النص المفهرس

صفحات 121-140

أَوْصِني قالَ: أُوصِيكَ أنْ تَكونَ مَلِكاً في الدُّنيا والآخِرَة قالَ : كيفَ ؟ قالَ : ازْهَدْ في
الدُّنيا(١) .
وعن الفُضَيْلِ : حَرامٌ عَلىْ قُلُوبِكُمْ أنْ تُصِيبَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حتَّى تَزْهَدُوا في
الدُّنيا(٢).
٥- الزُّهْدُ لا يُنَافِي المَلابسَ الحَسَنَة والطَّعَامَ الحَسَن:
قالَ أبو بكر البَرْقانيُّ : قُلتُ يَوماً لابنِ سَمْعونَ: تَدعُوا النَّاسَ إلى الزُّهْدِ وتَلَبَسُ.
أحْسَنَ القِّيَابِ ، وتَأَكُلُ أَطْيَبَ الطَّعام، كَيفَ هَذا؟ فقَالَ: كُلُّ مَا يُصْلِحُكَ لله فافْعَلُهُ
إذا صَلُحَ حَالُك مع الله تَعالَى(٣) .
ورُويَ عن أقْضَى القُضاة الماوَرْدِيِّ قال: صَلَّيْتُ خلفَ أبي الحَسَنِ القَزْويني ،
فرَأيتُ عليه قميصاً نَقَيّاً مُطَرَّزاً، فقلتُ فِي نَفَسِي : أين الطرزُ من الزُّهد ؟ فلمَّا سلَّمَ
قال : سُبحانَ الله! الطرزُ لا ينقُصُ حُكمَ الزُّهد (٤) .
وذكر محمدُ بنُ حُسَين القَزَّاز قال : كان ببغدادَ زاهدٌ خَشِنُ العَيش ، وكان يَبلُغُه أنَّ
ابنَ القَزْوينيِّ يأكلُ الطَّيِّبَ، ويَلْبَسُ الرَّقيقَ، فقال: سُبحانَ الله! رجلٌ مُجْمَعٌ على
زُهْدِهِ ، وهذا حالُه! أشْتَهي أن أراهُ فجاء إلى الحربيّة ، فرآه، فقال الشيخُ :
سبحانَ الله! رجلٌ يُومَأُ إليه في الزُّهدِ يُعارِضُ اللهَ في أفْعالِه ، وما هُنا مُحَرَّمٌ ولا مُنْكَر
فَشَهِقَ ذلك الرجلُ ، ويَكَى(٥) .
وعن جَعْفَرِ الهَمداني، أخْبَرنا السِّلَفيُّ: سَمْعتُ جَعْفَراً السَّرَّاجَ يقول : رأيتُ على
أبي الحسَن القَزْوينيِّ ثَوباً رَقيقاً، فخطر لي: كيفَ مثْلُه في الزُّهِدِ يَلْبَسُ هذا؟! فنظرَ
(١) انظر السير: (محمد بن واسع) ١١٩/٦ -١٢٣، وانظر النزهة: ٣/٦٣٨.
انظر السير : ( الفُضَيل بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة : ٦/٧٧٧.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( ابن سَمْعُون) ٥٠٥/١٦-٥١١، وانظر النزهة: ١/١٣١٠.
انظر السير: ( القزويني) ٦٠٩/١٧-٦١٣، وانظر النزهة : ١/١٣٦٨.
(٤)
(٥) انظر السير: (القزويني) ٦٠٩/١٧ -٦١٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٦٨.
١٢١

في الحال إليَّ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾(١)، (٢).
٦ - الزُّهْدُ فَضِيلَةٌ ولَيسَ وَسيلَةً للتَّفِير :
كان أيُّوبُ السِّخْتِيانيُّ يَقولُ : لِيَتَّقِ اللهَ رجلٌ فإنْ زَهَدَ ، فلا يَجْعَلَنَّ زُهْدَه عَذاباً على
النَّاس، فلأنْ يُخْفِيَ الرجُلُ زُهْدَه خَيرٌ مِنْ أنْ يُعْلِنَهِ(٣).
٧- إحْفَاءُ الزُّهْد :
كان أيُّوبُ السِّخْتِيانيُّ يَقولُ: لِيَتَّقِ اللهَ رجلٌ فإنْ زَهَدَ ، فلا يَجْعَلَنَّ زُهْدَه عَذاباً على
النَّاس، فلأنْ يُخْفِيَ الرجُلُ زُهْدَه خَيرٌ مِنْ أنْ يُعْلِنَهِ (٤) .
وكان أيُوبُ مِمَّن يُخفي زُهْدَه دَخلْنا عليه ، فإذا هو علىُ فِراشٍ مُخَمَّسٍ أحمر ،
فِرَفَعتُه، أو رَفَعَه بَعضُ أصْحابِنا ، فإذا خَصَفةٌ مَحْشِوَةٌ بليفٍ (٥) .
٨- مِنَ النَّاسِ مَنْ بَلغَ به الزُّهْدُ مَبْلَغاً عَجيباً :
عَدُّ بنُ مُسافِر :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : الشَّيخُ الإمَامُ الصَّالِحُ القُدوَةُ، زَاهِدُ وَقِتِهِ ،
أبو محمَّد عَدُّ بنُ صَخْرِ الشَّاميُّ، وقيلَ : عَديُّ بنُ مُسَافِرِ - وهذا أشْهَرُ - ابنِ
إِسْماعيلَ الشَّامِيُّ ، ثم الهَكَّاريُّ .
قالَ الحَافِظُ عبدُ القادِرِ : ساحَ سِنِينَ كَثِيرَة ، وصَحِبَ الْمَشايخَ وجاهَدَ أنْواعاً من
الْمُجاهَدات ، ثم إنَّه سَكنَ بَعضَ جِبالِ الْمُوصِلِ في مَوْضِعِ لَيسَ به أَنَيسٌ ، ثم آنَسَ اللهُ
تِلكَ الْمَواضِعَ به، وعَمَرَها ببَركاتِهِ ، حتَّى صارَ لا يَخافُ أحدٌ بها بعدَ قَطعِ السُّبُل ،
وارْتَدَّ جَماعَةٌ من مُفْسِدي الأكْرادِ بَركاتِهِ ، وعُمِّرَ حتَّى انْتَفعَ به خَلقٌ ، وانْتُشْرَ ذِكرُه ،
(١) سورة الأعراف، الآية: ٣٢ .
انظر السير: ( القزويني) ٦٠٩/١٧ -٦١٣، وانظر النزهة : ٤/١٣٦٨.
(٢)
انظر السير: ( أيُّوب السُّخْتِيانيّ) ١٥/٦ -٢٦، وانظر النزهة: ٦/٦٢٦.
(٣)
انظر السير: ( أيُّوب السُّخْتِيانيّ) ١٥/٦ -٢٦، وانظر النزهة: ٦/٦٢٦.
(٤)
(٥) انظر السير: (أيُّوب السُّخْتِيانيّ) ١٥/٦-٢٦، وانظر النزهة: ٦/٦٢٦.
١٢٢

وكانَ مُعَلِّماً للخَيرِ ، ناصِحاً مُتَشْرِّعاً، شَديداً في الله ، لا تَأْخُذُه في اللهِ لَومَةُ لائم ،
عاشَ قَرِيباً من ثَمانينَ سَنةً ما بَلغَنا أنَّه باعَ شَيئاً ولا اشْتَرى ، ولا تَلَبَّسَ بشَيءٍ من أمْرِ
الدُّنيا كانت له غُلَيْلَةٌ يَزِرَعُها بالقَدُوم في الجَبلِ ، ويَحصُدُها ، ويتَقوَّتُ ، وكانَ يَزْرَعُ
القُطْنَ، ويَكْتَسي منه ، ولا يَأْكُلُ مَن مَالِ أحَدٍ شَيئاً ، وكانَ له أوْقَاتٌ لا يُرَى فيها
مُحافظةً علىْ أوْرادِه، وقد طُفتُ مَعه أيّاماً سَوادَ الْمُوصِلِ، فكانَ يُصلِّي مَعنا العِشَاءَ ،
ثم لا نَراهُ إِلى الصُّبْحِ ورَأيْتُه إذا أقبلَ إلى قَرِيَةٍ يَتلقَّاهُ أهلُها من قبل أنْ يَسْمَعوا كَلامَه
تائبين رِجالُهم ونِساؤُهم إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ منهم، ولقد أَتَيْنا مَعه علىُ دَيرِ رُهْبان ، فتَلقَّانا
منهم رَاهِبَان، فَكَشَفا رَأْسَيْهِمَا، وقَبَلا رِجْلَيْهِ، وقَالا: ادْعُ لنا فمَا نَحنُ إلَّ في
بَركاتِك ، وأخْرَجا طَبَقاً فيه خُبزٌ وعَسَلٌ ، فأكلَ الجَماعَةُ ، وسَمعتُ شَخصاً يَقولُ له :
يا شَيخُ ، لا بأسَ بمُداراةِ الفاسِقِ فقالَ: لا يأخي ، دِينٌ مَكْتُومٌ دِينٌ مَيْثُومٌ ، وكانَ
يُواصِلُ الأيّامَ الكَثيرَة على ما اشْتُهرَ عنه، حتَّى إِنَّ بَعضَ النَّاسِ كانَ يَعتَقْدُ أنَّه لا يَأْكُلُ
شَيْئاً قَطُّ، فلمَّا بَلغَه ذلكَ أخَذَ شَيئاً، وأكَلَه بحُضْرَة النَّاسِ ، واشْتُهرَ عنه من الرِّياضَاتِ
والسِّيَّرِ والكَرَامَاتِ والانْتِفاع به ما لَوْ كانَ في الزَّمَانِ القَديمِ لَكَانَ أُحْدُوثَةَ، وَرَأيتُه قد
جاءَ إلى الْمُوصِلِ فِي السَّنَةَ التي ماتَ فيها ، فنزَلَ في مَشْهَد خَارِجَ الْمُوصِلِ، فِخَرِجَ
إليه السُّلطَانُ وأصْحَابُ الولاياتِ والْمَشائخُ والعَوائُ حتَّى آذَوْهِ مِمَّا يُقَبِّلونَ يَدَهَ ، فَأُجْلِسَ
في مَوْضِع بَيْنَه وبينَ النَّاسِ شُبَّاكٌ بِحَيثُ لا يَصلُ إليه أحَدٌ إلاَّ رُؤْيَةً، فَكَانُوا يُسَلِّمونَ
عليه ، ويَنصَرِفُونَ ، ثم رَجَعَ إلى زَاوِيَتِه .
وقالَ ابنُ خَلِّكانَ: أصْلُهُ من بلادٍ بَعْلَبَك ، وتَوجَّه إلى جَبلِ الهَكَّارَّة ، وانْقَطعَ ،
وبَنى له زَاويَةً، ومَالَ إليه أهلُ البلادِ مَيْلاً لَمْ يُسمَع بمثلِه، وسَارَ ذِكرُه في الآفَاقِ ،
وتَبَعَه خَلقٌ جاوَزَ اعْتقادُهم فيه الحَدَّ، حتَّى جَعلوه قِبْلَتَهم التي يُصَلُّون إليها وذَخيرَتهم
في الآخِرَة ، عاشَ تِسعينَ سَنةً .
تُوفِّيَ سَنَةَ سَبِعٍ وخَمْسينَ وخَمسٍ مئة (١)
(١) انظر السير: (عَديّ) ٢٠/ ٣٤٢ -٣٤٤، وانظر النزهة: ١٥٥٧/ عَديّ.
١٢٣

٩- مِنْ زُمَّاد التَّابعين :
عن عَلقمَةَ بنِ مَرْثَد ، قالَ : انْتُهى الزُّهْدُ إلى ثَمانِيَة : عَامر بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ
قَيس ، وأُوَيْسِ القَرْنِيِّ، وهَرِمٍ بِنِ حَيَّان، والرَّبيعِ بنِ خُثَيم ، ومَسْرُوقٍ بِنِ الأجْدَع ،
والأسْوَدِ بنِ يَزيد، وأبي مُسْلِمِ الخَوْلاني، والحَسَنِ ابنِ أبي الحَسَن(١) .
١٠ - مِنْ زُهَّاد القَرْن الثَّالِث :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الجُوعِيِّ: كان زاهدَ الوَقْت هذا الجُوعِيُّ بدِمَشْقَ ،
والسَّرِيُّ السَّقَطِيُّ بَبَغْدَادَ ، وأحمَدُ بنُ حَرْب بنيسَابُورَ ، وذُو النُّونِ بِمِصْرَ ، ومُحمَّدُ بنُ
أسْلَم بطُوسَ وأين مثل هؤلاء السَّادَة؟ ما يَملأُ عَيني إلاَّ التُّرابُ ، أوْ مَنْ تَحتَ
التُّرابِ (٢) .
١١ - الزُّهْدُ في الخِلافَة:
جاءَ في تَرجَمَةِ أميرِ المؤمنينَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه : قالَ القاسِمُ ابنُ
مُحمَّد: قال عُمرُ: ((لَيَعْلمَ مَنْ وَلَيَ هذا الأمْرَ مِنْ بَعْدي أنْ سَيريدُه عنه القَريبُ
والبَعيدُ ، إنِّي لأُقَاتِلُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِي قِتالاً ، ولَوْ عَلِمتُ أنْ أحَداً أقْوَى عليه مِنِّي لَكِنْتُ
أنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبُ عُنُفي أحبُّ إليَّ من أنْ أَلِيَهِ))(٣).
وقالَ حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ عَوْف: أخْبَرَنِي المِسْوَرُ أنَّ النَّفَرَ الذين ولَهُمْ عُمَرُ
اجْتَمَعوا فَتَشَاوَروا ، فقالَ عبدُ الرَّحْمَن بنُ عَوْف: لَسْتُ بالذي أُنَافِسُكم هذا الأمرَ ،
ولكنْ إنْ شِئْتُم اخْتَرتُ لكم منكم ، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن ، قال : لا يَخْلو به
رجلٌ ذو رأي فيعدل بعثمانَ أحَداً، وذكرَ الحَديثَ إلى أن قالَ: فتشهَّدَ وقالَ: أمَّا بعدُ
يا عَلَيُّ فإِنِّي قد نَظَرْتُ في النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُم يَعْدِلونَ بعُثْمانَ فلا تَجْعَلنَّ على نَفَسِكَ
(١) انظر السير: (أُوَيْس القَرْنيّ) ١٩/٤ -٣٣، وانظر النزهة: ٤/٤٣٥.
(٢) انظر السير: (الجُوعِيُّ) ٧٧/١٢ -٧٩، وانظر النزهة: ٦/٩٨٤.
(٣) انظر السير: ( عُمرَ بنِ الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ٥/٤٦ .
١٢٤

سَبِيلاً، ثم أخَذَ بيدِ عُثْمانَ فقالَ: نُبايُعُكَ على سُنَّةِ الله وسُنَّةِ رَسُولِه وسُنَّةِ الخَلِيفَتَين
بعدَه، فبايَعَه عبدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْف وبايَعَه المُهاجِرونَ والأنْصارُ(١) .
١٢ - صُوَرٌ على الزُّهْد :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أمير المؤمنينَ عُمرَ بن الخَطَّاب رضي الله عنه: وقال
عِكْرِمَةُ بنُ خالد وغيرُه: إنَّ حَفْصَةَ، وعبدَ الله، وغَيرَهما كلَّموا عُمَرَ فقالوا : لَوْ
أكلتَ طَعاماً طَيِّباً كانَ أقْوَى لك على الحَقِّ ، قالَ : أكلُّكم على هذا الرَّأي ؟ قالوا :
نَعَم ، قالَ : قد عَلمتُ نُصحَكم ، ولكنِّي تَركتُ صاحِبِيٍّ علىُ جَادَّةٍ فإنْ تَركتُ جادَّتَهما
لَمْ أُدْرِكْهُمَا فِي الْمَنْزِلِ(٢) .
وقالَ ابنُ أبي مُلَيْكَة: كلَّمَ عُثْبَةُ بنُ فَرْقَد عُمَرَ في طَعامِه ، فقال: وَيْحَكْ آَكُلُ
طَيِّاتي في حَياتِي الدُّنيا وأَسْتَمْتِعُ بها(٣) .
قالَ مُبارَك عن الحَسَنِ : دَخَلَ عُمَرُ رضي الله عنه على ابنِهِ عاصِم وهو يَأْكُلَ لَحْماً ،
فقالَ: ما هذا؟ !! قالَ: قَرِمْنا (٤) إليه، قالَ: أَوَكُلَّما قَرِمْتَ إلى شَيء أكَلتَه؟ !! ،
كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفاً أنْ يَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَى (٥) .
قالَ عبدُ الرحمن بنُ زَيْد بنُ أسْلم عن أبيه ، عن جَدِّه ، قالَ عُمَرُ: لقد خَطَرَ على
قَلْبِي شَهْوَةُ السَّمَكِ الطَّيِّ، قالَ: ورَخَّل ((يَرْفَأُ))(٦) راحلَتَه وسارَ أرْبَعاً مُقْبِلاً
ومُذْبِراً، واشْتَرَى مِكْتَلاً فجاءَه به، وعَمَدَ إلى الرَّاحِلَة فَغَسلَها، فأَتَى عُمرَ فقالَ :
انْطَلِقْ حَتّى أَنْظُرَ إلى الرَّاحِلَةِ ، فَنَظرَ وقالَ: نَسيتَ أنْ تَغْسِلَ هذا العَرقَ الذي تحتَ
أُذُنِها ، عذَّبتَ بَهيمة في شَهْوَة عُمَرَ، لا والله لا يَذوقُ عُمِرُ مِكْتَلَكَ (٧).
(١) انظر السير: (عُثمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ٨١ .
(٢)
انظر السير : ( عُمَر بن الخَطَّاب ) ، وانظر النزهة : ٥/٤٧.
(٣)
انظر السير: ( عُمَر بن الخطاب )، وانظر النزهة : ٢/٤٨.
(٤)
القَرَم : شدَّة الشَّهْوَة إلى اللَّحْم .
انظر السير: ( عُمَر بن الخَطَّب)، وانظر النزهة: ٣/٤٨.
(٥)
هو غُلامٌ لِعُمَر .
(٦)
(٧) انظر السير: ( عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٤/٤٨.
١٢٥

وقالَ قَتَادَةُ: كَانَ عُمَرُ يَلْبَسُ، وهو خَليفَة، جُبَّة من صُوف مَرْقُوعاً بَعضُها بأدَم ،
ويَطوفُ في الأسْواقِ على عاتِهِ الدِّرَّة يُؤدِّبُ النَّاسَ بها، ويَمُرُّ بالنَّكْثِ (١) والنَّوَىُ
فيَلقطُه ويُلقيه في مَنازِلِ النَّاسِ لِيَنْتُفِعُوا به(٢) .
قالَ أنَسُ : رَأيتُ بين كَتِفَي عُمَرَ أرْبَع رقاعِ في قَميصِه(٣) .
وقال أبو عُثْمانَ النَّهْدي: رَأيتُ علىْ عُمَرَ إزاراً مَرْقُوعاً بأدَم(٤) .
وقالَ عبدُ الله بنُ عامِر بنِ رَبِيعَة : حَجَجْتُ مع عُمَرَ ، فما ضَرَبَ فُسْطاط(٥)
ولا خباءً ، كان يُلْقِي الكِسَاءِ والنَّطْعَ على الشَّجَرَة ويَسْتَظِلُّ تحتَه(٦) .
عن أبي الغادِيَةِ الشَّاميِّ، قالَ: قَدِمَ عُمَرُ الجابيَةَ(٧) علىْ جَمَلٍ أوْرَقَ تَلوحُ صَلعَتُه
للشَّمسِ ، ليسَ عليه قَلَنْسُوَة ولا عَمامَة ، قد طبق رجليه بين شُعْبَتَي الرَّحْل بلا رِكاب ،
ووطاؤه كساء أنبجاني من صوف ، وهو فِراشُه إذا نَزَلَ، وحَقيبَة مَحْشُوَّة ليفاً ، وهي إذا
نَزَلَ وسادُه، وعليه قَميصٌ من كَرابيسَ(٨) قد دسمَ وتَخْرَّق جيبُه، فقالَ: ادْعُوا لي
رأسَ القَريَة ، فدعَوْه له ، فقالَ: اغْسِلُوا قَميصي وخَيِّطوه ، وأعيروني قَميصاً ، فأُتيَ
بقَميصٍ كِتَّان ، فقالَ : ما هذا؟ قيلَ كِتَّانٌ ، قالَ : وما الكِتَّانُ؟ فأخْبَروه فَتَزَعَ قَميصَه
فَغَسَلوه ورَقَعوه ولَبِسَه، فقالَ له رأسُ القَرِيَة: أنتَ مَلِكُ العَرَب، وهذه بلادٌ لا تَصْلُحُ
فيها الإبلُ، فأُتيَ ببرذون (٩) فطَرَح عليه قَطِيفَة بلا سرج ولا رَحْل، فلمَّا سار هُنَيْهَةً
قال : احْبسوا ، ما كُنتُ أظُنُّ النَّاسَ يَرْكَبونَ الشَّيْطَانَ، هاتوا جَمَلي (١٠).
(١) النكث : الغزل المنقوض .
انظر السير: ( عُمَر بن الخَطَّاب )، وانظر النزهة : ٥/٤٨ .
(٢)
(٣)
انظر السير: ( عُمَر بن الخَطّاب )، وانظر النزهة : ٦/٤٨.
(٤)
انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٧/٤٨ .
(٥) الفُسْطاط : الخَيْمَة.
انظر السير : ( عُمَر بن الخطاب )، وانظر النزهة : ٨/٤٨.
(٦)
(٧) الجابية : قرية حوران .
(٨) أي قطن .
(٩) البرذون : بين البَغلة والحِمار .
(١٠) انظر السير: (عُمَر بن الخطاب)، وانظر النزهة: ١/٤٩.
١٢٦

وعن خباب قال : هاجَرْنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ونَحنُ نَبَتَغي
وَجِهَ الله ، فوَقَعَ أجْرُنا على الله، فمِنَّا مَنْ مَضَىْ لسَبيلِهِ لَمْ يَأْكُلْ من أجْرِهِ شَيئاً ، منهم :
مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرِ قُتْلَ يَومَ أُحُد ولَمْ يَترُكْ إلَّ نَمِرَةً(١) ، كُنَّا إذا غَطَيْنَا رَأْسَه بَدَتْ رِجْلاهُ،
وإذا غَطَّيْنَا رِجْلَيه بَدا رَأْسُه، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((غَطُوا رَأْسَهُ ،
وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِر ))(٢)، ومِنَّا مَنْ أْنَعَت له ثَمَرَتُه فهو يَهْدِبُها(٣).، (٤).
عن سَعدِ بنِ إبراهيمَ ، سَمِعَ أباه يَقولُ : أُتيَ عبدُ الرحمَنِ بنُ عَوْفٍ بِطَعَامِ ، فَجَعلَ
يَبكي ، فقالَ : قُتِلَ حَمْزَةُ، فَلَمْ يوجد ما يُكفِّنُ فيه إلاَّ ثَوباً وَاحداً ، وقُتْلَ مُصْعَبُ بنُ
عُمَير، فَلَمْ يُوجَد ما يُكفَّنُ فيه إلاَّ ثَوباً وَاحداً ، ولقد خَشِيتُ أنْ يَكُونَ عُجِّلَت لنا طَيِباتُنا
في حَياتِنا الدُّنيا ، وجَعَلَ يَيكي (٥) .
وعن أَنَس قالَ : دَخلَ سَعدٌ وابنُ مَسْعُود عَلَىْ سَلْمانَ عندَ الْمَوتِ ، فَبَكَىْ فقيلَ له :
ما يُبكيكَ ؟ قالَ : عَهِدٌ عَهِدَه إلينا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، لَمْ نَحْفَظْه قالَ :
((لِيَكِنْ بَلاغُ أَحَدِكمْ مِنْ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكبِ )) وأمَّا أنتَ يا سَعدُ فاتَّقِ اللهَ في حُكمِكَ إذا
حَكمتَ ، وفي قَسَمِكَ إذا قَسَمْتَ ، وعندَ هَمِّكَ إذا هَمَمتَ .
قالَ ثابتُ : فَبَلغَني أنَّه ما تَركَ إلاَّ بضعَةٌ وعِشرينَ دِرْهَماً نُفَيْقَة كانت عندَه(٦) .
وعن عِمْرانَ بنِ مُسْلِمٍ ، قالَ : كَانَ سُوَيْدُ بنُ غَفْلَة إذا قيلَ له : أُعْطِيَ فُلانٌ ووُلِّيَ
فُلانٌ قالَ : حَسْبِي كِسْرَتي ومِلْحِي .
وعن عَلَيٍّ بنِ الْمَديني قالَ : دَخلتُ مَنزِلَ أحمَدَ بنِ حَنْبَل ، فما شَبَّهتُه إلاَّ بما
وُصِفَ من بَيْتِ سُوَيْدِ بنِ غَفْلَة، من زُهْدِهِ وتَواضُعِه، رَحمَهُ الله(٧) .
(١) النمرة : بُردة من صوف تلبسها الأعراب.
(٢) الإذخر : نبتٌ معروف، طيّب الرائحة يَبَيَضُّ إذا يَيس.
(٣)
يَهْدبُها : يجْتَنيها .
انظر السير: ( مُصْعَب بن عُمَيْر) ١/ ١٤٥ - ١٤٨، وانظر النزهة : ٥/١٤٠ .
(٤)
(٥)
انظر السير: ( مُصْعَب بن عُمَيْر) ١٤٥/١-١٤٨، وانظر النزهة: ١/١٤١.
انظر السير: (سَلْمان الفَارسيّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٥.
(٦)
(٧) انظر السير: ( سُوَيْد بن غَفْلَة) ٦٩/٤ -٧٣، وانظر النزهة: ٦/٤٤٦.
١٢٧

وعن الحَسَنِ البَصْريّ قالَ: رَأيتُ عُثمانَ نائماً في الْمَسجِدِ، حتَّى جاءَه الْمُؤْذِّنُ
فقامَ فَرَأيتُ أثرَ الحَصَى على جَنِبِه(١).
قالَ مَيمونُ بنُ مِهْران : أقَمتُ عندَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيز سنَّةَ أشْهُر، ما رَأيْتُه غيَّر
رِداءَه، كانَ يَغْسِلُ من الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ، ويُبيِّنُ بشَيء من زَعْفَران(٢).
وعن مَسْلَمَةَ بنِ عبدِ المَلِك قالَ : دَخلتُ علىْ عُمرَ وقَميصُه وَسخٌ ، فَقُلتُ لامْراتِه -
وهي أخْتُ مَسْلَمَة : اغْسِلوهُ قالت: نَفَعَلُ ، ثم عُدتُ فإذا القَميصُ على حالِهِ ، فقُلتُ
لها ، فقالت : واللهِ ما لَه قَميصٌ غَيرُه(٣) .
وعن القاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَة ، قالَ : لَمْ يَجتمعْ علىُ مَائدتي لَونانِ من طَعامٍ قَطُّ ، ومَا
أَغْلَقتُ بابي قَطُّ وليَ خَلفَه هَمّ(٤) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الخَليلِ بنِ أحمَد الفَرَاهِيدي : وثَّقَه ابنُ حِبَّان وقيلَ :
كانَ مُتَّقِشِّفاً مُتَعبَّداً قالَ النضر : أقامَ الخَليلُ في خُصِّ(٥) له بالبَصْرَةِ ، لا يَقدِرُ على
فَلْسَين ، وتَلامذتُهُ يَكسِبُونَ بِعِلمِه الأمْوالَ، وكانَ كثيراً ما يُنشِدُ :
إِذَا افْتَقَرْتَ إِلَى الَّخَائِرِ لَمْ تَجِدْ
ذُخْراً يَكُونُ كَصَالِحِ الأعْمَالِ
وكان - رَحمَهُ اللهُ - مُفرِطَ الذَّكاء ، وُلدَ سَنَةَ مئة، وماتَ سَنَ بِضِعٍ وسِتِّينَ ومئة .
وكانَ هو ويُونُسُ إمَامَي أهْلِ البَصْرَة في العَربيَّة، وماتَ ولمْ يُتِمَّ كتابَ ((العَيْن)»
ولا هَذَّبه ، ولكن العُلماءَ يَغْرِفونَ من بَحرِه .
قيلَ : كان يَعرفُ عِلمَ الإيقاعِ والنَّغَم، ففَتحَ له ذلكَ عِلمَ العَروض وقيلَ : مَرَّ
(١) انظر السير: (الحَسَن البَصْريّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ١/٥٦٠.
(٢)
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٩٠.
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥ -١٤٨، وانظر النزهة : ٤/٥٩٠.
(٣)
(٤) انظر السير: (القاسمُ بنُ مُخَيْمِرَة) ٢٠١/٥-٢٠٤، وانظر النزهة: ٦/٥٩٥.
(٥) الخُصُّ : بيتٌ من شَّجَر أو قَصَب .
١٢٨

بِالصَّفَّارِينَ(١) فَأَخَذَه من وَقْعِ مِطْرَقَةٍ علىْ طَسْتٍ (٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ أبي داوُدَ الحَفَرِيِّ : حُكِيَ أنه أبْطَأْ يوماً في الخُروجِ
إلى الجَماعَة، ثم خَرجَ ، فقالَ: أعْتَذْرُ إليكُم ، فإنَّه لمْ يَكُنْ لي ثَوبٌ غيرُ هذا ،
صَلَّيْتُ فيه ، ثم أعْطَيْتُه بَناتي حتَّى صَلَّينَ فيه ثم أخَذتُهُ، وخَرجتُ إليكُم(٣) .
وتَزوَّجَ بامْرأة، فأصْدَقَها ثَلاثَةَ دَنانير ، وكانَ قُوتُه كلَّ لَيلةٍ قُرْصَين ، وبفلسٍ فَجْل
أو هندَبا .
قال أبو حَمْدون الطيبُ الْمُقْرِئُ : دَفَنَّا أبا دَاوُدَ الحَفْريَّ، رَحمَه اللهُ وتَرَكْنَا بابَه
مَفْتوحاً ، ما كانَ في البَيتِ شَيءٌ .
ماتَ سَنةَ ثَلاثٍ ومئتين .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: ماتَ وقد شَاخَ ، أحْسَبُه من أبناء السَّبْعين(٤).
وقالَ ابنُ أبي حاتم : حدَّثنا صالِحُ بنُ أحمَدَ بنِ حَنْبَل قالَ : رُبَّما رَأيتُ أبي يَأْخُذُ
الكِسَرَ ، يَنْفُضُ الغُبارَ عَنها ، ويُصيِّرُها في قَصْعَة، ويَصُبُّ عَليها ماءً ثم يَأْكُلُها بالْمِلْحِ
وما رَأيْتُه اشْتَرِى رُمَّناً ولا سَفَرْجَلاً ولا شَيئاً من الفاكِهَة ، إلاَّ أنْ تَكونَ بَطِّيخَةً فيأكُلُها
بِخُبْزِ ، وعِنَبَأَ وتَمْراً(٥) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ محمَّدِ بنِ أسْلَم ، قالَ محمَّدُ بنُ القاسِم : ودَخلتُ على محمَّدِ بنِ
أسْلَمٍ قَبَلَ مَوْتِهِ بأَرْبَعةِ أَيَّام بنيسابُورَ ، فقالَ: يا أبا عبد الله، تَعَالَ أُبشِّرُك بما صَنعَ الله
بأخيكَ من الخَيرِ ، قد نَزَلَ بي الْمَوتُ، وقد مَنَّ اللهُ عليَّ أنَّه ما لي دِرهَم يُحاسِبُني اللهُ
عليه ، ثم قالَ : أغْلِقِ البابَ ولا تَأَذَنْ لأحَدٍ حتَّى أمُوتَ وتَدفنون كُتَبِي واعْلِمْ أنِّي أخرُجُ
من الدُّنيا ولَيسَ أَدَعُ ميراثاً غَيرَ كِسائي ولِبدي وإنائي الذي أتَوضَّأ فيه وكُتبي هذه ، فلا
(١) الصَّفَّارون: جَمع صفَّار: وهو صانع الصُّفر والصُّفر النُّحاسُ الجيد أو ضرب منه .
انظر السير: ( الخَليل بن أحمد الفراهيدي) ٤٢٩/٧-٤٣١، وانظر النزهة : ٧١٢ /١٠.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( الحَفَريّ) ٤١٥/٩ -٤١٧، وانظر النزهة : ١/٨٣٤.
انظر السير: ( الحَفَريّ) ٤١٥/٩-٤١٧، وانظر النزهة : ٤/٨٣٤.
(٤)
(٥) انظر السير: (أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٥/٩٢٦.
١٢٩

تُكُلِّفوا النَّاسَ مُؤْنَةً، وكان معَه صُرَّة فيها نحو ثَلاثينَ دِرْهَماً، فقالَ: هذا لابني أهْدَاهُ
قَريبٌ له ، ولا أعْلمُ شَيئاً أَحَلَّ لي منه، لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: (( أَنْتَ
وَمَالُكَ لأَبِيكَ )) وقالَ صلى الله عليه وسلم: ((أَطْيَبُ مَا أَكلَ الرَّجُلُ مِنْ كِسْبِهِ ، وَإِنَّ
وَلَدَهُ مِنْ كِسْبِهِ)) فَكَفِّنُوني منها فإنْ أَصَبْتُم لي بعَشْرَةِ ما يَسْتَرُ عَوْرَتي فلا تَشْتَروا بخَمسَة
عَشَر وابْسُطُوا علىْ جِنازَتِي لِبَدِي، وغَطُّوا عليها كِسَائِي وأعْطُوا إنائي مِسْكيناً(١) .
ولا أعلَمُ مُنذُ صَحبتُه وَصَل أحَداً بأقَلَّ من مِئة دِرْهَم إلاَّ أن لا يمُكِنَه ذلك وكانَ يَقولُ
لي : اشْتَرِ لي شَعيراً أسْوَدَ ، فإِنَّه يَصيرُ إلى الكَنِيفِ ، ولا تَشْتَرِ لي إلاَّ ما يَكفيني يَوماً
بيَومٍ ، واشْتَرِيتُ له مرَّة شَعيراً أبيضَ، ونقَيتُه، وطَحَنتُه فرآهُ، فَتَغْيََّ لَوْنُه ، وقالَ : إِنْ
كُنتُّ تَنَوَّقْتَ فيه ، فأطْعِمهُ نَفَسَك، لَعَلَّ لكَ عندَ الله أعْمالاً تَحْتَمَلُ أنْ تُطِعِمَ نَفَسَك
النَّقيَّ، وأمَّا أنا ، فقَد ◌ِرْتُ في الأرضِ ، ودُرْتُ فيها ، فبالله ما رَأيتُ نَفَساً تُصلِّي أَشَرَّ
عندي من نَفَسِي فِمَ أحْتَجُّ عندَ الله إنْ أطْعَمتُها النَّقيَّ ؟ خُذْ هذا الطَّعامَ، واشْتَرِ لي كُلَّ
يَومٍ بِقِطعَة شَعير رَديئاً ، واشْتَرِ لي رَحَى فِثْني به حتَّى أَطْحَنَ بِيَدِي وَآكُلَه ، لَعلِّي أَبْلِغُ
ما كان فيه عليٍّ وفاطِمَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُما(٢) .
وقالَ الشُّلميُّ : سَمعتُ أبا سَهْلِ الصُّعْلوكِيَّ يقول : ما عَقدتُ على شَيءٍ قَطُّ ،
وما كانَ لي قَفلٌ ولا مِفْتَاحٌ ولا صَرَرتُ على فِضَّة ولا ذَهَب قَطُ (٣).
وقالَ ابنُ باكَوَيه : سَمعتُ ابنَ خَفيف يَقولُ : ما وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكاةُ الفِطْرِ أَرْبَعِينَ
سَنةً(٤) .
وقالَ الحافِظُ أبو القاسِمِ بنُ عَساكر : قَدِمَ الفَقيهُ نَصْر دِمَشْقَ سَنَةً ثَمانينَ وأرْبَع مئة ،
فأقامَ بها يُدَرِّسُ الْمَذهَبَ إلى أنْ ماتَ ، ويَروي الحَديثَ ، وكانَ فَقيهاً ، إِمَاماً ،
زَاهِداً ، عَامِلاً، لَمْ يَقبلْ صِلةً من أحَدٍ بِدِمَشْقَ ، بلْ كانَ يَقتاتُ من غَلَّةٍ تُحمَلُ إليه من
(١) انظر السير: (محمد بن أُسْلَم) ١٩٥/١٢ -٢٠٧، وانظر النزهة : ٥/٩٩٢.
(٢) انظر السير: (محمد بن أسْلَم) ١٢/ ١٩٥ -٢٠٧، وانظر النزهة : ١/٩٩٣.
انظر السير: (الصُّعْلوكِيّ) ٢٣٥/١٦-٢٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٢٩١.
(٣)
(٤) انظر السير: (ابنُ خَفيف) ٣٤٢/١٦ -٣٤٧، وانظر النزهة: ٥/١٢٩٨ .
١٣٠

أرْضِ نابلسَ، فَيَخْبِزُ له كلَّ يَومِ قُرصَة في جانبِ الكَانُون حَكَىْ لنا نَاصِرُ النَّجَّار - وكانَ
يَخدُمُه - من زُهْدِه وتَقلُّلِه وتَركِهِ الشَّهَوَاتِ أَشْياءَ عَجِيبَةٍ(١).
وكانَ الرِّفاعِيُّ لا يَجمَعُ بينَ لبسٍ قَميصَينِ ، ولا يَأْكُلُ إلَّ بعدَ يَومَين أو ثَلاثةٍ أَكْلةٌ ،
وإذا غَسلَ ثَوبَه ، يَنزِلُ في الشَّطِّ كمَا هو قائمٌ يَفرُكُه، ثم يقفُ في الشَّمسِ حتَّى يَنْشَف ،
وإِذا وَرَدَ ضَيفٌ، يَدُورُ على بُيُوتِ أصْحابِهِ يَجمَعُ الطَّعامَ في مِثْزَرَ(٢).
١٣ - ضَابطٌ للزُّهْد :
قالَ أبو هِشام : حدَّثْنا وَكيعُ : سَمعتُ سُفيانَ الثَّورِيَّ يَقولُ : لَيسَ الزُّهْدُ بأكلٍ
الغليظِ، ولبس الخَشن ، ولكنَّه قِصَرُ الأمَل، وارْتِقَابُ الْمَوتِ(٣) .
وعن شَقيقٍ قالَ : كُنتُ شاعراً، فَرَزَقني اللهُ الثَّوْبَة، وخَرجتُ من ثَلاثِ مئة ألفِ
دِرْهَم، ولَبستُ الصُّوفَ عشرينَ سَنةً، ولا أدْري أنِّي مُراءٍ حتَّى لَقَيتُ عبدَ العَزيز بنِ
أبِي رَوَّاد ، فقالَ: لَيسَ الشَّأنُ في أكلِ الشَّعيرِ ولُبسِ الصُّوفِ ، الشَّأْنُ أنْ تَعرِفَ اللهَ
بقَلبك ، ولا تُشْركْ به شَيئاً ، وأنْ تَرضَى عن الله، وأنْ تَكونَ بما في يَدِ اللهِ أَوْثَقَ مِنْكَ
بما في أيْدِي النَّاسِ (٤) .
١٤ - كراهَةُ بَعضِ السَّلف لِغَير الأثَرَ جَعلتْهم يُغلون في ذَمِّ بَعض كتبِ الزُّهْد :
قالَ سَعيدُ بنُ عَمرو البَرْذَعي : شَهدتُ أبا زُرْعَةَ الرَّزي ، وسُئلَ عن الْمُحاسِبِيِّ
وكُتُبه ، فقالَ : إِيَّاكَ وهَذه الكُتُب، هَذه كُتُب بِدَعَ وضَلالاتٍ، عَليكَ بالأثَرِ تَجِدْ
غُنْيَّةً، هَلْ بَلَغَكم أنَّ مَالكاً والثَّورِيَّ والأوزاعيَّ صَنَّفوا في الخَطَرَاتِ والوَسَاوِسِ ؟
وما أسْرعَ النَّاسَ إلى البِدَعِ .
ماتَ الْمُحاسِبِيُّ سَنةَ ثَلاثٍ وأرْبَعين ومئتين(٥) .
(١) انظر السير: (الفَقيهُ نَصْر) ١٣٦/١٩ -١٤٣، وانظر النزهة: ١/١٤٧١.
(٢)
انظر السير: ( الرِّفاعِيّ) ٢١/ ٧٧ - ٨٠، وانظر النزهة: ٧/١٦٠١.
(٣) انظر السير: (سُفْيان الثَّوريّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٧/٦٩٦.
انظر السير: ( شَقيق) ٣١٣/٩ -٣١٦، وانظر النزهة : ٤/٨٢٣.
(٤)
(٥) انظر السير: (الْمُحاسِبيُّ) ١١٠/١٢ -١١٢، وانظر النزهة: ٦/٩٨٨.
١٣١
.

سَلامَة الصَّدْر للمُسْلِمين
قالَ زَيْدُ بنُ أسْلَم : دُخِلَ على أبي دُجانَةَ الأنصاري وهو مَريضٌ ، وكانَ وَجهُه
يَتْهَلَّلُ فقيلَ له : ما لِوَجِهِكَ يَتهلَّلُ؟ فقالَ: ما من عَملِ شَيءٍ أوْثَق عندي من اثْنَتَين :
كُنتُ لا أَتَكلَّمُ فيما لا يَعنيني ، والأخرَىُ فكان قَلبي للمُسلمينَ سَلِيماً(١) .
وقيلَ : إنَّ أبا إسْحَاقَ الشِّيرازيَّ نَزَعَ عِمامَتَه - وكانَت بعِشرينَ دِيناراً - وتَوضَّأ في
دِجْلَة ، فجاءَ لِصِنٌّ فَأخَذَها، وتَركَ عِمامَةً رَديئةً بدَلَها، فطَلِعَ الشَّيخُ فَلَبِسَها ، وما شَعرَ
حتَّى سَأَلُوه وهو يُدَرِّسُ، فقالَ: لَعلَّ الذي أخَذَها مُحتاجٌ (٢) .
شُكرُ النِّعَم
١ - تَعْرِيفُ الشُّكر :
قالَ أبو سَهْل الصُّعْلوكيُّ: سَمعتُ أبا محمَّد الْمُرْتَعِشَ يَقولُ : قالَ الجُنَيْدُ : كُنتُ
بِينَ يَدَي السَّريِّ أَلْعَبُ وأنا ابنُ سَبع سِنِينَ ، فتَكلَّموا في الشُّكرِ، فقالَ: يا غُلامُ
ما الشُّكِرُ؟ قُلتُ : أنْ لا يُعْصَى اللهَ بَنِعَمِه ، فقالَ: أَخْشَى أنْ يَكونَ حظَّكَ من اللهِ
لسانُك قالَ الجُنَيَّدُ : فلا أزالُ أَبْكي علىُ قَولِه(٣) .
٢- التَّحَذُّثُ بنِعَم الله من شُكرِ النَّعَم :
عن أبي هُرَيْرَةَ : أنَّه صلَّى بِالنَّاسِ يَوماً، فلمَّا سَلَّمَ، رَفعَ صَوتَه، فقالَ :
الحَمدُ لله الذي جَعلَ الدينِ قِوَاماً، وجَعلَ أبا هُرَيْرَةَ إماماً ، بعدَ أنْ كانَ أجيراً لابنَةٍ
غَزْوَانَ على شِبَعِ بَطْنِهِ ، وحَمُولَةِ رِجْلِه (٤) .
وعن مُضَاربٍ بنِ حَزْن ، قالَ: بَينا أنا أسيرُ تَحتَ اللَّيلِ، إذا رَجلٌ يُكبِّرُ، فَأَلْحَقَه
(١) انظر السير: (أبو دُجانَة الأنصاري) ١/ ٢٤٣ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٣/١٥٤.
(٢) انظر السير: (أبو إسحاق الشِّيرازيُّ) ١٨/ ٤٥٢-٤٦٤، وانظر النزهة: ٥/١٤٣٠.
(٣) انظر السير: (الجُنَيْدُ) ٦٦/١٤-٧٠، وانظر النزهة: ٢/١١٣٣.
(٤) انظر السير: (أبو هُرَيْرَة) ٢/ ٥٧٨-٦٣٢، وانظر النزهة: ٣/٣١٢.
١٣٢

بَعيري فقُلتُ : مَنْ هذا؟ قالَ أبو هُرَيْرَة قُلتُ : وما التَّكبيرُ؟ قالَ : شُكرٌ قُلتُ : على
مَهِ ؟ قالَ : كُنْتُ أجيراً لبَسْرَة بنتِ غَزْوَان بِعُقْبَةِ رِجْلي(١) ، وطَعامٍ بَطَنِي، وكانوا إذا
رَكِبُوا، سُقْتُ بهم، وإذا نَزَلُوا خَدمتُهم ، فَزَوَّجَنيها الله! فهي امْرأتي (٢).
٣- اخْشَوْشِنوا فإنَّ النَّعَمَ لا تَدوم :
قالَ يَحْيَى بنُ بُكِيْر : قَدِمَ جَماعَةٌ من الْمِصْرِيِّينَ الْمَدينَةَ ، فأتوا بابَ سالِمٍ بِنِ
عبدِ الله، فسَمِعوا رُغاءَ بَعير فبَينا هم كذلك خَرجَ عَليهم رجلٌ شَديد الأدَمَة ، مُتَّزِرٌ
بكِساءِ صُوفٍ إلى ثندُوتِه ، فقالوا له : مَوْلاكَ داخل ؟ قالَ : مَنْ تُرِيدُونَ ؟ قالوا :
سَالِمٌّ قالَ: فلمَّا كلَّمَهم، جاءَ شيءٌ غيَّرَ المنظَرِ، قالَ : مَنْ أرَدْتُم ؟ قالوا : سَالِمٌ
قالَ : ها أنا ذَا فما جاءَ بكُم ؟
قالوا : أرَدْنا أنْ نُسَائِلَكَ قالَ: سَلوا عمَّا شِئْتُم وجَلسَ ويَدُه مُلَطَّخَةً بالدَّمِ والقَيْحِ
الذي أصَابَه من البَعيرِ ، فسَألوه(٣).
وعن مَيْمُونَ بنِ مِهْران قالَ : دَخلتُ على ابنِ عُمَرَ ، فقَوَّمتُ كلَّ شَيءٍ فِي بِيَتِهِ ، فمَا
وَجدْتُهُ يَسْوىُ مئة دِرْهَم ، ثم دخلتُ مَرَّة أخرَى ، فما وجدتُ ما يَسْوىُ ثَمنَ طَيْلُسان ،
ودَخلتُ على سالِم من بَعدِه ، فوَجدتُهُ على مثل حالٍ أبيه (٤) .
وعن أبي سَعْد قالَ : كانَ سالِمُ غَليظاً كأنَّه حَمَّال ، وقيلَ : كانَ علىُ سَمتِ أبيه في
عَدَمِ الرَّفاهية (٥) .
٤- صُوَرٌّ من شُكر النِّعَم :
قالَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله: لأنْ أُعافَى فَأَشْكُر أحَبُّ إليَّ من أنْ أُبْتَلَى فَأَصْبر(٦).
(١) أي : نوبة ركوبه .
(٢) انظر السير: (أبو هُرَيْرَة) ٥٧٨/٢-٦٣٢، وانظر النزهة: ٤/٣١٢.
(٣) انظر السير: ( سَالمُ بنُ عبد الله) ٤/ ٤٥٧ -٤٦٧، وانظر النزهة: ٣/٥٣١.
(٤)
انظر السير: ( سَالمُ بنُ عبد الله) ٤/ ٤٥٧-٤٦٧، وانظر النزهة: ٦/٥٣١.
انظر السير: ( سَالمُ بنُ عبد الله) ٤/ ٤٥٧ -٤٦٧، وانظر النزهة: ٣/٥٣٣.
(٥)
(٦) انظر السير: (مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله) ٤/ ١٨٧ - ١٩٥، وانظر النزهة: ٨/٤٧٦.
١٣٣

وعن محمَّدٍ بنِ مَنْصُور ، أنَّه سُئلَ : إذا أكَلتُ وشَبعتُ فمَا شُكرُ تلك النِّعْمَة ؟
قالَ : أنْ تُصلِّي حتَّى لا يَبقَى في جَوْفِك منه شَيءٍ(١) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : بَلَغَنا أنَّ الْمُزَنِيَّ كانَ إذا فَرِغَ من تَبِيضِ مَسألَة ، وأوْدَعَها
مُختصَرَه ، صلَّى الله رَكعَتَين(٢) .
الصَّبْر
١ - الصَّبْرُ مُفيدٌ:
من أقوال أمير المؤمنين الْمُسْتَظْهِر باللهِ العَبَّاسيِّ: ((الصَّبْرُ عَلَى الشَّدَائِدِ يُنْتِجُ
الفَوَائِدَ )»(٣).
٢ - الصَّبْرُ على الأذَى:
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الإمام البُخاريِّ: قال له عبدُ الْمَجيدِ ابنُ إبراهيمَ :
كَيْفَ لا تَدْعو اللهَ على هؤلاءِ الذين يَظْلِمَونَكَ ويَتَنَاوَلُونَك ويَبْهَتُّونَكَ !! ؟، فقال: قال
النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((اصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْنِي على الحَوْضِ)) (٤).
٣- الصَّبْرُ على المُتَعلِّمين:
جاءَ في تَرجَمَةِ أبي عبدِ الله القَعْنَبِيِّ، قالَ أبو حاتم: ثِقَةٌ حُجَّةٌ لمْ أَرَ أَخْشَعَ منه ،
سَألْنَاه أنْ يَقرأ عَلينا ((الْمُوَطَّأ)) فقالَ: تَعالوا بالغَدَاة، فَقُلنا: لنا مَجلِسٌ عندَ
حَجَّاجِ بنِ مِنْهَال ، قالَ : فإذا فَرَغتم منه قُلنا: نأتي حينئذ مُسْلمَ بنَ إبراهيمَ قالَ : فإذا
فَرَغتمَ قُلنا: نأتي أبا حُذَيْفَةَ النَّهْدِيَّ قالَ : فَبَعدَ العَصْرِ قُلنا: نَآتِي عَارِماً أبا النُّعْمَان ،
قالَ : فَبَعدَ الْمَغربِ فكانَ يَأتينا باللَّيلِ، فيَخرُجُ عَلينا، وعَليه كبْلٌ(٥) ما تَحتَه شَيءٌ في
(١) انظر السير: (محمّد بن مَنصور) ٢١٢/١٢ -٢١٤، وانظر النزهة: ٩٩٤ /٤.
(٢)
انظر السير: ( الْمُزَنِيُّ) ٤٩٢/١٢-٤٩٧، وانظر النزهة: ١/١٠٢٤.
(٣) انظر السير: (الْمُسْتَظْهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٤/١٤٨٩.
(٤) انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٩.
(٥) الكَبْلُ : الفَرو الكبير .
١٣٤

الصَّيفِ ، فكانَ يَقرأْ عَلينا في الحَرِّ الشَّدیدِ حينئذ .
قالَ عَمرُو بنُ عَلَيّ بن الفَلَّس: كانَ القَعْنَبِيُّ مُجَابَ الدَّعْوَةِ(١).
٤- الصَّبْرُ علىْ قَسْوَة الإخْوان :
قال محَمَّد بنُ الفَيْضِ : قَدِمَ ابنُ أكْثَمَ دِمَشْقَ مع المأمون ، فبَعَثَ إلى أحمدَ بنِ
أبي الحَوَارِيّ، فجاءَ إليه وجالَسَه، فخَلَعَ يَحْيِى عليه طويلةً وملبوساً ، وأعْطَاهُ خَمْسَةَ
آلافِ درهم ، وقال: فَرَّقْها يا أبا الحَسَن حيثُ تَرَى، فدَخَلَ بها المَسْجِدَ وصلَّى
صَلَوَاتٍ بالخِلعَةِ ، فقالَ قاسمُ الجُوعِيُّ: أَخَذَ دَراهمَ اللُّصُوص ، ولَبِسَ ثيابَهم ، ثمَّ
أتى الجَامِعَ ومَرَّبه وهو في الثَّحِيَّاتِ ، فلمَّا حَذاه لَطَمَ القَلَنْسُوة، فَسَلَّمَ أَحمَدُ ، وأعْطَى
القَلَنْسُوةَ ابنَه إبراهيمَ ، فَذَهَبَ بها، فقال له مَنْ رَّاهُ: ما رَأيتَ ما فَعَل بك هذا؟
فقالَ : رَحمَه الله(٢).
٥- صُوَرٌ على الصَّبْر :
قالَ ثابتٌ : جاءَ رجلٌ إلى صِلَةَ بنِ أَشْيَم بِنَعْي أخيه ، فقالَ له : إذْنُ فكُلْ فقَد نُعيَ
إليَّ أخي مُنذُ حين ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ﴾(٣)، (٤).
عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ ، أنَّ أبَاهُ خَرَجَ إلى الوَليدِ بنِ عبد المَلِك ، حتى إذا كان بوادِي
القُرى ، وَجَدَ فِي رِجْلِهِ شيئاً فَظَهَرتْ به قُرْحَةٌ، ثمَّ تَرَقَّى به الوَجَعُ ، وقَدِمَ على الوَليدِ
وهو في مَحمِلٍ ، فقال : يا أبا عبدَ الله اقْطَعْها، قال : دُونَك فدَعا له الطّبيبَ ،
وقال : اشْرَبْ المُرقِد فَلَمْ يَفْعَلْ، فقَطَعَها من نِصْفِ السَّاقِ ، فما زَادَ أن يقولَ :
حَسِّ ، حَسِّ ، فقال الوَليدُ : ما رأيتُ شَيْخاً قَطُ أصْبَرَ من هَذا، وأُصِيبَ عُرْوَةُ بابنِهِ
مُحمَّد في ذلكَ السَّفَرِ، رَكَضَتْهُ بَغْلَةُ في إِصْطَبْلٍ لَمْ يُسْمَعْ منه في ذلكَ كَلِمَةٌ فلمَّا كان
(١) انظر السير: (القَعْنَبِيُّ) ١٠/ ٢٥٧ -٢٦٤، وانظر النزهة: ٢/٨٧٥.
(٢) انظر السير: (الجُوعِيّ) ٧٧/١٢ -٧٩، وانظر النزهة: ٢/٩٨٤.
(٣)
سورة الزمر ، الآية : ٣٠
(٤) انظر السير: (صِلَةُ بن أَشْيَم) ٤٩٧/٣ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ١/٤١٦.
١٣٥

بِوَادِي الْقُرَى قال: ﴿لَقَدْ لَقِيِنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾(١) اللَّهُمَّ كان لِي بَنُونَ سَبْعَةٌ ،
فَأَخَذْتَ واحِداً وأبْقَيْتَ لِي سِتَّةً ، وكان لِي أطْرَافٌ أرْبَعَةٌ ، فَأَخَذْتَ طَرفاً ، وأَبْقَيْتَ
ثلاثةٌ ، ولَئِنْ ابْتَلَيْتَ ، لَقَد عافَيْتَ، ولَئِنْ أَخَذْتَ لِقَد أَبْقَيْتَ(٢).
٦ - ضَابِطٌ في الصَّبْرِ :
عن السَّفَّاح قال : إذا عَظُمَتِ القُدْرَة، قَلَّتِ الشَّهْوَة قَلَّ تَبرُعٌ إلَّ ومَعَه حَقٌّ مُضَاعٌ ،
الصَّبرُ حَسنٌ إلَّ على ما أوْتَغَ(٣) الدِّين وأوْهَنَ السُّلطانَ (٤).
الصَّمْت
١ - الصَّمْتُ يُتَعَلَّم :
قالَ مُوَرِّقُ: تَعلَّمتُ الصَّمتَ في عَشرِ سِنين، وما قُلتُ شَيئاً قَطُّ إذا غَضبتُ أنْدَمُ
عليه إذا زَالَ غَضبي(٥) .
٢ - فَضْلُ الصَّمْتِ :
عن أبي بَكْر بن عيَّاش قالَ : أَدْنَى نَفَعُ السُّكوتِ السَّلامَةُ ، وكَفَى به عافيَةً ، وأدْنَى
ضَرَرُ الْمَنْطِقِ الشُّهْرَةِ، وكَفَى بها بَلِيَّة (٦) .
٣- الصَّمْتُ حَسَنٌ إلاَّ في الخَيْرِ :
عن يَعْلَى بنِ عُبَيد قالَ : دَخلنا على ابنِ سُوقَة ، فقالَ: يا ابنَ أخي! أُحدِّثُكم
بحَديث لَعَلَّه يَنفَعُكم ، فقد نَفَعَني قالَ لنا عَطاءُ بنُ أبي رَبَاح : إنَّ مَنْ قَبَلَكم كانوا
يَعُدُّونَ فُضولَ الكَلامِ ما عَدا كتاب الله ، أو أمْرٍ بمَعْروفٍ ، أو نَهْي عن مُنكَر ، أو أنْ
(١) سورة الكهف ، الآية : ٦٢
انظر السير: ( عُروَة) ٤٢١/٤ -٤٣٧، وانظر النزهة: ٢/٥٢٧.
(٢)
انظر السير: (السَّفَّاح) ٦ / ٧٧ - ٨٠، وانظر النزهة : ٤/٦٣٢.
(٤)
أوْتَغْ : أفسَد وأهْلَك .
(٣)
انظر السير: ( مُوَرِّق) ٣٥٣/٤_٣٥٥، وانظر النزهة : ٢/٥٠٩.
(٥)
(٦) انظر السير: ( أبو بكر بن عيَّاش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة: ١/٧٨٧.
١٣٦

تَنْطِقَ في مَعيشَتِك التي لا بُدَّلك منها ، أتُنْكِرُون أنَّ عَليكم حافِظينَ كِراماً كاتِبِينَ ، عَن
اليَمينِ وعن الشِّمَالِ قَعيد، ما يَلِفِظُ من قَولٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، أما يَسْتَحي أحَدُكُم
لَوْ نُشِرَتِ صَحِيفَتُه التي أمْلَى صَدرَ نَهَارِهِ ، ولَيسَ فيها شَيءٌ من أمْرِ آخِرَتِهِ(١).
وقالَ يَزِيدُ بنُ عبد الصَّمَد ، سَمعتُ أبا مُسْهِر، سَمعتُ سَعيدَ بنَ عبد العَزيز
يَقولُ: لا خَيرَ في الحَياةِ إِلَّ لأحَدِ رَجُلَين: صَموتٍ وَاعِ، وناطِق عارِف (٢) .
٤ - الصَّمْتُ يُقَلِّلُ من الأخْطَاء :
قالَ السَّمْعانِيُّ : سَمعتُ أبا بَكْر محمَّدَ بنَ القاسِمِ الشَّهْرُزُوريَّ بِالْمَوْصِلِ يَقُولُ:
كان شَيخُنا أبو إسحاقَ الشِّيرازِيُّ إذا أخْطأ أحَدٌ بينَ يَديه قالَ: أَيُّ سَكْتَة فَاتَتَك(٣).
٥- ضَابِطٌ لكراهِيَة السَّلَف لفُصُول الكلام :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ شَيخِ الإسْلامِ الْمُعَافَى بِنِ عِمْران: قالَ مرَّةَ رَجُلٌ :
ما أشَدَّ البَردَ اليَومَ، فالْتَّفتَ إليه الْمُعَافَى، وقالَ : اسْتَدْفَأْتَ الآنَ؟ !! ، لَوْ سَكثَّ،
لَكانَ خَيراً لك(٤) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعَقِّباً: قَولُ مثل هذا جائزٌ، لكنَّهم كانوا يَكرَهُونَ فُضولَ
الكَلام، واخْتلفَ العُلمَاءُ في الكَلامِ الْمُباحِ ، هَلْ يَكْتُبُه الْمَلَكان، أم لا يَكتُبان إلاَّ
الْمُسْتَحبَّ الذي فيه أجْرٌ، والْمَذْمُومَ الذي فيه تَبَعَة، ؟ والصَّحيحُ كِتابَةُ الجَميعِ لِعُمُومِ
النَّصِّ في قَولِهِ تَعالَى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ﴾ (٥) ، ثمْ لَيسَ إلى اَلَّمَلَكَيْنِ
اطّلاعٌ على النَِّاتِ والإخلاصِ ، بل يَكتُبانِ النُّطْقَ، وأمَّا السَّرائرُ البَاعِثَةُ للنُّطْقِ ، فالله
يَتولاها(٦).
(١) انظر السير: (عطاء بن أبي رباح) ٧٨/٥-٨٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٣.
(٢)
انظر السير: ( سعيد بن عبد العزيز) ٣٢/٨-٣٨، وانظر النزهة : ٢/٧٢٤.
(٣) انظر السير: ( أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ) ٤٥٢/١٨- ٤٦٤، وانظر النزهة: ٢/١٤٣٠.
(٤)
انظر السير: ( الْمُعَافَىْ) ٩/ ٨٠-٨٦، وانظر النزهة: ٦/٨٠٠.
(٥)
سورة ق ، الآية : ١٨ .
(٦) انظر السير: (الْمُعَافَى) ٨٠/٩-٨٦، وانظر النزهة: ٧/٨٠٠.
١٣٧

العِفَّة
١ - الحَثُّ عَلى عِفَّة اللِّسَان:
قالَ أبو جَعْفَر الباقِرِ: سِلاحُ اللَّامِ قُبْحُ الكَلام(١).
قالَ يَعقوبُ الفَسَويُّ حينَمَا بَلغَه قَولُ يَحْيَى: مَنْ فَضَّلَ عبدَ الرحمَن عَلَى وَكيعِ
فِعَليه اللَّعْنَةِ ، فقالَ يَعْقوبُ: كان غيرُ هذا أشْبَه بكَلامِ أهلِ العِلمِ ، ومَنْ حاسَبَ
نَفْسَه ، لَمْ يَقُلْ مثلَ هَذا، وَكِيعٌ خَيٌِّ فَاضِلٌ حافِظٌ (٢).
٢- مَنْ كانَ مُبْتِعِداً عن الفَواحِش في الجاهليّة :
عن عُرْوَةَ ، عن عائشَةَ أنَّها كانت تَدْعو على مَنْ زَعَمَ أنَّ أبا بكر قالَ هذه الأبياتَ ،
وقالَتْ : والله ما قالَ أبو بَكر شِعْراً في جاهليّةٍ ولا في إِسْلام ، وقد تَرَكَ هو وعُثْمانُ
شُرْبَ الخَمْرِ فِي الجَاهِلِيَّة(٣).
٣- صُوَرٌ مِنْ عِفَّة اللِّسَان:
جاءَ في تَرجَمَةِ شَقيقِ بنِ سَلمَة ، قالَ عاصِمُ بنُ أبي النَّجُودِ : ما سَمعتُ أبا وَائل
سَبَّ إِنْسَاناً قَطُ ولا بَهِيمَةً (٤).
وعن إبراهيمَ ، قالَ : قالَ فُلانٌ: ما أرَى الرَّبيعَ بنَ خُثَيْم تَكلَّم بكلام منذُ عِشرينَ
سَنةً إلاَّ بكَلمَةٍ تَصعَدُ ، وعن بَعضِهم قالَ : صَحِبتُ الرَّبيعَ عِشرينَ عَاماً ما سَمعتُ منه
كَلِمَةً تُعَابُ(٥) .
وعن عمرو بنِ مالِك ، سَمِعَ أبا الجَوْزاء يَقولُ: ما لَعنتُ شَيئاً قَطُّ ، ولا أكَلتُ شَيئاً
مَلعُوناً قَطُّ، ولا آذَيتُ أحَداً قَطُّ .
(١) انظر السير: ( أبو جَعْفَر الباقِر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة : ٧/٥٢٣ .
(٢) انظر السير: (وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/٨١٠.
(٣) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ١/٢٦.
(٤) انظر السير: (شَقيقُ بنُ سَلَمَة) ١٦١/٤ -١٦٦، وانظر النزهة: ٢/٤٦٩.
(٥) انظر السير: (الرَّبيع بن خُثَيْم) ٢٥٨/٤ -٢٦٢، وانظر النزهة: ١/٤٩٣.
١٣٨

قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: انْظُرْ إلى هَذا السَّيِّدِ، واقْتَدِ به(١).
وعن الْمُثَنَّى بنِ الصَبَّحِ قالَ: لَبِثَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّه أَرْبَعِينَ سَنةً لَمْ يَسُبَّ شَيْئاً فيه
الرُّوحُ، ولَبِثَ عِشرينَ سَنةً لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ العِشَاءِ والصُّبح وُضُوءاً، قالَ : وقالَ وَهْبٌ :
لقد قَرأتُ ثَلاثين كِتاباً نَزَلت علىْ ثَلاثينَ نَبِيّاً(٢) .
قالَ أبو بكر بنُ عيَّاش : ما سَمعتُ أبا إسحاقَ السَّبيعي يَعيبُ أحَداً قَطُّ، وإذا ذَكَرَ
رَجُلاً من الصَّحابَة ، فكأنَّه أفضَلُهم عندَه .
تُوفِّيَ أبو إسْحاقَ في سَنةِ سَبع وعِشْرينَ ومئة يومَ دُخولِ الضَّخَاك ابنٍ قَيْس غالباً عَلى
الكُوفَة عاشَ ثلاثاً وتِسْعينَ سَنةً(٣) .
قالَ الفَلَسُ : ما سَمعتُ وَكيعاً ذَاكِراً أَحَداً بسُوءٍ قَطُ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: مع إمامَتِهِ، كَلامُه نزْرٌ جداً في الرِّجالِ(٤).
٤ - صُوَرٌ مِنْ عِقَّة الفَرْج :
عن إسْماعيلَ القاضي ، قالَ : دَخلتُ على الْمُعْتَضِدِ بالله وعلىْ رَأْسِه أحْدَاثُ رُومٍ
مِلاحٌ، فَنَظَرَتُ إليهم ، فَرَآنِي الْمُعْتَضِدُ أتَأَمَّلُهم ، فلمَّا أَرَدتُ الانْصِرافَ أشارَ إليَّ ، ثم
قالَ : أيُّها القاضِي! والله ما حَللتُ سَراويلي على حَرامٍ قَطُّ (٥).
وقالَ الْمُوَفَّقُ عبدُ اللَّطيف: كانَ العَزِيزُ شاباً ، حَسَنَ الصُّورَة، ظَرِيفَ الشَّمائلِ ،
قَوياً ، ذا بَطْش، وأَيْد، وخِفَّة حَرَكة، حَيياً، كَريماً ، عَفيفاً عن الأمْوالِ والفُروجِ ،
بلَغَ من كَرمه أنَّه لمْ يَبْقَ له خِزانة، ولا خَاص ، ولا فرس وبُوتُ أُمَرائِه تَفْيَضُ
بالخَيْراتِ ، وكانَ شُجاعاً مِقْداماً، بلغَ من عِقَّتِهِ أَنَّه كانَ له غُلامٌ تُرْكيٌّ بألفِ دينارٍ يُقالُ
له : أبو شامة، فوَقَفَ، فَرَاعَه حُسْنُه، فأمْرَه أنْ يَنْزِعَ ثيابَه، وجَلسَ منه مَجْلِسَ
(١) انظر السير: ( أبو الجَوْزاء) ٣٧١/٤ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٣/٥١٢.
(٢) انظر السير: (وَهْب بن مُنَبَّه) ٥٤٤/٤ -٥٥٧، وانظر النزهة: ١/٥٥٣.
انظر السير: ( أبو إِسْحاقَ السَّبيعي) ٣٩٢/٥-٤٠١، وانظر النزهة: ٣/٦١٦.
(٣)
(٤)
انظر السير: ( وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/٨١١.
(٥) انظر السير: (الْمُعْتَضِدُ بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٣.
١٣٩

الخَنَا، فأدْرَكَه تَوْفِيقٌ، فأسْرَعَ إلى سَريَّة له، فقَضَىْ وَطَرَه(١).
قالَ سِبطُ الجَوْزِيّ : كانَ الأشْرَفُ يَحضُرُ مَجالِسي بحرَّانَ ، وبخِلاطَ ، ودِمَشْقَ
وكان مَلكاً عَفيفاً ، قالَ لي : ما مَدَدتُ عَينِيَّ إلى حَرِيمِ أحَد ولا ذَكَر ولا أنْثَى جاءَتني
عَجوزٌ من عندِ بنتِ صاحِبٍ خِلاط شَاه أرْمَن بأنَّ الحاجِبَ عَليَّاً أخَذَ لها ضَيْعَةً فَكَتَبتُ
بإطْلاقِها ، فقالَت العَجوزُ : تُريدُ أنْ تَحضُرَ بينَ يَدك ، فقُلتُ : باسْمِ الله ، فجاءَت بها
فِلَمْ أَرَ أحْسَنَ من قَوامِها ولا أحْسَنَ من شَكْلِها ، فقُمتُ لها ، وقُلتُ : أنْتِ في هذا
البَلدِ وأنا لا أدري؟ فسَفرَت عن وَجْهِ أضاءَت منه الغُرفَةِ ، وقُلتُ : لا ، اسْتَتِري
فقالَت : ماتَ أبي واسْتَولَى على المَدينَة بكتمر ، ثم أخَذَ الحاجِبُ قَرْيَتي وبَقيتُ أعيشُ
من عَمَلِ النَّقْش وفي دارٍ بالكِراء فبكيتُ لها ، وأمَرْتُ لها بدارٍ وقِماشٍ ، فقالَت
العَجوزُ : يا خَوَنْد ألا تَحْظَى الليلةَ بك ؟ فوَقَعَ في قَلْبي تَغْيُّرُ الزَّمانِ وأنَّ خِلاطَ يَملِكُها
غيري ، وتَحْتَاجُ بنتي أنْ تَفْعُدَ هذه القَعْدَة، فقُلتُ: مَعاذَ الله، ما هذا من شِيمَتي
فقامَت الشَّابَّةُ باكِيَةً تَقُولُ: صَانَ اللهُ عَواقِبَك(٢).
القَنَاعَة
١ - أقْوَالٌ تَحُثُّ على القَناعَة :
قال عبدُ الله بنُ الْمُعْتَزِّ بالله: مَنْ تَجَاوَزَ الكَفَافَ لَمْ يُغْنِهِ الإِكْثَارُ(٣).
وقال أيضاً : مَنْ ارْتَحَلَه الحِرْصُ ، أضْنَاهُ الطَّلبُ (٤).
نقل أبو عبد الرحمن الشُّلميّ في ((مِحَن الصُّوفيّة)) أن بُناناً الحَمَّال قام إلى وزير
خُمارويه - صاحب مصر - وكان نَصْرانيّاً فأنزله عن مَركوبه وقال : لا تركب الخيلَ
وعيِّر ، کما هو مأخوذ علیکم في الذمة ، فأمر خمارويه بأن يُؤخَذ ويُوضع بين يدي
(١) انظر السير: (العَزيز) ٢٩١/٢١ -٢٩٤، وانظر النزهة: ١/١٦٢٥.
(٢)
انظر السير: (الأشْرَف) ١٢٢/٢٢-١٢٧، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٣.
انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُعْتَزِّ بالله) ١٤ / ٤٢-٤٤، وانظر النزهة: ٢/١١٢٨.
(٣)
(٤) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُعْتَزِّ بالله) ١٤/ ٤٢-٤٤، وانظر النزهة: ٥/١١٢٨.
١٤٠