النص المفهرس

صفحات 601-620

وائتَمَروا لِيَخْلَعوه، ثم جَيَّشوا لِقِتالِه، وجَرَت بالأنْدَلُسِ فِتَنَةٌ عَظيمَةٌ على الإسْلامِ
وأهْلِه، فلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ ، فَذَكرَ ابنُ مُزين في تاريخِه طَالوتَ بنَ عبدِ الَجِبَّارِ الْمُعَافريِّ،
وأنَّه أحَدُ العُلماءُ العَامِلِينَ الشُّهَداء الذين هَمُّوا بخَلعِ الحَكَم ، وقالوا : إنَّه غَيرُ عَدلٍ
ونَكثُوه في نُفُوسِ العَوَامِّ ، وزَعَموا أنَّه لا يَحِلُّ الْمُكْثُ ولا الصَّبْرُ على هذه السِّيرَة
الذَّميمَة، وعَوَّلوا على تَقديمِ أحَدِ أهْلِ الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ، وهو أبو الشَّمَّاسِ أحمَدُ بنُ
الْمُنْذِرِ بنِ الدَّاخِلِ الأُمَويِّ ابنِ عَمِّ الحَكَم لِمَا عَرَفوا من صَلاحِه ، وعَقِلِه ، ودِينِهِ ،
فَقَصَدوه وعَرَّفوه بالأمْرِ ، فأبْدَى الْمَيْلَ إليهم ، والبُشْرَى بهم، وقال لهم : أنتم
أضْيَافِي اللَّيلَة ، فإنَّ اللَّيلَ، أسْتَر، ونامُوا، وقامَ هو إلى ابنِ عمِّه بجَهلٍ ، فأخْبرَه
بشأنِهِم ، فاغْتاظَ لذلك ، وقالَ : جئتَ لسَفك دَمي أو دِمائِهم ، وهم أعْلامٌ ، فمن أين
نَتَوَصَّلُ إلى ما ذَكرتَ ؟ فقالَ : أرْسِلْ معي مَنْ تَثْقُ به ليَتْحَقَّق ، فوَجَّهَ مَنْ أَحَبَّ ،
فأدْخَلَهم أحمَدُ في بَيتِهِ تَحتَ سِتْر، ودَخلَ اللَّلُ، وجاءَ القَومُ ، فقالَ : خَبِّرُوني مَنْ
مَعَكُم ؟ فقالوا : فُلانٌ الفَقيهُ ، وفُلانُ الوَزِيرُ ، وعدُّوا كباراً والكاتِبُ یَكتُبُ حتَّى امتلأ
الرَّقُّ، فمَدَّ أحَدُهم يدَه وَراءَ السِّتْرِ، فَرَأى القَومَ، فقامَ وقامُوا ، وقالُوا : فعَلتَها
يا عَدُوَّ اللهِ، فمَنْ فََّ لِحِينِهِ ، نَجا ومَنْ لا، قُبضَ عليه ، فكانَ مِمَّنْ فَرَّ عيسَى بنُ دینار
الفَقيه ، ويَحْيَىُ بنُ يَحْبَى الفَقيهُ صاحِبُ مَالِك ، وقُرْعُوسُ بنُ العَبَّاسِ الثَّقَفَيُّ.
وقُبِضَ على ناسِ كأبي كَعْب ، وأخيه ، ومَالِكِ بنِ يَزيد القاضي ، وموسَى بِنِ
سَالِمِ الخَوْلاني ، ويَحْيَى بِنِ مُضَر الفَقيه ، وأمثالهم من أهْلِ العِلمِ والدِّين ، في سَبعَةٍ
وسَبعينَ رَجُلاً ، فضُربَت أعْناقُهم ، وصُلِبُوا .
وأضاف إليهم عَمَّيه كُلَيْباً، وأمية ، فصُلبا، وأَحْرَقَ القُلوبَ عليهم ، وسارَ بأمرِهم
الرِّفاقُ، وعَلَمَ الحَكَمُ أنَّه مَحْقودٌ من النَّاسِ كُلُّهم، فأخَذَ في جَمعِ الجُنودِ والحَشَمِ
وَتَهِيَّأ ، وأخَذَت العامَّةُ في الهَيَج، واسْتَأْسَدَ النَّاسُ، وتَنْقَّروا، وتَأَهَّبوا، فاتَّفَقَ أنَّ
مَمْلوكاً خَرجَ من القَصرِ بسَيفٍ دَفعَه إلى الصَّيْقَل، فمَاطَله، فسَبَّه ، فجاوَيَه الصَّيْقَلُ
فتَضارَبا ونالَ منه الْمَمْلوكُ ، حتى كادَ أنْ يُتْلِفَه، فلمَّا تركَه، أخذَ الصَّيْقَلُ السيفَ فقتلَ
به الْمَمْلوكَ، فتألَّبَ إلى الْمَقْتُولِ جَماعَةٌ، وإلى القاتِلِ جَماعَةٌ أُخْرَى ، واسْتَفْحَلَ
٦٠١

الشَّرُّ، وذلك في رَمضانَ سَنَ اثنتَين ومئتَين ، وتَدَاعَىُ أهْلُ قُرْطُبَة من أرْباضِهم ،
وتألَّبوا بالسِّلاحِ، وقَصَدوا القَصرَ، فرَكبَ الجَيشُ والإمامُ الحَكَمُ ، فهَزَموا العامَّةَ ،
وجاءَهم عَسكَرٌ من خَلفِهم ، فوَضَعوا فيهم السَّيفَ ، وكانَت وَقعَةً هائلةً شَنيعَةً ، مَضى
فيها عَددٌ كَثِيرٌ زُهاءَ عن أربعينَ ألفاً من أهْلِ الرَّبَض ، وعايَنوا البَلاءَ من قُدَّامِهم ومن
خَلِفِهِم فتَداعُوا بالطَّاعَة، وأذْعَنوا ولا ذُوا بالعَفْوِ ، فعَفا عَنهم على أنْ يَخرُجوا من
قُرْطُبَة ، ففَعلوا وهُدِّمَت ديارُهم ومَساجِدُهم .
ماتَ الحَكَمُ سَنَ سِتٍّ ومئتين ، وله ثَلاثٌ وخَمسونَ سَنةً ، وَوَلِيَ الأَنْدَلُسَ بَعْدَه ابنُه
أبو الْمُطَرِّف عبدُ الرحمَن(١) .
٢١ - تَعْليلٌ لا يَصِحُ لكَثْرَة ظُلم المَنْصُور :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الْمَنْصور : وقيل إنَّ عبدَ الصَّمَد عَمَّه قالَ : يا أميرَ
المؤمنينَ! لقد هَجَمتَ بالعُقوبة حتى كأنَّك لَمْ تَسْمَع بالعَفْو قالَ: لأنَّ بَنِي أُمَيَّةٍ لَمْ تَبْلَ
رمَمُّهم ، وآلَ عَليٍّ لم تُغْمَد سُيوفُهم، ونَحْن بينَ قَومٍ قد رَأوْنا سُوقَة ولا تَتَمَهَّدُ هَيْبَتُنا
في صُدورِهم إلاَّ بِنِسْيانِ العَفْو .
حَجَّ الْمَنْصورُ مرَّات منها في خِلافَتِهِ مَرَّتين ، وفي الثالثة ماتَ ببثْر مَيْمُونَ ، قبلَ أنْ
يَدخُلَ مَكة (٢) .
٢٢ - أمثِلَةٌ على الظُّلم :
( وتجدُ غَيرَها مُفرَّقَة في بعض الفَقَرات السَّابقة )
جاءَ في تَرجَمَةِ إبراهيمَ بنِ يَزِيد ( التَّيْمَيّ ) ، قالَ ابنُ سَعْد : أخْبَرنا عليٌّ بنُ محمَّد
قالَ : طَلبَ الحَجَّاجُ إبراهيمَ النَّخَعي، فجاءَ الرَّسُولُ فقالَ : أريدُ إبراهيمَ ، فقالَ
إبراهيمُ التَّيْمِيّ : أنا إبراهيمُ ، ولَمْ يَسْتِحِلَّ أنْ يدله على النَّخَعيِّ، فأمَرَ بحَبسِه في
الدِّيماسِ ، ولَمْ يَكنْ لهم ظِلٌّ من الشَّمسِ ، ولا كِنٍّ من البَرْدِ، وكانَ كلُّ اثنين في
(١) انظر السير: (الحَكَم بن هشام) ٢٥٣/٨ -٢٦٠، وانظر النزهة : ٢/٧٥١.
(٢) انظر السير: (المنصور) ٨٣/٧-٨٩، وانظر النزهة: ٣/٦٧٨.
٦٠٢

سِلْسِلَةٍ فَتَغيَّرَ إبراهيمُ ، فعادَته أمُّه ، فَلَمْ تَعرِفْهُ، حتَّى كلَّمَها، فمَاتَ ، فرَأى "حَجَّاجُ
فِي نَومِه قائلاً يَقولُ: مَاتَ في البلدِ اللَّيْلَةِ رَجلٌ من أهْلِ الجَنَّة، فسألَ ، فقالوا : مَاتَ
في السِّجْنِ إبراهيمُ التَّيْمِيّ ، فقالَ: حُلْمٌ نَزَغَةٌ مِن نَزَغَاتِ الشَّيطانِ ، وأمَرَ به فأُلقِيَ على
الكُنَاسَةِ(١).
وقال مُصْعَبُ بنُ بِشْر : سَمعتُ أبي يقولُ : قامَ رجلٌ إلى أبي مُسْلم وهو يَخْطبُ ،
فقال: ما هذا السَّوادُ عَليكَ؟ فقالَ: حذَّثني أبو الزُّبَيْر عن جابرٍ بن عبدِ الله، ((أنَّ
النَبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخلَ مَكَةَ يَومَ الفَتْحِ، وعَليهِ عَمَامَةٌ سَوْدَاءٌ )) وهذه ثيابُ
الهَيْبَة ، وثيابُ الدَّوْلة، يا غُلامُ اضْرِبْ عُنُقَه!
قال الإمامُ الذهبيُّ : كان أبو مُسْلم سَفَّاكاً للدِّماءِ ، يَزِيدُ على الحَجَّاجِ في ذلك وهو
أوَّلُ مَنْ سَنَّ للدَّوْلة لِبَاسَ السَّوادِ ، وكانَ بلاءً عَظيماً على عَرَبِ خُراسان ، فإنَّه أبادَهم
بحَدِّ السَّيْف(٢).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي عُبَيْدِ الله الوزير : ويُقالُ إنَّه سَمعَ من الزُّهْريِّ ،
وعاصِمٍ بِنِ رَجاء بن حيوة ، وكان مع دينه فيه تِيهٌ وتَعَزُّزٌ حَجَّ الرَّبيعُ الحاجب ، فجاءَ
إليه مُسَلِّماً، فمَا قامَ له ولا وَفَّاهُ حَقَّه، فعَمَلَ عَليه عند الْمَهْدِي، ورَمَى ابنَه بالثَّعَُّض
لِحُرَمِ الهَادِي، فَقَتلَ الْمَهْدِيُّ ابنَه، وقَبَضَ عليه، فسَجنَه، فمَا زالَ في السِّجنِ حتَّى
تُوفِّيَ سَنَةَ سَبعينَ ومئة(٣) .
٢٣ - أمْثِلَةٌ على الجَبَروتِ والبَغْي :
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ مَرْوانَ بنِ محمَّد آخرِ خُلفاءِ بَني أُميَّة : ومن جَبَروت
مَرْوَانَ أنَّ يَزِيدَ بنَ خالِد بنِ عبدِ الله القَسْري الأمير كانَ قد قاتَلَه ثم ظَفْرَ به، فأُدْخِلَ عليه
يَوماً ، فاسْتَدناه، ولَفَّ على إصْبعِهِ مِنْديلاً، ورَصَّ عَينَه حتى سَالَت ، ثم فَعَلَ كذلك
(١) انظر السير: (إبراهيمُ بن يزيد) ٦٠/٥-٦٢، وانظر النزهة: ٧/٥٨٠.
(٢) انظر السير: ( أبو مسلم الخراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦٢٨.
(٣) انظر السير: (أبو عُبَيْد الله الوَزير) ٣٩٨/٧، وانظر النزهة: ٣/٧١٠.
٦٠٣
٠.٤

بعينِهِ الأُخْرى وما نَطْقَ يَزِيدُ ، بل صَبرَ ، نَسألُ اللهَ العافِيَةَ(١) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أحمدَ بنِ طُولونَ : قيل : كانت مُؤنتُه في اليوم ألفَ
دينار ، وكان يَرجِعُ إلىُ عَدْل وبَذْل لكنَّه جبَّارٌ، سَفَّاكٌ للدِّماءِ(٢).
قال القُضاعيُّ: أُحْصيَ مَنْ قَتَلَه صَبْراً ، أو ماتَ في ◌ِجْنه ، فبَلغوا ثَمانيةَ عشرَ
ألفاً .
وأنْشأ بظَاهر مِصْرَ جَامعاً، غَرمَ عليه مئةَ ألفِ دينار ، وكان جَيِّد الإسْلامِ مُعَظِّماً
للشَّعائر(٣).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الْمُعْتَمِدِ بنِ عَبَّاد، صاحِبِ الأَنْدَلُس : ومن جَبَروتِه
وعُتَوِّه أنَّه أخَذَ مالاً لأَعْمَى، فحَجَّ وجَاوَرَ بِمَكَّةَ ، فبَلِغَ المُعْتَضِدَ أنَّ يَدعُو عليه ، فنَدبَ
رَجلاً أعْطَاهُ جُملةَ دَنانيرَ مَطْلّة بسُمِّ فسَارَ إلى مَكَّة، وأَوْصَلَه الذَّهَبَ ، فقالَ : يَظْلِمُني
بإشْبيليّة، ويَصلُني هُنا؟! ثم وَضَعَ منها دِيناراً في فَمِه ، كعَادَة الأَضِرَّاء ، فمَاتَ من
الغَدْ (٤).
وقد سَكِرَ لَيْلَةً، وخَرجَ في اللَّيلِ مَعه غُلامٌ، وسَارَ مَخْموراً، حتى وَافَى
قَرْمُونَةَ(٥) ، وصَاحِبُها إسْحاقُ البرْزال، وبَنَهما حُروبٌ، وكانَ يَشْرَبُ أيضاً في
جَماعَة، فاسْتَأْذَنَ المُعْتَضدُ، ودَخَلَ ، فزادَ تَعُبُهُم فسلَّمَ وأكَلَ وألّ(٦) من سُكْرِهِ
وسُقطَ في يدِه ، لكنَّه تَجلَّدَ، ثم قال: أُريدُ أنْ أنامَ ففَرَشوا له، فتَناوَمَ، فَقَالَ
بَعضُهم : هذا كَبشٌ سَمينٌ ، والله لو أنْفَقْتُم مُلكَ الأنْدَلُسِ عليه ما قَدِرْتُم فقالَ مُعَاذُ بنُ
أبي قُرَّة: كلاً، رَجلٌ قَصدَنا ونَزَلَ بنا مُستأمِناً، لا تَتَحدَّثُ عنَّا القَبائِلُ أنَّا قَتَلنا ضَيْفَنَا
ثم انْتُبَه وقامَ ، فقَبَّلُوا رَأْسَه، وقال للحَاجِبِ: أيْنَ نَحْنُ؟ قالَ : بَين أهْلِك وإخْوانِك
(١) انظر السير: (مَرْوان بن محمد) ٧٤/٦ -٧٧، وانظر النزهة: ١/٦٣٢.
(٢) انظر السير: (أحمد بن طُولون) ١٣/ ٩٤ -٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٥٦.
انظر السير: ( المُعْتَمِدُ بنُ عَبَّاد) ١٩ / ٥٨ -٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٥٧.
(٤)
انظر السير: ( أحمد بن طولون) ١٣ / ٩٤ -٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٥٦.
(٣)
(٥). غربي قرطبة وشرقي إشبيلية ، قديمة البنيان .
(٦) في اللسان ألَّ فِي سَيره ومَشِه، إذا أسْرَعَ واهتز واضطرب.
٦٠٤

قالَ : هَاتوا دوَاةً، فَكَتبَ لكُلّ منهم بخِلْعَة ومال وأفْراسٍ وخَدَم وأخَذَ مَعَه غِلْمَانَهم
لقَبْضٍ ذلك، ورَكبَ، فمَشَوا في خِدْمتِهِ لكنْ أساءَ كُلَّ الإساءَة ، طَلبَهم بعدَ أَشْهُر
لِوَلِيمَة ، فأتاهُ سِئُون منهم فأكْرَمَهم وأَنْزَلَهم حَمَّاماً ، وطيّنَه عليهم سِوَىْ مُعَاذ، وقال
لِمُعَاذ: لِمَ تُرَغْ، حَضَرَتْ آجَالُهم، ولَوْلاكَ، لقَتَلُونِي، فإنْ أَرَدْتَ أنْ أُقَاسِمَكَ
مُلْكِي، فَعَلتُ ، قال : بل أُقيمُ عِندَكَ ، وإلاَّ بأي وَجْه أرْجِعُ ، وقد قَتلتَ سَاداتِ بَني
بِرْزال، فصَيَّرَه من كِبارِ قُوَّادِهِ ، وكانَ من كِبارِ قُوَّاد المُعْتَمِد .
هَلكَ المُعْتَضِدُ سَنةَ أرْبع وسِتِّينَ وأرْبَع مِئَّة .
قال أبو بَكْر مُحمدُ بنُ اللبانَةَ الشَّاعِرُ: مَلكَ المُعْتَمِدُ من مُسَوَّراتِ البلادِ مِثْتَيْ
مُسَوَّر ، ووُلِدَ له مئةٌ وثلاثَةٌ وسَبْعُونَ وَلداً ، وكانَ لمَطْبَخه في اليوم ثمانيةُ قَناطِير لحم ،
وكُتَابُه ثَمانِيَة عَشَر(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ ابنِ دِحْيَة : وذَكرَ ابنُ نُقُطَة أنَّ سَببَ عَزلِ ابنِ دِحْيَة أنَّه
خَصَى مَمْلوكاً له فَغَضبَ الْمَلكُ وهَرَبَ ابنُ دِحْيَة ولَفظُ ابنُ مَسْدِي ، وقالَ : كان له
مَمْلوك يُسمَّى رَيْحان فجَبَّه واسْتأصَلَ أُنْثَيْه وزُبَّه وأتَى بزامِرٍ فأمَرَ بثَقَبِ شدقِهِ فَغَضِبَ
عليه الْمَنْصُورُ وجاءَه النَّذيرُ، فاخْتَفَىْ، ثم سارَ مُتنكِّراً .
تُوفِّيَ سَنةَ ثَلاثٍ وَثَلاثينَ وسِتِّ مِنْة .
قالَ ابنُ النجَّار : كانَ القَلبُ يأْبَى سَماعَ كلامِهِ سَكنَ مِصْرَ، وصادَف قَبولاً من
السُّلطانِ الْكَامِلِ ، وأقْبلَ عَليه إقبالاً عظيماً، وسَمعتُ أنَّه كان يُسَوِّي له الْمَدَاسَ حينَ
يَقومُ إلى أنْ قالَ : ونَسَبُهُ لَيسَ بصَحيح، وكان حافِظاً ماهِراً تامًّ الْمَعْرِفَة بالنَّحْو
واللُّغَة ، ظاهِرِيَّ الْمَذْهَب، كَثِيرَ الوَقيعَة في السَّلَف ، أحْمَقَ ، شَديدَ الكِبْر ، خَبِيثَ
اللِّسانِ، مُتَهاوِناً في دِينِه ، وكان يَخْضِبُ بالسَّوادِ (٢) .
(١) انظر السير: (المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ١٩ /٥٨-٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٤٥٧.
(٢) انظر السير: (. ابنُ دِحْيَة) ٣٨٩/٢٢ -٣٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٧٠٦.
٦٠٥

٢٤ - الجَزاءُ من جِئْسِ العَمَل :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ طارِقٍ بنِ زِياد مَوْلَى مُوسَىْ بنِ نُصَيْر : وكان أميراً على
طَنْجَة بأقْصَى المغرب، فبَلغَه اخْتِلافُ الفِرَنْجِ واقْتِتَالُهم، وكاتبه صاحبُ الجَزِيرَة
الخَضْراء ليَمُدَّه على عَدُوِّه، فبادَرَ طارقُ وعدَّى فِي جُندِه، وهَزْمَ الفِرَنْجَ ، وافْتَتَحَ
قُرْطُبَة وقَتلَ صاحِبَها لُذْريقَ ، وكتبَ بالنَّصرِ إلى مَوْلاه ، فحَسدَه على الانْفِرادِ بهذا
الفَتْحِ العَظيمِ ، وتَوَّده ، وأمَرَه أنْ لا يتجاوَزَ مَكانَه، وأسْرَعَ مُوسَى بجيوشِه ، فَتَلَقَّاه
طارقُ وقالَ : إنَّما أنا مَوْلاكَ، وهذا الفَتْحُ لك، فأقامَ مُوسَىُ بنُ نُصَير بالأنْدَلُس
سَنَتَيْن يَغزو ويَغنم وقَبَضَ على طارِق، وأساءَ إليه ، ثم اسْتَخلَفَ على الأنْدَلُسِ ولدَه
عبدَ العَزيزِ بنِ مُوسَى، وكان جُندُه عامَّتُهم من البَرْبَر، فيهم شَجاعَةٌ مُفْرِطَة وإِقْدَامٌ(١).
ولمَّا تَمَادَى مُوسَىُ بنُ نُصَيْرِ فِي سَيْرِهِ فِي الأَنْدَلُسِ ، أتَى أَرْضَاً تَمِيدُ بأهْلِها ، فقال
عَشْكَرُهُ : إلى أيْنَ تُرِيدُ أنْ تَذْهَبَ بنا؟ حَسْبُنَا ما بأيْدِينَا، فقال: لَوْ أَطَعْتُمُونِي لَوَصَلْتُ
إلى القُسْطَنْطِيْنِيَّةَ، ثمَّ رَجَعَ إلى المَغْرِبِ وهو رَاكِبٌ علىْ بَغْلَةٍ وهو يَجُُّ الدُّنْيًا بِينَ يَدَيْه ،
أَمَرَ بالعَجَلِ تَجُرُّ أوْقَارَ الذَّهَبِ والحَرِيرِ ، واسْتَخْلَفَ ابنَه بإِفْرِقِيَّةَ، وأَخَذَ معَه مِنَّةً من
كُبِرَاءِ البَرْبَرِ، ومِئَةً وعِشْرينَ من المُلُوكِ وأوْلادِهم ، فقَدِمَ مِصْرَ في هَيْئَةٍ ما سُمِعَ
بمثلِها، فوَصَلَ العُلمَاءَ والأشْرافَ، وسَارَ إلى الشَّام، فَبَلَغَهُ مَرَضُ الوَلِيدُ ، وكَتَبَ إليه
سُلَيْمَانُ يَأْمُرُه بالتَّوَقُّفِ: فَمَا سَمِعَ منه، فَلَىْ سُلِيْمَانُ إِنْ ظَفِرَ به لَيَصْلِنَّه، وقَدِمَ قَبْلَ
مَوتِ الوَلِيدُ ، فَأَخَذَ ما لا يُحَدُّ من النَّفَائِسِ، ووَضَعَ باقِيهِ فِي بَيْتِ المالِ ، وقُوَّمَتِ
المَائِدَةُ بِمِئَةِ ألفِ دینارٍ .
ووَلِيَ سُلَيْمانُ فَأَهَانَه، ووُقِّفَ فِي الحَرِّ - وكان سَمِينَاً - حتى غُشِيَ عليه ، ويِقِيَ
عُمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَتَأَلَّمُ له ، فقال سُليمانُ: يا أبا حَفْصٍ ما أظُنُّ أنَّنِي خَرجْتُ من
يَميني .
وضَمَّه يَزِيدُ بنُ المُهَلَّبِ إليه، ثمَّ فَدَى نَفْسَه بِبَذْلِ ألفِ ألْفِ دينارٍ ، وقِيلَ له : أنْتَ
(١) انظر السير: (طارق) ٥٠٠/٤ -٥٠٢، وانظر النزهة: ٢/٥٤٢.
٦٠٦

فِي خَلْقٍ من مَوَالِيكَ وجُنْدِكَ ، أَفَلا أَقَمْتَ في مَقَرِّ عِزِّكْ؟! ، وبَعَثْتَ بالتقادم قال : لَوْ
أرَدْتُ لِصَارَ ، ولكِنْ آثَرْتُ اللهَ وَلَمْ أَرَ الخُروجَ ، فقال له يَزِيدُ: وكُلُّنا ذاكَ الرَجُلُ - أرَادَ
بهذا قُدُومَهُ على الحَجَّاجِ (١) .
وقد امْتُحِنَ وَهْبُ بنُ مُنَبَّهِ ، حُبِسَ وضُرِبَ، فَرَوىُ حِبَّانُ بنُ زُهَيْرِ العَدَوِيّ ، قال :
حدَّثنِي أبو الصَّيْداءَ صالِحُ بنُ طَريفٍ ، قال: لمَّا قَدِمَ يُوسُفُ بنُ عُمَرَ العِراقَ بَكَيْتُ
وقُلتُ : هذا الذي ضَرَبَ وَهْبَ بنَ مُنبٍِّ حَتّى قَتَلَه .
يَعْنِي لَمَّا وَلِيَ إِمْرَةَ الْيَمَنِ، ثمَّ نَقَلَهُ الخليفَةُ هِشامُ إلى إمْرَةِ العِراقِ ، وكان جَبَّراً
عَنِيداً مَهِيباً ، كان سِماطُهُ بالعِراقِ فيما حَكَى المَدائِيُّ كلَّ يومٍ خميسٍ مِنَّةُ مائِدَةٍ ، أَبْعَدُ
المَوَائِدِ وأقْرَبُها سَواءٌ في الجَوْدَةِ .
ثمَّ إِنَّه عُزِلَ عن العِراقِ عند مَقْتَلِ الوَلِيدِ الفاسِقِ، ثمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وللهِ الحَمْدُ فِي سَنةِ
سَبِعٍ وعشرينَ ومِئَةٍ (٢).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ عبدِ الله بن عَليٍّ : كان بطلاً شُجاعاً، مَهيباً ،
جَبَّاراً، عَسُوفاً، سَفَّكاً للدِّماءِ وبه قامت الدَّولَةُ العِبَّاسِيَّة سارَ في أرْبَعينَ ألفاً أو أكْثَرَ
فالْتَّقَى الخَليفةَ مَرْوانَ بِقُرْبِ المُوصِلِ فَهَزْمَه ومَزَّقَ جُيوشَه ، ولَجَّ في طَلِبِه ، وطَوَى
البلادَ حتى نازَلَ دارَ المُلْكِ دِمَشْقَ، فحاصَرَها أيّاماً وأخَذَها بالسَّيفِ(٣) .
وقَتَلَ بها إلى الظُّهْر نَحواً من خَمسينَ ألفَ مُسْلم من الجُنْدِ وغَيرِهم ولَمْ يَرْقُبْ فيهم
إلَّ ولا ذِمَّة، ولا رَعَى رَحِماً ، ولا نَسَباً ثم جَهَّزَ في الحالِ أخَاهُ داوُدَ بنَ عليّ فِي طَلبٍ
مَرْوانَ ، إلى أنْ أَدْرَكَه بِقَرْيَة بُوصِيرَ من بلادِ مِصْرَ، فبيَّتَه ، فقاتلَ المِسْكِينُ حتّى قُتلَ
وهَرَبَ ابْناهُ إلى بلادِ النُّوبَة ، وانْتُهَت الدَّولَةُ الأُمَوِيَّةِ(٤) .
ولَمَّا ماتَ السَّفَّحُ، زَعمَ عبدُ الله أنَّه وَلِيَّ عَهْدِهِ ، وبايَعهُ أُمَراءُ الشَّام ، وبُويعَ
(١) انظر السير: (مُوسَى بن نَصَير) ٤٩٦/٤-٥٠٠، وانظر النزهة: ٤/٥٤٠.
(٢) انظر السير: (وَهب بن مُنبّه) ٥٤٤/٤ -٥٥٧، وانظر النزهة: ٢/٥٥٧.
(٣) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ١٦١/٦ -١٦٢، وانظر النزهة: ٢/٦٣٩.
(٤) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ٦/ ١٦١ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٦٣٩.
٦٠٧

المَنْصُورُ بالعِراقِ، ونَدَبَ لحَرْبِ عَمِّه صاحِبَ الدَّعْوَة أبا مُسْلم الخُراساني ، فالْتَّقَي
الجَمْعان بنَصِيبَين، فاشْتَدَّ القِتالُ وقُتْلَت الأبطالُ، وعَظُمَ الخَطْبُ ، ثم انْهَزْمَ عبدُ الله
في خَواصِّه ، وقَصَدَ البَصْرَةَ فأخْفاهُ أخُوهُ سُلِيْمَانُ مُدَّةٍ ، ثمَّ ما زَالَ المَنْصُورُ يُلُّ حتى
أَسْلَمَه، فسَجَنه سَنوات، فيُقالُ: حَفَرَ أسَاسَ الحَبْسِ وأرْسَلَ عليه الماء فوَقعَ على
عبدِ الله في سَنة سَبعٍ وأَرْبَعِينَ ومِئَّة فالأمْرُ لله(١).
وجاءَ في تَرَجَمَةِ عُثْمانَ بنِ أبِي شَيْبَة ، قالَ إبراهيمُ بنُ أبي طالِب : جئتُه فقالَ لي :
إلىْ مَتَى لا يَموتُ إِسْحَاقُ بنُ راهَوَيه؟ فقُلتُ له : شَيخٌ مثلُك يَتمَنَّى هذا؟! قالَ :
دَعْنِي فَلَوْ مَاتَ لصَفَا لي جَرِيرُ بنُ عبدِ الحَميد .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : فمَا عاشَ بعد إِسْحَاقَ سِوَى خَمسَةَ أَشْهُر(٢).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ سالِمٍ بنِ حامِد نائبٍ دِمَشْقَ للمُتَوَكل : كانَ ظَلوماً
عَسوفاً ، شَدَّ عليه طائفَةٌ من أشْرافِ العَرَبِ فقَتلُوه ببابٍ دارِ الإمارَة يَومَ جُمُعَة سَنةَ بضْع
وثلاثينَ ومِئْتَين فبلغَ الْمُتَوَكلِ فَتَنمَّر، وقالَ : من للشَّامِ في صَوْلَة الحَجَّاجِ ؟ فَنَدَبَ
أفريدونَ التُّركيَّ، فسارَ في سَبعة آلافٍ فارِس ورَخَّصَ له الْمُتَوَكلُ في بَدْلِ السَّيفِ
ضَحْوَتين ، وفي نَهْبِ البَلد فنَزَلَ بَبَتِ لِهْيا فلمَّا أَصْبَحَ قالَ : يا دِمَشْقُ ، أيش يَحِلُّ بك
اليومَ مِنِّي ، فَقُدِّمَتْ له بَعْلَة دَهْماء لِيَرَكَبَها ، فضَربَته بالزَّوْجِ على فُؤَادِه فقَتَلَته فقَبرُه كان
مَعْروفاً بَيَتِ لِهْيا ، ورُدَّ عَسكَرُه إلى العِراقِ ثم جاءَ بعد الْمُتَوَكلُ إلى دِمَشْقَ وأنْشأَ قَصراً
بداريًا، وصَلُحَ الحَالُ(٣) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الوَزيرِ الأديبِ العلأَّمَة ابنِ الزِيَّات : وكانَ يَقولُ
بِخَلق القُرآن ، ويَقولُ : ما رَحمتُ أحَداً قَطُّ ، الرَّحْمَةُ خَوَرٌ في الطَّبْعِ فسُجنَ في قَفَص
حَرِج، جِهاتُهُ بمَسامِيرَ كالْمَسَالِ، فكانَ يَصيحُ : ارْحَمُوني ، فيَقُولُونَ: الرَّحْمَةُ خَوَرٌ
في الطَّبِيعَةِ(٤) .
(١) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ١٦١/٦ -١٦٢، وانظر النزهة: ٤/٦٣٩.
(٢) انظر السير: (عُثمان بن أبي شيبة) ١٥١/١١-١٥٤، وانظر النزهة: ٢/٩١٧.
(٣)
انظر السير: (سالم بن حامد) ١٦٢/١١، وانظر النزهة : ١/٩١٨.
(٤) انظر السير: (ابنُ الزيَّات) ١٧٢/١١ -١٧٣، وانظر النزهة: ٧/٩٢١.
٦٠٨

قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الْمُتَوَكلِ على الله: وكان الْمُتَوَكلُ جَواداً مُمَدَّحاً
الغَّاباً، وأرادَ أنْ يَعِزِلَ من العَهْدِ الْمُنْتَصِرَ، ويقدِّمَ عليه الْمُعْتَزَّ لحُبَّ أُمَّهُ قَبِيحَة ، فَأْبَى
الْمُنْتُصِرُ، فَغَضِبَ أبوه وتَهدَّدَه، وأغْرَى به، وانْحَرِفَت الأتْراكُ على الْمُتَوكل
لِمُصادَرَتِهِ وَصيفاً وبُغا حتى اغْتالُوه .
وبُويعَ الْمُتَصِرُ من الغَدِ بالقَصْرِ الجَعْفَرِيِّ سَنَ سَبَعٍ وأرْبَعِينَ ومِئْتَين(١).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الْمُنْتَصِر بالله: وكان الْمُتَصِرُ وافِرَ العَقْلِ ، راغِباً في
الخَيرِ ، قَليلَ الظُّلمِ، باراً بالعَلويِّينَ، ويَسُبُّ الأتراكَ ويَقولُ: هَؤلاء قَتْلَةُ الخُلَفَاءِ ،
فقالَ بُغا الصَّغيرُ للذين قَتلوا الْمُتَوَكِّلَ: ما لكم عند هذا رِزْقٌ فعَملوا عليه وهَمُّوا ،
فعَجَزوا عنه، لأنَّه كانَ شُجاعاً مَهيباً يَقِظاً مُتَحرِّزاً لا كأبيه فَتَحِيَّلوا إلى أنْ دَسُوا إلى
طَبيِهِ ابنِ طَيْفُور ثَلاثينَ ألف دينار عند مَرَضِه فأشارَ بفَصْدِهِ، ثم فَصَدَه برِيشَةٍ مَسْمومَةٍ ،
فماتَ منها(٢) .
ويُقالُ: إنَّ طَيْفُور نَسَيَ ومَرِضَ، وافْتَصَدَ بتلك الريشَةِ ، فَهَلكَ(٣).
ووَرَدَ عنه أَنَّه قالَ في مَرَضِه : ذَهَبَتْ يا أُمَّاهُ مِنِّي الدُّنيا والآخِرَة عاجَلتُ
أبي فعُوجِلتُ وكان يُتَّهَم بأنَّه وَاطَأْ علىْ قَتلِ أبيه، فما أُمْهِلَ ، ووَزرَ له أحمَدُ بنُ
الخصيبٍ ، أَحَدُ الظَّلِمَةِ(٤).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الْمُسْتَعينِ بالله : فكاتبَ ابنُ طاهِر في السِّرِّ الْمُعْتَزَّ ،
وانحَلَّ نظامُ الْمُسْتَعين ، وإنَّما كان قَوامُ أمْرِه بابنِ طاهِر ، وكاشَفَه الناسُ ، فَتَحوَّل إلى
الرُّصافَة، ثم سَعِى النَّاسُ في الصُّلْحِ، وخَلْعِ الْمُسْتَعين، فأقامَ في ذلك إسماعيلُ
القاضي وغَيرُه بشروطٍ وَثيقَة ، فأذْعَنَ بخلع نَفْسِه في أوَّلِ سَنة اثنَتَين وخمسينَ ومئْتَين ،
(١) انظر السير: (الْمُتَوَكِّل على الله) ١٢/ ٣٠ -٤١، وانظر النزهة: ١/٩٧٩.
(٢) انظر السير: (الْمُنْتَصِر بالله) ٤٢/١٢ -٤٦، وانظر النزهة: ٣/٩٧٩.
انظر السير: ( الْمُنْتَصر بالله) ١٢/ ٤٢-٤٦، وانظر النزهة : ٤/٩٧٩.
(٣)
(٤) انظر السير: (الْمُنْتَصر بالله) ١٢/ ٤٢ -٤٦، وانظر النزهة : ٥/٩٧٩.
٦٠٩

وأَشْهَد عليه، ثم حُوِّل إلى سامَرَّاء فقُتلَ بقادسِيَّةِ سامَرَّاء في ثالثِ شَؤَّال من السَّنَة ،
فإنَّا لله وإنّا إليه راجِعُون(١) .
وقال الصُّوليُّ: بَعثَ الْمُعْتَزُّ أحمدَ ابنَ طُولونَ إلى واسِطَ لقَتلِ الْمُسْتَعينِ فقالَ :
واللهِ لا أقْتُلُ أولادَ الخُلَفاء فبَعثَ سَعيداً الحاجِبَ ، فما مَتَعَ اللهُ الْمُعْتَزَّ ، بلْ عُوجِلَ
بالخَلْعِ والقَتْلِ جَزاءٌ وِفاقاً(٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ ابنِ خَيْرُونَ : الإمامُ أبو جَعْفَر محمَّدُ ابنُ خَيرُونَ
الْمَعَافِرِي مَوْلاهُم القُرطُبِي(٣).
قال بَعضُهم : كُنتُ جالساً عند ابنِ أبي خِنْزِيرٍ فَدَخلَ شَيخٌ ذو هَيئَة وخُشوع ، فبَكَى
ابنُ أبي خِنزير وقال: السُّلطانُ - يَعْنِي عُبَيْدَ الله - وَجَّهَ إليَّ يأمُرُني بدَوْسِ هذا - يَعْني
ابنَ خَيْرون - حتى يَموتَ، ثم بَطَحَه، وقَفَزَ عليه السُّودانُ حتى ماتَ ، لِجِهادِهِ وبُغْضِه
العُبَيْدِ الله وجُندِه (٤) .
وكانَ سَعى به الْمَروذيُّ اللَّعينُ، ولَمَّا رَأى ابنُ أبي خِنْزِير كثرَةَ أَذَاه للعُلماء تَحَّلَ
وسَعَى به ، حتىُ قَتْلَه ◌ُعُبَيْدُ الله سَنَ ثلاثٍ مِئَة أَوْ بَعدَها، فيا ما لَقِيَ الإسْلامُ وأَهْلُه من
عُبَيْدِ اللهِ الْمَهْدِيِّ الزِّنْدِيق(٥) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ القَاهِرِ بالله العَبَّاسيِّ: بايَعُوه بعدَ الْمُقْتَدِرِ ، فصادَرَ
. حاشِيَةَ أخيه وعذَّبَهم ، وضَربَ أُمَّ الْمُقْتَدِر بيدِه، وهي عَليلَةٌ ثم ماتَت مُعلَّقَةً بحَبْلٍ ،
وعذَّبَ أُمّ مُوسَى القَهْر مانَةَ ، وبالَغْ في الإساءَةِ ، فَتَفَرَت منه القُلوبُ(٦).
ولم يكن القَاهِرُ مُتَمَكُّناً من الأمُورِ، وحَكمَ عليه عليٌّ بنُ بُليق الرَّافِضِيُّ الذي عَزَمَ
على سَبِّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه على الْمَنابِرِ فَارْتَجَّت العِراقُ، وقُبضَ على شَيخِ الحَنابلَة
انظر السير: (الْمُسْتَعِينُ بالله) ٤٦/١٢-٥٠، وانظر النزهة: ١/٩٨١.
(١)
(٢)
انظر السير: (الْمُسْتَعِينُ بالله) ٤٦/١٢-٥٠، وانظر النزهة: ٢/٩٨١.
(٣)
انظر السير : ( ابنُ خَيْرون) ١٤/ ٢١٧، وانظر النزهة : ١/١١٤٧ .
انظر السير: ( ابنُ خَيْرون) ١٤ / ٢١٧، وانظر النزهة : ٢/١١٤٧.
(٤)
انظر السير: ( ابنُ خَيْرون) ٢١٧/١٤، وانظر النزهة : ٣/١١٤٧.
(٥)
(٦) انظر السير: (القَاهِرُ بالله) ٩٨/١٥ - ١٠٣، وانظر النزهة: ١/١١٨٧.
٦١٠

البَرْبَهاريّ، ثم قَويَ القَاهِرُ ونَهَبَ دُورَ مُخالفيه، وطَيَّن علىْ وَلِدِ أخيه الْمُكْتَفي بين
حَيْطَين وضَربَ ابنَ بُليق وسَجنَه ، ثم أمَرَ بذَبْحِه ، ويذَبْحِ أبيه ، وذَبَحَ بعدَهما مُؤْنِساً
الكَبِيرَ ويُمناً وابنَ زيرك وبَذْلَ الجُند العَطاءَ وعَظُمَ شَأْنُهُ ونادَىَ بَتَحْريم الغِناءِ ،
والخَمْرِ ، وكَسْرِ المَلاهي، وهو مع ذلك يَشربُ الْمَطْبوخَ والسُّلافَ ، ويَسكَرُ ويَسْمَعُ
القَيْناتِ واسْتَوزَرَ غير واحدٍ وقَتلَ أبا السَّرايا بنَ حمدانَ وإسْحاقَ النُّوبَخْتِي القَاهُما في
بِثْر، وطُمَت لكَونِهِما زَايَداه في جارِيَة قَبَلَ الخِلافَةَ وبَقِيَ ابنُ مُقْلَة في اخْتِفَائِهِ يُراسِلُ
الجُندَ ويُشَغِّبُهم على القَاهِرِ ، ويَخرُجُ مُتنكِّراً في زِيِّ عَجميٍّ ، وفي زِيِّ شَخَّاذٍ ،
وأعْطَى مُنَجِّماً ذَهباً لِيَقُولَ للقُوَّادِ : عَلِيكُمْ قطعٌ من القَاهِرِ ثم خُلِعَ وأُكْحِلَ بِمِسْمارٍ لِسُوءِ
سِيرَتِهِ وسَفْكِهِ الدِّماءَ وكانت خِلافَتُه سَنةً ونِصْفاً وأُسْبوعاً(١) .
قالَ الصُّولي : كانَ أهْوَجَ ، سَفَّاكاً للدِّماءِ ، كَثِيرَ التَّلوُّنِ، قَبِيحَ السِّيرَةِ، مُدْمِنَ
الخَمْرِ، ولَوْلا جَوْدَةُ حاجِبه سَلامَةَ لأَهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وكانَ قد صَنَعَ حَرْبَةً
يَحْمِلُها فلا يَطْرَحُها حتى يَقْتُلَ إنْساناً(٢) .
ثم أُخْرِجَ إلى دارِ ابنِ طاهِر ، فكان تارَةً يُحبَسُ، وتارَةً يُمْهَلُ، فوقَفَ يوماً بالجَامِعِ
بينَ الصُّفوفِ، وعليه جُبَّةٌ بَيْضاءُ ، وقالَ : تَصَدَّقوا عليَّ، فأنا مَنْ قد عَرَفْتم .
ثم ماتَ فِي سَنةِ تِسْعِ وثَلاثينَ وثَلاثِ مئة ، وله ثَلاثٌ وخَمْسونَ سَنةً(٣) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الْمُتَّقِي لله العَبَّاسيِّ : أقبل تَوْزونُ من وَاسِط فخَلعَ
عليه الْمُتَّقِي ، ولقَّبَه أميرَ الأُمَراء ولكنْ ما تَمَّ الوُدُّ فعادَ تَوْزونُ إلى وَاسِطْ وصادَرَ الْمُتَّقِي
وَزِيرَه، وبَعثَ بخِلَع إلى أحمَدَ بنِ بُوَيه واسْتَوْزَرَ غَيْرَ واحد، ويَعِزِلُهم، وصَغُرَ أمرُ
الوزارَة، ووَهَنَت الخِلافَةِ العِبَّاسِيَّة (٤).
وتوجه الْمُتَّقِي لله من الرَّقَّة إلى بَغْدادَ ، فأقامَ بهِيتَ، وحَلَفَ له تَوْزُونُ ، فلمَّا الْتُّقاه
(١) انظر السير: (القَاهِرُ بالله) ٩٨/١٥-١٠٣، وانظر النزهة: ٢/١١٨٧.
(٢) انظر السير: (القَاهِرُ بالله) ٩٨/١٥ -١٠٣، وانظر النزهة: ٣/١١٨٧.
(٣) انظر السير: (القَاهِرُ بالله) ٩٨/١٥ -١٠٣، وانظر النزهة: ٤/١١٨٧.
(٤) انظر السير: (الْمُتَّقِي الله) ١٠٤/١٥-١١١، وانظر النزهة: ١/١١٨٩.
٦١١

تَرَجَّلَ له وقَبَّلَ الأرضَ، ومَشَى بين يديه إلى مُخيَّمٍ ضَربَه للْمُتَِّي، فلمَّا نزَلَ قَبَضَ
تَوْزُونُ عليه وسَمَلَه، وأُدخِلَ بغدادَ أعْمَى، فللَّه الأمْرُ، وأخَذَ منه البُرْدَ والقَضيبَ
والخَاتَمَ ، وأحْضرَ عبدَ الله الْمُسْتَكْفي بالله ابنَ الْمُكْتَفي فبايَعه بالخِلافَةِ (١).
خُلِعَ الْمُتَّقِي سَنةَ ثلاثٍ وثَلاثين، لم يُمْهَلْ تَوْزونُ ولا حَالَ عليه الحَوْلُ تُوِّي
الْمُتَّقِي في السِّجنِ بعدَ كحْلِه بدَهْر وذلكَ سَنَ سَبعٍ وخَمسينَ وثَلاثٍ مئة (٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الظَّافِرِ بالله العُبَيْدِيِّ: كان نَصْرُ ابنُ عبَّاس بن
أبي الفُتوحِ الوَزيرُ من المِلاحِ فمَالَ إليه الظَّافِرُ وأحَبَّه فاتَّفَقَ هو وأبُوه عبَّاسٌ على الفَتْكِ
بالظَّافِرِ (٣)، فدَعاهُ نَصرُ إلى دارِهم ليَأتِيَ مُتَخَفِّياً، فجاءَ إلى الدَّارِ التي هي اليَومَ
المَدَرَسةُ السُّيوفيَّة فشَدَّ نَصرٌ عليه فقَتَلَه وطَمرَهُ في الدَّارِ وذلكَ في سَنةِ تَسْعٍ وأرْبَعينَ
وخَمسٍ مِنَة وعاشَ الظَّافِرُ اثْنَتَيْنِ وعِشرينَ سَنةً .
ثم رَكبَ عَبَاسٌ من الغَدِ وأتَى القَصرَ وقالَ : أينَ مَوْلانا؟ فطَلبُوهُ ففَقَدُوه وخَرَجَ
جِبريلُ ويوسُفُ أخَوا الظَّافِرِ، فقالَ : أين مَوْلانا؟ قالا: سَلْ ابْنَك ، فَغَضِبَ وقالَ :
أنْتُمَا قَتَلتُماه، وضَربَ رِقَابَهُما في الحَالِ (٤) .
ولَمَّا اغْتَالَ عَبَّاسُ الوَزِيرُ الظَّافِرَ ، أَظْهَرَ القَلقَ، ولمْ يَكنْ عَلِمَ أهْلُ القَصْر بمَقْتَلِهِ
فطَلبُوهُ فِي دُورِ الحُرَمَ فمَا وَجدُوه وفَتَّشُوا عليه وأيِسُوا منه وقالَ عَبَاسٌ لأخَوَيْه : أنّما
الذين قَتلتُما خَليفَتَنَا فأصَرَّا على الإنْكارِ، فقَتَلَهما نَفْياً للثُّهْمَةِ عَنه واسْتَدعَىُ في الحالِ
عِيسَى هذا، وهو طِفْلٌ له خَمسُ سِنِينَ وقِيلَ: بلْ سَنتَان فحَمَلَه علىْ كَتَفَيْهِ وَوَقَفَ باكياً
كَئِيباً، وأمَرَ بأنْ تَدْخُلَ الأُمَراءُ، فدَخَلوا فقالَ: هذا وَلدُ مَوْلاكُم، وقد قَتَلَ عَمَّاهُ
مَوْلاكُم، فقَتَلتُهما به كَما تَرَوْنَ والوَاجِبُ إخْلاصُ النِّيّة والطَّاعَة لهذا الوَلَد فقالُوا
كُلُّهم : سَمْعاً وطاعَةً ، وضَجُوا ضَجَّةً قوَيَةً بذلكَ ففَزِعَ الطِّفلُ، وبالَ على كتفِ المَلِكِ
(١) انظر السير: (الْمُتَّقِي الله) ١٠٤/١٥-١١١، وانظر النزهة: ٢/١١٨٩.
(٢) انظر السير: (الْمُتَّقِي لله) ١٠٤/١٥-١١١، وانظر النزهة: ٣/١١٨٩.
(٣) يذكر أسامة بن مُنقِذ أن الظافر حمل نصراً على قتل أبيه، فاطَّع والدُه على الأمر فلاطَفه واستماله وقرَّر
معه قتل الظافر، انظر ((الاعتبار)) ١٩ - ٢٠.
(٤) انظر السير: (الظّافر بالله) ٢٠٢/١٥-٢٠٥، وانظر النزهة: ٣/١٢١٦.
٦١٢

عَبَّاس ولَقَّبُوهُ الفائزَ، وبَعثُوهُ إلى أُمِّه ، واخْتُلَّ عَقلُه من حينَئِذٍ وصَارَ يَتحرَّكُ ويُصْرَع ،
ودَانَت الْمَمالِكُ لعَبَّاسٍ .
وأمَّا أهْلُ القَصْر، فاطَّلَعُوا على باطِنِ القَضيّة، وأقامُوا المَآتِمَ على الثَّلاثَة ،
وَتحيَّلوا، وكاتَبَوا طَلائعَ بنَ رُزِّك الأرمنيَّ الرَّافِضِيَّ(١). وَالَيَ المُنْيَة(٢)، وكان ذَا
شَهامَةٍ وإقْدام فسَألوهُ الغَوثَ، وقَطَعوا شُعورَ النِّساءِ والأوْلادِ، وسَيَّروها في طَيِّ
الكتابِ وسَخَّمُوه ، فلمَّا تأمَّلَه اطّلعَ مَنْ حَوْلَه من الجُنْدِ عَليه، وبَكَوا ولَيسَ الحِدادَ ،
واسْتَمالَ عَرَبَ الصَّعيدِ، وجَمعَ وحَشَدَ ، وكاتَبَ أُمَراءَ القَاهِرَة ، وهَيَّجَهم علىُ طَلبٍ
الثَّارِ فأجابُوهُ فسَارَ إلى القاهِرَةِ ، فبادَرَ إلى رِكابِهِ جُمْهُورُ الجَيشِ، وبَقيَ عَبَّاسٌ في
عَسْكَرٍ قَليلٍ فخَارَت قُواهُ وهَربَ هو وابنُه نَصرٌ وممَاليكُه والأميرُ ابنُ مُنقِذٍ .
ثم قَصَدَ عَبَّاسُ الشَّامَ على ناحيَة أَيْلَة في ربيع الأول، فمَا كانَت أيَّامُه بعدَ قَتَلِ الظَّافِرِ
إلَّ يَسيرَةٌ ، واسْتولَى الصَّالِحُ طَلائِعُ بنُ رُزِّيكَ علىُ دِيارِ مِصْرَ بلا ضَربَةٍ ولا طَعنَةٍ ،
فَزَلَ إلى دارِ عَبَّاس، وطَلبَ الخَادِمَ الصَّغيرَ الذي كانَ مع الظَّافِرِ، وسَأَلَه عن المَكانِ
الذي دُفنَ فيه أُسْتاذُه ، فَأَعْلَمَه فقَلعَ بَلاطَه ، وأخْرَجَ الظَّافِرَ ومَنْ مَعَه من القَتْلَى وحُمُلُوا
وناحُوا عَليهِم وتَكَفَّلَ طَلائعُ بالفائِزِ ، ودَبَّرَ الدَّولَةِ .
وجَهَّزَت أُختُ الظَّافِرِ رَسُولاً إلى الفِرَنْجِ بعَسْقَلانَ ، وبذَلَت لهم مالاً عَظيماً إِنْ
أَسَروا لها عَبَّاساً وابنَه، فخَرجُوا عَليه، فالْتَقَاهُم، فقُتلَ في الوَقْعَةِ، وأُخِذَت
خَزائِنُهُ، وأَسَروا ابنَه نَصْراً، وبَعْثُوهُ إليها في قَفَصٍ حَديدٍ ، فلمَّا وَصَلَ ، قَبَضَ
رَسُولُهم المَالَ، وذلكَ في ربيع الأول سَنةَ خَمسينَ وخمسٍٍ مِئَة ، فقُطِعَتِ يَدُ نَصْر ،
وضُربَ بالمَقَارِعِ كَثيراً، وقُصَّ لَحْمُه ثم صُلِبَ فمَاتَ ، فبقيَ مُعلَّقاً شُهوراً، ثم
أُخْرِقَ .
(١) لُقِّبَ بالملك الصالح، كان شُجاعاً حازماً مُدبِّراً، أصله من الشيعة الإمامية في العراق ، مات غِيلة سنة
٥٥٦ هـ.
(٢) مُنْيَة بني خصيب ، من أعمال صعيد مصر.
٦١٣

ماتَ الفَائِزُ سَنةَ خَمسٍ وخَمسينَ وخَمسٍ مِثَة ، وله نَحْو من عَشْر سِنِينَ ، وبايَعوا
العَاضِدَ(١).
وقالَ الإمامُ الذهبيُّ فِي تَرَجَمَةِ سُلَيْمَانَ الْمُسْتَعِينِ بالله: ثم إنَّ عليَّ ابنَ حَمُّودَ
الإدريسيَّ طَمِعَ في الخِلافَةِ وراسَلَ جَماعةً ، فاسْتجابَ له خَلقٌ ، وبايَعوه ، فعَدَّى من
سَبْتَةَ إلى الأنْدَلُسِ، فبايَعَه مُتَولِّي مالِقَة واسْتحْوَذَ على الكِبارِ ، وزَحَفَ إلىْ قُرْطُبَةَ،
فَجَهَّزَ الْمُسْتَعِينُ بالله لحَرْبِهِ وَلدَه مُحمَّدَ بنَ سُليمانَ، فالْتَّقوا، فانْهَزَمَ مُحمَّدٌ، وهَجمَ
ابنُ حَمُّد ، فدَخَلَ قُرْطُبَةَ في الحالِ ، وظَفِرَ بِالْمُسْتَعِينِ ، فَذَبَحَه بيدِه صَبْراً ، وذَبَحَ أباه
الحَكَمَ وهو شَيخٌ في عَشْرِ الثَّمانينَ ، وذلكَ في الْمُحرَّم ، سَنةَ سَبعٍ وأرْبَع مئة وانْقَضَتْ
دَولَةُ الْمَرْوانِيَّةِ فِي جَميعِ الأنْدَلُس .
وكان الْمُسْتَعينُ أديباً شاعِراً، عاشَ نَّهاً وخمسينَ سَنةً(٢) .
وأما عليُّ بنُ حَقُّد ، فوَنْبَ عليه غِلْمَانٌ له صَقَالِبَة في الحَمَّامِ ، فَقَتْلُوه في آخِرِ سَنةٍ
ثَمان وأرْبَع مئة(٣) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ قِرْواش بنِ مُقلَّد: وكان أديباً شاعراً ، جَواداً
مُمَدَّحاً ، نهَّاباً وَهَّاباً، فيه جاهليّة وطَبِعُ الأعْرابِ ، يُقالُ إنَّه جَمعَ بين أُختَين ،
فلامُوهُ ، فقالَ : حَدِّثوني ما الذي نَعمَلُ بالشَّرع حتَّى تَذْكُرُوا هذا؟ وقالَ مَرَّة ما في
عُنُفِي غَيرُ دمٍ خَمسَةٍ سِتّةٍ من العَرَب ، فأمَّ الحاضِرَةُ ، فمَا يَعبأ الله بهم(٤) .
ثم إِنَّه وَقَعَ بينَه وبينَ ابنِ أخيه بَرَكة ، فظَفرَ به بَرَكَةُ وحَبسَه وتَمَلَّك ، وتَلقَّبَ زَعيمَ
الدَّولَة ، في سَنةِ إحْدى وأربعين وأربع مئة ، فلَمْ تَطُلْ دَولَةُ بَرَكة ، وماتَ في آخِرِ سَنةٍ
ثَلاثٍ وأَرْبَع مِئة، فقامَ بعدَه الْمَلِكُ أبو المَعَالِي قُرَيشُ بنُ بَدْرانَ بنُ مُقَلَّد، فأخْرجَ
عَمَّه ، وذَبَحَه صَبْراً في رَجَبَ سَنةَ أرْبَع وأَرْبَعِينَ وأرْبَع مئة .
(١) انظر السير: (الفائز بالله) ٢٠٥/١٥ -٢٠٧، وانظر النزهة: ٢/١٢١٧.
(٢)
انظر السير: ( سُلَيمَانُ الْمُسْتَعِينُ بالله) ١٣٣/١٧-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٠.
انظر السير: ( سُلَيْمَانَ الْمُسْتَعينُ بالله) ١٣٣/١٧ -١٣٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٣٠ .
(٣)
(٤) انظر السير: (قِراوَش) ٦٣٣/١٧ - ٦٣٤، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٠.
٦١٤
٦

وتَمَكَّنَ قُرَيشٌ، ونَهضَ مع البَسَاسيريِّ، ونَهبَ دَارَ الخِلافَةِ ، وكانَ هَلاكُهُ
بالطَّاعُونِ في سَنةِ ثَلاثٍ وخَمسينَ وأَرْبَع مئة كَهْلاً ، فَتَملَّكَ بعدَه ابنُهُ شَرَفُ الدَّولَةَ
مُسْلِمُ بنُ قُرَيش ، فعَظُمَ سُلطانُه، واسْتَولَى على الجَزِيرَة وحَلبَ ، وحاصَرَ دِمَشْقَ وكادَ
أنْ يَأْخُذَها، وأخَذَ الإتاوَةَ من بلادِ الرُّومِ ، وخَرَجَ عليه أهْلُ حرَّانَ سَنةَ سِتٍّ وسَبعينَ
وأرْبَع مئة، فظَفرَ بهم ، وقَتلَ قاضيَها، وكان مُحبَّباً إلى الرَّعيَّة مَهيبً(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الوَزيرِ السُّمَيْرَمِيِّ: وقيلَ إنَّ الذي قَتَله كان عَبْداً
للمُؤيَّد الطُّغْرائي وَزيرُ السُّلطانِ مَسْعود، فإنَّ الشُّمَيَرَمِيَّ قَتلَ أسْتاذَه ظُلماً ونَزَه بأنَّه
فاسِدُ الاعْتِقَادِ ، وكلُّ قاتلٍ مَقتولٌ(٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ البَطَائحي: هو وَزِيرُ الدِّيارِ المِصْريَّة، والدَّولَة
العُبَيَدِيَّة ، الْمَلكُ أبو عبد الله الْمَأمونُ بنُ البَطائحيُّ، وكانَ من قِصَّتِهِ أنَّ أباه كان
صاحِبَ خَبَرٍ بالعِراق للمِصْرِيِّينَ من أجْلادِ الرافِضَة ، فمَاتَ، ونَشْأ الْمَأْمُونُ فَقَيراً
صُعْلوكاً فكانَ حَمَّالاً في السُّوقِ بِمِصْرَ، فدَخلَ مرَّة إلى دَارِ الأفْضَلِ أميرِ الجُيوشِ مع
الحَمَّالين فرَآهُ الأَفْضَلُ شابًّاً مَليحاً، خَفيفَ الحَرَكاتِ ، فقالَ: مَنْ هذا؟ قالَ
بَعضُهم : هذا ابنُ فُلان، فاسْتَخدَمَه فرَّاشاً مع الجَماعَة فتَقدَّم وتميَّز ، وتَرَفَّى به الحالُ
إلى الْمُلكِ، وهو الذي أعَانَ الآمِرَ باللهِ على الفَتَكِ بأميرِ الجُيوش ، ووَلِي مَنْصِبَه ،
وكان شَهْماً مِقْداماً، جَواداً بالأمْوالِ، سَفَّكاً للدِّماءِ عُضْلَةً مِنَ العُضَلِ، ثم إنَّه عامَلَ
أخا الخَليفَة الآمِرِ على قَتلِ الآمِرِ، ودَخلَ مَعهُما أُمَرَاءٌ، فعَرفَ بذلكَ الآمِرُ، فقَبَضَ
على الْمَأْمُونِ، وصَلبَه ، واسْتَأَصَلَه، في سَنةِ تِسْعَ عَشرَةَ وخَمسٍ مئة (٣) .
جاءَ في تَرجَمَةِ الْمُقْتَفي لأمْرِ الله العَبَّسيِّ، قالَ أبو طالِب بنُ عبد السَّميع : كانت
أيَّامُهُ نَضِرَةً بالعَدْلِ زَهِرَةً بالخَيرِ ، وكانَ علىُ قَدَم من العِبَادَة قَبَلَ الخِلافَةِ ومَعها ، ولَمْ
(١) انظر السير: (قِراوَش) ٦٣٣/١٧ -٦٣٤، وانظر النزهة: ٣/١٣٧٠.
(٢) انظر السير: (السُّمَيْرَمي) ٤٣٢/١٩ -٤٣٣، وانظر النزهة: ١/١٤٩٦.
(٣) انظر السير: ( البَطائحيّ) ١٩/ ٥٥٣، وانظر النزهة : ١٥١٣/ البَطائحيّ.
٦١٥

يُرَ مع لِينِهِ بعد الْمُعْتَصِم في شَهامَتِهِ مع الزُّهْدِ والوَرَعِ، ولَمْ تَزَلْ جُيوشُه مَنصُوَرةً(١).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وكانَ من حَسَناتِهِ وَزيرُه عَوْنُ الدِّينِ بنُ هُبَيْرَة، وكانَ أسْمَرَ
آدَمَ ، مَجْدورَ الوَجْه ، مَلِيحَ الشَّيْبَة، أقامَ حِشْمَةَ الخِلافَة وقَطَعَ عَنها أطْماعَ السَّلاطين
السَّلجوقيّة وغَيرِهم(٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ خَوارِزْ مشاه وجُيوشِه : كان يُضرَبُ بهم المَثَل في
النَّهْب والقَتْل، وعَملوا كُلَّ قَبيح، وهم جِياعٌ مُجَمَّعَة، ضِعافُ العَددِ والخَيلِ الْتُقْىُ
جَلالُ الدِّينِ الثَّتَارَ ، فَهَزَمَهم وهَلكَ مقدمُهم ابنُ جنكيزخان، ثم خَرِجَ له كَمِينٌ فَتَقَلَّلَ
جَمِعُ جَلالِ الدِّين وفَرَّ إلى ناحية غَزْنَةَ في حالٍ واهية ، ومعه أرْبَعَةُ آلافٍ في غايَة
الضَّعْف فتوجَّه نحو كِرْمَانَ فأحْسَنَ إليه مَلكُها ، فلمَّا تَقَوَّى غَدرَ به وقتلَه ، وسار إلى
شِيرازَ وعَسْكَرُه علىُ بَقَر وحَمير ومُشاة ففَرَّ منه صاحبُها ، وجَرَت له أمُور يَطولُ شَرْحُها
ما بَيْنَ ارْتقاءٍ وانْخِفاضٍ، وهابتْهُ الَّتَارُ، ولَوْلاه لدَاسُوا الدُّنْيا ، وقد ذَهبَ إليه مُحْيِي
الدِّين ابنُ الجَوْزي رَسُولاً فوَجدَه يَقْرَأُ في مُصْحَفٍ ويَبْكي ، ثم اعْتَذَرَ عَمَّا يَفْعِلُهُ جُندُه
بِكَثْرَتِهِم ، وعَدم طاعَتِهِم ، وقد تَقَاذَفَت به البلادُ إلى الهِنْدِ ثم إلىُ كِرْمانَ ثم إلى أعْمالِ
العِراقِ(٣).
وساقَ إلى أذْرَبيجانَ فاسْتولَىْ علىْ كَثِيرٍ منها ، وغَدرَ بأتابِك أُزبك ، وأخْرجَه من
بلادِهِ، وأخَذَ زَوجَه ابنَة السُّلطانِ طُغرل، فَتَزوَّجَها ثم عَملَ مصافًّاً مع الكَرْج
فطَحَنَهم ، وقَتَلَ مُلوكَهم، وقَويَ مُلكُه، وكَثُرت جُموعُه، ثم في الآخِرِ تَلَاشَىْ أمرُه
لَمَّا كَسَرَه الْمَلكُ الأشْرَفُ مُوسَى وصاحبُ الرُّوم بناحية أرمينية ، ثم كَبَسَتْه النَّارُ لَيلةً ،
فَنَجا في نَحوٍ من مئة فارِس ثم تَفرَّقوا عنه إلى أنْ بَقِيَ وَحدَه ، فَأَلَحَّ في طلبه خَمسةً عَشرَ
من الشََّارِ فَثَبَتَ لهم وقَتلَ اثْنَين فأحْجَمُوا عنه ، وصَعدَ في جَبَل بناحِيَة آمَد يَنزِلُهُ أُكْرادٌ
فأجارَه كَبِيرٌ منهم، وعَرَفَ أنَّه السُّلطانُ، فوَعدَه بكل خَيرٍ ، ففَرَح الكُرْدِيُّ، وذَهبَ
(١) انظر السير: (الْمُقْتَفي لأمْر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/١٥٦٨.
(٢) انظر السير: (الْمُقْتَفي لأمر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/١٥٦٨.
(٣) انظر السير: (خُوارزمشاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ٤/١٦٩٤.
٦١٦

ليُحْضِرَ خَيلاً له ويُعلِمَ بَنِي عَمِّه، وتَركَه عندَ أُمُّه، فجاءَ كُرْدٌّ فيه جُرأةٌ فقال : ليش(١)
تخلُّوا هذا الخُوارِزْميَّ عندكم؟ قيل : اسْكُت هذا هو السُّلطانُ ، فقالَ : لأقْتُلَنَّه فقد
قَتْلَ أخي بخِلاطَ ، ثم شَدَّ عليه بحَرْبَة ، قَتْلَه في الحالِ فِي سَنةٍ ثَمَانٍ وعَشْرِينَ وسِتٌ
مئة (٢).
(١) لفظة عامية معناها لأي شيء.
(٢) انظر السير: (خُوارزمشاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ١/١٦٩٥.
٦١٧

أهْلُ الذِّمَّة
١ - لا يَجُوزُ أمْرُهم بتأخير الإسْلام إذا أرادوا الدُّخولَ فيه :
قالَ الحاكمُ : سَمعتُ الحُسَينَ بنَ أحمَدَ الْمَاسَرْجِسيَّ، يَحكي عن جَدِّه وغَيْرِهِ ،
قالَ : كانَ الحَسنُ والحُسَينُ ابنا عيسَىْ يَركَبَانِ معاً، فَيَتَحَيَّرُ النَّاسُ من حُسنِهِما
وبَزَِّهِما، فاتَّفَقا على أن يُسْلِمَا، فَقَصَدا حَفْصَ بنَ عبدِ الرَّحْمَنِ ، فقالَ : أنُّما من
أجَلِّ النَّصَارَىُ ، وابنُ الْمُبَارَك قادِمٌ لِيَحُجَّ فإذا أسْلَمْتُما على يَدِهِ كان ذلكَ أعْظَمَ عند
المسلمين ، وأرْفَع لكما ، فإنَّه شَيخُ الْمَشْرِقِ فَانْصَرَفا عنه فمَرِضَ الحُسَينُ ، فماتَ
نَصْرانياً ، فلمَّا قَدِمَ ابنُ الْمُبَارَك ، أسلمَ الحَسَنُ على يَدِه .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : يَبِعُدُ أنْ يَأْمُرَهُما حَفْصٌ بتأخيرِ الإسْلامِ، فإنَّهَ رَجلٌ عالمٍ فإنْ
صَحَّ ذلك فمَوتُ الحُسَين مُريداً للإِسْلام، مُنْتَظِرٌ قُدُومَ ابنِ الْمُبَارَكُ ليُسْلمَ نافعٌ له (١) .
٢- هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ له: «أكرَمَكَ الله)) ؟
قالَ إبْراهيمُ الحَرْبِيُّ: سُئلَ أحمدُ عن المُسْلمِ يَقولُ النَّصْرانيِّ: أكْرَمَكَ اللهُ قال :
نَعَم ، يَنْوِي بها الإسْلامَ(٢) .
٣- مَنْ ظُلِمَ منهم فخلَّصَه عالمٌ من المسلمين :
قال مَالِكُ بنُ دِينَارٍ : حَدَّثَنِي فُلانٌ أنَّ عامِرَ بنَ قَيْسٍ مَرَّ في الرَّحْبَةِ وإذا رجلٌ يُظْلَمُ ،
فَأَلْقَى رداءَه وقال : لاَ أَرَى ذِمَّةَ الله تُخْفَرُ وأنا حَيّ، فاسْتَنْقَذَه ، ويُرْوَى أَنَّ سَبَبَ إبعادِه
إِلى الشَّام، كَوْنُهُ أَنْكَرَ وخَلَّصَ هذا الذِّمِيَّ(٣).
(١) انظر السير: (الحَسَنُ بنُ عيسى بنُ ماسَرْجِس) ٢٧/١٢ -٣٠، وانظر النزهة: ٢/٩٧٦.
(٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٦/٩٤٧.
(٣) انظر السير: (عامر بن قيس) ١٥/٤-١٩، وانظر النزهة: ٣/٤٣٤.
٦١٨

٤ - زيارَةُ أهْلِ الذِّمَّة لعُلَماء المسلمين :
قال الْمَرْوذِيُّ : رَأيتُ طَبِيباً نَصْرانيّاً خَرجَ من عندِ أحمَدَ مَعه رَاهِبٌ ، فقالَ : إِنَّه
سَأَلَنِ أنْ يَجِيءَ مَعي ليَرَى أبا عبدِ الله .
وأدْخلتُ نَصرانيّاً على أبي عبدِ الله، فقالَ له : إنِّي لأشْتَهي أنْ أَرَاكَ مُنذُ سِنِينَ
ما بقاؤُك صَلاحٌ للإِسْلامِ وَحدَهم، بلْ للخَلقِ جَميعاً ، ولَيسَ من أصْحَابنا أحَدٌ إلاَّ وَقَدْ
رَضِيَ بك(١) .
٥- كيفَ عَزَلَ الإِمامُ الطَّرْطُوشيُّ وَزيراً من أهْلِ الذِّمَّة ؟
قالَ القاضي شَمسُ الدِّين ابنُ خَلِّكانَ : دَخلَ الطُّرْطُوشيُّ على الأَفْضَلِ ابنِ أميرٍ
الجُيوشِ بِمِصْرَ ، فَبَسَطَ تَحْتَه مِنْزَرَة، وكانَ إلى جانِبِ الأَفْضَلِ نَصْرانيٌّ فوَعَظَ الأَفْضَلَ
حتَّى أَبْكاهُ(٢) ثم أَنْشَدَه :
وَحَقُّهُ مُفْتَرَضٌ وَاحِبُ
يَا ذَا الَّذِي طَاعَتُهُ قُرْبَةٌ
يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبُ
إِنَّ الَّذِي شُرِّفْتَ مِنْ أَجْلِهِ
وأشارَ إلى ذلكَ النَّصْرانيِّ، فأقامَ الأَفْضَلُ النَّصْرانيَّ من مَوْضِعِهِ .
وقد صَنَّفَ أبو بكر كتابَ (( سِراجُ الْمُلوكِ))(٣) للمَأْمُونِ بنِ البَطَائحيِّ الذي وَزَرَ
(١) انظر السير: (أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٢٨.
(٢) فكان مما قال له كما في ((نفح الطيب)): إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت
من كان قبلك ، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك ، فاتَّقِ الله فيما خوَّلك من هذه الأمة ، فإنَّ الله عزَّ
وجَلَّ سائلُك عن النَّقير والقِطْمير والفَتيل ، واعلم أن الله عزَّ وجلَّ آتى سُليمانَ بنَ داوُدَ مُلكَ الدُّنيا
بحذافيرها ، فسخّر له الإنْسَ والجِنَّ والشَّياطين والطير والوحش والبَهائمَ، وسخّر له الرِّيحَ تَجْري بأمره
رُخاءً حيثُ أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع ، فقال عزَّ من قائل: ﴿ هَذَا عَطَآؤُنَا فَأْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرٍ
حِسَابٍ﴾ فما عدَّ ذلك نعمةً كما عَددْتموها، ولا حَسبها كرامةً كما حسبتموها ، بلْ خاف أن يكون
استدراجاً من الله عزَّ وجَلَّ، فقال: ﴿ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ لِيَبْلُوَنِىِّ ◌َأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرْ﴾ فافتح الباب ، وسَهِّلْ
الحجاب ، وانصر المظلوم .
(٣) وهو من أمتع الكتب وأجودها في بابها، يُقالُ: إنَّ كُتب على اللَّوحَة الأولىُ منه هذان البيتان:
لِكِنَّي أُهْدِي على قَدْريّ
النَّاسُ يُهدُونَ علىْ قَدْرِهِم
٦١٩

بِمِصْرَ بعدَ الأَفْضَلِ ، وله مُؤْلَّف في طريقَةِ الخِلافِ ، وكان الْمَأمونُ قد نؤَّه باسمِه ،
وبالَغَ في إِكْرامِهِ(١) .
٦ - كيف عُزلَ نائبان - من أهل الذِّمَّة - للعَزيز صاحبٍ مِصْرَ؟
جاءَ في تَرجَمَةِ العَزيزِ باللهِ العُبَيْدِيِّ صاحِبٍ مِصْرَ، قَالَ أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزيِّ:
كان العَزيزُ قد وَلَّىُ عيسَىُ بنَ نسْطورس النَّصْرانيّ أمْرَ مِصْرَ، واسْتَنَابَ مُنشًا اليهوديّ
بالشَّامِ فَكَتَبَت إليه امرأةٌ : بالذي أعَزَّ اليهودَ والنَّصَارَىْ بمُنشًا وابنَ نسْطُورَس ، وأذَلَّ
المسلمينَ بِك ، إلاَّ ما نَظَرتَ في أمْري .
فقَبضَ على الاثنين وأخذَ من عيسَىُ ثلاثَ مئَة ألفِ دينار (٢) .
٧- تَعْظیمُ واحدٍ منهم لدِينِه :
وقيلَ : إِنَّ الأخْطَلَ قَيَّدَه الأُسْقُفُ وأهانَه، فلِيمَ في صَبرِه له ، فقالَ : إنَّه الدِّينُ ،
إِنَّه الدِّينُ ..
وقد حصَّلَ أمْوالاً جَزِيلَةٍ مِن بَنِي أُمَيَّة ، وماتَ قبلَ الفَرَزْدَق بسَنَوات(٣)
٨- مَنْ أسْلَمَ من أهْلِ الذِّمَّة فصَارَ عالماً :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الحَسَنِ بنِ عِيسَى بِنِ مَاسَرْجس: الإمامُ الثَّقةُ
الجَليلُ ، أبو عَلَيّ النِّيسابوري .
كانَ من كُبَرَاءِ النَّصَارَىُ فأسْلَم(٤).
قالَ الحاكمُ : سَمعتُ الحُسَينَ بنَ أحمَدَ الْمَاسَرْجِسيَّ، يَحكي عن جَدِّه وغَيرِه ،
قالَ : كانَ الحَسنُ والحُسَينُ ابنا عيسَى يَركَبانِ معاً، فيَتَحَيَّرُ النَّاسُ من حُسنِهِما
=
يَبْقَىُ على الأيَّام والدَّهْر
يُهْدُون ما يَفْنَى وأُهدي الَّذي
(١) انظر السير: (الطُّرْطُوشيُّ) ١٩/ ٤٩٠ -٤٩٦، وانظر النزهة : ٤/١٥٠٠.
انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٥/ ١٦٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/١٢٠٦.
(٢)
(٣) انظر السير: (الأخْطَل) ٥٨٩/٤، وانظر النزهة : ٤/٥٦٤.
(٤) انظر السير: (الحَسَن بن عيسى بن ماسَرْجس) ٢٧/١٢ -٣٠، وانظر النزهة: ١/٩٧٦.
٦٢٠