النص المفهرس
صفحات 481-500
ومما روي له(١) : أَيَفْظَانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ نَائِمُ فَلَوْ كُنْتَ يَقْظَانَ الغَدَاةِ لَخَرَّقَتْ تُسَرُّ بِمَا يَبْلَىْ وتَفْرَحُ بالْمُنَى نِهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سهْوٌ وَغَفْلَةٌ وسَعْيُكَ فِيمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ وكَيْفَ يُطِيقُ الثَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ مَدَامِعَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ كَمَا اغْتَرَّ بِاللَّذَّاتِ فِي الْيَوْمِ حَالِمُ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدَىْ لَكَ لاَزِمُ كَذلِكَ فِي الدُّنْيا تَعيشُ البَهَائِمُ وعن مُجاهِد : قالَ لي عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز : ما يَقولُ فيَّ الناسُ ؟ قُلتُ : يَقولون مَسْحُور، قالَ : ما أنا بمَسْحُور، ثم دَعا غُلاماً له فقالَ: وَيُحَكَ! ما حَمَلَكَ على أنْ سَقَيْتَنِي السُّمَّ ؟ قالَ : ألفُ دينار أُعْطِيتُها ، وعلى أنْ أُعْتَقِ ، قالَ : هاتِها ، فجاءَ بها ، فألقاها في بَيَتِ المالِ ، وقالَ : اذْهَبْ حَيثُ لا يَرَاكَ أحَدٌ(٢). وعن عَمرِو بنِ مُهاجِر قالَ : اشْتَهَى عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز تُفَّاحاً، فأهْدَى له رجلٌ من أهْلِ بَيتِه تُفَّاحاً ، فقالَ: ما أطْيَبَ رِيحَه وأحْسَنَه! وقالَ : ارْفَعَهُ يا غُلامُ للذي أتَى به ، وأقرِ مَوْلاكَ السَّلامَ ، وقُلْ له : إنَّ هَديَّكَ وَقَعت عندنا بحيثُ تُحبُّ ، فَقُلتُ : يا أميرَ المؤمنين! ابنُ عَمِّك، ورَجلٌ من أهْلِ بَيتِك ، وقد بَلغَكَ أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَأْكُلُ الهَديَّةَ، قَالَ : وَيُحَكَ! إنَّ الهَديَّةَ كانت له هَديَّةً ، وهي اليومَ لنا رِشْوَةٌ(٣) . وعن أَيُّوبَ قالَ : قيلَ لعُمرَ بنِ عبدِ العَزيز : يا أميرَ المؤمنين! لَوْ أَتَيْتَ المَدينَةَ ، فإنْ قَضَى اللهُ مَوْتاً في مَوْضِعِ القَبْرِ الرَّابعِ مع رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قالَ : واللهِ لأَنْ يُعذِّبَنِي اللهُ بِغَيْرِ النَّارِ أحَبُّ إليَّ مَنْ أنْ يَعلمَ مِنْ قَلبي أنِّي أراني لذلك أَهْلاً (٤). وقالَ الْمُغيرَةُ بنُ حَكيم : قُلتُ لفاطِمَةَ بنتِ عبدِ الملك : كُنتُ أسْمَعُ عُمرَ بنِ عبدِ (١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٩١. (٢): انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٩١. (٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٥/٥٩١. (٤) انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٩٢. ٤٨١ العَزيز في مَرَضِه يَقولُ: اللَّهُمَّ أخْفِ عليهم أمْري ولَوْ ساعَة ، قَالت : قُلتُ له : ألا أخْرُجُ عَنْكَ، فإنَّكَ لَمْ تَنَمْ، فخَرجتُ، فجعلتُ أسْمَعُهُ يَقولُ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) مِراراً ثم أطْرَقَ فَلَبِثْتُ طَوِيلاً لا يُسمَعُ له حِسٌّ ، فَقُلتُ لوَصيفٍ: وَيْحَكَ انْظُرْ، فلمَّا دَخلَ، صَاحَ ، فدَخَلْتُ فَوَجَدتُهُ مَيِّناً، وقد أُقْبَلَ بوَجهِه على القِلَة، ووَضَعَ إِحْدَى يَدِيه على فيه، والأُخْرَى علىْ عَينَيَه(٢). ولِكُثَيِّر عزَّة يَرثيه : فَالنَّاسُ فِيهِ كُلُّهم مَأجُورُ عَمَّتْ صَنَائِعُهُ فَعَمَّ هَلاَكُهُ في كُلِّ دَار رَنَّةٌ وَزَفِيرُ والنَّاسُ مَأْتَمُهُمْ عَلَيْهِ وَاحِدٌ خَيْراً لأنَّكَ بِالثَّنَاءِ جَدِيرٌ يُْنِي عَلَيْكَ لِسَانُ مَنْ لَمْ تُوَلِّهِ فَكَأَنَّهُ مِنْ نَشْرِهَا مَنْشُورُ رَدَّتْ صَنَائِعُهُ عَلَيهِ حَيَاتَهُ وكان أسْمرَ دَقيقَ الوَجْهِ ، حَسَنه ، نَحِيفَ الجِسْم، حَسَنَ اللِّحْيَة، بجَبْهَته شَجَّةٌ . وكانت خِلافَتُه سَنتَين وخَمسَةَ أشْهُر وأيّاماً(٣). قالَ ابنُ عُبَيْنَة : قالَ رَجلٌ لعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيز : جزاكَ اللهُ عن الإسْلامِ خَيراً ، قالَ بَلْ جَزَى اللهُ الإسْلامَ عنِّي خَيراً . ماتَ سَنةَ إِحْدَى ومئة (٤) . المُھْتدي بالله : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : أميرُ المؤمنين ، الْمُهْتَدِي بالله، أبو إسْحاقَ ، وأبو عبدِ الله مُحمَّدُ بنُ الوَاثِقِ هَارُونَ بنِ الْمُعْتَصِم مُحمَّدُ ابنُ الرَّشيدِ العَبَّاسيُّ . (١) سورة القصص ، الآية : ٨٣. (٢) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٩٢. (٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٩٢. (٤) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٩٢. ٤٨٢ بُويعَ ابنَ بضع وثلاثين سَنةً سَنةَ خَمسٍ وخَمسينَ ومئتَين وما قَبِلَ مُبَايَعَةَ أحَدٍ حتى أحْضَرَ الْمُعْتَزَّ بالله فلمَّا رَآهُ قامَ له وقالَ : السَّلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنين ، وجَلسَ بين يَدِيه، فجِيء بشُهود ، فشَهدوا على الْمُعْتَزِّ أنَّه عاجِزٌ عن أعْباء الإمامَة ، وأقَرَّ بذلك ، ومَدَّ يدَه ، فبايَع ابنَ عَمِّه الْمُهْتَدِي بالله، فارْتَفَعَ حينئذ الْمُهْتَدِي ، إلى صَدرِ الْمَجلِسِ ، وقالَ : لا يَجْتمِعُ سَيفانِ في غِمْد ، وأنْشَدَ قولَ ابنِ أبي ذُؤَيب . وَهَلْ يُجْمَعُ السَّيْفَانِ وَيْحَكِ فِي غِمْدِ ؟! تُرِيدِينَ كَيْمًا تَجْمَعِينِي وَخَالِداً وكان الْمُهْتَدِي أسْمرَ رَقيقاً ، مَلِيحَ الوَجْه ، وَرِعاً عادِلاً صالِحاً مُتعبِّداً بطلاً شُجاعاً ، قَوياً في أمْرِ الله، خَليقاً للإمَارَة ، لكنَّه لَمْ يَجدْ مُعيناً ولا ناصِراً ، والوَقتُ قابلٌ للإدبار . نَقْلَ الخَطيبُ عن أبي مُوسَى العَبَّاسيِّ: أنَّه ما زالَ صائماً منذُ اسْتُخْلِفَ إلى أنْ قُتْلَ . وقالَ أبو العَبَّاس هاشِمُ بنُ القاسِم : كُنتُ عندَ الْمُهْتَدِي عَشيَّة في رَمضانَ فقُمتُ لِأَنْصَرِفَ، قالَ : اجْلِسْ فجَلستُ، فصَلَّى بنا، ودَعا بالطَّعام، فأُحْضِرَ طَبَقُ خِلاَفٍ (١) عليه أرْغِفَةٌ وآنيةٌ فيها مِلْحٌ وزَيتٌ وخَلٌّ ، فدَعاني إلى الأكْلِ ، فأكَلتُ أكلَ مَنْ يَنْتِظِرُ الطَّبِيخَ، فقالَ: ألَمْ تَكُنْ صَائماً؟ قُلتُ: بلى قالَ: فَكُلْ واسْتَوفِ ، فَلَيسَ هنا غَيرُ ما ترَى؟! فعَجبتُ ثم قُلتُ : ولِمَ يا أميرَ المؤمنين ، وقدْ أنْعَمَ اللهُ عَليك؟ قالَ : إِنِّي فَكَّرتُ أنَّه كانَ في بَنِي أُمَّيَّة عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيز ، فِغِرْتُ على بَني هاشِم وأخَذتُ نفسِي بما رَأيتَ(٢) . قالَ ابنُ أبي الدُّنيا : حدَّثنا أبو النَّضْرِ الْمَرْوَزيُّ، قالَ لي جَعْفَرُ بنُ عبد الوَاحِد : ذاكَرتُ الْمُهْتَدِي بشَيء، فقُلتُ له : كانَ أحْمِدُ بنُ حَنْبَل يَقولُ به ولكنَّه كان يُخالَف - كأنِّي أَشَرتُ إلى آبائِه - فقالَ: رَحمَ اللهُ أحْمِدُ بنُ حَنْبَل ، لَوْ جازَ لي لتَبرَّأْتُ من أبي ، (١) صنف من الصفصاف ، ومن عيدانه تصنع الأطباق". (٢) انظر السير: (الْمُهْتَدِي بالله) ٥٣٥/١٢-٥٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٢٩. ٤٨٣ تَكلَّمْ بِالحَقِّ وَقُلْ به فإنَّ الرَّجُلَ ليَتكلَّمُ بالحَقِّ فيَبُّلُ في عَيني(١). قالَ نِفْطَوَيه : أخْبَرنا بعضُ الهاشِمِيِّين أنَّه وَجَدَ للْمُهْتَدِي صَفطٌ فيه جُبَّةٌ صوفٍ ، وكساءٌ كان يَلْبَسُه في اللَّلِ، ويُصلِّي فيه، وكان قد اطْرَحِ المَلاهي، وحَرَّمَ الغِناءَ ، وحَسمَ أصْحابَ السُّلطانِ عن الظُّلمِ ، وكانَ شَديدَ الإشْرافِ على أمْرِ الدَّواوينِ ، يَجلسُ بنفسِه ، ويَجلسُ بين يديه الكُتَّابُ يَعمَلونَ الحِسابَ، ويُلزِمُ الجُلوسَ يَومَي الخَميسِ والإثنينِ، وقد ضَربَ جَماعَةً من الكِبارِ ، ونَفَى جَعْفَرَ بنَ مَحْمودٍ إِلى بَغْدَادَ لَرَفْضٍ فيه(٢) . وعائَت الزِّنْجُ بالبَصْرَة، ويَعقوبُ الصَّفَّارِ بِخُراسانَ، وقَتَلَ الْمُهْتَدي الأميرَ باكيال ، فثار أصحابُه، وأحاطُوا بدارِ الجَوْسَقِ ، فَأَلْقِيَ الرأسُ إليهم ، ورَكبَ أعْوانُ الخَلِيفَة، فتمَّت مَلحَمةٌ كبرَىُ ، قُتلَ فيها من الأتْراكِ ألوفٌ وقِيلَ : بل ألفٌ في رَجبَ سَنةَ سِتٍّ وخَمْسينَ ومِئتين ، ثم أصْبَحوا على الحَرْب ، فَرَكبَ الْمُهْتَدي وصالِحُ بنُ عليٍّ في عُنِهِ الْمُصْحَفُ يَصيحُ : أيُّها النَّاسُ: انْصُرُوا إمامَكم فحَملَ عليه أخُو باكيالَ في خَمسٍ مئة، وخامَرَ الأتْراكَ الذين مع الخَلِيفَة إليه ، وحَميَ الوَطيسُ ، وتفلَّلَ جَمْعُ الْمُهْتَدي واسْتحَرَّ بهم القَتلُ فولَّى والسَّيفُ في يدِه يقولُ: أيُّها النَّاسُ : قاتِلوا عن خَليفَتِكم ، ثم دَخلَ دارَ صالِح ابنِ مُحمَّدٍ بِنِ يَزْدادَ ، ورَمَى السَّلاحَ ، ولَيسَ البَيَاضَ لَيَهْربَ من السَّطحِ وجاءَ حاجِبُ باكيالَ، فَأَعْلِمَ به فهَرَبَ، فرَماهُ واحدٌ بسَهْمٍ ، ونَفَخَهُ بالسَّيفِ ثم حُملَ إلى الحاجِب ، فأرْكَبوه بَغْلاً وخَلفَه سائسٌ، وضَربُوه وهم يَقولُون : أينَ الذَّهبُ؟ فأقَرَّ لهم بسِتٌّ مئة ألفِ دينار مُودَعَةً بَبَغْدادَ، فَأَخَذُوا خَطَّه بها ، وعَصَرَ تُرْكِيٌّ علىْ أُنْبِه فمات، وقيلَ: أرادُوا منه أنْ يَخْلَعَ نَفَسَه فأبَى فقتلوه رَحمَه اللهُ وبايَعوا الْمُعْتَمِدَ على الله . وفي ذُرِّيَتِهِ عُلماءُ وخُطَبَاءُ(٣). انظر السير: (الْمُهْتَدِي بالله) ٥٣٥/١٢-٥٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٣٠. (١) انظر السير: (الْمُهْتَدِي بالله) ٥٣٥/١٢ - ٥٤٠، وانظر النزهة : ٢/١٠٣٠. (٢) (٣) انظر السير: (الْمُهْتَدِي بالله) ٥٣٥/١٢ - ٥٤٠، وانظر النزهة: ٣/١٠٣٠. ٤٨٤ القَادِرُ بالله : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : الخَليفةُ أبو العبَّاس أحمدُ ابنُ الأميرِ إِسْحَاقَ بنِ الْمُفْتَدِر . وكانَ أبيضَ كَثَّ اللَّحْيَة يخضِبُ، دَيَّناً عالِماً مُتعبَّداً وَقُوراً من جُلَّة الخُلفَاءِ وأمْثَلِهِم عَدَّه ابنُ الصَّلاحِ في الشَّافِعِيَّةِ(١) . قالَ الخَطيبُ: كانَ من الدِّين، وإِدَامَة التَهَجُّد ، وكَثْرَةِ الصَّدَقاتِ علىُ صِفَة اشْتُهرَت عنه وصَنَّفَ كتاباً في الأصُول ، ذَكرَ فيه فَضلَ الصَّحابَةِ ، وإكْفار مَنْ قالَ : بِخَلقِ القُرآنِ ، وكانَ ذلكَ الكتابُ يُقرأ في كلِّ جُمعَة في حَلقَة أصْحابِ الحَديث ، ويَحِضُرُهُ النَّاسُ مُدَّةٍ خِلافَتِهِ وهي إحْدَى وأرْبَعُون سَنةً وثلاثَةَ أشْهُر . قالَ الإمامُ الذهبيُّ : قامَ بِخِلافَته بَهَاءُ الدَّولة . وذَكرَ مُحمَّدُ بنُ عبدِ المَلكِ الهَمذاني ، أنَّ القادِرَ كانَ يَلْبَسُ زِيَّ العامَّة ويَقصِدُ الأماكِنَ الْمُبارَكَةِ(٢) . وعَملت الرَّافِضةُ عيدَ الغَدير، فثارَت السُّنَّةُ، وقَووا، وخَرَّقُوا عَلَمَ السلطان ، وقُتلَ جَماعةٌ ، وصُلِبَ آخَرون ، فَكَفُّوا . وفي سنة ثلاثٍ وثمانينَ وثلاث مئة اسْتفحَلَ البَلاءُ بالعَيَّارين ببغداد ، ولمْ يَحُجَّ أحدٌ من العِراق(٣). وكان الرّفضُ عَلانيةً بدمَشْقَ فِي سَنة أربع مئة، ولقد أخَذَ نائبُها « تمصُولُت البَرْبَرِيُّ)) رَجلاً في سنة ثلاثٍ وتسعينَ وثلاث مئة فطِيفَ به على حمارٍ : هذا جزاء مَنْ يُحبُّ أبا بكرٍ وعُمرَ ، ثم قُتِل . وفي هذا الوَقت انبثَّتْ دُعاة الحاكم في الأطْرافِ، فأمَرَ القادرُ بعَمل مَحْضَر (١) انظر السير: (القَادرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٢/١١٩٣. (٢) انظر السير: (القادرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٣/١١٩٣. . (٣) انظر السير: (القَادرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ١/١١٩٤. ٤٨٥ يتضمن القَدْحَ في نَسَب العُبَيْدِيَّة ، وأنَّهم مَنْسُوبون إلى دَيْصانَ ابنِ سَعيد الخُرَّمي ، فشَهدوا جميعاً أنَّ النَّاجِمَ بِمِصْرَ مَنصورَ ابنَ نزارِ الحاكم حكمَ اللهُ عليه بالبَوار ، وأنَّ جَدَّهم لمَّا صارَ إلى الغَرب تَسمَّى بالمَهْدي عُبَيد الله، وهو وسَلفُه أرْجاسٌ خَوارِج أدْعياء، وأنَّ هذا النَّاجِمَ وسَلفَه كُفَّارٌ زَنادِقَة، ولمَذْهَب الثَّنَويَّةِ (١) والمَجوسِيَّة مُعْتقدون، عَطَّلوا الحُدودَ ، وأباحوا الفُروجَ وسَفكوا الدِّماءَ، وسَبُّوا الأنْبياءَ، ولَعَنوا السَّلَفَ، واذَّعَوا الرُّبوبيّة . واسْتتابَ القادرُ فُقهاءَ المُعتْزِلَةِ، فَتَبَرَّوْا من الاعْتِزَالِ والرَّفضِ وأُخِذَت خُطوطُهم بذلك . وامتثلَ ابنُ سُبُكتكين أمرَ القادر، فبَثَّ السُّنَّة بممَالكه وتَهدَّد بقَتلِ الرَّافِضَة والإسْماعيليّة والقَرامِطَة، والمُشبِّهَة والجَهْميَّة والمُعْتَزِلَة، ولُعِنوا على المَنابِر(٢). وافْتَتَحَ ابنُ سُبُكْتِكِين ◌ِدَةَ مَدائِنَ بالهِنْدِ ، ووَرَدَه كِتابُ القَادِرِ بالله ، فِيهِ : صَدَرَ العَبدُ من غَزْنَةَ في أوَّلِ سَنةِ عَشرٍ وأرْبَع مِئَة ، وانْتُدَبَ لتَنفِيذِ الأَوامِرِ فَرَتَّبَ فِي غَزْنَةً خَمسةَ عَشرَ ألفَ فارِسٍ ، وأَنْهَضَ ابنَه فَي عِشرينَ ألفاً وشَحَنَ بَلْغَ وَطَخَارُسْتَانَ باثني عَشرَ ألفَ فارسٍ ، وعَشرةَ آلافِ راجلٍ ، وانْتُخَبَ ثلاثينَ ألفَ فارِسٍ ، وعَشرَةَ آلافِ راجِلٍ لصُحْبَةِ رَايَةِ الإِسْلامِ، وانْضَمَّ إليه المُطَّوِّعَةُ، فافْتَتَحَ قِلاعَاً وحُصُوناً وأَسْلَمَ زُهَاءَ عِشِرينَ ألفاً، وأَدَّوْا نَحوَ أَلْفِ ألْفٍ من الوَرِقِ ، وثلاثين فِيلاً، وعِدَّةُ الهَلْكَىْ خَمسُونَ ألفاً ووَافَى العَبدُ مدينةً لهم عَايَنَ فيها نَحوَ ألفِ قَصْرٍ ، وألفَ بيتٍ للأَصْنَامِ ، ومَبْلَغُ ما على الصَّنَمِ ثمَانِيَةٌ وتِسْعونَ ألفَ دينارٍ ، وقَلَعَ أَزْيَدَ من ألفِ صَنَمٍ ، ولهم صَّنَمٌ مُعَظّمٌ يُؤَرِّخُونَ مُدَّتَه بجَهَالَتِهِم بثلاثٍ مِئَّةِ ألفِ سَنَةٍ، وحَصَّلْنا من الغَنَائِمِ عِشْرِينَ ألْفَ ألفِ درهمٍ، وأُفْرِدَ الخُمْسُ من الرَّقِيقِ ، فَبَلَغَ ثلاثةً وخَمْسِينَ ألفاً ، واسْتَعْرَضْنَا ثلاثَ مِئَةٍ وسِتَةً وخَمسِينَ فِيلاً . (١) أصحاب الاثنين الأزليين، النور والظلمة، يزعمون بأنهما أزليان قديمان انظر ((الملل والنحل)) ٠ ٢٤٤/١ . (٢) انظر السير: (القادرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٢/١١٩٤. ٤٨٦ وفي سَنَةِ اثْتَينٍ وعِشرينَ وأَرْبَع مِئَّةٍ ، ماتَ القَادِرُ بالله، وعَاشَ سَبْعاً وثمَانِينَ سَنةً سِوَىُ شهرٍ وثمانيةَ أيَّامٍ ، وما عَلَمْتُ أحَداً من خُلَفَاءِ هذهِ الأُمَّة بَلَغَ هذا السِّنَّ ، ولا حتى عُثْمانَ رضي الله عنه(١) . القَائِم : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته: وكان ذا حَظٍّ من تَعبُّدٍ وصيامٍ وتَهجُّدٍ ، لَمَّا أنْ أُعيدَ إلى خِلافَتِهِ قِيلَ : إنَّه لَمْ يَسترِدَّ شَيئاً ممَّا نُهِبَ من قَصرِهِ ، ولا عاقَبَ مَنْ آذاه ، واحْتَسَبَ وصَبرَ وكانَ تاركاً للمَلاهي - رَحِمَه اللهُ - وكانَت خِلافَتُه خَمساً وأرْبَعينَ سَنةً . وغَسَّله شَيْخُ الحَنابِلَة أبو جَعْفَر بنُ أبي مُوسَى الهَاشِميُّ، وعاشَ سِتَّا وسَبعينَ سَنةً، وبُويعَ بعدَه ابنُ ابنِهِ(٢) . الْمُقْتَدِي بِأمْرِ الله : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : الخَلِيفَةُ الْمُقْتَدِي بِأمْرِ الله ، أبو القَاسِم. تَسلَّمَ الخِلافَةَ بِعَهْدٍ من جَدِّه سنةَ سَبع وستِينَ وأَرْبَع مئة وهو ابنُ عِشْرِينَ سَنةً (٣) . وكان حَسنَ السِّيرَةِ ، وافِرَ الحُرْمَة أمَرَ بنَفي الخَواطىءِ والقيناتِ ، وأنْ لا يَدخُلَ أحَدٌ الحَمَّامَ إلاَّ بمئزر ، وأخْرَبَ أبْراجَ الحمام ، وفيه دِيانَةٌ ونَجابَةٌ وقُوةٌ وعُلوُّ هِمَّة ، وكانَ مَلِكْشاه قد صَمَّمَ على إخْراجِه من بَغْدَادَ فحارَ ، والْتجأ إلى اللهِ ، فَدَفَعَ عنه ، وهَلكَ مَلِكْشاه(٤) . وكان مُحبًّ للعلوم ، مُكْرِماً لأَهْلِها ، لمْ يَزِلْ في دولةٍ قاهِرةٍ وصَوْلَةٍ باهِرَةٍ ، وكانَ غَزِيرَ الفَضْلِ ، كاملَ العَقْلِ ، بَلِيغَ النَّثْرِ ، فمنه : وَعْدُ الْكُرَماءِ ألْزَمُ من دُيون الغُرَماءِ ، الألْسُن الفَصيحَة أنْفَعُ من الوُجُوه الصَّبِيحَة ، (١) انظر السير: (القادرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٣/١١٩٤. (٢) انظر السير: ( القائم) ٣٠٧/١٨ -٣١٨، وانظر النزهة: ٣/١٤١٦. انظر السير: ( الْمُقْتَدي) ١٨/ ٣١٨-٣٢٤، وانظر النزهة : ٣/١٤١٨. (٣) انظر السير: ( الْمُقْتَدي) ٣١٨/١٨ -٣٢٤، وانظر النزهة : ٤/١٤١٨. (٤) ٤٨٧ والضَّمائرُ الصَّحِيحَة أَبْلَغُ من الألْسُنِ الفَصيحَة، حَقُّ الرَّعيَّة لازمٌ للزُّعاة ، ويَقبحُ بالولاة الإقبالُ على السُّعاة . وفي أول سنة سبع وثمانين تُوفِّي فَجْأة وهو ابنُ تسع وثلاثين سنة ، وكانت خِلافَتُه عشرينَ سنةً كان هو خَليفَةُ الإسْلام في زَمانِهِ ، لكنْ يُزاحِمُه صاحبُ مِصْرَ المُسْتَنِصِرُ ، فكان العُبَيْدِيُّ والعبَّاسِيُّ مَقْهورَين من وُجوه وكان حُكْمُ العِراق والمَشْرق إلى السُّلْجوقيّة ، وحكمُ المَغرب إلى تاشْفِين وابنِهِ ، وحكمُ اليَمَن إلى طائفة، والأمرُ كلُّه لله(١). الْمُقْتَفَي لأَمْرِ الله : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : كان الْمُقْتَفي عاقلاً لبيباً ، عاملاً مَهيباً ، صَارِماً ، جَواداً مُحِباً للحَديثِ والعِلمِ، مُكْرِماً لأَهْلِه، وكانَ حَميدَ السِّيرَة ، يَرجِعُ إلى تَدُّنٍ وحُسْن سِياسَة، جَدَّدَ مَعالِمَ الخِلافَة، وباشَرَ الْمَهَمَّاتِ بنَفْسِه وغَزَا في جُوشِه(٢) . قالَ أبو طالِب بنُ عبد السَّميع : كانت أيَّامُه نَضِرَةً بالعَدْلِ زَهِرَةً بالخَيرِ ، وكانَ على قَدَم من العِبَادَة قَبلَ الخِلافَةِ ومَعها، ولَمْ يُرَ مع لِينِهِ بعد الْمُعْتَصِم في شَهامَتِهِ مع الزُّهْدِ والوَرَعِ ، ولَمْ تَزَلْ جُيوشُه مَنصُوَرةً(٣) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وكانَ من حَسَناتِهِ وَزيرُهُ عَوْنُ الدين بنُ هُبَيْرَة ، وكان أسْمَرَ آدَم، مَجدُورَ الوَجْه ، مَلِيحَ الشَّيبَة، أقامَ حشمةَ الخِلافَة وقَطعَ عنها أطْماعَ السَّلاطينِ السَّلْجوفيّة وغيرهم (٤) . وعن ابنِ الجَوْزيَّ قالَ: قَرأْتُ بخَطُّ أبي الفَرَجِ الحَدَّاد قالَ : حدَّثني مَنْ أَثِقُ به أنَّ الْمُقْتَفِي رَأىْ فِي مَنامِه قَبَلَ أنْ يُسْتَخلَف بسِئَة أيَّامِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ له : سَيَصِلُ هذا الأمرُ إليكَ فاقْتَفٍ بي فِلِذا لُقِّبَ الْمُقْتَفي لأمر الله (٥). (١) انظر السير: (الْمُقْتَدي) ٣١٨/١٨ -٣٢٤، وانظر النزهة: ٣/١٤١٨. (٢) انظر السير: (الْمُقْتَفي لأمْر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة : ٨/١٥٦٧. انظر السير: ( الْمُقْتَفي الأمْر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة : ١/١٥٦٨. (٣) انظر السير: ( الْمُقْتَفي الأمْر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة : ٢/١٥٦٨. (٤) انظر السير: ( الْمُقْتَفي لأمر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة: ٣/١٥٦٨. (٥) ٤٨٨ المُسْتَضيء : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : الخَليفةُ أبو مُحمَّد الحَسنُ ابنُ الْمُسْتَنْجِد بالله يوسُفُ بِنِ الْمُقْتَفي مُحمَّدٍ بِنِ الْمُسْتَظْهِر أحْمَدِ ابنِ الْمُقْتَدي الهاشميُّ العَبَّاسيُّ . بُرِيعَ بالخِلافَة وَقَتَ مَوتِ أبيه في رَبيعِ الآخِرِ سَنَ سِتٍّ وسِتِين وخَمسٍ مئة ، وقامَ بِأمْرِ البَيْعَة عَضُدُ الدِّين أبو الفَرج ابنُ رَئيس الرُّؤساء ، فاسْتَوْزَره يومئذ . وُلدَ سَنَةَ سِتَّة وثَلاثين وخَمسِ مئة وأُّه أرْمنيّة وكانَ ذا حِلمٍ وأناةٍ ورَأْفَةٍ ، وبِرِّ وصَدقاتٍ . قالَ ابنُ الجَوزيّ في ((الْمُنْتَظِمِ )): بُويعَ ، فَنُودي برَفْعِ المُكوسِ ، ورَدِّ المَظالِم ، وأظْهَرَ من العَدلِ والكَرَمِ ما لَم نَرَه من أعْمارِنا ، وفرَّقَ مالاً عظيماً على الهاشِمِيِّين . وقالَ ابنُ الجَوزيّ : في خِلافَتَه زالَتِ دَولةُ العُبَيدِيَّةِ بِمِصْرَ ، وخُطِبَ له بها ، وجاءَ الخَبرُ فِغُلِّقَتِ الأسْواقُ للمسَرَّة، وعُملَت القِبابُ، وصَنَّفْتُ كتاباً سَمَّيْتُه، ((النَّصْرُ على مِصْرَ ))، وعَرضتُه على الإمامِ الْمُسْتَضيء . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: وخُطبَ له باليَمَنِ ، وبَرْقَة، وتَوْزَرَ ، وإلى بلاد التُّركِ، ودانَت له المُلوكُ ، وكان يَطلبُ ابنَ الجَوْزيِّ، ويأمُرُه أنْ يَعظَ بحَيثُ يَسْمَعِ ، ويَميلُ إلىْ مَذْهَبِ الحَنابِلَة، وضَعُفَ بدَولِهِ الرَّفضُ بَبَغْدَادَ وبمِصْرَ وظَهرَتِ السُّنةُ، وحَصلَ الأمْنُ ، ولله الْمِنَّة . ماتَ الْمُسْتَضِيءُ سنةَ خَمْس وسَبْعينَ وخَمْسِ مئة، وبايَعوا بعدَه ولدَه النَّاصِرَ لدينِ الله(١) . الظَّاهِرُ بأمْرِ الله : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : قالَ ابنُ الأثيرِ : وَلَيَ فأَظْهرَ العَدلَ والإِحْسانَ ، وأعادَ سُنَّةَ العُمَرَيْن فإِنَّه لَوْ قِيلَ: ما وَلِيَ بعدَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيز مثلُه لكانَ القائلُ صادقاً . (١) انظر السير: (الْمُسْتَضِيء بأمْر الله) ٦٨/٢١ -٧٢، وانظر النزهة: ١٥٩٨ / الْمُسْتَضِيء بأمْر الله. ٤٨٩ فإنَّه أعادَ من الأمْوالِ والأمْلاكِ الْمَغْصوبَةِ شَيئاً كثيراً، وأطلقَ الْمُكُوسَ في البلادِ جَميعِها ، وأمرَ بإعادَةِ الخَراجِ القَديمٍ في جَميعِ العِراقِ وبإِسْقَاطِ ما جَذَّدهُ أَبُوهُ وکان لا يُحصَى، وقدِمَ صاحَبُ الدِّيوانِ من وَاسِطَ بأكثرَ من مئة ألفٍ ظُلماً فَرَدَّها على أرْبابِها، ونفَّذَ إلى الحاكِمِ عشرَةَ آلافِ دينار ليُوَفَِّها عن الْمَحْبوسينَ ، وكان يقولُ : أنا قد فَتَحْتُ الدَكَّانَ بعدَ العَصْرِ (١) فَذَروني أفعَلُ الخَيرَ ، فَكَم بَقيتُ أعيشُ وقد أنْفَقَ وتَصدَّقَ في لَيلةِ النَّحْرِ مئةَ ألفِ دينارٍ ، وكانَ نِعْمَ الخَلِيفَةِ خُشوعاً وخُضوعاً لرَبِّه وعَدْلاً فِي رَعيَِّّهِ ، وازْدياداً في وقتٍ من الخَيرِ ، ورَغبةً في الإِحْسان(٢). وقالَ سِبطُ الجَوْزيِّ : حُكِيَ عنه أنَّه دَخلَ إلى الخَزائنِ ، فقالَ له خادمٌ : في أيامِك تَمتلىء، قالَ: ما عُملت الخَزائنُ لتُملأ، بَلْ لْتُفْرَغَ وتُنفَقَ في سَبيلِ الله إنَّ الجَمْعَ شُغلُ التجَّارِ(٣). ٢ - مُلُودٌ صَالِحُون : هِشامُ بنُ عبد الرحمن الأُمُوي : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَته : الأميرُ أبو الوَليد الْمَرْوانيُّ، بُويِعَ بالْمُلكِ بالأنْدَلُسِ عندَ مَوتِ والدِهِ ، سَنةَ اثْتَينِ وسَبعينَ ومئة، وعُمرُه إذا ذاك ثَلاثونَ سَنةً، فإنَّه وُلدَ بالأنْدَلُسِ ، وكانَ دَيَّناً وَرعاً يَشْهَدُ الجَنائزَ، ويَعودُ المَرضَىُ، ويَعدِلُ في الرَّعيَّة ، ويُكثِرُ الصَّدَقَاتِ، ويَتعاهَدُ المَساكينَ، وأُّه أمُّ وَلَد ، اسْمُها حَوْرَاءُ . ولَمَّا اخْتُضِرَ ، عَهدَ بالأمْرِ إلى وَلِدِه الحَكَم . وماتَ في سَنةِ ثَمانينَ ومئة، وله سَبعٌ وثَلاثونَ سَنةً رَحمَهُ الله (٤). (١) أي أنه ولي الخلافة على كبر السن. (٢) انظر السير: (الظاهر بأمر الله) ٢٦٤/٢٢-٢٦٨، وانظر النزهة: ١/١٦٩١. (٣) انظر السير: ( الظَّاهِرِ بأمْر الله) ٢٦٤/٢٢ -٢٦٨، وانظر النزهة: ٢/١٦٩١. (٤) انظر السير: (هشام بن عبد الرحمن بن معاوية) ٢٥٣/٨ -٢٦٠، وانظر النزهة: ٢/٧٥٠. ٤٩٠ نُورُ الدِّين : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمتِهِ : صاحبُ الشَّام ، المَلكُ العَادِلُ ، نُورُ الدِّين ، ناصِرُ أمير المؤمنين تَقِيُّ المُلوكِ، لَيْثُ الإسْلامِ ، أبو القاسِم ، مَحْمُودُ بنُ الأتابَكِ قَسيمِ الدَّولَة أبي سَعيد زَنْكي بنِ الأميرِ الكَبيرِ اقْسُنْقُر ، التُّرْكيُّ السُّلطانِيُّ الْمَلِكْشاهيّ . مَوْلدُهُ سَنةَ إِحْدَى عَشْرَة وخَمْسٍ مئَةٍ(١). وكانَ نُورُ الدِّين حامِلَ رايَتَي العَدْلِ والجِهادِ ، قَلَّ أَنْ تَرَى العُيونُ مثلَه ، حاصَرَ دِمَشْقَ ، ثم تَملَّكَها ، وبَقِيَ بها عِشْرِينَ سَنةً . وبَنَى المَدَارِسَ بَلَبَ وحمْصَ وبَعْلَبَك والجَوامِعَ والْمَساجِدَ وسُلَّمَت إليه دِمَشْقُ للغَلاءِ والخَوْفِ، فحَصَّنها، ووَسَّعَ أسْواقَها، وأنْشَأ المارِسْتَانَ ودارَ الحَديثِ والمَدارِسَ ومَساجِدَ عِدَّة، وأبْطَلَ المُكُوسَ، ثم أخَذَ من العَدُوِّ بانِيَاسَ وَالْمُنَيْطِرَةِ(٢) ، وكَسرَ الفِرَنْجَ مَرَّاتٍ ، ودوَّخَهم وأذلَّهم(٣) . وكان بَطَلاَ شُجَاعَاً وافِرَ الهَيْبَة، حَسَنَ الرَّمِيِّ، مَلِيحَ الشَّكْلِ، ذا تَعَبُّد وخَوْف ووَرَعٍ ، وكان يَتَعرَّضُ للشَّهَادَةِ، سَمِعَه كاتِبُه أبو اليُسْرِ يَسْألُ الله أنْ يُحْشَرَ من بُطُونِ السِّباعِ وحَوَاصِلِ الطَّيْرِ . وبنىْ دَارَ العَدْلِ، وأَنْصَفَ الرَّعِيَّة، ووَقَفَ على الضُعَفَاءِ والأيتام والمُجاوِرِين وأَمَرَ بتكْميل سُورِ المدينة النَّبَويَّة، واسْتَخْرَاجِ العَيْنِ بأُحد دَفَهَا السَّيْلُ، وفَتَحَ دَرْبَ الحِجَازِ، وعَمَّر الخَوَانِقِ والرُّبُطَ والجُسُورَ وَالخاناتِ بدِمَشْقَ وغيرها وكذا فعل إذْ مَلَكَ حَرَّانَ وسنْجَارَ والرُّها والرَّقَّة ومَنْبج وشَيْزَر وحُمْصَ وحمَاة وصَرْخَدٍ وبَعْلِبَكَّ وَتَدْهُرَ ووَقَفَ كُتُباً كثيرةً مُثَمَّنَةٍ، وكَسَرَ الفِرِنْجَ والأَرْمَنَ على حارِم وكانوا ثلاثين ألفاً فقَلَّ مَنْ نَجَا ، وعلى بانياس (٤) . (١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٩. (٢) حصن بالشام قريب من طرابلس . (٣) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠_٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٧٩. (٤) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨٠. ٤٩١ وكانت الفِرِنْجُ قد استضَرَّتْ على دِمَشقَ ، وجعلوا عليها قطيعةً ، وأتاهُ أميرُ الجُيُوشِ شَاوَرُ مُستَجِيراً به، فأكْرَمَه، وبَعَثَ معه جَيشاً ليُرَدَّ إلى مَنصِبِه، فانتَصَرَ ، لكنَّه تَخَابَثَ وتَلاثَمَ، ثم استنجَدَ بالفِرِنْجِ، ثم جَهَّزَ نورُ الدين رحِمَه الله ◌َيشاً لَجِباً مع نائِه أسَدُ الدين شِيركُوه ، فافتَتَحَ مِصرَ ، وقَهَرَ دولتَها الرَّافِضِيَّة ، وهَرَبَتْ منه الفِرنْجُ ، وفُتِلَ شَاوَرُ وصَفَتِ الدِّيارُ المِصْرِيَّة لشِيركُوه نائبِ نورِ الدين ، ثم لصَلاحِ الدين ، فأَبَادَ العُبَيْدِيِينَ واسْتَأْصَلَهم ، وأقَامَ الدَّعوةَ العَبَّاسِيَّة . وكان نورُ الدِّينِ مَلِيحَ الخَطِّ ، كثيرَ المُطالَعَةِ ، يُصَلِّي فِي جَماعَةٍ ويَصُومُ ويَتْلُو ويُسَبِّحُ، ويَتَحَرَّى في القُوتِ ويَتَجَنَّبُ الكِبرَ، ويَتَشَبَّه بالعُلمَاءِ والأخْيَارِ ، ذَكَرَ هذا ونَحْوَه الحافِظُ بنُ عَسَاكِر ، ثم قال: رَوَىَ الحَدِيثَ، وأسْمَعَه بالإجازَةِ ، وكان مَنْ رَآهُ شَاهَدَ من جَلالِ السَّلْطَنَةِ وهَيْبَةِ المُلكِ ما يَبْهَرُهُ، فإذا فَاوَضَهُ ، رَأىْ مِن لَطَافَتِهِ وتَوَاضُعِهِ ما يُحَيِّرُه، حَكَىْ مَنْ صَحِبَهُ حَضَراً وسَفَراً أنَّه ما سُمِعَ منه كَلِمَةُ فُحْشٍ فِي رِضَاهُ ، ولا في ضَجَرِهِ ، وكان يُواخِي الصَّالِحِين، ويَزُورُهم ، وإذا احْتَلَمَ مَمَالِيكُهُ أعْتَقَهُم ، وزَوَّجَهُم بِجَوَارِيهِ، ومتى تشكَّوْا من وُلاتِهِ عَزَلَهُم، وغَالِبُ ما تَمَلَّكَهُ من البُلدَانِ تَسَلَّمَهُ بالأمانِ، وكانَ كُلَّما أخَذَ مدينةً، أسْقَطَ عن رَعِيَتِهِ قِسْطً(١) . وقال أبو الفَرَجْ بنُ الجَوْزِيّ: جاهَدَ نورُ الدِّين وانْتُزَعَ من الكُفَّارِ نَّماً وخَمْسِين مدينةً وحِصْناً ، وبَنَى بالمَوْصِلِ جامِعَاً غَرِمَ عليه سَبْعِينَ ألفَ دِينَار ، وتَرَكَ المُكُوسَ قبلَ مَوْتِه، وبَعَثَ جُنُوداً فَتَحُوا مِصْرَ، وكان يَمِيلُ إلى التَّواضُع وحُبِّ العُلمَاءِ ، والصُلَحَاءِ ، وكاتَنِي مِراراً، وعَزَمَ علىْ فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ ، فَتُوُفِّيَ سَنةً تسعٍ وسِتِّينَ وخَمْسٍ مِئَةٍ(٢) .. وقال المُوَفَّقُ عبدُ اللَّطِيفِ: كان نورُ الدِّين لَمْ يَنْشَفْ له لِبِدٌ من الجِهَادِ ، وكان يأكُلُ من عَمَلِ يَدِهِ ، يَنْسِجُ تارةً ، ويَعْمَلُ أَغْلافاً تارةً ، ويَلْبَسُ الصُّوفَ، ويُلازِمُ السِّجَادَةَ (١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٠. (٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨١. ٤٩٢ والمُصْحَفَ، وكان حَنَفِيَّاً يُراعِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ومَالِك وكان ابنُهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ أَحْسَنَ أهْلِ زَمَانِهِ(١). وقالَ ابنُ الأثير : طَالَعتُ السِّيرَ، فَلَمْ أَرَ فيها بعد الخُلفاء الرَّاشِدين وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ أحْسَنَ من سِيرَته، ولا أكْثِرَ تَحَرِّياً منه للعَدْلِ، وكانَ لا يَأْكلُ ولا يلبَسُ ولا يَتصرّفُ إلاَّ من مُلكٍ له قد اشْتراه من سَهْمِه من الغَنِيمَة ، لقَدْ طَلَبَتْ زَوجَتُه منه، فأعْطَاهَا ثَلاثةَ دَكاكين فاسْتَقلَّتها ، فقالَ: ليسَ لي إلاَّ هذا، وجَميعُ ما بيَدي أنا فيه خازنٌ للمُسلمينَ ، وكان يتهجَّدُ كثيراً، وكان عارفاً بمَذْهَب أبي حَنيفَةٍ (٢) . قال له القُطبُ النيسابوريُّ : بالله لا تُخاطِرْ بنفسِكَ، فإنْ أُصِبْتَ في مَعْرِكَة لا يَبْقَى للمُسلمينَ أحدٌ إلاَّ أخَذَه السّيفُ، فقالَ: ومَنْ مَحْمودٌ حتى يُقالَ هذا؟ !! حَفِظَ اللهُ البلادَ قَبْلِي، لا إلهَ إلاَّ هُو(٣). وقال مَجِدُ الدِّين بنُ الأثير في نقل سبطِ الجَوْزِيِّ عنه: لَمْ يَلْبَسْ نُورُ الدِّين حَرِيرَاً ولا ذَهَبَاً ، ومَنَعَ بَيْعَ الخَمرِ في بلادِهِ ، قال : وكان كَثيرَ الصَّوم ، وله أَوْرَادٌ كثيرةٌ في اللَّيلِ والنَّهارِ ، ويُكثِرُ اللَّعِبَ بالكُرَةِ، فأنْكَرَ عليه فقيرٌ فَكَتَبَ إليه: والله ما أقْصِدُ اللَّعِبَ ، وإنَّما نَحنُ في ثَغْرٍ ، فربَّما وَقَعَ الصَّوتُ ، فتكونُ الخَيلُ قد أدمَنَت على الانْعِطافِ والكَرِّ والفَرِّ . وأُهْدِيَتْ له عَمَامَة من مِصْرَ مُذَهَّبَة، فأعطَاهَا لابنِ حَقُّويه شَيخِ الصُّوفِيَّة فِيعَتْ بألف دينار (٤) . وقال ابنُ الأثير: جاءَه رجلٌ يَطْلُبُه إلى الشَّرْع، فجاءَ معَهُ إلى مَجْلِسٍ كمَالِ الدين الشَّهِرَ زورِيِّ، وتَقَدَّمَه الحَاجِبُ يقولُ للقاضي: قد قالَ لكَ: اسْلُكَ مَعَهُ ما تَسْلُك مع آحَادِ النَّاسِ ، فلمَّا حَضَرَ سَوَّىُ بينَه وبينَ خَصْمِه وتَحَاكَمَا فَلَمْ يَثْبُتْ للرَّجُلِ عليه (١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠_٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨١. (٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠_ ٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٨١. انظر السير: ( نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة : ٤/١٥٨١. (٣) انظر السير: (نور الدين) ٢٠/ ٥٣١-٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨٢. (٤) ٤٩٣ حَقٍّ ، وكان مِلْكَاً ، ثم قال السُّلطَانُ: فاشْهَدُوا أَنِّي قد وَهَبْتُهُ له . قال العِمَادُ في ((البَرْقِ الشَّامِيّ)) أكثَرَ نورُ الدين عامَ مَوْتِه من البِرِّ والأوْقَافِ وعِمَارَةِ المَسَاجِد، وأسْقَطَ ما فيه حَرَامٌ ، فما أبْقَىْ سِوَى الجِزْيَةِ والخَرَاجِ والعُشْرِ ، وكَتَبَ بذلك إلىْ جَميعِ البِلادِ ، فَكَتَبْتُ له أكثرَ من ألْفِ مَنْشُورٍ (١). قالَ سبطُ الجَوْزِي : كان له عَجائزُ، فكان يَخيطُ الكَوافي ، ويَعمَلُ السَّكاكِرَ فيَبَعْنَها له سِراً ، ويُفْطِرُ علىْ ثَمَنِها (٢) . وقال ابنُ وَاصِل : كان نورُ الدِّين من أَقْوَى النَّاسِ قَلْباً وبَدَناً ، لَمْ يُرَ علىَ ظَهْرِ فَرَسٍ أَحَدٌ أَشَدَّ منهُ، كأنَّما خُلِقَ عليه لا يَتَحَرَّكُ ، وكان يقولُ: طالَمَا تَعَرَّضْتُ للشَّهَادَةِ ، فلمْ أُدْرِكُها . قالَ الإمامُ الذّهبيُّ : قد أدْرَكَها علىُ فِراشِه ، وعلى ألْسِنَةِ النَّاسِ : نُورُ الدِّينِ شَهِيدٌ (٣) . قال سِبطُ الجُوزِيّ: حَكَى لي نَجْمُ الدِّين بنُ سَلام عن وَالِدِه أنَّ الفِرِنْجَ لمَّا نَزَلَت علىْ دِمْياطَ ، ما زالَ نورُ الدِّينِ عِشْرِين يوماً يَصُومُ، ولا يُفطِرُ إلَّ على المَاءِ ، فضَعُفَ وكادَ يَتْلَفُ، وكان مَهِيباً، ما يَجْسُرُ أحدٌ يُخاطِبُه في ذلك، فقال إمامُه يَحْيَى : إنَّه رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّومِ يقولُ: يا يَحْيَى ، بَشِّرْ نورَ الدِّينِ برَحِيلِ الفِرِنْجَ عن دِمْياطَ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، رُبَّما لا يُصَدِّقُنِي قال: قُلْ لَهُ : بِعَلامَةِ يومٍ حارِمِ وانْتُبَهَ يَحْيَى، فلمَّا صَلَّى نورُ الدِّينِ الصُّبْحَ، وشَرَعَ يَدْعُو ، هَابَه يَحْبَى فقال له : يا يَحْيَى تُحَدِّثُنِي أَوْ أُحَدِّثُكَ؟ فارْتَعَدَ يَحْيَى، وخَرُسَ، فقال نورُ الدين: أنا أُحَدِّثُكَ ، رَأَيْتَ النَبيَّ صلى الله عليه وسلم هذهِ الليلَةَ، وقال لكَ كَذَا وكَذَا ، قال : نَعَم فبالله يا مَوْلانا ما مَعْنَى قولِه بعَلامَةِ يوم حارِم؟ فقال: لمَّا الْتُفَيْنَا العَدُوَّ ، خِفْتُ على الإسْلامِ، فانْفَرَدْتُ ونَزَلْتُ، ومَرَّغْتُ وَجْهِيَ على التُّرابِ ، وقُلتُ: يَا سَيِّدِي مَنْ انظر السير: ( نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٢. (١) (٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٨٢. (٣) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٨٢. ٤٩٤ مَحمُودٌ في البَيْن ، الدِّينُ دِينُك ، والجُنْدُ جُنْدُك ، وهذا اليَوْمِ افْعَلْ ما يَلِيقُ بكَرَمِكَ ، قال: فَنَصَرَنا اللهُ عَليهِم . وتَمَلَّكَ بعدَهُ ابْنُهُ المَلِكُ الصَّالِحُ أشْهُراً، وسَلَّمَ دِمَشْقَ إلى السُّلطانِ صَلاحِ الدِّين وتَحَوَّلَ إلى حَلَبَ فِدَامَ صَاحِبَها تِسْعَ سِنين وماتَ بالقُولَنْجِ ، وله عِشْرُونَ سنةً ، وكان شاباً دَيِّناً رَحِمَهُ الله(١) . صَلاحُ الدِّين : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : قال العِمادُ : كانَ صَلاحُ الدِّينِ لا يَلْبَسُ إلاَّ ما يَحِلُّ لُبْسُهُ كالكِتَّانِ والقُطْنِ، نَزَّهَ المجالِسَ من الهَزلِ، ومَحَافِلُه آهِلَةٌ بالفُضَلاءِ، ويُؤْثِرُ سَمَاعَ الحَدِيثِ بالأسَانيدِ ، حَلِيماً ، مُقِيلاً للعَثْرَةِ، تَقِيَّاً نَقِيّاً وَفِيَّ صَفِيَّاً، يُغْضي ولا يَغْضَبُ، ما رَدَّ سَائِلاً ، ولا خَجَّلَ قائلاً ، كَثيرَ البِرِّ والصَّدَقاتِ ، أَنْكَرَ عليَّ تَحْلِيَةَ دَواتِي بِفِضَّةٍ فَقُلتُ: في جَوَازِهِ وَجْهٌ ذَكَرَه أبو مُحمَّد الجُوَيْنِيُّ، وما رَأيْتُه صلَّى إلاَّ في جَمَاعَةٍ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: وحَضَرَ وفَاتَه القاضي الفَاضِلُ(٢). وفي الرَّوضَتَين لأبي شامَة: أنَّ الشُّلطانَ لَمْ يُخَلِّفْ في خِزَانَتِهِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ إلاَّ سَبعَةً وأربَعِينَ درهماً، وديناراً صُورِيّاً، ولَمْ يُخَلِّفْ مِلْكاً ولا عَقَاراً رحمه الله، ولَمْ يَخْتِلِفْ عليه في أيَّامِه أحدٌ من أصْحَابِه وكان النَّاسُ يَأْمَنُون ظُلمَه ، ويَرجُونَ رِفدَه ، وأكثرُ ما كان يَصِلُ عَطَاؤُه إلى الشُّجْعانِ، وإلى العُلَماءُ وأرْبَابِ البُيُوتَاتِ ، ولَمْ يَكُنْ لمُبطِلٍ ولا لمَزَّاحِ عنده نَصِيبٌ . قال المُوَفَّقُ : وكان إذا نَازَلَ بَلَداً، وأَشْرَفَ على أخْذِه، ثمَّ طَلَبُوا منه الأمَانَ ، آمَنَّهُم ، فيَتَأَلَّمُ لذلك جَيشُه ، لِفَوَاتٍ حَظُّهم(٣). (١) انظر السير: (نور الدين) ٢٠/ ٥٣١-٥٣٩، وانظر النزهة: ٥/١٥٨٢. (٢) انظر السير: (صَلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٣/١٦٢٢. (٣) انظر السير: (صَلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٣. ٤٩٥ ٣- خَلِفَةٌ فاسِق : الوَلیدُ بنُ یزید : قالَ الإِمامُ الذهَيُّ فِي تَرْجَمَته : الوَليدُ بنُ يَزِيدَ بنِ عبدِ الْمَلكِ ابنِ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ الخَلِيفَةُ أبو العَبَّاسِ الدِّمَشقيُّ الأُمَويُّ. وُلدَ سَنَةَ تِسعينَ ، ووَقتُ مَوتِ أبيه كان للوَلِيدِ نَّهَ عَشْرَةَ سَنةً ، فَعَقدَ له أبُوه بالعَهْد من بعدِ هِشامٍ بنِ عبدِ المَلكِ، فلمَّا ماتَ هشامٌ، سُلِّمَت إليه الخِلافَة. عن عُمرَ قالَ: وُلدَ لأَخِي أُمَّ سَلمَةٍ وَلِدٌ، فسَمَّوهُ الوَليدَ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((سَمَّيْتُموهُ بأسْماءِ فَرَاعِنَتِكِم ، لَيَكونَنَّ فِي هَذِهِ الأُمَّةُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الوَلِيدُ ، لَهُوَ أَشَدُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ » (١) رواهُ الوَليدُ، والهقلُ وجَماعَةٌ ، عن الأَوْزاعيِّ، فأَرْسَلوه وما ذَكروا عُمرَ، وفي لَفَظِ: ((لَهُوَ أَضَرُ عَلَىْ أُمَّتِي)) وجاء بإسناد ضعيف ((سَيَكونُ فِي الأُمَّةِ فِرْعَوْنٌ، يُقَالُ لَهُ: الوَلِيدُ)» (٢) . قالَ حَمَّادُ الرَّاويةُ : كُنتُ عند الوَليدِ بنِ يَزِيدَ، فقالَ مُنَجِّمانٍ له : نَظَرْنا فوَجَدْناكَ تَملِكُ سَبعَ سِنِينَ ، فَقُلتُ : كَذبا ، نَحنُ أعْلَمُ بالآثارِ ، بَلْ تَملِكُ أَرْبَعِينَ سَنةً فأطْرَقَ ثم قالَ : لا ما قالا يَكْسِرُني ، ولا ما قُلتَ يَغُرُّني، والله لأجْبيَنَّ المالَ من حِلِّهِ حِبايَةَ مَنْ يَعِيشُ الأَبَدَ ، ولأصْرِفَنَّه في حَقِّه صَرْفَ مَنْ يَمُوتُ الغَد(٣) . وعن العُتبيِّ : أنَّ الوَليدَ رَأىْ نَصْرانيَّةَ اسْمُها سَفرى، فجُنَّ بها ، وراسَلها فأبت(٤) . وعن صالحِ بنِ سُلَيمانَ ، قالَ: أرادَ الوَليدُ بنُ يَزِيدَ الحَجَّ ، وقالَ : أشْرَبُ فَوقَ (١) هو في المسند (١٨/١)، وإسناده ضعيف لانقطاعه وسوء حفظ أبي بكر بن عيّاش، وقد حكم عليه الحافظ العراقي بالوَضع، وأطال الحافظُ ابن حجر في الردِّ عليه لإثبات أن له أصْلاً في ( القول المسدد)) ( ص: ٦،٥، ١١، ١٦) فراجعه . (٢) انظر السير: (الوليد بن يزيد) ٣٧٠/٥-٣٧٣، وانظر النزهة: ١/٦١١. انظر السير: ( الوليد بن يَزيد) ٣٧٠/٥-٣٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦١١. (٣) (٤) انظر السير: (الوَليد بن يزيد) ٣٧٠/٥-٣٧٣، وانظر النزهة: ٣/٦١١. ٤٩٦ الكعْبَةِ، فَهَمَّ قَومٌ بقَتلِه، فحَذَّرَه خالدٌ القَسْرِيُّ، فقالَ: ممَّنْ؟ فامْتَنَعَ أنْ يُعَرِّفَه ، قالَ : لأبْعَثنَّ بك إلىْ يُوسُفَ بنِ عُمَر قالَ : وإنْ، فَبَعثَ به إليه فعَذَّبَه، وأهْلَكه . وعن مُصْعَبِ الزبيريِّ، عن أبيه ، قالَ : كُنتُ عندَ الْمَهْدِيٌّ، فَذَكَرَ الوَليدَ بنَ يَزِيدَ فقالَ رَجلٌ : كان زِنْديقاً، قالَ: مَهْ، خِلافَةُ الله أجَلُّ من أنْ يَجْعَلَها في زِنْديق(١) . وقالَ عبدُ الله بنُ وَاقِدِ الجُزْمي: لَمَّا اجْتَمَعوا علىْ قَتلِ الوَليدِ، قَلَّدوا أمْرَهم يَزِيدَ بنَ الوَليدِ ، فَشَاوَرَ أخَاه العَبَّاسَ ، فَنَهاهُ ، فخَرجَ يَزِيدُ في أرْبَعينَ نَفْساً لَيْلاً ، فكَسَروا بابَ الْمَقْصُورَةِ، ورَبَطُوا وَاليها، وحَمَلَ يَزِيدُ الأموالَ على عَجَلٍ ، وعَقدَ رَايَةً لابنِ عَمِّه عبدِ العَزيز ، وأنْفَقَ الأمْوالَ في أَلْفَي رَجلٍ ، فَتَحارَبَ هم وأعْوانُ الوَليدِ ، ثم انْحازَ أْوانُ الوَليدِ إلى يَزِيدَ ، ثم نَزَلَ يَزِيدُ حِصْنَ البخراءِ ، فقَصدَه عبدُ العَزِيز ، ونَهَبَ أثْقالَه، فانكسَر أولاً عبدُ العَزيز، ثم ظَهرَ ونادَى مُنادٍ : اقْتُلُوا عَدُوَّ اللهَ قَتَلْةَ قَومِ لُوطٍ ، ارْمُوهُ بالحِجارَةِ ، فَدَخَلَ القَصرَ ، فأحاطُوا به ، وتَدَلُوا إليه فقَتَلُوه ، وقالوا : إنَّما نَنَقِمُ عليكَ انْتِهَاكَ ما حَرَّم الله، وشُربَ الخَمْرِ، ونِكاحَ أُقَهَاتٍ أوْلادِ أبيكَ ونُفِذَ إلى يَزِيدَ بالرَّأسِ وكانَ قد جَعلَ لِمَنْ أتاهُ به مئةَ ألفٍ(٢) . وقيلَ: سَبقَت كَفُّه رَأْسَه بَلَيْلَةِ، فَنُصِبَ رأسُه على رُمح بعد الجُمُعَة ، فَنَظَرَ إليه أخُوهُ سُلَيْمَانُ ، فقالَ : بُعْداً له كانَ شَروباً للخَمْرِ ماجِناً ، قد راوَدَني علىُ نَفْسِي(٣). قيلَ: عاشَ سِتَّا وثَلاثِينَ سَنةً، وكانَ مَصْرَعُه في جُمادَى الْآخِرَة سَنَ سِتٍّ وعشْرينَ ومئة . فَتَملَّكَ سَنةً وثَلاثَة أَشْهُر، وأمُّه هي بنتُ مُحمَّد بنِ يُوسُف الثَّقَفي أميرُ اليَمَن أخي الحَجَّاجِ ، ونَقَلَ عنه الْمَسْعودِيُّ مَصائبَ ، فاللهُ أعْلم (٤) . (١) انظر السير: (الوَليد بن يَزيد) ٣٧٠/٥-٣٧٣، وانظر النزهة: ٤/٦١١. (٢) انظر السير: (الوَليد بن يزيد) ٣٧٠/٥-٣٧٣، وانظر النزهة: ١/٦١٢. (٣) قال الإمامُ الذهَبِيُّ - رحمَه الله - في تاريخه (١٧٦/٥، ١٧٩): قلتُ: مَقتَ الناسُ الوَليدَ لِفِسقه، وتأثَّموا من السكوت عنه وخرجوا عليه، ولم يصح عنه كفر ولا زَنْدَقة، نعم أشْتُهر بشُرب الخمر والتلوُّط . (٤) انظر السير: (الوليد بن يزيد) ٣٧٠/٥-٣٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦١٢. ٤٩٧ ٤- مَلِكٌ يَحْتَفَلُ بعيد النَّصارَىُ لبقايا نَصْرانيَّة فيه : قالَ الإِمامُ الذهبيُّ في تَرجَمَةِ المَلكِ الرَّحيمِ بَدْرِ الدِّينِ الأتَابِكيّ: وكان يَحْتِفِلُ لعيدِ الشَّعانينَ لبقايَا فيه من شِعارِ أهْلِهِ ، فَيَمُدُّ سِماطاً عَظيماً إلى الغاية ، ويُحْضِرُ المَغَاني، وفي غُضُونِ ذلك أوَاني الخُمورِ ، فَيَفرَحُ ويَنْثُرُ الذَّهبَ من القَلْعَةِ، ويَتَخَاطَفَهُ الرِّجالُ ، فمُقِتَ لإِحْياءِ شِعَارِ النَّصَارَىُ ، وَقِيلَ فِيه (١): وَيزعُمُ أنَّ اللهَ عيسى ابنُ مريم يُعظّم أعيادَ النَّارَى محبةً إلى المجدٍ قالت أَرمنيَّهُ نَمٍ إِذا نبَّهَتْهُ نَخوةٌ أريحيَّةٌ ٥ - صُورَةٌ علىْ تَعْظِيم النَّاس للخُلَفَاءِ : عن الإمام مَالكِ ، قالَ : دَخلتُ على الْمَنْصُورِ ، وكانَ يَدخُلُ عليه الهَاشِمِيُّونَ ، فِيُقَبِّلُونَ يَدَه وَرِجْلَه - عَصَمَني اللهُ من ذلك -(٢). ٦ - المُلُوكُ الذين كانوا سُوقَة : قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمَة « الصَفَّار »: الملك، أبو يوسُف، يعقوبُ ابنُ اللَّيث، السِّجستاني ، المستولي على خُراسان(٣). قيلَ : كان هو وأخُوهُ عَمرو بنُ الليث يَعمَلان في النُّحاس ، فتزَهَّدا وجاهَدا مع صالح المُطَّوعي المحارب للخَوارج . قال ابنُ الأثير : غَلبَ صالحٌ علىْ سِجِسْتان ، ثم استنقَذَها منه طاهرُ ابنُ عبد الله بنِ طاهِرِ ، فظَهرَ بها دِرْهَمُ بنُ حُسَين المُطَوِّعي ، فاسْتولى أيضاً عليها ، وجَعلَ يَعقوبَ بنَ اللَّيث قائدَ عَسْكَره، ثم رأى أصْحابُ دِرْهَم عَجْزَه، فمَلَّكُوا يَعقُوبَ لحُسْن سِياسَتِهِ ، فأذْعَنَ لهم دِرْهَمُ واشْتهرت صَوْلةُ يَعقوبَ وغَلبَه على هراة وبُوشَنْج ، وحارَب التُّرْكَ ، (١) انظر السير: (الْمَلك الرَّحيم) ٣٥٦/٢٣ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/١٧٤٠. (٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٤/٧٢٨. (٣) انظر السير: (الصَّفَّار) ٥١٣/١٢-٥١٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٢٦. ٤٩٨ وظَفرَ برُتْبِيل ، فَقَتْلَه وقَتلَ ثلاثة مُلوك ورَجعَ معه ألُوفٌ من الرُّؤوس ، فهابَتْه المُلوكُ ، وكان بوجْهه ضَرْبَةُ سَيف مُخَيَّطة . وكان يَحمِلُ إلى المعْتمِدِ في العامِ خَمسَةَ آلافِ ألفِ دِرْهَم، وقَنَعَ المعتمدُ بمُداراتِه. ثم أخَذَ بَلْغَ ونيسابُورَ ، وأسَرَ مُتَوَلِيها ابنَ طاهر في ستِّينَ نَفْساً من آله ، وقَصَد جُرْجانَ ، فَهَزم المُتغلِّبَ عليها الحَسَنَ بنَ زَيْد العَلوي ، وغَنمَ منه ثلاثَ مئة حِمل مال ثم دَخَلَ جُرْجَانَ ، فظَلمَ وعَسفَ ، فجاءَت زَلْزَلَةٌ قَتَلَت من جُندِهِ ألفَين . واستغاثَ جماعةٌ جُرْجانتُّونَ بِبَغْدَادَ من يَعْقوبَ ، فعَزْمَ المُعتمدُ على حَرْبِهِ ونفَّذَ كُتْباً إلىْ أَعْيانِ خُراسَانَ بِذَمِّ يَعْقُوبَ، وبأنْ يَهْتُمُّوا لاسْتئصالِهِ فكاتَبَ المُعتمدَ يَخْضَعُ ويُراوِغُ، ويطلبُ التَّقليدَ بتَوَليه المشرقَ، ففَعَلَ المُعتمدُ ذاكَ وأخُوهُ المُوَفَّقُ لاشْتغالِهِم بِحَرْبِ الزِّنج . وأقبلَ يَعقوبُ ليَملكَ العراقَ، وبَرَزَ المُعتمدُ، فالْتَّقَى الجَمْعان بديرِ العَاقُول(١)، وكَثُرت القَتلى، فانْهِزَمَ يَعقوبُ، وجُرحَ أُمراؤُه ، وذَهبَت خَزائنُه، وغَرقَ منهم خَلقٌ في نَهْر . وكان المَصافُّ في رَجبٍ سَنة اثْتَتَين وسِتِينَ ومئتين فَذَهبَ يَعقوبُ إلى وَاسِط ، ثم إلى تُسْتَر فَأَخَذَها، وتراجَعَ جَيشُه، وعَظُمَت وَطأتُهُ، وكادَ أنْ يَملكَ الدُّنيا، ثم كانَ مَوتُهُ بالقُولَنجِ، ووُصِفَت له حُقْنَةِ ، فَأَبَى ، وتَلِفَ بعد أسْبوعَين . وقَلَّ أن رُئِي مُتَبَسِّماً، ماتَ بجُنديسابورَ في سَنةِ خَمس وسِتِّين ومئتين(٢). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة عَمْرو بن اللَّيْثِ الصَّفَّار : قِيلَ : كان ضرَّاباً في الصُّفْر، وقيل : بل مكاريَّ حَمير ، فآل به الحال إلى السلطنة . تَمَلَّكَ بعدَ أخيه، وأحْسَنَ السِّياسَة، وعَدل، وعَظُمَتِ دُوَلُه، وأطَاعَ الخَلِيفَةَ . وقيلَ : كان في خدمَة زَوجتِهِ ألفٌ وسَبعُ مئة جارِيَة . (١) وهو بين مدائن كسرى والنعمانية على شاطىء دجلة . (٢) انظر السير: (الصَّفَّار) ٥١٣/١٢-٥١٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٢٦. ٤٩٩ ثم بَغَى عَمرُو علىْ وَالِي سَمَرْقَند إسْماعيلَ بنِ أحمَد بنِ أَسَد . وأقْبلَ إسْماعيلُ، فأخَذَ أصحابُ عَمرو بنِ اللَّيث في الهَزِيمَة ، فَرَكَبَت عَساكِرُ إِسْماعيلَ ظُهورَهم، وتَوخَّلت بعَمرو دابُهُ، فَأُسِر، فأُتي به إسْماعيلُ، فاعْتَنقَه وخَدمَه ، وقالَ : ما أحْبَيتُ أنْ يَجْري هذا، ثمَّ بالَغَ في احْترامِه، فقالَ: احْلِفْ لي ولا تُسْلمني، فحَلفَ له، لكن جاءَ رسُولُ المُعْتضِدِ بالخَلْعِ والتَّقْلِيدِ لإِسْماعيلَ ، ويَطلبُ عَمراً فأُدْخِلِ بَغدادَ على بُخْتِيٍّ عليه جُبَّةُ ديباج، ويُرنُس الشُّخْط ثم قالَ له المُعْتضِدُ: هذا بَيْعَتُك يا عَمرو! ثم اعْتَقْلَه ، فقَتْلَه القاسمُ بنُ عُبَيد الله الوَزيرُ يومَ مَوْت المُعْتَضِد سَنةَ تسعٍ وثَمانينَ ومِئْتَين وكان دَولتُه نيِّقاً وعشرينَ سَنة(١) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ مُعِزِّ الدَّوْلَة: كان أبوهُ سَمَّاكاً، وهذا رُبَّما اخْتَطَبَ ، تَملَّكَ العِراقَ نَيفاً وعِشرينَ سَنةً ، وكان الخَليفَةُ مَقْهوراً معه ، وماتَ مَبْطوناً فَعَهِدَ إلى ابنِهِ عِزِّ الدَّولَة بَخْتِيار، وكان يَتشيَّع، فقيلَ : تابَ في مَرضِه، وتَرضَّى عن الصَّحَابَةِ، وتَصدَّقَ، وأعْتقَ، وأراقَ الخُمورَ ونَدِمَ على ما ظَلَمَ ، ورَدَّ المَواريثَ إلى ذوي الأرحام وكان يُقالُ له : الأَقْطَع طارَت يَسارُه في حَربٍ ، وطارَت بَعضُ الُمْنَى ، وسَقطَ بين الَقَتَلَى ثم نَجا، وتَملَّكَ بَغدادَ بلا كُلفَة ودانَت له الأُمَمُ ، وكان في الابتداءِ تَبَعاً لأخيه المَلكِ عِمادِ الدَّولَة . ماتَ سنةَ سِتٍّ وخَمسينَ وَثَلاثِ مِئَة ، وله ثَلاثٌ وخمسونَ سَنةً . وقد أنشأ داراً غَرم عليها أَرْبَعِين ألفَ ألفِ دِرْهم فبقيَت إلى بعدِ الأرْبَع مئة ونُقُضَت، فاشْتروا جَرْدَ ما في سُقوفِها من الذَّهَب بثَمانيَةِ آلافٍ دِينار(٢) . كافُور : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَته : صاحِبُ مِصْرَ، الخَادِمُ الأسْتاذُ ، أبو الْمِسْكِ، كافُورٌ الإِخْشِيذِيُّ الأسْوَدُ . (١) انظر السير: (عَمْرو بن اللَّيث الصَّفَّار) ٥١٦/١٢-٥١٧، وانظر النزهة: ١/١٠٢٧. (٢) انظر السير: (مُعِزِّ الدَّوْلَة) ١٨٩/١٦ -١٩٠، وانظر النزهة: ٣/١٢٨٣. ٥٠٠