النص المفهرس

صفحات 101-120

محمدُ بنُ يُوسُف القاضي إلى نَعْلِه ، فأخَذَها ، فمَسَحَها من الغُبَار ، فدعا له ، وقالَ :
أعَزَّكَ اللهُ في الدُّنيا والآخِرَة ، فلمَّا تُوفِّي أبو عُمَر، رُويَ في النَّوم، فقيلَ ما فعلَ اللهُ
بكَ؟ قالَ: أعَزَّني في الدُّنيا والآخِرَة بدَعْوَةِ الرَّجُل الصَّالِحِ(١).
وقالَ أبو زَكريّا العَنْبَري : شَهِدتُ جنازَةَ الحُسَينِ القَبَّاني، فصلَّى بنا عليه
أبو عبدِ الله البُوشَنْجِي ، فلمَّا أرادُوا الانصرافَ، قُدِّمَت دابَّةُ أبي عبد الله، وأخَذَ
أبو عَمرُّو الخَفَّافِ بِجَامِه، وأخَذَ إمامُ الأئمَّةِ برِكابِه، وأبو بَكْر الجَارُودِيُّ،
وإبراهيمُ بنُ أبي طالِب يُسَوِّيانِ عليه ثيابَه ، فَلَمْ يَمْنَعْ واحداً منهم ، ومَضَىْ(٢).
وعن جَعْفَرِ الطَّسْتي: أنَّ سَمعَ أبا مُسْلم الكَجِّي يَقولُ، وذُكِرَ عندَه صَالِحُ بنُ محمَّد
جَزَرَة فقالَ: ما أَهْوَنَهَ عَليكم، ألا تَقولُون: سَيِّدُ الْمُسلمينَ !! (٣).
وقالَ عبدُ القادِرِ الحافِظُ : وكان أبو طاهر السِّلَفيُّ لا تَبَدو منه جَفْوَةٌ لأحَد ، ويَجلِسُ
لِلحَديثِ فلا يَشْرَبُ ماءً ، ولا يَبْزُق، ولا يَتَورَّك، ولا تَبَدُو له قَدَمٌ وقد جازَ المئة(٤).
وحَكَى الشَّيخ عبدُ الصَّمَد قالَ: والله مُذْ خَدَمْتُ الشَّيخَ عبدَ الله اليُونيني مَا رَأَيتُه
اسْتَنْدَ ولا سَعَلَ ولا بَصَقَ(٥).
الإِنْفَاقُ في سَبيلِ الله
١ - الحَثُّ على الإنْفاقِ في سَبيلِ الله :
عن أبي عبدِ الرَّحْمَن الحُبُّلي، سَمعتُ عبدَ الله بنَ عَمْرو يَقولُ : لأنْ أكُونَ عاشِرَ
عَشْرةِ مَسَاكِينَ يَومَ القِيامَة ، أحَبُّ إليَّ منْ أنْ أَكُونَ عَاشِرَ عَشْرةٍ أَغْنِياءِ ، فإنَّ الأكْثَرِينَ
هم الأقَلُّونَ يَومَ القِيامَة، إلاَّ مَنْ قالَ هَكَذَا وهَكَذَا، يَقولُ: يَتصَدَّقُ يَمِيناً وشِمالاً(٦) .
(١) انظر السير: (إبراهيمُ الحَرْبيّ) ٣٥٦/١٣ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٩٤.
(٢) انظر السير: (البُوشنجي) ١٣ / ٥٨١-٥٨٩، وانظر النزهة: ٤/١١١٧.
(٣)
انظر السير: ( صالح بن محمّد) ١٤/ ٢٣ -٣٣، وانظر النزهة : ١/١١٢٤.
انظر السير: ( السِّلَفيُّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٩٢.
(٤)
(٥)
انظر السير: (اليُونيني) ١٠١/٢٢ -١٠٣، وانظر النزهة : ١/١٦٦٩.
(٦) انظر السير: (عبد الله بن عَمْرو بن العَاص) ٧٩/٣ -٩٤، وانظر النزهة: ١/٣٤٠.
١٠١

ومن محاسن الإمام ابن نُجَيْد أنَّ شَيخَه الزَّاهد أبا عثمان الحِيريَّ طلبَ في مجلسه
مالاً لبعض الثُّغور، فتأخَّرَ ، فتألَّمَ وبَكَىُ على رُؤوس النَّاس فجاءَهُ ابنُ نُجَيْد بأَلْفَي
درهم ، فدَعا له ، ثمَّ إنَّه نؤَّهَ به ، وقال : قد رَجَوتُ لأبي عمرو بما فعل، فإنَّه نابَ
عن الجماعة ، وحمل كذا وكذا ، فقام ابنُ نُجَيْد ، وقال : لكن إنَّما حملتُ من مال
أمي وهي كارهة ، فينبغي أن تردّه لترضى ، فأمر أبو عثمان بالكيس فَرُدَّ إليه ، فلمَّا جَنَّ
الليلُ جاءَ بالكيسِ ، والتَمَسَ من الشيخ سترَ ذلك، فَبَكَى ، وكان بعد ذلك يَقولُ: أنا
أخشى من هِمَّة أبي عَمرو (١) .
٢ - الإِنْفَاقُ من مَالٍ حَرام لا يُقْبَل :
عن القاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَة ، قالَ : مَنْ أصَابَ مَالاً مِنْ مَأْثَم ، فوَصَلَ به ، أو تَصدَّقَ
به ، أو أنْفَقَه في سَبيلِ الله جَمَعَ ذلك كلَّه في نارِ جَهنَّم (٢) .
٣- صُوَرٌ من الإِنْفَاق :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ خَليفَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، أبي بكر
الصِّدِّيق رضي الله عنه: وجاءَ أنَّ اتَّجَرَ إلى بُصْرَى غيرَ مرَّة، وأنَّه أنْفَقَ أمْوالَه على النَّبيِّ
صلى الله عليه وسلم وفي سَبيلِ اللهِ(٣).
قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَا نَفَعَنِي مَالٌ مَا نَفَعَنِي مَالُ أبي بكر)).
وقالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْر : أسْلَمَ أبو بكر يَومَ أسْلَمَ وله أرْبَعونَ أَلْفَ دينارٍ .
وقالَ عَمْرو بنُ العَاصِ : يا رَسُولَ اللهِ أيُّ الرِّجالِ أحبُّ إليكَ ؟ قالَ صلى الله عليه
وسلم: ((أبو بكر))(٤) .
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال : جاء عُثمانُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بألفٍ
(١) انظر السير: (ابنُ نُجَيد) ١٤٦/١٦ -١٤٨، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٥.
(٢) انظر السير: (القاسم بن مُخَيْمِرَة) ٢٠١/٥ -٢٠٤، وانظر النزهة: ٧/٥٩٥.
(٣) انظر السير: (أبو بكر الصُّدِّيق)، وانظر النزهة: ٢/٢٣.
(٤) انظر السير: (أبو بكر الصِّدِّيق)، وانظر النزهة: ٣/٢٣ .
١٠٢

دينارِ في ثَوْبِه حينَ جهَّزَ جَيشَ العُسْرَةِ فصَبَّها في حِجرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ،
فجَعَلَ يُقلِّبُها بيدِه ويقولُ : ((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَومَ))، رَواهُ أحمدُ في
مُسْنَده، وفي مُسْنَدِ أبي يَعْلى من حَديثِ عبد الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ ، أنَّه جَهَّزَ جَيْشَ
العُسْرَة بسَبْعِمائة أوقية من ذَهَب(١) .
وعن بِشْرِ بنِ بَشير الأسْلَميِّ، عن أبيه قالَ: لَمَّا قَدمَ الْمُهاجِرونَ الْمَدِينَ اسْتَنْكَروا
الماءَ، وكانت لِرَجُلٍ من بَني غِفَار عَينٌ يُقالُ لها (( رومَة))، وكان يَبيعُ منها القِرْبَةَ
بمُّدِّ، فقالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( تَبِيعُهَا بِعَيْنِ فِي الْجَنَّةِ؟)) فقالَ: لَيسَ
لي يا رَسولَ الله عَينٌ غَيرُها ، لا أسْتَطيعُ ذلك ، فبلَغَ عُثمانُ ، فاشْتَراها بِخَمسَة وَثَلاثينَ
ألْفَ دِرْهَم ، ثم أتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ : أَتَجْعَلُ لي مثلَ الذي جَعَلْتَ له
عَيْناً في الْجَنَّةِ إِنْ اشْتَرَيْتُها؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((نَعَمَ ))، قالَ: قد اشْتَرَيْتُها
وجَعَلْتُها للمُسلِمِينَ(٢).
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: اشْتَرَى عُثْمانُ من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم الْجَنَّةَ مَرَّتَيْنِ : يَومَ رومَة ، ويَومَ جَيشِ العُسْرَةِ(٣).
وقالَ أنَسُ : كانَ أبو طَلْحَة أكثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَة مالاً من نَخْلٍ ، فقالَ :
يا رَسُولَ الله، إنَّ أحَبَّ أمْوَالي إليَّ بَيْرُحَاءَ، وإِنَّهَا صَدَقَةٌ له، أرجُو بِرَها وذُخْرَها،
فضَعْها يا رَسُولَ الله حَيثُ أَرَاكَ الله، فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((بَخ! ذَلِكَ مَالٌ
رَابِحٌ ، وَإِّي أَرَىْ أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ ))(٤) .
عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ ، أنَّها تَصدَّقَت بسَبعينَ ألْفاً ، وأنَّها لَتَرْقَعُ جانبَ دِرْعِها ،
رَضيَ اللهُ عنها .
عن أم ذَرَّةٍ ، قالَت : بَعثَ ابنُ الزُّبَيرِ إلى عائِشَةَ بِمَالٍ في غِرَارَتَيْنِ ، يَكونُ مئة
(١) انظر السير: ( عُثْمان بن عَقَّان)، وانظر النزهة: ١/٧٨.
(٢)
انظر السير : ( عُثمان بن عَفَّان)، وانظر النزهة : ٣/٧٨ .
(٣) انظر السير: ( عُثمان بن عَفَّان)، وانظر النزهة: ١/٧٩.
(٤) انظر السير: (أبو طَلحَة الأنصاريّ) ٢٧/٢-٣٤، وانظر النزهة: ٢/٢١٤.
١٠٣

أَلْفٍ، فَدَعَت بطَبَقٍ ، فجَعَلَت تَقْسِمُ فِي النَّاسِ ، فَلَمَّا أَمْسَتْ ، قَالَت: هاتِ يا جارِيَةُ
فُطُوري فقالَت أمّ ذَرَّةٍ : يا أُمَّ المؤمنينَ ، أمَا اسْتَطَعْتِ أنْ تَشْتَرِي لنا لَحْماً بِدِرْهَم ؟
قالَت : لا تُعَنِّفيني ، لَوْ أَذْكَرتيني لفَعلتُ(١) .
عن نافع قالَ : إنْ كانَ ابنُ عُمَر ليُفَرِّقُ في الْمَجْلسِ ثَلاثينَ ألفاً ، ثم يأتي عليه شَهِرٌ
ما يَأْكلُ مُزْعَّةً(٢) لَحْم(٣).
وعن نافعٍ قالَ : ما مَاتَ ابنُ عُمَرَ حتَّى أَعْتَقَ ألفَ إِنْسانٍ ، أو زاد (٤).
وعن نافع قالَ : بَعثَ مُعاويةُ إلى ابنِ عُمَرَ بمئة ألفٍ ، فما حالَ عليه الحَولُ وعندَه
منها شَيءٌ(٥) .
وعن منذر الثَّوْرِيِّ، أنَّ الرَّبيعَ بنَ خُثَيَمِ كانَ إذا أخَذَ عَطاءَه فرَّقَه وتَركَ قَدرَ
ما يَكفيه(٦) .
حدَّثنا سُفيانُ أنَّ عامِرَ بنَ عبدِ الله اشْتَرَى نفسَه من الله سِتَّ مَرَّاتٍ ، يَعني يَتصَدَّقُ كُلَّ
مَرَّة بدِيَتِهِ(٧) .
وبَلَغَنا أنَّ حَمَّادَ بنَ أبي سُليمان كان ذا دُنيا مُتَّسِعَة، وأنَّه كان يُفَطِّرُ فِي رَمَضانَ
خَمسَ مئة إنْسَانٍ ، وأنَّه كان يُعْطيهم بعدَ العِيدِ لكلِّ واحدٍ مئةَ دِرْهَم(٨) .
جاءَ في تَرجَمَةِ أبِي جَعْفَرِ القَارىء ، وقيلَ : كان يَتصَدَّقُ حتَّى بإزارِهِ ، وكانَ من
العُبَّاد(٩).
(١) انظر السير: (عائشَةُ أمُّ المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ٢/٢٤٤.
(٢) الْمُزْعَة، بضَم الميم : القطعة اليَسيرة من اللَّحم.
(٣) انظر السير: (عبدُ الله بنُ عُمَر) ٢٠٣/٣ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٦٩.
انظر السير: ( عبدُ الله بنُ عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٣/٣٦٩.
(٤)
انظر السير: ( عبدُ الله بنُ عُمَر ) ٢٠٣/٣ -٢٣٩، وانظر النزهة : ٤/٣٦٩.
(٥)
(٦) انظر السير: (الرَّبيع بن خُثَيم) ٢٥٨/٤-٢٦٢، وانظر النزهة: ٩/٤٩٣.
انظر السير: ( عامِر بن عبد الله) ٢١٩/٥-٢٢٠، وانظر النزهة : ١/٥٩٦.
(٧)
انظر السير: ( حَمَّاد بن أبي سُليمان) ٢٣١/٥ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٣/٥٩٨.
(٨)
انظر السير: ( أبو جَعْفر القارىء) ٢٨٧/٥-٢٨٨، وانظر النزهة: ٣/٦٠٤ .
(٩)
١٠٤

وعن هَيَّاج بن بَسْطام قالَ : كان جَعْفَرُ بنُ مُحمّد يُطعِمُ حتى لا يَبقَى لِعِيالِه
شيء(١) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ أبي حَفْصِ النِّسَابُوريِّ: بَلَغَني أنه أنْفَذَ في يَومٍ واحدٍ
بضعَةَ عَشرَ ألْفَ دينارٍ يَفْتَكُ بها أسْرَى، فلمَّا أمْسَىْ لَمْ يَكُنْ له عَشَاءٌ(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الحافِظِ عبدِ الغَنيُّ : رأيتُ يوماً قد أُهْدِيَ إلىَ بيتِ
الحافِظِ مِشْمِشٌ فكانوا يُفَرِّقونَ، فقالَ من حينِهِ: فَرَّقُوا ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا
تُحِبُونَ﴾(٣).
وقد فُتْحَ له بكثير من الذَّهَبِ وغَيرِهِ فمَا يَتْرُكُ شَيئاً حتَّى قالَ لي ابنُه أبو الفَتْح :
وَالِدِي يُعطِي النَّاسَ الكَثيرَ ونَحنُ لا يَبعَثُ إلَيْنَا شَيئاً، وكُنَّا بَبَغْدَادَ(٤).
الإيثار
صُوَرٌ من الإيثَار :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ عبدِ الرحمَن بنِ عَوْف رضي الله عنه: ولَمَّا هاجرَ إلى
المدينة فَقيراً لا شيء له ، آخَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بينَه وبينَ سَعدِ بنِ الرَّبيعِ
أحدِ النُّقَبَاء ، فعَرضَ عليه أنْ يُشاطِرَه نِعْمَتَه، وأنْ يُطلِّقَ له أحْسَنَ زَوْجَتَه ، فقالَ له :
بَارَكَ اللهُ لكَ في أهْلِك ومَالِك ، ولَكنْ دُلَّني على السُّوقِ فَذَهبَ فَبَاعَ واشْتَرَىُ، وَرَبِحَ ،
ثم لمْ يَنْشَبْ أنْ صارَ مَعه دَراهِمَ ، فَتَزوَّجَ امرأةً علىْ زِئَةٍ نَوَاةٍ من ذَهَب ، فقالَ له النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ )) ثم آلَ أمرُه في التِّجارَةِ إلى ما آلَ(٥) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ : ابن عَمرٍو الأنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ
(١) انظر السير: ( جَعْفَر بن محمَّد) ٢٥٥/٦-٢٧٠، وانظر النزهة: ٤/٦٤٧.
(٢) انظر السير: (أبو حَفْص النُّسابوريّ) ٥١٠/١٢-٥١٣، وانظر النزهة: ٦/١٠٢٥.
(٣) سورة آل عمران، الآية : ٩٢ .
(٤) انظر السير: (عبد الغنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٦٤٧.
(٥) انظر السير: (عبد الرحمن بن عَوْف) ٦٨/١ -٩٢، وانظر النزهة: ٢/١٣٢.
١٠٥

الحارثي البدري النَّقيبُ الشَّهيدُ الذي آخى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبدٍ
الرحمَنِ بنِ عَوْف، فعزم على أن يعطي عبدَ الرحمن شَطْرَ مالِهِ ، ويُطَلِّقَ إِحْدَى
زَوْجَتيه، لِيَتَزوَّجَ بها، فامْتَنعَ عبدُ الرحمَن من ذلك ودَعًا له وكانَ أحدَ النُّقَبَاءِ لَيَلَةً
العَقْبَةِ (١) .
وعن علقمةَ بنِ مَرْثَد في ذِكْرِ الثَّمانية من التَّابعين، قالَ: وأمَّا الحَسَنُ فمَا رَأينا
أحَداً أطْوَلَ حُزْناً منه، ماكُنَّا نَراهُ إلَّ حَديثَ عَهْد بمُصيبَة ، ثم قالَ : نَضحَكُ
ولا نَدري لَعَلَّ اللهَ قد اطَّلِعَ علىُ بَعضِ أعْمالِنَا وقالَ: لا أقْبلُ منكُمْ شَيئاً، وَيْحَكَ
يا ابنَ آدَمَ ، هَلْ بِمُحارَبَةِ الله - يَعْني قُوَّة - واللهِ لقَدْ رَأيتُ أقْوَاماً كانَت الدُّنيا أهْوَن على
أحَدِهم من التُرابِ تَحتَ قَدمَيه، ولقد رَأيتُ أقْواماً يُمْسِي أحدُهم ولا يَجِدُ عندَه إلاَّ
قُوتاً فَيَقولُ: لا أجْعَلُ هذا كلَّه في بَطْني فيَتصدَّقُ بَبَعضِه ولعَلَّه أجْوَعُ إليه مِمَّنْ يَتصَدَّقُ
به عليه (٢) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ إبراهيمَ بنِ يَزِيد التَّيْمَيّ ، قالَ ابنُ سَعْد: أخْبَرنا عليُّ بنُ محمَّد
قالَ : طَلبَ الحَجَّاجُ إبراهيمَ النَّخَعِي، فجاءَ الرَّسُولُ فقالَ: أريدُ إبراهيمَ ، فقالَ
إبراهيمُ التَّيْمَيّ : أنا إبراهيمُ، ولَمْ يَسْتحِلَّ أنْ يدله على النَّخَعيِّ، فأمَرَ بحَبسِه في
الدِّيماسِ ، ولَمْ يَكنْ لهم ظِلٌّ من الشَّمسِ ، ولا كِنٌّ من البَرْدِ ، وكانَ كلُّ اثنين في
سِلْسِلَة فَتَغْيَّرَ إِبْراهيمُ، فعادَته أمُّه، فلَمْ تَعرِفْهُ، حتَّى كلَّمَها، فمَاتَ، فَرَأى الحَجَّاجُ
في نَومِه قائلاً يَقولُ : مَاتَ في البلدِ اللَّيْلَةِ رَجلٌ من أهْلِ الجَنَّةُ ، فسألَ ، فقالوا : مَاتَ
في السِّجْنِ إِبراهيمُ التَّيْمِيّ ، فقالَ: حُلْمٌ نَزَغَةٌ مِن نَزَغَات الشَّيطانِ ، وأمَرَ به فَأُلِقِيَ على
الكُنَاسَةِ(٣).
قالَ يُوسُفُ بنُ البُهْلول الأزرق: حدَّثنا يَعقُوبُ بنُ شَيبَة ، قالَ : أظلَّ العيدُ
رجلاً، وعنده مئةُ دينار لا يَملكُ سِوَاها ، فَكَتبَ إليه صَديقٌ يَستَرْعي منه نَفَقَة فأنْفَذَ إليه
(١) انظر السير: (سَعْد بن الرَّبيع) ٣١٨/١ _٣٢٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٩.
(٢) انظر السير: (الحَسَن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة : ٤/٥٦٢.
(٣) انظر السير: (إبراهيمُ بن يزيد) ٦٠/٥ -٦٢، وانظر النزهة: ٧/٥٨٠.
١٠٦

بالمئة دينار ، فلَمْ يَنْشَبْ أنْ وَرَدَ عليه رُقْعَةٌ من بَعضٍ إخْوَانِهِ يَذْكُرُ أنَّه أيضاً في هذا
العيدِ في إضاقَة، فوَجَّهَ إليه بالصُّرَّةِ بعَيْنِها قالَ : فَبَقِيَ الأول لا شَيءٍ عندَه ، فاتَّفَقَ أنَّه
كتبَ إلى الثالث وهو صَديقُهُ يَذْكُرُ حالَه، فبَعثَ إليه الصُّرَّةَ بِخَتْمِها قال فعَرَفَها ، ورَكِبَ
إليه، وقالَ : خَبِّرْني ما شَأنُ هذه الصُّرَّة؟ فأخْبَرَه الخَبرَ ، فرَكبا معاً إلى الذي
أرْسَلَها ، وشَرحُوا القِصَّةَ ، ثم فَتَحوها واقْتَسَمُوها .
قالَ ابنُ الْبُهْلول : الثَّلاثَةِ ، يَعْقوبُ بنُ شَيْبَة، وأبو حَسَّان الزِّيادي، وَآخَرُ نَسيتُه
إِسْنادُها صَحيح .
وقيلَ : عاشَ الزِّياديُّ تِسْعاً وثَمانينَ سَنةً، ماتَ فِي سَنةِ اثْنَتَينِ وأرْبَعينَ
ومئتين(١) .
وقالَ ابنُ البادية الحافظُ كان بَقِيُ بنُ مَخْلَد من عُقَلاءِ النَّاسِ وأفاضِلِهِم ، وكانَ
أسْلمُ بنُ عبدِ العَزيز يُقدِّمُه على جَميع مَنْ لَفيَه بالْمَشرِقِ ، ويَصفُ زُهْدَه، ويقولُ :
رُيَّمَا كُنتُ أمْشِي مَعَه في أزِقَّة قُرْطُبَة، فَإِذا نَظَرَ في مَوْضِع خالٍ إلى ضَعيفٍ مُحْتَاجٍ أَعْطَاهُ
أحَدَ ثَوبَيْه(٢) .
وقال أبو البَرَكَات إسْماعيلُ بنُ أبي سَعْد الصُّوفيُّ: كانَ الشَّيخُ أبو بَكْر ابنُ زَهْراء
الصُّوفيُّ بِرباطِنا ، قد أعدَّ لنَفسِه قَبراً إلى جانبٍ قَبْرِ بِشْر الحافي ، وكان يَمضي إليه كلَّ
أُسبوع مرةً، ويَنامُ فيه، ويَتْلُو فيه القُرآنَ كُلَّه، فلمَّا ماتَ أبو بَكْر الخَطِيبُ ، كانَ قد
أوْصَىْ أنْ يُدفَن إلى جَنبٍ قَبْرِ بِشْر ، فجاءَ أصْحابُ الحَديثِ إلى ابنِ زَهْراءَ ، وسَألوهُ أنْ
يَدِفِنُوا الخَطيبَ في قَبِهِ ، وأن يُؤْثِرَه به ، فامْتَنعَ ، وقالَ : مَوْضعٌ قد أَعْدَدتُهُ لِنَفْسي
يُؤْخَذُ مِنِّي! فجَاؤُوا إلىُ وَالِدي ، وذَكروا له ذلك فأحْضرَ ابنَ زَهْراء وهو أبو بكر
أحمَدُ بنُ عَلَيّ الطُّرَيْشِيُّ فقالَ: أنا لا أقولُ لكَ أعْطِهِمِ القَبرَ ، ولكن أَقُولُ لكَ: لَوْ أنَّ
بِشْراً الحَافِي في الأحْياءِ وأنتَ إلى جانبه ، فجاءَ أبو بكر الخَطيبُ لَيَقْعُدَ دُونَك ، أكانَ
(١) انظر السير: (أبو حَسَّان الزَّياديّ) ٤٩٦/١١-٤٩٨، وانظر النزهة : ٤/٩٦٢.
(٢) انظر السير: (بَقيُّ بنُ مَخْلَد) ٢٨٥/١٣ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٨٦.
١٠٧

يَحسُنُ بكَ أنْ تَقَعُدَ أَعْلَى منه؟ قالَ: لا ، بل كُنتُ أُجْلِسُه مَكانِي قَالَ : فَهَكَذا يَنْبَغي أنْ
تَكُونَ السَّاعَةِ قالَ : فَطَابَ قَلْبُهُ، وَأَذِنَ(١) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ الحافِظِ عبدِ الغَنِيِّ، قالَ الضِّياءُ: وسمعتُ أحمَدَ ابنَ عبدِ اللهِ
العراقي، حدَّثني مَنصُورُ الغَضارِيُّ قالَ : شَاهَدتُ الحَافِظَ في الغَلَاءِ بِمِصْرَ وهو ثَلاثُ
لَيَالٍ يُؤْثِرُ بعَشَائِه ويَطْوِي(٢) .
التَّعَفُّف
صُوَرٌّ على التَّعَفُّف :
قالَ ابنُ يُونُس : شَهِدَ ثَوْبانُ النَّبَويُّ، مَوْلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَتَحَ
مِصْرَ ، واخْتَطَّ بها .
وقالَ عاصِم الأحْوَلُ : عن أبي العالية ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ :
((مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَنْ لا يَسْأَلَ أَحَدَاً شَيْئاً وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ ؟)) فقالَ ثَوَبانُ : أنا فكانَ
لا يَسألُ أحَداً شَيئاً(٣).
وعن الزُّهْريِّ، عن سَعيد وعُرْوَة ، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أعْطَىُ حَكِيماً
يَومَ حُنين فاسْتَقِلَّه ، فزَادَه، فقالَ: يا رَسُولَ الله! أيُّ عَطيَتُكَ خَيرٌ؟ قَالَ صلى الله عليه
وسلم: ((الأُوْلَى)) وقالَ: ((يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ
نَفْسٍ وَحُسْنِ أُكلَةٍ ، بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِاسْتِشْرَافِ نَفْسٍ وَسُوءٍ أُكَلَةٍ ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ
فِيهِ ، وَكَانَ كالَّذِي يَأْكلُ وَلا يَشْبَعُ)) قال: ومِنْكَ يا رَسُولَ الله؟ قال صلى الله عليه
وسلم: ((وَمِنِّي)) قالَ: فوالذي بعثكَ بالحَقِّ لا أرْزَأُ أحَداً بَعدَكَ شَيئاً قالَ : فَلَمْ يَقْبَلْ
دِيواناً ولا عَطاءَ حتَّى مَاتَ فكانَ عُمَرُ يَقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ على حَكيم أنِّي أدْعُوهُ
لِحَقُّه وهو يَأْبَى فِمَاتَ حينَ ماتَ، وإِنَّه لَمِنْ أَكثَرِ قُرَيشٍ مالاً (٤).
انظر السير: ( الخطيب) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٤/١٤١٤.
(١)
(٢) انظر السير: (عبد الغَنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٦٤٧.
(٣)
انظر السير: ( ثَوْبان النّبويّ) ١٥/٣-١٨، وانظر النزهة: ٤/٣٢١.
(٤) انظر السير: ( حَكيم بن حِزام) ٤٤/٣-٥١، وانظر النزهة: ٢/٣٣٠.
١٠٨

وقال ابنُ عُيَيْنَة : دَخلَ هِشامُ بنُ عبدِ الْمَلِكِ الكَعْبَةَ فإذا هو بسَالِمِ ابنِ عبدِ اللهِ بنِ
عُمَرَ ، فقالَ : سَلْني حاجَةً ، قالَ : إنِّي أسْتَحي من الله أنْ أسألَ في بيته غَيرَه ، فلمَّا
خَرجا قالَ : الآن فَسَلْنِي حَاجَةً فقالَ له سَالمُ : مِن حَوَائِجِ الدُّنيا أمْ مِنْ خَوَائِجِ الآخِرَة ؟
فقالَ : مِنْ حَوَائج الدُّنيا قالَ: والله ما سَألتُ الدُّنيا مَنَ يَملِكُها ، فَكَيفَ أَسْألُها مَنْ
لا يَملِكُها؟ !! (١)َ.
التَّوَاضُعِ
١ - فَضْلُه :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ يُوسُفَ بنِ أسْباط: وعن يوسُفَ قال: يُجْزىءُ قَليلُ
الوَرَعِ والتَّوَاضُع من كَثير الاجْتِهادِ في العَمَل وَثَّقَهُ ابنُ مَعين(٢) .
وعن الإمَامِ الشَّافِعِيِّ قالَ : التَّوَاضُع من أخْلاقِ الكِرام ، والتَّكَبُّر من شِيَمِ اللَّامِ ،
والتَّوَاضُعُ يُورِثُ الْمَحَبَّةَ، والقَنَاعَة تُورِثُ الرَّاحَةَ، وقالَ : أرْفَعُ النَّاسِ قَدْراً مَنْ لا يَرَى
قَدْرَه ، وأكثَرُهم فَضْلاً مَنْ لا يَرَىْ فَضلَهُ .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعَقِّباً: لا نُلامُ واللهِ على حُبِّ هذا الإمَام ، لأنَّه من رجال
الكَمَال في زَمانِهِ رَحمَه اللهُ ، وإنْ كُنَّا نُحبُّ غَيْرَه أكْثَر (٣).
٢- غَايَتُهُ :
سُئلَ يُوسُفُ بنُ أسْباط ما غايةُ التَّوَاضُع؟ قالَ : أنْ لا تَلْقَىْ أحَدَاً إلاَّ رَأيتَ له
الفَضلَ عَليكَ (٤) .
(١) انظر السير: (سالِم بن عبد الله) ٤٥٧/٤-٤٧٦، وانظر النزهة: ١/٥٣٣.
(٢) انظر السير: (يُوسُف بن أسْباط) ١٦٩/٩-١٧١، وانظر النزهة: ٧/٨١٤.
(٣) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٤/٨٥٥.
(٤) انظر السير: (يُوسُف بن أسْباط) ١٦٩/٩ -١٧١، وانظر النزهة: ٤/٨١٤.
١٠٩

٣- صُوَرٌ على التَّواضُع :
قالَ عبدُ الله بنُ أبي الهُذَيل: رَأيتُ عَمَّاراً اشْتَرَىْ قَّا (١) بدِرْهَم، وحَملَه على ظَهرِهِ
وهو أميرُ الكُوفَةِ(٢) .
عن ابنِ سيرينَ : أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَتبَ في عَهْدِ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمانِ على
الْمَدائنِ : اسْمَعوا له وأطيعوا ، وأعْطُوه ما سَأَلَكم فخَرَجَ من عندِ عُمَرَ على حِمارٍ
مُوكَف (٣) ، تحتَه زادُه فلمَّا قَدِمَ اسْتَقبَلَه الدَّهَاقِينَ(٤) وبيَدِهِ رَغيفٌ، وعَرْقٌ من
لَحْم .
وَلَيَ حُذَيْفَةُ إِمْرَةَ الْمَدائنِ لِعُمَرَ ، فَبَقِيَ عليها إلىْ بَعْدِ مَقْتَلٍ عُثْمانَ ، وتُوقِّيَ بعد
عُثْمَانَ بأرْبَعِينَ لَيَلَةٍ(٥) .
عن أبي رَافِعِ ، قالَ: كان مَرْوَانُ رُبَّمَا اسْتَخلَفَ أبا هُرَيْرَةَ على الْمَدينَةِ ، فَيَركَبُ
حِماراً بَبَرْذَعَةٍ ، وفي رَأْسِه خُلْبَةٌ من لِيفٍ، فَيَسيرُ، فيَلقَى الرَّجلَ، فيَقولُ: الطَّريقَ!
قَدْ جاءَ الأميرُ(٦) .
وقالَ أبو كَعب صاحِبُ الحَرير ، حدَّثنا أبو الأصْفَر ، أنَّ الأحْنَفَ بنَ قَيْس اسْتُعمِلَ
علىُ خُراسانَ ، فأجْنَبَ في ليلة بارِدَة ، فَلَمْ يُوقِظْ غِلْمانَهَ وكسَرَ ثلجاً واغْتَسلَ(٧) .
وقالَ ابنُ جابِر : أقبلَ يَزِيدُ بنُ عبد الْمَلِك إلى مَجلِسٍ مَكْحُول ، فهَمَمْنا أنْ نُوَسِّعَ
له ، فقالَ : دَعُوهُ يَتعلَّمُ التَّوَاضُعِ(٨) .
(١) القَتُّ: الفصِفِصَة، وهي الرطبة من عَلف الدَّوابِّ.
(٢) انظر السير: (عَمَّار بن ياسر) ٤٠٦/١-٤٢٨، وانظر النزهة: ٤/١٨٥.
(٣) مُوكَف : أي قد وُضع عليه الإكاف ، وهو بمنزلة السَّرج للحصان .
(٤)
الدَّهَاقين : رُؤساء القَرى أو التجار .
(٥) انظر السير: (حُذَيْفَة بنُ اليَمان) ٣٦١/٢ -٣٦٩، وانظر النزهة: ٢/٢٧٥.
(٦)
انظر السير: ( أبو هُرَيْرَة) ٢/ ٥٧٨ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٢/٣١٣ .
(٧) انظر السير: ( الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٣/٤٥١.
(٨) انظر السير: (يَزِيدُ بنُ عبد الْمَلِك) ١٥٠/٥-١٥٢، وانظر النزهة: ١/٥٩٣.
١١٠

وقال عبدُ الله بن زَيْد: كنا نَجلِسُ إلى مَكْحُول ومَعَنا سَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ ، فكانَ
يَسْقِي الْمَاءَ فِي مَجْلِسٍ مَكْحُول(١) .
وكانَ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنْبَل رُبَّما خَرَجَ إلى البَقَّالِ، فَيَشتَرِي الجُرْزَةَ الحَطَب
والشَّيءَ ، فَيَحمِلُه بيدِه .
وكان يَتَنْوَّرُ في البَيتِ فقالَ لي في يَومِ شِتويٍّ: أريدُ أدْخُلَ الحَمَّامَ بعدَ الْمَغْرِب ،
فقُلْ لصَاحِبِ الحَمَّامِ ثم بَعثَ إليَّ : إنِّي قد أضْرَبتُ عن الدُّخُولِ وتَنَوَّرَ فِي
البَيتِ(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الرِّفاعيِّ: وقيلَ : أُحْضِرَ بِينَ يَدَيهِ طَبَقُ تَمْر ، فبقيَ
يُنَقِّي لنَفْسِه الحَشَفَ يأكلُه، ويقولُ : أنا أحَقُّ بالدُّونِ ، فإنِّي مثلُه دُونٌ(٣) .
التَّوْقِرُ والاخْتِرام
١ - رُؤْيا فيها حَتٌّ على تَوقِيرِ العُلَمَاءِ:
قالَ الوَزيرُ أبو الفَضْلِ محمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله البَلعَمِيّ : سَمعتُ الأميرَ إِسْماعيلَ بنَ
أحمَدَ يَقولُ: كُنتُ بِسَمَرْقَندَ، فجَلستُ يوماً للمَظالِم، وجَلسَ أخي إسْحاقُ إلى
جَنبي ، إذْ دَخلَ أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ نَصْر، فقُمتُ له إجْلالاً للعِلمٍ ، فلمَّا خَرجَ
عَاتَبَني أخي وقالَ : أنتَ وَالِي خُراسانَ تَقُومُ لرَجلٍ من الرَّعيَّة؟ هذا ذَهَابُ السِّياسَة ،
قالَ : فبتُّ تلكَ الليلةَ وأنا مُتَقْسِّمُ القَلبِ ، فَرَأيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في
الْمَنامِ ، كأنِّي وَاقفٌ مع أخي إِسْحَاقَ ، إذْ أقبلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فأخَذَ بعَضُدي
فقالَ لَي : ثَبَتَ مُلْكُكَ ومُلكُ بَنِيكَ بإجْلالِكَ محمَّدَ بنَ نَصْر ، ثم التَفتَ إلى إِسْحاقَ ،
فقالَ : ذَهبَ مُلكُ إسْحاقَ ومُلكُ بَنيه باسْتِخْفافِهِ بمحمَّدٍ بنِ نَصْر .
(١)
انظر السير: ( سَعيد بن عبد العَزيز) ٣٢/٨-٣٨، وانظر النزهة : ٢/٧٢٣.
انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٤/٩٢٧.
(٢)
(٣) انظر السير: (الرِّفاعيُّ) ٧٧/٢١ - ٨٠، وانظر النزهة: ٦/١٦٠١.
١١١

وماتَ بعدَ أيَّامٍ قَلائل من مَوْتِ صالِح بنِ محمَّد جَزَرَة ، وذلك سَنةَ أَرْبَعٍ وتِسْعينَ
ومِئتين(١) .
٢ - صُوَرٌ من التَّوقِير :
عن ثابِتِ البُنَانِيِّ أنَّ أبا بَرْزَةَ الأَسْلَميَّ كان يَلْبَسُ الصُّوفَ، فقيل له: إنَّ أَخَاكَ
عائذَ بنَ عَمرو يَلْبَسُ الخَزَّ ، قالَ : وَيْحَكَ ومَنْ مثل عائذ؟ فانْصَرِفَ الرَّجُلُ، فأخْبَرَ
عائذاً ، فقالَ : ومَنْ مثلُ أبي بَرْزَة! ؟
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هكذا كان العُلماءُ يُوَقِّرونَ أقْرِانَهم(٢) .
وقالَ أبو الْمِنْهالِ: سَأَلْتُ البَراءَ عن الصَّرْفِ ، فقالَ: سَلْ زَيْدَ بنَ أَرْقَم، فإنَّه خَيرٌ
مِنِّي وأعْلَم (٣) .
قالَ محمَّدُ بنُ سِيرينَ : جَلستُ إلى عبدِ الرحمَن بن أبي ليلى، وأصْحابُه يُعَظُّمونَه
كأنَّه أمير (٤) .
عن مُجَاهِدٍ قالَ : قالَ ابنُ عبَّاس لسَعيدِ بنِ جُبَيْر: حَدِّثْ قالَ: أُحَدِّثُ وأنتَ هَا
هُنا؟ قالَ : أوَلَيسَ من نِعْمَة الله عَليكَ أنْ تُحَدِّثَ وأنا شَاهِدٌ، فإنْ أصَبْتَ فِذَاكَ ، وإنْ
أخْطأتَ ، علَّمْتُك(٥) .
ورَوَى اللَّيثُ عن عُبيدِ الله بن عُمَر ، قال: هو (٦) صاحبُ مُعْضِلاتِنا، وعالِمُنا،
وأفْضَلُنا(٧) .
وعن عبدِ الرحْمَن بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَم ، قالَ : كانَ يَحْيَىُ بنُ سَعيد يُجالِسُ رَبِيعَةَ بنَ
انظر السير: ( محمَّد بن نَصْر) ٣٣/١٤ - ٤٠، وانظر النزهة : ٥/١١٢٦ .
(١)
(٢)
انظر السير: (أبو بَرْزَة الأسْلَميّ) ٤٠/٣-٤٣، وانظر النزهة : ٣/٣٢٨.
(٣)
انظر السير: (زَيْد بن أرْقَم) ١٦٥/٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/٣٥٩ .
انظر السير : ( عبد الرحمن بن أبي ليلى) ٢٦٢/٤ -٢٦٧، وانظر النزهة : ٣/٤٩٤.
(٤)
(٥)
انظر السير: ( سَعيد بن جُبَيْر) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة : ٩/٥٠٦.
الكلامُ عائدٌ علىْ رَبيعَة بن أبي عبد الرحمن بن فَرُّوخ ، مُفْتِي الْمَدينَة، من مَوالي آل الْمُنْكَيِر .
(٦)
انظر السير: (ربيعَة) ٨٩/٦ -٩٦، وانظر النزهة : ٥/٦٣٥.
(٧)
١١٢

فَرُّوخ ، فإذا غابَ رَبِيعَة ، حذَّثهم يَحْيَى أحْسَنَ الحَديثِ ، وكانَ كَثيرَ الحَديث ، فإذا
حَضَرَ رَبِيعَة كَفَّ يَحْيَى إِجْلالاً لِرَبِيعَة ، ولَيسَ رَبِيعَةُ أُسَنَّ منه ، وهو فيما هو فيه ، وكان
كلُّ واحدٍ منهما مُبَجِّلاً لصاحِبِهِ(١) .
وقالَ أبو إسْحَاقَ الجَوْزَجَانيُّ: سَمعتُ يَحْيَىُ بنَ مَعين يَقولُ : الذي يُحدِّثُ ببَلَدِ به
مَنْ هو أَوْلَىْ بِالتَّحْديث منه أحْمَقٌ ، وإذا رَأيْتُني أُحَدِّثُ بِبَلَدٍ فيها مثلُ أبي مُسْهِر فَيَنبَغِي
لِلِحِيَّتِي أنْ تُحْلَقَ(٢).
قال أبو حاتم الرَّازيُّ: ما رَأيتُ أحداً أعْظَمَ قَدْراً من أبي مُسْهر، كنتُ أراهُ إذا
خَرَجَ من الْمَسْجِدِ ، اصْطَفَّ النَّاسُ يُسلِّمُونَ عليه، ويُقبِّلونَ يَدَه(٣) .
وقالَ القاسِمُ بنُ محمَّد الصَّائغ : سَمعتُ الْمَرُّوذيَّ، يَقولُ : دَخلتُ على ذي النُّونِ
السِّجنَ، ونحنُ بالعَسْكر ، فقالَ: أَيُّ شَيءٍ حالُ سَيِّدِنا؟ يَعني: أحمَدَ بنَ حَنْبَل (٤).
وعن ابنِ الْمَديني ، قالَ : أمَرني سَيِّدي أحمَدُ بنُ حَنْبَل أن لا أُحدِّثَ إلاَّ من
كتَاب(٥) .
قال القاضي الخليلُ بنُ أحمد السِّجْزيُّ : سَمعتُ أحمدَ بنَ محمَّدِ ابنِ الليَّث قاضي
بلدنا يقولُ : جاء سَهلُ بنُ عبد الله التُّسْتَرِيُّ إلى أبي داوُد السَّجِسْتاني ، فقيلَ : يا أبا
داوُد : هذا سَهلُ بنُ عبد الله جاءَك زائراً فرَخَّبَ به ، وأجلسَه ، فقال سَهلٌ : يا أبا
داوُد! لي إليك حاجَة قال: وما هي ؟ قال: حتَّى تَقولَ : قد قَضيتُها مع الإمكان قال :
نَعَم قال : أخْرِجْ إلي لسَانَك الذي تُحدِّثُ به أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتىْ أُقَبِّلَه فَأَخْرَجَ إليهِ لِسانَه فَقَبَّلَه .
قال ابنُ دَاسَة: سَمعتُ أبا داود يقول: ذكرت في ((السُّنن)) الصحيحَ وما يُقارِئُه ،
فإن كان فيه وهن شديد بيَّتُه .
(١) انظر السير: (ربيعَة) ٨٩/٦-٩٦، وانظر النزهة: ٧/٦٣٥.
(٢)
انظر السير: ( أبو مُشْهر) ٢٢٨/١٠ -٢٣٨، وانظر النزهة: ٥/٨٧١.
(٣) انظر السير: (أبو مُسْهر) ٢٢٨/١٠ -٢٣٨، وانظر النزهة: ٣/٨٧٢.
(٤) انظر السير: ( أحمد بن حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٩/٩٢٥.
(٥) انظر السير: (أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١٠/٩٢٥.
١١٣

وقال الإمامُ الذهبيُّ: فقد وَفَّى - رَحمَه الله - بذلك بحَسْبِ اجتهادِهِ ، وبيَّن ما ضَعفُه
شَديدٌ، ووَهْنُه غيرُ مُحْتَمِل وكاسرَ (١) عما ضَعفُه خَفيفٌ مُحْتَمل، فلا يَلزَمُ من سُكوتِه -
والحالةُ هذه - عن الحَديث أنْ يَكونَ حَسناً عندَه ، ولا سيَّما إذا حَكمنا على حدِّ الحُسْنِ
باصْطِلاحِنا المولدِ الحادِث ، الذي هو في عُرفِ السَّلَف يَعودُ إلى قِسمٍ من أقْسامِ
الصَّحيح ، والذي يَجبُ العَملُ به عند جُمهور العُلمَاءِ ، أو الذي يَرغَبُ عنه أبو عبد الله
البُخاري ، ويُمشِّيه مُسْلمٌ ، وبالعَكس ، فهو داخلٌ في أداني مَراتب الصِّحَّة ، فإنَّه لو
انْحَطَّ عن ذلك لخَرجَ عن الاحتجاجِ، ولبقيَ مُتَجاذَباً بين الضَّعْف والحُسْنِ ، فكتابُ
أبي داوُد أعلى ما فيه من الثابت ما أَخْرَجَه الشَّيْخان ، وذلك نَحْواً من شَطر الكتاب ،
ثم يَليهِ ما أخرَجَه أحدُ الشَّيْخَين، ورَغِبَ عنه الآخَر ، ثم يَليه ما رَغِبا عنه ، وكان
إِسْنادُه جيداً، سالماً من عِلَّة وشُذوذ ، ثم يَليه ما كان إسنادُه صالحاً ، وقَبَلَه العُلماء
لِمَجِيئِهِ من وَجهين لَيَّيْن فصاعداً، يَعضُدُ كلُّ إِسْنادٍ منهُما الآخَر، ثم يَليه ما ضَعُفَ
إسنادُه لنَقْص حِفْظِ رَاويه ، فمثلُ هذا يُمشِّيه أبو داود ، ويَسكُتُ عنه غالباً ، ثم يَليه
ما كان بَيِّنَ الضَّعفِ من جِهَة رَاويه ، فهذا لا يَسْكُتُ عنه، بل يُوهُّنُه غالباً ، وقد
يَسكُتُ عنه بحَسْبٍ شُهْرته ونَكَارَتِه ، واللهُ أعلم .
قال الحافظُ زَكريّا السَّاجي : كتابُ الله أصْلُ الإسْلام ، وكتابُ أبي داوُدَ عَهْدُ
الإسْلام .
قال الذهبي : كان أبو داود مع إمامَتِهِ في الحديث وفُنونِه من كبار الفُقَهاء فكتابُه
يدلُّ على ذلك، وهو من نُجَباء أصحابِ الإمامِ أحمدَ ، لازَمَ مَجلِسَه مُدَّة ، وسألَه عن
دِقاق المَسائل في الفُروع والأصُول .
وكان على مَذْهَبِ السَّلف في اتِباعِ السُّنَّة والتَّسْليم لها ، وتَرْكِ الخَوْض في مَضائق
الكَلام(٢) .
-
(١) كسر من طرفه: غضَّ .
(٢) انظر السير: ( أبو دَاوُد) ٢٠٣/١٣ -٢٢١، وانظر النزهة: ٢/١٠٧٠.
١١٤

الحَسَاسيّة والشَّفافِيَة
صُوَرٌ على الحَسَاسيّة والشَّفَافِيَة :
قالَ زُبَيْدُ بنُ الحارث : سَمعتُ كلمَةً فَنَفْعَني اللهُ بها ثَلاثينَ سَنةٌ(١) .
وقِيلَ : إنَّ المَازِرِيَّ مَرِضَ مَرْضً ، فَلَمْ يَجدْ مَنْ يُعالِجُه إلاَّ يَهُوديّ ، فلمَّا عُوفِي
على يَدِهِ ، قال : لَوْلا التِزَامِي بحِفْظ صِناعَتِي لأَعْدَمْتُك المسلمينَ فأثَّرَ هذا عند
المَازِرِيِّ، فَأقْبَلَ على تَعَلُمِ الطُّبِّ حتّى فَاقَ فيه، وكان مِمَّنْ يُفْتِي فيه كمَا يُفْتِي في
الفِقْهِ(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ ابنِ الخُطَيئة: وقد كانَ حَصلَ قَحْطٌ بِمِصْرَ ، فبَذَلَ له
غَيرُ وَاحِدٍ عَطاءً ، فأَبَى وقَنَعَ فخَطبَ الفَضلُ بنُ يَحْتَى الطَّيلُ إليه بِنْتَه ، فزوَّجَه ، ثم
طَلبَ منه أُمَّها لِتُؤْنِسَهَا، فَفَعلَ ، فمَا أجْمَلَ تَلَطُّف هذا الْمَرءِ في بِرِّ أبي العباسِ ابنِ
الحُطَيئة(٣).
الحِلْمُ
١ - صُوَرٌ على الحِلْم :
عن الشَّعْبِيِّ، قالَ: أغلظَ رَجلٌ لِمُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيانَ فقالَ : أنْهاكَ عن
السلطان ، فإنَّ غَضَبَه غَضَبُ الصَّبِيِّ، وأخْذَهُ أخْذُ الأسَدِ (٤) .
وقالَ الأصْمَعِيُّ: حدَّثنا ابنُ عَوْن قالَ : كانَ الرَّجُلُ يَقولُ لِمُعاويَةَ: والله لَتَسْتَقِيمَنَّ
بنا يا مُعاوِيَةُ ، أَوْ لَنْقَوِّمَنَّك، فيقولُ: بِمَاذَا؟ فَيَقُولونَ: بالخُشُبِ فَيَقُولُ : إذاً
أسْتَقِيمُ(٥) .
(١) انظر السير: (زُبَيْد بن الحارث) ٢٩٦/٥-٢٩٨، وانظر النزهة: ٤/٦٠٥.
(٢) انظر السير: (المازريّ) ١٠٤/٢٠ -١٠٧، وانظر النزهة: ١/٤٣٥١.
(٣) انظر السير: (ابن الخُطَيئة) ٣٤٤/٢٠-٣٤٨، وانظر النزهة: ٣/١٥٥٩.
(٤) انظر السير: ( مُعاويَة بن أبي سُفْيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٣٥٥.
(٥) انظر السير: (معاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٤/٣٥٥.
١١٥

وقيلَ: إِنَّ رَجُلاً خَاصَمَ الأحْتَفَ قالَ : لَئِنْ قُلتَ وَاحِدَةٌ، لَتَسْمَعَنَّ عَشْراً، فقالَ :
لَكنَّكَ إِنْ قُلْتَ عَشْراً لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدةً(١) .
وقالَ أبو بَكْر بنُ عَيَّش : كانَ عاصِمُ بنُ أبي النَّجُودِ نَحْوياً فَصيحاً إذا تَكلَّمَ ،
مَشْهورُ الكَلام، وكانَ هو والأعْمَشُ وأبو حُصَين والأسدُّ لا يُبْصِرون جاءَ رجلٌ يوماً
يَقُودُ عاصِماً فوَقَعَ وَقِعَةٌ شَديدةً فما نَهَرَه ولا قالَ له شيئاً(٢) .
وعن يَحْيَى بنِ أكثَم : كانَ الْمَأْمُونُ يَحلُمُ حتَّى يُغْيظَنا ، قيلَ: مَرَّ مَلَأَحٌ ، فقالَ :
أَتَظِنُّونَ أنَّ هذا يَنْبُلُ عندي وقد قَتَلَ أخاهُ الأمينَ ؟! فسَمِعَها الْمَأْمُونُ ، فتَبَسَّم ، وقالَ :
ما الحيلَةُ حتى أنْيُلَ فِي عَينِ هذا السَّيِّدِ الجَليل(٣).
٢- مَنْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَكونَ حَليماً فَلْيَتَحَالَم :
عن الأحْتَفِ بنِ قَيْس أَنَّه قالَ: لَستُ بِحَلِيمٍ ، ولَكِنِّي أَتَحالَم (٤).
الرَّحْمَة
١- رَحْمَةُ اللهِ وَسِعَتْ كلَّ شَيء :
قالَ ابنُ عُبَيْنَة : تَبَعَ ابنُ الْمُنْكَدِرِ جِنازَةَ سَفيه ، فعُوتِبَ ، فقالَ : والله إنِّي لأسْتَحي
من الله أنْ أرَى رَحمَتَه عَجَزَت عن أحَدٍ(٥) .
٢- اللهُ أَرْحَمُ من الوَالِدَيْن :
عن محمَّدِ بنِ إسْماعيلَ البُخاريِّ، قالَ : سَمعتُ بَعضَ أصْحابِنا يَقولُ: عادَ
حَمَّدُ بنُ سَلِمَةَ سُفْيَانَ الثَّورِيَّ، فقالَ سُفْيَانُ : يا أبَا سَلِمَة! أتَرَى اللهَ يَغْفِرُ لِمِثِي ؟ فقالَ
(١) انظر السير: (الأخْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ١/٤٥٢.
(٢)
انظر السير: ( عاصم بن أبي النجود) ٢٥٦/٥-٢٦١، وانظر النزهة: ٥/٥٩٩.
(٣)
انظر السير: ( الْمَأْمُونَ) ٢٧٢/١٠-٢٩٠، وانظر النزهة: ٤/٨٧٦.
انظر السير: (الأخْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ١٠/٤٥١.
(٤)
(٥) انظر السير: ( محمّد بن الْمُنْكَدِر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٢/٦٠٩.
١١٦

حَمَّادُ: والله لَوْ خُيِّرتُ بين مُحاسَبَةِ الله إيّايَ، وبينَ مُحاسَبَةِ أَبَوَيَّ، لاخْتَرتُ
مُحَاسَبَةَ اللهِ ، وذلكَ لأنَّ اللهَ أرحَمَ بي من أبَوَيَّ(١) .
٣- أعْمَالٌ يَرْتَجي بها أصْحابُها رَحْمَةَ الله :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الْمَنيعِيّ : قيلَ: إنَّ امرأةً أَتْهُ بِثَوبٍ ليُنفِقَ ثمنَه في بِناءِ
الجَامِعِ ، يُساوي نِصفَ دينار، فاشْتَراه منها بألف دينار ، وسَلَّمَت الْمَالَ إلى الخازِنِ
لإنْفَاقِهِ وخَبَّ الثَّوبَ كَفَناً له(٢).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ ابنِ العَادِلِ ، صَاحِبٍ مِصْرَ : ولَمَّا
مَرِضَ قالَ : لي في قَضِيَّةِ دِمْياطَ ما أرْجُو به الرَّحْمَةَ(٣).
تُوفِّيَ سَنةَ أرْبَع وعِشْرينَ وسِتِّ مئة وكانَ له دِمَشْقُ والكَرْكُ وغَيرُ ذلكَ وحَلفوا بعدَه
لابنِهِ النَّاصِرِ دَاوُدَ(٤).
٤- رُؤْيَا يَعْظُمُ بها الرَّجَاء فِي رَحْمَة الله :
عن إسْحاقَ الحَربِيِّ ، قالَ: حدَّثني أبو حَسَّانَ الزِّياديُّ، أنَّه رَأىْ رَبَّ العِزَّة في الْمَنامِ:
فقالَ: رَأيتُ نُوراً عَظيماً لا أُحْسِنُ أَصِفُه، ورَأيتُ فيه رَجلاً خُيَّلَ إليَّ أنَّه النبيُّ صلى الله
عليه وسلم وكأنَّه يَشْفَعُ إلى رَبِّه في رَجُلٍ من أُمَّتِهِ ، وسَمعتُ قائلاً يَقولُ : أَلَمْ يَكِفِكَ أنّي
أَنْزِلُ عَليكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ : ﴿ وَإِنَّرَبَّكَ لَذُوْ مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ﴾(٥) ثم انتَبَهتُ .
قالَ الخَطيبُ : كانَ أبو حَسَّان أحدَ العُلَماءِ الأفاضِلِ الثَّقَاتِ ، وَلِيَ قَضاءَ الشَّرقيّة ،
وكان كَريماً مِفْضالاً(٦) .
(١) انظر السير: (حمَّاد بن سَلمَة) ٤٤٤/٧-٤٥٦، وانظر النزهة: ٩/٧١٥.
(٢)
انظر السيرِ: ( الْمَنِيعيّ) ٢٦٢/١٨ -٢٦٤، وانظر النزهة: ١/١٤١١.
(٣) أبلى المُعظّم بلاءً حسناً وجاهد الصليبيين جهاداً عظيماً في نوبة دمياط التي كانت من أشد الحملات
خطراً على الأمة ، فنسأل الله سبحانه أن يتجاوز عنه بعض ما أخطأ ، وهو مُحقٌّ في مقالته هذه .
(٤) انظر السير: (المُعظّم) ١٢٠/٢٢ -١٢٢، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٢.
(٥)
سورة الرعد ، الآية : ٦
(٦) انظر السير: (أبو حَسَّان الزِّياديّ) ٤٩٦/١١-٤٩٨، وانظر النزهة: ٣/٩٦٢.
١١٧

٥ - الرَّحْمَةُ بِالأطْفَال :
قال أبو مَعْمَر الْمُفْعَد : نَظَرَتْ رَابِعَةُ إلىْ رِياح القَيْسِي يَضُمُّ صَبيّاً من أهْلِه ويُقبَّلُه
فقالَت : أتُحِبُّه؟ قالَ : نَعَم قالَت : ما كُنتُ أحْسَبُ أنَّ في قَلبِكَ مَوْضِعاً فارغاً لِمَحَبّة
غَيْرِهِ ، تَبَارَكَ اسْمُه فغُشِيَ عليه، ثم أفَاقَ، وقالَ: رَحمَةٌ منه تَعالَى الْقَاهَا فِي قُلُوبٍ
العِبادِ للأطْفَالِ(١).
٦- الرِّفْقُ بالحَيَوان :
قالَ عبدُ الرحمن بنُ زَيْد بنُ أسْلم عن أبيه ، عن جَدِّه، قالَ عُمَرُ: لقد خَطَرَ على
قَلبِي شَهْوَةُ السَّمَك الطَّرَيِّ، قالَ: ورَخَّل ((يَرْفَأُ))(٢) راحلَتَه وسارَ أَرْبَعاً مُقْبِلاً
ومُذْبِراً، واشْتَرَى مِكْتَلاً فجاءَه به، وعَمَدَ إلى الرَّاحِلَة فَغَسلَها، فأَتَى عُمرَ فقالَ :
انْطَلِقْ حَتّى أَنْظُرَ إلى الرَّاحِلَةِ، فَنَظِرَ وقالَ : نَسيتَ أنْ تَغْسِلَ هذا العَرقَ الذي تحتَ
أُذُنِها ، عذَّبتَ بَهيمة في شَهْوَة عُمَرَ ، لا والله لا يَذُوقُ عُمرُ مِكْتَلَكَ(٣).
٧- مَنْ كانَ صَائماً فَأَقْطَرَ رَجاءَ الرَّحْمَة :
قال عُبَيْدُ بنُ محمد الوَرَّاق : مَرَّ معروفٌ الكَرخِي وهو صائمٌ بسقَّاءٍ يقولُ : رَحِمَ الله
مَن شَرِب، فَشَرِبَ رَجاءَ الرَّحمَةِ(٤).
الرِّقَّة
صُوَرٌ على الرِّقَّة :
قالَ يَحْيَى بن سَعيد الأنْصَارِيُّ: قالَ أبو حُمَيْد السَّاعديّ - وكانَ بَدْرِيّاً - لَمَّا قُتلَ
عُثمانُ : اللَّهُمَّ إنَّ لك عليَّ أنْ لا أَضْحَكَ حتّى أَلْقَاكَ.
(١) انظر السير: (رياح القَيْسي) ١٧٤/٨ -١٧٥، وانظر النزهة: ٥/٧٤١.
(٢) هو غُلامٌ لِعُمَر .
(٣) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ٤/٤٨.
(٤) انظر السير: (معروف الكرخي) ٣٣٩/٩ -٣٤٥، وانظر النزهة: ٢/٨٢٧.
١١٨

قالَ قَتَادَة: وَلِيَ عُثمانُ ثِنتي عشرة سَنةً ، غيرَ اثْنَي عشرَ يَوْماً .
وقالَ أبو معشر السّندي : قُتْلَ لثماني عَشرَةٍ خَلَت من ذي الحِجَّة يَومَ الجُمُعَة ، زادَ
غيرُه ، فقالَ: بعدَ العَصْر، ودُفنَ بالبقيعِ بين العِشاءَين ، وهو ابنُ اثْنَتَينٍ وَثَمانينَ
سَنةً ، وهو الصَّحيح .
وعن عبد الله بن فروخ قال : شهدتُهُ ودُفِنَ في ثيابِه بدِمائه، ولَمْ يُغَسَّل رواهُ
عبدُ الله بنُ أحمَد في ((زيادات الْمُسْنَد ))، وقيلَ: صلَّى عليه مَرْوانُ ولَمْ يُغَسَّل(١) .
وقالَ إسْحاقُ بنُ محمَّد ، سَمعتُ مَالِكاً يَقولُ : كُنَّا نَدخُلُ على أيُوبَ السِّخْتياني ،
فإذا ذَكرنا له حَديثَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَكَى حتَّى نَرحَمُه (٢) .
وقالَ يَحْيَى القَطَّان: كانَ شُعْبَة من أرَقِّ النَّاسِ، يُعطي السَّائِلَ ما أمْكَنَه(٣).
وقالَ يَحْيَى بنُ أبي بُكَير : قُلتُ للحَسَنِ بنِ صالِح: صِفْ لنا غَسْلَ الْمَيِّتِ فمَا قَدِرَ
عليه من البُكَاءِ(٤) .
وقالَ نُعَيمُ بنُ حمَّاد : كانَ ابنُ الْمُبارَك إذا قرأ كتابَ الرِّقاق ، يَصيرُ كأنَّه ثَورٌ
مَنْحورٌ، أو بَقَرَةٌ مَنْحُورَةٌ، من البُكاءِ ، لا يَجْتَرِىءَ أحدٌ مِنْ أنْ يَسألَه عن شَيء إلاَّ
دَفعَه(٥) .
وقال إبراهيمُ بنُ الأَشْعَث : ما رَأيتُ أحَداً كان اللهُ في صَدرِه أعظَمَ من الفُضَيل ،
كان إذا ذَكَرَ اللهَ، أو ذُكرَ عندَه ، أو سَمعَ القُرآنَ، ظَهرَ به من الخَوفِ والحُزْن ،
وفاضَت عَيناهُ، وبَكى حتى يَرحمُه من يَحضُرُه، وكان دائمَ الحُزْن ، شَديدَ الفِكْرَة،
ما رَأيتُ رجلاً يريدُ اللهَ بعِلمِهِ وعَملِهِ ، وأخْذِهِ وعَطائِهِ ، ومَنْعِه وبَذْلِهِ ، وبُغْضِه وحُبُّه ،
وخِصَالِهِ كلِّها، غَيرَه كنَّا إذا خَرجْنا معه في جِنازَةٍ لا يَزالُ يَعظُ ، ويُذَكِّرُ ويَبكي كأنَّه
(١) انظر السير: ( عُثمان بن عَفَّان)، وانظر النزهة: ٥/٧٩.
(٢) انظر السير: (أيُّوب السِّختياني) ١٥/٦ -٢٦، وانظر النزهة: ١/٦٢٦.
(٣)
انظر السير : ( شُعْبة) ٧/ ٢٠٢-٢٢٨، وانظر النزهة: ٤/٦٩٣.
انظر السير: ( الحَسَن بن صالح) ٧/ ٣٦١ -٣٧١، وانظر النزهة : ٢/٧٠٣.
(٤)
(٥) انظر السير: (عبد الله بن الْمُبارَك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٤/٧٦٧.
١١٩

مُودِّعٌ أَصْحابَه ، ذاهبٌ إلى الآخِرَة ، حتى يَبلُغَ المَقَابِرَ ، فَيَجلِسُ مَكانَهَ بينَ المَوْتَىُّ من
الحُزنِ والبُكاء حتى يقومَ وكأنَّه رَجعَ من الآخِرَة يُخبرُ عنها(١) .
الزُّهْد
١ - مِنْ تَعْرِيفَات الزُّهْد :
من كَلامِ ابنِ عُيَيْنَة قالَ : الزُّهْدُ : الصَّبرُ، وارْتِقَابُ الْمَوْت(٢).
قالَ الْمُسَيِّبُ: سَألتُ يُوسُفَ بنَ أسْباط عن الزُّهْدِ ، فقال: أنْ تَزْهَدَ في الحَلالِ ،
فأمَّا الحَرامُ ، فإنِ ارْتَكبتَه ، عَذَّبَك(٣).
٢ - أقْسَامُ الزُّهْد :
عن إبراهيمَ بنِ أدْهَم قالَ : الزُّهْدُ فَرْضٌ، وهو الزُّهْدُ في الحَرام ، وزُهْدُ سَلامَة ،
وهو الزُّهْدُ في الشُّبُهات، وزُهْدُ فَضْل، وهو : الزُّهْدُ في الحَلال(٤) .
٣- الزُّهْدُ بُجَمِّلُ الزُّهَاد :
قالَ أبو بكر ، محمَّدُ بنُ القاسِمِ بنِ مَطَر، سَمعتُ الرَّبيعَ : قَالَ لي الشَّافِعيُّ:
عَليكَ بالزُّهْدِ فإنَّ الزُّهْدَ على الزَّاهِدِ أحْسَنُ من الْحُليِّ على الْمَرأةِ النَّاهِد(٥).
٤- فَضْلُ الزُّهْد :
رَوَىُ مُعْتَمِرٌ عن أبيه : ما رَأيتُ أحداً قَطُّ أخْشَعَ من مُحمَّدٍ بنِ واسِعٍ ، وقالَ
جَعْفَرُ بِنُ سُلَيْمانَ : كُنْتُ إذا وَجَدتُ من قَلبي قَسْوَةً، غَدَوتُ فَنَظَرتُ إلى وَجْهِ
مُحمَّدِ بنِ واسع كانَ كأنَّ ثَكْلَىْ قالَ حَمَّدُ بنُ زَيْد: قالَ رَجلٌ لِمُحمَّدِ بنِ واسع :
(١) انظر السير: (الفُضَيل بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ٣/٧٧٣.
(٢) انظر السير: ( سُفْيان بن عُيَيْنَة) ٤٥٤/٨-٤٧٥، وانظر النزهة: ٦/٧٨٣.
(٣) انظر السير: ( يُوسُف بنَ أسْباط) ١٦٩/٩-١٧١، وانظر النزهة: ٣/٨١٤.
انظر السير: (إبراهيم بن أدْهَم) ٣٨٧/٧ -٣٩٦، وانظر النزهة : ٢/٧٠٨.
(٤)
(٥) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعِيِّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٨/٨٤٨.
١٢٠