النص المفهرس
صفحات 421-440
( ك ) الكامِل : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : الْمَلكُ الكامِلُ الشَّهيدُ ناصِرُ الدِّينِ مُحمَّدُ ابنُ الْمَلكِ الْمُظَفَِّ شِهَابِ الدِّينِ غَازِي ابنِ السُّلطانِ الْمَلكِ العادِلِ أبي بَكْر مُحمَّد بنِ أيُّوب(١) . تَمَلَّك ميَّافارقينَ وغَيرَها بعدَ أبيه سَنةَ خَمسٍ وأرْبَعِينَ وسِتِّ مئة ، وكان شاباً ، عاقِلاً شجاعاً، مَهيباً مُحْسِناً إلى رَعيَّتِهِ ، مُجاهداً، غَازياً، دَيِّناً تَقَيّاً، حَميدَ الطَّرِيقَة، حاصَرَه عَسكَرُ هُولاكُو نَحْواً من عِشرينَ شَهراً حتىْ فَنِيَ النَّاسُ جُوعاً ووَباءً ، حتىْ لَمْ يَبْقَ بِالْبَلَدِ سِوَى سَبعينَ رَجُلاً فيما قِيلَ ، فحَدَّثني الشَّيخُ مَحْمودُ بنُ عبدَ الكَريمِ الفارِقِيُّ قالَ : سارَ الكَامِلُ إلى قِلاعِ بنَواحِي آمِد فأخَذَها ، ثم نَقَلَ إليها أهْلَه، وكان أبي في خِدمَتِهِ ، فرَحلَ بنا إلى قَلْعَةٍ منها، فعَبَرَت التَّتَارُ عَلينا، فاسْتَنزَلُوا أَهْلَ الْمَلكِ الكامِلِ بالأمَانِ من قَلَعَةٍ أُخْرِىُ، وَرَدُوا بهم عَلينا، وأنا صَبِيٌّ مُمَيِّرٌ، وحاصَروا ميّا فارقينَ أَشْهُراً، فَنَزَلَ عَليهم الثَّلجُ، وهَلكَ بَعضُهم، وكانَ الكامِلُ يَبرُزُ إليهم ويُقاتِلُهم ، ويُنْكي فيهم فهابُوهُ ، ثم بَنَوا عَليهم سُوراً بإزاءِ البَلَد ، بأبْرِجَة ، ونَفَدَت الأقْواتُ ، حتى كانَ الرَّجُلُ يَموتُ فِيُؤْكَل، ووَقِعَ فيهم الْمَوتُ، وفَتَرَ عنهم التََّارُ وصَابَروهم ، فخَرِجَ إليهم غُلامٌ أو أكْثَر وجَلَوْا للتَّارِ أمْرَ البَلدِ ، فما صَدَّقوا، ثم قَرُبوا من الشُّورِ وبقوا أيَّاماً لا يَجْسِرُونَ على الهُجومِ، فدَلَّى إليهم مَمْلُكوٌ للكامِلِ حِبالاً فطَلِعُوا إلى الشُّورِ فبقوا أُسْبوعاً لا يَجسُرون ، وبقي بالبَلدِ نَحْو التِّسْعينَ بعدَ أَلُوفٍ من النَّاسِ ، فدَخَلتِ التَّارُ دارَ الكامِلِ وأمَّنوه ، وأتَوْا به هُولاكُو بالرُها فإذا هو يَشْرَبُ الخَمْرَ ، فناوَلَ الكامِلَ كَأَساً فأبى، وقالَ: هذا حَرامٌ، فقالَ لامْرأتِهِ : ناوِليهِ أنتِ ، فناوَلَتْه فأَبَى ، وشَتمَ وبَصَقَ - فيما قِيلَ - في وَجْه هُولاكُو وكانَ الكامِلُ مِمَّنْ سارَ قَبَلَ ذلك ورَأى القانَ الكَبِيرَ ، وفي اصْطِلاحِهِم مَنْ رَأىْ وَجْهَ القانِ لا يُقْتَل ، فلمَّا وَاجَه هُولاكُو بَهَذا اسْتَشاطَ غَضَباً وقَتلَه . ثم قالَ : وكانَ الكامِلُ شَديدَ البَأسِ ، قَوِيَّ النَّفْسِ ، لَمْ يَنْقَهِر للَّارِ بحيثُ إنَّهم (١) انظر السير: (الكامل) ٢٠١/٢٣ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٢/١٧٣٠. ٤٢١ أَخَذُوا أوْلادَه من حِصْنِهِم ، وأتَوه بهم إلى تَحتِ سُورٍ ميّافارقينَ، وكلَّموهُ أنْ يُسلِّمَ البَلدَ بالأمَانِ فقالَ : ما لَكُم عندي إلاَّ السَّيفَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : طِيفَ برأسِه بدِمَشْقَ بالطُبولِ، وعُلِّقَ على بابِ الفَراديسِ ، فَلَمَّا انْقَلَعوا، وجاءَ الْمُظَفَّرُ دُفِنَ الرَّأْسُ وكَانَ فِي سَنةِ سِتٍّ وخَمسينَ وسِتٌ مئة قَدِمَ دِمَشْقَ مُسْتَنجِداً بالنَّاصِرِ فبالَغَ في إكْرامِه واحْترامِه، ووَعَدَه بالإنْجادِ، ورَجَعَ إلى ميّافارقينَ وقُتلَ في سَنةِ ثَمانٍ وخَمسينَ وسِتِّ مئة رَحمَه الله(١) . (١) انظر السير: (الكامل) ٢٠١/٢٣ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٧٣٠. ٤٢٢ (٢٢) دَوْلَةُ خُوارِزْم شَاه ١ - أخْبَارُها : خُوارِزْم شاه ( علاء الدين ) : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الكَبيرُ عَلَاءُ الدِّينِ خُوارِزْم شَاه مُحمَّدُ ابنُ السُّلطانُ خُوارِزْم شَاه إيل رَسلان خُوارِزْم شاه أتسِزِ الخُوارِزْميُ(١) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : أبادَ مُلوكاً ، واسْتولَى على عِدَّة أقاليم ، وخَضعَت له الرّقابُ وقد حارَبَ الخَطَا غَيرَ مرَّة ، فانْهَزَمَ جَيشُه فِي نَوْبَة وثبَتَ هو ، فأُسِرَ هو وأميرٌ ، أسَرَهما خَطائيٌّ، فصيَّر نَفَسَه مَمْلوكاً لذلك الأميرِ ، وبَقيَ يَقِفُ في خِدمَتِهِ ، فقالَ الأميرُ للخَطَائِيِّ : ابْعَثْ رَسُولَك مع غُلامي هذا إلى أهْلي ليُرْسِلوا مَالاً في فِكاكي ، ففَعَلَ وتَمَّت الحِيلَةُ ، وعادَ خُوارِزْم شَاه إلى مُلكِه . قالَ عِزُّ الدِّينِ عَلَيُّ ابنُ الأَثير : كانَ صَبوراً على الثَّعبِ وإدمانِ السَّيْرِ غَيرَ مُتَنعِّمٍ ولا مُتْلَذِّذٍ أَنما نِهْمتُهُ الْمُلكُ وكانَ فاضِلاً، عَالِماً بالفِقْه والأصُولِ ، مُكْرِماً للْعلمَاءَ يُحبُّ مُناظَرَتهم ، ويَتبرَّك بأهْلِ الدِّين، قالَ لي خادِمُ الحُجْرَةِ النَّبَوَّة : أتَيْتُه فاعْتَقَني ، ومَشَىْ لي وقالَ : أنْتَ تَخدِمُ حُجرَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قُلْتُ: نَعَم، فأخَذَ يَدِيَّ وأمَرَّها على وَجْهِهِ ، وأعْطاني جُملةً . كانت بلادُ ما وَراءَ النَّهْر في طاعَةِ الخَطَا، ومُلوك بُخارَىُ وسَمَرْقَنْدَ يُؤْدُّونَ الأَتَاوَةَ إلى الخَطَا، وكانت هذه الأُمَمُ سَداً بينَ تُرْكِ الصِّينِ وبَينَنَا فَفَتَحَ هذا السدَّ الوَثيقَ وَظَنَّ أَنَّه لَمْ يَبْقَ مَنْ يُقاوِمُه، فانْتُقلَ إلى كِرْمانَ ثم العِراقِ ، ثم أذْرَبيجانَ، وطَمعَ في الشَّامِ ومِصْرَ ، وكان عَليهِ سَهْلاً لَوْ قَدِرَ باتَ صاحبُ حلبَ لَيْلَه مَهْمُوماً لِما اَّصلَ به من أخبار هذا وطَمَعِه في الشَّامِ ، وقِيلَ عنه: إنَّه يَبْقَىْ أرْبَعَةَ أيّام على ظَهْرِ فَرَسِه لا يَنِزِلُ إنَّما (١) انظر السير: (خُوارزْم شاه) ١٣٩/٢٢-١٤٣، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٧. ٤٢٣ يَنْتِقِلُ من فَرسٍ إلى فَرسٍ ويَطْوي البلادَ ويَهجِمُ المدينَةَ فِي نَفَرٍ يَسيرٍ ثم يُصَبِّحُه من عَسْكره عَشرةُ آلاف ويُمَسِّيه ◌ِشْرونَ ألفاً قَتَلَ عِدَّةَ مُلوكٍ وإنَّما أخْذُه البلادَ بالرُّعْبِ والهَيْبَة وبعدَ مَوتِ الظَّاهِر غازي جاءَ رَسُولُه إلىْ حَلبَ، فقالَ: سُلطانُ السَّلاطينِ يُسلِّمُ عَليكم ويَعْتِبُ إِذْ لَمْ تُهَنِّئُوهُ بِفَتْحِ العِراقِ وأذْرَبيجانَ ، وإنَّ عَددَ جَيشِه سَبعُ مئة ألفٍ ، ثم تَوجَّه رَسُولُهُ إلى العادِلِ بِدِمَشْقَ يَقولُ : تَعالَ إلى الخِدْمَة فقد ارْتَضَيْناكَ أنْ تَكونَ مُقَدَّمَ الركاب! ، فبقيَ النَّاسُ يَهْزَؤون منه وسَمِعنا أنَّه جَعلَ صاحِبَ الرُّومِ أميرَ عَلَم له والخَلِيفَةَ خَطيباً!، وأمَّا الْمُلوكُ الذين كانوا في خِدمَته فكان يُذِلُّهم ويُهِينُهم ، وجَعلَهم يَضْرِبُونَ له طُبُولَ الذَّهَب وَلَمَّا أباد أُمَّتَي الخَطَا والثّتَر وهُم أصْحابُ تُرْكِسْتَانَ وجَنْدَ وتَنْكُتِ ظَهرَت ◌ُمَّةٌ يُسَمَّونَ النَّتَر أيضاً ، وهم صِنْفانٍ وطَمِعوا في البلادِ فَجَمعَ وعَزمَ على لِقائِهِم فوَقَعَ جِنْكيزخان رأسُ الطمغاجية علىُ كَمِينِهِ فطَحَنُوه ، وانْهَزْمَ جَلالُ الدِّينِ ابنه إليه ، وخُيِّلَ إليه تَعِسُ الجَدِّ(١) أن في أُمَرائه مُخامِرِين فمَسَّكهم وضَربَ مع النَّارِ مَصَافاً بعدَ آخَرَ فَتَطَحْطَحَ، ورُدَّ إلى بُخَارَىْ مُنْهَزِماً ثم جاءَ من بُخَارَىْ لِيَجْمِعَ العَساكِرَ بنيسابُورَ فأخَذَت التَّنَارُ بُخَارَىُ وهَجَموا خُراسان ففَرَّ، فما وَصَلَ إلى الرِّيِّ إلاَّ وطلائعُهم على رأسِه ، فانْهِزَمَ إلىْ قَلعَة بَرَجِيْن، ومعه ثلاثُ مئة فارِسٍ عُرَاةً مَضَّهم الجُوعُ فَاسْتَطْعَموا من أكْرادٍ فَلَمْ يَحتَفلوا بهم، ثم أعْطُوهُم شَاتَيْن وقَصْعَتِي لَبن ، ثم رَجعَ إلىْ نَهَاوَنْدَ ، ثم إلى مازندران وقَعْقَعَةُ سِلاحِهم قد مَلأَت سَمعَه وبَصرَه ، فَنَزَلَ بُيُخَيرَة هناك فانْسَهَلَ وطلَبَ دَواءً فأعْوَزَه الخُبزُ وماتَ . وقيلَ : كَانَ عِدَّةُ جَيشِه في الدِّيوان ثَلاثَ مئة ألفٍ فارسٍ ، وقيلَ : إِنَّه اسْتولى على نَحْو أرْبَع مئة مَدينَةً، وكانت أمُّه تُركان في عَظمَةٍ ما سُمعَ قَطُّ بِمِثْلِها ، وفي جَبَروت ، فَأَسَرَها جنكيزخان ، وذَاقَت ذُلاًّ وجُوعاً . ماتَ في الجَزيرَة سَنة سَبعَ عَشرَةَ وسِتِّ مئة وكُفِّنَ في عَمامَةٍ لفَرَّاشِهِ (٢). (١) أي: سِىء الحظ. (٢) انظر السير: (خُوارزم شاه) ١٣٩/٢٢ -١٤٣، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٧ . ٤٢٤ خُوارِزْم شاه ( جلال الدين ) : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الكَبِيرُ جَلالُ الدِّين منكوبري ابنُ السُّلطانِ الكَبير عَلاءِ الدِّين مُحمَّد ابنِ السُّلطانِ خُوارزم شاه تكُش . تَملَّك البلادَ ، ودَانَت له الأُمَمُ، وجَرَت له عَجائبُ، ولَمَّا دَهمَت التَّتارُ البلادَ الْمَاوَراءِ النَّهْرِيَّة بادَرَ والدُه عَلَاءُ الدِّين وجَعلَ جَالِيشَهِ(١) ولدَه جَلالَ الدِّين في خَمسَة. عَشرَ ألفاً ، فَتَوغَّل في البلادِ وأحاطَت به الْمَغُولُ فالْتَّقاهم، فانْكَسَرَ ، وتَخلَّصَ بعد الْجَهْد ، وتَوَصَّلَ وأمَّا أَبُوهُ فما زالَ مُتَقَهْقِراً بين يَدَي العَدوِّ حتى ماتَ غَريباً سَنةَ سَبعَ عَشرَةَ وسِتِّ مئة في جَزِيرَةٍ من البَحْر(٢) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: وكان عَسكَرُه أوْباشاً فيهم شَرٌّ وفِسْقٌ وعُتُوُ(٣). وقال الموفق: الزِّنَا فيهم فاشٍ، واللِّوَاطُ غَيرُ مَعْذُوقٍ بِكِبَرٍ ولا صِغَر (٤) ، والغَدرُ خُلُقٌ لهم ، أخذوا تفليس بالأمان ، ثم غدروا وقتلوا وسَبَوا(٥) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كان يُضرَبُ بهم المَثَل في النَّهْب والقَتْل، وعَملوا كُلَّ قَبيح ، وهم جِياعٌ مُجَمَّعَة ، ضِعافُ العَددِ والخَيلِ الْتَّقىْ جَلالُ الدِّينِ التَّتَارَ ، فَهَزَمَهم وهَلكَ مقدمُهم ابنُ جنكيزخان، ثم خَرجَ له كَمِينٌ فَتَفَلَّلَ جَمِعُ جَلالِ الدِّينِ وفَرَّ إلى ناحية غَزْنَةً في حالٍ واهية، ومعه أرْبَعةُ آلافٍ في غايَة الضَّعْف فتوجَّه نحو كِرْمَانَ فَأَحْسَنَ إليه مَلكُها، فلمَّا تَقَوَّىُ غَدرَ به وقتلَه، وسار إلى شِيرازَ وعَسْكَرُه علىُ بَقَر وحَمير ومُشاة فَفَرَّ منه صاحبُها، وجَرَت له أمُور يَطولُ شَرْحُها ما بَيْنَ ارْتقاءٍ وانْخِفاضٍ، وهابَتْهُ التَّارُ، وَلَوْلاه لدَاسُوا الدُّنْيا، وقد ذَهبَ إليه مُحْبِي الدِّين ابنُ الجَوْزي رَسُولاً فوَجدَه (١) كلمة فارسية يريد بها : مقدم الجيش. (٢) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢ -٣٢٩، وانظر النزهة: ١/١٦٩٤. (٣) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢ -٣٢٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٩٤. (٤) أصل العبارة في تاريخ الإسلام: ((واللُّواط ليس بقبيح ولا معذوقاً بشَرط الكِبَر والصِّغَر))، فمعذوق هنا معناه : مُعلَّق ، أخذه من العِذْق ، وهو عِذْق النخلة ويشمل العرجون بما فيه من الشماريخ . (٥) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ٣/١٦٩٤. ٤٢٥ يَقْرأُ فِي مُصْحَفٍ ويَبْكي ، ثم اعْتَذَرَ عَمَّا يَفْعلُهُ جُندُه بِكَثْرَتِهِم ، وعَدمِ طاعَتِهم ، وقد تَقَاذَفَت به البلادُ إلى الهِنْدِ ثم إلى كِرْمانَ ثم إلى أعْمالِ العِراقِ(١). وساقَ إلى أذْرَبِيجانَ فاسْتولَى علىْ كَثِيرٍ منها، وغَدرَ بأتابِك أُزبك، وأخْرجَه من بلادِه، وأخَذَ زَوجَه ابنَة السُّلطانِ طُغرل، فَتَزوَّجَها ثم عَملَ مصافّاً مع الكَرْج فطَحَنَهم ، وقَتَلَ مُلوكَهم ، وقَويَ مُلكُه، وكَثُرت جُموعُه، ثم في الآخِرِ تَلَاشَىْ أمرُه لَمَّا كَسَرَه الْمَلكُ الأشْرَفُ مُوسَى وصاحبُ الرُّوم بناحية أرْمینیَة ، ثم کَبَسَتْه التَّارُ لَيلةً ، فَنَجا في نَحوٍ من مئة فارِس ثم تَفَرَّقوا عنه إلى أنْ بَقِيَ وَحدَه، فأَلَحَّ في طلبه خمسةَ عَشرَ من الثَّارِ فِثَبَتَ لهم وقَتلَ اثنَيَن فأحْجَمُوا عنه، وصَعدَ في جَبَل بناحية آمَد يَنزِلُهُ أُكْرادٌ فأجارَه كَبِيرٌ منهم، وعَرَفَ أنَّه السُّلطانُ، فوَعدَه بكل خَيرٍ ، فَفَرَح الكُرْدِيُّ ، وذَهبَ لِيُخْضِرَ خَيلاً له ويُعلِمَ بَنِي عَمِّه، وتَركَه عندَ أُمِّه، فجاءَ كُرْدٌّ فيه جُرأةٌ فقال : ليش (٢) تخلُّوا هذا الخُوارِزْميَّ عندَكم؟ قيل: اسْكُت هذا هو السُّلطانُ ، فقالَ: لأقْتُلَنَّه فقد قَتلَ أخي بخِلاطَ، ثم شَدَّ عليه بحَرْبَة ، قَتَلَه في الحالِ فِي سَنةِ ثَمانٍ وعَشْرِينَ وسِتٌ مئة(٣). ٢- جُيوشُ جَلالِ الدِّين خُوارِزْم شاه يَكثُر فيها الفِسْقُ والزُّنَا واللِّواط : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: وكان عَسكَرُه أوْباشاً فيهم شَرٌ وفِسْقٌ وعُتُوّ(٤) . وقال الموفق : الزِّنَا فيهم فاشٍ، واللِّوَاطُ غَيرُ مَعْذُوقٍ بكِبَرٍ ولا صِغَر(٥) ، والغَدرُ خُلُقٌ لهم ، أخذوا تفليس بالأمان ، ثم غدروا وقتلوا وسَبَوا(٦). (١) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ٤/١٦٩٤. (٢) لفظة عامية معناها لأي شيء. (٣) انظر السير : ( خُوارزْم شاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة : ١/١٦٩٥. (٤) انظر السير : ( خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢ -٣٢٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٩٤. (٥) أصل العبارة في تاريخ الإسلام: ((واللُّواط ليس بقبيح ولا معذوقاً بشرط الكِبَر والصِّغَر))، فمعذوق هنا معناه : مُعلَّق ، أخذه من العِذْق ، وهو عِذْق النخلة ويشمل العرجون بما فيه من الشماريخ . (٦) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ٣/١٦٩٤. ٠٩ ٤٢٦ ٣- كانَ الغَدْرُ طَبِيعَةً له ولجَيْشِه : وقال الموفق: الزِّنَا فيهم فاشٍ، واللِّوَاطُ غَيرُ مَعْذُوقٍ بكِبَرٍ ولا صِغَر(١) ، والغَدرُ خُلُقٌ لهم ، أخذوا تفليس بالأمان ، ثم غدروا وقتلوا وسَبَوا(٢) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: كان يُضرَبُ بهم المَثَل في النَّهْب والقَتْل، وعَملوا كُلَّ قَبيح ، وهم جِياعٌ مُجَمَّعَة، ضِعافُ العَددِ والخَيلِ الْتَّقىْ جَلالُ الدِّينِ الَّتَارَ ، فَهَزَمَهم وهَلكَ مقدمُهم ابنُ جنكيزخان ، ثم خَرجَ له كَمِينٌ فَتَفَلَّلَ جَمِعُ جَلالِ الدِّينِ وفَرَّ إلى ناحية غَزْنَةً في حالٍ واهية ، ومعه أرْبَعةُ آلافٍ في غايَة الضَّعْف فتوجَّه نحو كِرْمَانَ فأحْسَنَ إليه مَلكُها ، فلمَّا تَقَوَّى غَدرَ به وقتلَه ، وسار إلى شِيرازَ وعَسْكَرُه على بَقَر وحَمير ومُشاة فَرَّ منه صاحبُها ، وجَرَت له أمُور يَطُولُ شَرْحُها ما بَينَ ارْتقاءٍ وانْخِفاضٍ، وهابَتْهُ الَّتَارُ، ولَوْلاه لدَاسُوا الدُّنْيا، وقد ذَهبَ إليه مُحيي الدِّين ابنُ الجَوْزي رَسُولاً فوَجدَه يَقْرَأُ فِي مُصْحَفٍ ويَبْكي، ثم اعْتَذَرَ عَمَّا يَفْعلُه جُندُه بكثرَتِهم ، وعَدم طاعَتِهم ، وقد تَقَاذَفَت به البلادُ إلى الهِنْدِ ثم إلى كِرْمانَ ثم إلى أعْمالِ العِراقِ(٣). وساقَ إِلَىْ أَذْرَبيجانَ فاسْتولَى علىْ كَثِيرٍ منها، وغَدرَ بأتابِك أُزبك ، وأخْرجَه من بلادِهِ ، وأخَذَ زَوجَه ابنَة السُّلطانِ طُغرل، فَتَزوَّجَها ثم عَملَ مصافَّاً مع الكَرْج فِطَحَنَهم ، وقَتَلَ مُلوكَهم ، وقَويَ مُلكُه، وكَثُرت جُموعُه، ثم في الآخِرِ تَلَاشَى أمرُه لَمَّا كَسَرَه الْمَلكُ الأشْرَفُ مُوسَى وصاحبُ الرُّوم بناحية أرمينيَة، ثم کَبَسَتْه التَّتَارُ لَيلةً ، فَنَجا في نَحوِ من مئة فارِس ثم تَفَرَّقوا عنه إلى أنْ بَقيَ وَحدَه ، فَأَلَحَّ في طلبه خمسةَ عَشرَ من التَّارِ فَثَبَتَ لهم وقَتلَ اثنَين فأحْجَمُوا عنه ، وصَعدَ في جَبَل بناحية آمَد يَنزِلُهُ أُكْرادٌ فأجارَه كَبِيرٌ منهم، وعَرَفَ أنَّه السُّلطانُ، فوَعدَه بكل خَيرٍ ، فَفَرِحِ الكُرْدِيُّ ، وذَهبَ (١) أصل العبارة في تاريخ الإسلام: ((واللُّواط ليس بقبيح ولا معذوقاً بشرط الكِبَر والصِّغَر))، فمعذوق هنا معناه : مُعلّق ، أخذه من العِذْق ، وهو عِذْق النخلة ويشمل العرجون بما فيه من الشماريخ . (٢) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢ -٣٢٩، وانظر النزهة: ٣/١٦٩٤. (٣) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ٤/١٦٩٤. ٤٢٧ ليُخْضِرَ خَيلاً له ويُعلِمَ بَنِي عَمِّه، وتَركَه عندَ أُمِّه ، فجاءَ كُرْدٌّ فيه جُرأٌ فقال : ليش(١) تخلُّوا هذا الخُوارِزْميَّ عندَكم ؟ قيل : اسْكُت هذا هو السُّلطانُ ، فقالَ : لأقْتُلَنَّه فقد قَتلَ أخي بخِلاطَ ، ثم شَدَّ عليه بحَرْبَة ، قَتَلَه في الحالِ في سَنةِ ثَمانٍ وعَشْرِينَ وسِتٌ مئة (٢). (١) لفظة عامية معناها لأي شيء. (٢) انظر السير: (خُوارزم شاه) ٣٢٦/٢٢-٣٢٩، وانظر النزهة : ١/١٦٩٥. ٤٢٨ (٢٣) التّار ١ - أخْبَارُهُم : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة الخَلِيفَة العَبَّاسيِّ النَّاصِرِ لدينِ الله : في سنة ستٍّ وسِتٌّ مئة أوَّلُ ما سُمعَ بذِكرِ الَّتَارِ ، فخَرجُوا من أراضِيهِم بادِيَةِ الصِّين، وَراءَ بلادٍ تُرْكِسْتَانَ ، فحَارَبوا الخَطَا مرَّاتٍ وقَوُوا بِكَسْرَةِ خُوارِزْم شاه للخَطا، وعاثُوا ، وكان رَأْسُهم يُدْعَى كشلُوخان . ثم خَرجَ على كشلُوخان الطاغيَةُ جنكيزخان ، فَتَحَارَبوا مُدَّة ، وظَفَرَ جنكيزخان ، وطَغَى وَتَمرَّدَ ، وأبادَ البلادَ والِعِبادَ ، وأخَذَ أقاليمَ الخَطَا وجَعَلَ خانَ بالق دارَ مُلكِه ، وأفْنَى الأُممَ بإقليمِ التُّرْك وما وَراءَ النَّهْر وخُراسانَ ، وهَزْمَ الجُيوشَ ، وما جَرىَ له فسيرَةٌ مُفْردَةٌ ، وقد جوَّدَ وَصفَهم الْمُوفَّقُ البَغْداديُ، فقالَ(١): حَديثُهم حَديثٌ يأكُلُ الأحاديثَ، وخَبرٌ يُنسِي التَّواريخَ ، ونازِلَةٌ تُطبقُ الأرضَ ، هذه أُمَّةٌ لُغَتُها مَشوبَةٌ بِلُغَة الهِنْدِ لِمُجاوَرَتِهِم ، عِرَاضُ الوُجُوه واسِعُوا الصُّدورِ ، خِفافُ الأعْجَازِ، وصِغَارُ الأَطْرافِ، سُمْرٌ، سَريعوا الحَركَة، وقلَّما يَقدِرُ جاسُوسٌ أنْ يَتمكَّنَ منهم ، لأنَّ الغَريبَ لا يُشْبِهُهم، وإذا أرادوا وِجْهَةً كَتَموا أمْرَهم ونَهَضُوا دَفْعَةً ، فَتَنْسَهُ لهذا على النَّاسِ وُجوهُ الْحِيَّل، وتَضيقُ طُرُقُ الهَرَبْ، ويَسبقون التَّأْهُّب، نِساؤُهم يُقاتِلْنَ، يَقْتُلُونَ النِّساءَ والوِلْدَانَ بغَيرِ اسْتثناءٍ ، ورُبَّما أبْقُوا ذَا صَنعَةٍ أو ذَا قُوَّة ، وغالِبُ سِلاحِهم النُّشَّاب ويَطعَنون بالشُّيوفِ أكثرَ ممَّا يَضربون بها، وخَيْلُهُم تَأْكُلُ الكَلأ وما تَجدُ من وَرَقٍ وخَشَبٍ ، وسُروجُهم صِغارٌ ليسَ لها قيمة ، وأكْلُهم أيُّ حَيوان وُجد وتَمتُّه النَّارُ تَحِلَّةَ القَسَم، ليسَ في قَتلِهِم اسْتثناءٌ ، كان قَصْدَهم إِفْناءُ النَّوْعِ ، ما سَلِمَ منهم إلاَّ غَزْنَةُ وأصْبَهانَ . (١) انظر السير: (النَّاصِرُ لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة : ١/١٦٨٩. ٤٢٩ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : ثم اسْتباحوا أصْبَهانَ سَنةَ اثنتَيْنٍ وَثَلاثينَ وسِتٍّ مئة (١). وفي سنة سَبعَةَ عَشرَ وسَّتِّ مئة أخَذت التَّارُ بُخَارَى وسَمَرْقَنْدَ بالسَّيفِ ، وعَدُّوا جِيحُونَ ، قال ابنُ الأثير: لَوْ قِيلَ: إنَّ العَالَمَ منذ خُلقَ إلى الآنَ لَمْ يُبْتَلُوا بمثلٍ كائنَةً التَّنَارِ لكانَ صادِقاً ، فإنَّ التَّواريخَ لَمْ تَتَضَمَّنْ ما يُقارِبُها، قَومٌ خَرجُوا من أطْرافِ الصِّينِ فَقَصَدوا بلادَ تُرْكِسْتَانَ، ثم إلى بُخارَىُ وسَمَرْقَنْدَ فَتَملَّكوها ، ثم تَعبُرُ طائفةٌ منهم إلى خُراسانَ فِيَفْرَغُونَ منها تَخْرِيباً وقَتلاً إلى الرَّيِّ وهَمَذانَ، ثم يَقصِدُون أَذَرْبيجانَ ونَواحيها ويَسْتَبيحونها في أقلَّ من سَنَة ، أمْرٌ لَمْ نَسْمَع بمثلِه ، ثم سارُوا إلىْ دَرْبَند شروينَ، فمَلكوا مُدُنَه ، وعَبروا إلى بلادِ اللانِ واللَّكْزِ قَتْلاً وأسْراً، ثم قَصَدوا بلادَ قَفْجاقَ فقَتلوا مَنْ وَقفَ وهَربَ مَنْ بَقيَ إلى الشعراءِ والجِبالِ ، واسْتَوْلَتِ النَّتَارُ على بلادِهم ، ومَضَت فرقَةٌ أُخْرَى إلى غَزْنة وسِجِسْتان وكِرْمانَ ، ففعلوا كذلك وأشَدَّ هذا ما لَمْ يَطْرُقِ الأسْماعَ مثلُه، فإنَّ الإسْكَندَرَ ما مَلكَ الدُّنيا بهذه الشُّرعَة ، بل في نَحْو عَشرِ سنينَ ولمْ يَقتُلْ أَحَداً(٢) . وفي سنة أرْبَع وخَمسينَ وسِتِّ مئة سارَ الطاغيةُ هُولاكُو بنُ تولي ابنٍ جنكيزخان في مئة ألف، وافْتَتَحَ حِصْنَ الأَلَموتَ، وأبادَ الإسْماعيليَّةَ ، وبَعثَ جَيشاً عليهم باجونَوِينَ ، فأخَذُوا مَدائنَ الرُّومِ ، وذَلَّ لهم صاحبُها ، وقُتلَ خَلقٌ كَثِيرٌ وفيها كانَ حَرِيقُ مَسْجِدِ النبي صلى الله عليه وسلم جَميعُه في أوَّلِ رَمضانَ من مِسْرَجَة القَيِّم ، فللَّه الأمرُ كُلُّه . وفي سَنة خَمسٍ وخَمسينَ وسِتِّ مئة: ماتَ صاحِبُ مِصْرَ الْمَلكُ الْمُعِزُّ أَيْبَك القُرْكُمانيُّ ، قَتلَته زَوجَتُه شَجَرَةُ الذُّرِّ في الغِيرَة، فوُسِّطَتْ(٣). ٢- وَصْفُ لهم ولأَحْوالِهم : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الخَلِيفَةِ العَبَّاسِي النَّاصِر لدينِ الله: قال المُوَفَّقُ الْبَغْدادُّ : حَديثُهم حَديثٌ يأْكُلُ الأحاديثَ ، وخَبرٌ يُنسِي التَّواريخَ ، ونازِلَةٌ تُطبقُ (١) انظر السير: (النَّاصِرُ لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٩. (٢) انظر السير: (النَّاصِرُ لدين الله) ٢٢/ ١٩٢-٢٤٢، وانظر النزهة : ٤/١٦٨٩. (٣) انظر السير: (المُسْتَعصم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٧٢٤. ٤٣٠ الأرضَ ، هذه أُمَّةٌ لُغَتُها مَشوبَةٌ بلُغَة الهِنْد لِمُجاوَرَتِهِم، عِرَاضُ الوُجُوه واسِعُوا الصُّدورِ، خِفافُ الأعْجَازِ ، وصِغَارُ الأطْرافِ، سُمْرٌ، سَريعوا الحَركَة ، وقلَّما يَقدِرُ جاسُوسٌ أنْ يَتمكَّنَ منهم، لأنَّ الغَريبَ لا يُشْبِهُهم، وإذا أرادوا وِجْهَةً كَتَموا أمْرَهم ونَهَضُوا دَفْعةً ، فَتَنْسَدُّ لهذا على النَّاسِ وُجوهُ الحِيَّل، وتَضيقُ طُرُقُ الهَرَبْ ، ويَسبقون التَّأهُب ، نِساؤُهم يُقاتِلْنَ، يَقْتُلُونَ النِّساءَ والوِلْدَانَ بِغَيرِ اسْتثناءٍ، ورُبَّمَا أَبْقُوا ذَا صَنعَةٍ أو ذَا قُوَّة، وغالِبُ سِلاحِهِم النُّشَّاب ويَطعَنون بالشُّيوفِ أكثرَ ممَّا يَضربون بها ، وخَيْلُهُم تأكُلُ الكَلأ وما تَجدُ من وَرَقٍ وخَشَبٍ ، وسُروجُهم صِغارٌ ليسَ لها قيمة ، وأكْلُهم أيُّ حَيوان وُجد وتَمسُّه النَّارُ تَحِلَّةَ القَسَم، ليسَ في قَتِلِهِم اسْتثناءٌ ، كان قَصْدَهم إِفْناءُ النَّوْعِ ، ما سَلِمَ منهم إلاَّ غَزْنَةُ وأَصْبَهانَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: ثم اسْتباحوا أصْبَهَانَ سَنةَ اثنتَينِ وثَلاثينَ وسِتِّ مئة(١). وقال : خَيلُهم لا تَعرفُ الشَّعيرَ، إنَّما تَحْفرُ بحَوافِرها وتأكلُ عُروقَ النَّبات ، وهم يَسجُدونَ للشَّمْسِ ، ولا يُحَرِّمُونَ شَيئاً، ويَأْكُلُونَ الحَيواناتِ ، ولا يَعرِفُونَ زَواجاً ، وهم صنفٌ من التُّرك . وأمَّا الخَلِيفَةُ فإنَّه جَمِعَ الجُموعَ وجَيَّشَ الجُيوشَ، وحَشرَ فنادَى، وأتَتْهُ البعوثُ من كل حَدبٍ يَنْسِلون، ولمَّا جاءَ رَسولُ الَّتار احتفلَ الجَيشُ وبالَغوا، حتى امتلأَ قَلبُه رُعْباً ، ودِماغُه خَيالاً ، فرَجَعَ مُخَبِّراً . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: هذا كلُّهُ وجَيشُ مِصْرَ والشَّام في مُصابَرَة الفِرَنْج بدِمْياطَ والأمْرُ شَدیدٌ . وفي سَنةِ اثْنَتَين وعِشرينَ وسِتِّ مئة تُوقِّيَ أميرُ المؤمنينَ ، فبُويعَ ابنُه الظَّاهِرُ أبو نَصْر مُحمَّدُ كَهْلاً، فكانت دَولَةُ النَّاصِرِ سَبْعاً وأربعينَ سَنةً(٢). (١) انظر السير: (النَّاصِرُ لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٩. (٢) انظر السير: (النَّاصِرُ لدين الله) ٢٢/ ١٩٢ -٢٤٢، وانظر النزهة : ١/١٦٩٠. ٤٣١ ٣- مُصَانَعَةُ بَعض مُلُوكِ المُسْلمين لهم : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ السُّلْطانِ بَدْرِ الدِّين أبي الفضائلِ لُؤْلُؤْ الأرْمَنيِّ النُّوريِّ الأَتَابكيِّ: قيلَ: إنَّه سارَ إلى خِدمَةِ هُولاكُو، وتَلَطَّفَ به وقدَّمَ تُحَفاً جَليلة ، منها جَوْهَرَةٌ يَتِيمَةٌ، وطَلبَ أنْ يَضعَها في أُذُنِ هُولاكُو فاتَّكأ ففَرَكَ أُذُنَه ، وأدْخَلَ الحَلقةَ في أُذُنِهِ ثم رَجعَ إلى بلادِهِ مُتولِّاً من قبلِه، وقرَّر عليه مالاً يَحملُه، ثم ماتَ بالْمُوصِلِ سَنةً سَبعٍ وخَمسينَ وسِتِّ مئة . فلمَّا ماتَ تَمَلَّكَ وَلِدُه الْمَلكُ الصَّالِحُ إسْماعيلُ وتَزوَّجَ بابنَةِ هُولاكُو فَأَغْضَبَها وأغارَها ، ونازَلَت التَّتَارُ الْمُوصِلَ، واسْتمَّ الِصارُ عَشرَةَ أَشْهُر، ثم أُخِذَت، وخَرجَ إليهم الصَّالِحُ بالأمان فَغَدَورا به، واسْتباحوا الْمُوصِلَ، فإنَّا لله وإنّا إليه راجِعُون(١). ٤- مِنْ أسْباب غَلَبَتِهم على العِراق : (أ) خِيَانَةُ الوَزِيرِ ابنِ العَلْقَمي الرَّافِضِيِّ: قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَة الخَلِيفَة العَبَّاسِيِّ الْمُسْتَعْصِمِ بالله: ثم إنَّه اسْتَوْزَرَ المُؤيّدَ ابنَ العَلْقَمي الرَّافضيَّ، فأهْلكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وحَسَّنَ له جَمعَ الأمْوالِ ، وأنْ يَقْتَصِرَ على بَعضِ العَساكِرِ، فَقَطعَ أكْثرَهم، وكانَ يَلعَبُ بالحَمَامِ ، وفيه حِرْصٌ وتَوَانٍ . وفي سَنةِ أَرْبَع وأرْبَعين وسِتِّ مئة : عائَت الخُوارِزميَّةَ وتَخْرَبَت القُرَى، فالْتَّقَاهُم عَسْكَرُ حَلَب وحِمْصَ فَكُسِروا شَرَّكَسْرَةٍ على بُخَيْرة حِمْصَ ، وقُتْلَ مُقَدِّمُهم بَرْكَة خان . وفيها خِتَانُ أحمَدَ وعبدِ الرَّحْمَن وَلَدَي الخَلِيفَة وأخيه علي، فمِن الوَلِيمَةِ الْفُ وخَمسُ مِئَة رَأسِ شِواء (٢)، وقَدِمَ رَسُولانِ من الَّارِ أحَدُهما من بَرَكة، والآخَرُ من بايجُو ، فاجْتَمَعوا بابنِ العَلْقَميِّ وتَعَمَّتِ الأخْبارُ . (١) انظر السير: (المَلكُ الرَّحيم) ٣٥٦/٢٣-٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/١٧٤٠. (٢) هذا غَير ما أخرج من الخُبز، والدجاج ، والبيض ، والسكر ، والحلوى ، وغيرها. ٤٣٢ وفيها أخَذَتِ الفِرَنْجُ شاطِبَةٍ (١). وجَرَت فَتَنَةٌ مَهولَة ببغدادَ بينَ النَّاسِ وبينَ الرَّافِضَة، وقُتلَ عِدّةٌ من الفَريقين ، وعَظُم البلاءُ، ونُهِبَ الكَرْخُ ، فحَنقَ ابنُ العَلْقَمَيّ ، الوَزِيرُ الرَّافِضيُّ، وكَاتبَ هُولاكُو ، وطمَّعَه في العِراق، فجاءَت رُسُلُ هُولاكُو إلى بغدادَ ، وفي الباطِنِ مَعهُمْ فَرَماناتٍ لِغَيرِ واحدٍ ، والخَليفةُ لا يَدْري ما يَتُّ ، وأيامُه قد وَلَّتْ ، وصاحبُ دِمَشْقَ شابٌّ غرٍّ جَبانٌ ، فَبَعثَ وَلَدَه الطِّفلَ مع الحافظيِّ بتقادم وُتَحَف إلى هُولاكُو فخَضَعَ له ، ومِصْرُ في اضْطِرابٍ بعدَ قَتْلِ المُعزِّ ، وصاحبُ الرُّوم قد هَربَ إلى بلاد الأشْكُري ، فتمرَّدَ هُولاكو وتَجَبَّر ، واسْتولَى على المَمالك وعاثَ جُندُه الكَفَرَةُ يَقْتُلُون ويَأْسِرُون ويَحْرِقُون . ودخلت سنةُ سِتٍّ وسِتِينَ وسِتِّ مئة فسَارَ عَسْكَرُ النَّاصِرِ، وعَليهم المُغيثُ ابنُ صاحبِ الكَرْك ، ليأخُذوا مِصْرَ فالتَقاهُم المُظفَّرُ قُطُز، وهو نائبٌ للمَنصور عليٍّ وَلِدِ المُعزِّ ، بالرَّمْلِ فَكَسَرَهم ، وأسَرَ جَماعَةَ أُمَراء فضَرَبَ أعْناقَهم (٢). وأمَّا هُولاكُو فقَصَدَ بَغْدَادَ فخَرِجَ عَسْكرُها إليه فانْكَسَروا ، وكاتبَ لُؤْلُؤَ صاحبَ الْمُوصِل وابنَ صَلايا مُتَوَلِّي إِرْبِلْ الخَليفَةَ سِراً يَنْصَحَانِهِ فما أفادَ ، وقُضيَ الأمْرُ وأقْبَلَ هُولاكُو فِي المَغُولِ والتُّرْكِ والكُرْج ، فأشارَ الوَزيرُ على الخَلِيفَةِ بالمُدارَاة وقال : أخْرُجُ إليه أنا ، فخَرِجَ واسْتَوْثَقَ لِنَفْسِه ورُدَّ فقالَ : القانُ راغِبٌ في أنْ يُزُوِّجَ بنْتَه بابنِكَ أبي بَكْر ويُنْقِي لكَ مَنْصِبَك كما أبقى صاحِبَ الرُّومِ في مَمْلكَتِهِ من تَحتِ أوامِرِ القَانِ ، فَاخْرُجْ إليه ، فخَرِجَ في كُبَراءِ دَولَتِهِ للنِّكاحِ يَعني، فضُرِبَ أعْناقُ الكُلِّ بهَذه الخَديعَة ورُفِسَ الْمُسْتَعْصِمُ حتىْ تَلَفَ، وبَقِيَ السَّيفُّ في بَغْدَادَ بِضْعَة وثَلاثين يَوماً ، فَأَقَلُّ ما قِيلَ: قُتلَ بها ثَمَانِ مِئة ألْف نَفْس ، وأكثرُ ما قِيلَ بَلُغُوا أَلْفَ ألْفٍ وَثَمَانِ مِئَة أَلْفٍ ، وجَرت السُّيولُ من الدِّماء فإنَّا لله وإنّا إليه راجِعُون . . ثم بعد ذَهابِ البَلدِ ومَنْ فيه إلاَّ الْيَسير نُودِيَ بالأمَان ، وانْعَكسَ على الوَزيرِ مُرامُه وذاق ذُلاًّ ووَيْلاً وما أمْهَلَه الله . (١) انظرد السير: (المُسْتَعصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٧٢٢. (٢) انظر السير: (المُسْتَعصم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٤/١٧٢٤. ٤٣٣ وعَمَلَ ابنُ العَلْقَمِيِّ علىْ تَرْكِ الجُمُعات وأنْ يَبْنِيَ مَدرسَةً علىُ مَذْهَب الرَّافِضَة ، فما بَلَغَ أمَلَه وأُقِيمَت الجُمُعات(١) . وكان قد مشى حالُ الخَلِيفَة بأنْ يَكونَ للََّارِ نِصْفُ دَخْلِ العِراقِ ، فقالَ ابنُ العَلْقَمِيِّ: بلْ المَصْلحَةُ قَتَلُه، وإلاَّ فما يَتمُّ لكم مُلكُ العِراقِ(٢). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وله(٣) ذُرِّيَةٌ إلى اليوم بأذربيجانَ، وانْقَطَعَتِ الإمامَةُ العَبَّاسِيَّة ثَلاثَ سِنِينَ وأشْهُراً بمَوْتِ المُسْتَعْصِم ، فكانت دَولَتُهم من سَنةِ أثنتَين وثلاثين ومئة إلى سَنة سِتُّ وخَمسينَ وسِتِّ مئة فذلك خَمسُ مئة وأربعٌ وعِشْرونَ سَنةً، ولله الأمْرُ(٤). (ب) ضَعْفُ الخَلِيفَةِ المُسْتَعْصِم ولَهْوُه ولَعِبُه : قال قُطبُ الدين اليُونيني : كان المُسْتَعْصِمُ بالله مُتَديِّناً مُتمَسِّكاً بالسُّنَّة كأبيه وجَدِّه ، ولكنَّه لَمْ يَكُنْ فِي حَزْمِ أبيه ، وتَيَقُّظِه وعُلوِّ هِمَّتِهِ، وإِقْدامِه، وإنَّما قَدَّموهُ على عَمِّهِ الخفاجيِّ لِمَا يَعلَمونَ مَن لِيْنِه وانْقيادِه وضَعْفِ رَأْيِهِ لَيَسْتَبدُّوا بالأمُورِ(٥) . ثم إنَّه اسْتَوْزَرَ المُؤْيِّدَ ابنَ العَلْقَميِ الرَّافضيَّ، فَأَهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وحَسَّنَ له جَمِعَ الأمْوالِ ، وأنْ يَقْتَصِرَ على بَعضِ العَساكِر، فقَطْعَ أكْثَرَهم، وكانَ يَلعَبُ بالحَمَامِ ، وفيه حِرْصٌ وتَوَانٍ . وفي سَنةِ أَرْبَع وأرْبَعين وسِتِّ مئة : عائَت الخُوارِزميَّة وتَخْرَّبَت القُرَى ، فالْتَّقَاهُم عَسْكَرُ حَلَب وحِمْصَ فَكُسِرُوا شَرَّ كَسْرَة على بُخَيْرِة حِمْصَ ، وقُتْلَ مُقَدِّمُهم بَرْكَة خان . وفيها خِتانُ أحمَدَ وعبدِ الرَّحْمَن وَلَدَي الخَليفَة وأخيه علي، فمِن الوَلِيمَةِ ألْفٌ (١) انظر السير: (المُسْتَعصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/١٧٢٥. (٢) أعمَى الحقدُ والتعصُّب هذا الخائن وقُتْل النَّاسُ ودُمرَت بلاد الإسْلام بسبب حقْدِه وتعصُّبه واعتقادِه الفاسد . (٣) أي للخَليفة المُستَعْصِم. (٤) انظر السير: (المُسْتَعصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٧٢٥. (٥) انظر السير: (المُسْتَعصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٧٢٢. ٤٣٤ وخَمسُ مِئَةَ رَأْسِ شِواء(١)، وقَدِمَ رَسُولانِ من النَّارِ أحَدُهما من بَرَكة، والآخَرُ من بايجُو ، فاجْتَمَعوا بابنِ العَلْقَميِّ وتَعَمَّتِ الأخْبارُ . وفيها أخَذَتِ الفِرَنْجُ شاطِبَةٍ(٢). (ج ) تَشريحُ أكثرِ جُنْدِ الخِلافَة بإشارَةِ ابنِ العَلْقَمي: قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة الخَليفَة العَبَّاسِيِّ الْمُستعصِمِ بالله: ثم إنَّه اسْتَوْزَرَ المُؤيّدَ ابنَ العَلْقَميِ الرَّافضيَّ، فأهْلكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وحَسَّنَ له جَمِعَ الأمْوالِ ، وأنْ يَقْتَصِرَ علىُ بَعضِ العَساكِرِ ، فَقَطْعَ أكْثِرَهم ، وكانَ يَلعَبُ بالحَمَامِ ، وفيه حِرْصٌ وتَوَانٍ . وفي سَنةِ أَرْبَع وأرْبَعين وسِتِّ مئة: عائَت الخُوارِزميّة وتَخْرَّبَت القُرَى، فَالْتَقَاهُم عَسْكَرُ حَلَب وحِمْصَ فَكُسِروا شَرَّ كَسْرَة على بُخَيْرِة حِمْصَ ، وقُتلَ مُقَدَّمُهم بَرْكَة خان . وفيها خِتَانُ أحمَدَ وعبدِ الرَّحْمَن وَلَدَي الخَلِيفَة وأخيه علي، فمِن الوَلِيمَةِ أَلْفُ وخَمْسٍ مِئَة رَأسِ شِواء(٣)، وقَدِمَ رَسُولانِ من التَّارِ أحَدُهما من بَركة، والآخَرُ من بايجُو ، فاجْتَمَعوا بابنِ العَلْقَميِّ وَتَعَمَّتِ الأخبارُ . وفيها أخَذَتِ الفِرَنْجُ شاطِبَةٍ(٤) . (د) اضْطِرابُ مِصْرَ والشَّامِ وعَدَمُ اجْتِماعِ الكلِمَة : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة الخَليفَة العَبَّاسِيِّ الْمُستعصِمِ بالله: وجَرَت فَتَنةٌ مَهولَة بغدادَ بينَ النَّاسِ وبينَ الرَّافِضَة، وقُتلَ عِدّةٌ من الفَريقين، وعَظُم البلاءُ، ونُهِبَ الكَرْخُ ، فحَنقَ ابنُ العَلْقَمَيّ ، الوَزِيرُ الرَّافِضيُّ، وكَاتبَ هُولاكُو ، وطمَّعَه في العِراق، فجاءَت رُسُلُ هُولاكُو إلى بغدادَ ، وفي الباطِنِ مَعهُم فَرَماناتٍ لِغَيرٍ واحدٍ ، (١) هذا غير ما أخرج من الخُبز، والدجاج، والبيض ، والسكر ، والحلوى ، وغيرها. (٢) انظر السير: (المُسْتَعصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٧٢٢. (٣) هذا غير ما أخرج من الخُبز، والدجاج، والبيض، والسكر ، والحلوى ، وغيرها . (٤) انظر السير: (المُسْتَعصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٧٢٢. ٤٣٥ والخَليفةُ لا يَدْري ما يَتمُّ ، وأيامُه قد وَلَّتْ ، وصاحبُ دِمَشْقَ شابٌّ غرّ جَبانٌ ، فَبَعثَ وَلَدَه الطِّفْلَ مع الحافظيِّ بتقادم وُتَحَف إلى هُولاكُو فخَضَعَ له، ومِصْرُ في اضْطِرابٍ بعدَ قَتْلِ المُعزِّ ، وصاحبُ الرُّومِ قد هَربَ إلى بلاد الأشْكُري ، فتمرَّدَ هُولاكُو وتَجبَّر ، واسْتولَى على المَمالك وعاثَ جُندُه الكَفَرَةُ يَقْتُلُون ويَأْسِرُون ويَحْرِقُون . ودخلت سنةُ ستَّ فسَارَ عَسْكَرُ الناصر، وعَليهم المُغيثُ ابنُ صاحبِ الكَرْك ، ليأخُذوا مِصْرَ فالتَقَاهُمِ المُظفَّرُ قُطُز، وهو نائبٌ للمَنصور عليٍّ وَلِدِ المُعزِّ ، بالرَّمْلِ فِكَسَرَهم، وأسَرَ جَماعَةً أُمَراء فضَرَبَ أعْناقَهم(١). ٥- مُقاوَمَةُ المِصْرِيِّين لهم : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ المُظَفَّرِ قُطُزْ: كان أنبلَ مَمَاليك المُعِزِّ أنْيَك التُّرْكُمانيِّ، ثم صارَ نائبَ السَّلطَنَة لولَدِهِ المَنْصُورِ وكانَ فارِساً شجاعاً ، سَائِساً ، دَيِّناً ، مُحَبَّياً إلى الرَّعيَّة هَزَمَ النَّارَ وطَهَّرَ الشَّامَ منهم يومَ عَيْنِ جَالُوتَ ، وهو الذي كان قَتْلَ الفارِسَ أَقْطِايَ فقُتلَ به ، ويَسْلَمُ له إنْ شاءَ اللهُ جهادُه(٢). ويُذْكرُ عنه أنَّه يَومَ عَينٍ جَالُوتَ لَمَّا أنْ رَأى انْكِشافاً في المسلمينَ رَمَى على رأسِهِ الخُوذَةَ وحَمَلَ ، ونَزَلَ النَّصْرُ . وكان شاباً أشقر ، وَافِرَ اللَّحْيَةِ ، تامَّ الشَّكْلِ، وتَبَ عليه بَعضُ الأُمَراء وهو راجِعٌ إلىُ مِصْرَ فَقُتلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وخَمسينَ وسِتِّ مئة ، ولَمْ يُكْمِلْ سَنةً في السَّلطَنِةِ ، رَحمَهُ الله(٣) . ٦ - مُقاوَمَةُ الشَّامِيِّينَ لهم : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَة الْمَلكِ الكامِلِ ، مُحمَّدٍ بنِ الْمُظَفَّرِ : تَمَلَّك ميَّافارقِينَ وغَيْرَها بعدَ أبيه سَنةَ خَمسٍ وأرْبَعينَ وسِتِّ مئة ، وكان شاباً، عاقِلاً شُجاعاً ، مَهيباً (١) انظر السير: (المُسْتَعصم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٤/١٧٢٤. (٢) انظر السير: ( الْمُظفر) ٢٠٠/٢٣-٢٠١، وانظر النزهة: ٦/١٧٢٩. (٣) انظر السير: (الْمُظَفَّر) ٢٠٠/٢٣-٢٠١، وانظر النزهة: ١/١٧٣٠. ٤٣٦ مُحْسِناً إلىْ رَعيَّتِهِ، مُجاهداً، غَازِياً ، دَيِّناً تَقَيّاً ، حَميدَ الطَّرِيقَة، حاصَرَه عَسكَرُ هُولاُو نَحْواً من عِشرينَ شَهراً حتىُ فَنِيَ النَّاسُ جُوعاً ووَباءً ، حتىْ لَمْ يَبْقَ بِالْبَلَدِ سِوَىْ سَبعينَ رَجُلاً فيما قِيلَ ، فحَذَّثني الشَّبِخُ مَحْمودُ بنُ عبدَ الكَريمِ الفارِقِيُّ قالَ : سارَ الكَامِلُ إلى قِلاعِ بنَواحي آمِد فأخَذَها ، ثم نَقَلَ إليها أهْلَه ، وكان أبي في خِدمَتِهِ ، فَرَحلَ بنا إلى قَلعَةٍ منها ، فَعَبَرَتِ الثَّارُ عَلينا، فاسْتَنزَلُوا أهْلَ الْمَلكِ الكامِلِ بالأمَانِ من قَلْعَةٍ أُخْرىُ ، وَرَدُوا بهم عَلينا، وأنا صَبِيٌّ مُمَيٌِّ، وحاصَروا ميّافارقينَ أشْهُراً، فَنَزِلَ عَليهم الثَّلْجُ، وهَلكَ بَعضُهم ، وكانَ الكامِلُ يَبرُزُ إليهم ويُقاتِلُهم ، ويُنْكي فيهم فهابُوهُ ، ثم بَنَوا عَليهم سُوراً بإزاءِ الْبَلَد ، بأبْرِجَة ، ونَفَدَت الأقْواتُ ، حتى كانَ الرَّجُلُ يَموتُ فِيُؤْكَل ، ووَقِعَ فيهم الْمَوتُ، وفَتَرَ عنهم التَّارُ وصَابَروهم ، فخَرجَ إليهم غُلامٌ أو أكْثَر وجَلَوْا للتََّارِ أمْرَ البَلِدِ ، فما صَدَّقوا ، ثم قَرُبوا من السُّورِ وبَقوا أَاماً لا يَجْسِرُونَ على الهُجومِ ، فدَلَّى إليهم مَمْلُوٌ للكامِلِ حِبالاً فطَلِعُوا إلى السُّورِ فبقوا أُسْبوعاً لا يَجسُرون ، وبقي بالبَلِدِ نَحْو التِّسْعينَ بعدَ ألُوفٍ من النَّاسِ ، فدَخَلت الثَّارُ دارَ الكامِلِ وأمَنوه، وأَتَوْا به هُولاكُو بالرُّها فإذا هو يَشْرَبُ الخَمْرَ ، فناوَلَ الكامِلَ كَأساً فأبَى، وقالَ: هذا حَرامٌ ، فقالَ لامْرأتِهِ : ناوِليهِ أنتِ ، فناوَلَتْه فأْبَى، وشَتمَ وبَصَقَ - فيما قِيلَ - في وَجْه هُولاكُو وكانَ الكامِلُ مِمَّنْ سارَ قَبلَ ذلك ورَأى القانَ الكَبِيرَ ، وفي اصْطِلاحِهِم مَنْ رَأىْ وَجْهَ القانِ لا يُقْتَل ، فلمَّا وَاجَه هُولاكُو بهَذا اسْتَشاطَ غَضَباً وقَتْلَه . ثم قالَ : وكانَ الكامِلُ شَديدَ الْبَأْسِ ، قَوِيَّ النَّفْسِ ، لَمْ يَنْقَهِر للثَّارِ بحيثُ إنَّهم أَخَذُوا أوْلادَه من حِصْنِهِم ، وأتَوه بهم إلى تَحتِ سُورٍ ميّافارقينَ ، وكلَّموهُ أنْ يُسلِّمَ البَلدَ بالأمَانِ فقالَ: ما لَكُم عندي إلاَّ السَّيفَ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : طِيفَ برأسِه بدِمَشْقَ بالطُبولِ، وعُلِّقَ على بابِ الفَراديسِ ، فَلَمَّا انْقَلَعوا ، وجاءَ الْمُظَفَّرُ دُفِنَ الرَّأْسُ وكانَ في سَنةِ سِتٍّ وخَمسينَ وسِتٌ مئة قَدِمَ دِمَشْقَ مُسْتَنْجِداً بالنَّاصِرِ فبالَغَ في إِكْرامِه واحْترامِه ، ووَعَدَه بالإِنْجادِ ، ورَجَعَ إلى ميّافارقينَ وقُتلَ في سَنةِ ثَمانٍ وخَمسينَ وسِتٌ مئة رَحمَه الله(١) . (١) انظر السير: (الكامل) ٢٠١/٢٣ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٧٣٠. ٤٣٧ (٢٤) الصَّليبيُّون ١ - الحُروبُ الصَّليبيّة : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في ترجمة الإمامِ البَيْروتيِّ: الإمامُ الحُجَّةُ المُقرىءُ أبو الفَضْل العَبَّاسُ بِنِ الوَليد بنِ مَزْيَد، العُذْرِيُّ البَيْروتيُّ (١). وبَيْروتُ مَدينَةٌ على البَحْرِ من ساحِلِ دِمَشْقَ ، ما زالَت بلادَ إِسْلامِ منذُ الفُتوحِ إلى أنْ اسْتولَى عليها الفِرَنْجُ، فدامَت داراً لهم إلى أنْ افْتَتَحَها السُّلطانُ الْمَلكُ الأَشْرَفُ خَليل في سَنةِ تِسْعينَ وسِتُّ مئة عندَ أخْذِ عَكا ، وبها تُوفِّيَ الأوْزاعيُّ ، وتلميذُه الوَليدُ بنُ مَزْيَد ، وابنُه هذا . وُلدَ سنة تِسْعِ وسِتِينَ ومثَة ، فكان مِمَّن عُمِّر أكثرَ من مئة عامٍ بيَقين . وكان مُقْرئاً حاذِقاً بحَرْفِ ابنِ عامِر ، تَلا على أبيه . وقالَ النَّسائيُّ : ليسَ به بأسٌ وكان صاحِبَ لَيْلٍ . ماتَ سَنةَ سَبعينَ ومِئْتَين، وكان مُمَتَّعاً بقُواه(٢). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمةِ الْمُسْتَعلي باللهِ العُبَيْدِيِّ: فَأَخَذَت الفِرَنْجُ أنْطَاكية من المسلمينَ في سَنةِ إِحْدَى وتِسْعِينَ وأَرْبَع مثَّة ، وكان لها في يَد المسلمينَ نَحْوَ عشرينَ سَنةً، وأخَذوا بَيَتَ المَقْدِسِ، واسْتَبَاحُوهُ، وأخَذُوا أيضاً المَعَرَّةَ في سَنةِ اثْنَتَين وتِسْعينَ وأَرْبَع مثَّة ، ثم اسْتَولوا على مَدائنَ وقِلاعِ (٣). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمةِ صاحِبٍ مِصْرَ الآمرِ بأحْكامِ اللهِ العُبَيْدِيِّ : وفي دَولَتِهِ أَخَذَت الفِرَنْجُ طَرابُلْسَ الشَّامِ وصَيْدا، ثم قَصدَ المَلكُ بَرْدَويلُ الفِرَنجيُّ ديارَ مِصْرَ ، (١) انظر السير: (البَيْروتيّ) ٤٧١/١٢-٤٧٥، وانظر النزهة: ١/١٠٢٢. (٢) انظر السير: (البَيْروتيّ) ٤٧١/١٢ -٤٧٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٢٢. (٣) انظر السير: ( المُسْتعلي بالله) ١٩٦/١٥-١٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٢١٣. ٤٣٨ وأخَذَ الفَرَمَا وهي قَريبةٌ من العَريش ، فأحْرقَ جامِعَها ، ومَساجِدَها ، وقَتلَ وأسَرَ ، ثم رَجعَ فَهَلكَ في سَبخَة بَرْدَويل فشَقُّوه ورَموا حَشوَتَه وصَبَّروه ، فحَشْوَتُه تُرجَم هناك إلى اليومٍ ، ودَفَنوه بقُمامَة وكان قد أخَذَ القُدسَ وعَكَّا والحُصونَ. وفي أيَّامه ظَهرَ ابنُ تُؤْمَرْت بالمَغْربِ وكَثُرت أتباعُه، وعَسْكَروا وقَاتَلوا ، ومَلَكُوا البلادَ(١). فَخْرُ المُلْك : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : ابنُ عمَّار صاحبُ طَرابُلْسَ ، كان من دُهاة الرِّجالِ وأفْرادِ الزَّمان شَجاعَةٌ وإقْداماً ورَأياً وحَزْماً ، ابتُلي بلدُه بحِصارِ الفِرَنْجِ خَسمةَ أعْوامٍ وهو يُقاوِمُهم، ويُنْكِي في العَدوِّ، ويَسْتَظهِرُ عليهم، ويُراسِلُ مُلوَكَ الأطْرافِ، ويُتْحِفُهم بالهَدايا ، وهم حائرُونَ في أَنفُسِهِم، ولَمْ يُنْجِدْهُ أحَدٌ وقد راسَلَ صاحِبَ الرُّومِ مَرَّاتٍ ، وكان حَسَنَ التَّدْبيرِ في الحِصَارِ ، جَيِّدَ الْمَكيدَةِ والْمُخادَعَة ، براً وبَحْراً ، شِتاءً وصَيفاً ، حتى تَفَانَت رِجَالُه، وكلَّت أبطالُهُ ، فَرَكبَ في البَحْر ، وطلَعَ حتىُ قَدِمَ دِمَشْقَ، وأُخِذَت طَرَابُلسُ منه سَنَ اثْنَتَين وخمسٍ مئة، فأَقْطَعَه ◌ُغْتِكِينُ قَرِيَةَ الزََّدانيّ ، وكان لِشِدَّة ما نَزلَ به يُصادِرُ الرَّعيَّةَ ويَعْسِفُهم، وجَرَت له تَنقُّلاتُ وأحْوالٌ ، إلى أنْ أدْبَرَت أيَّامُه، ووَافاهُ حِمامُه، والله يَسْمَحُ له(٢) . قال الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمةِ رِضْوان صاحبٍ حَلَب : وقَصَدت النَّصَارَى أنْطَاكيَة ونازَلوا بَيْتَ الْمَقدِسِ سَنةَ اثْنَتَينٍ وخَمسٍ مئة ، وقُتلَ به سَبعونَ ألفَ مُسْلم ، ونَقَلَ ابنُ مُنقِذْ ظُهورَ الفِرَنْجِ في هذا الوَقْت من بَحْر قُسْطَنْطِينِيَّة ، وجَرَت لهم مع طاغيَة الرُّومِ حُروبٌ وعَجَزَ عنهم ، ثم قالوا : ما نَفْتَحُه من بلاد الرُّومِ فهو لك، ومَهْما نَفْتَحُه منَ بلادِ الشَّامِ ، فهو لنا(٣) . وقِيلَ : كانوا في أرْبَع مئةِ ألفٍ ، ثم أخَذوا بَعضَ بلادِ الْمَلِك قلج رسْلان بالسَّيفِ ، (١) انظر السير: (الامر بأحكام الله) ١٩٧/١٥-١٩٩، وانظر النزهة: ٢/١٢١٤. (٢) انظر السير: (فَخْرُ المُلك) ٣١١/١٩، وانظر النزهة: ١٤٧٨ / فَخْرُ المُلك. (٣) انظر السير: (رضوان) ٣١٥/١٩-٣١٦، وانظر النزهة: ٣/١٤٧٩. ٤٣٩ فجَمعَ حينئذْ عَساكرَه ، والْتَقاهُم في سَنةِ تِسْعينَ وأَرْبَع مئة ، وأشْرَفَ على النَّصْرِ ، ثم كَسَرَتْه الفِرَنْجُ ، وقُتِلَ من جُندِهِ خَلقٌ، وهَربَ واستغاثَ بمُلوك النَّواحي على ما دَهَمَ الإِسْلامَ، فَوَصَلَتْ كُتُبُه إلىْ حَلَبَ مُسخَمَة مُشَقَّقَة فيها بَعضُ شَعْرِ النِّساء، وانْزَعِجَ الخَلقُ، ثم تَوجَّهَت الفِرَنْجُ إلى الشَّام فكانوا أزْيَدَ من ثَلاثِ مئةِ ألفِ نَفْسٍ فعَاتُوا وأخْرَبُوا البلادَ ، وتَفَرَّقُوا، وكَسَهم الْمُسلِمونَ، وجَرَت فِتنٌ وحُروبٌ لا يُعبَّر عنها ، وأُخِذَت أَنْطاكيَّةُ بالسَّيفِ سَنَ إِحْدَى وتِسْعينَ وأرْبَع مئة ، وقُتلَ صاحِبُها وقُتْلَ أيضاً من كبار الفِرَنْجِ عَددٌ كثيرٌ ، وكان الأمْرُ إلى كندفري ، ثم إلى أخيه بغدوينَ وبيمَنْتِ ، وابنِ أخيه طنكل وصنجيل هؤلاء مُلوكُهم، ثم جاءَ الْمُسلمونَ نَجْدَةً لأنْطَاكِيَة وقد أُخِذَت ، فحارَبوا العَدوَّ أياماً، وانْتُصَروا وهَلكَ خَلقٌّ من العَدوِّ، وجاعُوا، وجَرَىُ غَيْرُ مَصافٍّ(١) . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَة الْمُسْتَظهِرِ بالله أبي العَبَّاس الهاشِمِيِّ العَبَّاسيِّ: وفي سَنةِ تِسْعٍ وخَمسِ مئة كان أوَّلُ ظُهورِ الفِرَنْجِ بالشَّامِ قَدِموا في بَخْرِ القُسْطَنْطينيّة في جَمعِ كَثِيرٍ ، وَانْزَعَجَتِ الْمُلوكُ، وعَظُم الخَطَبُ ، لاَ سيَّما ابنُ قُتلمش صاحِبُ الرُّومِ ، فالْتَّقاهم ، فطَحَنُوهُ(٢) . وأمَّا ابنُ الأثيرِ ، فقالَ : ابْتداءُ دَولَتِهِم في سَنةِ ثَمانٍ وسَبعينَ وأرْبَع مئة ، فأخَذوا ◌ُلَيْطِلَةَ وغَيرَها، ثم صقلية، وأخَذوا بَعضَ إِفْرِيقَة، وجَمَعَ مَلُكُهم بَغْدَوين جَمْعاً ، وبَعثَ يَقولُ لرُجَّارَ صاحِبٍ صِقليَة : أنا واصِلٌ إليكَ لنَفْتَحَ أفْرِيقَةَ فِبَعثَ يَقولُ : الأوْلَىُّ فَتْحُ القُدْسِ ، فَقَصَدوا الشَّامَ(٣) . وقِيلَ : إنَّ صاحِبَ مِصْرَ العُبَيْدِيَّ لَمَّا رأى قُوَّةَ آلِ سُلْجُوقَ واسْتيلاءَهم على الْمَمَالِك كاتَبَ الفِرَنْجَ(٤) . (١) انظر السير: (رضوان) ٣١٥/١٩-٣١٦، وانظر النزهة: ٤/١٤٧٩. (٢) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٩٠. (٣) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٩٠. (٤) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٣/١٤٩٠. ٤٤٠