النص المفهرس

صفحات 41-60

وقالَ ابنُ هُبَيْرَة : جَلستُ مع الزَّبِيْدِيِّ من بُكْرَة إلى قَريب الظُّهْرِ وهو يَلُوكُ شَيئاً
فسَألْتُه ، فقالَ: نَواةٌ أَتَعَلَّلُ بها ، لَمْ أَجِدْ شَيئاً (١) .
وقال ابنُ النجَّار : قرأتُ بخطٍّ أبي بَكْر عبد الله بن نَصر بن حَمزَة التَّيْميِّ ،
سَمعتُ الشيخَ عبد القادر يقولُ : بَلَغَتْ بي الضَّائقةُ في الغَلاء إلى أن بقيتُ أيّاماً
لا آكلُ طَعاماً ، بلْ أَتَّبِعُ المَنْبوذاتِ ، فخَرجْتُ يوماً إلى الشطِّ ، فوَجدتُ قد سَبَقني
الفُقَراءُ ، فضَعُفْتُ ، وعَجَزتُ عن التَّماسُك فدخَلتُ مَسْجداً ، وقَعدتُ ، وكدتُ
أُصافحُ المَوتَ ، ودخلَ شابٌ أعْجَمِيٌّ ومَعه خُبزٌ وشِواءٌ ، وجلسَ يأكُلُ ، فكنتُ
أكادُ كُلَّمَا رَفِعَ لُقْمَةً أَفْتَعُ فَمي ، فالتَفَتَ فرآني ، فقال : باسم الله ، فأبيتُ ، فأقسَمَ
عليَّ، فأكلتُ مُقصِّراً، وأخذَ يَسْألُني، ما شُغْلك؟ ، ومن أين أنتَ ؟ فقلتُ:
مُتَفَقِّهُ من جيْلان ، قالَ : وأنا من جيْلان ، فهلْ تَعرفُ لي شاباً جيلانيّاً اسْمُه عبدُ
القادر ، يُعْرَفُ بسِبطٍ أبي عبد الله الصومعي الزَّاهد ؟ فقلتُ : أنا هو فاضطرَبَ
لذلك ، وتغيَّرَ وَجهُه، وقال: والله يا أخي، لقد وصَلتُ إلى بَغْدَادَ ومَعي بقيَّةُ نَفَقَةٍ
لي ، فسألتُ عنكَ، فلمْ يُرْشدني أحدٌ إلى أنْ نَفِدَت نَفَقَتي ، وبقيتُ بعدَها ثلاثةَ أيّام
لا أجدُ ثَمنَ قُوتي إلاَّ من مالِك، فلمَّا كان هذا اليوم الرابع قلتُ : قد تجاوزَتْني
ثلاثة أيّام ، وحلّت المَيْتَة، فأخذْتُ من وَديعَتك ثمنَ هذا الخُبزَ والشِّواء ، فكُلْ
طَيِّباً ، فإنَّما هو لك، وأنا ضَيْفُك الآن ، فقلتُ: وما ذاك؟ قال: أمُّك وجَّهَت
معي ثمانيةَ دَنانير ، والله ما خُنْتُك فيها إلى اليوم، فسكَّنْتُه، وطَيَّيتُ نَفْسَه ،
ودَفعتُ إليه شَيئاً منها(٢) .
وكان اليُونينيُّ لايَقومُ لأحد تَعْظيماً لله ولا يَدَّخِرُ شيئاً ، له ثَوبٌ خام ، ويَلبسُ في
الشِّتاء فَروَة، قد يُؤْثِرُ بها في البَرْدِ، وكان رُبَّما جاعَ ويأْكُلُ من وَرَق الشَّجَر(٣).
(١) انظر السير: (الزَّبِيْدِيّ) ٣١٦/٢٠-٣١٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٥٤.
(٢) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٤.
(٣) انظر السير: (اليُونيني) ٢٢/ ١٠١ -١٠٣، وانظر النزهة: ٢/١٦٦٩.
٤١

( ب ) المَال :
١ - أهَميَّة المَال :
عن وَهْبٍ بِنِ مُنَبِّه: الدَّراهِمُ خَواتيمُ الله في الأرْضِ ، فمَنْ ذَهَبَ بخاتِم الله قُضِيَت
حاجَتُه(١) .
وقيلَ لأبي الزِّنادِ : لِمَ تُحِبُّ الدَّراهِمَ وهي تُدنيكَ من الدُّنيا؟ فقالَ: إنَّها وإن
أَدْنَتَني منها ، فقد صَانَتَّني عنها(٢) .
وقالَ روَّاد بنُ الجَرَّاحِ: سَمعتُ الثَّوريَّ يَقولُ: كانَ الْمَالُ فيما مَضَى يُكرَه ، فأمَّا
اليومُ ، فهو تُرْسُ الْمُؤْمِن(٣) .
ونَظْرَ إليه رجلٌ وفي يَده دَنانير ، فقالَ: يا أبا عبد الله! تُمسِكُ هذه الدَّنانيرَ! ؟
قالَ: اسْكُت ، فَلَوْلاها لتَمَنْدَلَ بنا الْمُلوكُ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : قد كانَ سُفيانُ الثَّوْرِيُّ رَأْساً في الزُّهْدِ ، والثَّلُّه، والخَوفِ ،
رَأساً في الحِفْظِ ، رَأْساً في مَعرِفَة الآثار ، رَأساً في الفِقْه ، لا يَخافُ في الله لَوْمَة
لائم، من أئمّة الدِّين واغْتُفِرَ له غَيرُ مَسْأَلَة اجْتَهدَ فيها، وفيه تَشَيُّع يَسيرٌ، كان يُثَلِّثُ
بِعَليِّ(٤) وهو على مَذْهَبٍ بَلَدِهِ أيضاً في النَّبِيذِ ، ويُقالُ : رَجَعَ عن كُلِّ ذلكَ ، وكانَ
يُنكِرُ على الْمُلوكِ، ولا يَرى الخُروجَ أصْلاً، وكان يُدَلِّسُ في رِوايَتِهِ، ورُّما دَلَّسَ عن
الضُّعَفاء، وكان سُفْيانُ بنُ عُبَيْنَةَ مُدَلِّساً، لكن ما عُرِفَ له تَدليسٌ عن ضَعِيفٍ (٥).
٢ - نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ للرَّجلِ الصَّالِحِ :
من كَلامِ سَعيدِ بنِ الْمُسَيِّب : لا خَيرَ فيمَن لا يُرِيدُ جَمعَ الْمَالِ من حِلُّه ، يُعطِي منه
حَقَّه ، ويَكُفَتُّ به وَجهَه عن النَّاسِ(٦).
(١) انظر السير: (وَهْب بن منبّه) ٥٤٤/٤ -٥٥٧، وانظر النزهة: ٦/٥٥٣.
(٢) انظر السير: (أبو الزُّناد) ٤٤٥/٥-٤٥١، وانظر النزهة: ٥/٦٢٠.
انظر السير : ( سُفْيان الثَّوْري) ٧/ ٢٢٩ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٦٩٦.
(٣)
(٤)
أي كان يُقدِّمُ عَليّاً على عُثمانَ - رَضيَ الله عَنهما - في التَفضيل.
(٥) انظر السير: (سُفيان الثّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٣/٦٩٦.
(٦) انظر السير: (سَعيد بن الْمُسَيِّب) ٢١٧/٤-٢٤٦، وانظر النزهة: ١/٤٨٨.
٤٢

وقالَ عُثمانُ بنُ حَيَّانَ : سَمعتُ أُمَّ الدَّرْداءِ تَقولُ: إنَّ أَحَدَهم يَقولُ : اللَّهُمَّ
ارْزُقْني ، وقد عَلِمَ أنَّ الله لا يُمطِرُ عليه ذَهباً ولا دَراهِمَ ، وإنَّما يَرزُقُ بَعضَهم من
بَعض، فمَنْ أُعْطِيَ شَيئاً ، فَلْيَقبَلْ ، فإنْ كانَ غَنياً ، فليَضَعْه في ذي الحاجَة ، وإنْ كان
فَقِيراً، فليَسْتَعِنْ بِهِ(١) .
وكانَ ابنُ الْمُنْكَدِر يَقولُ : نِعْمَ العَونُ على تَقْوَى الله الغِنَى(٢).
٣- المَالُ يَجبُ أنْ يَكونَ في اليَدِ لا في القَلب :
قالَ هِشامُ بنُ حَسَّان : سَمعتُ الحَسنَ البَصْريَّ يَحلفُ بالله، ما أعَزَّ أحَدُ الدِّرْهَمَ إلاَّ
أذلَّه الله(٣).
قال كُرْزُ بنُ وَيَرة الحارثيّ: لا يَكونُ العَبدُ قارئاً حتى يَزْهَدَ في الدِّرْهَم (٤).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعَقِّباً: هَكذا كانَ زُمَّادُ السَّلف وعُبَّدُهم ، أصْحابُ خَوفٍ
وخُشُوعٍ وتَعَبُّد وقُنُوع ، ولا يَدخُلونَ في الدُّنيا وشَهَوَاتها ، ولا في عِبَاراتٍ أحْدَثَهَا
المُتَأْخِّرون من الفَنَاء ، والْمَحْرِ ، والاصْطِدام، والاتِّحاد ، وأشْباه ذلك، ممَّا
لا يَسُوغُه كِبَارُ العلمَاءِ ، فَنَسألُ اللهَ الثَّوفيقَ والإِخْلاصَ، ولُزُوم الاتِّباع(٥) .
٤- الخَوفُ من الحِسابِ على الأمْوالِ يُزَهِّدُ بعضَ النَّاسِ فيها :
رَوَىُ لُقْمانُ بنُ عامِر، أنَّ أبا الدَّرْداء قالَ : أهْلُ الأَمْوالِ يَأْكُلُونَ ونَأَكُلُ ، ويَشْرَبُونَ
ونَشْربُ، ويَلْبَسونَ ونَبَسُ، ويَركَبُونَ ونَركبُ، ولهم فُضُولُ أمْوالٍ يَنظُرُونَ إليها
ونَنَظُرُ إِليها مَعَهم، وحِسابُهم عليها ونَحْنُ منها بُرَآءُ(٦) .
(١) انظر السير: (أمُّ الدَّرْداء) ٢٧٧/٤-٢٧٩، وانظر النزهة: ٥/٤٩٧.
(٢) انظر السير: (محمّد بن الْمُنكدر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٣/٦٠٨.
انظر السير : ( الحَسَن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ١/٥٦١.
(٣)
انظر السير: (كُرْز) ٦/ ٨٤-٨٦، وانظر النزهة: ٦/٦٣٣.
(٤)
انظر السير: (كُرْز) ٨٤/٦-٨٦، وانظر النزهة: ٧/٦٣٣.
(٥)
(٦) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة: ٩/٢٧٢.
٤٣

٥- مَنْ ذَمَّ الْمَالَ:
قال حَزْمُ بنُ أبي حَزْم : سَمعتُ الحَسنَ البَصْريَّ يقولُ: بِئْسَ الرَّفيقان ، الدِّينارُ
والدِّرْهَم، لا يَنفَعَانِك حتى يُفارِقاكَ(١).
٦ - حَالُ السَّلَف مع الأمْوال :
عن الحَسَنِ البَصْريِّ قالَ: رَأى الأحْنَفُ بنُ قَيْس في يد رَجلِ دِرْهَماً، فقالَ : لِمَنْ
هذا ؟ قالَ لي قالَ: لَيسَ هو لكَ حتَّى تُخرِجَه في أجْرٍ أو اكْتِسَابٍ شُكْرٍ وتَمثَّلَ (٢):
وَإِذَا أَنْفَقْتَهُ فَالْمَالُ لَك
أَنْتَ لِلْمَالِ إِذَا أَمْسَكْتَهُ
وقالَ عَطاءُ بنُ مُسْلم : عاشَ دَاوُدُ الطَّائي عِشرينَ سَنةً بَثَلاثِ مئة دِرْهَم (٣).
ويُقالُ : إنَّ سَعيدَ بنَ عبدِ العَزِيزِ زَارَ سُلَيمَانَ الخَوَّصَ لَيلةً في بَيْتِهِ بِبَيْرُوتَ، فرآهُ
في الظُّلمَة، فقالَ : ظُلمَةُ القَبِرِ أشَدُّ ، فَأَعْطاهُ دَراهِمَ، فَرَدَّها، وقالَ : أَكْرَهُ أنْ أُعَوَّدَ
نَفَسي مثلَ دَراهِمك ، فمَنْ لي بِمِثْلِها إذا احْتَجتُ ، فَبَلِغَ ذلك الأوْزاعيَّ فقالَ: دَعُوه
فَلَوْ كانَ فِي السَّلفِ لكانَ عَلَّمَةٍ (٤) .
جاءَ في تَرجَمَةِ الإمام أحمَدِ بنِ حَنْبَل ، قالَ حَنْبَل : وجَرَىُ بينَ أبي عبدِ الله وبينَ
أبي كَلامٌ كَثِيرٌ قالَ : ياعَمُّ ما بقيَ من أعْمَارِنا كأنَّك بالأمْرِ قد نَزَل فاللهَ اللهَ ، فإنَّ أوْلادَنا
يُرِيدُونَ أنْ يَأْكُلُوا بنا، وإنَّما هي أيَّامٌ قَلائل ، وإنَّما هذه فِتْنَةٌ قال أبي : فقُلتُ : أرْجُو
أنْ يُؤَمِّنَكَ اللهُ مِمَّا تَحْذَر فقالَ: كَيفَ وأنتم لا تَتَرُكونَ طَعامَهم ولا جَوَائزَهم؟ لَوْ
تَرَكْتُموها، لَتَرَكُوكُم ماذا تَنْتَظِرُ؟ إنَّما هو الْمَوتُ فإمَّا إلىْ جَنَّةٍ ، وإمَّا إلى نارٍ فِطُوبَى
لِمَنْ قَدِمَ على خَيرِ قَالَ : فَقُلتُ: أَيْسَ قد أُمِرتَ ما جاءَكَ من هذا الْمَالِ من غَيْرِ
إِشْرافِ نَفْس ولا مَسْألَةٍ أنْ تَأْخُذَه ؟ قالَ : قد أخَذتُ مرَّةً بغَيرِ إِشْرافِ نَفس ، فالثَّانِيَةُ
(١) انظر السير: (الحَسَن البَصْري) ٥٦٣/٣-٥٨٨، وانظر النزهة: ٢/٥٦١.
(٢) انظر السير: ( الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٩/٤٥٢.
(٣) انظر السير: (دَاوُد الطَّائي) ٤٢٢/٧-٤٢٥، وانظر النزهة: ٣/٧١٢.
(٤) انظر السير: (سُليمان الخواص) ١٧٨/٨ -١٧٩، وانظر النزهة: ٥/٧٤٢.
٤٤

والثَّالِئَةُ؟ أَلَمْ تَسْتَشرِفْ نَفْسَك؟ قُلتُ: أفَلَمْ يأخذ ابنُ عُمَرَ وابنُ عَبَّاس؟ فقالَ :
ما هذا وذاك! وقالَ : لَوْ أعلَمُ هذا الْمَالَ يُؤْخَذُ من وجْهِه ، ولا يَكونُ فيه ظُلمٌ
ولا حَيفٌ لَمْ أُبَالِ .
قالَ حَنْبَلُ : ولَمَّا طالت عِلَّةُ أبي عبدِ الله، كانَ الْمُتَوَكلُ يَبعَثُ بابنِ ماسَويْه
الْمُتَطَبِّب، فيَصفُ له الأدْوِيَة، فلا يَتعالَجُ ويَدخُلُ ابنُ ماسَويْه ، فقالَ : يا أميرَ
المؤمنين ليسَ بأحمَدَ عِلَّة، إنَّما هو من قِلَّة الطَّعام والعِبادَة، فسَكتَ الْمُتَوَكلُ .
وبلغَ أَمَّ الْمُتَوَكلِ خَبرَ أبي عبد الله فقالَت لابنِها : أشْتَهي أنْ أَرَى هذا الرجُلَ فوَجَّه
الْمُتَوَكلُ إلى أبي عبد الله، يَسألُهُ أنْ يَدخُلَ على ابنِهِ الْمُعْتَزِّ ويَدعُو له ويُسلِّم عليه ،
ويَجعلُه في حِجْرِهِ فامْتَنعَ ثم أجَابَ رَجاءَ أن يُطلَق، ويَنحَدِر إلى بَغْدَادَ فَوَجَّه إليه
الْمُتَوَكِلُ خِلْعَةً وَنَوْه بدابَّة يَركبُها إلى الْمُعْتَزِّ فامتنع ، وكانت عليه مِيثَرَةُ نُمورٍ فَقُدِّمَ إليه
بَغْلٌ لتاجِرِ ، فَرَكِبَه ، وجَلسَ الْمُتَوَكلُ مع أُمُّه في مَجلِسٍ من المكان وعلى الْمَجلِسِ
سِترٌ رَقيقٌ فدَخلَ أبو عبدِ الله على الْمُعْتَزِّ، ونَظَرَ إليه الْمُتَوَكلُ وأُّه فلَمَّا رَأتْه ، قالَت :
يا بُبَيَّ ، اللهَ اللهَ في هذا الرجُلِ فَلَيسَ هذا مِمَّن يُرِيدُ ما عِندَكم، ولا الْمَصْلَحَةُ أنْ
تَحْبِسَه عن مَنْزِلِه، فائذَنْ له لِيَذْهَب، فدَخلَ أبو عبدِ الله على الْمُعْتَزِّ ، فقالَ : السَّلامُ
عَليكم، وجَلسَ ولَمْ يُسَلِّم عليه بالإمْرَة فسَمعتُ أبا عبد الله بعدُ يَقولُ : لَمَّا دَخلتُ
عليه، وجَلستُ ، قالَ مُؤدِّبُه: أصلحَ اللهُ الأميرَ ، هذا هو الذي أمَرَه أميرُ المؤمنينَ
يُؤْدِّبُّك ويُعَلِّمُك؟ فقالَ الصَّبيُّ : إنْ عَلَّمَني شَيئاً ، تَعلَّمْتُه! قالَ أبو عبدِ الله: فعَجبتُ
من ذَكائه وجَوابِهِ على صِغَرِه ، وكان صغيراً .
ودامت علة أبي عبد الله، وبَلِغَ الْمُتَوَكلَ ما هو فيه، وكلَّمَه يَحْيَى ابنُ خاقان
أيضاً ، وأخْبَرَه أنَّه رَجلٌ لا يُريدُ الدُّنيا، فأذِنَ له في الانْصِرافِ فجاءَ عُبَيْدُ الله بنُ يَحْیَى
وَقتَ العَصْرِ، فقالَ: إنَّ أميرَ المؤمنينَ قد أذِنَ لك، وأمَرَ أنْ يُفْرَشَ لك
حَرَّاقَةٍ (١) . تَنْحَدِرُ فيها فقالَ أبو عبد الله: اطْلُبُوا لي زَوْرَقاً أنْحَدِرُ السَّاعَة فطَلبوا له
زَوْرَقاً ، فانْحَدَرَ لِوَقْتِهِ .
(١) السفينة الخفيفة.
٤٥

قالَ حَنْبَلُ : فَمَا عَلمنا بقُدومِه حتَّى قيلَ : إِنَّه قد وَافَى ، فاسْتَقبلتُه بناحية القَطِيعَة
وقد خَرجَ من الزَّوْرَق ، فمَشيتُ معه ، فقالَ لي : تَقَدَّم لا يَراكَ النَّسُ فَيَعْرِفُوني ،
فَتَقدَّمْتُه قالَ : فلمَّا وَصلَ ألقَىْ نفسَه علىُ قَفاه من الثَّعبِ والعَياء(١).
قالَ صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حَنْبَل: قَدَمَ الْمُتَوَكَلُ فنزَلَ الشِمَّاسِيَّةِ ، يُرِيدُ الْمَدائنَ فقالَ
لي أبي : أحبُّ أنْ لا تَذهَبَ إليهم تُنَبِّهُ عَليَّ فلمَّا كان بعد يوم أنا قاعِدٌ ، وكان يَوماً
مَطيراً ، فإذا بَيَحْيَى بنِ خاقَانَ قد جاءَ في مَوكِبٍ عَظيمٍ والْمَطَرُ عليه ، فقالَ لي :
سُبحانَ الله لَمْ تَصِرْ إلينا حتى تُبلِّغَ أميرَ المؤمنين السَّلامَ عن شَيخِك ، حتى وَجَّهَ بي ،
ثم نَزَلَ خارجَ الزُّقاق ، فجَهِدتُ به أنْ يَدخُلَ على الدَّابَة فَلَمْ يَفْعَلْ ، فجَعلَ يَخوضُ
الْمَطَرَ، فلمَّا وَصلَ نزع جُرْمُوقَه، ودخلَ وأبي في الزَّاوِيَة عليه كِساءٌ ، فسَلَّمَ عليه ،
وقبَّلَ جَبهتَه ، وسَأَلَه عن حالِه، وقالَ: أميرُ المؤمنينَ يقُرتُك السَّلامَ، ويقولُ: كيفَ
أنتَ في نَفَسِك، وكَيفَ حالك؟ وقد أنِسْتُ بقُرِبِك، يَسألُك أنْ تَدعُوَ له فقالَ :
ما يأتي عليَّ يَومٌ إلَّ وأنا أدْعُو اللهَ له ثم قالَ: قد وَجَّه معي ألفَ دينار تُفَرَّقُها على أهْلِ
الحاجَة فقال: يا أبا زكريا، أنا في بيتٍ مُنْقَطِع، وقد أعْفَاني من كلِّ ما أكْرَه ، وهذا
مِمَّا أكرَه فقالَ: يا أبا عبد الله ، الخُلَفَاءُ لا يَحْتَمِلون هذا، فقالَ: يا أبا زكريا تَلَطَّفْ
في ذلك فدعا له، ثم قامَ، فلمَّا وَصَلَ إلى الدَّارِ، رَجَعَ ، وقالَ: هكذا لَوْ وَجَّه إليك
بَعضُ إِخْوَانِك كُنْتَ تَفْعَلُ؟ قَالَ : نَعَم فلمَّا صِرْنا إلى الدِّهْلِيزِ، قالَ : أمَرَني أميرُ
المؤمنينَ أدْفَعُها إليكَ تُفَرَّقُها فَقُلتُ : تَكونُ عندَك إلى أنْ تَمضي هذه الأيّام(٢).
وقالَ زكريا بنُ دَلَّوَيْه : بَعثَ طَاهِرُ بنُ عبد الله إلى ابنِ رافِعٍ بخَمسَةِ آلافِ دِرْهَم مع
رَسُولٍ ، فدَخَلَ عليه بعدَ العَصْرِ ، وهو يَأْكُلُ الخُبزَ مع الفِجْلِ فَوَضَعَ الكيسَ فقالَ :
بَعثَ الأميرُ إليكَ بهذا الْمَال فقالَ : خُذْ خُذْ لا أحتاجُ إليه ، فإنَّ الشَّمسَ قد بَلَغَت
رَأْسَ الحِيطَانِ إِنَّمَا تَغْرُبُ بعدَ سَاعَة وقد جاوَزْتُ الثَّمانينَ إلى مَتِى أعيشُ؟ فرُدَّ(٣) .
(١) انظر السير: (أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤٣.
(٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤٤.
(٣) أي : رجع .
٤٦

قالَ: فَدَخلَ ابنُه ، وقالَ : يا أبتِ ، لَيسَ لنا اللَّيْلَةَ خُبزٌ قالَ : فَبَعثَ ببعضٍ أصْحابِهِ
خَلفَ الرَّسُولِ لَيَرُدَّ المالَ إلى طاهِرٍ فَزَعاً من ابنِهِ أنْ يَذْهَبَ خَلفَه، فَيَأْخُذَ المالَ(١).
٧- كَثْرَةُ المَالِ وتَنَؤُّعه تُؤدى إلى تَفَرُّق القَلب :
عن بِلالِ بنِ سَعْد ، أنَّ أبا الدَّرْداءِ قالَ: أعُوذُ بالله من تَفَرِقَةِ القَلبِ قيلَ: وما تَفَرِقَةُ
القلبِ ؟ قالَ : أنْ يُجعَلَ لي في كُلِّ وَادٍ مالٌ(٢) .
(ج ) الثَّوم :
١- الحَثُّ علىْ قِلَّة النَّوم :
يَقولُ ابن الحَدَّاد: ما لِلعَالِمِ ومُلائَمَةُ الْمَضاجِع(٣).
٢- أحْوَالُ السَّلَف مع الثَّوم:
عن دَاوُدَ بنِ إبراهيمَ أنَّ الأسَدَ حَبسَ لَيلة النَّاسَ في طَريقِ الحَجِّ ، فدَقَّ النَّاسُ
بَعضُهم بَعضاً ، فلمَّا كان السَّحَرُ، ذَهبَ عنهم، فتَزَلوا ونامُوا ، وقامَ طاؤُوسُ
يُصلِّي، فقالَ له رجلٌ: ألا تَنَامُ ، فقالَ: وهَلْ يَنامُ أحَدٌ السَّحَرَ(٤).
ويُروَىُ أنَّ طاوُوساً جاءَ في السَّحَرِ يَطلُبُ رَجلاً، فقالُوا: هو نائمٌ، قالَ: ماكُنتُ
أَرَىُ أنَّ أَحَداً يَنامُ في السَّحَر .
وعن طاؤُوسِ قالَ: أدْرَكتُ خَمسينَ من أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم(٥).
وعن أبي الأحْوَص، قالَ: آَلَى مُحمَّدُ بنُ النَّضْرِ على نَفَسِهِ أنْ لا يَنامَ إلاَّ ما غَلَبَتَهُ
عَينُهُ(٦) .
(١) انظر السير: (محمد بن رافع) ٢١٤/١٢ -٢٢١، وانظر النزهة : ٤/٩٩٥.
(٢)
انظر السير: ( أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة : ٤/٢٧٢.
(٣)
انظر السير: ( ابنُ الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤- ٢١٤، وانظر النزهة: ٣/١١٤٤.
انظر السير : (طاؤُوس ) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ١/٥٧٨.
(٤)
انظر السير: ( طاؤوس) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ٥/٥٧٨.
(٥)
(٦) انظر السير: (محمّد بن النَّصْر) ١٧٥/٨ -١٧٦، وانظر النزهة: ٢/٧٤٢.
٤٧

وقالَ أبو بَكْر الأنْباري : كان أبو عُبَيد الإمامُ الحافِظُ - رَحمَهُ اللهُ - يُقَسِّمُ اللَّيلَ أثلاثاً
فيُصلِّي ثُلُثَه، ويَنامُ ثُلُثَه، ويُصَنِّفُ الكُتُبَ ثُلُثَهَ(١).
وقالَ عبدُ الله بنُ أحمَدَ بنِ حَنْبَل : كان أبي يَقرأُ كُلَّ يَومٍ سُبعاً، وكانَ يَنامُ نَوَمَةً
خَفيفَةً بعد العِشاءِ ، ثم يَقومُ إلى الصَّباحِ يُصلِّي ويَدعُو (٢) .
وقالَ حُسَينُ بنُ خاقان : كانَ ابنُ عَطاء يَنامُ في اليَومِ واللَّلَة ساعتين ماتَ سَنةً تسعِ
وثلاثٍ مئة في ذي القعْدَةِ(٣) .
٣- صُورٌ رائعَة علىُ إحْياء اللَّيل جَميعه وصَلاة الفَجْر بوُضُوء العِشَاء :
عن أسَدِ بنِ عَمرو ، أنَّ أبا حَنِيفَة، رَحمَه الله، صلَّى العِشاءَ والصُّبحَ بوضوءِ
أَرْبَعِينَ سَنةً (٤) .
وعن محمَّدٍ بنِ عبدِ الله الخزاعيِّ قالَ: صلَّى عبدُ الواحِد بنُ زَيد الصُّبحَ بوضوءِ
العَتْمَةِ أَرْبَعِينَ سَنةً(٥) .
وقالَ ابنُ أبي الدُّنيا : حذَّثني مَنْ سَمِعَ عَمرَو بنَ عَوْن يقولُ : مَكثَ هُشَيم بنُ بَشير
يُصلِّي الفَجرَ بوُضوءِ العِشاءِ قَبَلَ أنْ يَموتَ عِشرينَ سَنةً (٦) .
وعن عاصمِ بنِ عليٍّ قال : كنتُ أنا ويزيدُ بنُ هارون عند قَيس ابنِ الرَّبيع ، فأمَّا
يزيدُ فكان إذا صَلَّى العَتَمَةَ، لا يزالُ قائماً حتى يُصَلِي الغَدَاةَ بذلك الوُضوء ، نَّهَاً
وأربعين سنة(٧) .
وقالَ مُوسَى بنُ طَريف : كانت الجارِيَةُ تَفَرِشُ لعَليٍّ بنِ بَكَّار، فيَلمَسُه بِيَدِه ،
انظر السير: ( أبو عُبَيد) ٤٩٠/١٠-٥٠٩، وانظر النزهة: ٢/٨٨٧.
(١)
(٢)
انظر السير: ( أحمد بن حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٥/٩٢٩.
(٣)
انظر السير: ( ابنُ عَطاء) ١٤/ ٢٥٥ -٢٥٦، وانظر النزهة : ٣/١١٤٩ .
انظر السير: ( أبو حَنِيفَة) ٣٩٠/٦-٤٠٤، وانظر النزهة: ٦/٦٦٢.
(٤)
انظر السير: (عبد الواحد بن زَيد) ١٧٨/٧ - ١٨٠، وانظر النزهة: ٦٩١ /٦.
(٥)
(٦) انظر السير: (هُشَيم) ٢٨٧/٨ -٢٩٤، وانظر النزهة: ٢/٧٥٩.
(٧) انظر السير: (يزيد بن هارون) ٣٥٨/٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ٣/٨٢٩.
٤٨

ويَقولُ : واللهِ إنَّكَ لبَارِدٌ، واللهِ لاعَلَوْتُك اللَّيْلَةَ، وكانَ يُصلِّي الفَجرَ بُوُضُوءِ العَتمَة .
ماتَ سَنَةَ سَبْعٍ ومئتين(١) .
ومرَّ أحمَدُ بنُ حَرْب بصِبيانٍ يَلعَبون ، فقالَ أحدُهم: أمْسِكُوا ، فإنَّ هذا أحمَدُ بنُ
حَرْب الذي لا يَنامُ اللَّيلَ ، فقَبَضَ علىْ لِحْيَتِهِ ، وقالَ : الصِّبْيانُ يَهابُونَك وأنتَ تَنَامُ ؟
فأحْيَى اللَّيلَ بعد ذلك حتَّى ماتَ(٢) .
وقالَ محمَّدُ بن يَحْيَى بِنِ مَنْدَةٍ: لَمْ يُحدِّثْ بِبَلِدِنا مُنذُ أرْبَعِينَ سَنةً أَوْثَقُ من أحمدَ بنِ
مَهْدي، صَنَّفَ (( الْمُسْنَد)) ولَمْ يُعرَفْ له فِراشٌ مُنذُ أَرْبَعِينَ سَنةً ، صاحِبُ عِبادَةٍ
رَحِمَه الله(٣) .
وعن عبدِ الله بنِ إِسْحَاقَ بنِ الثَّان، أنَّ عَبْدوسَ أقامَ أَرْبَعَ عَشرَةَ سَنةً يُصلِّي الصُّبحَ
بوُضوءِ العِشاءِ ، وكانَ على غايَة من التَّواضُع .
وقد فرَّقَ مئةَ دِينارٍ من غلَّةٍ ضَيْعَتِهِ في القَحْط (٤).
(١) انظر السير: (عليٌّ بنُ بكَّار) ٩/ ٥٨٤_٥٨٥، وانظر النزهة: ٥/٨٤١.
(٢)
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَرْب) ١١/ ٣٢ _٣٥، وانظر النزهة : ١/٩٠٦.
(٣) انظر السير: (أحمَدُ بنُ مَهْدي) ١٢/ ٥٩٧-٥٩٨، وانظر النزهة: ١/١٠٣٨.
(٤) انظر السير: (ابن عَبْدوس) ١٣/ ٦٣ - ٦٤، وانظر النزهة: ٢/١٠٥١.
٤٩

(١٠) وَصَايا الصَّالِحِين
١ - وَصِيَّةٌ مِن وَصَايا سَيِّد الخَلْقِ مُحمَّد صلى الله عليه وسلم :
عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قالَ: أوْصَاني خَليلي صلى الله عليه وسلم بسَبعِ ((أمَرَنِي
بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُؤْ مِنْهُم، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَأَنْ لا أَسَّأْلَ أَحَداً
شَيْئاً ، وَأَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرَّاً، وَأَلَّ أَخَافَ فِي اللهِ
لَوْمَةَ لائِمٍ ، وَأَنْ أكثِرَ مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كِنْزِ تَحْتَ
الْعَرْشِ ))(١) .
٢-مِنْ وَصَایا الصَّالحین :
عن أبي قِلَابَةَ وغَيرِهِ أنَّ فُلاناً مر به أصحابُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقالَ :
أوْصُوني ، فجعلوا يُوصُونَه ، وكانَ مُعَاذُ بنُ جَبَل في آخِرِ القَوْمِ ، فقالَ : أَوْصِنِي
يَرْحَمُك الله قالَ: قد أوْصُوكَ فَلَمْ يَأْلُوا ، وإنِّي سَأَجْمَعُ لك أمْرَك : اعْلَم أنَّه لا غِنَى بك
عن نَّصيبك من الدُّنيا، وأنتَ إلى نَصيبكَ إلى الآخِرَة أفْقَر، فابدأ بنَصيبكَ من الآخِرَةِ ،
فإِنَّه سَيُمُزُّ بك علىُ نَصيبك من الدُّنيا فيَنْتَظِمُه ، ثم يَزُولُ مَعكَ أَيْنَمَا زِلْتَ(٢).
وقالَ حريزُ بنُ عُثمانَ: حدَّثنا راشِدُ بنُ سَعد ، قالَ : جاءَ رجلٌ إلى أبي الدَّرْداءِ ،
فقال : أوْصِني قالَ: اذْكُرُ اللهَ في السَّرَّاءِ يَذْكرْكَ في الضَّرَّاء ، وإذا ذَكرْتَ الْمَوْتَى،
فَاجْعَلْ نَفَسَكَ كأحَدِهم ، وإذا أَشْرَفَت نَفَسُك على شَيءٍ من الدُّنيا ، فانْظُرْ إلى
ما يَصيرُ(٣).
قالَ إسماعيلُ بنُ عيَّاش : أنبأنا عَقيلُ بن مُدْرك، يَرفَعُه إلى أبي سَعيد الخُذريِّ
قال : عَليكَ بتَقْوى الله فإنَّه رأسُ كلِّ شيء وعَليكَ بالجِهادِ فإنَّه رَهْبَانيَّةُ الإسْلام ،
(١) انظر السير: (أبو ذَرْ) ٤٦/٢-٧٨، وانظر النزهة: ١/٢٢٠.
(٢) انظر السير: (مُعاذُ بنُ جَبَل) ١/ ٤٤٣-٤٦١، وانظر النزهة: ٢/١٩٢.
(٣) انظر السير: ( أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢-٣٥٣، وانظر النزهة: ٦/٢٧٢.
٥٠

وعَليكَ بِذِكْر الله وتِلاوَة القُرآنِ ، فإنَّهِ رُوحُك في أهْلِ السَّماء وذِكْرُك في أهْلِ الأرْض ،
وعَليكَ بالصَّمْتِ إلاَّ فِي حَقِّ، فإنَّك تَغْلِبُ الشَّيْطان(١).، (٢).
وقيل لهَرِمِ بنِ حَيَّان العَبْدي : أَوْصٍِ ، قالَ : صَدَّقَتَنِي نَفَسِي ، ومَالي ما أُوصي
به ، ولكنْ أُوصِيكُم بِخَوَاتيمٍ سُورَةِ النَّحْلِ(٣) .
وعن الحَسَنِ، عن هَرِمٍ ، أنَّه قيلَ له : أوْصِنا فقالَ : أُوصِيكُم بِخَواتيمٍ سُورَة
البَقَرَة(٤) .
وعن عَلقَمَةَ أنه أوصىُ ، قال: إذا أنا حُضِرتُ فأجْلِسُوا عندي مَنْ يُلَقِّني: لا إلَهَ
إلاَّ الله، وأسْرِعُوا بي إلىُ حُفْرَتي، ولا تَنْعَوني إلى النَّاس، فإِنِّي أَخَافُ أنْ يَكونَ ذلك
نَعْياً كنَعْي الجاهليَّة ماتَ سَنةَ اثْنَتَينٍ وسِقِينَ(٥) .
وقالَ رَجلٌ لدَاوُدَ الطَّائي: أَوْصِني قالَ: اتَّقِ اللهَ، وبِزَّ وَالِدَيْكَ، وَيْحَك! صُم
الدُّنيا، واجْعَل فِطْرَكَ الْمَوْتَ، واجْتَنِب النَّاسَ غَيرَ تارِكٍ لِجَمَاعَتِهِم (٦).
ماتَ سَيْفُ الدَّوْلَة بالفَالِجِ ، وقِيلَ : بِعُسْرِ البَوْلِ ، سَنةَ سِتٍ وخَمسِين ، وكان قد
جَمَعَ من الغُبارِ الذي يَقَعُ عليه وقْتَ المصافات قدرَ الكَفِّ ، وأَوْصَى أن يُوضَعَ على
خَدِّه وكانت دولَتُه نَّماً وعِشْرين سَنةً(٧).
مَرِضَ قاضي الْمَرَسْتان أبو بَكر محمَّدُ بنُ عبد الباقي ، فأوْصَى أنْ يُعمَّقَ قَبَرُه زيادَةٌ
على العادَة، وأنْ يُكتَب علىْ قَبِهِ: ﴿ قُلْ هُوَ نَبْ عَظِيمٌ ﴿يَاأَتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾(٨) وبَقِيَ ثلاثَةَ
(١) فيه انقطاع بين عقيل بن مدرك وأبي سعيد.
(٢) انظر السير: (أبو سعيد الخُدْريّ) ١٦٨/٣ -١٧٢، وانظر النزهة: ٢/٣٦١.
(٣) انظر السير: (هَرِم بن حيَّان) ٤٨/٤ - ٥٠، وانظر النزهة: ٣/٤٤٠.
انظر السير: ( هَرِم بن حيَّان) ٤/ ٤٨ - ٥٠، وانظر النزهة: ٤٤٠ /٤.
(٤)
انظر السير: (عَلقَمَة) ٥٣/٤ - ٦١، وانظر النزهة: ٦/٤٤٤.
(٥)
(٦)
انظر السير: (داوُد الطَّائي) ٧/ ٤٢٢-٤٢٥، وانظر النزهة: ١/٧١٢.
(٧) انظر السير: (سيف الدولة) ١٨٧/١٦ -١٨٩، وانظر النزهة: ١/١٢٨٣.
(٨) سورة ص، الآيتان : ٦٧، ٦٨.
٥١

أيَّامٍ لا يَفْتُرُ من قِراءَةِ القُرآنِ ، إلى أنْ تُوفِّيَ سَنةً خَمسٍ وَثَلاثينَ وخَمسٍ مئة(١).
وقال أبو سَعد السَّمْعانيُّ: ولَمَّا عَزمتُ على الرِّحْلَة ، دخلتُ علىُ شَيخِنا يُوسُفَ بنِ
أيُّوبَ مُؤَدِّعاً، فصَؤَّبَ عَزْمي ، وقالَ : أُوصيكَ: لا تَدخُلْ على السَّلاطينِ ، وأبْصِرْ
ما تَأْكُلُ لا يَكُونُ حَراماً(٢) .
ومن وَصايا الْمُوَفَّق، قالَ : يَنبَغي أنْ تَكونَ سِيرَتُك سِيرَةَ الصَّدْرِ الأوَّل، فاقْرأ
السِّيرَةَ النَّبَويَّة، وتَتَبَّعْ أَفْعالَه، واقْتَفِ آثارَه، وتَشبَّه به ما أمْكَنكَ مَنْ لَمْ يَحْتِمِلْ أَلَمَ
التَّعلُّم لَمْ يَذُقْ لَذَّةَ العِلمِ ، ومَنْ لَمْ يَكْدَحْ لَمْ يُفْلِحْ إذا خَلَوتَ من التَّعلُّم والتَّفكّر فحَرِّكْ
لِسانَكَ بالذِّكْرِ وخاصَّةً عند النَّومِ، وإذا حَدثَ لك فَرحٌ بالدُّنيا فاذْكُر الْمَوتَ وسُرعَةً
الزَّوالِ وكَثْرَةَ الْمُنَغِّصات إذا حَزَبَكَ أمرٌ فاسْتَرجِعْ ، وإذا اعْتَرتْكَ غَفَلَة فاسْتَغْفِر واعْلِمْ أنَّ
للدِّين عَبقَة وعرقاً ينادي على صاحِبِه ونُوراً وَضيئاً يُشرِفُ عليه ويَدُّ عليه ، يا مُحْيِي
القُلوب الْمَيَّة بالإيمان خُذْ بأيدينا من مهْواة الهَلكَة وطَهِّرْنا من دَرَن الدُّنيا بالإخلاصِ
لك. وله مُصنَّفَات كثيرةٌ .
حَضرَتْه الْمَنِيَّةُ بِبَغْدَادَ فِي سَنةٍ تِسْعِ وعِشْرِينَ وسِتٍّ مِئة (٣).
(١) انظر السير: (قاضي الْمَرَسْتان) ٢٣/٢٠-٢٨، وانظر النزهة: ٤/١٥٢٣.
انظر السير: ( يُوسُف بن أيُّوب) ٦٦/٢٠-٦٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٣١.
(٢)
(٣) انظر السير: (الْمُوَفَّق) ٣٢٠/٢٢ -٣٢٣، وانظر النزهة: ٢/١٦٩٣.
٥٢

صِفَاتٌ قَلبِيَّة عَزِيزَةٌ يَتَّصِفُ بها الصَّالحون
الإخلاص
١-اختبار الإخلاص :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ أُمِّ كَلْثومَ بنتِ عُقْبَة بنِ أبي مُعَيْط : أسْلمَت بمَكة ،
وبايَعَت ، ولَمْ يَتهيّأ لها هِجْرَةٍ إِلى سَنةِ سَبعٍ وكان خُروجُها زَمنَ صُلحِ الحُدَيْبِيَة ، فخَرجَ
في إثْرِها أخَواها : الوَليدُ وعُمارَة فما زالاً حتَّى قَدِما المدينَةَ ، فقالا : يا مُحمَّد ، فِ
لَنَا بِشَرْطِنا ، فقالَت : أتَرُدُّني يا رسُولَ الله إلى الكُفَّارِ يَفْتِنوني عن ديني ولا صَبرَ لي ،
وحَالُ النِّساءِ في الضَّعْفِ ما قد عَلِمتَ؟ فَأَنْزِلَ اللهُ تعالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا جََّكُمُ
الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِزَةٍ فَأَمْتَحِنُهُنَّ﴾(١) .
فكانَ يَقولُ: («اللهُ مَا أَخْرَ جَكنَّ إلاَّ حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ والإسْلامِ! مَا خَرَجْتُنَّ لِزَوْجٍ
وَلا مَالٍ؟ )) فإذا قُلنَ ذلكَ، لَمْ يَرْجِعُهُنَّ إلى الكُفَّارَ(٢).
٢ - مَا لا يُرادُ به وَجْهُ الله يَضْمَحِلٌ :
عن الرَّبِيعِ بنِ خُثَيِم قالَ : كلُّ ما لا يُرادُ به وَجهُ الله يَضْمَحِلُ(٣).
٣- سُؤالُ الله الإِخْلاصَ وتَجِئُّب الرِّياء :
وعن عليٍّ بنِ الحُسَين قال: فَقْدُ الأحِبَّةِ غُربة وكان يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك أنْ
تُحَسِّنَ فِي لَوَائح (٤) العُيونِ عَلَانِيَتَي وتُقَبِّحَ فِي خَفِيَّاتِ العُيونِ سَرِيرَتِي اللَّهُمَّ كما أسأتُ
وأحْسَنتَ إليَّ، فإذا عُدتُ فعُدْ عليّ(٥).
(١) سورة الممتحنة، الآيتان: ١٠، ١١.
(٢) انظر السير: (أُمُّ كلثوم) ٢٧٦/٢ -٢٧٧، وانظر النزهة: ٦/٢٥٧ .
(٣) انظر السير: (الرَّبيع بن خُثَيم) ٢٥٨/٤ -٢٦٢، وانظر النزهة : ٣/٤٩٣.
(٤)
لوائح الشيء : ما يبدو منه وتظهر علامته عليه .
(٥) انظر السير: (علي بن الحسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة: ٦/٥١٩.
٥٣

٤- الحَثُّ على الاهْتِمام بالسَّرائر :
عن الأحْنَفِ بنِ قَيْس قالَ : رَأْسُ الأدَبِ آلَهُ الْمَنْطِقِ ، لا خَيرَ في قَولٍ بلا فِعلٍ ،
ولا في مَنْظَرٍ بلا مَخْبَر ، ولا في مَالٍ بلا جُودٍ ، ولا في صَديقٍ بلا وَفاءٍ ، ولا في فِقْهِ
بِلا وَرَعٍ ، ولا في صَدَقةٍ إلا بنيَّة ، ولا في حَياةٍ إِلاَّ بصِحَّةٍ وأمْنٍ (١).
وعن مُنذِر الثَّوريِّ، قال : كانَ الرَّبيعُ بنُ خُثَيِم إذا أتاهُ الرجلُ يَسْألُه قال: اتَّقُّ اللهَ
فيما عَلمْتَ ، وما استُؤْثِرَ به عليكَ، فكِلْهُ إِلى عَالِمِه ، لأنا عليكم في العَمْد أخْوَفُ
مِنِّي عَليكم في الخَطَأ ، وما خَيُِّكُم اليومَ بِخَيِّرٍ ، ولكنَّه خَيرٌ من آخَرِ شَرِّ منه ،
وما تَتَبِعونَ الخَيرَ حَقَّ اتِّبَاعِه، وما تَفَرُّونَ من الشَّرِّ حَقَّ فِرارِهِ ، ولا كلَّ ما أنزلَ اللهُ على
محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أدْرَكتُم ، ولا كلَّ ما تَقْرِؤون تَدْرونَ ما هو ، ثم يقولُ :
السَّرائرَ السَّرائرَ اللاتي يَخْفَيْنَ من النَّاسِ وهُنَّ للهِ بَوادٍ ، التَمِسوا دَواءَهُنَّ وما دَواؤُهُنَّ إلاَّ
أنْ يَتوبَ ثمَّ لا يَعود (٢).
٥- النّةُ الحَسَنَة :
( أ) رُؤيا في فائدَتِها :
حَكَى القُشَيْرِيُّ أنَّ عَمرو بنَ اللَّيْثِ رُئِي ، فقيلَ: ما فَعَلَ اللهُ بك ؟ قالَ : أشْرَفْتُ
يوماً من جَبلٍ على جُيوشي ، فأعْجَبَتْني كَثْرَتُهم، فَتَمَنَّيتُ أنَّنِي كُنتُ حَضرْتُ مع
رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَصَرتُه وأعَنْتُه، فشَكرَ اللهُ لِي، وغَفَرَ لي (٣).
(ب) وُجُوبُ إِخْلاص النَّيّة :
عن مُجاهد ، قال : طَلبنا هذا العلمَ وما لنا فيه نِيَّة، ثم رَزَقَ اللهُ النيّةَ بعد (٤).
وقال عَونُ بنُ عمارَة : سَمعتُ هشاماً الدَّستُوائيَّ يقولُ : والله ما أستطيعُ أنْ أَقُولَ
(١) انظر السير: (الأحْتَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٧/٤٥٢.
(٢) انظر السير: (الرَّبيع بن خُثَيم) ٤/ ٢٥٨ -٢٦٢، وانظر النزهة: ٥/٤٩٢.
(٣) انظر السير: (عَمرو بن اللَّيْث الصَّفّار) ٥١٦/١٢-٥١٧، وانظر النزهة: ١/١٠٢٨.
(٤) انظر السير: ( مُجاهد بن جَبر) ٤٤٩/٤ -٤٥٧، وانظر النزهة: ٥/٥٣٠.
٥٤

إنِّي ذهبتُ يوماً قَطُّ أطلبُ الحَديثَ أريدُ به وجْهَ الله عزَّ وجلَّ (١).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: والله ولا أنا ، فقد كان السَّلفُ يَطلبونَ العلمَ الله فنَبَلُوا
وصاروا أئمّة يُقْتَدَى بهم، وطلَبَه قومٌ منهم أولاً لا لله، وحصَّلوه ، ثم اسْتَفاقوا ،
وحاسَبوا أنفسَهم، فَجَرَّهم العلمُ إلى الإخلاصِ في أثناء الطَّريق ، كما قال مُجاهدٌ
وغَيْرُه : طَلَبنا هذا العلمَ وما لنا فيه كَبِيرُ نيّة ثم رَزَقَ اللهُ النِيَّةَ بعدُ ، وبعضُهم يقولُ:
طَلَبنا هذا العلمَ لَغَير الله فأبَى أنْ يكونَ إلاَّ لله فهذا أيضاً حَسنٌ ثم نَشَروه بنيّةِ
صالحَة(٢) .
وقالَ رَجلٌ لأبي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزي : ما نِمتُ البارِحَةَ من شَوْقِي إلى الْمَجْلِس ،
قالَ : لأنَّك تُرِيدُ الفُرِجَةَ ، وإنَّما يَنْبَغِي اللَّيلةَ أنْ لا تَنَامَ(٣).
(ج ) عَاقِبَةُ سُوء النِّيّة :
قالَ إسْحَاقُ بنُ الطَّاعِ: سَمعتُ حَمَّادَ بنَ سَلمةَ يقولُ: مَنْ طَلبَ الحَديثَ لَغَيرِ الله
تَعالَىْ مُكِرَ به(٤) .
وقالَ عبدُ الله بنُ الْمُبَارَك: رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُكَثِّرُه النِّيّةُ، ورُبَّ عَمَلٍ كَثِيرٍ تُصَغِّرُه
النَّةُ(٥).
(د) تَمِنِّي صَفاء النَّة:
عن أبي يَزِيدَ البَسْطامي قالَ : لَوْ صَفالي تَهْليلَةٌ ما بالَيتُ بعدَها .
تُوفِّيَ أبو يَزِيد بِبَسْطَامَ سَنةَ إِحْدَى وسِتِّينَ ومِئْتَين(٦) .
انظر السير: (هِشَام الدَّسْتُوائي) ٧/ ١٤٩ -١٥٦، وانظر النزهة : ٥/٦٨٧.
(١)
(٢)
انظر السير: (هِشَام الدَّسْتُوائي) ١٤٩/٧ -١٥٦، وانظر النزهة: ٦/٦٨٧.
انظر السير: ( أبو الفرج ابن الجَوْزي) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٦/١٦٣٣.
(٣)
انظر السير: ( حمَّاد بن سَلمَة) ٧/ ٤٤٤-٤٥٦، وانظر النزهة: ٧/٧١٥.
(٤)
(٥) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة: ١/٧٦٩.
(٦) انظر السير: (أبو يَزيد البَسْطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ٦/١٠٥٥.
٥٥

التَّقْوَى
١ - تَعْرِيفُها :
عن بَكْرِ الْمُزَنِيِّ ، قالَ : لَمَّا كانت فِتْنَةُ ابنِ الأشْعَث قالَ طَلْقُ بنُ حَبيب : اتَّقَوها
بالتَّقْوَى فقيل له : صِفْ لنا التَّقْوَى فقالَ : العملُ بطَاعَة الله، على نُور من الله رَجاءَ
ثَوابِ الله ، وتَركُ مَعاصي الله على نور من الله ، مَخافَةَ عَذابِ الله .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: أبدَعَ وأَوْجَزَ ، فلا تَقْوَى إلاَّ بعَمَل، ولا عَملَ إلاَّ بتَرَوِّ
من العِلم والاتِّباع ، ولا يَنفَعُ ذلك إلاَّ بالإخلاصِ لله لا ليُقالَ فُلانٌ تارِكٌ للمَعاصي بنُورِ
الفِقْه ، إذ الْمَعَاصي يَفْتَقرُ اجتنابُها إلى مَعرِفَتها، ويكونُ الثَّركُ خَوْفاً من الله، لا ليُمدَحَ
بتَركِها، فمَنْ دَاوَم على هذه الوَصَّة فقَد فازَ(١).
٢- مَتَى يُعَدُّ الإنْسَانُ تَقِيَّاً:
عن مَيْمونِ بنِ مِهْرانَ قالَ : لا يَكونُ الرَّجُلُ تَقَيّاً حتَّى يَكونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحاسَبةً من
الشَّريكِ لِشَرِيكِه، وحتّى يَعلمَ مِنْ أينَ مَلْبَسُه ومَطَعَمُه ومَشرَبُه(٢) .
التَّوَكل
١ - تَعْرِيفٌ للتَّوَكل :
قال محمد بن يحيى الذُّهلي: سألت الخُرَيْبِيَّ عن التَّوَكل، فقالَ : أَرَى التَّوَكلَ
حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ(٣).
٢ - لَيسَ النَّاسُ فِي التَّوَكل سَواء :
سُئلَ ابنُ راهَوَيه : أيَدْخُلُ الرجلُ المَفازَةَ بغَيرِ زادٍ ؟ قالَ : إنْ كانَ مثلَ عبدِ اللهِ بنِ
مُنِيرٍ ، فنعَم .
(١) انظر السير: (طَلْق بن حَبيب) ٦٠١/٤ -٦٠٣، وانظر النزهة : ٩/٥٦٦.
(٢) انظر السير: (مَيْمون بن مهران) ٧١/٥-٧٨، وانظر النزهة: ٥/٥٨١.
(٣) انظر السير: ( الخُرَيبيّ) ٣٤٦/٩ -٣٥٢، وانظر النزهة: ٤/٨٢٧.
٥٦

وقيلَ : كانَ ابنُ مُنِيرٍ يُعَدُّ من الأَبْدالِ(١) .
٣- فَضْلُ التَّوَكل :
عن سعيدِ بنِ جُبَير قال: التَّوَكُلُ على الله جِماعُ الإيمان وكان يَدعُو : اللَّهُمَّ إِنِّي
أسْألُكَ صِدقَ التَّوَكُلِ عَليكَ وحُسنَ الظَّنِ بك(٢).
٤ - الدُّعَاء بصِدْق التَّوَكل :
عن سعيدِ بنِ جُبَير قال : التَّوَكُّلُ على الله جِماعُ الإيمان وكان يَدعُو : اللَّهُمَّ إنِّي
أسْألُكَ صِدقَ التَّوَكُلِ عَليكَ وحُسنَ الظَّنِ بك(٣).
٥- صُورٌ على التَّوَكل :
عن يَعقوبَ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ القَارِّي ، عن أبيه : سَمعتُ عَونَ بنَ عبدِ الله يقولُ :
ما رَأيتُ أحداً أعْلمَ بتَأويلِ القُرآن من القُرَظيِّ، وقيلَ : كانَ له أمْلاكٌ بالمدينة ،
وحَصَّلَ مالاً مَرَّة، فقيلَ له : ادَّخِرْ لوَلَدِك، قالَ: لا ، لَكِنْ أَذَّخِرُه لَنَفسِي عندَ رَبِّي ،
وأذَّخِرُ رَبِّي لِوَلَدِي، وقيلَ: إِنَّه كانَ مُجابَ الدَّعْوَة، كَبِيرَ القَدرِ (٤) .
٦ - قَوَاعد في التَّوَكل :
قيلَ لحاتِم الأصَمِّ : على ما بَنِيتَ أمْرَكَ في التَّوَكلِ؟ قالَ : علىْ خِصَالٍ أَرْبَعة :
عَلمتُ أنَّ رِزْقِي لا يَأْكُلُه غَيرِي ، فاطْمَأنَّتْ به نَفَسي، وعَلمتُ أنَّ عَمَلي لا يَعمَلُه
غَيري، فأنا مَشْغولٌ به ، وعَلمتُ أنَّ الْمَوتَ يأتي بَغْتَةً، فأنا أُبَادِرُه وعَلمتُ أَنِّي
لا أخْلو من عَين الله، فأنا مُسْتَحي منه(٥).
(١) انظر السير: (عبد الله بن مُنير) ٣١٦/١٢-٣١٧، وانظر النزهة: ٢/١٠٠٥.
(٢)
انظر السير: ( سعيد بن جبير) ٤/ ٣٢١ - ٣٤٣، وانظر النزهة : ٦/٥٠٥.
(٣) انظر السير: (سعيد بن جبير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٦/٥٠٥.
انظر السير: ( القُرَظيّ) ٦٥/٥-٦٨، وانظر النزهة: ٣/٥٨١.
(٤)
(٥) انظر السير: ( حاتِم الأصَمّ) ٤٨٤/١١ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٢/٩٦٠.
٥٧

٧- الاسْتِخَارَةُ نَوْعٌ من التَّوَكل :
قال أبو عُثْمان سَعيدُ بنُ إسْماعيلَ الحِيري: حدَّثَنَا ابنُ خُزَيْمَة قال : كنتُ إذا أردتُ
أن أُصَنِّفَ الشَّيءَ أدخلُ في الصَّلاة مُسْتَخيراً حتى يُفتَح لي، ثم أبْتَدىءُ التَّصْنيف ، ثم
قال أبو عُثمان : إنَّ اللهَ ليَدفَعُ البلاءَ عن أهلِ المَدينة لمَكان أبي بكر محمّد بنِ إسْحاق -
يَعْني ابنَ خُزَيْمَةٍ(١).
الخَوْفُ والخَشْيَةُ والرَّجَاء
١ - تَعْرِيفُ الخَشْبة :
عن سَعيدٍ بنِ جُبَير ، قالَ: إِنَّ الخَشْيَةَ أنْ تَخْشَى اللهَ حتّى تَحُولَ خَشِيتُكَ بَيْنَك وبَيْنَ
مَعصيَتِك ، فتلكَ الخَشِيَةُ ، والذِّكْرُ طَاعَةُ اللهِ، فمَنْ أطاعَ اللهَ ، فقد ذَكرَه ، ومَنْ لَمْ
يُطِعْهُ فَلَيْسَ بِذَاكِرِ وإِنْ أَكْثَرَ التَّسْبِيحَ وتِلاوَة القُرآن(٢).
٢- الجَمْعُ بين الخَوْفِ والرَّجَاء:
قالَ مُعاويَةُ بنُ عبدِ الكَريم الثَّقَفي ، سَمعتُ بَكرَ بنَ عبدِ الله يَقولُ يَومَ الجُمُعَة :
لَوْ قيل لي: خُذْ بَيَدِ خَيرِ أهْلِ الْمَسجِدِ ، لقُلتُ : دُلُوني على أنْصَحِهم لعامَّتِهم ،
فإذا قيلَ: هذا ، أخَذتُ بيَدِهِ ، ولَوْ قيلَ لي : خُذْ بِيَدِ شَرِّهم، لقُلتُ : دُلُّوني على
أغَشِّهم لعامَّتِهم ، ولَوْ أنَّ مُنادياً نادَى من السَّماءِ: إنَّه لا يَدخُلُ الجنَّة منكُم إلاَّ رَجلٌ
واحِدٌ ، لكانَ يَنبَغي لكُلِّ إِنْسانٍ أنْ يَلْتَمِسَ أنْ يَكونَ هُوَ، ولَوْ أنَّ مُنادياً نادَى : إنَّه
لا يَدخُلُ النَّارَ منكُم إلاَّ رَجلٌ واحِدٌ لكانَ يَنبَغِي لَكُلِّ إِنْسانٍ أنْ يَفْرَقَ أنْ يَكونَ ذلك
الوَاحِد(٣).
(١) انظر السير: (ابن خُزَيْمَة) ١٤ / ٣٦٥-٣٨٢، وانظر النزهة: ٢/١١٦٠.
(٢) انظر السير: (سَعيدُ بنُ جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٨/٥٠٥.
(٣) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤-٥٣٦، وانظر النزهة: ٢/٥٥١.
٥٨

٣- شِعْرٌ في الرَّجَاء:
قال ابنُ الفَرَضي(١):
أَسِيرُ الخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفٌ
يَخَافُ ذُنُوباً لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُهَا
وَمَنْ ذَا الَّذِي يَرْجُو سِوَاكَ وَيَتَّقِي
فَيَا سَيِّدِي لاَ تُخْزِنِي فِي صَحِيفَتِي
ومن شِعْرِ الدَّاوُوديّ(٢):
رَبِّ تَقَبَّلْ عَمَلِي
أَصْلِحْ أُمْورِي كُلَّهَا
عَلَى وَجَلٍ مِمَّا بِهِ أَنْتَ عَارِفُ
وَيَرْجُوكَ فِيهَا فَهُوَ رَاجٍ وَخَائِفُ
وَمَالَكَ فِي فَصْلِ القَضَاءِ مُخَالِفُ
إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الحِسَابِ الصَّحَائِفُ
وَلا تُخَيِّبْ أَمَلِي
قَبْلَ حُلُولِ الأَجَلِ
٤ - الخَوْفُ من الله تَعالَىُ لا مِنْ غَيرِهِ :
قالَ سَرِيُ بنُ الْمُغَلِّس: سَمعتُ الفُضَيلَ يَقولُ: مَنْ خَافَ اللهَ لَمْ يَضرَه أحَدٌ ، ومَنْ
خَافَ غَيرَ اللهِ لَمْ يَنفَعْه أحَدٌ (٣) .
٥- الخَشْيَةُ تُعينُ على الطَّاعَة :
عن عُبَيْدِ الله بنِ أبي جَعْفَر قالَ : كانَ يُقالُ: ما اسْتَعانَ عبدٌ عَلىَ دِينِهِ ، بمِثلِ
الخَشْيَة من الله (٤).
٦ - لماذا يَقِلُّ الخَوْفُ من الله :
عن ابنِ أبي حاتم : قالَ لي عَليُّ بنُ عبدِ الرَّحمَن : قالَ لي أحمَدُ ابنُ عاصِم
(١) انظر السير: (ابنُ الفَرَضيّ) ١٧٧/١٧ - ١٨٠، وانظر النزهة: ١/١٣٣٤.
(٢) انظر السير: (الدَّاوُوديّ) ٢٢٢/١٨-٢٢٦، وانظر النزهة: ٤/١٤٠٦
(٣) انظر السير: (الفَضَيلُ بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة : ٥/٧٧٣.
(٤) انظر السير: (عُبَيْدُ الله بن أبي جَعْفَر) ٨/٦-١٠، وانظر النزهة: ٢/٦٢٥.
٥٩

الأَنْطَاكيُ : قِلَّةُ الخَوفِ من قِلَّةِ الْحُزْنِ في القَلبِ، كمَا أنَّ البَيتَ إذا لَمْ يُسكَنْ
خَرِبَ(١) .
٧- البُكاءُ من خَشْيَة الله :
قالَ الْمُطَّلِبُ بنُ زِياد : عن عبدِ الله بنِ عِيسَى : كانَ في وَجْهِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ
خَطَّانِ أَسْوَدانٍ من البُكاءِ(٢) .
عن عبدِ الله بن عُبيد بن عُمَير، عن أبيه: أنه تلا: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم
بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾(٣) فجعل ابن عمر يبكي حتى لَثِقَت لحْيَتُهُ وجَيبُهُ
من دموعه ، فأراد رجل أن يقول لأبي : أقْصِرْ ، فقد آذيتَ الشيخ (٤)، (٥) .
وعن نافع: كان ابنُ عُمرَ إذا قرأ: ﴿﴿ أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقِّ﴾(٦) بكَى حَتَّى يَغلبه البكاء(٧) .
ورَوَى خالدُ بنُ مَعْدان: عن كَعْب الأحْبَارِ ، قالَ : لأنْ أبْكي من خَشيَةِ أحَبُّ إليَّ
من أنْ أَتَصدَّق بوَزْنِي ذَهَباً .
تُوقِّيَ كَعبٌ بحمْصَ ذاهباً للغَزْوِ في أوَاخِرٍ خِلافَة عُثمانَ رضي الله عنه ، فلقَدْ كانَ
من أوْعِيَةِ العِلْم(٨).
(١) انظر السير: (الأَنْطاكيّ) ٤٠٩/١١ -٤١٠، وانظر النزهة: ٣/٩٥٥.
(٢) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٤٩.
(٣) سورة النساء، الآية : ٤١ .
(٤) أخرجه ابنُ سَعد (١٦٢/٤) من طريق موسَى بن مسعود بهذا الإسْناد ، وموسَى بن مسعود: هو
أبوٍ حُذَيفَة النَّهْدي - سَيءُ الحفظ، وباقي السند رجاله ثقات، وقوله: (( حتّى لثقت لحيتُه)) أي:
ابتلَّت ، يُقالُ : لثقَ الطائرُ ، إذا ابتلَّ ريشُه .
انظر السير: (عبدُ الله بنُ عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٥/٣٦٧.
(٥)
(٦)
سورة الحديد ، الآية : ١٦ .
انظر السير: (عبدُ الله بنُ عُمَر) ٢٠٣/٣ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٦/٣٦٧.
(٧)
(٨) انظر السير: (كعب الأحْبَار) ٤٨٩/٣- ٤٩٤، وانظر النزهة: ٢/٤١٤.
٦٠