ لا نَذَّعي العِصمَة في أئمَّة الجَرْحِ والتَّعْديلِ ، لكن هم أكثر النَّاسِ صَواباً ، وأنْدَرُهم خَطأ ، وأشَدُّهم إنْصافاً ، وأبْعَدُهم عن الثَّحامُل ، وإذا اتَّفَقوا على تَعديلٍ أَو جَرْح ، فَتَمسَّك به ، واعْضُضْ عليه بناجِذَيك ، ولا تَتَجاوَزْه ، فتَندَم ومَنْ (١) انظر السير: (ابنُ عبدِ البَرِّ) ١٨/ ١٥٣-١٦٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٩٢. ١٧٦ شَذَّ منهم ، فلا عِبِرَةَ به فخَلُ عَنكَ العَناءَ ، وأَعْطِ القَوْسَ باريها ، فوالله لَوْلا الحُفَّاظُ الأكابِرُ، لخَطَبَت الزَّنَادِقَةُ على الْمَنابِرِ، ولَئِنْ خَطَبَ من أهْلِ البِدَع فإنَّما هو بسَيْفٍ الإسْلام وبلِسَانِ الشَّريعَة وبجَاه السُّنَّة وبإظْهارِ مُتَابَعَة ما جاءَ به الرسُولُ صلى الله عليه وسلم فَنَعوذُ بالله من الخُذْلانِ(١) . ١٢ - مَعْرفَة مَراتِب الرِّجال: (أ) مَعَالِمُ في تَقْويم الرِّجَال : عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثني عُرْوَةُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَة أخْبرَه أنَّه وَفِدَ على مُعاويَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ فقَضَى حاجَتَه، ثم خَلا به ، فقالَ: يا مِسْوَرُ! ما فَعَلَ طَعنُك على الأئمّة ؟ قالَ : دَعْنا من هذا وأحْسِنْ قالَ : لا والله لتُكلِّمَنِّي بذاتِ نَفَسِك بالذي تَعيبُ عليَّ قالَ مِسْوَرٌ: فَلَمْ أَترُك شَيئاً أعيبُه عليه إلاَّ بَيَنتُ له فقالَ: لا أبْرأُ من الذَّنبِ ، فهل تَعُدُّ لنا يا مِسْوَرُ ما نَلي من الإصْلاح في أمْر العامَّة، فإنَّ الحَسَنةَ بعَشر أمثالها، أمْ تَعُدُّ الذُّنوبَ، وتَترُكُ الإحْسانَ ؟ قالَ : ما تُذكَرُ إلاَّ الذُّنوب قالَ مُعاويَةُ: فإنَّا نَعترفُ الله بكلِّ ذَنبٍ أذْنبناه ، فَهَلْ لك يا مِسْوَرُ ذُنوبٌ في خاصَّتِكِ تَخْشَىْ أنْ تَهلككَ إنْ لَمْ تُغْفَر؟ قالَ : نَعَم قالَ : فما يَجعلك الله برَجاءَ الْمَغْفِرَةِ أحَقَّ منِّي ، فو الله ما ألي من الإصْلاحِ أكثرُ مِمَّا تَلي، ولكنْ والله لا أُخَيَّرُ بينَ أمْرَين بينَ الله وبينَ غَيرِهِ ، إلاَّ اختَرتُ اللهَ على ما سِواه ، وإنَّي لَعَلى دينٍ يُقبَلُ فيه العَملُ ويُجزَى فيه بالحَسَناتِ ، ويُجزَى فيه بالذُّنوبِ إلاَّ أنْ يَعْفو اللهُ عنها، قالَ: فخَصَمَني قالَ عُرْوَةُ: فَلَمْ أسْمَعْ الْمِسْوَرَ ذَكرَ مُعاويَةَ إلاَّ صلَّى عليه(٢) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : ومُعاويَةُ من خِيارِ الْمُلوكِ الذين غَلبَ عَدلُهم على ظُلمِهم ، وما هو ببَريء من الهَنَّات، واللهُ يَعْفو عنه(٣). وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ الحَلَّجِ: فإذا جازَ على سيِّدِ البَشَرِ أنْ لا يَعْلَمَ ببعضٍ (١) انظر السير: (يَحْيَى بنُ مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٢/٩١٠. (٢) انظر السير: (معاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٣٥٤ . (٣) انظر السير: ( مُعاوية بن أبي سفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٦/٣٥٦. ١٧٧ المُنافقين ، وهم معه في المدينة سَنوات ، فالأوْلَىُ أنْ يَخْفَى حالُ جَماعة من الْمُنافِقِينَ الفارغين على دين الإسْلام بعدَه عليه السلام على العُلماء من أمَّتِهِ ، فما يَنْبَغِي لك يا فَقِيهُ أنْ تُبادرَ إلى تَكْفِيرِ المُسْلمِ إِلاَّ بيُرْهانٍ قَطعي، كما لا يَسُوغُ لك أنْ تَعْتقدَ العِرْفانَ والوٍلايَة فيمن قد تَبَرَهَنَ زَغَلُهُ، وَانْهَتَكَ باطِنُهُ وزَنْدَقَتُه ، فلا هذا ولا هذا ، بل العَدْلُ أنَّ مَنْ رَآه المسلمون صالحاً مُحْسِناً ، فهو كذلك، لأنَّهم شُهَداءُ الله في أرضِه، إذْ الأُمَّة لا تَجْتَمِعُ علىْ ضَلالَة، وأنَّ مَنْ رَآه المسلمون فاجراً أو مُنافِقاً أو مُبْطِلاً ، فهو كذلك، وأنَّ مَنْ كان طائفةٌ من الأُمَّة تُضَلِّلُه، وطائفةٌ من الأُمّة تُثْنِى عليه وتُبَجِّلُه ، وطائفةٌ ثالثةٌ تَقِفُ فيه وتَتَوَرَّعِ من الحَطِّ عليه، فهو ممَّن يَنْبَغي أن يُعْرَضَ عنه ، وأنْ يُفَوَّضَ أمرُه إلى الله، وأن يُستغفَر له في الجُمْلَة ، لأنَّ إِسْلامَه أصْليٌّ بيقين ، وضَلالَه مَشْكوكٌ فيه ، فبهذا تستَريحُ ويَصْفو قلبُك من الغِلِّ للمؤمنين . ثم اعْلم أنَّ أهْلَ القبلَة كلُّهم ، مؤمنُهم وفاسِقُهم وسُنيُهم ومُبتدِعُهم - سِوى الصحابة - لم يُجْمعوا على مسلم بأنَّه سعيدٌ ناجح ، ولم يُجْمِعوا على مسلم بأنَّه شَقيٌّ هالك ، فهذا الصدِّيقُ فردُ الأمَّة، قد عَلمتَ تفَرُّقَهم فيه، وكذلك عُمَر ، وكذلك عُثْمان ، وكذلك عليّ، وكذلك ابنُ الزُّبَير، وكذلك الحَجَّاج ، وكذلك المأمون ، وكذلك بِشْر المريسي ، وكذلك أحمدُ بنُ حَنبَل ، والشَّافعي ، والبُخاري ، والنَّسَائِي، وهَلمَّ جرّاً من الأعْيان في الخَير والشَّر إلى يومك هذا ، فما من إمام كامل في الخَير إلاَّ وثَمَّ أُناسٌ من جَهَلة المسلمين ومُبْتدعيهم يَذْمُّونَه ويَحُطُّون عليه ، وما من رأسٍ في البدعَة والتجَهُم والرَّفْض إلاَّ وله أُناسٌ يَنْتُصرون له ، ويَذُّون عنه ، ويَدینون بقَوله بهَوىّ وجَهل ، وإنَّما العِبرَةُ بقَول جُمهور الأُمَة الخالين من الهَوى والجَهْل المُتصِفین بالوَرَع والعلم ، فتدبر ۔ یا عبد الله - نخلة الحلاج الذي هو رأسٌ من رؤوس القَرامطَة ودُعاة الزَّندَقَة، وأنْصِفْ وتَورَّع واتَّقِ ذلك ، وحاسب نفسَك ، فإنْ تَبرهَن لك أنَّ شَمائلَ هذا المَرْء شَمائلَ عَدوٍّ للإسلام ، مُحبٌّ للرئاسَة حَریصٍ على الظُّهور بباطل وبحقِّ، فَتَبرأ من نِحْلَته، وإنْ تَبَرهَن لك، والعياذُ بالله، أنَّه كان - والحالةُ هذه - مُحِقّاً هادياً مَهديّاً، فجَدِّدْ إسْلامَك واستَغِث بربِّك أن يُوفِّقك للحقِّ وأن يُتْبِّتَ قلبك على دينه ، فإنَّما الهُدَى نورٌ يَقذفُه اللهُ في قلبٍ عبده المسلم ، ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله ، وإنْ ١٧٨ شَكَكْتَ ولم تعرف حقيقته ، وتَبرّأتَ ممَّا رُمِيَ به ، أرَحْتَ نفسَك ، ولمْ يَسْألكَ اللهُ عنه أصْلاً . وقال أبو عُمرَ بن حَيوَة : لمَّا خَرجَ الحَلَّجُ ليُقْتَل ، مَضَيتُ وزَاحَمتُ حتى رأيتُه ، فقال لأصحابه : لا يَهُولنَّكم ، فإنِّي عائدٌ إليكم بعدَ ثَلاثين يوماً . فهذه حكايةٌ صَحيحة تُوضِّحُ لك أنَّ الحَلَجَ مُمَخْرَقٌ كذَّاب ، حتى عند قَتِلِهِ . وقال الصُّوليُّ : قيلَ إنَّه كان في أوَّل أمرِهِ يَدعُو إلى الرِّضى من آلِ محمّد ، وكان يُري الجاهلَ أشْياء من شَعبَذَته ، فإذا وَثِقَ منه دَعاهُ إلى أنَّه إله(١) . ( ب) إِنْزالُ الرِّجالِ مَنازِلَهم: جاءَ في تَرَجَمَةِ الأَحْنَفِ بنِ قَيْس، قيل : كان زياد مُعظِّماً للأحْنَفِ ابنِ قَيْس فلمَّا وَلَيَ بعدَه ابنُهُ عُبَيْدُ الله تَغْيَّر أمرُ الأَحْنَفِ ، وقدَّم عليه مَنْ هو دُونَه ، ثم وَفِدَ علىُ مُعاويَة في الأشْرافِ فقالَ لِعُبَيدِ الله: أدْخِلهم عليَّ علىُ قَدرِ مَراتِبهم فأخَّرَ الأحْنَفَ ، فلمَّا رَآهُ مُعاويَةُ أكْرَمَه لِمَكانٍ سِيادَتِه وقالَ : إليَّ يا أبا بَحْر ، وأجلَسَه مَعه وأعْرَضَ عنهم ، فأخذوا في شُكر عُبَيدِ الله بنِ زياد ، وسَكتَ الأحْتَفُ فقالَ له : لم لا تَتَكلَّم ؟ قالَ : إنْ تَكلَّمتُ خالَفْتُهم قالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَد عَزلتُ عُبَيْدَ الله فلمَّا خَرجوا كانَ فيهم مَنْ يَرومُ الإمارَة ثم أتَوا مُعاويَةَ بعدَ ثلاثة، وذَكرَ كلُّ واحد شَخصاً وتَنَازَعوا ، فقالَ مُعاويَةُ : ما تَقولُ يا أبا بَحْر؟ قالَ : إنْ وَلَّيتَ أحداً من أهْلِ بَيتك لَمْ تَجدْ مثلَ عُبَيْدِ الله فقالَ : قد أُعَدْتُه ، قالَ: فخَلا مُعاويَةُ بعُبَيدِ الله وقالَ : كيفَ ضَيَّعتَ مثلَ هذا الرجُلِ الذي عَزَلَك وأعادَك وهو ساكتٌ!؟ فلمَّا رَجعَ عُبَيْدُ الله جَعَلَ الأحْنَفَ صاحِبَ سِرِّه(٢) . عن يَحْيَىِ بنِ مَعين : سَمعتُ قَبِيصَةَ بنَ عُقبة يَقولُ : شَهدتُ عند شَريك ، فامْتَحتَي في شَهادَتِي ، فذكرتُ ذلكَ لسُفْيانَ ، فأنْكَرَ على شَريك ، وقالَ : لَمْ يَكِنْ له أنْ يَمْتَحنَه . (١) انظر السير: ( الخَلاَّج) ٣١٣/١٤ -٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٨. (٢) انظر السير: (الأحْتَفُ بنُ قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٧/٤٥٣. ١٧٩ قالَ أحمَدُ بنُ سَلمَةَ النِّيسابوريُّ: سَمعتُ هَنَّداً يَقولُ غَيْرَ مَرَّة إذا ذَكرَ قَبِيصَةَ : الرَّجلُ الصَّالِحُ وتَدْمَعُ عَيناه، وكان هَنَّدٌ كَثِيرَ البُكاءِ(١) . (ج ) المَوازينُ التي يُوزَنُ بها الرِّجَال : عن سَعدٍ قال: كُنا مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سِتَّة نفر ، فقال المشركون : اْرُدْ هَؤلاءِ عَنكَ فَلا يَجْتَرِؤُونَ عَلينا، وكُنتُ أنا وابنُ مَسْعود وبِلالٌ ورَجلٌ من هُذَيْل وَآخَران ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ... الآيَتَين(٢)،(٣). عن عُرْوَةَ بن رُويم، عن القاسِم أبي عبدِ الرحمَن حدَّثه قالَ : زارَنا سَلمانُ الفارسيُّ فصلَّى الإمامُ الظُهرَ، ثم خَرِجَ وخَرجَ النَّاسُ، يَتلقَّوْنَه كما يُتَلَقَّى الخَلِيفَةُ ، فَلَقيناهُ وقد صلَّى بأصْحابِهِ العَصرَ ، وهو يَمشي فوَقَفْنا نُسلِّمُ عليه ، فَلَمْ يَبقَ فينا شَرِيفٌ إلاَّ عَرضَ عَليهِ أنْ يَنْزِلَ به ، فقالَ : جَعلتُ على نَفَسِي مرَّتي هذه أنْ أُنزلَ علىْ بَشيرِ بنِ سَعْد فلمَّا قَدمَ ، سَألَ عن أبي الدَّرْداء، فقالوا: هو مُرابطٌ ، فقالَ : أينَ مُرابَطُكم ؟ قالوا : بَيرُوت، فَتَوجَّه قِبَلَه ، قالَ : فقالَ سَلمانُ: يا أهلَ بَيرُوتَ: ألا أُحدِّتُكم حَديثاً يُذهِبُ الله به عَنكم عَرضَ الرِّباط سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَصِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطَاً أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَجَرَى لَهُ صَالِحُ عَمَّلِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))(٤) . عن عائذِ بنِ عَمرو أنَّ أبا سُفْيَانَ مَرَّ على سَلمانَ وِبِلال وصُهَيب في نَفَر فقالوا : ما أخَذَت سُيوفُ الله من عُنُقَ عَدو الله مأخَذَها فقالَ أبو بكر : تَقولون هذا الشَيخ قُرَيش وسَيِّدِها! ثم أتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخْبرَه، فقالَ: ((يَا أَبَا بَكرٍ! لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كِنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ)) فأتاهُم أبو بكر فقالَ: يا إخْوَتَاهُ (١) انظر السير: (قَبِيصَة بن عُقبة) ١٣٠/١٠ -١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٨٥٨. (٢) سورة الأنعام ، الايتان : ٥٢، ٥٣ . (٣) انظر السير: (بلال بن رباح) ١/ ٣٤٧ -٣٦٠، وانظر النزهة: ٤/١٧٥. (٤) انظر السير: (سَلمان الفارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/١٩٨. ١٨٠