النص المفهرس

صفحات 81-100

وقالَ القاضي ابنُ وَاصِل: سُئلَ ابنُ الجَوْزيّ والخَليفَةُ يَسمَعُ: (( مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ
بعدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم))؟ قالَ: ((أفْضَلُهم بعدَه مَنْ كانَت بِنتُه تَحتَه))
وهذا جَوابٌ جيّدٌ يَصْدُقُ على أبي بكر وعلىُ عَليّ(١).
٦- المَعَارِيضُ صِدْقٌ :
قالَ مُغيرَةُ: كانَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ إذا طَلبَه إنْسانٌ لا يُحِبُّ لِقَاءَه خَرَجَت الجَارِيَة ،
فقَالَت : اطْلُبُوهُ فِي الْمَسْجِد(٢) .
وعن إبراهيمَ ، قالَ : أتىُ رَجلٌ ، فقالَ : إنِّي ذَكرتُ رَجُلاً بشَيءٍ فَبَلغَه عَنِّي ،
فَكَيفَ أعْتَدْرُ إليه؟ قالَ : تَقُولُ : والله إنَّ اللهَ لَيعلَمُ ما قُلتُ مِنْ ذلكَ مِنْ شَيءٍ(٣).
وعنْ إسْحاقَ بنِ هانىء قالَ: كُنَّا عندَ أحمَدَ بنِ حَنْبَل في مَنزِلِه ، ومَعه الْمَروذيُّ ،
ومُهنّى، فدَقَّ داقٌ البابَ، وقالَ : الْمَروذيُّ هَا هُنا؟ فكأنَّ الْمَؤُّوذيَّ كرِهَ أنْ يُعلَمَ
مَوْضِعُهُ، فَوَضَعَ مُهنَّى أَصْبُعَه في راحَتِهِ ، وقالَ : لَيسَ الْمَرُوذيُّ هَا هُنا ، وما يَصنَعُ
الْمَرُوذُّ هَا هُنا؟ فضَحِكَ أحْمَدُ ، ولَمْ يُنْكِرْ(٤) .
المحاسبة
١ - صُوَرٌ علىُ مُحاسَبَة النَّفْس :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الأحْنَفِ بنِ قَيْس : عاشَت بنو تميم بحِلْمِ الأحْنَفِ بنِ
قَيْس أَرْبَعِينَ سَنةً، وقيلَ للأحْتَفِ : إِنَّك كَبِيرٌ والصَّومُ يُضْعِفُك قالَ : إنِّي أُعِدُّه لسَفٍ
طَوِيلٍ وقيلَ : كَانَت عَامَّةُ صَلاةِ الأَحْتَفِ باللَّيلِ ، وكانَ يَضِعُ أصْبُعَه على الْمِصْباحِ ، ثم
يقولُ: حَسِّ(٥) ويَقولُ: ما حَملَكَ يا أحْنَفُ على أنْ صَنعتَ كَذا يومَ كَذا (٦) .
(١) انظر السير: (النَّاصِر لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٥/١٦٨٥.
(٢) انظر السير: (إبراهيمُ النَّخَعيُّ) ٥٢٠/٤-٥٢٩، وانظر النزهة: ٦/٥٤٩.
(٣) انظر السير: (إبراهيمُ النّخَعيُّ) ٥٢٠/٤-٥٢٩، وانظر النزهة: ٦/٥٤٩.
انظر السير: ( أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٥/٩٤٧.
(٤)
(٥) كلمة تُقالُ عند الألم .
(٦) انظر السير: (الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٢/٤٥١.
٨١

٢ - مُحاسَبَة الله دَقيقَة :
عن يَحْيَى بنِ مُعَاذ، قالَ: الدُّنيا لا تَعدِلُ عندَ الله جَناحَ بَعُوضَة، وهو يَسألُكَ عن
جَناحِ بَعُوضَةِ(١) .
المُراقَبة
عن حاتِمِ الأصَمِّ قالَ: تَعَاهَدْ نفسَك في ثَلاثٍ: إذا عَملتَ، فاذْكُرْ نَظَرَ اللهِ إليكَ ،
وإذا تَكلَّمتَ فَاذْكُرْ سَمعَ الله مِنكَ، وإذا سَكتَّ فاذْكُرْ عِلمَ اللهِ فِيكَ(٢) .
حُسْنُ الخُلُقِ
١ - حُسْنُ الخُلُقْ مَطْلوب :
قالَ عبدُ الغَني: وسَمعتُ الوَزِيرَ أبا الفَرجِ يَعقُوبَ بنَ يُوسُف يَقولُ : قَالَ لي
الأسْتاذُ كافُور : اجْتَمِعْ بالقاضي أبي الطَّاهر الذُّهْليِّ فسلِّمْ عليه وقُلْ له : إنَّه بَلغَني أنَّكَ
تَنْبَسِطُ مع جُلَسَائك وهذا الانْبِسَاطُ يُقْلُّ هَيْبَةَ الحُكْمِ، فَأعْلَمتُه بذلك ، فقالَ : قُلْ
للأسْتاذِ: لَسْتُ ذا مَالٍ أفيضُ به علىُ جُلَسائي، فلا أقَلَّ من خُلُقي، فأخْبَرَتُ
الأسْتَاذَ ، فقالَ: لا تُعاوِدْهُ(٣).
٢- صُوَرٌّ على حُسْنِ الخُلُق:
قالَ يَحْيَى بِنُ مَنْدَه : كانَ عَمِّي عبدُ الرَّحْمَان بنُ مَنْدَه سَيفاً على أهْلِ البِدَع ، وهو
أكبرُ من أن يُثنيَ عليه مثلي، كانَ - واللهِ ـ آمراً بالْمَعْرُوفِ، ناهياً عن الْمُنْكر، كَثِيرَ
الذُّكْر ، قاهِراً لنَفسِه ، عَظيمَ الحِلْمِ ، كَثِيرَ العِلمِ ، قَرأْتُ عليه قَولَ شُعْبَة: مَنْ كَتَبتُ
عنه حديثاً فأنا له عَبدٌ فقالَ عَمِّي: مَنْ كَتَبَ عَنِّي حَديثاً فأنا له عَبدٌ(٤) .
(١) انظر السير: (يَحْيَى بِن مُعاذ) ١٥/١٣ -١٦، وانظر النزهة: ٤/١٠٤٧.
(٢) انظر السير: (حاتِمْ الأصَمّ) ٤٨٤/١١ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٤/٩٦٠.
(٣) انظر السير: (الذهْلِيُّ) ٢٠٤/١٦ -٢١٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٨٨.
(٤) انظر السير: (ابنُ مَنْدَه) ٣٤٩/١٨ -٣٥٤، وانظر النزهة: ٣/١٤١٩.
٨٢

وقال خَطيبُ الْمَوْصِلِ أبو الْمُفَضَّل: حدَّثني أبي قالَ : تَوجَّهتُ من الْمَوْصِلِ سَنةً
تِسْعٍ وخَمْسينَ وأربع مئة إلى أبي إسْحاقَ الشِّيرازي فلمَّا حَضرتُ عندَه رَخَّبَ بي ،
وقالُ : مِنْ أين أنْتَ ؟ فَقُلتُ : من الْمَوْصِلِ قالَ: مَرْحباً أنتَ بَلِدِييَّ ، قُلتُ :
يا سَيدنا! أنتَ مِنْ فَيْرُوزَاباد قالَ: أمَا جَمعَتنا سَفينَةُ نُوحٍ؟ فشاهَدتُ من حُسْنِ أخْلاقِه
ولَطافَتِهِ وزُهدِهِ ما حَبَّبَ إليَّ لُزُومَه فصَحبتُه إلى أنْ ماتَ .
تُوفِّيَ سنة ستٍّ وسَبعين وأربع مئة ببغداد ، وأُحضِرَ إلى دارِ أمير المؤمنينَ الْمُقْتَدي
بالله فصلَّى عليه(١) .
(١) انظر السير: (أبو إسْحاقَ الشِّيرازي) ١٨/ ٤٥٢- ٤٦٤، وانظر النزهة: ١/١٤٣١.
٨٣

مِنْ أخْلاقِ المُؤمِنين
الاحْتِمَال
١ - فَضْلُ الاحْتِمَال :
قالَ هِشَامُ بنُ عُرْوَة بنِ الزُّبَيْرِ : قالَ أبي: رُبَّ كَلمَةِ ذُلِّ احْتَمَلتُها أوْرَثَتَنِ عِزَّاً
طَوِيلاً(١).
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ ابنِ الشَّجريِّ: وكان فَصيحاً حُلوَ الكَلامِ ، وَقُوراً ذا
سَمتٍ ، لا يَكادُ يَتكلَّم في مجلسِه بكلمةٍ إلاَّ وتَتَضمَّنُ أدَبَ نَفْسٍ أو أدَبَ دَرسٍ ، ولقد
اخْتَصمَ إليه عَلويّان فقال أحدُهما : قال لي : كَذا وكذا قال: يا بُنيَّ احْتِمِلْ ، فإنَّ
الاحتمالَ قَبرُ المَعايب .
تُوفِّي سَنةَ اثنتين وأربعين وخمس مئة ، ودُفِنَ بدارِه (٢).
٢ - صُوَرٌ على الاحْتِمَال :
جاءَ في تَرجَمَةِ الْمُوَقَّقِ ابنِ قُدامَة الْمَقْدِسيِّ، قالَ الضِّياءُ : وبقي الْمُوَفَّقُ يَجلِسُ
زَماناً بعدَ الجُمُعَة للمُناظَرَةِ، ويَجتَمعُ إليه الفُقَهَاءُ، وكانَ يُشغَلُ(٣) إلى ارْتِفاعِ النَّهارِ ،
ومن بعدِ الظُّهْرِ إلى الْمَغْرِبِ ، ولا يَضجَرُ ، ويُسَمِّعُونَ عليه ، وكان يُقرىءُ فيَ النَّحْوِ ،
وكانَ لا يَكادُ يَراهُ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّه إلى أنْ قالَ الضُّياءُ: وما عَلمتُ أنَّه أوْجَعَ قَلَبَ طَالِبٍ ،
وكانت له جارِيَةٌ تُؤذيه بخُلُقِها فما يَقولُ لها شَيئاً ، وأوْلادُه يَتضارَبون وهو لا يتكلّمُ ،
وسَمعتُ(٤) البَهاءَ يَقولُ: ما رَأيتُ أكثرَ احْتِمالاً منه(٥) .
(١) انظر السير: (عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر) ٤٢١/٤ -٤٣٧، وانظر النزهة : ٥/٥٢٨.
(٢) انظر السير: (ابنُ الشّجريّ) ١٩٤/٢٠-١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٠.
الإشغال : التدريس وهو غير ( الاشتغال ) بمعنى الطلب وهذه اصطلاحات معروفة عند المتأخرين .
(٣)
(٤)
السماع للضياء ، هو الذي بعده من الحكايات .
(٥) انظر السير: (ابنُ قُدامَة) ١٦٥/٢٢ -١٧٣، وانظر النزهة : ٤/١٦٨١.
٨٤

الإِحْسَان
صُوَرٌ من الإِحْسَان :
عن عُمَرَ بنِ محمَّد بنِ زَيْد ، عن أبيه : أنَّ ابنَ عُمَرَ كاتَبَ غُلاماً له بأرْبَعِينَ ألفاً ،
فخَرجَ إلى الكُوفَة ، فكانَ يَعمَلُ على حُمُرٍ له ، حتَّى أدَّىُ خَمسَةَ عَشرَ ألفاً ، فجاءَه
إنسانٌ ، فقالَ : أمَجنونٌ أنتَ ؟ أنتَ هَا هُنا تُعذِّبُ نَفَسَكَ وابنُ عُمَرَ يَشتَري الرَّقيقَ يَميناً
وشِمالاً ، ثم يُعْتِقُهم، ارْجِعْ إليه ، فقُلْ: عَجَزتُ فجاءَ إليه بصَحِيفَة ، فقالَ : يا أبا
عبدِ الرَّحمَن! قد عَجزْتُ وهذه صَحِيفَتِي ، فامْحُها فقالَ : لا، ولكنْ امْحُها أنتَ إنْ
شِئْتَ فمَحاها ، ففاضَتْ عَينا عبدِ الله، وقالَ : اذْهَبْ فأنتَ حُرّ قالَ : أصْلَحَكَ اللهُ ،
أحْسِنْ إلى ابنَّ قالَ: هُما حُرَّان قالَ: أصْلَحكَ اللهُ، أحْسِنْ إلىْ أُمَّيْ وَلَدَيَّ قالَ:
قالَ: هُما حُرَّتان(١).
وعن نافعٍ ، قالَ : مَرِضَ ابنُ عُمرَ ، فاشتَهَى عِنباً أولَ ما جاءَ، فأرْسَلت امرأتُه
بِدِرْهَم ، فاشْتَرَتْ به عُنقوداً ، فاتَّبَعَ الرَّسولَ سائلٌ ، فلمَّا دَخلَ قالَ : السَّائل السَّائل ،
فقالَ ابنُ عُمَرَ : أعْطُوه إيّاه فأعطَوْه ثم بَعثَت بدِرْهم آخرَ قالَ : فَاتَّبَعَه السَّائِلُ فلمَّا
دَخْلَ ، قالَ: السَّائل السَّائل فقالَ ابنُ عُمَرَ : أعْطُوه إِيَّاه فأعطَوْه، وأرْسَلت صَفيَّةُ إلى
السَّائِلِ تَقُولُ: والله لَئِنْ عُدتَ لا تُصيبُ منِّي خَيراً، ثم أرْسَلتْ بِدِرْهَم آخرَ ، فاشْتَرَت
به (٢) .
وعن مُنْذِر الثَّوْريّ، أنَّ الرَّبيعَ بنَ خُثَيم أخَذَ يُطعِمُ مُصاباً خَبيصاً ، فقيل له :
ما يُدريه ما أكلَ ، قالَ : لكنَّ اللهَ يَدري(٣) .
وعن نافع - مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ - قالَ : دَخلتُ مع مَوْلايَ عَلَىُ عبدِ اللهِ ابنِ جَعْفَر ،
فَأَعْطاهُ فيَّ اثنَيْ عَشَرَ ألفاً ، فأبَى وأعتَقَني ، أعْتَقَه الله (٤) .
(١) انظر السير: (عبد الله بن عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٦/٣٦٨.
(٢)
انظر السير: (عبد الله بن عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٦/٣٦٩.
انظر السير : ( الرَّبيعُ بنُ خُثيم) ٢٥٨/٤ -٢٦٢، وانظر النزهة : ٤/٤٩٣.
(٣)
(٤) انظر السير: (نافع) ٩٥/٥-١٠١، وانظر النزهة: ٨/٥٨٤.
٨٥

وقيلَ لابنِ الْمُنْكَدِر: أيُّ الدُّنيا أحَبُّ إليكَ؟ قالَ: الإفْضَالُ على الإِخْوَان(١).
ونقلَ أبو بَكْر الخَطيبُ حكايةً مُقتَضاها أنَّ رَجُلاً صلَّى الجُمعَةَ فرأى رجُلاً مُتَنسِّكاً
لمْ يُصلِّ، فكلَّمَه، فقال: اسْتُرْ عليَّ، لدَعْلَج عليَّ خَمسَةُ آلافٍ ، فلمَّا رأيتُه
أَحْدَثتُ، فبلغَ ذلك دَعْلَجاً ، فطَلبَه إلى مَنزِلِه، وحلَّله من المال ، ووَصلَه بمثلِها
لكَوْنه رَوَّعَه(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ سَيْفِ الدَّوْلَةُ: وقِيلَ : إِنَّه في عيد نفَّذَ إلى النَّاسِ
ضَحايا لا تُعدُّ كَثرةً ، فبَعَثَ إلى اثنَي عَشرَ ألفَ إنْسانٍ ، فكانَ أكثرُ ما يَبعَثُ إلى الكثيرِ
منهم مِئَّةَ رَأسٍ (٣).
وجاءَ في تَرجَمَةِ عبدِ الغَنِي الْمَقْدِسيِّ، قالَ الضِّياءُ : ولَمَّا وَصلَ إلى مِصْرَ كُنَّا بها ،
فكانَ إذا خَرِجَ للجُمُعَة لا نَقَدِرُ نَمشي مَعَه من كَثْرَة الخَلقِ ، يَتْبَرَّكون به ويَجتَمعُونَ
حَولَه، وكُنَّا أحداثاً نَكتُبُ الحَديثَ حَولَه ، فضَحِكْنا من شَيء وطالَ الضَّحِكُ ، فَتَبَسَّمَ
ولَمْ يَحْرَد(٤) عَلينا وكانَ سَخِيّاً جَواداً لا يدَّخِرُ ديناراً ولا دِرْهماً مَهْما حَصَّلَ أخْرجَه لقد
سَمعتُ عنه أَنَّه كانَ يَخرُجُ في اللَّيْلِ بِقِفَافِ الدَّقيقِ إلى بُيُوتٍ مُتَنكِّراً في الظُّلِمَة فيُعطيهم
ولا يُعرَف ، وكان يُفتَحُ عليه بالتِّيَابِ فيُعطِي النَّاسَ وتَوبُهُ مُرَفَّع(٥) .
قال الضِّياءُ : سَمعتُ أبا مُحمَّد عبدَ الرَّحمَن بنَ مُحمَّد بنِ عبدِ الجَبَّار ، سَمعتُ
الحافظ عبد الغني المَقدِسيّ يقولُ: سَألتُ اللهَ أنْ يَرْزُقَنِي مِثلَ حالِ الإمامِ أحْمَد فقد
رَزَقَنِي صَلاَتَه ، قال: ثمَّ ابْتُلِيَ بعدَ ذلكَ وأُوذِي .
سَمعتُ الإمامَ عبدَ اللهِ بنَ أبي الحَسَنِ الجُبَّائِيَّ بأصْبَهانَ يقُولُ: أبو نُعَيم قد أخَذَ
على ابنِ مَنْدَة أشْياءَ في كتابِ (( الصَّحابَة)) فكان الحافظُ أبو مُوسَى يَشْتَهِي أنْ يأخُذَ على
(١) انظر السير: (محمَّد بن الْمُنكدر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٢/٦٠٨.
(٢)
انظر السير: (دَعْلَج) ١٦/ ٣٠_٣٥، وانظر النزهة: ٣/١٢٦٦ .
(٣) انظر السير: (سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ٧/١٢٨٢.
(٤) الحرد : الغضب .
(٥) انظر السير: (عبدُ الغَنيّ) ٤٤٣/٢١ -٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٦٤٧.
٨٦

أبي نُعَيمٍ في كتابِهِ الذي في الصَّحابَة فما كان يَجْسِر ، فلمَّا قَدِمَ الحافِظُ عبدُ الغَنِيّ أَشَارَ
إليه بذلك، قال : فأَخَذَ على أبي نُعَيمِ نَخْواً من مِئْتَيْنِ وتِسْعينَ مَوْضِعاً، فلمَّا سَمِعَ
بذلكَ الصَّدرُ الخُجَنْدِيُّ طَلَبَ عبدَ الغَنيّ وأرادَ هَلَاكَه ، فاخْتَفَى.
وسَمعتُ مَحمُودَ بنَ سَلامَة يقولُ: ما أخْرِجْنا الحافظَ من أصْبَهانَ إلاَّ في إزارٍ
وذلكَ أنَّ بَيْتَ الخُجَنْدِيِّ أشاعِرَةٌ، كانوا يَتَعَصَّبونَ لأبي نُعَيم، وكانوا رُؤْسَاءَ البَلَد .
وسَمعتُ الحافظَ يقولُ: كُنَّا بِالمَوْصِلِ نَسْمَعُ ((الضُعَفَاء)) للعُقَيْلِيِّ، فَأخَذَنِي أهلُ
المَوْصِل وحَبَسُونِي، وأرادُوا قَتْلِي من أجْلِ ذِكْرِ شيءٍ فيه (١) ، فجاءَنِي رجلٌ طويلٌ
ومعه سَيْفٌ ، فقُلتُ : يَقْتُلُنِي وأسْتَرِيحُ ، قال: فَلَمْ يَصْنَعْ شيئاً ، ثمَّ أطْلَقُونِي ، وكان
يَسْمَعُ معه ابنُ البَرْنِيِّ الواعِظُ فقَلَعَ الكُرَّاسَ الذي فيه ذلكَ الشيء فأرْسلوا، وفَتَشُوا
الكتابَ ، فَلَمْ يَجِدُوا شَيئاً ، فهذا سَبَبُ خَلاصِه .
وقال : كان الحافظُ يَقْرَأُ الحَديثَ بدِمَشْقَ ، ويَجتَمِعُ عليه الخَلْقُ ، فَوَقَعَ الحَسَدُ ،
فشَرعوا عَمِلُوا لهم وَقْتاً لِقِراءَةِ الحَديثِ ، وجَمَعوا النَّاسَ ، فكان هذا يَنامُ وهذا بِلا
قَلْبٍ(٢)، فمَا اشْتَفُوا، فأمَرُوا النَّاصِحَ ابنَ الحَنْبَيِّ بأنْ يَعِظَ تحتَ النسرِ يومَ الجُمُعَةِ
وقتَ جُلوس الحافظِ ، فأوَّلُ ذلكَ أنَّ النَّاصِحَ والحافظَ أرادَا أنْ يَخْتِلِفا في الوَقتِ ،
فاتَّفَقَا أنَّ النَّاصِحَ يَجْلسُ بعدَ الصَّلاةِ، وأنْ يَجْلسَ الحافظُ العَصْرَ ، فدَسُّوا إلى النَّاصِحِ
رَجُلاً ناقِصَ العَقلِ من بَنِي عَساكِرِ فقال للنَّاصِحِ فِي المَجْلسِ ما مَعْناه: إنَّكَ تقولُ
الكذِبَ على المِنْبَرِ، فضُرِبَ وهَرَبَ، فَتَمَّتْ مَكَيدَتُهم، ومَشَوْا إلى الوالِي وقالوا :
هَؤلاءِ الحَنابِلَةُ قَصْدُهُم الفِتْنَةِ، واعْتِقَادُهُم يُخالِفُ اعْتِقِادَنا، ونَحْوَ هذا، فبَعَثَ
الأسْرَىُ(٣) فَرَفَعوا ما في جامِعَ دِمَشْق من مِنْبَرِ وخِزانَةٍ، ودَرابزِينَ، وقالُوا : نُريدُ أنْ
لا تُجْعلَ في الجَامِع إلاَّ صَلاةُ الشَّافِعِيَّة وكَسَروا مِنْبَرَ الحافظِ ، ثمَّ إنَّ الحافظَ ضاقَ
(١) يعني من أجل ذكر الإمام أبي حنيفة .
(٢) يعني أنهم كانوا يجمعون الناس من غير اختيارهم ، فكان بعضهم ينام ، وكان البعض يحضر وقلبه غير
حاضر .
(٣) هكذا في السّير وفي الذَّيْلِ لابنِ رَجَبَ، والظَّاهرُ أنه اسم لجماعة من أعوَان الوَالي من الشُّرطة أو
الجيش .
٨٧

صَدْرُه ومَضَىْ إلى بَعْلَبَك، فأقامَ بها مُدَّة ، فقال له أهلُها : إنْ اشْتَهَيْتَ جِئْنا معَكَ إلى
دِمَشْقَ نُؤْذِي مَنْ آذاكَ ، فقال: لا، وتَوجَّه إلى مِصْرَ فَبَقِيَ بِنابْلِسَ مُدَّة يَقْرأُ الحَديثَ ،
وكُنتُ أنا بِمِصْرَ ، فجاءَ شابٌّ من دِمَشْقَ بِفَتَاوِ إلى صاحِبٍ مِصْرَ الملكِ العَزيزِ ومعَه
كُتُبٌ أَنَّ الحَنابِلَةَ يَقُولُونَ كَذا وكذا مِمَّا يُشَنِّعون به عليهم ، فقالَ - وكان يَتَصَيَّدُ - : إذا
رَجَعْنا أخْرَجْنا من بِلادِنا مَنْ يَقولُ بهذه المَقالَة، فاتَّفَقَ أنَّه عَدا به الفَرَسُ ، فَشَبَّ به
فسَقَطَ فخُسِفَ صَدْرُه، وبَقِيَ الحافظُ بِمِصْرَ، وهم يَنالُونَ منه، حتىْ عَزَمَ المَلِكُ
الكاملُ على إخْراجه، واعْتُقِلَ في دارِ أُسْبُوعاً، فسَمعتُ أبا مُوسَى يَقولُ: سَمعتُ
أبي يَقولُ : ما وَجدتُ راحةً في مِصْرَ مثلَ تلك اللَّيالي قالَ : وكانت امرأةٌ في دارٍ إلى
جانبٍ تِلكَ الدَّارِ ، فسَمِعْتُها تَبكي وتَقُولُ: ((بالسِّرِّ الذي أوْدَعْتَه قَلبَ مُوسَى حَتَّى قَويَ
علىْ حَمْلِ كَلامِك)) قالَ: فَدَعَوْتُ به فخَلُصْتُ تلكَ اللَّيْلَةِ(١).
الأدَب
١- عَلَاقَة الأدَب بالعِلم :
(أ) العِلمُ بغير أدَبٍ ضَارٌ :
قالَ أبو النَّضْرِ الفَقيهُ : سَمعتُ البُوشَنْجِيَّ يَقولُ: مَنْ أراد العِلمَ والفِقْهَ بِغَير أدَبٍ ،
فقَد اقْتَحمَ أنْ يَكذِبَ على اللهِ ورَسُولِه .
تُوفِّيَ سَنةَ إِحْدَى وتِسْعينَ ومِئْتَين، وصَلَّى عليه ابنُ خُزَيْمَةٍ(٢).
(ب ) الأدَبُّ طَريقٌ للعِلم :
عن يُوسُفَ بنِ الحُسَين قالَ: بالأدَبِ تَتَفْهَّم العِلمَ، وبالعِلمٍ يَصِحُ لكَ العَمَلُ ،
وبالعَمَلِ تَنَالُ الحِكْمَة، وبالحِكْمَة تَفْهَمُ الزُّهْدَ، وبالزُّهْدِ تَتَرُّكُ الدُّنيا، وتَرَغَبُ في
الآخِرَة ، وبذلك تَنَالُ رِضَا اللهِ تَعالَى.
(١) انظر السير: (الحافظ عبد الغنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٦٤٧.
(٢) انظر السير: (البوشَنْجِي) ٥٨١/١٣-٥٨٩، وانظر النزهة: ٤/١١١٨.
٨٨

ماتَ سَنةً أربع وثلاثين وثَلاثِ مئة(١) .
(ج ) العِلمُ لا يَكفي لتَرْبِيَة النَّفْس إنْ لمْ يكنْ مَقْروناً بالأدَب :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الإمام الغَزَّالي: ذَكرَ هذا وأضْعافَه عبدُ الغافِرِ في
(( السِّياقِ))، إلى أنْ قالَ: ولقد زُرْتُهُ مِرَاراً، وما كُنتُ أحْدُسُ في نَفَسي مع ما عَهدتُ
عليه من الزَّعارَّة (٢) والنَّظَرِ إلى النَّاسِ بعَينِ الاسْتِخْفَافِ كِبْراً وخُيَلاء ، واعتزازاً بما رُزِقَ
من البَسْطَة والنُّطْقِ والذُّهْن، أنَّه صارَ على الضِّدِّ، وتَصفَّى عن تلكَ الكُدُورَاتِ ،
وكنتُ أظنُّهُ مُتَلفِّعاً بجِلبَاتِ التَّكلُّفُ مُتَنَمِّساً بما صارَ إليه فَتَحقَّقتُ بعد السَّبرِ والتَّْقيرِ أنَّ
الأمرَ على خِلافِ الْمَظْنونِ ، وأنَّ الرَّجُلَ أفاقَ بعدَ الجُنونِ .
قالَ أبو بكر بنُ العَرَبي: شَيخُنا أبو حامِدْ بَلَعَ الفَلَاسِفَة، وأرادَ أنْ يَتْقَّهُمْ فمَا اسْتَطاعَ.
ومن ((مُعْجَم أبىْ عَلَيِّ الصِّدَفيّ))، تَأليف القاضي عياض له، قالَ: والشَّيخُ
أبو حامد ذُو الأنْبَاءِ الشَّنِيعَة، والتَّصانيف العَظيمَة ، غَلا فِي طَريقَة التّصوُّفِ وتَجرَّدَ
لنَصْرِ مَذْهَبهم ، وصارَ دَاعِيَةً في ذلك، وأَلَّفَ فيه تَوالِيفَه الْمَشْهورَة، وأخَذَ عَليه فيها
مَواضِعَ، وساءَتْ به ◌ُنونُ أُمَّة، واللهُ أعْلَمُ بسِرِّه، ونفَذَ أمْرُ السُّلطان عندَنا بالْمَغْرِبِ
وفَتَوَى الفُقَهاء بإحْراقِها والبُعد عنها ، فامْتُثِلَ ذلك .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : ما زَالَ العُلمَاءُ يَخْتَلفونَ ، ويَتَكلَّمُ العالمُ في العالِمِ باجْتِهادِه
وكلٌّ منهم مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ، ومَنْ عانَدَ أو خَرَقَ الإِجْمَاعَ ، فهو مأزُورٌ، وإلى الله تُرجَعُ
الأمُورُ(٣) .
(د) تَعْلِيمُ الفِتْيان الأدَبَ مع المُعَلِّم :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ العلَمَة أبي زَكَرِيّا، يَحْيَى بن زِيادِ ابنِ عبدِ اللهِ
الفَرَّاء: وكانَ الْمَأمونُ قد وَكَّلَ بالفَرَّاء وَلَدَيْهِ يُلَقِّنُهما النَّحْوَ، فأرادَ القِيامَ، فابْتَدرا إلى
(١) انظر السير: (يوسُف بن الحُسَين) ٢٤٨/١٤ -٢٥١، وانظر النزهة: ١/١١٤٨.
(٢) شراسة وسوء خُلق .
(٣) انظر السير: (الغَزَّالي) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة: ١/١٤٨٢.
٨٩

نَعْلِه فقدَّمَ كلُّ واحد فردَة فبَلغَ ذلكَ الْمَأْمُونَ، فقالَ : لَنْ يَكبُرَ الرجلُ عن تَواضُعِه
السُلطانِهِ وأبيه ومُعلِّمِه(١) .
٢ - سُوءُ الأدَبِ مع الأئمَّة مَرْفوض :
قال العُقيليُّ : سَمعتُ عليَّ بنَ عبدِ الله بنِ الْمُبَارَك الصَّنْعانيّ يقولُ : كان زَيْدُ بنُ
الْمُبَارَك، قد لَزِمَ عبدَ الرَّزَّاق، فأكثرَ عنه، ثم خَرَق كُتِبَه ، ولَزِمَ محمَّدَ بنَ ثَوْر ، فقيلَ
له في ذلك ، فقالَ : كُنَّا عند عبدِ الرَّزَّاق، فحدَّثَنَا بحَديثِ مَعْمَر ، عن الزُّهري ، عن
مالكِ بنِ أَوْس بنِ الحدثان الحَديثَ الطَّويلَ ، فلمَّا قَرأَ قَولَ عُمَرَ لعَلَيٍّ والعَبَّاس :
فجئتَ أنتَ تَطلبُ ميراثَك من ابنِ أخيكَ ، وجاءَ هذا يَطلبُ ميراثَ امْرأتِهِ ، قالَ عبدُ
الرَّزَّاق : انْظُر إلى الأنْوَك، يَقولُ : تَطْلبُ أنتَ ميراثَكَ من ابنِ أخِيكَ ، ويَطلبُ هذا
ميراثَ زَوجَتِهِ من أبيها ، لا يَقولُ : (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ) قالَ زَيْدُ بنُ
الْمُبَارَك : فَلَمْ أعُدْ إليه ولا أزْوي عنه(٢) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذه عَظيمَةٌ، وما فَهِمَ قَولَ أميرِ المؤمنين عُمَرَ رضي الله
عنه ، فإنَّك يا هذا لَوْ سَكَتَّ لكانَ أوْلَى بك ، فإنَّ عُمَرَ رضي الله عنه إنَّما كانَ في مَقام
تَبْبين العُمُومَة والبُنُؤَّة ، وإلاَّ فِعُمَرُ رضي الله عنه أعْلَمُ بحَقِّ المصطَفَى صلى الله عليه
وسلم وبتَوْقِيرِهِ وتَعْظِيمِه من كُلِّ مُتحَذلِقِ مَتنَطَّع، بَلْ الصَّوابُ أنْ نقولَ عَنْكَ : انْظُروا
إلى هذا الأنْوَك الفاعِل - عَفَا الله عنه - كَيفَ يَقولُ عن عُمَرَ هذا، ولا يَقُولُ: أميرُ
المؤمنين الفَارُوق؟! وبِكُلِّ حالٍ فَنَسْتَغْفِرُ اللهَلنَا ولعَبدِ الرَّزَّاق، فإنَّه مَأْمُونٌ علىَ حَديثِ
رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، صادِقٌ(٣).
وقالَ الحافظُ ابنُ عَساكر : كانَ العَبْدَرِيُّ أحْفَظَ شَيخِ لَقِيتُه ، وكانَ فَقيهاً داؤُوديّاً ،
ذُكرَ أنَّه دَخلَ دِمَشْقَ في حياة أبي القاسم بنِ أبي العَلاءِ وسَمعتُه وقد ذُكرَ مَالِكٌ، فقالَ :
جِلْفٌ جَافّ، ضَربَ هشامَ بنَ عَمَّار بالدِّرَّة، وقَرأتُ عليه ((الأمْوالَ)) لأبي عُبَيْد ،
(١) انظر السير: (الفَرَّاء) ١١٨/١٠ -١٢١، وانظر النزهة: ٤/٨٥٧.
(٢) انظر السير: (عبد الرَّزَّاق بن هَمَّام) ٩/ ٥٦٣-٥٨٠، وانظر النزهة: ١/٨٤٠.
(٣) انظر السير: (عبد الرَّزَّاق بن هَمَّام) ٥٦٣/٩-٥٨٠، وانظر النزهة: ٢/٨٤٠.
٩٠

فقالَ ، وقد مرَّ قولٌ لأبي عُبَيد : ما كانَ إلاَّ حِماراً مُغَفَّلاً، لا يَعرِفُ الفِقْهَ ، وقيلَ لي
عنه : إنَّه قالَ في إبْراهيمَ النَّخَعي: أعْورُ سُوء ، فاجْتَمَعْنا يَوماً عندَ ابنِ السَّمَرْ قَنْدِيِّ في
قِراءَةِ كتابِ ((الكامِلِ))، فجاءَ فيه: وقالَ السَّعْديُّ كذا ، فقالَ : يَكذبُ ابنُ عَديّ ،
فقالَ إبراهيمُ الجَوْزَجانيُّ، فقُلتُ له : فهُو السَّعْديُّ، فإلىْ كَمْ نَحتَملُ منكَ سُوءً
الأدَبِ ، تَقُولُ في إبراهيمَ كَذا وكذا ، وتَقُولُ في مَالِكٍ جافّ ، وتَقَولُ في أبي عُبَيْد ؟!
فَغَضِبَ وأخذَتَهُ الرِّعْدَةُ، وقالَ : كانَ ابنُ الخاضِبَةِ والبردانيُّ وغيرُهما يَخافُوني ، فَآلَ
الأمرُ إلى أنْ تَقولَ فيَّ هذا؟! فقالَ له ابنُ السَّمَرْقَنْديِّ: هذا بذاك، فقلتُ : إنَّما
نَحترمُك ما احْتَرِمْتَ الأئمَّة، فقالَ : والله لقد عَلمتُ من عِلمِ الحَديثِ ما لَمْ يعلَمْهُ
غَيْرِي مِمَّن تقدَّم ، وإنِّي لأعْلمُ من صَحيحِ البُخاري ومُسْلم ما لَمْ يَعْلَماه ، فقُلْتُ
مُسْتَهْزئاً : فِعِلمُكَ إِلْهَامٌ إذاً ، وهاجَرْتُه .
سألتُه يَوماً عن أحاديثِ الصِّفاتِ ، فقالَ : اخْتَلفَ النَّاسُ فيها فمِنْهُم مَنْ تأوَّلها
ومنهم مَنْ أمْسَكَ ، ومنهم مَنْ اعتَقْدَ ظاهِرَها ، ومَذْهَبي أحَدُ هذه الْمَذاهِب الثلاثة ،
وكان يُفتي على مَذْهَبٍ دَاوُدَ ، فَبَلغَني أنَّه سُئلَ عن وُجوبِ الغُسلِ على مَنْ جامَعَ ولَمْ
يُنزِلْ فقالَ: لا غُسْلَ عليه ، الآنَ فَعلتُ ذا بأُمِّ أبي بكر إلى أنْ قالَ : وكانَ بَشِعَ الصُّورَة
زَرِيَّ اللَّاسِ .
ماتَ سَنةَ أرْبَع وعشْرِينَ وخَمْسمائة .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: ما ثَبتَ عنه ما قِيلَ من التَّشْبيه، وإنْ صَحَّ، فبُعداً له وسُحْقاً(١).
٣- قِلَّةُ الأدَبِ مع الصَّالحين تَسْتَوْجِبُ العُقوبة :
عن أبي وَائل أنَّ ابنَ مَسْعود رَأىْ رَجلاً قد أسْبَلَ ، فقالَ : ارْفَع إزارَك، فقالَ :
وأنتَ يا ابنَ مَسْعُود فارْفَعْ إزارَكَ ، قالَ: إِنَّ بِسَاقِي حُمُوشَةً وأنا أَؤُمُ النَّاسَ فَبَلِغَ ذلك
عُمَرَ، فجَعلَ يَضرِبُ الرَّجُلَ، ويَقولُ: أَتَرُدُّ على ابنِ مَسْعُود؟ !! (٢).
(١) انظر السير: (العَبْدَريّ) ٥٧٩/١٩-٥٨٣، وانظر النزهة: ٢/١٥١٩.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن مَسْعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٤/١٩٦.
٩١

٤ - عاقِبَةُ التَّاذُّب مع العُلماءِ حَسَنةٌ :
ويُروَى أن أبا إسْحَاقَ الحَرْبِي لَمَّا دَخلَ على إسْماعيلَ القاضي، بادَرَ أبو عُمَر
محمدُ بنُ يُوسُف القاضي إلى نَعْلِهِ، فَأَخَذَها ، فمَسَحَها من الغُبَارِ ، فَدَعا له ، وقالَ :
أعَزَّكَ اللهُ في الدُّنيا والآخِرَة ، فلمَّا تُوفِّي أبو عُمَر، رُؤيَ في النَّومِ ، فقيلَ : ما فعلَ اللهُ
بكَ؟ قالَ : أعَزَّني في الدُّنيا والآخِرَة بدَعْوَةِ الرَّجُلِ الصَّالِح(١) .
٥ - مِنْ الأدَب إعْطاء كلِّ ذي حقٍّ حقّه :
قالَ أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري : جاءَ رَجلٌ من بَني هاشِم إلى عبدِ اللهِ ابنِ الْمُبَارَك
ليَسمَعَ منه، فأَبَىُ أنْ يُحدِّثَه، فقالَ الشَّريفُ لُغُلامِه: قُمْ فإنَّ أبا عبدِ الرَّحْمَن لا يَرَى
أنْ يُحَدِّثَنَا، فلمَّا قامَ لِيَرْكبَ، جاءَ ابنُ الْمُبَارَك ليُمسِكَ برِكابِهِ ، فقالَ : يا أبا عبدِ
الرَّحْمَن تَفْعَلُ هذا ولا تَرَى أنْ تُحدِّثَنِي! فقالَ: ((أُذِلُّ لَّكَ بَدَنِي ، ولا أُذِلُّ لَكَ
الحَديثَ))(٢) .
٦ - تَعْظیمُ شعائر الله من الأدَب :
عن مُغيرَة ، عن أبيه أنَّ الحَجَّاجَ أرادَ أنْ يَضَعَ رِجلَه على الْمَقَامِ ، فَرَجَرَه ابنُ
الحَنَفِيَّةِ ونَهَاه(٣) .
٧- المُبالَغَة في أمر ظَنَّه صاحبُه من واجبات الأدَب :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الخَبُوشانيِّ: وأتاهُ القاضي الفاضِلُ لزيارَة الشَّافعيِّ،
فرآه يُلقي الدَّرْسَ، فجَلسَ وجَنْبُه إلى القَبرِ ، فصَاحَ: قُمْ قُمْ، ظَهرُكَ إلى الإمام ؟!
فقال: إنْ كنتُ مُستَدبرهُ بقَالَبِي، فأنا مُستَقِبِلُهُ بقَلْبِي فصَاحَ فيه، وقالَ: ما تُعَِّدْنا
بهَذا ، فخَرجَ وهو لا يَعْقِلُ .
(١) انظر السير: (إبراهيمُ الحَرْبيّ) ٣٥٦/١٣ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٩٤.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن المُبارَك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٤/٧٦٩.
(٣) انظر السير: (ابنُ الحَنَفيَّة) ١١٠/٤-١٢٩، وانظر النزهة: ١/٤٦١.
٩٢

قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: ماتَ الخَبُوشانيُّ سَنَةَ سَبعٍ وَثَمانينَ وخَمسٍ مِئة (١).
٨- قَوْلٌ بَلیغٌ في الحَثُّ على الأدَب :
قالَ أبو طالِبٍ بنُ عبدِ السَّميع : كانَ من ألفاظِ أميرِ الْمؤمنينَ ، الْمُسْتَظْهِرِ بالله :
أدَبُ السَّائِلِ أنْفَعُ من الوَسَائِل(٢) .
٩ - أدَبُ الخُلَفَاء والأُمَراء مع العُلَماء :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ ابنِ الدَّاعي : بَرعَ في الرَّأي على الإمام أبي الحَسنِ
الكَرْخِي ، وأخَذَ علمَ الكَلامِ عن حُسَينِ بنِ عليٍّ البَصْري، وأقْتَى ودَرَّسَ ، ووَلِيَ نقابة
الطالبيِّين في دَولَة بني بُوَيه، فعَدلَ وحُمدَ ، وكان مُعِزُّ الدَّولَة يُبالغ في تَعظيمِه ،
وتَقبيلِ يدِه ، لِعِبادَته وهَيْبَتِهِ، وكان فيه تَشَيُّعٌ بلا غُلُو (٣).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ أميرِ الْمؤمنينَ ، الْمُسْتَنْصِرِ باللهِ، صاحبٍ
الأنْدَلُسِ: وكانَ يَتأَذَّبُ مع العُلمَاءِ والعُبَّاد ، التَمَسَ من زَاهِدِ الأنْدَلُس أبي بَكْر
يَحْبَى بِنِ مُجَاهِد الفَزاري أنْ يَأْتِيَ إليه ، فامْتَنعَ ، فمَرَّ فِي مَوْكِه بيَحْيَى وسَلَّمَ عليه ،
فَرَدَّ عليه ودَعَا له ، وأقْبَلَ علىْ تِلاوَتِهِ، ومَرَّ بحَلقَةٍ شَيخ القُرّاء أبي الحَسَنِ الأنْطَاكي ،
فجَلسَ ومَنعَهم من القِيامِ ، فمَا تَحرَّكَ أحَدٌ .
ماتَ بقَصْر قُرْطُبَةَ سَنةَ سِتٍّ وستِينَ وثَلاثٍ مئة .
وبُويعَ ابنُه هِشامُ وله تِسْعُ سنينَ أو أكثر ، ولُقِّبَ بِالْمُؤَّد بالله ، فكانَ ذلك سبباً
لتَلاشي دَولَة الْمَرْوانِيَّة، ولكنْ سَدَّدَ أمرَ الْمَمْلَكَة الحاجِبُ الْمُلقَّب بالْمَنْصور أبي عامِر
مُحمّد بن عبد الله بن أبي عامِرِ القَخْطاني ، وإليه كان العقدُ والحلُّ ، فساسَ أتمَّ
سياسَة (٤) .
(١) انظر السير: (الخَبُوشانيّ) ٢٠٤/٢١ -٢٠٧، وانظر النزهة: ٣/١٦١٣ .
(٢) انظر السير: (الْمُسْتَظْهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٥/١٤٨٩.
(٣) انظر السير: (ابن الدَّاعي) ١١٤/١٦-١١٦، وانظر النزهة: ١/١٢٧١.
(٤) انظر السير: (الْمُسْتَنْصِر) ٢٣٠/١٦ -٢٣١، وانظر النزهة: ٧/١٢٩٠.
٩٣

وجاءَ في تَرَجَمَةِ الْمَنيعيِّ، وقيلَ : مَرَّ السُّلطانُ ببابِ مَسْجِدِه ، فَنَزَلَ مُراعاةً ،
وسَلَّم عليه ومَناقِبُهُ جَمَّة .
مات سَنةَ ثَلاثٍ وستِينَ وأرْبَع مئة (١).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الْمَلِكِ الأشْرَفِ أبي الفَتْحِ مُوسَى شاه أَرْمَن ، ابنِ
العادِلِ : كان يُبَالِغُ فِي تَعظيمِ الشَّيخِ الفَقيهِ (٢)، تَوضَّأ الفَقَيَهُ يَوماً فوَثَبَ الأشْرَفُ،
وحَلَّ من تَخْفِيفَتِهِ ورَماها على يَدَي الشَّيخ ليُنَشِّفَ بها، رَأى ذلك شَيخَنا أبو الحُسَين ،
وحكاه لي .
ماتَ سَنةَ خَمْسٍ وثَلاثينَ وسِتِّ مئة، وكانَ آخِرٍ كَلامِهِ «لا إلَهَ إلاَّ اللهُ)) فيما قِيلَ(٣).
١٠ - الأدَبُ عند العُلَماء :
قالَ جَعْفَرُ بنُ أحمَدْ بنِ نَصْر الحافِظُ : ما رَأيتُ من الْمُحَدِّثينَ أهْيَبَ من مُحمَّدِ بنِ
رافِع ، كانَ يَسْتَندُ إلى الشَّجرَةِ الصَّنوبَر في دارِهِ ، فَيَجلسُ العُلماءُ بين يَدَيه على
مَراتِبهم ، وأوْلادُ الطَّاهِرِيَّة ومَعَهم الخَدَمُ ، كأنَّ على رُؤْسِهِم الطَّيْرَ فيَأخُذُ الكِتابَ ويَقرأُ
بنَفْسِه ولا يَنطِقُ أحَدٌ ، ولا يَتَبَسَّم إِجْلالاً له، وإذا تَبَسَّمَ وَاحِدٌ أَوْ رَاطَنَ صاحبَه ،
قالَ: وصَلَّى اللهُ على مُحمَّد ويَأْخُذُ الكِتابَ، فَلا يَقدِرُ أحَدٌ يُراجِعَه أو يُشيرَ بيده ،
ولقد تَبَسَّمَ خادِمٌ من خَدَم الطَّاهِرِيَّة يَوماً ، فقَطعَ ابنُ رافِع مَجلِسَه، فانْتُهى الخَبرُ بِذَلك
إلىْ طَاهِرِ بنِ عبدِ الله، فأمَرَ بقَتلِ الخَادِمِ، حتَّى احْتَلْنا لخَلَاصِه (٤) .
١١ - أمثِلَةٌ على أدَبِ الصَّالحين :
عن جابر، قالَ عُمَرُ: أبو بكر سَيِّدُنا أعْتَقَ بِلالاً سَيِّدَنا (٥).
(١) انظر السير: (الْمَنيعيّ) ٢٦٢/١٨ -٢٦٤، وانظر النزهة: ٢/١٤١١.
(٢) يعني : اليونيني.
(٣) انظر السير: (الأشرَف) ١٢٢/٢٢-١٢٧، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٤.
(٤) انظر السير: (محمّد بن رافع) ٢١٤/١٢ -٢٢١، وانظر النزهة: ٣/٩٩٥.
(٥) انظر السير: (بلال بن رباح) ٣٤٧/١ -٣٦٠، وانظر النزهة: ٢/١٧٥.
٩٤

وعن يَحْيَى بنِ سَعْد قالَ : ذَكرَ عُمَرُ فَضلَ أبي بكر رضي الله عنه ، فجَعلَ يَصِفُ
مَناقِبَه ، ثم قالَ: وهذا سَيُّدنا بِلالٌ حَسَنةٌ من حَسَناتِهِ(١) .
وعن مُعاذٍ قال : ما بَزَقْتُ على يَميني منذ أسلمت(٢).
وعن أبي رَزين ، قال : قيل للعبّاس : أنت أكبر أو النبيُّ صلى الله عليه وسلم ؟
قال : هو أكبرُ وأنا وُلدتُ قبلَه(٣).
وورد أن عمر عمد إلى ميزاب للعباس على ممر الناس ، فقلعه ، فقال له : أشهد
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعه في مكانه ، فأقسم عمر : لتصعدن
على ظهري ولتضعنه موضعه .
وقد عاشَ ابنُ عبَّاس ثمانياً وثَمانينَ سَنةً ، وماتَ سَنةَ اثْنَتَينٍ وَثَلاثينَ ، فصلَّى عليه
عُثْمانُ رضي الله عنه ودُفِنَ بالبقيعِ(٤) .
وعن أبي رُهم : أنَّ أبا أيُوبَ الأنْصَارِيّ حَدَّثَه : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
نَزَلَ فِي بَيْتِنا الأسْفَل وكُنتُ في الغُرفَةِ، فَأُهْرِيقَ ماءٌ في الغُرفَةِ ، فَقُمتُ أنا وأُمُّ أَيُّوبَ
بِقَطِيفَةٍ لنا نَتَبَّعُ الماءَ ، ونَزَلتُ فقلتُ : يا رسولَ اللهِ لا يَنْبَغِي أن نَكُونَ فَوْقَكَ ، انْتَقِلْ
إلى الغُرِفَة فَأَمَرَ بمَتَاعِهِ فَنُقِلَ - ومَتَاعُهُ قليل - قلتُ : يا رسولَ الله ، كنتُ تُرسِلُ
بالطَّعام ، فأنظُرُ فإذا رأيتُ أثَرَ أَصابِعِكَ ، وضَعتُ فيه يَدِي(٥) .
وعن أبي سلمة ، أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت ، فأخذ له بركابه ، فقال :
تَنََّ يا ابنَ عَمِّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: هكذا نَفَعَلُ بعلمائنا
وكبَرائنا(٦) .
(١) انظر السير: (بلال بن رَباح) ١/ ٣٤٧ - ٣٦٠، وانظر النزهة: ٤/١٧٦.
(٢)
انظر السير: ( مُعاذ بن جَبَل) ٤٤٣/١-٤٦١، وانظر النزهة: ٣/١٩٢.
(٣)
انظر السير: ( العَبَّاس) ٧٨/٢ -١٠٣، وانظر النزهة: ٦/٢٢١.
انظر السير: ( العَبَّاس) ٧٨/٢ -١٠٣، وانظر النزهة: ٤/٢٢٣.
(٤)
(٥) انظر السير: (أبو أيوب الأنصاري) ٢/ ٤٠٢ -٤١٣، وانظر النزهة: ١/٢٨٣.
(٦) انظر السير: (زَيْد بن ثابت) ٤٢٦/٢-٤٤١، وانظر النزهة : ٤/٢٨٧.
٩٥

ومن غير وَجه ، عن عُمَرَ رضي الله عنه : أنه لم يلق أسامة بن زيد قط إلا قال :
السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله! توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت عليَّ
أمير(١) .
وعن عمران بن حصين قال : ما مَسَسْتُ ذَكَري بيمني منذ بايعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم(٢) .
وعن مغيرة قال : خرج عدي بن حاتم ، وجَرِيرُ البَجَلي وحَنْظَلة الكاتب من
الكوفة ، فنزلوا قَرْقِيسیاءَ ، وقالوا : لا تُقِيمُ ببلدٍ يُشْتَمُ فيه عُثمانُ .
ماتَ عَديٍّ سَنةَ سَبعٍ وستِين(٣) .
عن عبدِ الرَحْمَانِ بنِ رَزين قال: أَتَيْنَا سَلَمَةَ بنَ الأكوَعِ بالرِّبَذَةِ ، فَأَخْرَجَ إلينا يَداً
ضَخْمَةٌ كأنَّها خُفُّ البَعِير ، فقال : بايَعتُ بِيَدِي هذه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
وقال : فأخَذْنا يَدَه فَقَبَّلْناها (٤) .
وعن ابن أبي الهذيل : قال : دعا عُمَرُ زَيْدَ بنَ صُوحان، فضَفَّنَه على الرَّحْلِ (٥) كما
تُضَفِّنونَ أُمَراءكم ، ثم التَفتَ إلى الناس ، فقال : اصْنَعوا هذا بزَيدٍ وأصْحابِ
زَيْد(٦).
وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم : كان أبو وائل عثمانياً وكان زِرُّ ابنُ حُبَيش
عَلوياً ، وما رَأيتُ واحداً منهما قَطُّ تكلّم في صاحِبِه حتَّى ماتًا وكان زِرّ أكبر من
أبي وائل، فكانا إذا جَلسَا جَميعاً ، لَمْ يُحدِّثْ أبو وائل مع زِرِّ - يعني يتأَذَّبُ معه
(٧)
لسِنْهُ(٧).
(١) انظر السير: ( أُسامَة بن زَيْد) ٤٩٦/٢ -٥٠٧، وانظر النزهة: ٢/٢٩٧.
(٢) انظر السير: (عِمْرانَ بنَ حُصَين) ٢/ ٥٠٨-٥١٢، وانظر النزهة: ٤/٢٩٨.
(٣) انظر السير: (عَديُّ بن حاتِم) ١٦٢/٣-١٦٥، وانظر النزهة: ٤/٣٥٨.
انظر السير : ( سلمة بن الأكوع) ٣٢٦/٣-٣٣١، وانظر النزهة: ٤/٣٨٨.
(٤)
(٥)
أي : حَمَله عليه .
(٦) انظر السير: (زَيْد بن صُوحان) ٥٢٥/٣-٥٢٨، وانظر النزهة: ٣/٤١٩.
(٧) انظر السير: (زِرُّ بنُ حُبَيْش) ١٦٦/٤ -١٧٠، وانظر النزهة: ٥/٤٧٠.
٩٦

وعن أبي العالية ، رُفَيع بنِ مِهْرانَ الْمُقْرىءِ ، قالَ : ما مَسَسْتُ ذكري بيميني منذ
ستين أو سبعين سنة (١) .
ومن كَلامِ سَعيدٍ بنِ الْمُسَيِّب : لا تَقَولوا مُصَيْحِف ، ولا مُسَيْجد ، ما كان لله فهو
عَظيمٌ حَسنٌ جَميل(٢) .
وقيل : كان عليُّ بنُ الحُسَين إذا سارَ في الْمَدينَةِ على بَغْلِتِهِ ، لَمْ يَقُلْ لأَحَدٍ :
الطَّريق ويقولُ: هو مُشتَرَكٌ لَيسَ لي أنْ أُنَجِّيَ عنه أحَداً .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وكانَ له جَلالَةٌ عجيبةٌ، وحُقَّ له والله ذلك، فقد كانَ أَهْلاً
للإِمَامَة العُظْمَى لشَرفِه وسُؤْدُدِهِ وعِلمِه وتَأَلُّهِهِ وكَمَالٍ عَقِلِهِ(٣).
وقال الوَاقديُّ : حدَّثْنا مُوسَىُ بنُ نَجِيح بن يَحْيَى - هو ابنُ زَيْد بن ثابت - أنَّ عُمرَ بنَ
عبد العَزيزِ كتبَ أنْ يُعطَى خارجَةُ بنُ زَيد ما قُطْعَ عنه من الدِّيوَانِ ، فمَشَىْ خَارِجَةُ إلى
أبي بكر بنِ حَزْم ، فقالَ: إنِّي أَكْرَه أنْ يَلَزَمَ أميرَ المؤمنينَ من هذا مَقالَة ، ولي
نُظَرَاءُ ، فإِنْ عَمَّهم أميرُ المؤمنينَ بهَذا ، فَعلت، وإنْ هو خَصَّني به ، فإنِّي أكْرَهُ ذلكَ
لَه ، فَكَتبَ عُمَرُ : لا يَسَعُ الْمَالُ لذلك، ولَوْ وَسِعَه لَفعَلتُ (٤) .
وعن مُجَاهِدِ بنِ جَبْرِ قَالَ : رُبَّما أخَذَ ابنُ عُمر لي بالرِّكَابِ (٥) .
وقالَ سُفيانُ بنُ عُيَيْنَة: إنَّ الحَسَنَ البَصْريَّ لَمَّا ماتَ مُسلمُ بنُ يَسار قالَ :
وَامُعَلِّماه(٦) .
وقالَ ابنُ جُرَيْج عن عَطَاءَ : إِنَّ الرَّجلَ لَيُحدِّثُنِي بِالحَديثِ ، فَأُنْصِتُ له كأنِّي لَمْ
أُسْمَعْهُ وقد سَمعتُه قَبلَ أنْ يُولَد(٧) .
انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤- ٢١٣، وانظر النزهة : ٦/٤٧٩.
(١)
(٢)
انظر السير: ( سَعيد بن الْمُسَيِّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٣/٤٨٧.
انظر السير: (عَليُّ بنُ الحُسَين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة : ٣/٥٢٠ .
(٣)
انظر السير: ( خارجَة بن زَيْد) ٤٣٧/٤-٤٤١، وانظر النزهة : ٣/٥٢٩ .
(٤)
انظر السير: ( مُجَاهِد بن جَبْر) ٤٤٩/٤ -٤٥٧، وانظر النزهة : ٤/٥٣٠.
(٥)
انظر السير: ( مُسْلِم بن يَسار) ٤/ ٥١٠ -٥١٤، وانظر النزهة : ٤/٥٤٨.
(٦)
انظر السير : ( عطاء بن أبي رباح) ٧٨/٥ -٨٨، وانظر النزهة: ٣/٥٨٣.
(٧)
٩٧

وعن أيُّوبَ قالَ : قيلَ لعُمرَ بنِ عبدِ العَزيز: يا أميرَ المؤمنين! لَوْ أَتَيْتَ المَدينَةَ ،
فإنْ قَضَى اللهُ مَوْتاً في مَوْضِعِ القَبْرِ الرَّابِعِ مع رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قالَ :
واللهِ لأَنْ يُعذِّبَنِي اللهُ بغَيرِ النَّارِ أَحَبُّ إليَّ مَنْ أنْ يَعلمَ مِنْ قَلبي أنِّي أراني لذلك أهْلاً(١).
وعن عاصِمٍ بنِ أبي النَّجُودِ ، قالَ : ما قَدمْتُ على أبي وَائل من سَفرٍ إلاَّ قَبَّل
كَفِّي .
قالَ عبدُ الله بنُ أحمَد بن حَنْبَل : سَألتُ أبي عن عاصِمٍ بنِ بَهْدَلَة، فقالَ: رَجلٌ
صالِحٌ خَيِّرُ ثِقَةٌ، قلتُ : أمُّ القِراءَاتِ أحَبُّ إليكَ؟ قالَ: قِراءَةُ أهْلِ الْمَدينَةَ ، فإنْ لَمْ
يَكُنْ ، فِقِراءَةُ عاصِم (٢) .
وعنْ قَتَادَةَ ، قالَ : لقد كان يُستَحَبُّ أنْ لا تُقرأ الأحاديثُ التي عن رَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم إلاَّ علىْ طَهارَةٍ (٣).
وقالَ العِبَّاسُ بنُ الوَليد : فمَا رَأيتُ أبي يَتعجَّبُ من شَيءٍ في الدُّنيا تَعُبَه من
الأَوْزَاعي فكانَ يَقولُ : سُبحانَكَ تَفْعَلُ ما تَشاءُ !! كانَ الأَوْزَاعِيُّ يَتِيماً فَقيراً في حِجْرِ
أُمِّه، تَنَقُلُه من بلدٍ إلى بَلِدٍ ، وقد جَرَى حُكْمُك فيه أنْ بَلَّغْتَه حَيثُ رأيتُه ، يا بُيَّ!
عَجَزَتِ الْمُلوكُ أنْ تُؤدِّبَ أنْفُسَها وأوْلادَها أدَبَ الأوْزاعِيّ في نَفَسِهِ ، ما سَمعتُ منه
كَلمةَ قَطُّ فاضِلَةً إلاَّ احْتَاجَ مُسْتَمِعُها إلى إِثْباتِها عنه، ولا رَأيْتُه ضاحِكاً قَطُّ حَتَّى يُقَهْقِهِ ،
ولقد كانَ إذا أخَذَ في ◌ِذِكْرِ الْمَعادِ أقُولُ فِي نَفَسِي: أتُرَى فِي الْمَجلِسِ قَلبٌّ لَمْ يَبْكِ؟(٤).
وقالَ أبو زُرْعَة : كنتُ عند أحمدَ بنِ حَنْبَل ، فذُكِرَ إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ ، وكان مُتَكِّئاً
من عِلَّة، فجَلسَ ، وقالَ: لا يَنبَغي أن يُذكَرَ الصَّالِحِونَ فِيُتَكأ وقالَ أحمدُ : كان مُرجئاً
شَدِيداً على الجَهْميَّة (٥) .
(١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٩٢.
(٢)
انظر السير: ( عاصِم بن أبي النَّجود) ٢٥٦/٥ -٢٦١، وانظر النزهة: ٣/٥٩٩.
(٣)
انظر السير: ( قَتَادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٣/٦٠٢.
(٤)
انظر السير: ( الأوزاعيُّ) ٧/ ١٠٧ -١٣٤، وانظر النزهة: ٢/٦٨١.
انظر السير: ( إبراهيم بن طَهْمان) ٧/ ٣٧٨ _ ٣٨٥، وانظر النزهة : ١/٧٠٦.
(٥)
٩٨

وعن يَحْيَى بنِ يَمان ، قالَ : كان سُفْيانُ إذا قَعدَ مع إبراهيمَ بنِ أدْهَم ، تَحرَّزَ من
الكَلام(١) .
وقال أبو مُصْعَب : كان الإمامُ مَالكُ لا يُحدِّثُ إلاَّ وهو على طَهارَة إجْلالاً
للحَديثِ(٢) .
وقالَ أبو مُصْعَب: كانوا يَزْدَحِمُونَ على باب مَالِك حتَّى يَقْتَتِلوا من الزِّحام وكُنَّا إذا
كُنَّا عِندَه لا يَلْتَفِتُ ذَا إلى ذَا، قائلونُ برُؤُوسِهِم هكذا وكانت السَّلَاطِينُ تَهَبُه وكانَ
يَقولُ : لا، ونَعَم ولا يُقالُ له : من أين قُلتَ ذَا؟(٣).
وقالَ ابنُ وَهْب: ما نَقَلْنا من أدَبِ مَالِك أكْثَرُ مِمَّا تَعلَّمنا من عِلمِه (٤).
عن يَحْيَى بنِ يَحْبَى اللَّيِيِّ قالَ: كنَّا عندَ مَالِك، فاسْتُؤْذِنَ لعَبدِ الله ابنِ الْمُبارَك
بالدُّخولِ ، فَأُذْنَ له، فرَأينا مَالكاَ تَزَحْزَحَ له في مَجلِسِه، ثم أَقْعَدَه بلِصْقِه ، وما رأيت
مالِكاً تَزَحْزَحَ لأحَد في مَجلِسِه غيره ، فكانَ القارِئُ يَقرأُ على مَالِك، فرُبَّما مرَّ بشَيءٍ
فيَسألُهُ مَالِك: ما مَذهَبُكم في هذا؟ أوْ ما عِندَكُم في هذا؟ فَرَأيتُ ابنَ الْمُبارَك
يُجاوِبُه، ثم قامَ، فخَرَجَ ، فَأَعْجِبَ مَالِكُ بأدَبِهِ ، ثم قالَ لنا مَالِكُ: هَذا ابنُ الْمُبارَك
فَقِيهُ خُراسان(٥) .
وسُئلَ ابنُ الْمُبارَك بحُضُورِ سُفْيانَ بنِ عُبَيْنَة عن مَسألَةٍ ، فقالَ: إنَّا نُهينا أنْ نَتَكلَّمَ
عند أكابِرِنا (٦) .
وقالَ إبراهيمُ بنُ الأَشْعَث : رَأيتُ سُفْيَانَ بنَ عُبَيْنَة يُقَبِّلُ يَدَ الفُضَيْلِ ابنِ عِياض
مرَّتَين(٧) .
(١) انظر السير: (إبراهيم بن أدْهَم) ٣٨٧/٧ -٣٩٦، وانظر النزهة: ٤/٧٠٨.
(٢)
انظر السير: ( مَالكُ الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٧٣٣ /٤.
(٣)
انظر السير: (مَالكُ الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٥/٧٣٦.
(٤)
انظر السير: ( مَالكُ الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٧.
انظر السير: ( عبد الله بن الْمُبارَك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٢/٧٧٢.
(٥)
انظر السير: (عبد الله بن المُبارَك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة : ٣/٧٧٢.
(٦)
(٧) انظر السير: (الفُضَيل بن عياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٥/٧٧٨ .
٩٩

وقالَ عَطاءُ الخَفَّف : كُنتُ عند الأوْزاعِيِّ، فأرادَ أنْ يَكتُبَ إلى أبي إسْحاقَ
الفَزاري ، فقالَ لكاتِبِه ، ابدأ به ، فإنَّه والله خَيرٌ مِنِّي(١) .
وقالَ سَلْمُ بنُ جُنادَة : جَالَستُ وَكيعاً سَبِعَ سِنِين ، فمَا رَأيْتُه بَزَقَ ، ولا مَسَّ
حَصاةً ، ولا جَلسَ مَجْلِساً ، وما رَأيْتُه إلاَّ مُستَقْبِلَ القِبِلَةَ، وما رَأيتُه يَحِلِفُ بالله(٢).
وقالَ مُوسَىُ بنُ داود : كُنتُ عند ابنِ عُيَيْنَة ، فجاءَ حُسَينُ الجُعْفيُّ فقامَ سُفْيَانُ ،
فقَبَّلَ يَدَه(٣).
وعن يَحْيَى بن يَحْيِى بن كثير، قال : أخذتُ برِكابِ اللَّيثِ، فأرادَ غُلامُه أنْ
يَمنَعَنِي، فقالَ اللَّيْثُ: دَعْهُ ثم قالَ لي : خَدمَكَ العِلمُ قالَ: فَلَمْ تَزَلْ بِي الأيَّامُ حتَّى
رَأيتُ ذلك(٤) .
وقال الْمَرُّوذي : رأيتُ أبا عبدِ الله، أحمَدَ بنَ حَنْبَل ، إذا كانَ في البَيتِ عامَّةُ
جُلوسِه مُتَرَبِّعاً خاشِعاً ، فإذا كانَ بَرّاً ، لَمْ يَتبيَّن منه شِدَّةُ خُشوع، وكُنتُ أدْخُلُ ،
والجُزءُ فِي يَدِه يَقرأ(٥) .
وقالَ محمَّدُ بنُ حَمْدونَ بنِ رُسْتُم : سَمعتُ مُسْلِمَ بنَ الحَجَّاج ، وجاءَ إلى
البُخاريِّ فقالَ: دَعْني أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يا أُسْتاذَ الأُسْتاذِين، وسَيِّدَ الْمُحَدِّثين، وطَبيبَ
الحَديثِ في عِلله .
وقالَ أبو عَليّ صالِحُ بنُ محمَّد جَزَرَة : كانَ مُحمَّدُ بنُ إسْماعيلَ البُخاريُّ يَجلِسُ
بَبَغْدادَ ، وكُنتُ أسْتَمْلِي له ، ويَجتَمِعُ في مَجلِسِه أكْثَرُ من عِشْرِينَ ألْفا(٦) .
ويُروَى أن أبا إسْحَاقَ الحَرْبِي لَمَّا دَخَلَ على إسْماعيلَ القاضي ، بادَرَ أبو عُمَر
(١) انظر السير: ( أبو إسحاقَ الفَزاري) ٥٣٩/٨-٥٤٣، وانظر النزهة: ٥/٧٩٠.
(٢) انظر السير: (وكيع بن الجراح) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٢/٨١١.
(٣) انظر السير: (الحُسَين بن عليّ الجُعفي) ٩/ ٣٩٧ -٤٠١، وانظر النزهة: ٣/٨٣٣.
انظر السير: ( يَحْيَى بن يَحْيى بن كثير) ٥١٩/١٠-٥٢٦، وانظر النزهة: ٤/٨٩٠.
(٤)
انظر السير: ( أحمد بن حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٢٤.
(٥)
(٦) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاريُّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٥.
١٠٠