النص المفهرس

صفحات 21-40

(ب ) تَذْلِيلُ النَّفْسِ ومُجَاهَدَتُها :
١ - خِلافُ هَوَى النَّفْسِ عَمَلٌ عَظيم :
عن أبي سُلَيمانَ الدَّاراني قالَ: أفضَلُ الأعْمالِ خِلافُ هَوَى النَّفْسِ(١).
٢- صُوَرٌ من مُجَاهَدة النَّفْس:
عن ابنِ الْمُنْكَدِرِ قالَ : كابَدتُ نَفَسي أرْبَعين سَنةً حتَّى اسْتَقَامَت(٢).
٣- مَنْ كان مَشْهُوراً بِتَذْليلِ نَفْسِه ومُجَاهَدَتِها :
قالَ الشُّلميُّ : كانَ يُوسُفُ بنُ الحُسَين إمَامَ وَقِتِهِ ، لَمْ يَكُنْ فِي الْمَشَابِخِ أحَدٌ على
طَريقَتِهِ في تَذليلِ النَّفْسِ وإسْقاطِ الجَاهِ(٣).
٤- الإِزْراءُ على النَّفْسِ طَرِيقَةٌ - أحياناً - لتَذْليلِها:
قال عُبَيْدُ الله بنُ عُمَر بنٍ حَفْص : إنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّب حَمَلَ قِرْبَةً علىْ عُنُقِه ، فِقِيلَ
له في ذلك فقالَ : إِنَّ نَفَسي أعْجَبَتَنِي فأرَدْتُ أنْ أُذِلَّها(٤) .
قالَ عبدُ الله بنُ بَكر بنِ عبدِ الله: سَمعتُ إنْسَاناً يُحدِّثُ عن أبي أنَّه كانَ وَاقِفاً
بِعَرَفَةِ ، فَرَقَّ فقالَ : لَوْلا أنِّي فيهم لقُلتُ : قد غُفِرَ لهم .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كَذلكَ يَنبغي للعَبدِ أنْ يُزري على نَفْسِه ويَهْضِمَها(٥).
وعن خالِدِ بنِ مَعْدان ، قال: لا يَفقَهُ الرجلُ كلَّ الفِقْه حتى يَرَى النَّاسَ في جَنبِ الله
أمثالَ الأباعِر ، ثم يَرجِعُ إلىْ نَفْسِه فيكونُ لها أحْقَرَ حاقِرٍ (٦) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ عَطاء السَّلِيميِّ، وقيلَ: كان إذا جاءَ بَرْقٌ وريحٌ ، قالَ : هذا منْ
(١) انظر السير: (أبو سُليمان الدَّاراني) ١٠/ ١٨٢ -١٨٦، وانظر النزهة: ٢/٨٦٥.
(٢) انظر السير: (محمّد بن الْمُنكَدِر) ٣٥٣/٥ -٣٦١، وانظر النزهة: ٨/٦٠٧.
انظر السير: ( يوسُف بن الحُسين ) ٢١٧/١٤، وانظر النزهة : ٦/١١٤٧.
(٣)
انظر السير: ( عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ١/٥٠.
(٤)
(٥) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٢/٥٥٠.
(٦) انظر السير: (خالد بن مَعْدان) ٥٣٦/٤-٥٤١، وانظر النزهة: ١/٥٥٢.
٢١

أجْلي يُصيبكم لَوْ مِثُّ اسْتَراحَ النَّاسُ ، ولِعَطاءَ حِكاياتٌ في الخَوْفِ وإزْرائه على نَفَسِهِ(١).
وقالَ ابنُ واسِع: لو كانَ للذُّنوبِ رِيحٌ ما جَلسَ إليَّ أَحَدٌّ(٢) .
وقيلَ له : كيف أصْبَحتَ ؟ قالَ: قَرِيباً أجَلي ، بَعيداً أمَلي، سَيِّاً عَملي (٣).
وعن عُتبة الغُلامِ قالَ : إنَّما أبكي على تَقْصيري(٤) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أحمدَ بنِ يَحْيَى الشَّيباني الْمَشهورِ بـ (( ثَعْلب)):
وكانَ يُزْرِي على نَفَسِه ، ولا يَعُدُّ نَفَسَه(٥) .
وقيلَ في تَرَجَمَةِ اليُونيني : كانَ يقولُ الشَّيخِ الفَقيه تِلْمِيذِه : فيَّ وفيكَ نَزَلَتْ ﴿إِنَّ
كَثِيرًامِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾(٦).
تُوفِّيَ سنَةَ سبع عَشْرَة وستٍّ مئة، وهو صائمٌ، وقد جاوَزَ ثَمانينَ سَنةً ، رَحِمَه الله
تَعالَی(٧) .
٥ - شِعْرٌ في الإزْراءِ على النَّفْس:
أَنْشَدَ الإمَامُ الوَاعِظُ ابنُ البَلِّ (٨):
أَخَافَتْهُم مِنَ الْبَارِي ذُنُوبُ
يَتوبُ عَلَىْ يَدَيَّ قَومٌ عُصَاةٌ
جَنَىْ فَأَنَا علىُ يَدِ مَنْ أَتُوبُ
وقَلْبِي مُظْلِمٌ مِنْ طُولٍ مَا قَدْ
تُضِيءُ لَهُمْ وَيَحْرِقُهَا اللَّهِيبُ
كَأَنِّي شَمْعَةٌ مَا بَيْنَ قَوْم
وَجِسْمِي مِنْ مَلَاَبِسِهِ سَلِيبُ
كَأَنِّي مِخْيَطٌ يَكْسُو أُنَاساً
(١) انظر السير: (عَطاء السَّلِيميِّ) ٨٦/٦-٨٨، وانظر النزهة: ٦/٦٣٤.
(٢) انظر السير: (محمد بن واسع) ١١٩/٦ -١٢٣، وانظر النزهة: ٥/٦٣٨.
(٣)
انظر السير: (محمد بن واسع) ١١٩/٦ -١٢٣، وانظر النزهة: ٨/٦٣٨.
(٤)
انظر السير: ( عُثْبة الغُلام) ٧/ ٦٢ - ٦٣، وانظر النزهة: ١٠/٦٧٦.
انظر السير: ( ثَعْلب) ٥/١٤-٧، وانظر النزهة: ٢/١١٢١.
(٥)
سورة التوبة ، الآية : ٣٤ .
(٦)
انظر السير: ( اليُونيني) ٢٢/ ١٠١ -١٠٣، وانظر النزهة : ٤/١٦٦٩.
(٧)
(٨) انظر السير: (ابنُ البَلّ) ٧٥/٢٢ -٧٦، وانظر النزهة: ٣/١٦٦٦.
٢٢

(ج ) ذِكرُ الله سُبْحانَه وتَعالَى :
١ - فَائدَةُ الذِّكر :
عن أبي جَعْفَر البَاقِرِ قالَ : الصَّواعِقُ تُصيبُ الْمُؤمِنَ وغَيرَ الْمُومِنِ ، ولا تُصيبُ
الذَّاكِرَ(١).
٢- كيف يَتَعَوَّدُ الإنْسَانُ الذِّكر :
قال محمَّدُ بنُ أبي عَدي : أقْبلَ عَلينا دَاوُدُ بنُ أبي هِنْد فقالَ : يا فِتْيانُ أُخْبرُكم لَعلَّ
بَعضَكم أنْ يَنتَفعَ به كُنتُ وأنا غُلامٌ أخْتلِفُ إلى السُّوقِ فإذا انْقُلبتُ إلى البَيتِ ، جَعلتُ
على نَفَسي أنْ أَذْكُرَ اللهَ إلى مَكانٍ كَذا وكَذا ، فإذا بلغتُ إلى ذلكَ الْمَكانِ ، جَعلتُ على
نَفْسِي أنْ أَذْكُرَ اللهَ كَذَا وَكَذا حتى آتِيَ الْمَنْزِل (٢) .
٣- مَتى يُعَدُّ الإِنْسَانُ ذاكراً لله :
عن سَعيدٍ بنِ جُبير ، قالَ : إِنَّ الخَشْيَةَ أنْ تَخْشَى اللهَ حتّى تَحُولَ خَشِيتُكَ بَيْنَك وبَيْنَ
مَعصيَتِك ، فتلكَ الخَشِيَةُ ، والذِّكْرُ طَاعَةُ اللهِ، فمَنْ أطاعَ اللهَ ، فقد ذَكرَه ، ومَنْ لَمْ
يُطِعْه فَلَيْسَ بِذَاكِرِ وإِنْ أَكْثَرَ التَّسْبِيحَ وتِلاوَة القُرآن(٣).
٤- أقْوَالٌ جَميلَةٌ تَحُثُّ على الذِّكر :
رَوىْ مِسْعَر عن ابنِ عَوْن قال : ذِكرُ الناسِ دَاءٌ، وذِكرُ اللهِ دَواءٌ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : إي واللهِ ، فالعَجَبُ مِنَّا ومن جَهْلِنا كيفَ نَدَعُ الذَّواءَ ونَقْتَحمُ
الدَّاءَ؟! قالَ تَعَالَى: ﴿فَذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ﴾(٤)، وقالَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾(٥)،
وقالَ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَظْمَيِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَظْمَبِىُّ الْقُلُوبُ﴾(٦)، ولكن
(١) انظر السير: (أبو جَعْفَر الباقِر) ٤٠١/٤ -٤٠٩، وانظر النزهة: ٦/٥٢٣.
انظر السير: ( داوُد بن أبي هند) ٣٧٦/٦ -٣٧٩، وانظر النزهة : ١/٦٥٩.
(٢)
انظر السير: (سَعيدُ بنُ جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٨/٥٠٥.
(٣)
سورة البقرة ، الآية : ١٥٢ .
(٤)
سورة العنكبوت ، الاية : ٤٥ .
(٥)
(٦) سورة الرعد، الآية : ٢٨.
٢٣

لا يَتِهِيَّأ ذلك إلاَّ بتَوفيقِ الله ومَنْ أَدْمَنَ الدُّعاءَ ولازَمَ قَرْعَ البابِ فُتِحَ له .
وقد كانَ ابنُ عَوْن قد أُوتِيَ حِلْماً وعِلْماً ونَفْسُهُ زَكِيَّة تُعينُ على التَّقْوَى فطُوبَى له(١).
وقالَ عبدُ الله بنُ مُحمَّد الكَرْماني : دَخلتُ على محمّدٍ بنِ النَّصْرِ ، فقُلتُ : كأنَّكَ
تَكرَهُ مُجالَسَةَ النَّاسِ قالَ: أجَلْ، كَيفَ أسْتَوْحِشُ ، وهو يَقولُ: أنا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَني(٢)؟!
وقالَ إبراهيمُ بنُ عَلَيٍّ الْمُرَيْدِيُّ: سَمعتُ أبا حَمْزَةَ يَقولُ: مِن الْمُحَالِ أنْ تُحِبَّه ثم
لا تَذكُره، وأنْ تَذْكُرَه ثم لا يُوجِدكَ طَعمَ ذِكرِه ، ويُشْغِلكَ بِغَيرِه(٣).
٥- تَقْبِيدُ الذِّكرِ بعَدٍ مُعَيَّن :
عن ابنٍ حَلْيَس : قيلَ لأبي الدَّرْداءِ - وكانَ لا يَفتُرُ من الذِّكْرِ - كَمْ تُسَبِّح في كُلِّ يَومٍ ؟
قالَ : مِئةَ ألفٍ، إلاَّ أنْ تُخطىء الأصابعُ(٤).
وعن عِكْرِمَةَ: أنَّ أبا هُرَيْرَة رضي الله عنه كانَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَومِ اثْنَي عَشرَ ألفَ
تَسْبِيحَة ، يَقولُ : أُسَبِّحُ بِقَدرِ دِيَتي .
عن حُمَيدِ بنِ مالِكِ بنِ خُثَيِم، قالَ : كُنتُ جالساً عند أبي هُرَيْرَة في أرْضِه
بالعَقيقِ ، فأتاه قَومٌ، فَنَزَلوا عندَه قالَ حُمَيد : فقالَ: اذْهَبْ إلى أُمِّي، فقُلْ: إنَّ ابْنَك
يُقرِتُكِ السَّلامَ، ويَقولُ : أَطْعِمِينا شَيئاً قالَ : فَوَضَعَتِ ثَلاثَةَ أقْراصٍ في الصّحْفَة ،
وشَيئاً من زَيتٍ ومِلْحٍ ووَضَعَتْها علىْ رَأسي ، فحَمَلتُها إليهم .
فلمَّا وَضَعتُه بين أيديهم، كَبَّر أبو هُرَيْرَة، وقالَ : الحَمدُ لله الذي أشْبَعَنا من
الخُبِزِ ، بعدَ أنْ لَمْ يَكُنْ طَعامُنا إلَّ الأسْوَدَينِ : الثَّمرُ والماءُ .
فَلَمْ يُصِبِ القَومُ من الطَّعامِ شَيئاً، فَلَمَّا انْصَرَفوا قالَ: يا ابنَ أخي ، أحْسِنْ إلى
غَنَمِك، وامْسَحْ عنها الرُّعَام ، واطْلُبْ مُراحَها، وصَلِّ في ناحِيَتِها ، فإنَّها من دَوَابٌّ
(١) انظر السير: (عبد الله بن عون) ٦/ ٣٦٤ - ٣٧٥، وانظر النزهة: ٥/٦٥٧.
(٢)
انظر السير: ( محمّد بن النّضر) ١٧٥/٨ -١٧٦، وانظر النزهة : ٧٤١/ ٧.
انظر السير: ( أبو حَمْزَة البغداديّ) ١٦٥/١٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٢/١٠٦٧.
(٣)
(٤) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة: ٢/٢٧٢.
٢٤

الجَنَّ والذي نَفَسي بيَدِه ، يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ على النَّاسِ زَمانٌ تَكونُ الثُلَّةُ من الغَنَم أحبُّ
إلى صاحبها من دَارِ مَرْوانَ(١)، (٢).
٦ - ذِكرُ الملائكة لله :
عن هارُونَ بنِ رِئاب، قالَ : حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانيَة، يَتجاوَبُونَ بصَوتٍ رَخيمٍ
حَسَنٍ، يَقولُ أَرْبَعةٌ: سُبْحانَكَ وبحَمْدِكَ على حِلْمِكَ بعدَ عِلْمِك ويَقولُ الآخَرُونَ:
سُبْحانَكَ وبحَمْدِكَ علىُ عَفْوِكَ بعدَ قُدْرَتِك(٣).
٧ - حَالُ السَّلَفِ مع الذِّكر :
وقيل : كان أبو مسلم الخولاني يَرفعُ صَوتَه بالتّكْبِير حتى مع الصِّبيان ، ويقولُ :
اذْكُرِ اللّهَ حتىٌ يَرى الجاهلُ أنَكَ مَجْنون (٤) .
وقالَ قُرَّة: كان هِجِّيرى(٥) . الضَّخَاك إذا سَكتَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(٦).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ مَعْروف الكَرْخِي : وقَصَّ إنسانٌ شاربَ مَعْروف ،
فلم يَفْتُّر عن الذِّكْرِ ، فقال : كيفَ أقُصُّ ؟ قال: أنتَ تَعْمَلُ وأنا أعْمَلُ(٧).
وقالَ زَكريا بِنُ دَلَّوَيْهِ : كانَ أحمدُ بنُ حَرْب إذا جَلسَ بين يَدَي الحَجَّامِ لِيُحْفِيَ
شَارِبَه، يُسَبِّحُ، فَيَقولُ له الحَجَّامُ : اسْكُتْ سَاعَةِ، فِيَقولُ : اعْمَلْ أنتَ عَملَك،
ورُبَّما قَطْعَ من شَفَتِهِ ، وهو لا يَعلَم(٨) .
وقالَ أبو القاسِم عبدُ الله بنُ عَليّ ، أخُو نِظام الْمُلك: كانَ أبو الحَسَنَ الدَّاوُودي
(١) الرُّعَام : مخاط رقيق يجري من أنوف الغنم، وأطبْ مراحها: نَظُفْه، والثُّلَّة: جماعة من الغَنم،
قليلة كانت أو كثيرة ، وقيل ، الثُّلَّة : الكثيرُ منها .
(٢) انظر السير: (أبو هُرَيْرَة) ٥٧٨/٢-٦٣٢، وانظر النزهة: ١/٣١٢.
انظر السير: ( هارون بن رئاب) ٢٦٣/٥ -٢٦٤، وانظر النزهة: ٣/٦٠٠.
(٣)
انظر السير: ( أبو مسلم الخولاني) ٤/ ٧ - ١٤، وانظر النزهة: ٣/٤٣١.
(٤)
الهجير والهجيرى : الدأبُ والعادة والديْدَن.
(٥)
انظر السير: ( الضّخَّاك بن مُزاحم) ٥٩٨/٤- ٦٠٠، وانظر النزهة : ٥/٥٦٦.
(٦)
(٧) انظر السير: ( مَعْروف الكَرْخِيّ) ٣٣٩/٩-٣٤٥، وانظر النزهة: ٥/٨٢٦.
(٨) انظر السير: ( أحمَد بن حَرْب) ٣٢/١١ _٣٥، وانظر النزهة: ٥/٩٠٥.
٢٥

لا تَسكُنُ شَفتُه من ذِكْر الله، فحُكِيَ أنَّ مُزَيِّناً أرادَ قَصَّ شَارِبِهِ ، فقالَ : سَكِّنْ شَفْتَيكَ ،
قالَ : قُلْ للزَّمانِ حتَّى يَسْكُن(١) .
٨- رُؤْيا تَحُثُّ على الذِّكر :
قالَ ابنُ السَّمَّاك : رَأيتُ مِسْعَراً في النَّومِ ، فَقُلتُ : أيُّ العَمَل وَجَدتَ أنْفَع ؟ قالَ :
ذِكْرُ الله ، تُوفِّيَ سَنةَ خَمسٍ وخَمسينَ ومِئة(٢).
(٨) من أسْباب مَوْت القَلْب
( أ) الذُّنُوب :
١ - ذُلُّ الذُّنُوب :
رُويَ عن سُلَيْمانَ الثَِّمِيّ قالَ : إِنَّ الرجُلَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فِيُصبحُ وعَليهِ مَذَلَتُّه .
تُوفِّيَ سُلَيمانُ الثَّيمِيُّ بالبَصْرَةِ سَنةَ ثَلاثٍ وأرْبَعين ومئة، ابنَ سَبْع وتسعينَ سَنةً(٣).
٢ - صُعُوبَة تَرْك الذُّنُوبِ لمَنْ لمْ يَعْتصِم بالله :
عن يَحْبَى بنِ مُعاذ، قالَ: مِسْكينٌ ابنُ آدَم، قَلعُ الأحْجَارِ أهْوَنُ عليه من تَركِ
الأوزارِ(٤) .
٣- مَنْ نَدُرَتْ ذُنُوبُه :
عن خارِجَةَ بنِ مُصْعَب قالَ : صَحبتُ ابنَ عَوْن أرْبَعاً وعِشْرينَ سَنةً ، فمَا أعلَمُ أنَّ
الْمَلائكةَ كَتَبَت عَليه خَطيئةً .
وعن سَلامِ بنِ أبي مُطيع قالَ: كانَ ابنُ عَوْن أمْلَكَهم لِلِسَانِهِ(٥).
(١) انظر السير: (الدَّاووديّ) ٢٢٢/١٨ -٢٢٦، وانظر النزهة: ٢/١٤٠٦.
(٢) انظر السير: (مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦٩٠.
(٣) انظر السير: (سُليمانَ بن طَرْخان) ١٩٥/٦-٢٠٢، وانظر النزهة: ١/٦٤٢.
(٤) انظر السير: (يَحْيَى بن مُعاذ) ١٥/١٣-١٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٧.
(٥) انظر السير: (عبد الله بن عَون) ٣٦٤/٦ -٣٧٥، وانظر النزهة: ٣/٦٥٦.
٢٦

٤- مَعرفَة الصَّالحين أنَّ سَبب البَلاء الذُّنوب :
عن مُحمَّد بنِ سِيرينَ قالَ : قُلتُ لِرَجُلٍ : يا مُفْلِسُ ، فعُوقِبتُ .
قالَ أبو سُليمان الدَّاراني ، ويَلَغَه هذا فقالَ: قَلَّتْ ذُنوبُ القَوْم فعَرَفوا من أيْنَ
أُتُوا ، وكَثُرَتْ ذُنوبُنا فَلَمْ نَدْرِ من أيْنَ نُؤْتَى(١) .
وقالَ الفِرْيابيُّ : سَمعتُ الأوْزاعيَّ وسُفيانَ الثَّورِيَّ يَقولان: لَمَّا أُلِقِيَ دَانيالُ في الجُبِّ
مع السِّباعِ ، قالَ : إِلَهي! بالعَارِ والخِزْي الذي أصَبْنَا سَلَّطْتَّ علينا مَنْ لا يَعرِفُك(٢).
ورُويَ عن وَكيع أنَّ رَجُلاً أغْلظَ له، فدَخلَ بَيْتاً ، فعَفَّرَ وَجْهَه ثم خَرِجَ إلى الرجُلِ ،
فقالَ: زِدْ وَكِيعاً بِذَنْبِه ، فَلَوْلاه ما سُلِّطْتَ عليه(٣).
وقال ابنُ فارس : سَمعتُ القَطَّانَ يَقولُ : أُصِبتُ ببَصري ، وأظنُّ أَنِّي عُوقِبتُ بِكَثرَةِ
كَلامِي أَيَّامَ الرَّحْلَّةِ (٤).
قال الذهبيُّ: صَدقَ والله، فقد كانوا مع حُسْنِ القَصْد، وصِحَّة النِّيّة - غالباً -
يَخافونَ من الكَلام ، وإظْهارِ المَعرِفَة والفَضِيلَة ، واليومَ يُكثرون الكَلامَ مع نَقْصٍ
العِلمٍ، وسُوءِ القَصْدِ، ثمَّ إنَّ اللهَ يَفضَحُهم ويَلُوحُ جَهلُهم وهَواهُم واضْطرابُهم فيما
عَلِمُوه فَتَسألُ اللهَ الثَّوفيقَ والإِخْلاصَ .
تُوفِّيَ هذا الإمامُ في سنةٍ خَمس وأربعينَ وثلاثٍ مئة (٥) .
( ب) المَعَاصِي :
١ - أقْسَامُ المَعَاصِي :
من كلامٍ مُحمَّدٍ بنِ نَصْر قالَ : لَمَّا كانت الْمَعاصي بَعضُها كفْراً وبَعضُها ليس بكفْر ،
فرَّقَ تَعالىُ بَيْنِها ، فجَعلَها ثَلاثَةَ أنْواعِ: فَنَوعٌ منها كفرٌ ، ونَوعٌ منها فُسُوقٌ ، ونَوعٌ منها
(١) انظر السير: (محمّد بن سيرين) ٦٠٦/٤-٦٢٢، وانظر النزهة: ٧/٥٦٩.
(٢)
انظر السير : ( سُفْيان الثَّوريّ) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٣/٦٩٩.
(٣)
انظر السير: ( وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/٨١١.
(٤) انظر السير: (القطان) ٤٦٣/١٥-٤٦٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٥٠.
(٥) انظر السير: (القَطَّان) ٤٦٣/١٥ -٤٦٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٠.
٢٧

عِصْيانٌ لَيسَ بكفرٍ ولا فُسُوقٍ ، وأخْبَرَ أنَّ كَرَّهَها كُلَّها إلى المؤمنينَ ، ولَمَّا كانت
الطَّاعاتُ كُلَّها داخِلةً في الإيمانِ ، وليس فيها شَيءٌ خارجٌ عنه ، لَمْ يُفرِّق بينها ، فما
قالَ: حَبَّبَ إليكم الإيمانَ والفَرائضَ وسَائرَ الطَّاعات، بل أجْمَلَ ذلك فقالَ: ﴿حَبَّبَ
إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ﴾(١) فدَخلَ فيه جَميعُ الطَّاعاتِ، لأنَّه قد حَبَّبَ إليهم الصَّلاةَ والزَّكَاةَ،
وسَائرَ الطَّاعات حُبَّ تَدَيّن، ويَكْرَهونَ الْمَعاصي كَراهيَّةً تَدَيُّن، ومنه قولُه صلى الله
عليه وسلم: (( مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيَّتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ))(٢).
٢ - التَّحْذيرُ من المَعَاصِي :
قالَ شُعَيبُ بنُ حَرْب : قالَ عُمَرُ بنُ ذَر: يا أهْلَ مَعاصي الله، لا تَغْتَرُوا بِطُولٍ
حِلمِ الله عَنكم ، واحْذَروا أسَفَه، فإنَّه قالَ: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾(٣)، (٤).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ محمَّد بنِ جَرير : ولأبي جَعْفَر في تأليفه عِبَارَةٌ
وبَلاغَةٌ ، فمِمَّا قالَه في كتابِ : ((الآدَاب النَّفيسَة والأخْلاقِ الحَميدَة)»: القَولُ في
البَيان عن الحَالِ الذي يَجبُ على العَبدِ مُراعاةُ حَالِه فيما يَصدُرُ من عَمِلِه لله عن نَفَسِه ،
قالَ : إنَّه لا حَالَةَ من أحْوالِ المؤمن يَغْفُلُ عَدُّه الْمُوكلُ به عن دُعائه إلى سَبيله ،
والقُعودِ له رَصداً بطُرق رَبِّه الْمُستَقِيمَة، صادّاً له عنها، كمَا قالَ لَرَبِّه - عَزَّ ذِكْرُه - إذْ
جَعَلَه من الْمُنْظَرِينِ: ﴿ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَئِهِمْ وَعَنْ شَمَايَلِهِمِّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾(٥).
مَ ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ
طَمَعاً منه في تَصْديقِ ظنِّه عليه إذ قالَ لِرَبِّه: ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَّ لَبِنْ
أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾(٦).
(١) سورة الحجرات ، الآية : ٧ .
(٢) انظر السير: (محمَّد بن نَصْر) ٣٣/١٤-٤٠، وانظر النزهة: ٣/١١٢٥.
(٣)
سورة الزخرف ، الآية : ٥٥.
(٤)
انظر السير: ( عُمَر بن ذَر) ٣٨٥/٦ - ٣٩٠، وانظر النزهة: ٥/٦٦٠.
(٥)
سورة الأعراف ، الآيتان : ١٦، ١٧ .
(٦) سورة الإسراء ، الآية : ٦٢ .
٢٨

فحَقَّ على كُلِّ ذي حِجِىّ أنْ يُجِهِدَ نَفْسَه في تَكذيب ظَنِّهِ، وتَخييبه منه أمَلَه وسَعيَه
فيما أرْغَمَه ، ولا شَيءَ من فِعْلِ العَبدِ في مَكرُوهِه من طاعَتِهِ ربَّه وعِصْيانِهِ أمْره ولا شَيءَ
أُسَرُّ إليه من عِصيانِهِ رَبَّه ، واتِباعِه أمْرَه .
فَكَلامُ أبي جَعْفَر من هذا النَّمَط، وهو كَثِيرٌ مُفيدٌ(١).
٣- الحَثُّ علىْ تَرْكُ المَعَاصِي :
عن الحَسَنِ البَصْري قال: يا ابنَ آدَم، والله إنْ قَرَأتَ القُرآنَ ثم آمَنتَ به ليَطُولَنَّ في
الدُّنيا حُزْنُك، ولَيَشْتَدَنَّ فِي الدُّنيا خَوفُك، ولَيَكثُرَنَّ فِي الدُّنيا بُكاؤُكِ(٢).
قالَ العِمادُ : حَدَّثني سَعْدٌ الكاتِبُ بِمِصْرَ، قَالَ : كانَ الجُوَيْنِيُّ صَديقي ، وكان
يَشْرَبُ الخَمَرَ ، فحَذَّثني أنَّه كانَ يَكتبُ مُصْحَفاً ، وبَيْنَ يَدَيه ◌ِمِجْمَرَةٌ وقِنِِّنَةُ خَمْرِ ، ولَمْ.
يَكن بقُربي ما أُنَدِّي به الدَّواةَ فصَبَيْتُ من القِنِّينَةِ في الدَّوَاةِ ، وكتبتُ وِجْهَةٌ ونَشَّفْتُها على
الْمِجْمَرَةِ ، فصَعَدَت شَرارَةٌ أَحْرَقَتِ الخَطَّ دُون بَقِيَّة الوَرَقَةِ ، فرعبتُ وقُمتُ ، وغَسَلتُ
الدَّواةَ والأقْلامَ ، وتُبتُ إلى الله .
ماتَ سَنةَ سِتٍّ وثَمانينَ وخَمسٍ مِئة (٣).
٤ - عاقبَةُ المَعَاصِي :
عن ابنٍ جُبير ، عن أبيه ، قالَ : لَمَّا فُتحت قبرس مُرَّ بالسَّبي على أبي الدَّرْداء
فَبَكىْ ، فَقُلتُ له : تَبكي في مثل هذا اليوم الذي أعَزَّ اللهُ فيه الإسْلامَ وأهلَه ؟ قالَ :
يا جُبيرُ، بَيْنا هذه الأمّة قَاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ إذْ عَصَوا اللهَ، فَلَقُوا ما تَرَى ما أهْوَنَ العِبادَ
على اللهِ إذا هم عَصَوْه (٤) .
(١) انظر السير: (محمَّدُ بنُ جَرير) ٢٦٧/١٤ -٢٨٢، وانظر النزهة: ٥/١١٥٢.
(٢) انظر السير: (الحَسن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٦/٥٦٠.
(٣) انظر السير: (الجُوَيْنيُّ) ٢٣٣/٢١ -٢٣٤، وانظر النزهة: ٢/١٦١٥.
(٤) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة: ١/٢٧٣.
٢٩

٥- المَعَاصِي بَرِيدُ الكفْر :
قالَ الأسْتاذُ أبو حَفْصِ النِّيسابُوريُّ : الْمَعاصي بَرِيدُ الكُفْرِ، كما أنَّ الحُمَّى بَرِيدُ
الْمَوتِ (١) .
٦ - تَرِكُ المَعَاصِي شَديد ، وفِعْلُ الطَّاعات هَيِّن :
عن أبي حامد الغَزَّالي قالَ : اعْلَمْ أنَّ الدِّينَ شَطْرانِ : أحَدُهما تَرِكُ الْمَناهي ،
والآخَرُ فِعلُ الطَّاعات، وتَركُ الْمَناهي هو الأشَدُّ، والطَّاعاتُ يَقدِرُ عليها كلُّ أحَد ،
وتَركُ الشَّهَوَاتِ لا يَقدِرُ عليها إلاَّ الصِّدِّيقونَ ، ولذلك قالَ صلى الله عليه وسلم :
((الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ هَوَاهُ))(٢).
٧ - عاقِبَةُ التَّحَبُّب إلى العِباد بالمَعَاصِي :
قالَ الإِمَامُ سَعيدُ بنُ الحَدَّاد : مَنْ طَالَت صُحْبَتُه للدُّنيا وللنَّاسِ فقد ثَقُلَ ظَهرُه خابَ
السَّالُونَ عن الله الْمُتَنَّعِمُونَ بالدُّنيا، مَنْ تَحَبَّبَ إلى العِبادِ بالْمَعَاصِي بَغَّضَهُ اللهُ
(٣)
إليهم(٣).
٨- المَعَاصِي تَجلبُ بُغْضَ الله والعباد :
عن ابنِ أبِي لَيْلِى ، قالَ: كتبَ أبو الدَّرْداء إلى مَسْلَمَةَ بنِ مَخْلَد : سَلامٌ عَليكَ ،
أمَّا بعد : فإنَّ العَبدَ إذا عَمِلَ بمَعْصِيَةِ اللهِ أَبْغَضَهُ اللهُ، فإذا أَبْغَضَهُ اللهُ بَنَّضَهُ إلى
(٤)
عِبادِه (٤) .
(١) انظر السير: (أبو حَفْص النِّيسابوريّ) ٥١٠/١٢-٥١٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٢٥.
(٢)
انظر السير: ( الغَزَّالِيُّ) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة: ١/١٤٨٤.
(٣) انظر السير: (ابنُ الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤-٢١٤، وانظر النزهة: ٢/١١٤٦.
(٤) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢-٣٥٣، وانظر النزهة: ١/٢٧١.
٣٠

(٩) حَاجاتُ الإنْسان الضَّروريَّة
وحَالُ الصَّالحین مَعها
(أ) الطَّعَامُ والشَّراب :
١ - الجُوعُ غَيرُ المُفْرِط وفائدتُه :
قالَ أبو بَكْر الْمَرْوزيُّ : سَمعتُ بِشْرَ بنَ الحَارِثِ يَقولُ: الجُوعُ يُصَفِّي الفُؤَادَ ،
وَيُمِيتُ الهَوَىُ ، وَيُورِثُ العِلمَ الدَّقيقَ(١).
٢- الجُوعُ المُفْرِط وعاقِتُه :
قال مكِّيُّ بنُ عمر البَيِّع : سمعتُ محمدَ بنَ عيسىُ يقولُ : صامَ طاهرٌ أربعين يوماً
أربعينَ مرّةً ، فَآخرُ أربعينَ عَملَها صام على قِشْرِ الدُّخنِ ، فَلِيُبْسِه قَرِعَ رأسُه، واختلَطَ
في عقلِه ، ولم أرَ أكثرَ مجاهدةً منه .
قال الإمامُ الذهبيُّ : فِعْلُ هذه الأربعينات حرامٌ قطعاً ، فعُقباها مَوتٌ من الخَوَر ،
أو جُنونٌ واختلاط ، أو جَفافٌ يُوجبُ للمَرَء سَماعَ خِطابٍ لا وُجودَ له أبداً في الخارج
فيَظُنُّ صاحبُهُ أنَّه خطابٌ إلَّي (٢) ، كلا والله .
وقال ابنُ زيرك : حضرتُ مَجْلساً ذُكرَ فيه الجَصَّاصُ ، فبعضُهم نَسَبَه إلى الزَّنْدَقة ،
وبعضُهِم نَسَبَه إلى المَعْرِفَة .
وقيل : كان تَركَ اللَحْمَ والخُبْزَ ، فحُوقِقَ في ذلك ، فقال : إذا أكلتُها طالَبتني
نفسي بتقبيل أمرد مليح .
وكان عليه قملٌ مفرطٌ ، ولا يقتله ، ويقول : لا يُؤذيني .
(١) انظر السير: (بشر بن الحارث) ٤٦٩/١٠-٤٧٧، وانظر النزهة: ٣/٨٨٥.
(٢) أي إلهي، فقد جاء في اللسان: الإلُّ: اللهُ عزَّ وجلَّ، والمعنى أنه مما يوسوس له يخيل إليه أنه يسمع
كلاماً ویظنُّ أن الله يُخاطبه به .
٣١

تُوفِّيَ سنة ثمان عشرة وأربع مئة ، وقَبْرُه يُزارُ بهَمَذان(١).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الأَبْهَرِيِّ: وقيلَ إنَّه عَملَ له خَلوةً ، فبَقيَ خَمسينَ
يَوماً لا يَأْكلُ شَيْئاً وقد قُلنا: إنَّ هذا الجُوعَ الْمُفرِط لا يَسوغُ ، فإذا كانَ سَردُ الصِّيامِ
والوِصَالِ قد نُهُيَ عنهما، فما الظَُّّ وقد قالَ نَبِيُنا صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ إنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيع؟)) ثم قَلَّ مَنْ عَملَ هذه الخَلَوَاتِ الْمُبتَدَعَة إلاَّ
واضْطَربَ، وفَسدَ عَقلُه، وجَفَّ دِماغُه ، ورَأى مَرَأَىّ، وسَمعَ خِطاباً لا وُجودَ له في
الخارج ، فإنْ كانَ مُتَمَّكناً من العِلمِ والإيمانِ ، فَلَعلَّه يَنجُو بذلك من تَزَلْزُلِ تَوْحيدِه ،
وإنْ كانَ جاهِلاً بالسُّنَن وبقَوَاعِد الإِيْمَان تَزَلْزَلَ تَوحيدُه، وطَمعَ فيه الشَّيْطانُ، وادَّعَى
الوُصُولَ، وبَقِيَ على مَزَلَّةٍ قَدَم ، ورُبَّمَا تَزَنْدَقَ، وقالَ: أنا هو ، نَعُوذُ باللهِ من النَّفْسِ
الأمَّارَة ومن الهَوَى، ونَسألُ اللَّهَ أنْ يَحفَظَ عَلينا إيْمَانَنَا آمين (٢).
٣- الاعتدالُ فِي تَناؤُل المُباحات:
قالَ مُبارَك عن الحَسَنِ : دَخَلَ عُمَرُ رضي الله عنه على ابنِه عاصِم وهو يَأْكُلَ لَحْماً ،
فقالَ: ما هذا؟ !! قالَ : قَرِمْنا(٣) . إليه، قالَ: أوَكُلَّمَا قَرِمْتَ إلى شَيء أكَلتَه؟ !! ،
كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفاً أنْ يَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَى (٤) .
٤- مَساوىءُ الشِّبَع :
قالَ شُرخبيلُ بنُ مُسْلم ، عَن عَمرِو بنِ الأَسْوَد العَنْسيِّ ، أنَّه كانَ يَدَعُ كَثيراً من
الشِّبَعَ مَخافَةَ الأشَر(٥).
قالَ أبو عَوَانَةَ الإِسْفَراييني : حدَّثنا الرَّبيعُ : سَمعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: ما شَبعتُ منذ
(١) انظر السير: (الجَصَّاص) ٣٩٠/١٧-٣٩٢، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٦.
(٢) انظر السير: (الأبْهَري) ١٧ /٥٧٦-٥٧٧، وانظر النزهة : ٤/١٣٦٥.
(٣) القَرَم: شدَّة الشَّهْوَة إلى اللَّحْم.
انظر السير : ( عُمر بن الخطّاب )، وانظر النزهة : ١/٤٦.
(٤)
انظر السير: (عَمرو بن الأسْوَد) ٧٩/٤ -٨١، وانظر النزهة : ١/٤٤٨.
(٥)
٣٢

سِتَّ عَشْرَةَ سَنةً إلاَّ مَرَّةً ، فأدْخَلتُ يَدِي فَتَقِيَأْتُها(١).
رَوَاها ابنُ أبي حاتمٍ عن الرَّبيع، وزادَ : لأنَّ الشِّبَعَ يُثْقِّلُ البَدنَ ، ويُقَسِّ القَلبَ
ويُزِيلُ الفِطَنَة ، ويَجلبُ النَّومَ، ويُضَعِفُ عن العِبَادَةِ(٢).
٥- مَنْ ماتَ بِسَبب الطَّعَام :
قالَ محمَّدُ بنُ جَرِير الطَّبَرِيُّ: خَرجَ ابنُ مَعين حاجّاً، وكانَ أَكُولاً فحَذَّثني
أبو العَبَّاس أحمَدُ بنُ شاه أنَّ كانَ في رِفْقَتِهِ، فلمَّا قَدِموا فَيْدَ أُهْدِيَ إلى يَحْيَى فَالَوْذَجِ لَمْ
يَنصُجْ، فقُلنا له: يا أبا زكريا ، لا تَأْكُلُه فإنَّا نَخافُ عليك فَلَمْ يَعبأ بِكَلامِنَا وأكَلَه ، فما
اسْتَقَرَّ في مَعدَتِه حتَّى شَكا وَجَعَ بَطنِهِ وانْسَهَلَ ، إلى أنْ وَصَلنا إلى المدينة ولا نُهوضَ له
فَتَفَاوَضْنا في أمْرِهِ ، ولَمْ يَكنْ لنا سَبِيلٌ إلى الْمُقَامِ عَليه لأجْلِ الحَجِّ ، ولَمْ نَدْرِ ما نَعمَلُ
في أمْرِهِ فَعَزَمَ بَعضُنا على القِيامِ عليه وتَركِ الحَجِّ وِبِتْنا فَلَمْ يُصْبِحْ حتَّى وَصَّىُ ومَاتَ ،
فغَسَلناه ودَفَّاه .
قالَ عَّاسُ الدُّوري: ماتَ قبلَ أنْ يَحُجَّ عامَئذ، وصلَّى عليه وَالي المدينة ، وكلَّمَ
الحِزاميُّ الواليَ ، فأخْرَجُوا له سَريرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فحُملَ عليه .
قالَ أحمَدُ بنُ أبي خَيْثَمَة : ماتَ يَحْبَى سَنةَ ثَلاثٍ وثَلاثينَ ، وقد اسْتَوفَى خَمْساً
وسَبعينَ سَنةً ، ودَخلَ في السِّتِّ ، ودُفنَ بالبقيع (٣).
٦ - مَنْ ماتَ بسَبب طَعَامِ حَارّ :
قالَ أبو الحُسَين أحمَدُ بنُ جَعْفَر بن الْمُنادِي: ماتَ أبو محمَّد ابنُ قُتَيْبَة فُجاءَة ،
صاحَ صَيحةً سُمعَت من بُعد ، ثم أُغْمَيَ عليه، وكان أكلَ هَريسَةً ، فأصابَ حَرارَةً ،
فبَقَيَ إلى الظُّهرِ ، ثم اضْطَربَ سَاعَةً، ثم هَدأ، فما زَالَ يَتَشَهَّدُ إلى السَّحَر ، وماتَ -
سامَحَه الله - وذلك سَنةَ سِتٍّ وسَبعينَ ومِئْتَين .
(١) انظر السير: ( الإمامُ الشَّافِعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٦/٨٤٨.
(٢) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعِيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٧/٨٤٨.
(٣) انظر السير: (يَحْيَى بن مَعين) ١١ / ٧١ -٩٦، وانظر النزهة: ٤/٩١٢.
٣٣

والرجُلُ ليسَ بصاحِبٍ حَديثٍ ، وإنَّما هو من كِبارِ العُلماءِ الْمَشْهورين، عندَه فُنونٌ
جَمَّةٌ وعُلومٌ مُهِمَّةٌ(١) .
٧- حِزْ مانُ النَّفْس من بَعض الطَّعامِ يُذَلِّلُها:
قِيلَ إنَّ عُتْبَةَ الغُلام نازَعَتِه نَفْسُه لَحْماً فمَاطَلَهَا سَبعَ سنين(٢).
٨- التَّحَرِّي في المَطْعَم :
( وصُورٌ أُخرى سَتجدُها في فهرس الوَرَع )
قال أحمدُ بنُّ شَبُّويه : حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق قال : أكلَ مَعْمَرُ بنُ راشِد من عند أهلِه
فاكِهَةً ثم سألَ فقيلَ : هَديّةٌ من فُلانَةَ النوَّاحَة فقامَ فَتَقِيَّأ وبَعثَ إليه مَعْن والي اليَمَن
بذَهبٍ فرَدَّه وقال لأهْلِهِ : إِنْ علمَ بهذا غَيرُنا لمْ يَجتَمعْ رأسي ورأسُك أبداً .
مات مَعْمَرُ بنُ راشِد سَنةً أربع وخمسين(٣).
٩- تَقَلُّل العُلمَاء من الطَّعام حال الطَّلَب:
قالَ صالِحُ جَزَرَة: سَمعتُ حَجَّاجَ بِنَ الشَّاعرِ يَقولُ: جَمعَتْ لي أُمِّي مئةَ رَغيفٍ ،
فجَعَلَتْها في جِرابٍ ، وانْحَدَرتُ إِلَى شَبابَة بِالْمَدائنِ ، فَأَقَمتُ ببابِهِ مئةَ يَومٍ ، أَغْمِسُ
الرَّغيفَ في دِجْلَة وَأَكُلُه، فلمَّا نَفَدَت خَرجتُ(٤) .
وقالَ ابنُ عَبد كَوَيْه : أَخْبَرَتنا عاتِكَةُ بنتُ ابنِ أبي عاصِم ، سَمعتُ أبي يَقولُ :
خَرجتُ إلى مَكَّةَ من الكُوفَةِ ، فَأَكَلتُ أكْلةً بالكُوفَةِ ، والثانيةَ بِمَكَّة .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : إسنادُها صَحيحٌ .
وكان ابنُ أبي عاصِم مُجَوِّداً للقِراءَة ، وكان يَقولُ: أنا أُقَدِّمُ نافِعاً في القِراءَة ، وكان
يَقولُ: ما بقيَ أحَدٌ قَرأ علىُ رَوْحِ بنِ عبد المؤمن غَيري - يَعني صاحِبَ يَعقُوب _(٥) .
(١) انظر السير: (ابنُ قُتَيْبَة) ٢٩٦/١٣ -٣٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٠٨٨.
(٢)
انظر السير: ( عُثْبَة الغُلام) ٧/ ٦٢ - ٦٣، وانظر النزهة: ٦/٦٧٦.
(٣)
انظر السير: ( مَعْمَر بن راشد) ٥/٧-١٨، وانظر النزهة : ٦/٦٧١.
انظر السير: ( حَجَّاج بن يُوسُف) ١٢/ ٣٠١ -٣٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٠٠٢ .
(٤)
(٥) انظر السير: (ابنُ أبي عاصِم) ٤٣٠/١٣-٤٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٠٩٨.
٣٤

١٠ - صُورٌ من التَّقَلُّل من الطَّعَام:
عن نافع قالَ : إنْ كانَ ابنُ عُمَر ليُفَرِّقُ في الْمَجْلسِ ثَلاثينَ ألفاً ، ثم يأتي عليه شَهِرٌ
ما يَأْكلُ مُزْعَةَ(١). لَحْم(٢).
وعن حَمْزَةَ بنِ عبد الله بنِ عُمَرَ قال: لَوْ أن طَعاماً كَثيراً كان عند أبي ما شَبعَ منه بعد
أن يَجدَ له آكِلاً، فعادَه ابنُ مُطيع ، فرآه قد نَحلَ جسمُه فكلَّمه ، فقالَ: إنَّه لَيَأتي عليَّ
ثمانُ سنينَ ، ما أشْبَعُ فيها شَبعَةٌ واحدَةً أو قالَ : إِلَّ شَبعَةٌ ، فالآنَ تُريدُ أنْ أشْبَعَ حينَ لَمْ
يَبْقَ من عُمري إلاَّ ظِمْءُ حِمار (٣)، (٤).
وعن ابنٍ سيرينَ ، أَنَّ رَجُلاً قالَ لابنِ عُمرَ : أعْمَلُ لك جَوَارش ؟ قالَ : وما هو ؟
قالَ: شَيءٌ إذا كظَّكَ الطَّعامُ ، فأصَبتَ منه، سَهَّل، فقالَ: ما شَبعتُ منذ أربعَة
أَشْهُر، وما ذاكَ أنْ لا أكونَ له واجداً ، ولكنِّي عَهِدتُ قَوماً يَشْبَعونَ مَرَّةً ، ويَجُوعُونَ
مَرَّةٍ(٥) ، (٦) .
وقالَ هشامُ بنُ حسَّان : كانَ قُوتُ العَلاءِ بنِ زياد رَغيفاً كلَّ يوم (٧) .
وقالَ مَالكُ بنُ دينار : إنَّه لتَأتي عليَّ السَّنَةُ لا آكُلُ فيها لَحْماً إلاَّ من أُضْحِيَتِي يَومَ
الأضْحَى(٨) .
وعن أبي بِشْر قالَ : كان كُرْزُ بنُ وَيَرَةَ الحَارِثِيُّ من أعْبَدِ النَّاسِ ، وكانَ قد امْتَنعَ من
الطَّعامِ، حتى لَمْ يُوجَد عليه من اللَّحْم، إلاَّ بقَدرِ ما يُوجَدُ على العُصْفور ، وكان
يَطوي أيَّاماً كثيرة ، وكانَ إذا دَخلَ في الصَّلاة لا يَرفَعُ طَرْفَهِ يَمِيناً ، ولا شِمالاً وكانَ من
(١) الْمُزْعَة ، بضم الميم : القطعة اليسيرة من اللَّحم.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن عُمر) ٣٠٢/٣ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٦٩.
(٣) أي شيءٌ يسير، وخصَّ الحِمارَ بذلك، لأنه أقلُّ الدَّوابِ صَبراً على الماء .
انظر السير: ( عبد الله بن عُمر) ٣٠٢/٣ -٢٣٩، وانظر النزهة : ٥/٣٦٩.
(٤)
(٥)
قوله : ((إذا كَظَّكَ الطَّعامُ))، أي: إذا امتلأتَ منه وأثْقَلك.
انظر السير: ( عبد الله بن عُمر) ٣٠٢/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٤/٣٧٠.
(٦)
(٧) انظر السير: (العَلاء بن زياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٥/٤٧٧.
(٨) انظر السير: (مالك بن دينار) ٣٦٢/٥ -٣٦٤، وانظر النزهة: ١/٦١٠.
٣٥

الْمُحِبِينَ الْمُخْبتين لله ، قد وَلِهَ من ذلك فرُبَّما كُلِّمَ فيُجيبُ بعد مُدَّة من شِدَّةٍ تَعلُّق قَلبِه
بالله، واشْتِياقِه إليه(١) .
وحَكَى حَرْمَلَةُ بنُ يَحْيَى أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قالَ له - وأرَاه خُبزَ شَعير - هذا طَعامي منذُ
سِتِينَ سَنةٌ(٢).
وقالَ محمَّدُ بنُ أبي حاتم: وكانَ أبو عبد الله البُخاري رُبَّما يأتي عليه النَّهارُ فلا
يَأْكُلُ رُقاقَةٌ، إنَّما كانَ يَأْكُلُ أحياناً لَوْزَتين أوْ ثَلاثًا(٣).
وكانَ إبراهيمُ الحَربِيُّ يَقولُ : فَرْدُ عَقِبي (٤). صَحِيحٌ والآخَرُ مَقطوعٌ، ولا أُحَدِّثُ
نَفَسي أنِّي أُصْلِحُها ، ولا شَكَوتُ إلىْ أهْلِي وأقَارِبي حُمَّى أجدُها ، لا يَغُّ الرجلُ نَفْسَه
وعيالَه ، ولي عَشرُ سنينَ أُبْصِرُ بفَرْدٍ عَين، ما أخْبَرَتُ به أحَداً ، وأفْنَيتُ من عُمري
ثَلاثينَ سَنةً برَغيفَين ، إنْ جاءَتْني بهما أُمِّي أو أُخْتِي، وإلاَّ بقيتُ جائعاً إلى اللَيلَة
الثانيَة، وأفْنَيَتُ ثَلاثينَ سَنةً برَغيفٍ في اليومِ واللَّيلَة، إنْ جاءَتْني امْرأتي أو بَناتي به وإلاَّ
بقيتُ جائعاً ، والآنَ آكُلُ نِصْفَ رَغيفٍ ، وَأَرْبَع عَشرَةَ تَمْرةً ، وقامَ إِفْطَاري في رَمضانَ
هذا بدِرْهَم ودَانِقَيْن وِنِصْف(٥) .
١١ - تَقلُّلُ الصَّالحين من الطَّعام ليس - دائماً - بسبب الفَقْر:
وعن ابن سيرينَ ، أَنَّ رَجُلاً قالَ لابنِ عُمرَ : أَعْمَلُ لك جَوَارش؟ قالَ : وماهو ؟
قالَ: شَيءٌ إذا كظّكَ الطَّعامُ، فأصَبتَ منه، سَهَّل، فقالَ: ما شَبعتُ منذ أربْعَة
أشْهُر، وما ذاكَ أنْ لا أكونَ له واجداً ، ولكنِّي عَهِدتُ قَوماً يَشْبَعونَ مَرَّةً، ويَجُوعُونَ
مَرَّةٍ(٦)، (٧).
(١) انظر السير: (كرز) ٨٤/٦-٨٦، وانظر النزهة: ٥/٦٣٣.
(٢) انظر السير: (سُفْيان بن عُيَيْنَة) ٤٥٤/٨-٤٧٥، وانظر النزهة: ٢/٧٨٣.
(٣)
انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريُّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة : ٦/١٠١٦.
(٤)
العَقِبُ هنا : النَّعْل ، على سَبيل المجاز.
انظر السير: ( إبراهيمُ الحَرْبيّ) ٣٥٦/١٣ -٣٧٢، وانظر النزهة: ١/١٠٩٥.
(٥)
(٦)
قوله : ((إذا كظْكَ الطّعامُ))، أي: إذا امتلأتَ منه وأثْقَلك.
(٧) انظر السير: (عبد الله بن عُمر) ٣٠٢/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٤/٣٧٠.
٣٦

١٢- الشِّبَع مع الضَّیف جائز :
عن مُعاذٍ بنِ خالِد : سَمعتُ أبا حَمْزَة الشُّكَّرِيَّ يَقولُ : ما شَبعتُ منذ ثَلاثينَ سَنةً ،
إلاَّ أنْ يَكونَ لِي ضَيفٌ(١) .
١٣ - الفَرَحُ بالطَّعامِ الطَّيِّب:
قالَ إسْماعيلُ بنُ حمَّادِ بنِ أبي حَنيفَة : والتُّعمانُ بنُ الْمرزِبان والدُ ثابت هو الذي
أهْدَى لِعَلَيِّ الفالَوْذَجَ في يَومِ النَّيْروزِ فقالَ عَليٍّ: نَوْرِزُونا كُلَّ يَومٍ ، وقيلَ كانَ ذلكَ في
المهْرَجان ، فقالَ : مَهْرِجُونا كُلَّ يَومٍ(٣) .
١٤ - شُربُ العَسَل والسَّمَر عليه :
عن اللَّيث : كان ابنُ شِهاب الزهريّ يخْتِم حديثَه بدعاء جَامع ، يقول: ( اللَّهُمَّ
أسألك من كلِّ خيرٍ أَحَاطَ به علمُك في الدنيا والآخرة ، وأعُوذُ بك من كلِّ شرٌّ أحَاطَ به
علمُك في الدنيا والآخرة ) وكان من أسخى مَنْ رأيتُ ، كان يُعطي ، فإذا فرغ ما معه
يَسْتَلِفُ من عَبيده ، يقول: يا فلان أسْلِفني كما تعرف ، وأضْعِفُ لك كما تَعلم ،
وكان يُطِعِمُ النَّاس الثَِّيدَ، ويسقيهم العَسلَ ، وكان يَسْمُرُ على العَسلِ كما يَسْمُرُ أهلُ
الشَّرابِ على شَرابهم ، ويقول : اسقُونا وحدِّثُونا وكان يُكثِرِ شُربَ العَسل ، وسمعتُه
يبكي على العِلْم بلسانه ، ويقول : يذهبُ العِلْمُ وكثيرٌ ممن كان يعملُ به فقلتُ له : لو
وضَعتَ من علمك عند مَنْ تَرجو أن يكونَ لك خلفاً قال : واللهِ ما نَشَرَ أحدٌ العلمَ
نَشْرِي ، ولا صَبَرَ عليه صَبْري ، ولقد كنَّا نجلسُ إلى ابن المسَيِّب ، فما يستطيعُ أحدٌ
منَّا أن يسألَه عن شيء نزل به إلاَّ أنْ يبتدىء الحديثَ ، أو يأتي رجلٌ يسأله عن شيء قد
نزلَ به(٣) .
(١) انظر السير: ( أبو حَمْزَة السُّكَري) ٣٨٥/٧ -٣٨٧، وانظر النزهة: ١/٧٠٧.
(٢) انظر السير: (أبو حَنِيفَة) ٦/ ٣٩٠-٤٠٤، وانظر النزهة: ١/٦٦٢.
(٣) انظر السير: ( أخبار الزهري) ٣٢٦/٥-٣٥٠، وانظر النزهة: ٦/٦٠٦.
٣٧

١٥ - الجُوعُ بسَبب الفَقْر :
عن ابنِ شِهابِ الحَنَّطِ قالَ : بَعثَت أخْتُ سُفْيانَ بجرابٍ مَعي إلى سُفْيانَ وهو
بمَكة ، فيه كَعكٌ وخشكنان(١) فقَدمتُ ، فسَألْتُ عنه، فقيلَ لي: رُبَّما قَعدَ عند الكعبة
ممَّا يَلِي الحَنَّاطِينَ، فَأَتَيْتُه، فوَجدتُهُ مُسْتَلقياً عليه، فلَمْ يُسائلْني تلك الْمُساءَلَةَ ، ولَمْ
يُسلِّمْ عليَّ كما كُنتُ أعْرِفُه فَقُلتُ : إنَّ أُخْتَكْ بَعثَت معي بجِرابٍ ، فاسْتَوى جالساً ،
وقالَ : عَجِّل بها فكلَّمْتُه في ذلك قالَ : يا أبا شِهاب! لا تلُمْني، فليَ ثَلاثَة أيَّامِ لَمْ أُذُقْ
فيها ذوقاً ، فعَذَرتُه(٢) .
وكانَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل يُصلِّي بعبد الرزَّاقِ فسَهَا ، فسَألَ عنه عبدُ الرزّاق ، فأُخبرَ أنَّه
لَمْ يَأْكُلْ منذ ثَلاثَةِ أيّامٍ شَيئاً(٣) .
وقالَ ابنُ أبي حاتم سَمعتُ أبي يَقولُ : بَقيتُ في سَنةِ أرْبَع عَشرَة ثمانية أشْهُر
بالبَصْرَة ، وكانَ في نَفَسي أنْ أُقيمَ سَنةً ، فانْقَطَعَتْ نَفَقَتَي ، فجَعلتُ أبيعُ ثيابي حتى
نَفِذَت ، وبقيتُ بلا نَفَقَة ، ومَضيتُ أُطُوفُ مع صَديق لي إلى الْمَشْيَخَة، وأسْمَعُ إلى
الْمَساء ، فانْصَرِفَ رَفيقي، ورَجَعتُ إلى بيتي، فجَعَلتُ أَشْرَبُ الماءَ من الجُوعِ ، ثم
أصْبَحْتُ ، فَغَدا عليَّ رَفيقي، فجَعلتُ أَطُوفُ معه في سَماعِ الحَديثِ على جُوعٍ
شَديدٍ ، وانْصَرفتُ جائعاً ، فلمَّا كان من الغَد ، غدا عليَّ فقالَ: مُرَّبنا إلى الْمَشايخِ .
قُلتُ : أنا ضَعيفٌ لا يُمكنُني قالَ: ما ضَعفُك؟ قُلتُ : لا أكْتُمُك أمْري ، قد
مَضَىْ يَومان ما طَعِمتُ فيهما شَيئاً ، فقالَ: قد بقيَ معي دينارٌ ، فنِصْفُه لك، ونَجعَلُ
النِّصْفَ الآخَر في الكِراء ، فخَرَجنا من البَصْرَة، وأخَذتُ منه النِّصْفَ دينار (٤).
وقالَ بَكرُ بنُ محمّد : سَمعتُ ابنَ خِرَاش يقولُ : شَربتُ بَوْلي في هذا الشَّأن -
يَعني الحَديث - خَمسَ مرَّات .
(١) دقيق القمح إذا عُجنَ بشيرج، ويُسطَ ومُلىءَ بالسُّكر واللَّوز والفُستق وماء الورد، وجُمعَ وخُبز .
(٢) انظر السير: (سُفيان الثّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٦٩٧.
(٣) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٢٥.
(٤) انظر السير: ( أبو حاتم الرَّازي) ٢٤٧/١٣ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٥/١٠٧٥.
٣٨

قال أبو نُعَيْم بنُ عَدي : ما رَأيتُ أحداً أحفَظَ من ابنِ خِرَاش .
وقال ابنُ عَدي : قد ذُكرَ بشَيءٍ من التشَيُّع ، وأرجو أنَّه لا يَتعمّدُ الكَذب سَمعتُ ابنَ
عُقْدَة يقولُ : كان ابنُ خِرَاش عندنا إذا كَتبَ شَيئاً في التشَيُّع يقولُ: هذا لا يَنْفَقِ إلَّ
عندي وعندك وسَمعتُ ابنَ عَبْدان يقولُ : حملَ ابنُ خِرَاش إلى بُنْدار عندنا جُزْأين
صَنَّفَهما في مَثالب الشَّيخَين، ، فأجازه بألفَي دِرهَم ، بُني له بها حُجرةٌ ببغداد ليُحدِّث
فيها ، فمات حين فُرِغَ منها .
وقال أبو زُرْعَة ، محمدُ بنُ يوسُف الحافظُ : خرَّجَ ابنُ خِرَاش مَثالب الشَّيخَين
وكان رافِضيَّاً .
وقال ابنُ عَدي : سَمعتُ عَبْدَانَ يقولُ : قلتُ لابنِ خِرَاش: حديثُ: (( ما تَرَكِنَاهُ
صَدَقَةٌ )) فقالَ : باطِلٌ .
قال الذهبيُّ: هذا مُعَثَّر مَخذول، كان عِلمُه وَبالاً، وسَعيُهُ ضَلالاً ، نَعوذُ بالله من
الشَّقاء .
ماتَ سنةَ ثلاثٍ وثمانين ومئتين (١) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ محمَّدٍ بنِ جَرير الطََّري: كان مَولِدُه سَنةَ أرْبَع
وعِشرينَ ومِئْتَين ، ورَحلَ من آمُلَ لَمَّا تَرَغْرَعَ وحَفظَ القُرآنَ، وسَمِحَ له أبُوه في
أسْفارِه ، وكانَ طُولَ حَياتِه يَمدُّه بالشَّيءِ بعدَ الشَّيءِ إلى البُلدان ، فيَقْتَاتُ به ، ويَقولُ
فيما سَمعتُه : أَبْطَأْتْ عَنِّي نَفَقَةُ وَالدي، واضْطَرَرتُ إلى أنْ فَتَّقْتُ كُمَّيْ قَميصي
فِعْتُهما(٢) .
وقالَ الوَخْشيُّ يوماً : رَحلتُ وقاسَيتُ الذُّلَّ والْمَشَاقَّ، وَرَجَعتُ إلى وَخْشَ
وما عَرَفَ أحَدٌ قَدْري ، فَقُلتُ : أمُوتُ ولا يَنْتَشِرُ ذِكْرِي ، ولا يَتَرخَمُ أحدٌ عليَّ،
فسَهَّلَ اللهُ، ووَفَّقَ نِظامَ الْمُلكِ حتَّى بَنَى هذه المدرَسَةَ وأجْلَسَني فيها أُحَدِّث ، لقد
(١) انظر السير: (ابن خِرَاش) ٥٠٨/١٣- ٥١٠، وانظر النزهة: ٢/١١١٢.
(٢) انظر السير: (محمد بن جَرير) ٢٦٧/١٤ -٢٨٢، وانظر النزهة: ٣/١١٥٢.
٣٩

كُنتُ بعَسْقَلانَ أسْمَعُ من ابنِ مُصَحِّح ، وبقيتُ أياماً بلا أكْل ، فقَعدتُ بِقُربٍ خَبَّاز ،
لأشُمَّ رَائحَةَ الخُبزِ وأَتَقَوَّى بها(١) .
وقالَ السَّمْعانيُّ : قالَ أصْحابُنا بِبَغدادَ : كانَ الشَّيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرازي إذا بقي
مُدَّةٍ لا يَأْكُلُ شَيئاً صَعدَ إلى النَّصْرِيَّةَ وله بها صَديقٌ ، فكانَ يَثْرِدُ له رَغيفاً ويُشربُه بماءِ
الباقِلاَء، فرُبَّما صَعَدَ إليه وقَدْ فَرِغَ، فَيَقولُ أبو إسْحاقَ: ﴿تِلْكَ إِذَا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾(٢).
قالَ القاضي ابنُ هانىء : إمامَان ما اتَّفَقَ لهما الحَجُّ ، أبو إسْحاقَ ، وقاضي القضاة
أبو عبد الله الدَامَغاني أمَّا أبو إسْحاقَ فكانَ فَقيراً، ولَوْ أرادَه لحَمَلوهُ على الأعْناقِ ،
والآخَرُ لَوْ أرادَ لأَمْكَنَه على السُّنْدُس والإسْتَبْرَق(٣).
وقال محمَّدُ بنُ طاهِر : أقَمتُ بتَنْيسَ مُدَّة على أبي محمّدٍ بنِ الحَدَّاد ونُظَرائه ،
فضاق بي فلمْ يَبقَ معي غَيرُ دِرهم ، وكنتُ أحتاجُ إلى حِبْرٍ وكاغَد ، فَتَرَّدْتُ فِي صَرِفِه
في الحِبْرِ أو الكاغَدِ أو الخُبزِ ، ومضى على هذا ثلاثَةُ أيّام لمْ أطْعَم فيها فلمَّا كان بُكْرةَ
اليوم الرابع ، قلتُ في نفسي : لو كان لي اليوم كاغَد لم يُمكّنِّي أنْ أكتبَ من الجُوعِ ،
فجَعلتُ الدِّرهَمَ في فَمي وخَرجتُ لأشْتري خُبزاً، فبَلَعْتُه، ووَقعَ عليَّ الضَّحِكُ ،
فَلَقِيَنِي صَديقٌ وأنا أضْحَكُ ، فقال : ما أضْحَكَك ؟ قلتُ : خَيرٌ، فَأَلَحَّ عليَّ ، وأبيتُ
أنْ أُخْبِرَه، فحَلفَ بِالطَّلاقِ لتَصْدُقَنِّي، فأخْبرتُه، فأدْخَلَني مَنِزِلَه ، وتَكلَّف أطْعِمَةً ،
فلمَّا خَرجْنا لصَلاةِ الظُّهْر ، اجْتمعَ به بَعضُ وُكلاءِ عامِل تَنِّيسِ ابنِ قادُوس ، فسألَه عنّي
فقال : هو هذا، قال : إنَّ صاحبي منذُ شَهرٍ أمرَ بي أنْ أُوصِلَ إليه كُلَّ يومٍ عشرةَ
دَراهم قيمتُها ربعُ دينار ، وسَهوتُ عنه ، فأخذَ منه ثلاثَ مئة وجاء بها .
مات ابنُ طاهِر عند قُدومِه من الحَجِّ سَنةَ سَبعٍ وخَمسٍ مئة (٤).
(١) انظر السير: (الوَخْشيُّ) ٣٦٥/١٨-٣٦٧، وانظر النزهة: ١/١٤٢٣.
(٢) سورة النَّازعات، الآية : ١٢ .
(٣) انظر السير: (أبو إسحاق الشِّيرازيّ) ٤٥٢/١٨-٤٦٤، وانظر النزهة: ١/١٤٣٠.
(٤) انظر السير: (محمد بن طاهر) ٣٦١/١٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ١/١٤٨٨.
٤٠