النص المفهرس
صفحات 341-360
المَغْرِب، ثم على مصرَ والشَّامَ ، وسَبُّوا الصَّحابةَ(١). وحكى ابنُ السَّعْساعِ المِصْريّ ، أنَّه رأَىَ في النَّومِ أبا بَكْر بن النَّابُلسي بعدما صُلِبَ وهو في أحْسَنِ هَيْثَة ، فقال: ما فَعَلَ اللهُ بك ؟ فقال : (٢). ووَاعَدَني بقُرْبِ الإِنْتِصارِ حَباني مالِكي بدَوامٍ عِزّ وقرَّبَني وأذناني إليه وقالَ انْعَمْ بِعَيْشٍ في جِواري وذَكرَ الإمام الذهبي في تَرجَمَة الفَقيه الخَبُوْشانيُّ، وقالَ المُوَفَّقُ عبدُ اللطيف سَكَنَ السُّمَيْسَاطِيَّة، وعَرف الأميرَ نَجْمَ الدِّينِ أيُوبَ، وأخَاهُ ، وكان قَشَفاً في العَيشِ ، يابساً في الدِّينِ ، وكان يَقولُ : أصْعَدُ إلى مِصْرَ، وأُزيلُ مُلكَ بَنِي عُبَيْد اليهوديِّ ... ، إلى أنْ قالَ : فَنَزَلَ بالقاهِرَة ، وصَرَّحَ بِثَلَبِ أهْلِ القَصْرِ ، وجَعلَ سَبَّهم تَسْبِيحَه ، فحارُوا فيه ، فَنَفَذوا إليه بمَالٍ عَظيم قِيلَ : أَرْبَعة آلافِ دِينار ، فقالَ للرَّسُولِ : وَيْلَك ، ما هذه البدْعَةُ؟! فأعْجَلَه، فرَمَى الذَّهبَ بينَ يَديه ، فضَربَه وأنْزَلَه من السُّلَّم(٣). وماتَ العاضِدُ ، وَتَهِيَّبُوا الخُطْبَةَ لِبَنِي العَبَّاس، فوَقَفَ الخَبُوْشانيُّ بِعَصَاهُ قُدَّام المِنْبَرِ ، وأمَرَ الخَطيبَ بذلكَ، ففَعَل، ولمْ يَكُن إلَّ الخَيرَ ، وزُيِّنَت بَغْدادُ ولَمَّا بَنِى مَكَانَ الشَّافِعِيِّ ، نبش عظام ابن الكِيْزانِيِّ، وقالَ: لا يَكونُ صِدِّيقٌ وزِنْدِيقٌ معاً، فشَدَّ الحَنابِلَةُ عليه ، وتَلَبُوا، وصارَ بَيَنهُم حَمَلاتٌ حَربيّة وغَلِبَهم (٤) . (د) مَوْقِفُ العُلماء الضَّالين منها : التُّعْمان : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : العَلأَّمَةُ المَارِقُ، قاضي الدَّولَةِ العُبَيْدِيَّة، أبو حَنِيفَة الثُّعْمانُ بنُ محمَّد بنِ مَنْصُور المَغْربيُّ . (١) انظر السير: (الشَّهيد) ١٤٨/١٦ - ١٥٠، وانظر النزهة: ٣/١٢٧٦. (٢) انظر السير: (الشَّهيد) ١٤٨/١٦ - ١٥٠، وانظر النزهة: ٤/١٢٧٦. انظر السير: ( الخَبُوْشانيّ) ٢٠٤/٢١ -٢٠٧، وانظر النزهة : ٢/١٦١٢. (٣) (٤) انظر السير: (الخَبُوْشانيّ) ٢٠٤/٢١-٢٠٧، وانظر النزهة : ٣/١٦١٢. ٣٤١ كانَ مَالكِيَّاً، فَارْتَذَّ إلى مَذْهَبِ الباطِنِيَّة، وصَنَّفَ لهم أُسَّ الدَّعْوَةِ، ونَبَذَ الدِّينَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وأَلَّفَ في المَناقِبِ والمَثالِبِ، ورَدَّ على أئمَّةِ الدِّينِ ، وانْسَلخَ من الإسْلامِ ، فسُحْقاً له وبُعْداً . ونافَقَ الدَّولَةَ، لا بلْ وافَقَهم وكانَ مُلازِماً للمُعِزِّ أبي تَميم مُنْشِىء القاهِرَة . وله يَدٌّ طُولَىْ في فُنونِ العُلومِ والفِقْهِ والاخْتلافِ ، ونَفَسٌ طَويلٌ في البَحْثِ ، فَكَانَ عِلْمُه وَبالاً عليه . وصَنَّفَ في الرَّدِّ على أبي حَنِيفَة في الفِقْهِ ، وعلىُ مالكِ والشَّافِعِيِّ، وانْتُصرَ لِفِقْهِ أهْلِ البَيتِ ، وله كِتَابٌ في اخْتِلافِ العُلماءِ ، وكُتبُه كِبارٌ مُطوَّلة . وكانَ وَافِرَ الحِشْمَةِ، عَظيمَ الحُرْمَة، في أولادِهِ قُضَاةٌ وكُبَراءُ وانْتُقلَ إلى غَيْرِ رِضْوانِ الله، بالقاهِرَة سَنةَ ثلاثٍ وسِتِّينَ وثَلاثٍ مِنَةً(١). (هـ) انْتِهَاؤُها على يَدِ صَلاح الدِّين: قال الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة العَاضِدِ: تَلَاشَىْ أمْرُ العاضِدِ مع صَلاحِ الدِّين إلى أنْ خَلعَهُ، وخُطِبَ لبَنِي العَبَّاس واسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ بَنِي عُبَيْدٍ ومَحَقَ دَولَةَ الرَّفْضِ وكانُوا أرْبَعَةَ عَشرَ مُتَخلِّفاً لا خَليفَة ، والعاضِدُ في اللُّغَة أيضاً القاطِعُ، فكانَ هَذا عاضِداً لدَولَةَ أهْلِ بَيْتِه(٢) . قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرْجَمة صلاحِ الدِّين : وكان نُورُ الدِّينِ قد أَقَرِه ، وبَعَثَه في عَسْكَرِه مع عَمِّه أَسَدِ الدِّين شِيركُوه ، فَحَكَمَ شِيركُوه مِصْرَ ، فما لَبِثَ أنْ تُؤُفِّيَ ، فَقَامَ بَعْدَه صَلاحُ الدِّين ، ودَانَتْ له العَسَاكِرُ ، وقَهَرَ بني عُبَيْدٍ ، ومَحَا دَوْلَتُهُم واسْتَولَى على قَصْرِ القَاهِرَة بما حَوَى من الأَمْتِعَةِ والنَّفَائِس ، منها الجبلُ الياقُوتُ الذي وزْنُهُ سَبْعةَ عَشَرَ دِرْهَماً، قال مُؤَلِّفُ ((الكَامِلْ))، ابنُ الأَثِير: أنا رَأيْتُه ووَزَنْتُه. وخَلا القَصْرُ من أهْلِه وذَخَائِرِهِ ، وأقَامَ الدَّعْوَةَ العَبَّاسِيَّة . (١) انظر السير: (النُّعْمان) ١٦/ ١٥٠ -١٥١، وانظر النزهة: ١٢٧٧ / النُّعْمان. (٢) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥ -٢١٥، وانظر النزهة: ٣/١٢٢٠. ٣٤٢ وكان خَلِيقاً للإِمَارَةِ، مَهِيباً، شُجَاعَاً حَازِمَاً ، مُجَاهِداً كَثِيرَ الغَزْوِ ، عَالِيَ الهِمَّة ، كانت دَوْلَتُّه نَّفاً وعِشْرينَ سنةً . وتَمَلَّكَ بعدَ نُورِ الدِّين، واتَّسَعَتْ بلادُه. ومنذُ تَسَلْطَنَ، طَلَّقَ الخَمْرَ واللَّذاتِ، وأنْشَأَ سُوراً على القاهِرةِ ومِصْرَ (١) وبَعَثَ أَخَاه شَمْسَ الدِّين في سَنَةِ ثمانٍ وسِتِينَ ، فافْتَتَحَ بَرْقَةَ ، ثمَّ افْتَتَحَ اليَمَنَ وسَارَ صَلاحُ الدِّين ، فأخَذَ دِمَشْقَ من ابنِ نُورِ الدِّين(٢). ١٢ - الدَّوْلَة السَّامانيَّة: صَاحِبُ خراسان : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَة صَاحبٍ خُراسان : هو الأميرُ أبو إبراهيمَ، إسماعيلُ بنُ الملكِ أحمَد بنِ أسَدِ بنِ سامان بن نوح . كان مَلكاً فاضِلاً، عالِماً، فارساً، شُجاعاً، مَيْمونَ النَّقيبَة، مُعَظِّماً للعُلماءِ ، يُلقَّبُ بالأميرِ الماضي . أخَذَ عنه ابنُ خُزَيْمَة وغيرُه(٣) . قال ابنُ قانِعِ : سَمعتُ عيسى بنَ محمّد الطَّهمانيَّ، سَمعتُ الأميرَ إِسْماعيلَ يقولُ: جاءَنا أَبُونا بمؤدِّبٍ ، فعلَّمنا الرَّفْضَ ، فنِمتُ ، فرأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ومَعه أبو بكر وعُمر، رَضي الله عَنهما، فقال لي: (( لِمَ تَسُبُّ صَاحِبَيَّ؟)) فوقَفْتُ ، فقال لي بيَدِه فنَفَضَها في وَجْهي فانْتُبَهتُ فَزِعاً أرْتَعدُ من الحُمَّى، فَكُنتُ على الفِراشِ سَبعَة أشْهُر ، وسَقطَ شَعْري، فدخَلَ أخي ، فقال : أيش قِصَّتُك ؟ فأخْبَرَتُه، فقال : إِعْتَذِرْ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فاعتذَرتُ وتُبْتُ ، فما مَرَّ لي إلاَّ جُمُعَة حتى نَبَتَ شَعْري . (١) يعني فسطاط مصر، وكانت لفظة (مصر) وحتى اليوم تُطلَق على الفسطاط. (٢) انظر السير: (صلاحُ الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦١٩. (٣) انظر السير: (صاحب خُراسان) ١٥٤/١٤- ١٥٥، وانظر النزهة: ٢/١١٣٩. ٣٤٣ قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كان هو وَآبَاؤُه مُلوكَ بُخارَىُ وسَمَرْقَند ، وله غَزَواتٌ في التُّرْك ، وهو الذي ظَفِرَ بعَمرو بنِ اللَّيثِ وأسَره ، فجاءَه من المُعْتضِد التَّقليدُ بولاية خُراسان وما يَليها ، وكانت سَلطَنتُه مدّة سَبع سِنين . تُوفِّيَ بيُخارَى سنة خمس وتسعين ومئتين ، فتملَّكَ بعدَه ابنُه أحمد . وماتَ ابنُهُ السُّلطانُ أبو نَصْر أحمدُ سنةَ إحْدى وثلاثٍ مِثَة، قَتَلَه مَماليكُه ، ثم مَلَّكُوا وَلدَه نصراً، فدامَ ثلاثينَ عاماً، فأَحْسَنَ السِّيرَة، وعَظُمَتْ هَيبَتُه(١) . ١٣ - دَوْلَة بَنِي بُوَيْه: عِمَادُ الدَّولَة : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في ترجَمَتِهِ : هو السُّلطَانُ الكَبيرُ ، عِمادُ الدَّولَة، أبو الحَسَن ، عليٌّ بِنِ بُوَيْه بنِ فَتَّاخِسْرُو الدَّيْلَمي . صاحبُ مَمالِك فارس، وأخُو المَلكَين : مُعِزِّ الدَّولَة أحَمدَ، ورُكْنِ الدَّولَة الحَسَن، فكانَ عِمادُ الدَّولَة أوَّلَ مَنْ تَملَّكَ البلادَ بعدَ أنْ كانَ قائداً كبيراً من قُوَّاد الدَّيْلَم . وكانَ أبُوهُم بُوَيْه يَصْطَادُ السَّمَكَ ، ثم آلَ بأوْلادِهِ الأمْرُ إلى مُلْكِ البلادِ ثم تَملَّكَ من بَعْدُ العِمَادُ وَلَدُ أخيه عَضُد الدَّولَة بنُ رُكْن الدَّولَة . وكانت دَولَةُ العِمادِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنةً ، وعاشَ بِضْعاً وخَمسينَ سَنةً . تُوفِّيَ سَنةً ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ(٢) . ولَمَّا تَمَلَّكَ شِيرازَ، طالَبَه قُوَّادُه بالأمْوالِ، وثارُوا عَليه ، فاغْتَمَّ لذلك، واسْتَلقَىْ، فَرَأىْ حَيَّةً فِي السَّقْفِ ، فَفَزِعَ ودَعا الفرَّاشينَ فَنَصَبُوا سُلَّماً، فَوَجَدوا غُرِفَةً (١) انظر السير: (صاحب خُراسان) ١٥٤/١٤-١٥٥، وانظر النزهة: ٣/١١٣٩. (٢) انظر السير: (عِمادُ الدَّولة) ٤٠٢/١٥-٤٠٣، وانظر النزهة: ١٢٤١ / عمادُ الدولة. ٣٤٤ يُدخَلُ إليها، فأمَرَهُم بفَتْحِها ففُتِحَت ، فوَجَدوا فيها صَناديقَ فيها قَدرُ خَمسٍ مِئَة ألفٍ دِينارِ ، فَأَنْزِلَت، فَفَرِحَ، وأنْفَقَ في الجَيشِ(١) . ثم إِنَّ طَلبَ خَيَّطاً ليُفَصِّلَ له، وكان أُطْرُوشاً، فَفَزْعَ وجاوَبَه عمَّا لم يُسألَ عنه، وحَلفَ أنَّه لَيسَ عندَه سِوَى اثنَيْ عشرَ صُندوقاً وَديعَة فَتَعَجَّبَ عِمَادُ الدَّولَة، وأُحْضِرَت إليه ، فإذا فيها أمْوالٌ وثيابٌ وديباجٌ فكانَ ذلكَ من سَعادَتِهِ المقْبِلَة ، ولا عَقِبَ له(٢). مُعِزُّ الدَّوْلَة : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في ترجَمتِهِ : هو السُّلطانُ، أبو الحُسَين ، أحمدُ ابنُ بُوَيْه بنُ فَنَّاخسْرُو الذَّيْلَمِيُّ الفَارِسيُّ، قد ساقَ نَسَبَه ابنُ خَلِّكان إلى كِسْرَى بَهْرام جُور فاللهُ أعْلم(٣) . كان أبوهُ سَمَّاكاً، وهذا رُبَّما احْتَطَبَ ، تَملَّكَ العِراقَ نَيفاً وعِشرينَ سَنةً ، وكان الخَليفَةُ مَقْهوراً معه ، وماتَ مَبْطوناً فعَهدَ إلى ابنِهِ عِزِّ الدَّولَة بَخْتِيار ، وكان يَتشيَّع ، فقيلَ : تابَ في مَرضِه، وتَرضَّى عن الصَّحابَة ، وتَصدَّقَ، وأعْتقَ ، وأراقَ الخُمورَ ونَدِمَ على ما ظَلمَ، ورَدَّ المَواريثَ إلى ذوي الأرحام وكان يُقالُ له : الأقْطَع طارَت يَسارُه في حَربٍ ، وطارَت بَعضُ الْيُمْنَى، وسَقطَ بين القَتَلَى ثم نَجا، وتَمَلَّكَ بَغدادَ بلا كُلِفَة ودانَت له الأُمَمُ ، وكان في الابتداءِ تَبعاً لأخيه المَلكِ عِمادِ الدَّولَة . ماتَ سنةَ سِتٍّ وخَمسينَ وَثَلاثٍ مِئَة ، وله ثَلاثٌ وخمسونَ سَنةً . وقد أنشأ داراً غَرم عليها أرْبَعين ألفَ ألفِ دِرْهم فبقيَت إلى بعدِ الأرْبَع مئة ونُقُضَت ، فاشْتروا جَرْدَ ما في سُقوفِها من الذَّهَب بثَمانِيَةِ آلافٍ دِينار (٤) . انظر السير: (عِمادُ الدَّولة) ٤٠٢/١٥ -٤٠٣، وانظر النزهة : ١/١٢٤٢. (١) (٢) انظر السير: (عِمادُ الدَّولة) ١٥/ ٤٠٢-٤٠٣، وانظر النزهة: ١/١٢٤٢. (٣) انظر السير: ( مُعزُّ الدَّولَة) ١٨٩/١٦ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٨٣. (٤) انظر السير: (مُعزُّ الدَّولة) ١٨٩/١٦ -١٩٠، وانظر النزهة: ٣/١٢٨٣. ٣٤٥ عَضُد الدَّوْلَة : قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرجَمَتِهِ: هو السُّلطانُ، عَضُد الدَّولَةَ، أبو شُجاع ، فَنَّاخسْرُو، صاحبُ العِراقِ وفَارِسَ ، ابنُ السُّلطانِ رُكنِ الدَّولَة حَسَنِ بنِ بٌوَيْه الدَّيْلَميُّ . تَمَلَّك بفارِسَ بعدَ عَمَّه عِمادِ الدَّولَة ثم كثُرت بلادُه واتَّسعَت مَمالكُه وسارَ إليه المُتَنَبِّي ومَدحَه، وأخَذَ صِلاتَه . قَصَدَ عَضُدُ الدَّولَة العِراقَ، والْتَّقَى ابنَ عَمِّه عِزَّ الدَّولَةَ وقَتلَه وتَمَلَّك، ودانَت له الأُمَمُ . وكانَ بَطلاً شُجاعاً مَهيباً، نَحْوِيّاً، أديباً، عَالِماً، جَبَّاراً عَسُوفاً، شَديدَ الوَطْأَةُ(١) . وكانَ يَقولُ الشِّعْرَ ، فقالَ أبياتاً كُفْرِيَّةٍ(٢): وغِناءٍ مِن جَوارٍ في السَّحَرْ لَيسَ شُربُ الرَّاحِ إلاَّ في المَطَر سَاقياتِ الرَّاحِ مَنْ فاق البَشَرْ مُبْرزات الكَأسَ من مَطْلَعِهَا مَلِكَ الأَمْلاكِ غَلَّبَ القَدَرْ عَضُدَ الدَّوْلَة وابنَ رُكْنِها نُقُلَ أنَّه لَمَّا اخْتُضِرَ ما انْطَلقَ لسَانُه إلاَّ بقَولِهِ تَعالَى: ﴿مَآ أَغْنَى عَنِّ مَالِيَه ◌ِشَ ◌َ هَلَكَ عَنِّ سُلْطَنِيَةٍ﴾(٣) وماتَ بِعِلَّة الصَّرَع، وكان شِيعيّاً جَلَداً أظْهَرَ بالنَّجَفِ قَبْراً زَعَمَ أنَّ قَبرُ الإمام عَليٍّ رضي الله عنه، وبَنَى عَليه المَشْهَدَ ، وأقامَ شِعارَ الرَّفْضِ، ومأتَمَ عَاشُوراءَ ، والاعْتِزِالَ . تَمَلَّكَ العِراقَ خَمسَةَ أعْوامٍ ونِصْفاً ، وما تلقى خليفة ملكاً من قُدومِه قَبلَه . ماتَ سَنَ اثْنَين وسَبعينَ وثَلاثِ مثَّة ببَغْدادَ وعُملَ في تابُوت ، ونُقُلَ فدُفنَ بِمَشْهَدٍ (١) انظر السير: (عَضُد الدَّولة) ٢٤٩/١٦-٢٥٢، وانظر النزهة: ٣٢/١٢٩٢. (٢) انظر السير: (عَضُد الدَّولة) ٢٤٩/١٦ -٢٥٢، وانظر النزهة: ٣/١٢٩٢. (٣) سورة الحاقة، الآيتان: ٢٨، ٢٩. ٣٤٦ النَّجَفِ، وعاشَ ثَمانياً وأرْبَعِينَ سَنةً وقامَ بعدَه ابنُه صَمْصَامُ الدَّولَةِ وحَلفُوا له . وقلَّدَه و(١) الطَّائعُ(١). قالَ عبدُ الله بنُ الوَليد : سَمعتُ أبا محمّد بنَ أبي زَيْد يَسألُ ابنَ سَعْدي لَمَّا جاءَ من الشَّرقِ: أَحَضَرْتَ مَجالسَ الكَلامِ ؟ قالَ: مَرَّتَيْنِ ولَمْ أعُدْ ، فأوَّلُ مَجْلس جَمعوا الفِرَقَ من السُّنَّةَ والمُبْتَدعَة واليَهودِ والنَّصَارَى والمَجُوسِ والدَّهْرِيَّة ولَكُلِّ فِرْقَة رَئيسٌ يَتَكلَّمُ ويَنصُرُ مَذْهَبَه ، فإذا جاءَ رَئيسٌ قامَ الكلُّ له فيَقولُ واحدٌ: تَنَاظَروا ولا يَحْتَجَّ أحدٌ بكتابِه ، ولا بنَبِّه ، فإنَّا لا نُصدِّقُ بذلك ولا نُقِرُّ به ، بلْ هاتوا العَقلَ والقِياسَ ، فلمَّا سَمعتُ هذا لمْ أعُدْ ، ثم قِيلَ لي : ها هُنا مَجلسٌ آخَرُ للكَلامِ ، فذهبتُ فَوَجَدتُّهم على مثلِ سِيرَةِ أصْحابِهِم سَواء ، فجَعلَ ابنُ أبي زَيْد يَتعجَّبُ وقالَ: ذَهبتِ العُلماءُ ، وذَهَبَتْ حُرْمَةُ الدِّين(٢) . قال الإمامُ الذهبيُّ : فَنَحْمِدُ اللهَ على العافية ، فلقد جَرَى على الإسْلام في المئة الرابعَة بَلاءٌ شَدِيدٌ بالدولَةِ العُبَيَديَّة بالمَغرب ، وبالدولَة البُونِهِيَّة بالمَشْرق ، وبالأغْرابِ القَرامِطَة ، فالأمر لله تعالى(٣). وكانَ مُلكُ بَنِي بُوَيْه في خِلافَة القائم ضَعيفاً بحَيثُ إنَّ جَلالَ الدَّولَة باعَ من ثيابِهِ المَلْبُوسَة بَبَغْدادَ ، وقلَّ ما بَيَدِهِ ، وخَلت دارُه من حاجِبٍ وفَرَّاش، وقُطِعَت النَّوْبَةُ على بابِهِ لذَهابِ الطّالين، وثارَ عليه جُندُه ثم كاشروا له رَحمةً، ثم جَرت فِتنةُ البَساسيريِّ، ثم بدَت الدَّولَةُ السُّلْجوقيّة، وأوَّلُ ما مَلكوا خُراسانَ ، ثمَّ الجَبلَ ، وعَسَفوا ونَهَبوا وقَتْلُوا ، وفَعَلُوا القَبائحَ - وهم تُرِكُمان . وفي سنة أربعين غَزا يَنال الشُّلْجوقِيُّ أخو طُغْرُلْبَك بجُيوشِه ، ووَغلَ في بلادِ الرُّومِ وغَنمَ ما لا يُعَبَّر عنه، وكانت غَزْوَةً مَشْهودَةً وَفَتْحاً مُبيناً فهذا هو أوَّلُ اسْتيلاءِ آلِ سُلْجُوق مُلوكِ الرُّومِ على الرُّومِ ، وفي هذا الحين خَطب مُتولِّي القَيْرَوان المُعِزُّ بنُ (١) انظر السير: (عَضُد الدَّولَة) ٢٤٩/١٦-٢٥٢، وانظر النزهة: ١/١٢٩٣. (٢) انظر السير: (عَضُد الدّولَة) ٢٤٩/١٦ -٢٥٢، وانظر النزهة: ١٢٩٣ /٢. (٣) انظر السير: (عَضُد الدَّولَة) ٢٤٩/١٦-٢٥٢، وانظر النزهة: ١٢٩٣ /٣. ٣٤٧ باديس للقائمِ بأمرِ الله وقَطَعَ خُطبَة العُبَيْدِيَّة، فَبَعثوا من حارَبه ، فَتَمَّت فُصولٌ طَوِيلَةٍ(١) . وفي سَنة سَبعٍ وأرْبَعين وأرْبَعمائة قَبَضَ طُغْرُلْبَك على المَلكِ الرَّحيمِ ، وانْقَضَت أيامُ بَنِي بُوَيْه ، وكانَ فيها دُخولُ طُغرلبك بَغْدادَ ، وكانَ يوماً مَشْهوداً، بين يدَيه ثَمانيةَ عَشرَ فيلاً مُظْهِراً أنَّه يَحُجُّ، ويَغْزو الشَّامَ ومِصْرَ ، ويُزِيلُ الدَّولَة العُبَيدِيَّة(٢). ١٤ - الدَّوْلَةِ الغَزْنَويَّة : المَلِكُ سُبُّكتِكين : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمتِهِ : صاحب بَلْغ وغَزْنَةَ وغير ذلك مات سنةَ سَبع وثمانين وثلاثٍ مئة . كانت دَولتُه نَحواً من عشرين سنة، وكان فيه عَدلٌ وشَجاعَة ونُبُلٌ مع عَسْف ، وكَونُهُ كرَّامياً ، ولَمَّا أخذَ طُوسَ أخْرَبَ مَشْهَدَ الرِّضا، وقَتلَ مَنْ يَزِورُه ، فلمَّا تَملَّكَ ابنُهُ مَحْمودٌ ، رَأىَ في النَّومِ عَليّاً رضي الله عنه وهو يَقولُ : إلى كَمْ هذا؟ فبَنَى المَشْهَدَ ورَدَّ أوقافَه إليه ، عَهِدَ بَالمملَكَة بعدَه إلى ابنِهِ إسْماعيلَ، ولَمْ يُقدِّمْ مَحْموداً وهو كان الأسَنُّ فَتَحارَبَ الأخَوان، وإنْهزَمَ إسْماعيلُ، فَتَحصَّنَ بِقَلَعَةِ غَزْنَةَ ، ثم إنَّه نَزَلَ بالأمَانِ إلى أخيه بعد أشْهُرٍ ، فأمَّنَه وتمَكَّنَ مَحمودٌ السلطانُ(٣). محمودُ بنُ سُبکتِکین : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمتِهِ : الملكُ يَمِينُ الدوْلَة ، فَاتِحُ الهِنْدِ ، أبو القاسِم ، مَحْمودُ بنُ سَيِّد الأُمَراءِ ، ناصِرُ الدولَةِ سُبُكْتِكين ، التُّرْكيُّ، صاحبُ خُراسان والهِنْد وغير ذلك . فَرضَ على نفسِه كلَّ سَنةٍ غَزْوَ الهِندَ ، فَاقْتَتَحَ بلاداً شاسِعَةً . (١) انظر السير: (القائم) ٣٠٧/١٨-٣١٨، وانظر النزهة: ٤/١٤١٦. (٢) انظر السير: (القائم) ٣٠٧/١٨ -٣١٨، وانظر النزهة: ٤/١٤١٧. (٣) انظر السير: (الملك سُبكتِكين) ٤٩٩/١٦-٥٠٠، وانظر النزهة: ١٣٠٨/ الملك سُبكتِكين. ٣٤٨ وكان السُّلطانُ مائلاً إلى الأثَرِ إلاَّ أنَّه من الكَرَّامِيَّة(١). قال أبو النَّضرِ القاميُّ: لمَّا قَدمَ التَّاهَرْتِيُّ الدَّاعي من مصرَ على السلطان يدعوهُ سراً إلىْ مَذْهَب الباطنيَّة ، وكان التَّاهَرْتِيُّ يركبُ بَغْلاً ، يتلوَّن كل ساعة من كل لون ، ففهم السلطان سرَّ دَعوتهم ، فغَضبَ، وقَتَلَ التَّهَرْتِيَّ الخَبيث، وأهْدى بَغْلَه إلى القاضي أبي منصور محمد ابن محمد الأزْدي ، شَيخ هراة ، وقال : كان يركبُه رأسُ المُلْحِدين ، فليَرْكبْه رأسُ المُوَحدِّين(٢). وذكرَ إِمامُ الحَرمَين أنَّ مَحمودَ بنَ سُبَكْتكينَ ، كانَ حَنفيّاً يُحبُّ الحَديثَ فوَجدَ كثيراً منه يُخالفُ مَذهبَه، فجَمعَ الفُقهاءَ بمَرْوَ، وأمَرَ بالبَحثِ في أيُّما أقْوَى مَذْهَبُ أبي حَنِيفَة أو الشَّافعيِّ قالَ : فوَقعَ الاتِّفاقُ على أنْ يُصلُوا رَكْعَتين بينَ يدَيه على المَذْهَبَين، فصَلَّى أبو بَكْر القَفَّلُ بُوُضُوءٍ مُسْبَغ وسُتْرَةٍ وطَهَارَةٍ وقِبْلَة وتَمام أرْكان لا يُجَوِّزُ الشَّافعيُّ دُونَها، ثم صَلَّىُ صَلاة على ما يُجَوِّزُه أبو حَنِيفَة ، فَلَبِسَ جِلْدَ کلبٍ مَذْبوغاً قد لُطُّخَ رُبعهُ بنَجاسَة ، وتَوضَّأ بنَبِيذٍ ، فَاجْتَمعَ عليه الذبَّانُ، وكان وُضُوءاً مُنكساً ، ثم كبَّرَ بالفَارِسِيَّة وقَرأَ بالفَارِسِيَّةَ: دَوْبَرْكك سَبْزِ(٣)، ونَقْرَ ولَمْ يَطمَئنَّ ولا رَفَعَ من الرُّكوعِ، وتَشْهَّدَ ، وضَرَطَ بلا سَلام فقالَ له : إنْ لَمْ تَكُنْ هذه الصَّلاةُ يُجِيزُها الإمامُ ، قَتَلتُك فأنْكَرَتِ الحَنيَّقةُ الصَّلاةَ ، فأمَرَ القَفَّالُ بإحْضارِ كتُبهم ، فوُجدَ كذلك ، فَتَحوَّلَ مَحمُودٌ شافعيّاً هكَذا ذَكرَه الإمامُ أبو المَعالي بأطْوَلَ منَ هْذَا(٤)، (٥). (١) انظر السير: (السُّلطان) ١٧/ ٤٨٣-٤٩٥، وانظر النزهة: ١/١٣٥٢. (٢) انظر السير: (السُّلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٥٢. (٣) والمعنى: ورقتان خضراوان، وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿مُدْهَامَتَانِ﴾، انظر ((وفيَّات الأعيان)) (١٨٢/٥)، و(( المعجم الذهبي)) فارسي/ عربي. (٤) في (( مُغيث الخَلق في اختيار الأحق))، ونقله عنه ابن خلّكان في ((وفيّات الأعيان)) (١٨٠/٥، ١٨١)، وهذه الحكاية التي يغلب على الظن أنها ملفقَّة مُفتَراة تُنبىء عن ذميم التعصُّب الذي يفعل أفاعيله في النفوس ، فيحملها على الكراهية، وعرض رأي المخالف عرضاً مُشوَّهاً مَبْتوراً، والإغضاء عن فضائله الكثيرة ، ومحاسنه الجَمَّة ، وكان على إمام الحرمين أن يسلُك مع مخالفيه سبيل أهل العلم والعرفان ، ويناقشهم بالحُجَّة والبرهان، ويصون كتابه عن مثل هذا الهُراء والهَذَيان. (٥) انظر السير: (السُّلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٥٢. ٣٤٩ وقالَ عبدُ الغافِرِ الفارِسيُّ في تَرَجَمَة مَحْمود : كانَ صَادِقَ النِّة في إِعْلَاءِ الدِّين مُظفَّراً كَثِيرَ الغَزْوِ ، وكانَ ذَكياً بَعيدَ الغورِ ، صائبَ الرَّأْىِ ، وكان مَجلِسُه مَوْرِدَ العُلماءِ وقَبرُه بغَزْنَة يُزارُ . مَوْلدُ مَحْمود في سَنةِ إِحْدَى وعِشْرِينَ وأَرْبَع مِئَة . وماتَ بِغَزْنَةَ ، سَنةَ إِحْدَى وعِشْرِينَ وأَرْبَع مِئَةٍ(١). وكانت غَزَواتُ السُّلطان مَحْمود مَشْهورَةً عَديدةً وفُتُوحاتُه المُبْتَكَرَة عَظيمَةٌ(٢). وبَلَغَ الشُّلطانَ أنَّ الهُنودَ قالوا : أَخْرَبَ أكثرَ بلادِ الهِنْدِ غَضَبُ الصَّنَمِ الكبيرِ سُومَنات على سائِرِ الأصْنامِ ومَنْ حَوْلَها ، فعَزَمَ على غَزْوِ هذا الوَثَنَ ، وسَارَ يَطوِي القِفَارَ في جَيشِه إليه ، وكانَوا يقُولونَ: إنَّه يَرْزُقُ ويُحْيِي ويُميتُ ويَسْمَعُ ويَعِي، يَحُُّون إليه ويُتْحِفُونَه بالنَّفَائِس ، ويَتَغَازَلُون فيه كثيراً، فَتَجَمَّعَ عند هذا مالٌ يَتَجَاوَزُ الوَصْفَ ، وكانوا يَغْسِلُونَه كلَّ يومٍ بماءٍ وعَسَلٍ ولَبَن ، ويَنْقُلُونَ إليه الماءَ من نَهْرِ حيل مَسيرَةَ شَهرٍ ، وثلاثٍ مِئَةٍ يَحْلِقُونَ رُؤُوسَ حُجَّاجِه ولِحَاهُم ، وثلاثُ مِئَةٍ يُغَنُّونَ فِسَارَ الجَيشُ من غَزْنة، وقَطَعُوا مَفَازَةٌ صَعبَةً وكانوا ثلاثينَ ألفَ فارسِ وخَلْقاً من الرَّجَّالَةِ والمُطوِّعَة ، وقَوَّى المُطوِّعَةَ بخَمْسِينَ ألفَ دينارٍ ، وأَنْفَقَ في الجَيْشِ فَوقَ الكِفَايَةِ ، وارْتَحَلَ من المُليا ثانِيَ يوم الفِطْرِ سنةَ أرْبَعمائة وستَّةَ عَشَر، وقاسُوا مَشَاقَّ وبَقُوا لا يَجِدُونَ الماءَ إلَّ بعدَ ثلاثٍ، غَطَّاهُم في يومٍ ضَبَابٌ عظيمٌ ، فقالت الكَفَرَةُ : هذا من فِعْلِ الإِلَهِ سُومَنات . ثُمَّ نازَلَ مدينةَ أَنْهَلْوَارَة، وهَرَبَ مِلِكُها إلىْ جَزِيرَةٍ ، فَأَخْرَبَ المُسلِمُونَ بِلَدَه ، ودَكُّوها، وبينَها وبَيْنَ الصَّنَمِ مَسِيرَةَ شَهرٍ في مَفَاوِزَ ، فَسَارُوا حتىْ نَازَلُوا مدينةً دَبُولوارة ، وهي قَبْلَ الصَّنَمِ بيَوْمَيْن، فَأُخِذَّت عُنْوَةَ، وكُسِرَتْ أصْنَامُهَا، وهي كثيرةٌ الفَوَاكِه، ثمَّ نَازَلُوا سُومَنات في رابعٍ عَشَرَ ذي القِعدَة ، ولها قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ على البحرِ ، فوَقَعَ الحِصَارُ فَنُصِبَتِ السَّلَالِمُ عليها ، فهَرَبَ المُقاتِلَةُ إلى الصَّنَمِ وتَضَرَّعُوا له ، واشْتَدَّ (١) انظر السير: (السُّلطان) ١٧/ ٤٨٣ -٤٩٥، وانظر النزهة: ١/١٣٥٣. (٢) انظر السير: (السُّلطان) ١٧/ ٤٨٣-٤٩٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٥٣. ٣٥٠ الحالُ وهم يَظُنُّون أنَّ الصَّنَمَ قد غَضِبَ عليهم ، وكان في بيتٍ عظِيمٍ مَنِيعٍ على أبْوَابِهِ السُّتُورُ الدِّيبَاجُ وعلى الصَّنَمِ من الحُليِّ والجَوَاهِرِ ما لا يُوصَف والقَنَادِيلُ تُضِيءُ ليلاً ونهاراً ، على رَأسِه تاجٌ لا يُقَوَّمُ، يَنْدَهِشُ منه النَّاظِرُ ويَجْتَمِعُ عندَه في عِيدِهمْ نَحْوَ مِئَةٍ ألفِ كافِرٍ ، وهو علىُ عَرْشٍ بَدِيعِ الزَّخْرَفَةِ عُلُوَّ خَمسِةِ أَذْرُعٍ، وطُولُ الصَّنَمِ عَشرَةَ أَذْرُعٍ ، وله بَيْتُ مالٍ فيه من النَّفَائِسِ والذَّهَبِ ما لا يُحْصَى ، فَفَرَّقَ مَحمُودٌ في الجُنْدِ مُعْظَمَ ذلك، وزَعْزَعَ الصَّنَمَ بالمَعَاوِلِ ، فخَرَّ صَرِيعاً ، وكانت فِرِقَةٌ تَعْتَقِدُ أنَّه مَنَاتَ ، وأنَّ تَحَوَّلَ بنفسِه في أيَّامِ النُّبُوَّةِ من سَاحِلِ جُدَّة ، وحَصَلَ بهذا المَكَان لِيُقْصَدَ ويُحَجَّ إليه مُعَارَضَةً للكَعْبَةِ ، فَلَمَّا رَآهُ الكُفَّارُ صَرِيعاً مَهِينَاً ، تَحَسَّرُوا وسُقِطَ في أيدِيهِم ، ثمَّ أُحْرِقَ حتىْ صَارَ كلساً ، وأُلْقِيَت النِّيرَانُ فِي قُصُورِ القَلْعَة ، وقُتِلَ بها خَمسُونَ ألفاً ، ثمَّ سارَ مَحمُودٌ لِأَسْرِ المَلِكِ بهيم ، ودَخَلُوا بالمَرَاكِبِ ، فَهَرَبَ، وافْتَتَحَ مَحمُودٌ عِدَّةَ حُصُونٍ ومَدَائِنَ ، وعادَ إلى غَزْنَة فدَخَلَها في ثامِنٍ صَفَرَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، ودَانَتْ له المُلُوكُ ، فكانت مُدَّةُ الغَيْبَةِ مِنَّةً وثلاثَةً وستِّينَ يوماً . وقد خُطِبَ له بالغُورِ وبخُراسَان والسِّنْدِ والهِنْدِ وناحِيَةٍ خَوَارِزْم وبَلْخ ، وهي من خُرَاسَان، وبجُرجان وطَبَرِستان والرَّيِّ والجِبَال، وأصْبَهَان وأذْرَبِيجان وهَمَذَان وأرْمِينية . وكان مُكْرِماً لأُمَرَائِهِ وأصْحابِهِ ، وإذا نَقَمَ عَاجَل ، وكان لا يَفْتُرُ ولا يَكَادُ يَقِرُّ وكان يَعْتَقِدُ في الخَلِيفَةِ ، ويَخْضَعُ لجَلالِه، ويَحْمِلُ إليه قَنَاطِيرَ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ ، وكان إِلْباً على القَرَامِطَة والإِسْمَاعِيلِيَّةِ وعلى المُتَكلِّمين ، علىُ بِدْعَةٍ فيه فيما قَبْل ، ويَغْضَبُ للكرّاميّة ، وتَصَرُّفه على الأخْلاقِ الزَّكيَّة، وكان فيه شِدَّةُ وَطْأةٍ على الرَّعِيَّة ، ولكن كانوا في أَمْنٍ وإِقامَة سِياسَة . وقال مَحمُودُ يوماً للأميرِ أبي طاهِرِ السَّامانيّ : كَمْ جَمَعَ آبَاؤُك من الجَوْهَرِ ؟ قال : سَمعتُ أنَّه كان عند الأميرِ الرَّضي سَبْعَةُ أَرْطالٍ فسَجَدَ شُكراً وقال : أنا في خِزَانَتِي سَبْعُون رَطْلاً(١). (١) انظر السير: (السُّلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٥٣. ٣٥١ أُحضر إلى محمودٍ بغزنَةَ شَخصان من النَّسْناس من بادية بلاصيغون وهي مَملكة قدرخان ، وعَدْوُ النَّسْناسِ في شِدَّةِ عَدْوِ الفَرَس ، وهو في صُورة آدَمَيّ ، لكنَّه بدنه مُلَّس بالشَّعْرِ، وكلامُه صَفيرٌ، ويأكُلُ حَشيشاً، وأهلُ تلكَ البلادِ يَصطادُونَهم ، ويَأْكُلُونَهم فسَألَ مَحْمودُ الفُقَهاءَ عن أكل لحمِهم ، فنَهَوا عنه (١) . صَاحبُ غزنة : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السلطان فرُخْزاد بنُ السُّلطان مَسْعود بنِ السُّلطان الكَبير مَحْمودُ بنِ سُبُكْتِكِين . كان ملكاً سَائساً ، مَهيباً شجاعاً، مُتَسعَ المَمالك، هَجمَ عليه مَماليكُه الحَمَّامَ ، فكان عنده سَيفُه، فشَدَّ عليهم، وسَلِمَ وأدْرَكَه الحَرسُ ، وقَتلوا أولئكَ ، ثم صارَ بعدُ يُكثرُ من ذِكْرِ المَوْتِ ويَزْهَدُ في الدنيا فأخَذَه قَوْلَنْجٌ في سَنة إحْدَى وخَمسينَ وأرْبَع مئة ، فماتَ وتَملَّك أخوهُ إبراهيمُ فجاهَدَ ، ونَشَرَ العَدْلَ ، وفَتَحَ قِلاعاً من الهِنْدِ (٢) . (١) انظر السير: (السُّلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ١/١٣٥٥. (٢) انظر السير: (صاحبُ غَزْنَةٌ) ١٣٣/١٨ -١٣٤، وانظر النزهة: ١٣٩١ - ١٣٩٢ / صاحبُ غَزْنَةَ. ٣٥٢ ١٥- الدَّوْلَةُ الإِخْشِيذَّة الإخْشِيذ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : صاحبُ مِصْرَ الملك، أبو بكر مُحمَّدُ بنُ طُغْجِ بنِ جُفِّ بنِ خَافَانَ الفَرْغَانِيُّ التُّرْكِيُّ وَلِيَ مِصْرَ سنة إحدى وعشرين (١)، ثم دمَشْقَ مُضافاً إلىْ مِصْرَ من قِبَل الرَّاضي . والإخْشِيذُ بالتُّركيِّ مَلكُ المُلوك . صار طُغْج من كبار قُوَّاد ثُمَارَوَية ، ثم سارَ إلى بَغْدادَ فعَظَّمُوه فبدا منه كِبْرٌ وتيهٌ في حَقِّ الوزير ، فسُجنَ هو وابنُه هذا ، فماتَ في السِّجْنِ ثم أُطْلِقَ محمدٌ وجَرَت له أمُورٌ طَويلة إلى أن تَمَلَّك . وكان بطلاً، شُجاعاً، حَازماً، يَقِظاً، مَهيباً، سَعيداً في حُروبِهِ ، مُكْرِماً لأجْنادِهِ ، شَديد الأيد (٢)، لا يَكادُ أن يَجُرَّ أحَدٌ قَوْسَه . بَلِغَ عدَّة مَمَالِيكِه ثمانية آلاف وله جَماعَةُ أوْلادٍ تَملَّكُوا بعدَه . تُوفِّيَ بدِمَشْقَ، سنةَ أربع وثلاثين وثلاث مئة عن سِتٍّ وستِّينَ سَنة ثم نُقِلَ ، فَدُفِنَ بَيْتِ المَقْدِسِ غَفَرَ اللهُله . وقد حارَبَه ابنُ رائق فهَزَمَه الإخْشيذُ ، ثم سار أخو الإِخْشيذِ ، فالْتَّقَى ابنَ رائق فقُتلَ فنَدِمَ ابنُ رائق، وبعَثَ ابنَه مُزاحماً إلى الإْشِيذِ ليَقتُلَه بأخيه، فعَفَا، وخَلعَ على مُزاحِم ، ورَدَّه إلى أبيه(٣) . (١) هذه ولايته الأولى، ودامت اثنين وثلاثين يوماً ولم يدخل مصر فيها ، أما ولايته الثانية والتي دامت إلى أن مات فكانت سنة ٣٢٢هـ . (٢) الأيد : القوَّة . (٣) انظر السير: (الإخشيذ) ٣٦٥/١٥-٣٦٦، وانظر النزهة: ١٢٣٦ / الإخْشِيذ. ٣٥٣ (١٦) دَوْلَةُ الطَّوَائف دَوْلَةُ الطَّوَائِف وتَأْثِيرُها في غَلَبَةِ الصَّليبيِّين على بلاد الأتْدَلُس: (أ) القَاسِمُ بنُ حَمُّود بن مَيْمون : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : الإدريسيُّ، والي إمْرَة الأَنْدَلُسِ بعد مَقْتلِ أخيه عليٍّ بنِ حَمُّود سنة ثمانٍ وأرْبَع مثَة . وكان هادئاً سَاكناً ، أمِنَ النَّاسُ مَعَه، وكان يَتشيَّعُ قَليلاً ، فبقيَ في المُلْك إلى سَنة اثنتي عَشْرة وأرْبَع مئة ، في رَبيع الأوَّل ، فخَرجَ عليه ابنُ أخيه يَحْيَىُ بنُ عَليٍّ بنِ حَقُّود المُعْتَلِي ، فَهَربَ القَاسمُ من غَير قِتال إلى إشْبِيلِيَّةٍ، فاسْتمالَ البَرْبَرَ، وَجَمعَ وحَشَدَ ، وجاءَ إلىْ قُرْطُبَة فهَربَ منه المُعْتَلي ثم اضْطَربَ أمرُ القاسم بعد قَليل، وخَذَلَه الْبَرْبَرُ، وتَفوَّقُوا في سنة أرْبَع عشرَة وأرْبَع مئة ، وتَغَلََّت كُلُّ فِرْقَة على بَلَدٍ من الأَنْدَلُسِ ، وجَرَت خُطوبٌ وأمُورٌ يَطولُ شَرحُها وتَفرَّقَتِ الكَلمَةُ، وصَارَ في الأنْدَلُسِ عِدَّهُ مُلوك . وصارَ الأمْرُ في غايَةِ الأُخْلُوقَة ، اجْتمَعَ في الوقْت أربعة يُدْعَوْنَ بأميرِ المؤمنين في رُقْعَةٍ من الأَنْدَلُسِ ، مِقْدَارُ ما بينهم ثَلاثُون فَرْسَخاً في مِثْلِها وغَلبَ على كُلِّ قُطْرٍ مُتَغَلِّبٌ تَسَمَّى بالمَأمونِ، ومنهم مَنْ تَسَمَّى بالمُعْتَصِم، وَآخَرُ بالمُتَوَكِّل، حتى قال الحَسنُ بنُ رَشيق : (١) . سَمَاعُ مُعْتَصِمٍ فيها ومُعْتَضِدٍ مِمَّا يُزَهِّدُنِي في أرْضٍ أَنْدَلُسٍ كَالْهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخاً صَوْلَةَ الأَسَدِ أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهَا وقال الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجِمَة ابنِ عَبَّاد : قالَ ابنُ حَزْمِ : فَضِيحَةٌ! أرْبَعةُ رجال في مَسافَةٍ ثَلاثَة أيَّامٍ يُسَمَّوْنَ أمير المؤمنين في وَقْت ، أحَدُهم خَلَفُ الحصريُّ بإشْبیلیّة على (١) انظر السير: (القاسمُ بن حَقُّود بن مَيْمون) ١٣٦/١٧، وانظر النزهة: ١٣٣٠ / القاسم ابن حَمُّود بن ميمون . ٣٥٤ أنَّه المؤيّدُ بالله، والثاني مُحمَّدُ بنُ القاسِم الإدريسيُّ بالجَزيرَةِ الخَضْراء ، والثالثُ محمَّدُ بنُ إدريس بنِ عَلَيّ بنِ حَقُّود بمَالِقَة ، والرابعُ إدريسُ بنُ يَحْيَى بِنِ عَليّ بنِ حَقُّود بشَنْتَرين فهذه أُخْلوقَةٌ لِمْ يُسْمَع بِمِثِلِها !! (١) . ( ب) المَأْمُون : قالَ الإِمامُ الذهبيُّ في تَرْجَمَة المَأْمُون مَلِكِ طُلَيْطِلَة ، أبو زكريّا ، يَحْيَى بنُ صاحبِ ◌ُلَيْطِلَةَ الأميرِ إسْماعيلَ بنَ عبدِ الرَّحمَانِ بنِ عَامِرْ الهَوَّاريُّ ، الأنْدِلُسيّ. اسْتَوْلَى أَبُوهُ على البَلَدِ بعدَ العِشْرِينَ وأَرْبَع مِئَة، ونَزَعُوا طاعَةَ المَرْوانيّة ، وتَمَلَّكَ المَأمُونُ بعدَ أَبِيه سَنةَ خَمسٍ وثَلاثينَ ، فامْتدَّتْ أيامُه خَمساً وعِشرينَ سَنةً ، عَاكِفاً على الّذَّاتِ والخَلاعَة، وصَادَرَ الرَّعِيَّة وهادَنَ العَدُوَّ، وقَدِمَ الأطْرافَ ، فطَمِعَتْ فيه الفِرَنْجُ ، بَلْ فِي الأَنْدِلُسِ وأُخِذَتْ عِدَّةُ حُصُونٍ إلى أنْ أَخَذُوا منهم طَلَيْطِلَةَ فِي سَنةٍ ثَمَانٍ وسَبعين وأربَعٍ مِئَة ، وجَعَلُوها دارَ مُلْكِهِم - فإنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجِعُون .- وكان المَأمُونُ أرادَ أنْ يَسْتَنْجِدَ بالفِرَنَّج على تَمَلُّكِ مَدائنِ الأَنْدِلُسِ ، فكاتَبَ طاغِيَتَهم : أنْ تَعَالَ في مِئَةٍ فَارِسٍ ، والمُلتَقَىُّ في مكانٍ كَذَا ، فسَارَ في مِئْتَينِ ، وأَقْبَلَ الطَّاغِيَةُ فِي سِتَّةِ آلافٍ ، وجَعَلَهم كَميناً له ، وقالَ : إذا رَأْتُمُونا قد اجْتَمَعْنا، فأحِيطُوا بِنَا فلمَّا اجْتَمَعَ المَلِكَانِ أَخَاطَ بِهِم الجَيشُ ، فنَدِمَ المَأْمُونُ، وحَارَ ، فقالَ الفِرَنْجيُّ: يا يَحْيَى، وحَقِّ الإنْجِيلِ كُنتُ أظُنكَ عاقِلاً ، وأنْتَ أحْمَقُ !! جِئْتَ إليَّ، وسَلَّمْتَ مُهْجَتَكَ بِلا عَهْدٍ ولا عَقْدٍ ، فلا نَجَوْتَ مِنِّي حتّى تُعطِيَني ما أطْلُبُ قالَ : فَاقْتَصِدْ فسَمَّى له حُصُوناً ، وقَرَّرَ عليه مالاً فِي كُلِّ سَنَةٍ ، ورَجَعَ ذَلِيلاً مَخْذُولاً ، وذلكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ تُوفِّي سَنَّةَ ستّينَ وأربَعٍ مِنَةُ(٢). (ج) المُعْتَمِد بن عَبَّاد وابنُه المُعْتَضِد : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمتِهِ : صاحبُ الأنْدَلُسِ ، المُعْتَمدُ على الله أبو القاسِم مُحمَّدُ بنُ المَلكِ المُعْتَضدِ بالله أبي عَمرو ، عبادِ ابنِ الظَّافِرِ بالله أبي القاسم ، قاضي (١) انظر السير: (ابنُ عبَّاد) ١٧/ ٥٢٧- ٥٣٠، وانظر النزهة: ١/١٣٥٧. (٢) انظر السير: (الْمَأْمُون) ٢٢٠/١٨-٢٢١، وانظر النزهة: ١٤٠٤ / المأمون. ٣٥٥ إِشْبيليّة ، ثم مَلكُها ، محمدُ بنُ إسماعيلُ بنِ قُرَيش اللَّخْميُّ . حَكَم المعتمد على المدينَتين قرطبة وإشبيلية ، وأصلهم من الشام من بلدِ العَريش فدَخلَ أبو الوليد إِسْماعيلُ بن قُريش إلى الأنْدَلُسِ ، ثم بَرَعَ في الفِقْه ، ووَلِيَ القَضاءَ ، ثم تَملَّكَ مُدَّة ، وقامَ من بعد ابنُه المُعْتَصدُ ، فسَاسَ المَمْلكةَ بإشْبِيلِيَّة ، وبايَعوهُ بالمُلْكِ في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة . وكان شَهْماً ، صارِماً ، داهِيَةً ، ذَبَحَ جَماعَةً من أعْوانِ أبيه وصادَرَهم ، وعَلا شَأْنُه، ودانَت له الأُمَمُ . غَرزَ خَشباً فيْ قَصْره، وعَمَّمَها برُؤوس كِبارٍ ومُلوكٍ، وكانوا يُشَبِّهونَه بالمَنْصُورِ العَبَّاسيِّ ورامَ ابنُهُ إسْماعيلُ اغْتيالَه، فأخَذَه، وضَرَبَ عُنقَه، وعَهِدَ إلى ابنِهِ المُعْتَمِد. قيلَ : سَمَّه طاغِيَةُ الفِرَنْج في ثوبٍ فاخِرٍ ، أَهْدَاهُ له(١) . ومن جَبَروتِه وعُتَوِّه أَنَّه أخَذَ مالاً لأعْمَى، فحَجَّ وجَاوَرَ بمَكَّةَ ، فَبَلِغَ المُعْتَضدَ أنَّه يَدعُو عليه ، فَتَدبَ رَجلاً أعْطَاهُ جُملةَ دَنانيرَ مَطْلِيَّةٍ بسُمِّ فسَارَ إلى مَكَّة، وأَوْصَلَه الذَّهَبَ ، فقالَ: يَظْلِمُني بإشْبيليّة، ويَصلُني هُنا؟! ثم وَضَعَ منها دِيناراً في فَمِه ، كعَادَة الأضِرَّاء ، فمَاتَ من الغَدْ(٢). وقد سَكِرَ لَيَلَةً ، وخَرجَ في اللَّلِ مَعه غُلامٌ ، وسَارَ مَخْموراً، حتى وَافَى قَرْمُونَهَ(٣) ، وصَاحِبُها إسْحاقُ البِرْزال، وبَيْنَهما حُروبٌ، وكانَ يَشْرَبُ أيضاً في جَماعَة، فاسْتَأَذَنَ المُعْتَضِدُ، ودَخلَ ، فزادَ تَعجُبُهُم فسلَّمَ وأكَلَ وألَّ(٤) من سُكْرِهِ وسُقطَ في يدِهِ ، لكنَّه تَجلَّدَ، ثم قال: أُريدُ أنْ أنامَ فَفَرَشُوا له ، فَتَناوَمَ، فَقَالَ بَعضُهم : هذا كَبشٌ سَمينٌ ، والله لو أنْفَقْتُم مُلكَ الأنْدَلُسِ عليه ما قَدِرْتُم فقالَ مُعَاذُ بنُ أبي قُرّة: كلاًّ، رَجلٌ قَصدَنا ونَزَلَ بنا مُستأمِناً، لا تَتَحدَّثُ عنَّا القَبَائِلُ أَنَّا قَتَلنا ضَيْفَنا (١) انظر السير: (المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ١٩ / ٥٨-٦٧، وانظر النزهة: ١/١٤٥٧. (٢) انظر السير: (المُعْتَمِدُ بنُ عَبَّاد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٥٧. (٣) غربي قرطبة وشرقي إشبيلية ، قديمة البنيان. (٤) في اللسان آلَّ في سَيره ومَشِه، إذا أُسْرَعَ واهتز واضطرب ٣٥٦ ثم انْتُبَه وقامَ ، فقَبَّلُوا رَأْسَه، وقال للحَاجِبِ : أَيْنَ نَحْنُ؟ قالَ : بَين أهْلِك وإخْوانِك قالَ: هَاتوا دوَاةً ، فَكَتبَ لكُلّ منهم بخِلْعَة ومالٍ وأفْراسٍ وخَدَم وأخَذَ مَعَه غِلْمَانَهم لقَبْضٍ ذلك، ورَكبَ ، فمَشَوا في خِدْمتِهِ لكنْ أساءَ كُلَّ الإساءَة ، طَلبَهم بعدَ أَشْهُر لِوَلِيمَة ، فأتاهُ سِتُّون منهم فأكْرَمَهم وأنْزَلَهم حَمَّاماً ، وطيّنَه عليهم سِوَى مُعَاذ ، وقال لِمُعَاذ: لم تُرَغْ، حَضَرَتْ آجَالُهم، ولَوْلاكَ، لقَتَلُوني، فإنْ أَرَدْتَ أنْ أُقَاسِمَكَ مُلْكِي، فَعَلتُ ، قال: بل أُقيمُ عِندَكَ ، وإلاَّ بأي وَجْه أرْجِعُ ، وقد قَتلتَ سَاداتَ بَني بِرْزال ، فصَيَّرَه من كِبارِ قُوَّادِه ، وكانَ من كِبارِ قُوَّاد المُعْتَمِد . هَلكَ المُعْتَضِدُ سَنَ أرْبع وسِتِّينَ وأرْبَع مِئَة . قال أبو بَكْر مُحمدُ بنُ اللبانَةَ الشَّاعِرُ : مَلكَ المُعْتَمِدُ من مُسَوَّراتِ البلادِ مِئْتَيْ مُسَوَّر ، ووُلِدَ له منةٌ وثلاثَةُ وسَبْعُونَ وَلداً، وكانَ لمَطْبَخه في اليوم ثَمانيَةَ قَنَاطِير لحْم ، وكُتَابُه ثَمانِيَة عَشَر(١) . قال ابنُ خَلِّكان: كان الأَذْفونشُ قد قَوِيَ أمْرُهُ، وكانت المُلُوكُ بالأَنْدَلُسِ يُصالِحُونَه ، ويَحْمِلُون إليه ضَرَائِبَ، وأَخَذَ طُلَيْطِلَةَ فِي سَنةِ ثمَانٍ وسَبعِين بعد حِصارٍ شَديدٍ من القَادِرِ بنِ ذي النُّونِ ، فكانَ ذلكَ أوَّلَ وَهْنٍ دَخَلَ من الفِرَنْجِ على المُسلِمِين ، وكان المُعْتَمِدُ بنُ عَبَّادِ يُؤَدِّي إليه، فلمَّا تَمَكَّنَ لَمْ يَقْبَلِ الضَّرِيبَةَ وَتَهَدَّدَه ، وطَلَبَ منه أنْ يُسَلَّمَ حُصُوناً، فضَرَبَ الرسُولَ وقَتَلَ مَنْ معَه، فَتَحَرَّكَ اللَّعِينُ، واجْتَمَعَ العُلمَاءُ واتَّفَقُوا على أنْ يُكاتِبُوا الأميرَ أبا يَعْقُوبَ بنَ تاشِفِينَ صاحِبٍ مَرَّاكُش ليُْجِدَهم ، فِعَبَرَ ابنُ تاشِفين بجُيُوشِه إلى الجَزِيرَة ، ثمَّ اجْتَمَعَ بالمُعْتَمِدِ، وأقْبَلَتِ المُطَّوِّعَةُ من النَّواحِي ، ورَكِبَ الأَذْفونشُ في أَرْبَعِينَ ألفَ فارسٍ ، وكَتَبَ إلى ابنِ تاشِفِين يَتَهَذَّدُه ، فَكَتَبَ في ظَهْرِ كِتَابِهِ : ((الذِي يَكُونُ سَتَراه )) ثمَّ الْتَّقَى الجَمْعَانِ واصْطَدَمَ الجَبَلانِ بالزَّلاَقَةِ من أرْضِ بَطَلْيَوْس(٢) فانْهَزَمَ الكَلْبُ، واسْتُؤْصِلَ جَمْعُه، وقَلَّ مَنْ نَجَا في (١) انظر السير: (المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٤٥٧. (٢) مدينة كبيرة بالأندلس ، تقع على الحدود الشرقية للبرتغال ، كانت عاصمة بني الأفطس التجيبيين في عهد ملوك الطوائف . ٣٥٧ رَمَضَانَ سَنة تِسْعِ وسَبعِين، وجُرِحَ المُعْتَمِدُ في بَدَنِهِ ووَجْهِه ، وشُهِدَ له بالشَّجَاعَةِ والإِقْدَامِ، وَغَنِمَ المُسْلِمون ما لا يُوصَفُ، وغَدَا (١) ابنُ تاشِفِينَ(٢) . ثم عَبرَ في العام الآتي، وتَلقَّاه المُعْتَمدُ، وحاصَرا حِصْناً للفِرَنْجِ وتَرَجَّلَ ابنُ تاشفين ، فمَرَّ بِغَرْناطَّةَ ، فأخْرَجَ إليه صاحبُها ابنُ بُلُكِّين تَقَادِمَ وهَدايا وتَلَقَّهُ، فَغَدَرَ به ، واسْتؤْلَى على قَصْرِه، ورَجعَ إلى مَرَّاكِشَ وقد بَهَرَه حُسْنُ الأَنْدَلُس وبَساتينُها ، وحَسَنَ له ◌ُمَرَاؤُه أخْذَها، ووَخَّشوا قَلبَه على المُعْتَمِد(٣). قالَ عبدُ الواحد بنُ عَلَيّ : غَلبَ المُعْتَمِدُ علىْ قُرْطُبَة في سَنة إِحْدَىُ وسَبعينَ وأرْبَع مئة ، فأخْرَجَ منها ابنَ عُكَّاشَة، إلى أنْ قالَ : وجَالَ ابنُ تاشفين في الأَنْدَلُسِ يَتَفرَّجُ ، مُضْمِراً أشْيَاءَ ، مُعَظِّماً للمُعْتَمِدِ، ويَقولُ : نَحْنُ أَضْيافُه وتَحْت أمْرِه، ثم قَرَّر ابنُ تاشفين خَلْقاً من المُرابِطين يُقيمونَ بالأنْدَلُسِ، وأحَبَّ الأنْدَلُسُّونَ ابنَ تاشفين، ودَعُوا له ، وجَعلَ عندَهم بُلَّجين قَرابَته، وقَرَّر معه أموراً ، فهاجَت الفِتْنَةُ بالأنْدَلُس في سَنة ثلاثٍ وثَمانين وأَرْبَع مئة، وزَحَفَ المُرابِطُون، فحاصَروا حُصُوناً للمُعْتَمِد ، وأخَذوا بَعضَها، وقَتَلُوا وَلدَه المَأْمُونَ في سَنةِ أَرْبَع، فاسْتَحْكمَت الإِحْنَةُ، وغَلَت مَراجِلُ الفِتْنَة، ثم حاصَروا إِشْبيليّة أشَدَّ حِصَار، وظَهَر من بأسِ المُعْتَمِد وتَرامِيه على الاسْتِشْهاد ما لَمْ يُسْمَعْ بمثله ، وفي رَجَب سَنة أربع وثمانين وأرْبَع مثَّة ، هَجَمَ المرُّابِطُون على البَلدِ وشَتُّوا الغَارَاتِ، وخَرجَ النَّاسُ عَرَايَا، وأسَروا المُعْتَمِدَ (٤) . قالَ عبدُ الواحِد : بَرَزَ المُعْتَمِدُ من قَصْرِه في غِلالَة ، بلا دِرْع ولا دَرَقَةٍ وبيدِه سَيْفُهُ، فَرَمَاهُ فارسٌ بحَرْب أصابَ الغِلالَةَ، وضَربَ الفارِسَ فقَتْلَه فوَلَّتِ المُرابِطُون ، ثم وَقْتِ العَصْرِ، كَرَّت البَرْبَرُ، وظَهَروا على البَلِدِ من وَادِيه ، ورَمَوْا فيه النَّارَ ، فانْقَطَعَ العَمِلُ ، واتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِعِ بقُدوم ابنِ أخي السُّلطان، ولَمْ يَترُكِ البَرْبَرُ لأَهْلِ البَلَدِ شَيئاً ، ونُهَبَت قُصورُ المُعْتَمِدَ ، وأُكْرِهَ على أنْ كَتبَ إلىٌ وَلَدَيْه أنْ يُسلِّمَا الحِصْنَيْنِ أي رجع إلى بلاده . (١) انظر السير: ( المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ١/١٤٥٨. (٢) (٣) انظر السير: (المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ١/١٤٥٩. (٤) انظر السير: (المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٥٩. ٣٥٨ وإلاَّ قُتلتُ ، فدَمِي رَهْزٌ على ذلك، وهُما الْمُعْتَدُّ والرَّاضِي، وكانا في رُنْدَة ومارتله فَتَزِلا بأمانٍ ومَواثيقَ كاذبَةٍ فقتَلُوا الْمُعْتَدَّ وقَتَلوا الرَّاضِي غِيلَةً، ومَضَوْا بالمُعْتَمِدِ وآله إلى طَنْجَةَ بعد أنْ أفْقَرُوهم، ثم سُجِنَ بأغْماتَ (١) عامَين وزيادَة، في قِلَّةٍ وذِلَّةٍ(٢) . وقِيلٍ : إنَّ بَناتِ المُعْتَمِدِ بنِ عَبَّاد أتَيْنَهُ في عيدٍ ، وكُنَّ يَغْزِلْنَ بِالأُجْرَة في أغْماتَ ، فرآهُنَّ في أطْمارِ رَثَّة ، فصدَّعْنَ قَلبَه ، فقالَ : تَرَى بِنَاتِكَ فِي الأَطْمَارِ جَائِعَةً فيمَا مَضَىْ كُنْتَ بِالأَعْيَادِ مَسْرورا يَطَأْنَ في الطِّينِ والأقْدامُ حافِيَةً بَرَزْنَ نَحْوَكَ للتَّسْليمِ خَاشِعَةً يَغْزِلنَ للنَّاسِ ما يَمْلِكْنَ قِطْمِيرا فَسَاءَكَ العيدُ في أغماتَ مَأْسْورا كَأَنَّهَا لَمْ تَطَأْ مِسْكاً وَكَافُورًا أَبْصَارُهُنَّ حِسيراتٍ مَكَاسِيرًا قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: كانَ مَوْلِدُهُ سَنةَ إِحْدَى وَثَلاثينَ وأرْبَع مئة وماتَ سَنةَ ثَمانٍ وثَمانينَ وأرْبَع مثَّة . وقد سَمَّى ابنُ اللبَّنَة بَني المُعْتَمِد بأسْمائِهِم وألْقَابِهِم ، فعَذَّ نَحْواً من ثَلاثينَ نَفْساً ، وعَدَّ له أرْبَعاً وثَلاثِينَ بِنْتَاً . قال الإمامُ الذهبيُّ: افْتَقَرُوا بالمرَّة، وتَعلَّموا صَنائعَ، كذلكَ الدَّهْرُ، نَسألُ اللهَ المَغْفرةَ(٣). عِماد الذَّولَة بن هُود : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ: كان أحدَ مُلوك الأنْدَلُس في حُدود الخَمس مئة ، وهو من بَيَتِ مَمْلكَة تَملَّكوا شَرقَ الأنْدَلُسِ، فلمَّا استولى الْمُلَّمونَ على الأنْدَلُسِ ، أَبْقَى يوسُفُ بنُ تاشفينَ على ابنِ هُود ، فلمَّا تَملَّك عليّ بنُ يوسُف بعدَ أبيه كان فيه سَلامَةُ باطِنٍ ، فحَسَّنَ له وُزَراؤُه أخْذَ المُلكِ من ابنِ هُود ، حتى قالوا له : إنَّ أمْوالَ (١) أغَمات: ناحية من بلاد البَرْبَر المصامدَة من أرض المغرب قُربَ مَرَّاكِش. (٢) انظر السير: (المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ١/١٤٦٠. (٣) انظر السير: (المُعْتَمدُ بنُ عَبَّاد) ١٩ /٥٨ - ٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٦٠. ٣٥٩ الْمُسْتَنْصِرِ العُبَيْدِيِّ صارَت في غَلَاءِ مِصْرَ المُفْرِطِ تَحوَّلت كلُّها إلى بَنِي هُود ، وقالوا : الشَّرْعُ يَأْمُرُكَ أنْ تَسْعَىُ في خَلعِهم لكَوْنِهِم مُسالِمِين الرُّومَ ، فجَهَّز لهم الأميرَ أبا بكر بنَ تيفلوت فتحصَّنَ عمادُ الدَّولَة بِرُوْطَةٍ (١) ، وكتبَ إلى عليٍّ بنِ تاشْفِينَ يَسْتَعْطِفُه في المُسالَمَة، ويقولُ : ((لَكُم فيمَا فَعَلَه أبُوكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وسَيَعْلَمُ مُبرِمُ هذا الرَّأي عندَكم سُوءَ مَغيَّتِهِ، واللهُ حَسيبُ مَنْ معي وحَسْبُنَا اللهُ وكَفَى )) ، فأمَرَ عليّ بنُ يوسُف بالكَفِّ وأنَّى ذلك وقد أدْخَلتْه الرَّعيَّةُ سَرَقُسْطَة، وكان ابنُ رُذْميرَ اللَّعينُ صاحبُ مَمْلكَةٍ أَرَغُونَةَ من شرق الأندلس قِسِّيساً مُجرباً داهيَةً مُترَهِّباً، فقَويَ على بلادِ ابنِ هُود ، وطَواهَا وَقَنعَ عِمادُ الدَّولَة بنُ هُود بدَارِ سُكْناهُ ، وكانَ ابنُ رُذْميرُ لا يَتَجَهَّزُ إلَّ فِي عَسْکرٍ قَليلٍ كاملَ العُدَّةِ ، فِيَلْقَىُ بالألفِ آلافا(٢) . قال اليسعُ بنُ حَزْم : حذَّثني عنه أبو القاسم هِلالٌ أحَدُ وُجُوه العَرب قالَ : كان بَيني وبَيْنَ الْمُرابِطِينَ أمر أَلْجَأْني إلى الوُفودِ على ابنِ رُذْمير ، فرخَّب بي، وأمَرَ لي براتبٍ كَبير فحَضرتُ معهِ حَرْباً ◌ُعِنَ عنه حِصانُه، فوقَفَتُ عليه ذابَّاً عن حَوْزَتِه فلمَّا انْصَرفنا إلى رشْقَة أمرَ الصَّوَّاغينَ بعَملِ كأسٍ من ذَهَبٍ رَصَّعَه بالدُّرِّ، وكتب عليه: ((لا يَشْرِبُ مِنْه إلاَّ مَنْ وَقَفَ علىُ سُلْطانِهِ)) فحضَرتُ يوماً فأخْرَجَ الكأسَ ، وملأه شَراباً ، وناوَلَني بحُضْرَة ألفِ فارِس ، ورَأيتُ أعْناقَهم قد اسْوَدَّت من صَدأ الدُّروع قال : فنادَيتُ ، وقُلتُ : غَيري أَحَقُّ به ، فقالَ: لا يَشْرَبُ هذا إلاَّ مَنْ عَملَ عَمَلَكَ وكان هِلالٌ هذا مِن قَريَةِ هِلالِ بنِ عامِر، تابَ بعدُ وغَزا مَعَنا، فكانَ إذا حَضرَ في الصَّفِّ جَبَلاً راسياً يَمْنَعُ تَهائمَ الجُيوشِ أنْ تَميدَ ، وقَلْباً في البَسَالَة قَاسياً ، يَقولُ في مُقارَعَةِ الأبْطَالِ: هَلْ مِنْ مَزيد؟ أبْصَرتُه - رَحمَهُ اللهُ - أُمَّةً وَحْدَه، يَتحامَاهُ الفَوارِسُ(٣). فحدَّثني عن ابنِ رُذْمير وإِنْصَافِه قالَ : كنتُ معه بظاهر رُوْطَة وقد وجَّه إليه عِمادُ الدولة وَزيرَه أبا محمَّد عبدِ الله بن هَمُشْك الأميرَ رَسولاً ، فطَلبَ فارسٌ من ابنِ رُذْمير (١) رُوطة: حصن من أعمال سَرَقُسْطَة، حَصين جداً .. (٢) انظر السير: (عِمادُ الدولَة بن هُود) ٣٧/٢٠ -٤١، وانظر النزهة: ٢/١٥٢٤. (٣) انظر السير: (عِمادُ الدولَة بن هُود) ٣٧/٢٠ -٤١، وانظر النزهة: ٣/١٥٢٤. ٣٦٠