النص المفهرس
صفحات 561-580
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: فهذا مَحْمولٌ علىُ ضَعْفِ الرأي ، فإنَّه لَوْ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ ، لأ نْفَقَه كُلَّه في سَبيلِ الخَيرِ ، ولَتَرَكَ الْيَتِيمَ فَقيراً فقد كانَ لا يَستَجِيزُ ادِّخارَ النَّقْدَين والذي يَتأمَّرُ على النَّاسِ، يُريدُ أنْ يَكونَ فيه حِلمٌ ومُدارَاةٌ ، وأبو ذَرْ رضي الله عنه كانت فيه حِدَّة - كما ذَكَرْناه - فَنَصَحَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم(١) . وعن الأعْمَشِ ، قالَ أبو وَائل - شَقيقُ بنُ سَلَمَة - : يا سُلَيْمَانُ ما فِي أُمَرائِنا هَؤلاء وَاحِدَة من اثْنَين: ما فيهم تَقْوَىُ أهْلِ الإسْلامِ ولا عُقُولُ أهْلِ الجَاهِلِيَّة (٢). وقالَ الإِمامُ الشَّافِعِيُّ: آلاتُ الرِّياسَةِ خَمسٌ: صِدْقُ اللَّهْجَةِ، وكِثْمَانُ السِّرِّ والوَفاءُ بالعَهْدِ ، وابْتِداءُ النَّصيحَةِ، وأدَاءُ الأمانَةِ . وقد صَنَّفَ الحافِظُ أبو بكر كِتَاباً في ثُبُوتِ الاحْتِجاجِ بالإمامِ الشَّافِعِيِّ(٣). ( ب ) الضَّبْط والحَزْم : جاءَ في تَرَجَمَةِ الْمُعْتَضِدِ بالله العَبَّسيِّ، قال أبو علي الْمُحْسن التَّنُوخِيُّ: بَلغَني عن الْمُعْتَضِدِ أنه كان جالساً في بيتٍ يُبنَى له فرأى فيهم أسْوَدَ مُنْكَرُ الخِلقَة يَصْعَدُ السَّلَالِمَ دَرجَتينِ دَرَجَتِينِ، ويَحمِلُ ضِعْفَ ما يَحْملُهُ غَيْرُه، فَأَنْكُرَ ذلك، وطلَبَه، وسَأَلَه عن سَببٍ ذلك ، فَتَلَجْلَجَ فَكلَّمَه ابنُ حَمْدونَ فيه ، وقالَ : مَنْ هذا حتى صَرَفْتَ فِكْرَكَ إليه ؟ قالَ : قد وَقَعَ فِي خَلَدي أمْرٌ ما أحْسَبُهُ باطِلاً، ثم أمَرَ به ، فضُربَ مئةً، وتَهدَّدَه بالقَتْلِ ودَعَا بالنَّطَعِ(٤) والسَّيْفِ ، فقالَ: الأمانَ ، أنا أعْمَلُ في أَتونِ الآجُرُّ ، فدَخلَ من شُهورِ رَجلٌ فِي وَسَطِه هِمْيَانٌ(٥) ، فأخْرَجَ دَنانيرَ فوَثبتُ عليه ، وسَدَدتُ فاه ، وكَتَّفْتُه وألْقَيْتُه في الأُتُونِ ، والذَّهَبُ مَعي يَقْوَى به قَلبي، فاسْتَحْضَرَها ، فإذا عَلى الهِمْيانِ (١) انظر السير: (أبو ذَرْ) ٤٦/٢-٧٨، وانظر النزهة: ١/٢٢١. (٢) انظر السير: (شقيقُ بنُ سَلمَة) ١٦١/٤ -١٦٦، وانظر النزهة: ٤/٤٦٩. (٣) انظر السير: ( الإمامُ الشَّافِعِيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٥/٨٤٩. النَّطَعِ: بفتح النُّونِ وَكَسْرِها، وفَتْح الطَّاءِ وكَسْرِها وسُكونها : بساطٌ من جلد، كثيراً ما كان يُقْتَلُ فوقه (٤) المحكوم عليه بالقتل . (٥) الهِمْيان: كيسٌ للنَّفَقَة يُشدُّ في الوَسَط . ٥٦١ اسْمُ صاحِبِه، فنُودِيَ فِي البَلِدِ ، فجاءَت امْرأةٌ ، فقالَت : هو زَوْجي ولِيَ منه طِفِلٌ ، فسَلَّمَ الذَّهَبَ إليها ، وقَتلَه(١) . وقالَ أبو عَلَيِّ الْمُحْسنِ التَّنُوخِيُّ: وبَلغَني عنه أيضاً أنَّ خادِماً أتاه فأخْبَرَه أنَّ صيّادا أُخْرَجَ شَبكتَه ، فَثَقُلت ، فجَذَبها ، فإذا فيها جرابٌ، فظَنَّه مالاً، فإذا فيه آجُرٍّ بينَهَ كَفّ مَخْضُوبَةٍ ، فَهَالَ ذاكَ الْمُعْتَضِدَ وأمَرَ الصَّيَّادَ ، فعاوَدَ الشَّبَكَة، فخَرجَ جِرابٌ آخَرُ فيه رِجْلٌ ، فقالَ : مَعي في بَلِدِي مَنْ يَفعَلُ هذا؟ ما هذا بمُلكِ! فلَمْ يُفطِرْ يومَه ، ثم أحْضَرَ ثقةً له، وأعْطاهُ الجِرابَ ، وقالَ : طُفْ به على مَنْ يَعمَلُ الجُرُبَ: لِمَنْ باعَه ؟ فَغَابَ الرجلُ، وجاءَ وقد عَرفَ بائِعَه ، وأنَّه اشْتَرَى منه عَطَّارٌ جِراباً ، فذَهبَ إليه ، فقالَ : نَعَم ، اشْتَرى مني فُلانٌ الهاشِمِيُّ عَشرَةَ جُرُبٍ ، وهو ظالِمٌ إلى أنْ قالَ : يَكفيكَ أنَّه كان يَعْشَقُ مُغَنَّةً، فَاكْتَراها من مَوْلاها، واذَّعَىْ أَنَّا هَرَبَت! فلَمَّا سَمِعَ الْمُعْتَضِدُ ذلك سَجدَ ، وأحْضَرَ الهاشِميَّ، فأخْرَجَ له اليَدَ والرِّجْلَ، فاصْفَزَّ واعْتَرفَ ، فَدَفَعَ إلى صاحِبِ الجاريَةِ ثمَنها ، وسَجنَ الهاشِمِيَّ، فيُقالُ: قَتْلَه(٢). قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجَمةِ : صاحبِ المَغْرب : أبو إسْحاقَ إبرهيمُ ابنُ أحمد بنُ الأغْلِبِ التَّميميُّ الأغْلبيُّ القَيْرِوَانِيُّ، ابنُ أُمَراء القَيْرِوَان. وَلَيَ سَنَةَ إِحْدَىُ وستِّين ومئتَين(٣) . وكان مَلكاً حازِماً صارماً مَهيباً ، كانت التجَّارُ تَسيرُ في الأمْنِ من مِصْرَ إِلَى سَبْتَة ، لا تُعَارَض ، ولا تُرَوَّع . ابْتَنى الحُصونَ والمَحارسَ ، بحيثُ كانت تُوقَدُ النَّارُ ، فَتَتَّصلُ في ليلة إذا حَدثَ أمرٌ من سَبْتَة إلى الإسْكَنْدَرَّة، بحيثُ إنَّه يُقالُ: قد أنْشىءَ في البلاد من بنائِه وبناءِ آبائِه ثَلاثُونَ ألفَ مَعْقِل، وهو الذي مَصَّرَ مَدينَةَ سُوسَةٍ (٤) . وقد دُوِّنَت أيَّامُه وعَدلُه وجُودُه، وكان سَديدَ السِّيرَة، شَهْماً، ظَفْرَ بامرأةٍ مُتْعَبِّدَةٍ انظر السير: (الْمُعْتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة : ٤/١١٠٣. (١) (٢) انظر السير: (الْمُعْتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ١/١١٠٤. (٣) انظر السير: (ابن الأغلب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٢/١١١٠. (٤) انظر السير: (ابن الأغْلَب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٣/١١١٠. ٥٦٢ قادَتْ قودَة ، فدَفَنَها حيَّةً، وشَنقَ سَبعةَ أجْنادٍ أخَذوا لتاجر ثلاثةَ آلاف دينار ، بعدَ أنْ قرَّرَهم ، وأخَذَ الذَّهبَ لمْ يَنقُصْ سِوَى سَبعَةَ دَنانير ، فوَزَنَها من عنده(١) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ صاحِبٍ حِمْصَ ، الْمَلكِ المجاهِدِ أسَدِ الدِّين أبي الحارِثِ شِيركُوه : وكان بطلاً شجاعاً مَهيباً، وكانت بلادُه نَظِيفَةً من الخُمورِ ، ومَنعَ النِّساءَ من الخُروجِ من أبوابٍ حِمْصَ جُملةً ، ودامَ ذلك خوفاً من أن يَنْزِحَ بهنَّ رجالُهن لعَسْفِه، وكانَ يُديمُ الصَّلَواتِ ، ولا يُحبُّ لهواً، وكان ذا رَأيٍ ودَهاءٍ ، وشَكْلٍ مَلِيحٍ وجَلالَةٍ ، كانت الْمُلوُ تُداريه ويَخافونَه(٢). (ج ) التَّضَرُّع إلى الله والالتِجاء إليه حَالَ الأزَمات : جاءَ في تَرَجَمَةِ الخَليفَة العَبَّسيِّ الْمَهْدِي بنِ أبي جَعْفَر الْمَنْصورِ ، قالَ ابنُ رَشيد : هاجَت ريحٌ سَوْداءُ فسَمعتُ سَلَماً الحاجِبَ يَقولُ : فُجِعْنا أن تكون القيامة ، فطلبتُ الْمَهْدِيَّ في الإيوانِ ، فَلَمْ أَجِدْهُ فإذا هو في بيتٍ ساجِدٌ على الثُّرابِ يَقولُ : اللَّهُمَّ : لا تُشْمِتْ بنا أعْداءَنا من الأُمَمِ ولا تُفْجِعْ بنا نَبِيَّنَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنتَ أخَذْتَ العامَّةَ بذنبي، فهذه ناصِيَتَي بيَلِك فما أتَمَّ كَلامَه حتى انْجَلَتْ . وقيلَ : كان كَثيرَ الثَّولية والعَزْلِ بِغَيرٍ كبير سَبب ، ويُباشِرُ الأُمورَ بنفسِهِ ، وأَطْلَقَ خَلْقاً من السُّجُونِ، وزادَ في الْمَسْجِدِ الحَرامِ وزَخْرَفَه(٣). (د) عَدَمُ التَّغَيُّر بالإمَارَة: قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: قد كان أبو مُوسَى صَؤَّاماً قَوَّاماً رَيَّانياً زاهداً عابداً، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر ، لَمْ تُغَيِّرْه الإمارَةُ ، ولا اغتر بالدنيا . تُوفِّيَ سَنةَ اثْنَتَين وأَرْبَعينَ (٤). (١) انظر السير: (ابن الأغلب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٤/١١١٠. (٢) انظر السير: (صاحب حِمْص) ٣٩/٢٣ -٤١، وانظر النزهة: ٢/١٧١٣. (٣) انظر السير: ( الْمَهْدي) ٧/ ٤٠٠-٤٠٣، وانظر النزهة: ٣/٧١١. (٤) انظر السير: (أبو مُوسَى الأشْعَري) ٣٨٠/٢ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٥/٢٨١. ٥٦٣ (هـ) قَبَولُ العِظَة والنَّصيحَة : وجاءَ في تَرجَمَةِ أبِي مُسْلِمِ الخَولانيِّ، عن عَطيّةَ بنِ قَيْس ، قال دَخلَ أبو مُسلم الخَولاني على مُعاويَةَ ، فقامَ بين السِّماطَين فقال: السَّلامُ عليكَ أيُّها الأَجيرُ فقالوا : مَهْ قالَ: دَعُوه، فهو أعْرَفُ بما يَقولُ وَعَليكَ السَّلامُ يا أبا مُسْلم ثم وَعَظَه، وحَضَّه على العَدْل. قال المُفضَّلُ بنُ غَسَّان الغَلابي: إنَّ علقَمة وأبا مُسلم ماتا في سنة اثنين وستِّين فاللهُ أعلمُ . وبدرايًّا قَبَرٌ يُزارُ، يُقالُ: إنَّه قَبرُ أبي مُسلم الخَولاني، وذلك مُحْتمَل(١). ( و) الرُّجُوعُ إلى الحَقِّ: جاءَ في تَرجَمَةِ الْمَأمونِ العَبَّاسِيِّ، قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ، وقيلَ: إن المأمونَ لِتَشَيُّعِه أمَرَ بالنِّداءِ بإباحَةِ الْمُتَعَة - مُتْعَةِ النِّسَاءِ - فدَخَلَ عَليه يَحْيَىُ بنُ أكْثَم ، فَذَكرَ له حَديثَ علي رضي الله عنه بتَحْريمِها، فلَمَّا عَلَمَ بصِخَة الحَديث، رَجعَ إلى الحَقِّ ، وأمَرَ بالنِّداءِ بَتَحْرِيمِها . أَمَّا مَسألَةُ القُرآن، فمَا رَجعَ عَنها ، وصَمَّمَ على امْتِحانِ العُلماء في سَنةِ ثَمانِيَ عَشرَة ومئتَين، وشَدَّدَ عليهم ، فأخَذَه الله(٢). (ز) عَدَمُ العُقُوبَة حَالَ الغَضَب : قالَ الأحْنَفُ بنُ قَيْس: لا يَنْبَغِي للأميرِ الغَضَب، لأنَّ الغَضَبَ في القُدْرَة لِقاحُ السَّيفِ والنَّدَامَةِ(٣). وقالَ الأوْزاعيُّ : كانَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز إذا أرادَ أنْ يُعاقِبَ رَجُلاً حَبسَه ثلاثاً ، ثم عاقَبَه كَراهيَّةَ أنْ يَعْجَلَ في أوَّلِ غَضَبِهِ (٤) . (١) انظر السير: (أبو مُسْلم الخَوْلاني) ٧/٤-١٤، وانظر النزهة: ٤/٤٣٢. (٢) انظر السير: ( الْمَأمون) ١٠/ ٢٧٢ -٢٩٠، وانظر النزهة: ٣/٨٧٧. (٣) انظر السير: (الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٣/٤٥٣. (٤) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٩٠. ٥٦٤ (ح) الزُّهْد : عن مَسْلَمَةَ بنِ عبدِ المَلِك قالَ : دَخلتُ علىُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وقَميصُه وَسِخٌ ، فقُلتُ لامْرأتِه - وهي أخْتُ مَسْلَمَة : اغْسِلوهُ قالت : نَفَعَلُ ، ثم عُدتُ فإذا القَميصُ على حالِهِ ، فَقُلتُ لها، فقالت: واللهِ ما لَه قَميصٌ غَيرُه(١) . عن عَوْنِ بنِ الْمُعْتَمِر أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ قالَ لامرأتِه : عندَكِ دِرْهَمٌ أشْتَري به عِنْباً ؟ قالَت : لا ، قالَ : فِعِندَكِ فُلوسٌ؟ قالَت كلاَ، أنتَ أميرُ المؤمنينَ ولا تَقدِرُ علىْ دِرْهَم ، قالَ : هذا أهْوَنُ من مُعالَجَة الأغْلالِ في جَهَنَّم (٢) . (ط ) مُشَارَكَةُ الرَّعِيَّة في الشَّدَائِدِ والمَصائب : جاءَ في تَرجَمَةِ أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، قالَ عِكرِمَةُ بنُ خالِد : وأصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ(٣) فما أكَلَ عُمَرُ عامَئذٍ سَمْناً ولا سَمينا(٤) . وقالَ أنَسٌ : تَقَرْقَرَ بَطْنُ عُمَرَ من أكْلِ الزَّيتِ عامَ الرَّمادَة ، كانَ قد حَرَمَ نَفَسَه السَّمْنَ ، قالَ: فَنَقَرَ بَطْنَه بإصْبُعِه وقالَ: إنَّه ليسَ لكِ عندَنا غَيرُه حتى يَحْيا النَّاسُ(٥) .. وعن أسْلَمَ قالَ: لَوْ لَمْ يَرْفَعْ اللهُ الْمَحْلَ عامَ الرَّمَادَةِ لَظَنَنَّا أنَّ عُمَرَ يَمُوتُ (٦)،(٧). ١٦ - الأَمِيرُ العَادِلُ بَرَكة : عن عُمرَ بنِ أُسَيد، قالَ: والله، ما ماتَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز حتىْ جَعلَ الرَّجلُ يَأتينا بالمالِ العَظيم ، فيقولُ: اجْعلوا هذا حَيثُ تَرَونَ ، فما يَبْرَحُ حتى يَرجِعَ بمالِهِ كلِّه، قد أغْنَى عُمرُ النَّاسَ(٨). (١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٩٠. انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٥/٥٩٠. (٢) (٣) السَّنَة : المجاعة . انظر السير: ( عُمَر بن الخَطَّاب )، وانظر النزهة: ١/٤٨. (٤) (٥) انظر السير: ( عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ٤/٥١. زاد ابنُ سَعْد في طَبقاتِهِ (٣١٥/٣): ((هَمَّاً بأمر المسلمين)). (٦) (٧) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٢/٥٢. انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٨٩. (٨) ٥٦٥ ١٧ - هَيْبَةُ الحَاكم من قَواعِد اسْتِقْرار الدُّوَل : جاءَ في تَرَجَمَةِ أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه ، عن ابنِ عَبَّاس ، قالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قيلَ له : لَقد كادَ بَعْضُ النَّاسِ أنْ يَحيدَ هذا الأمْرَ عَنْكَ ، قالَ : وما ذاكَ ؟ قالَ : يَزْعُمُونَ أنَّكَ فَظُ غَلِيظٌ، قالَ: الحَمْدُ للهِ الذي مَلأَ قَلْبِي لهم رُحْماً ومَلأَ قُلُوبَهُم لي رُعْباً(١) . ١٨ - قَوْلٌ بَليغٌ فِي الإِمَارَة : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزيِّ: ومِنْ غُرَرِ الْفاظِهِ : يا أميرُ! اذْكَرْ عندَ القُدْرَةِ عَدْلَ اللهِ فِيكَ، وعندَ العُقُوبَةِ قُدْرَةَ اللهِ عَليكَ ، ولا تَشْفِ غَيْظَكَ بِسِقَمٍ دينك(٢). ١٩ - قد تُكرَه الإمَارَة لأشخاصٍ بِعَینھم : قالَ أبَيُّ بنُ كَعْب لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: مَا لَكَ لا تَسْتَعْمِلُني؟ قالَ: أكرَهُ أنْ يُدَنَّسَ دينُك(٣) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذَرْ الغِفاريِّ - مع قُوَّةٍ أبي ذَرٍّ وشَجاعَتِه -: « یا أبا ذَرْ ، إنِّي أَرَاكَ ضَعِيفاً ، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ )) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: فهذا مَحْمولٌ على ضَعْفِ الرأي ، فإنَّه لَوْ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ ، لأَنْفَقَه كُلَّه في سَبيلِ الخَيرِ ، ولَتَرَكَ الْيَتَيمَ فَقيراً فقد كانَ لا يَستَجِيزُ ادِّخارَ النَّقْدَين والذي يَتأمَّرُ على النَّاسِ ، يُريدُ أنْ يَكونَ فيه حِلمٌ ومُدارَاةٌ ، وأبو ذَرْ رضي الله عنه كانت فيه حِدَّة - كما ذَكَرْناه - فنَصَحَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم(٤) . (١) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ١/٤٧. (٢) انظر السير : ( أبو الفَرَج ابن الجَوْزيّ) ٣٦٥/٢١-٣٨٤، وانظر النزهة : ٥/١٦٣٣. (٣) انظر السير: (أَبَيُّ بنُ كْب) ٣٨٩/١ -٤٠٢، وانظر النزهة : ٦/١٨١. (٤) انظر السير: ( أبو ذَرْ) ٤٦/٢-٧٨، وانظر النزهة: ١/٢٢١. ٥٦٦ ٢٠ - إقالَةُ عَثَراتِ أُولِي الهَيئات : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ مُحمَّدٍ بنِ عجْلانَ: وقَدْ خَرجَ على الْمَنْصُورِ مع ابنِ حَسَن ، فلَمَّا قُتْلَ ابنُ حَسَن ، هَمَّ وَالِي المَدِينَةِ جَعْفَرُ ابنُ سُلَيْمانَ أنْ يَجْلِدَه فقالوا له : أَصْلحَك اللهُ: لَوْ رَأْيتَ الحَسَنَ البَصْرِيَّ فَعَلَ مثلَ هذا أكُنتَ تَضرِبُه ؟ قالَ : لا قِيلَ : فابنُ عجْلانَ في أهْلِ المَدينَةِ كالحَسَنِ في أهْلِ البَصْرَةِ (١). قالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ: كان لابنِ عجْلان قَدرٌ وفَضلٌ بالمَدينَة وكانَ مِمَّنْ خَرجَ مع مُحمَّدِ بنِ عبدِ الله، فأرادَ جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ قَطْعَ يَدِه، فسَمِعَ ضَجَّةً، وكان عندَه الأكابرُ فقالَ: ما هذا؟ قالوا : هذه ضَجَّةُ أهْلِ المَدينَةَ يَدعُونَ لابنِ عجْلانَ فَلَوْ عَفَوْتَ عنه؟ وإنَّما غُرَّ ، وأخْطأ في الرِّوايَة ظَنَّ أَنَّه الْمَهْدِيَّ، فأطْلقَه وعَفا عنه(٢). ٢١ - الإدارَةُ الماليّة لبَيْتِ المال : جاءَ في تَرَجَمَةِ أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، قالَ الزُّهْرِيُّ : فَتْحَ اللهُ الشَّامَ كُلَّه على عُمَرَ ، والجَزِيرَةَ، ومِصْرَ، والعِراقَ كُلَّه ، ودَوَّنَ الدَّواوينَ قبلَ أَنْ يَمُوتَ بعامٍ ، وقسَّمَ على النَّاسِ فَيْئهم . وقالَ ابنُ مَسْعود: إذا ذُكِرَ الصَّالِحِونَ فحَيْهَلا بعُمَرَ ، إِنَّ عُمَرَ كان أعْلَمَنا بكتابِ اللهِ ، وأَفْقَهَنا في دينِ الله . وقالَ ابنُ مَسْعود: لَوْ أَنَّ عِلمَ عُمَرَ وُضِعَ في كفَّةِ ميزانٍ ووُضِعَ عِلمُ أحْياءِ الأرْضِ في كفَّةٍ لَرَجَحَ عِلمُ عُمَرَ بعِلمِهم . وعن حُذَيْفَةَ قالَ: كَانَ عِلمُ النَّاسِ مَدْسُوساً في جُحْرٍ مع عُمَرَ(٣). وقالَ مُحمَّدُ بنُ سِيرينَ : قَدَمَ صِهْرٌ لِعُمَرَ عليه فطَلبَ أنْ يُعْطِيَهُ عُمَرُ من بَيْتِ الْمَالِ (١) انظر السير: (محمّد بن عجلان) ٣١٧/٦ -٣٢٢، وانظر النزهة: ٨/٦٥٣. (٢) انظر السير: (محمّد بن عجلان) ٦/ ٣١٧ -٣٢٢، وانظر النزهة: ١/٦٥٤. (٣) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٣/٤٧ . ٥٦٧ فانْتُهَرَهُ عُمَرُ وقالَ : أَرَدْتَ أنْ أَلْقَى اللهَ مَلِكاً خائناً! فَلَمَّا كان بَعدَ ذلك أعْطاهُ من صُلبٍ مالِهِ عَشرَةَ آلافِ دِرْهَم(١) . وقالَ إبراهيمُ بنُ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ عَوْف: أُتِيَ عُمَرُ بِكُنوزِ كِسْرَى ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ الأرْقَمِ : أَتَجْعَلُها في بَيتِ المالِ حتى تَفْسِمَها؟ فقالَ عُمَرُ : لا والله لا آويها إلىْ سَقْف حتى أُمْضِيَها، فَوَضَعَها في وَسَطِ الْمَسْجِدِ وباتوا يَحْرُسُونَها، فَلَمَّا أَصْبَحَ كَشَفَ عنها فرَأى من الحَمْراءِ والبَيْضاءِ ما يَكادُ يَتلألأُ، فَبَكَىْ، فقالَ له أُبَيُّ : ما يُبْكِيكَ يا أميرَ المؤمنينَ، فوَاللهِ إِنَّ هذا لِيَومُ شُكرٍ ويَومُ سُرورٍ! فقالَ: وَيْحَك، إنَّ هذا لَمْ يُعْطَه قَومٌ إِلاَّ أُلْقِيَتْ بَيْنَهم العَداوَةُ والْبَغْضاءُ (٢). وقالَ أبو هُرَيْرَة: دَوَّنَ عُمَرُ الدِّيوانَ، وفَرَضَ للمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ خَمْسَةَ آلافٍ ، وللأنْصارِ أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ ، ولأُمَّهاتِ المؤمنينَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفاً اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفا(٣). وقالَ المَدائنيُّ : ولَمَّا فَتَحَ اللهُ على المسْلمينَ غَنائمَ رُسْتُم، وقَدِمَت علىْ عُمَرَ الفُتوحُ من الشَّامِ والعِراقِ جَمَعَ المسْلمينَ فقالَ : ما يَحِلُّ للوَالي من هذا المالَ ؟ قالوا : أمَّا لخاصَّتِهِ فقُوتُهُ وقُوتُ عِيالِه لا وَكْسَ ولا شَطَط ، وكِسْوَتُهُ وكِسْوَتُهم ، ودَابَتَانِ لجِهادِهِ وحَوائجِه ، وحَمَالَتِهِ إلى حَجِّه وعُمْرَتِهِ ، والقَسمُ بالسَّويَّة أن يُعْطي أهلَ البلادِ علىُ قَدْرِ بَلائهم ، ويَرُمَّ أمورَ المسْلمينَ ويَتَعاهَدَهم . وفي القَومِ عليٍّ رضي الله عنه سَاكِتٌ، فقالَ: ما تَقُولُ يا أبا الحَسَن ؟ فقالَ : ما أصْلَحَكَ وأَصْلَحَ عِيالَكَ بالمَعْروفِ (٤) . وقيلَ إنَّ عُمَرَ قَعَدَ على رِزْقِ أبي بكر حتى اشْتَّت حاجَتُه ، فأرادُوا أَنْ يَزِيدُوه فأبى عليهم(٥) . (٥) (١) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٤/٥٠. (٢) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ١/٥١. انظر السير: ( عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٣/٥١. (٣) انظر السير: ( عُمَر بن الخَطّاب)، وانظر النزهة : ١/٦٥. (٤) (٥) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ١/٦٥. ٥٦٨ (٢) الشُّهْرَةُ والتَّصَدُّر ١ - أقْوالٌ بَليغَةٌ في التَّحْذيرِ من : (أ) حُبِّ الشُّهْرَةِ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ شَهْرِ بنِ حَوْشَب : ومِنْ مَليحِ قَولِه : مَنْ رَكبَ مَشْهوراً من الدَّوابِّ، ولَسَ مَشْهوراً من القِيَابِ ، أَعْرَضَ اللهُ عنه ، وإنْ كانَ كَريماً . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ: مَنْ فَعَلَه لِيُعِزَّ الدِّينَ، ويُرْغِمَ الْمُنافِقِينَ ، ويَتواضَعُ مع ذلك للمُؤمنينَ ، ويَحْمَدُ رَبَّ العَالَمينَ، فحَسنٌ . ومَنْ فَعَلَه بَذَخاً وتيهاً وفَخْراً أَذَلَّه اللهُ وأعْرضَ عنه، فإنْ عُوتِب ووُعِظَ فكابَرَ واذَّعَىُ أَنَّه لَيسَ بمُخْتَالٍ ولا تَّهٍ فَأَعْرِضْ عنه فإنَّه أحْمَقٌ، مَغْرورٌ بَنَفْسِه(١) . وقال أيُّوبُ السَّخْتيانيُّ : ما صَدَقَ عَبدٌ قَطُ، فأحَبَّ الشُّهْرَةَ (٢) . وعن طَالُوتَ : سَمعتُ إبراهيمَ بنَ أدْهَمَ يَقولُ : ما صَدَقَ اللهَ عَبدٌ أحَبَّ الشُّهْرَة . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : عَلَامَةُ الْمُخْلِص الذي قد يُحِبُّ شُهرةً ، ولا يَشْعُرُ بها ، أنَّه إذا عُوتِبَ في ذلك لا يَحرَدُ ولا يُبرِّىُ نفسَه، بَلْ يَعترِفُ ويَقولُ: رَحمَ اللهُ مَنْ أهْدَى إليَّ عُيوبي ، ولا يَكُنْ مُعْجَباً بنَفسِه ، لا يَشْعُرُ بعُيوبِها، بل لا يَشْعُرُ أَنَّه لا يَشْعُرُ، فإنَّ هذا داءٌ مُزْمِن(٣). وعن بِشْرِ بنِ الحارِث : لَيسَ أحَدٌ يُحبُّ الدُّنيا إلاَّ لَمْ يُحبَّ الْمَوتَ ، ومَنْ زَهدَ فيها ، أحَبَّ لِقاءَ مَوْلاه وعنه: ما اتَّقَى اللهَ مَنْ أحَبَّ الشُّهْرَةِ(٤). انظر السير : ( شَهْرِ بنِ حَوْشَب) ٣٧٢/٤-٣٧٨، وانظر النزهة : ٤/٥١٣. (١) (٢) انظر السير: ( أيُّوب السَّختياني) ١٥/٦ -٢٥، وانظر النزهة: ٨/٦٢٦. (٣) انظر السير: (إبراهيم بن أدْهَم) ٧/ ٣٨٧ -٣٩٦، وانظر النزهة: ٥/٧٠٨. (٤) انظر السير: (بِشْر بن الحارث) ٤٦٩/١٠ -٤٧٧، وانظر النزهة: ١٠/٨٨٦. ٥٦٩ (ب) حُبُّ الرِّئَاسَة : قالَ يَحْيَىُ بنُ مُعاذ: لا يفلح من شَمَمتَ رائحةَ الرياسَة منه (١). ٢- حُبُّ الرِّئاسَة مُتمكنٌ من القُلُوب : قال يوسُفُ بنُ أسْباط : سَمعتُ سُفيانَ الثَّوْرِيَّ يقولُ : ما رَأيتُ الزُّهْدَ في شيء أقَلَّ منه في الرِّئاسَة ، تَرى الرَّجُلَ يَزْهَدُ في الْمَطْعَمِ والْمَشْرَبِ والمالِ والقِّيَابِ ، فإِنْ نُوزِعَ الرئاسَةَ ، حامَى عليها، وعادَى(٢) . وعنه(٣) قالَ: للصَّادِقِ ثلاثُ خِصالِ : الحَلاوَةُ، والْمَلاحَةُ ، والْمَهَابَة . وعنه : خُلقَت القُلوبُ مَساكِنَ الذِّكْرِ ، فصارَت مَساكِنَ الشَّهَواتِ لا يَمحُو الشَّهَوَاتِ إلَّ خَوفٌ مُزْعِجْ، أو شَوقٌ مُقْلِقْ، الزُّهدُ في الرِّئاسَة أشَدُّ منه في الدُّنيا(٤) . ٣- الرِّئَاسَة والتَّصَدُّر يجب أنْ يَكونا مَقْرونَين بالخَشْيَة والتَّوَاضُع : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ القاضي عياض: وحَازَ من الرِّئاسَة في بَلِدِهِ والرِّفْعَة ما لَمْ يَصِلْ إليه أحَدٌ قَطُّ من أهْلِ بَلَدِهِ ، وما زَادَه ذلك إلاَّ تَواضُعاً وخَشْيَةً لله تَعَالَى . وقالَ القاضي شَمْسُ الدِّين في (( وَفِيَّتِ الأعْيان)): هو إمامُ الحَديثَ فِي وَقْتِهِ ، وأعْرَفُ النَّاسِ بِعُلومِه، وبالنَّحْوِ واللُّغَة ، وكَلامِ العَرَبِ ، وأيّامِهِم ، وأنْسَابِهِم . قالَ: ومن تَصانيفِه كتابُ ((الإكمال في شَرح صَحيح مُسْلم)) ، كَمَّلَ به كتابَ ((الْمُعْلِم)) للمازَريِّ، وكتابُ ((مَشَارِقُ الأَنْوار)) في تَفسيرِ غَرِيبِ الحَديثِ ، وكتابُ (( التَّنْبيهات)) فيه فَوائدُ وغَرائبُ وكُلُّ تَوَاليفه بَديعَةٌ، وله شِعْرٌ حَسَن(٥). (١) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ مُعاذ) ١٥/١٣-١٦، وانظر النزهة: ١/١٠٤٧. (٢) انظر السير: ( سُفْيان) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٣/٦٩٨. (٣) يعني يُوسُفَ بنَ أُسْباط . انظر السير: ( يُوسُف بن أسْباط) ١٦٩/٩ -١٧١، وانظر النزهة: ٥/٨١٤. (٤) (٥) انظر السير: (القاضي عياض) ٢٠/ ٢١٢ -٢١٩، وانظر النزهة: ١/١٥٤٣. ٥٧٠ ٤- عاقِبَةُ طَلَب التَّصَدُّر وحُبِّ الرِّئاسَة والظُّهُور : قال ابنُ الحَدَّاد: ما صَدَّ عن اللهِ مثلُ طَلبِ الْمَحامِدِ، وطَلَبِ الرِّفْعَةِ (١) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ حَزْم تَعْقيباً على قولِه: أنا أتَّعُ الحَقَّ ، وأجْتَهِدُ ولا أتَقَيِّدُ بِمَذهَب، فقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : نَعَم، مَنْ بَلِغَ رُتْبَةَ الاجْتهادِ ، وشَهدَ له بذلكَ عدَّة من الأئمّة ، لم يُسُغْ له أنْ يُقَلِّدَ، كما أنَّ الفَقيهَ المُبْتدىءَ والعامِّيَّ الذي يَحفَظُ القُرآنَ أوْ كثيراً منه لا يَسُوغُ له الاجْتهادُ أَبَداً ، فَكَيفَ يَجْتهدُ وما الذي يَقولُ ؟ وعَلامَ يَبني ؟ وكَيفَ يَطيرُ ولمَّا يُرَيِّش ؟ والقِسْمُ الثالثُ: الفَقيهُ المُنْتُهي اليَقِظُ الفَهِمُ الْمُحَدِّثُ ، والذي قد حَفظَ مُختصَراً في الفُروع ، وكتاباً في قَواعِدِ الأصُول، وقَرأ النَّحوَ ، وشارَك في الفَضائل مع حِفظِهِ لكتابِ اللهِ وتَشاغُلِهِ بتَفْسيرِه ، وقُوَّة مُناظَرَتِهِ ، فهذه رُتِبَةُ مَنْ بَلِغَ الاجْتهادَ المُقيّد، وتأهَّلَ للنَّظَرِ فِي دَلائِل الأئمّة ، فمَتِى وَضُحَ له الحَقُّ في مَسألَةٌ ، وَثَبُتَ فيها النصُّ، وعَملَ بها أحدُ الأئمَّةِ الأعْلام كأبي حَنيفَة مَثلاً ، أو كمَالِك ، أو الثَّوْرِيِّ ، أو الأوزاعيِّ، أو الشَّافعيِّ وأبي عُبَيد، وأحمَدَ ، وإسْحاقَ ، فليَبعْ فيها الحَقَّ ولا يَسلُكْ الرُّخَص وليَتورَّع ، ولا يَسعُه فيها بَعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه تَقْلِيدٌ(٢) . فإِنْ خَافَ مِمَّنْ يُشَغِّبُ عليه من الفُقَهَاء فَلْيَكثَّم بها ولا يَتَرَاءَى بفعْلِها ، فرُبَّما أعْجَبَتِه نَفَسُه، وأحَبَّ الظُّهورَ ، فيُعاقَبُ، ويَدخُل عليه الدَّاخِلُ من نفسِه فكمْ من رَجلٍ نَطَقَ بالحَقِّ، وأمَرَ بالْمَعْروفِ ، فيُسلِّطُ الله عليه مَنْ يؤذيه لسُوءٍ قَصْدِه وحُبُّه للرَِّاسَة الدِّينِيَّة ، فهَذا دَاءٌ خَفِيٌّ سارَ في نُفُوس الفُقَهاء كمَا أنَّه داءٌ سارَ في نُفُوسِ الْمُنْفِقِينَ من الأغْنِياءِ وأرْبابِ الوُقُوفِ والثُّرَب الْمُزَخْرَفَة، وهو دَاءٌ خَفِيٌّ يَسْري في نُفُوسِ الجُندِ والأُمَراءِ والْمُجاهِدينَ ، فَتَراهُمْ يَلْتَقُون العَدوَّ ويَصْطَدِمُ الجَمْعانِ وفي نُفُوسِ الْمُجَاهِدين مُخَبَّاتٌ وكَمَائنُ من الاخْتِيالِ وإظْهارِ الشَّجاعَة ليُقالَ، والعُجبُ، ولُبْسُ القَراقِلِ (٣) انظر السير: ( ابنُ الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤-٢١٤، وانظر النزهة: ٣/١١٤٦. (١) (٢) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨٤/١٨ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٠٠. القراقل : ضرب من الثياب ، وقيل : هو ثوب بغير كَمَّين ، وقال أبو تراب : القرقل قميص من قمص (٣) النساء بلا لِبْنَة ، وجمعه قَراقِلِ . = ٥٧١ الْمُذَهَّبَة والخُوَذِ الْمُزَخْرَفَة، والعُدَد الْمُحَلَّة علىُ نُفُوسِ مُتَكَبِرَة، وفُرْسَانٍ مُتَجَبِّرَة ويَنْضافُ إلى ذلك إخْلالٌ بالصَّلاةِ، وظُلمُ الرَّعيَّة ، وشُرْبٌ للمُسْكِر ، فأنَّى يُنصَرون ؟ وكيفَ لا يُخْذَلون ؟ اللَّهمَّ فَانْصُرْ دِينَك ووَفْقْ عِبادَكَ(١). ٥- مِنْ صِفاتٍ مُحِبِّ الرِّئاسَة : قالَ الإمامُ الجُوعِيُّ: إذا رَأْيتَ الرَّجُلَ يُخاصِمُ فهو يُحبُّ الرِّئَاسَة. تُوفِّيَ قاسِمٌ الجُوعيّ سَنَ ثَمانٍ وأَرْبَعِينَ ومِئْتَين (٢). ٦ - عاقِبَةُ التَّصَدُّر قَبل الأوَان : قالَ زُفَرُ بنُ الهُذَيلِ : مَنْ قَعدَ قبلَ وَقِتِهِ ذَلَّ(٣). وللصُّعْلوكيِّ ألفاظٌ بَديعَةٌ، منها: مَنْ تَصدَّرَ قبلَ أوانِهِ ، فقد تَصَدَّى لَهَوانِه(٤). ٧- ضَوابطُ للشُّهْرَة : مِنْ مَلِيحٍ قَولِ شَهْرِ بنِ حَوْشَب : مَنْ رَكبَ مَشْهوراً من الذَّوابِّ ، ولَبسَ مَشْهوراً من الِّيَابِ ، أعْرَضَ اللهُ عنه ، وإنْ كانَ كَريماً . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : مَنْ فَعَلَه لِيُعِزَّ الدِّينَ ، ويُرْغِمَ الْمُنافِقِينَ، ويَتواضَعُ مع ذلك للمُؤمنينَ ، ويَحْمَدُ رَبَّ العَالَمينَ ، فحَسنٌ . ومَنْ فَعَلَه بَذَخاً وتيهاً وفَخْراً أذَلَّه اللهُ وأعْرضَ عنه، فإنْ عُوتِب ووُعِظَ فكابَرَ واذَّعَى أنَّه لَيسَ بمُخْتَالٍ ولا تَّهِ فَأَعْرِضْ عنه فإنَّه أحْمَقٌ ، مَغْرورٌ بِنَفْسِه(٥) . وعن طَالُوتَ : سَمعتُ إبراهيمَ بنَ أدْهَمَ يَقولُ : ما صَدَقَ اللهَ عَبدُ أحَبَّ الشُّهْرَةِ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : عَلَامَةُ الْمُخْلِص الذي قد يُحِبُّ شُهرةً ، ولا يَشْعُرُ بها ، أنَّه إذا (١) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨/ ١٨٤ -٢١٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٠٠. (٢) انظر السير : ( الجُوعِيّ) ١٢/ ٧٧-٧٩، وانظر النزهة : ٥/٩٨٤. (٣) انظر السير: (زُفَرُ بنُ الهُذَيل) ٣٨/٨-٤١، وانظر النزهة : ٦/٧٢٤ . انظر السير: ( الصُّعْلوكيّ) ٢٠٧/١٧-٢٠٩، وانظر النزهة : ٣/١٣٣٧. (٤) . (٥) انظر السير: ( شَهْرِ بنِ حَوْشَب) ٣٧٢/٤ -٣٧٨، وانظر النزهة: ٤/٥١٣. ٥٧٢ عُوتِبَ في ذلك لا يَحرَدُ ولا يُرِّىءُ نفسَه، بَلْ يَعرِفُ ويَقولُ: رَحمَ اللهُ مَنْ أَهْدَىُ إليَّ عُيوبي ، ولا يَكُنْ مُعْجَباً بنَفسِه، لا يَشْعُرُ بعُيوبِها ، بل لا يَشْعُرُ أنَّه لا يَشْعُرُ، فإنَّ هذا داءٌ مُزْمِنْ(١). ٨- قِصَّةٌ تُبَيِّنُ كراهية السَّلَف للشُّهْرَة : من محاسن الإمام ابن نُجَيْد أنَّ شَيخَه الزَّاهد أبا عثمان الحِيريَّ طلبَ في مجلسه مالاً لبعض التُّغور ، فتأخَّرَ ، فتألَّمَ وبَكَىُ على رُؤوس النَّاس فجاءَهُ ابنُ نُجَيْد بأَلْفَي درهم ، فدَعا له ، ثمَّ إِنَّه نوَّهَ به ، وقال : قد رَجَوتُ لأبي عمرو بما فعل ، فإنَّه نابَ عن الجماعة ، وحمل كذا وكذا ، فقام ابنُ نُجَيْد، وقال: لكن إنَّما حملتُ من مال أمي وهي كارهة ، فينبغي أن تردّه لترضى ، فأمر أبو عثمان بالكيس فَرُدَّ إليه ، فلمَّا جَنَّ الليلُ جاءَ بالكيسِ ، والتَمَسَ من الشيخ سترَ ذلك، فبَكَى ، وكان بعد ذلك يَقولُ : أنا أخشى من هِمَّة أبي عَمرو (٢). ٩- قِلَّةُ الإِخْلاص تُؤدي إلى حُبِّ الشُّهْرَة : قالَ إِبراهيمُ بنُ أدْهَم: مَنْ طَلبَ الِعِلمَ لله، كانَ الخُمولُ أحَبُّ إليه من التَّطاوُل ، والله ما الحَياةُ بِثِقَةٍ ، فيُرجَى نَومُها، ولا الْمَنِيَّةُ بِعُذْر، فيُؤْمَنُ عُذرُها، ففيمَ التَّغْرِيطُ والتَّقْصيرُ والاتِّكَالُ والإِبْطَاءُ؟! قد رَضينا من أعْمالِنا بالْمَعَاني، ومِنْ طَلبِ الثَّوْبَة بِالثَّوَاني ، ومِنْ العَيشِ البَاقِي بالعَيشِ الفَاني(٣). ١٠ - صُوَرٌ من كراهيَتِهِم الشُّهْرَة والتَّصَدُّر : عن ابنِ مُحَيْرِيزَ ، سمع فَضَالَةَ بنَ عُبَيْد وقلت له : أوصني ، قال : خِصالٌ يَنفَعُكَ اللهُ بهِنَّ، إنْ اسْتَطِعْتَ أنْ تَعْرِفَ ولا تُعْرَفَ، فافْعَلْ، وإنْ اسْتَطِعْتَ أنْ تَسْمَعَ (١) انظر السير: (إبراهيم بن أدْهَم) ٣٨٧/٧ -٣٩٦، وانظر النزهة: ٥/٧٠٨. (٢) انظر السير: (ابنُ نُجَيد) ١٤٦/١٦-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٥. (٣) انظر السير: (إبراهيم بن أدْهَم) ٧/ ٣٨٧ -٣٩٦، وانظر النزهة: ١٠/٧٠٨. ٥٧٣ ولا تَكلَّمَ، فافْعَلْ، وإنْ اسْتَطِعْتَ أنْ تَجْلِسَ ولا يُجْلَسَ إليك، فافْعَلْ وقد عُدَّ فَضَالَةُ في كبار القُرَّاءِ(١) . وقالَ عاصِمٌ الأحْوَل : كانَ أبو العالية إذا جَلسَ إليه أكثرُ من أرْبَعَةٍ قامَ فتَرَكَهم(٢). ومِنْ مَليحٍ قَولِ شَهْرِ بنِ حَوْشَب : مَنْ رَكبَ مَشْهوراً من الدَّوابِّ، ولَبسَ مَشْهوراً من الثِّيّابِ ، أَعْرَضَ اللهُ عنه، وإنْ كانَ كَرِيماً . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ: مَنْ فَعَلَه لِيُعِزَّ الدِّينَ، ويُرْغِمَ الْمُنافِقِينَ، ويَتواضَعُ مع ذلك للمُؤمنينَ ، ويَحْمَدُ رَبَّ العَالَمينَ ، فحَسنٌ . ومَنْ فَعَلَه بَذَخاً وتيهاً وفَخْراً أذَلَّه اللهُ وأعْرضَ عنه، فإنْ عُوتِب ووُعِظَ فكابَرَ وادَّعَى أنَّه لَيسَ بمُخْتَالٍ ولا تَّاهِ فأعْرِضْ عنه فإنَّه أحْمَقٌ ، مَغْرورٌ بِنَفسِهِ(٣). وقيل: كان عبدُ الله بنُ مُحَيْرِيز من أخْرَصٍ شيء أنْ يَكْثُمَ من نَفَسِه أحْسنَ ما عنده(٤). وقالَ عبدُ الواحِد بنُ مُوسَىُ : سَمعتُ ابنَ مُحَيْرِيز يَقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أسْالُكَ ذِكراً خامِلاً(٥). وقالَ إبراهيمُ النَّخَعي : تَكلَّمتُ، وَلَوْ وَجَدتُ بُدّاً ، لَمْ أَتَكلَّم ، وإِنَّ زَماناً أكونُ فيه فَقِيهاً لزَمانُ سُوء . ماتَ سَنَةَ سِتُّ وتِسْعِينَ(٦). وعن ثابتٍ قالَ لي مُحمَّدُ بنُ سِيرينَ : يا أبا مُحمَّد ، لَمْ يَكُنْ يَمنَعُني من مُجالَسَتِكم إِلَّ مَخافَة الشُّهْرَةِ، فَلَمْ يَزِلْ بِي البَلاءُ حتَّى قُمتُ على الْمِصْطَبَةِ ، فقيلَ : هذا ابنُ سِيرِينَ ، أكلَ أمْوالَ النَّاسِ ، وكانَ عَليه دَينٌ كَثير(٧). · انظر السير: ( فَضَالَة بن عُبَيْد) ١١٣/٣ -١١٧، وانظر النزهة: ٢/٣٤٧. (١) (٢) انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤ - ٢١٣، وانظر النزهة : ٤/٤٧٩. (٣) انظر السير: ( شَهْر بن حَوْشَب) ٤/ ٣٧٢ -٣٧٨، وانظر النزهة: ٤/٥١٣. انظر السير : (عبدُ الله بنُ مُحَيْرِيز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة : ٤/٥٣٩. (٤) انظر السير: ( عبدُ الله بنُ مُحَيْريز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة: ٨/٥٣٩. (٥) انظر السير: (إبراهيمُ النَّخَعي) ٥٢٠/٤-٥٢٩، وانظر النزهة: ٤/٥٤٩. (٦) (٧) انظر السير: (محمد بن سيرين) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة: ٣/٥٦٨. ٥٧٤ وقالَ مَعْمَرٌ : كانَ في قَميصِ أَيُّوبَ السِّخْتيانيِّ بعضُ التذييل ، فقيلَ له ، فقالَ : الشُّهْرَةُ اليَومَ في الَّشْميرِ(١) . دَخْلَ على أحْمَدَ بنِ حَنْبَل عَنُّه ، فقالَ : يا ابنَ أخي ، أيْش هذا الغَمُّ؟ وأيْش هذا الحُزْن؟ فَرَفَعَ رَأْسَه ، وقالَ: يا عَمُّ ، طُوبَى لِمَنْ أخْمَلَ اللهُ ذِكْرَه(٢). (١) انظر السير: (أيُّوب السِّخْتيانيّ) ١٥/٦ -٢٦، وانظر النزهة: ١٢/٦٢٦. (٢) انظر السير: (أحمَد بن حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٤/٩٢٦. ٥٧٥ (٣) الظُّلْمُ والظَّالِمون ١- كان الظَّلَمَةُ أولاً جَيِّدي الإسْلام - في الجُمْلَة - مُعَظَّمين للشَّعائر: الحجّاج : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : أهلكه الله في رَمضانَ سَنةً خَمسٍ وتِسعينَ كَهلاً ، وكان ظَلوماً ، جبّاراً، ناصبيّاً، خَبيثاً، سَفَّاكاً للدِّماءِ ، وكان ذا شَجاعَةٍ وإِقْدامٍ ومَكرٍ ودَهاءٍ ، وفَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ ، وتَعظيمِ للقُرآن قد سُقتُ من سُوء سيرَتِه في تاريخي الكبير، وحِصارِه لابنِ الزُّبَيْر بالكَعْبَة، ورَميه إِيَّاها بالمِنْجَنيقِ، وإِذْلالِه لأَهْلِ الحَرمَين ، ثم وِلايَتِه على العِراقِ والمشْرِق كلِّه عشرين سَنةً، وحُروبِ ابنِ الأشْعَث له ، وتأخيره للصَّلوات إلى أنْ استأصَلَه الله، فَنَسُبُّه ولا نُحِبُّه، بلْ نَّغَضُه في الله ، فإنَّ ذلك من أوْثَقَ عُرَى الإيمان . وله حَسناتٌ مَغْمورَةٌ فِي بَحْرِ ذُنوبِه ، وأمْرُه إلى الله وله تَوحيدٌ في الجُملَة ونُظَراء من ظَلمَة الجَبابرَة والأُمَراء(١) . أحمَدُ بنُ طُولُون : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ: الُّرْكيُّ، صاحبُ مِصْرَ أبو العَبَّاس . وُلدَ بسامَرَّاء ، وقيل : بلْ تَبَّه الأميرُ طُولونُ وطُولونُ قدَّمَه صاحبُ ما وَراء النَّهْر إلى المأمون ، في عِدَّة مَماليك ، سنة مئتين فعاشَ طُولونُ إلى سَنة أربعين ومئتَين ، فأجادَ ابنُهُ أحمدُ حِفْظَ القُرآنِ ، وطلبَ العِلمَ ، وتَنقَّلت به الأحْوالُ، وتأمَّرَ ووَليَ ثُغورَ الشَّام ، ثم إمْرَةَ دِمَشْق ، ثم وَلي الدِّيارَ المِصْريَّة في سَنة أربَع وخمسين، ولَه إذْ ذاكَ أربعون سنة . (١) انظر السير: (الحَجَّاج) ٣٤٣/٤، وانظر النزهة: ٢/٥٠٨. ٥٧٦ وكان بطلاً شُجاعاً، مِقْداماً، مَهيباً ، سائساً ، جَواداً، مُمَدَّحاً من دُهاة الملوك(١). قيل كانت مُؤنْتُه في اليوِمِ ألفَ دينار ، وكان يَرجعُ إلى عَدْل وبَذْل لكنَّه جبَّارٌ ، سَفٌَّ للدِّماءِ (٢). قال القُضاعيُّ: أُحْصيَ مَنْ قَتَله صَبْراً، أو ماتَ في سِجْنه، فبلغوا ثمانيةَ عشرَ ألفاً . وأنْشأ بظَاهر مِصْرَ جَامعاً، غَرَمَ عليه مئةَ ألفِ دينار ، وكان جَيِّد الإسْلام مُعَظُّماً للشَّعائر(٣). عن مُحمَّد بنِ عليٍّ المادَرائي قالَ : كُنتُ أجْتَازُ بِقَبْرِ ابنِ طُولونَ فأرَى شَيخاً مُلازماً له ، ثمَّ لمْ أَرَه مُدَّة ، ثم رَأيْتُه فسَألتُه، فقالَ: كان له عليَّ أيادٍ ، فَأَحْبَيتُ أنْ أصِلَه بالتِّلاوَة قَالَ : فَرَأيتُه في النَّومِ يقولُ: أحبُّ أنْ لا تَقرأَ عندي ، فما تَمرُ بي آية إلاَّ قُرِّعْتُ بها ، ويُقالُ لي : أما سَمعِتَ هذه ؟ تُوفِّي أحمدُ بِمِصْرَ سَنةً سَبعينَ ومِئْتَين . وقامَ بعدَه ابنُه خُمارَوَيْه، ثمَّ جَيْشُ بنُ خُمارَوَيْهِ، ثم أخُوهُ هارُون(٤) . ٢ - عُقُوبَةُ الله للظَّالم : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ عُبَيْدِ الله بنِ زياد بن أبيه : وصَحَّ من حَديث عُمارَة بنِ عُمَيْرِ ، قالَ : جيء برأسِ عُبَيدِ الله بنِ زياد وأصْحابِهِ ، فأَتَيْناهم وهم يَقُولُونَ : قَدْ جاءَت قد جاءَت ، فإذا حَيَّة تخلل الرُّؤوسَ حتىْ دَخَلتْ في مِنْخَر عُبيدِ الله ، فمَكثَت هُنَيَّة ، ثم خَرجَت وغَابَت ثم قالوا : قد جاءَت ، قد جاءَت ، ففَعَلَت ذلك مرَّتَين أو ثلاثاً. (١) انظر السير: (أحمد بن طولون) ٩٤/١٣ -٩٦، وانظر النزهة: ١٠٥٦ / أحمد بن طُولون. (٢) انظر السير: ( أحمد بن طولون) ٩٤/١٣ -٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٥٦. (٣) انظر السير: (أحمد بن طُولون) ١٣/ ٩٤ -٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٥٦. (٤) انظر السير: (أحمد بن طُولون) ٩٤/١٣ -٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٥٦. ٥٧٧ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : الشِّيعيُّ لا يَطيبُ عَيشُه حتى يَلعَنَ هذا ودُونَه ، ونَحنُ نبغضُهم في الله، ونَبرأُ منهم ولا نَلَعَنُهم، وأمْرُهم إلى الله(١). ٣- عَاقِبَة صُحْبَة الظَّالِمين: قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أَيُّوبَ القِرِّيَّة: هو أيُّوبُ بنُ يَزِيدَ ابنِ قَيْس بنِ زُرارَة النَّمَري الهِلاليُّ الأَعْرابيُّ . صَحِبَ الحَجَّاجَ ووَفَدَ على الخَلِيفَةِ عبدِ المَلِك وكانَ رَأْساً في البَلاغَة والبَيان واللُّغَة ثم إنَّه خَرجَ على الحَجَّاجِ مع ابنِ الأشْعَث ، لأنَّ الحَجَّاجَ نفَّذه إلى ابنِ الأشْعَث إلى سِجِسْتَانَ رَسُولاً ، فأمَرَه ابنُ الأشْعَثِ أنْ يَقومَ ويَسُبَّ الحَجَّاجَ ويَخْلَعَه أوْ لَيَقْتُلنَّه ففَعَلَ مُكْرَهاً ثم أُسِرَ أَتُوبُ ولَمَّا ضَربَ الحَجَّاجُ عُنقَه نَدَمَ وذلك في سَنةِ أرْبَع وثمانينَ وله كَلامٌ بَلِيغٌ مُتَدَاوَل(٢)، (٣). ٤ - الدُّعَاء على الظَّالمين : قالَ سَعيدُ بنُ الْمُسيِّب : ما أُصَلِّي صَلاةَ إلاَّ دَعَوتُ اللهَ علىُ بَني مَرْوانَ (٤). ٥- دُعَاءُ المَظْلوم مُسْتَجاب : عن أبي الدَّرْداء : إيّاكَ ودَعَواتِ الْمَظْلُومِ، فإنَّهنَّ يَصْعَدنَ إلى اللهِ كأنَّهُنَّ شَراراتٌ من نَّار(٥) . (١) انظر السير: (عُبَيْد الله بن زياد بن أبيه) ٥٤٥/٣-٥٤٩، وانظر النزهة: ٢/٤٢٥. (٢) ومن كلامه ما جاء في ((عيون الأخبار)) (٦٩/٣) أن الحجّاج قال لأيوب: اخطب عليَّ هند بنت أسماء ولا تزد على ثلاث كلمات ، فأتاهم فقال : أتيتكم من عند من تعلمون ، والأمير يعطيكم ما تسألون ، أفتنكحون أم ترذُّون؟ قالوا : بل أنكحنا وأنعمنا ، ولما أراد الحجَّاج أن يُطلَّقَها أمر ابنِ القِرِيَّة أن يأتيَها فيطلقها بكلمتين ، ويُمتِّعْها بعشرة آلاف درهم ، فأتاها فقال لها : إنَّ الحجّاج يقولُ لك : كُنْتِ فبنْتِ ، وهذه عشرة آلاف متعة لك ، فقالت: قلْ له : كُنَّا فما حمدنا ، وبِنَّا فما ندمنا ، وهذه العشرة آلاف لك ببشارتك إِيَّايَ بطَلاقي ((عيون الأخبار)) (٢٠٩/٢). (٣) انظر السير: (أيُّوب القِرِّيَّة) ١٩٧/٤-١٩٨، وانظر النزهة: ١/٤٧٧. (٤) انظر السير: (سعيد بن الْمُسيِّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٢/٤٨٧. (٥) انظر السير: ( أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة: ٨/٢٧٢. ٥٧٨ ٦ - اسْتِغَاثَة المَظْلوم بالله تَعالَىُ ودُعَاؤه له : عن عمرُو بنِ مَيْمونَ ، أَنَّه كان لا يَتمنَّى الموتَ ، ويَقولُ: إنِّي أُصَلِّي في اليوم كَذا، وكَذا ، حتى أرْسَلَ إليه يَزِيدُ بنُ أبي مُسْلم فَتَعنَتَه ، ولَقِيَ منه شِدَّة ، فكانَ يَقولُ: اللَّهُمَّ الْحِقْني بالأخيار ولا تُخلِّفْني مع الأشْرارِ واسْقِني من عَذْبِ الأنْهارِ . ماتَ سنةَ خَمسٍ وسَبْعين(١) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ القائمِ أبِي جَعْفَرِ عبدِ الله بنِ القادِرِ بالله أحمدَ الخَلِيفَةِ العَبَّاسيِّ: وكان القائمُ فيه خَيرٌ واهْتمامٌ بالرَّعيَّة ، وقَضاء للحَوائج وقيلَ : إنّه لَمَّا بقي مُعتَقلاً عند العَرَبِ كَتَبَ قِصَّة، وبَعثَ بها إلى بَيتِ الله مُسْتَعدياً مِمَّن ظَلمَه وهي : (( إِلى الله العَظيمِ من الْمِسْكينِ عبدِه: اللَّهُمَّ إِنَّكَ العَالِمُ بِالسَّرائرِ ، الْمُطَّلِعُ على الضَّمائرِ اللَّهُمَّ إِنَّك غَنِيٌّ بَعِلمِك واطّلاعِك عن إعْلامي، هذا عَبدُك قد كَفَرَ نِعَمَك وما شَكَرَها ، أطْغاهُ حِلمُك حتّى تَعدَّى عَلينا بَغياً اللَّهُمَّ قَلَّ النَّاصِرُ واعْتَزَّ الظَّالِمُ، وأنتَ الْمُطَّلِعُ الحاكمُ ، بكَ نَعتَزُّ عليه ، وإليكَ نَهرَبُ من يديه ، فقد حاكَمْناه إليكَ ، وتَؤَّكلنا في إنْصافِنا منه عَليك ، ورَفَعْنا ظُلامَتنا إلى حَرَمِك ، ووَثِقْنَا فِي كَشْفِها بكَرَمِك ، فاحْكُم بَيْنَنَا بالحَقِّ، وأنتَ خَيرُ الحاكِمين » . وأمّا ما كان من طُغْرُلْبَك، فإنَّه ظَفرَ بأخيه وقَتَلَه ثم كاتَبَ مُتَولِّي عائَةَ في أن يَرُدَّ القائمَ إلى مَقرِّ عِزِّه ثم جَهَّز ◌ُغْرُلْبَك عَسْكراً قَاتَلُوا البَساسِيرِيَّ فقُتلَ وطِيفَ برأسِه فكانَت الخُطبَة للمُسْتَنْصِرِ بِبَغْدَادَ سَنَةً كاملَةً . تُوفَِّ القائمُ سنةَ سَبعٍ وستِينَ وأربع مئة(٢). ونُكُبَ القائمُ سَنةَ خَمسِينَ في كائنَةِ البَسَاسيرِيِّ، ففَرَّ إلى البَرِيَّة في ذِمام أميرٍ للعَرَب، ثم عادَ خِلافَتَه بعد عام بهمَّة السُّلطانِ طُغْرُلْبَك وأُزيلَت خُطبَة خَليفَةَ مِصْر العُبَيْدِيِّ الْمُسْتَنْصِر بالله من العِراقِ، وقُتْلَ البَساسيريُّ، لما أنْ فَرَّ القائمُ إلى البَريَّة ، (١) انظر السير: (عَمرو بن مَيْمون) ١٥٨/٤ -١٦١، وانظر النزهة: ٢/٤٦٨. (٢) انظر السير: (القائمُ بأمْر الله) ١٣٨/١٥ -١٤١، وانظر النزهة: ١/١١٩٦. ٥٧٩ رَفَعَ قصَّةً إلى رَبِّ العَالَمينَ مُسْتَعدياً على مَنْ ظَلَمَه، ونَفَّذَ بها إلى البَيتِ الحَرامِ ، فَنَفْعَت، وأخَذَ اللهُ بيدِه، ورَدَّه إلى مَقَرِّ عِزِّه فكذلك يَنبَغِي لَكُلِّ مَنْ قُهِرَ وبُغيَ عليه أنْ يَسْتَغِيثَ بالله تَعالَى، وإِنْ صَبرَ وغَفَرَ فإنَّ في الله كِفايَة ووِقايَة(١) . ٧ - الصَّبر على الظَّالمين : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ عبدِ اللهِ بنِ عون : وكانَ إذا جاءَه إخْوانُه كأنَّ على رُؤُوسِهِمُ الطَّيرُ لهم خُشوعٌ وخُضوعٌ وما رَأيْتُه مازَحَ أَحَداً ، ولا يُنشِدُ شِعْراً كان مَشْغولاً بنَفْسِه وما سَمعتُه ذاكراً بِلالَ بنَ أبي بُرْدَة بشيءٍ قَطُّ ولقد بَلغَني أنَّ قَوْماً قالوا له : يا ابنَ عَوْن: بِلالٌ فَعَلَ كَذا فقالَ: إِنَّ الرَّجُلَ يَكونُ مَظْلُوماً، فلا يَزالُ يَقولُ حتَّى يَكُونَ ظَالِماً ما أظُنُ أحَداً منكُم أشَدَّ علىُ بِلالٍ مِنِّي، قالَ : وكان بِلالُ ضَربَه بالسِّيَاطِ ، لِكَوْنِه تَزوَّجَ امرأةٌ عَربيّة(٢) . ٨- الفَرحُ بِمَوْتِ الظَّالمين : جاءَ في تَرجَمَةِ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، عن حمَّاد، قالَ : بشَّرتُ إبراهيمَ بمَوتٍ الحجّاجِ ، فسَجدَ ، ورَأيْتُه بَيكي من الفَرَح(٣). ٩ - الإِشْفاقُ على الظَّالمين: عن إبراهيمَ بنِ يَزيد قالَ: إنَّ الرجلَ ليَظْلِمُنِي فَأرْحَمُه (٤). ١٠ - مَنْ ماتَ إِشْفاقاً مِنْ ظُلْمُ الظَّالمين : عن خُليدِ بنِ دَعْلج قالَ : كُنَّا عند عَطاء السَّليمي، فقيلَ له إنَّ ابنَ علَيِّ(٥) قَتلَ أرْبَعَ مئةً من أهْلِ دِمَشْقَ على دَمٍ واحدٍ ، فقالَ مُتَنَفِّساً : هاه، ثم خرَّ مَيتا (٦) . (١) انظر السير: (القائمُ) ٣٠٧/١٨ -٣١٨، وانظر النزهة: ٢/١٤١٦. (٢) انظر السير: (عبد الله بن عون) ٦/ ٣٦٤ - ٣٧٥، وانظر النزهة: ١/٦٥٨. (٣) انظر السير: ( إبراهيم النخعي) ٥٢٠/٤-٥٢٩، وانظر النزهة : ١/٥٤٩. انظر السير : ( إبراهيم بن يزيد) ٦٠/٥ -٦٢، وانظر النزهة: ٥/٥٨٠ . (٤) (٥) قال صاحب النزهة : هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن عبَّاس، وكان قد أسرَف الأمويين بدمشق. (٦) انظر السير: (عَطاء السَّليمي) ٨٦/٦-٨٨، وانظر النزهة: ٥/٦٣٤. ٥٨٠