النص المفهرس

صفحات 321-340

وفي سَنة اثنَتَين وستِينَ وأَرْبَع مثَة، قُطِعَت من مَكَّة الدَّعْوَة المُسْتَنْصِرِيَّة وخُطِبَ
للقَائمِ بِأمْرِ الله، وتُرُكَ الأَذَانُ بـ ((حَيٍّ عَلى خَيْرِ العَمَلِ)) وذلكَ لِذِلَّة المِصْرِيِّينَ بالقَحْطِ
الأكْبَر وفَنَائِهِم وأكَلَ بَعضُهم بَعضاً وتَمزَّقُوا في البلادِ من الجُوعِ ، وتَمَخَّقَتْ خَزائنُ
المُسْتَنْصِر ، وافْتَقَرَ، وتَعثَّر(١).
وفي هذه النَّوْبَة نَقَلَ صاحبُ ((المِرْآة)) أنَّ امْرأةً خَرجَتْ وبَيَدِها مُدُّ لؤلؤ لتَشْتَري به
مُدَّ قَمْح، فلَمْ يَلتَفِتْ إليها أحد، فرَمَتْهُ فما كانَ له مَنْ يَلْتَقطُه، فكادَ الخَرابُ أنْ
يَسْتَولي على سائر الأقَاليمِ ، حتى لأُبِيعَ الكلبُ بسِتَّة دَنانيرَ والِقِطُّ بِثَلاثة دَنانيرَ ، حتى
أُبِعَ الإِرْدَبُّ بمئة دينار(٢) .
قال ابنُ الأثير : اشْتدَّ الغَلاءُ حتى حُكِيَ أنَّ امْرأةً أكَلَت رَغِيفاً بألفِ دِينار ، باعَت
عَروضاً تُساوي ألفَ دِينار بثَلَاثٍ مئَّة دِينَار، فاشْتَرَت به جُوالِقَ(٣). قَمْح، فانْتُهَبَهُ
النَّاسُ، فَهَبَت هيَ منه فحَصَلَ لهَا ما خُبِزَ رَغيفاً(٤) .
وفي دَولة المُسْتَنِصِر وَقِعَ القَحْطُ المَذْكورُ لاحْتراقِ النِّيلِ الذي ما عُهدَ مثله بِمِصْرَ
من زَمَنِ يُوسُفَ عليه السلام، ودامَ سَنواتٍ بحَيثُ إنَّ والدَةَ المُسْتَنِصِر وبنَاتِهِ سَافَرْنَ من
مِصْرَ خَوفاً من الجُوعِ ، وَآلَ أمْرُهُ إِلى عَدمِ كُلِّ الذَّوابٌ ببلادِ مِصْرَ ، بحَيثُ بَقِيَ له فَرسٌ
يَركَبُها ، واحْتَاجَ إِلى دائَة يَركَبُها حَاملُ الْحِتْرِ(٥) يَومَ العِيدِ وَراءَهم، فمَا وَجَدوا سِوَى
بَغْلَةِ ابنِ هِبَة كاتبِ السِّرِّ فوَقَفَتْ على بابِ القَصْرِ، فازْدَحَمَ عَليهَا الحَراشِفَةُ (٦) وذَبَحُوها
وأكَلُوها في الحَالِ ، فَأَخَذَهُم الأعْوَانُ وشُنِقُوا، فَأَصْبَحَتْ عِظامُهم على الجُذُوعِ قَد
أُكِلُوا تَحْتَ اللَّيلِ .
ماتَ المُسْتَنْصِرُ سَنةَ سَبع وثَمانين وأرْبَع مثَّة، وقد قَارَبَ السَّبْعينَ ، وكانَ سَبُّ
(١) انظر السير: (المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٢١٢.
(٢)
انظر السير: ( المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٢١٢.
(٣)
وعاء من صوف أو غيره ، جمعُه : جَوالق - بفتح الجيم ، وهو عند العامَّة ( شِوال) ..
(٤)
انظر السير: ( المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٠١٢.
(٥)
الجثّر: بكسر الجيم ، المظلَّة .
(٦) كالشُّطار والعيارين في بغداد .
٣٢١

الصَّحَابَة فاشِياً في أيَّامِه، والسُّنَّهُ غَريبَةٌ مَكتومَةٌ ، حتى إنَّهم مَنَعوا الحَافظَ أبا إسحاقَ
الحبَّالَ من رِوايَة الحَديث، وهَدَّدُوه فامْتَنَعَ، ثم قامَ بعدَ المُسْتَنِصِرِ ابنُه أحمَدُ (١).
المُسْتَعْلي بالله :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَتِهِ : صاحبُ مَصْرَ أبو القَاسِم أحمدُ ابنُ المُسْتَنِصِر
العُبَيْدِيُّ المِصْرِيُّ، وفي أيّامه وَهَت الدولَةُ العُبَيْدِيَّة، واخْتَلَّت قَواعدُها، وانْقَطَعَت
الدَّعْوَةُ لهم من أكثر مُدُنِ الشَّامِ، واسْتَولَى عليها الفِرَنْجُ وغيرُهم من الغُزّ(٢).
فأخَذَت الفِرَنْجُ أَنْطَاكِيَة من المسلمينَ في سَنةِ إِحْدَى وتِسْعِينَ وأرْبَع مثَّة ، وكان لها
في يَدِ المسلمينَ نَحْوَ عشرينَ سَنةً ، وأخَذوا بَيَتَ المَقْدِسِ، واسْتَبَاحُوهُ ، وأخَذُوا أيضاً
المَعَرَّةَ فِي سَنةِ اثْنَين وتِسْعينَ وأرْبَع مثَّة ، ثم اسْتَولوا على مَدائنَ وقِلاعِ (٣).
وفي دولته كَثُرَت الباطِنِيَّةُ الملاحِدَةُ الذين هم الإسْماعيليَّةُ، وأخَذوا القُفُول(٤) ،
وتَمَلَّكوا قلعة أصْبَهان، وفَتَكُوا بعَدد كَثيرٍ من الكِبارِ والعُلَماء ، وشَرعُوا في شُغلِ
السِّكِّين ، وجَرَت لهم خُطُوبٌ وعَجائبٌ .
وفي سَنة خَمسٍ وتِسْعينَ وأرْبَع مثَّة ماتَ المُسْتَعلي وأقامُوا وَلَدَه الآمِرَ بأحْكَام الله
مَنْصُوراً ، وله خَمسُ سِنِينَ، وأَزِمَّةُ المُلك إلى الأفْضَلِ أميرِ الجُيوشِ ، ويُقالُ إنَّه سُمَّ
وقُتْلَ سِرَاً(٥) .
الآَمِرُ بأحْكامِ الله :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَتِهِ : صاحبُ مِصْرَ أبو علي مَنصُورُ ابنُ المُسْتَعْلي ،
العُبَيْدِيُّ الرافِضيُّ الظَّلومُ كان مُتظاهراً بالمَكْرِ واللَّهْوِ والجَبروتِ .
وَلَيَ وهو صَغِيرٌ، فلمَّا كَبِرُ قَتلَ الأَفْضِلَ أميرَ الجُيوشِ، واصْطَفَىْ أمْوالَه ، وكانت
انظر السير: ( المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ٥/١٢١٢.
(١)
(٢)
انظر السير: ( المُسْتَعْلي بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ١/١٢١٣.
انظر السير: (المُسْتَعْلي بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٢١٣.
(٣)
(٤)
جمع قافلة .
(٥) انظر السير: (المُسْتَعْلي بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٢١٣ .
٣٢٢

تَفْوتُ الإِحْصَاءَ ، ويُضرَبُ بها المَثَلُ ، فَاسْتَوْزَرَ بعدَه المَأْمُونَ محمَّدَ بنَ مُخْتار
البَطائحيَّ، فَعَسَفَ الرَّعيَّة، وتَمرَّدَ فاسْتَأْصَلَه الآمرُ بعدَ أرْبَع سنينَ، ثمَّ صَلبَه ، وقَتلَ
مَعه خمسةً من إخْوَتِهِ(١) .
وفي دَولَتِهِ أَخَذَت الفِرَنْجُ طَرابُلْسَ الشَّامِ وصَيْدا ، ثم قَصدَ المَلكُ بَرْدَويلُ الفِرَنجيُّ
ديارَ مِصْرَ ، وأخَذَ الفَرَمَا وهي قَريبةٌ من العَريش ، فأحْرقَ جامِعَها ، ومَساجِدَها ،
وقَتلَ وأسَرَ ، ثم رَجعَ فَهَلكَ في سَبخَة بَرْدَويل فشَقُّوه ورَموا حُشوَتَه وصَبَّروه ، فَحِشْوَتُه
تُرجَم هناك إلى اليوم ، ودَفَنوه بقُمامَة وكان قد أخَذَ القُدسَ وعَكًا والحُصونَ .
وفي أيَّامِه ظَهرَ ابنُ تُؤْمَرْت بالمَغْربِ وكَثُرت أتباعُه، وعَسْكَروا وقَاتَلُوا، ومَلَكُوا
البلادَ(٢).
وبَقيَ الآمرُ في المُلكِ تسعاً وعشرينَ سَنةً وتسعَةَ أشْهُر إلى أنْ خَرِجَ يَوماً إلى ظاهرِ
القاهِرَة، وعَدَّى على الجِسْرِ إلى الجِيزَة ، فَكَمنَ له رجالٌ في السِّلاح ، ثم نَزَلُوا عليه
بأسْيافِهِم ، وكان في طائفةٍ لَيسَت بِكَثيرَة ، فرُدَّ إلى القَصْرِ مُثْخَناً بالجِراحِ وهَلكَ من غَيرِ
عَقِب .
وكان العاشرَ من الخُلفَاءِ الباطنيَّة فبايَعوا ابنَ عَمٍ له ، وهو الحافِظُ لدين الله .
وكان حَسَنَ الحَظِّ ، جَيِّدَ العَقْلِ والمَعْرِفَة، لكنَّه خَبِيثُ المُعْتَقَدِ سَفَّاكاً للدِّماءِ ،
مُتَمرِّداً جَبَّاراً فاحِشاً فاسِقاً ، صادَرَ الخَلقَ عاشَ خَمساً وثلاثين سَنةً .
وانْقَلِعَ سَنةَ أرْبَع وعِشْرِينَ وخَمْسٍ مِئَة(٣) .
الحَافِظُ لدين الله :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجِمَتِهِ : صاحبُ مِصْرَ أبو المَيْمُون عبدُ المَجيدِ ابنُ الأميرِ
محمَّدٍ بنِ المُسْتَنْصِر بالله مَعَدّ ، العُبَيْدِيُّ الإِسْمَاعِيلِيُّ الِمِصْريُّ .
(١) انظر السير: (الآمر بأحكام الله) ١٩٧/١٥ -١٩٩، وانظر النزهة: ١/١٢١٤.
(٢) انظر السير: (الامر بأحكام الله) ١٩٧/١٥-١٩٩°، وانظر النزهة: ٢/١٢١٤.
(٣) انظر السير: (الآمر بأحكام الله) ١٩٧/١٥ -١٩٩، وانظر النزهة: ٣/١٢١٤.
٣٢٣

بايَعوهُ يَومَ مَصْرَع ابنِ عَمِّه الآمرِ ليُدبِّرَ المَمْلَكةَ إلي أن يُولَد حَمَلٌ للآمرِ إِنْ وُلدَ(١).
وغَلبَ على الأمُورِ أميرُ الجُيوشِ أبو عَليٍّ بنُ الأفْضَل بنِ بَدْر الجمَالي فأخْرَجَت
الأُمَراء أبا عَليٍّ، وقدَّموهُ عَليهم ، فأَتَى إلى القَصْر ، وأمَرَ ونَهَى، وبَقَيَ الحافِظُ معه
مُنْقَهراً، فقامَ أبو عَليّ بالمُلكِ أَتَمَّ قيامٍ وعَدَلَ في الرَّعيَّة، ورَدَّ أموالاً كَثِيرَة على
المُصادَرين ، ووَقفَ عند مَذْهَبِ الشِّيعَة، وتَمسَّكَ بالإِثْنَى عشر، وتَركَ ما تَقولُه
الإسْماعيليَّةُ، وأغْرَضَ عن الحافِظِ وَآلٍ بَيتِهِ ، ودَعَا على مَنابِرِ مِصْرَ للمُنْتَظَرِ صاحبٍ
السِّرْدابِ علىْ زَعمِهم، وكَتبَ اسْمَه على السِّكَّة، واسْتَمرَّ على ذلك، وقَلِقَت الدَّوْلةُ
إلىْ أنْ شَدَّ عليه فارسٌ من الخاصَّة ، فقَتَلَه بظاهرِ القاهِرَة في المُحرَّمِ سَنةَ سِتٍّ وعشرينَ
وخَمسٍ مِئَة ، وذلكَ بتَدبيرِ الحافِظِ ، فبادَرَتِ الأُمَراءُ إلى خِدمَةِ الحافِظِ ، وأخْرَجُوهُ
من الضِّيقِ والاعْتِقِالِ، وجَدَّدوا بَيْعَتَه واسْتَقَلَّ بالمُلكِ .
وعندَما ماتَ الْآمِرُ قَبلَه ، قالَ الجُهَّالُ : هذا بَيَتُ لا يَموتُ إمامٌ منهُم حتى يخلِّفَ
ابناً يَنُصُّ على إمامَتِهِ، فخَلَّفَ الآمِرُ حَمْلاً فكانَ بِنْاً .
وكان الحافِظُ كُلَّما أقامَ وَزيراً تَمكَّنَ، وحَكمَ عليه ، فيَتَألَّمُ ويَتحيَّلُ عليه ، ويعَمِلُ
علىْ هَلاكِهِ وبَقِيَ الحافِظُ بلا وَزيرٍ عَشْرَ سِنين .
وماتَ سَنة أرْبَع وأرْبَعينَ وخَمسٍٍ مِئَة، فكانَتْ دَولتُه عِشرينَ سَنةً سِوَى خَمسَةِ أَشْهُر
وعاشَ سَبعاً وسَبعينَ سَنةً فما بَلغَ أحدٌ هذا السنَّ من العُبَيْدِيَّة ، وقامَ بعدَه وَلدُه
الظَّافِرُ(٢).
الظَّافِرُ بالله :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَتِهِ : صاحبُ مِصْرَ الظَّافِرُ بالله أبو مَنصُور إسماعيلُ بنُ
الحافِظِ لدين الله .
(١) انظر السير: (الحافِظُ لدين الله) ١٩٩/١٥-٢٠٢، وانظر النزهة: ١/١٢١٥.
(٢) انظر السير: (الحافِظُ لدين الله) ١٩٩/١٥ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٢/١٢١٥.
٣٢٤

وَلَيَ الأمرَ بعدَ أبيه خَمسَةَ أعْوام ، وكان شاباً جَميلاً وَسيماً لَغَاباً عَاكِفاً على الأغَانِي
والسَّرارى .
اسْتَوْزَرَ الأفْضَلَ سليمَ بنَ مصال فسَاسَ الإِقْلِيمَ .
وانْقَطَعَتْ دَعْوَتُه، ودَعوَةُ أبيه من سائرِ الشَّامِ والمَغْرِبِ والحَرَمَينِ ، وبَفيَ لهم
إِقْليمُ مِصْرَ .
ثم خَرجَ على ابنِ مصال العَادلُ ابنُ السلاَّر ، وحارَبَه وظَفرَ به واسْتَأْصَلَه واسْتَبَدَّ
بالأمِرِ(١).
وقَدِمَ من إفريقية عبَّاسُ بنُ أبي الفُتَوحِ بنُ المَلكِ يَحْيَى بِ تَميم ابنِ المُعِزِّ بنِ باديس
مع أُمِّه صَبياً فَتَزوَّجَ العادِلُ بها قبلَ الوِزارَةِ فَتَزوَّجَ عباَسٌ، ووُلدَ له نَصْرٌ ، فأحبَّه
العادلُ، ثم جهَّزَ أباهُ للغَزْو فلمَّا نَزَلَ بِبَلْبِيسَ، ذاكَرَه ابنُ مُنْقِذٍ (٢) ، فاتَّفَقا علىُ قَتَلِ
العادِلِ ، وأنْ يأخُذَ عبَّاسٌ مَنْصِبَه فَذَبَحَ نَصرٌ العادِلَ على فِراشِه في المُحَرَّم سنةَ ثَمانٍ
وأرْبَعِينَ وخَمسٍ مِئَة، وتَملَّكَ عبَّاسُ وتَمَكَّنَ(٣).
وكان ابنُهُ نَصْرٌ من المِلاحِ فمَالَ إليه الظَّافِرُ وأحَبَّه فاتَّفَقَ هو وأبُوه عبَّاسٌ على الفَتْكِ
بالظَّافِرِ (٤) ، فدَعاهُ نَصرٌ إلى دارِهم لِيَأْتِيَ مُتَخَفِيًّاً، فجاءَ إلى الدَّارِ التي هي اليَومَ
المَدَرَسةُ السُّيوفّة فشَدَّ نَصرٌ عليه فقَتْلَه وطَمرَهُ في الدَّارِ وذلكَ فِي سَنةِ تَسْعِ وأَرْبَعِينَ
وخَمْسٍ مِئَة وعاشَ الظَّافِرُ اثْنَيْنِ وعِشرينَ سَنةً .
ثم رَكبَ عَباسٌ من الغَدِ وأتَى القَصرَ وقالَ : أينَ مَوْلانا؟ فطَلبُوهُ فَفَقَدُوه وخَرَجَ
(١) انظر السير: (الظَّافر بالله) ٢٠٢/١٥ -٢٠٥، وانظر النزهة: ١/١٢١٦.
(٢) أسامة بن منقذ الكناني ، أمير من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر ( قُرب حماة) ومن العلماء
الشجعان، له تصانيف في الأدب والتاريخ، ومن أمتع كتبه (( الاعتبار )) نحا فيه مَنحى السيرة الذاتية
تُوفِّي بدمشقَ سنة ٥٨٤ هـ .
(٣) انظر السير: (الظَّافر بالله) ٢٠٢/١٥-٢٠٥، وانظر النزهة: ٢/١٢١٦.
(٤) يذكر أسامة بن مُنقِذ أن الظافر حمل نصراً على قتل أبيه، فاطَّلع والدُه على الأمر فلاطَفه واستماله وقرَّر
معه قتل الظافر، انظر (( الاعتبار)) ١٩ - ٢٠ .
٣٢٥

جِبريلُ ويوسُفُ أَخَوا الظَّافِرِ، فقالَ : أين مَوْلانا؟ قالا : سَلْ ابْنَك، فَغَضِبَ وقالَ :
أنْتُمَا قَتَلتُماه، وضَربَ رِقَابَهُما في الحَالِ (١).
الفائزُ بالله :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَتِهِ : صاحبُ مِصْرَ أبو القَاسِمِ عيسَى ابنُ الظَّافِرِ إِسْماعيلَ
العُبَيْديُ(٢) .
لما اغْتَالَ عَبَّاسٌ الوَزِيرُ الظَّافِرَ، أَظْهَرَ القَلقَ، ولمْ يَكنْ عَلِمَ أهْلُ القَصْرِ بِمَقْتَلِهِ
فِطَلبُوهُ في دُورِ الحُرَم فمَا وَجِدُوه وفَّشُوا عليه وأيِسُوا منه وقالَ عَبَاسٌ لأخَوَيْه : أنُّما
الذين قَتلتُما خَليفَتَنَا فأصَرَّا على الإنْكارِ ، فَقَتَلَهما نَفْياً للتُّهْمَةِ عَنه واسْتَدعَى في الحالِ
عِيسَى هذا، وهوطِفْلٌ له خَمسُ سِنينَ وقِيلَ: بلْ سَنتَان فحَمَلَه علىُ كَتَفَيْه ، وَوَقَفَ
باكياً كَئِيباً، وأمَرَ بأنْ تَدخُلَ الأُمَرَاءُ ، فدَخَلوا فقالَ: هذا وَلدُ مَوْلاكُم ، وقد قَتَلَ عَمَّاهُ
مَوْلاكُم ، فقَتَلتُهما به كَما تَرَوْنَ والوَاجِبُ إِخْلاصُ النَّةِ والطَّاعَة لهذا الوَلَد فقالُوا
كُلُّهم : سَمْعاً وطاعَةً، وضَجُوا ضَجَّةً قوَيةً بذلكَ ففَزِعَ الطّفلُ، وبالَ علىْ كَتَفِ المَلِكِ
عَبَّاس ولَقَّبُوهُ الفائزَ، ويَعُوهُ إلى أُمِّه، واخْتُلَّ عَقلُه من حينَذٍ وصَارَ يَتحرَّكُ ويُصْرَع ،
ودَانَتْ المَمالِكُ لِعَبَّاسٍ .
وأمَّا أَهْلُ القَصْر، فاطَّلَعُوا على باطِنِ القَضيّة، وأقامُوا المَآتِمَ على الثَّلاثَة ،
وَتحيَّلوا، وكاتَبوا طَلائعَ بنَ رُزِّيك الأرْمنيَّ الرَّافِضِيَّ(٣) وَالِي المُنْيَة (٤)، وكان ذَا
شَهامَةٍ وإِقْدام فسَألوهُ الغَوثَ، وقَطَعوا شُعورَ النِّساءِ والأوْلادِ، وسَيَّروها في طَيٍّ
الكتابِ وسَخَّمُوه ، فلمَّا تأمَّلَه اطَّلِعَ مَنْ حَوْلَه من الجُنْدِ عَليه، وبَكَوا ولَبسَ الحِدادَ ،
واسْتَمالَ عَربَ الصَّعيدِ، وجَمعَ وحَشَدَ ، وكاتَبَ أُمَرَاءَ القاهِرَة ، وهَيَّجَهم علىْ طَلبٍ
الثَّأَرِ فأجابُوهُ فَسَارَ إلى القاهِرَةِ، فبادَرَ إلى رِكابِهِ جُمُهُورُ الجَيشِ ، وبَقيَ عَبَّاسٌ في
(١) انظر السير: (الظَّافر بالله) ٢٠٢/١٥-٢٠٥، وانظر النزهة: ٣/١٢١٦.
(٢) انظر السير: (الفائز بالله) ٢٠٥/١٥ -٢٠٧، وانظر النزهة: ١/١٢١٧.
لَقُّبَ بالملك الصالح ، كان شجاعاً حازماً مُدبِّراً ، أصله من الشيعة الإمامية في العراق ، مات غِيلة سنة
(٣)
٥٥٦ هـ .
(٤) مُنْيَة بني خصيب ، من أعمال صعيد مصر.
٣٢٦

عَشْكَرٍ قَليلٍ فخَارَت قُواهُ وهَربَ هو وابنُهُ نَصرٌ وممَاليكُه والأميرُ ابنُ مُنقِذٍ .
ثم قَصَدَ عَبَّاسُ الشَّامَ على ناحيَة أَيْلَة في رَبيع الأول، فمَا كانَت أيَّامُه بعدَ قَتلِ الظَّافِرِ
إِلَّ يَسيرَةٌ، واسْتولَى الصَّالِحُ طَلائعُ بنُ رُزِّيكَ علىْ دِيارِ مِصْرَ بلا ضَربَةٍ ولا طَعنَةٍ ،
فَتَزِلَ إِلى دارِ عَبَّاس، وطَلبَ الخَادِمَ الصَّغيرَ الذي كانَ مع الظَّافِرِ، وسَألَه عن المَكانِ
الذي دُفنَ فيه أُسْتاذُه ، فَأَعْلَمَه فقَلعَ بَلاطَه ، وأخْرَجَ الظَّافِرَ ومَنْ مَعَه من القَتْلَى وحُمُلُوا
وناحُوا عَليهِم وتَكَفَّلَ طَلائِعُ بالفائِزِ ، وَبَّرَ الدَّولَة .
وجَهَّزَت أُختُ الظَّافِرِ رَسُولاً إلى الفِرَنْجِ بعَسْقَلانَ ، وبذَلَت لهم مالاً عَظيماً إِنْ
أَسَروا لها عَبَّاساً وابنَه، فخَرجُوا عَليه، فالْتَّقاهُم، فقُتلَ في الوَقْعَةِ، وأُخِذَت
خَزائِتُهُ، وأَسَروا ابنَه نَصْراً، وبَعُوهُ إليها في قَفَصٍ حَديدٍ ، فلمَّا وَصَلَ ، قَضَ
رَسُولُهم المَالَ ، وذلكَ في ربيع الأول سَنةَ خَمسينَ وخَمسٍ مِنَة ، فقُطِعَتِ يَدُ نَصْر ،
وضُربَ بالمَقَارِعِ كَثيراً، وقُصَّ لَحْمُه ثم صُلِبَ فمَاتَ، فبقيَ مُعلَّقاً شُهوراً، ثم
أَحْرِقَ .
ماتَ الفائزُ سَنةَ خَمسٍ وخَمسينَ وخَمسٍ مِئَة ، وله نَحْو من عَشْرِ سِنِينَ ، وبايَعوا
العَاضِدَ(١).
العَاضِدُ :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَتِهِ : صاحبُ مِصْرَ العاضِدُ لدينِ الله خَاتَمُ الدولَةِ العُبَيْدِيَّة
أبو مُحمَّد عبدُ الله بنُ الأميرِ يُوسُفَ بنِ الحافِظِ لدين اللهِ عبدِ المَجيدِ ، العُبَيْديُّ
الحَاكِمِيُّ المِصْريُّ الإسْماعيليُّ المُدَّعِي هو وأجّدادُه، أنَّهُم فاطِمِيُّونَ .
مَوْلِدُهُ سَنَ سِتٍّ وأرْبَعِينَ وخَمسٍ مِئَة .
أقامَه طَلائِعُ بنُ رُزِّيك بعدَ الفائِزِ، فكانَ مِنْ تَحْتِ حِجْرِهِ، لا حَلَّ لدَيْه ولا رَبْطَ
وكان العاضِدُ سَبَّاباً خَبِيثاً مُتَخلِّفاً.
قالَ القاضي شَمسُ الدِّينِ بنُ خَلِّكان: كانَ إذا رَأْىُ سُنِّيَّاً اسْتحَلَّ دَمَه وسارَ وَزيرُه
(١) انظر السير: (الفائز بالله) ٢٠٥/١٥-٢٠٧، وانظر النزهة: ٢/١٢١٧.
٣٢٧

المَلكُ الصَّالِحُ طَلائعُ سِيرةٌ مَذْمُومَةٍ، واحْتَكرَ الغَلَتِ، وقَتلَ عِدَّةَ أُمَراء ، وأَضْعَفَ
أحْوالَ الدّولَة بقَتلِ ذَوِي الرَّأي والبَأْسِ ، وصَادَرَ وعَسَفَ(١) .
وأخَذَ طَلائعُ في قَطْع أخْبارِ العَسْكَرِ والأُمَراء ، فتَعاقَدوا بِمُوافَقَةِ العاضِد لهم على
قَتْلِهِ ، فَكَمَن له عدَّة فَي القَصْرِ، فجَرَحُوهُ، فدَخَلَ مَماليكُه، فقَتَلوا أولئكَ ،
وحَمَلوهُ ، فمَا أمْسَى وذلكَ سَنةَ سِتٍّ وخَمسينَ وخَمسٍ مِنَّة .
ووَلَيَ مَكانَه ولدُه الملكُ العادلُ رُزِّيك وكان مَليحَ النَّظْمِ، قَوِيَّ الرَّفْضِ ، جَواداً
شُجاعاً، يناظِرُ على الإمامَة والقَدَر، وعَمِلَ قَبَلَ مَوْتِه بِثَلاثِ لَّيَالٍ: (٢) .
تِ عُيونٌ يَقْظَانَةٌ لا تَنَامُ
نَحْنُ في غِفْلَةٍ ونَوْمٍ وللمَوْ
لَيْتَ شِعْري مَتَّى يَكُونُ الحِمَامُ
قد رَحَلْنَا إلى الحِمَامِ سِنِيناً
نعَم ، ووَزَرَ للعاضِدِ المَلكُ أبو شُجاعِ شَاوَرُ السَّعْدِيُّ، وكانَ علىَ نِيابَة الصَّعيدِ من
جِهَة طَلائعَ ، فَقَويَ ، ونَدِمَ طَلائعُ علىْ تَوْلِيَتِهِ لِفُروسيَّتِهِ وشَهامَتِهِ ، فأوْصَىْ طَلَائعُ وهو
يَموتُ إلى ابنِهِ أنْ لا يُهِّجَ شَاوَرَ .
ثم إنَّ شَاوَرَ حَشَدَ وَجَمَعَ ، واخْتَرِقَ البَريَّةَ إلى أنْ خَرِجَ من عندِ تَرْوَجَة(٣) ، وقَصدَ
القاهرَةَ، فدَخلَها من غَيرِ مُمانَعَة، ثم فَتكَ برُزِيك وتَمَكَّنَ (٤) .
ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ جريدَةً إلى نُورِ الدِّينِ مُسْتَنْجِداً به ، فجَهَّزَ مَعهُ شِيرْكُوه ، بَلْ بَعْدَه
بِسَنَة، فاسْتَردَّ له الوَزارَةَ، وَتَمَكَّنَ، ولَّمْ يُجازِ شِيرْكُوهَ بما يَليقُ به، فأضْمَرَ له الشَّرَّ ،
واسْتَعَانَ شَاوَرُ بالفِرَنْجِ، وتَخَصَّنَ منهم شِيرْكُوهُ بْبِيسَ، فَحَصَرُوهُ مُدَّةً ، حتّى مَلُّوا .
واغْتَنَمَ نورُ الدين خُلوَّ الساحلِ منهُم فعَمَلَ المَصَافَّ على حارِمِ وأسَرَ مُلوكاً في سَنة
تسْع وخَمسينَ وخمسٍ مئّة .
(١) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥ -٢١٥، وانظر النزهة: ١٢١٨.
(٢) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥-٢١٥، وانظر النزهة: ١/١٢١٩.
(٣)
قرية بالقرب من الإسكندرية .
(٤) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥-٢١٥، وانظر النزهة: ٢/١٢١٩.
٣٢٨

ورجعَ شِيرْكُوه بعد أمور طويلة الشرح(١) .
ثم سَيَّرَ العاضِدُ يَسْتَنْجِدُ بشيركُوه على الفِرَنْجِ، فسارَ وهزَمَ الفِرَنْجَ بعد أنْ كادُوا
يَأْخُذُونَ البلادَ ، وهَمَّ شَاوَرُ باغْتیالِ شیرکُوه وکِبَارِ عَسْكَرِهِ فناَجَزُوه وقَتلُوه في ربيع
الآخر سَنةَ أرْبَع وسِتِّينَ قَتَلَه جُرْديك النُّورِيُّ وصَلاحُ الدِّين(٢).
فاسْتَوزَرَ العاضِدُ شيركُوه ، فلَمْ يُطَوِّلْ ، وماتَ بالخَانُوقِ بعدَ شَهِرَين وأَّامٍ ، وقامَ
بعدَه ابنُ أخيه صَلاحُ الدِّين وكان يُضرَبُ بِشَجاعَة أسَد الدِّين شيركُوه المَثَلُ ، ويَخافُه
الفِرَنْجُ(٣) .
قال الإمامُ الذهَبِيُّ: تَلَاشَىْ أَمْرُ العاضِدِ مع صَلاحِ الدِّين إلى أنْ خَلعَهُ، وخُطبَ
لِبَنِي العَبَّاس واسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ بَنِي عُبَيْدٍ ومَحَقَ دَولَةَ الرَّفْضِ وكانُوا أَرْبَعَةَ عَشرَ مُتَخلِّفاً
لا خَليفَة، والعاضِدُ في اللُّغَة أيضاً القاطِعُ، فكانَ هَذا عاضِداً لدَولَة أهْلِ بَيتِه (٤) .
قالَ ابنُ خَلِّكان: أخْبرَني عالِمٌ أنَّ العاضِدَ رَأى في نَومِه كأنَّ عَقْرَباً خَرجَت إليه من
مَسْجِدٍ عُرِفَ بها فَلَدَغَتْه، فلمَّا اسْتَيقَظَ طَلبَ مُعبِّراً، فقالَ : يَنالُك مَكرُوهٌ من رَجلٍ
مُقِيمٍ بالمَسْجِدِ ، فسَألَ عن المَسْجِدِ ، وقالَ للوَالي عنه، فأُتي بفَقيرٍ ، فسَأَلَه من أينَ
هُو ؟ وفيمَ قَدِمَ ، فرَأىُ منه صِدْقاً وديناً فقالَ: ادْعُ لنا يا شَيخُ ، وخَلَّى سَبِيلَه ، ورَجعَ
إلى المَسْجدِ ، فلمَّا غَلبَ صَلاحُ الدِّين علىْ مِصْرَ ، عَزمَ على خَلعِ العاضِدِ ، فقالَ ابنُ
خَلِّكَان : اسْتَفْتِي الفُقَهاءَ ، فأفْتُوا بجَوازٍ خَلعِه لما هو من انْحِلالِ الْعَقيدَة والاسْتهتارِ ،
فكانَ أكثَرُهم مُبالَغةً في الفُتيا ذاكَ ، وهو الشَّيخُ نَجْمُ الدِّينِ الخُبُوشانِيُّ ، فإِنَّه عَدَّد
مَساوِىءَ هَؤلاءِ ، وسَلبَ عَنهم الإيمَانَ(٥) .
قالَ أبو شَامَة : كان منهم ثَلاثَةٌ بإفْريقية : المَهْدِي ، والقَائِمُ والمَنْصُورُ، وأَحَدَ
(١)
انظر السير: ( العاضد) ١٥/ ٢٠٧-٢١٥، وانظر النزهة: ٣/١٢١٩.
(٢)
انظر السير: ( العاضد) ٢٠٧/١٥-٢١٥، وانظر النزهة: ١/١٢٢٠.
انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥-٢١٥، وانظر النزهة: ٢/١٢٢٠.
(٣)
انظر السير: ( العاضد) ٢٠٧/١٥_٢١٥، وانظر النزهة: ٣/١٢٢٠.
(٤)
انظر السير: ( العاضِد) ١٥/ ٢٠٧ -٢١٥، وانظر النزهة : ٤/١٢٢٠.
(٥)
٣٢٩

عَشرَ بِمِصْرَ آخِرُهم العاضِدُ، ثم قالَ : يَدَّعُون الشَّرفَ ونِسْبَتُهم إلى مَجُوسيٍّ أو
يَهوديٍّ، حتى اشْتَهَر لهم ذلكَ، وقيلَ: الدَّولَةُ العَلَويَّة، والدَّولَةُ الفاطِمِيَّة ، إنَّما هي
الدَّولَةُ اليَهوديَّةُ أو المَجُوسيَّةُ المُلْحِدَةُ الباطِنِيَّةُ .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كانت دَولتُهم مئتي سَنٍ وَثَمانياً وسِتِينَ سَنةً، وقد صَنَّفَ
القاضي أبو بَكْر بنُ الباقِلاَّني كتابَ (( كشْفِ أسْرارِ الباطِنِيّة)) فافْتَتَحَه ببطلانِ انْتِسابِهِم
إلى الإمامِ عَليٍّ رضي الله عنه، وكذلكَ القاضي عبدُ الجَبَّار المُعْتَزِليُّ .
هَلكَ العاضِدُ يَومَ عَاشُورَاءَ سَنةَ سَبعٍ وسِتِّينَ وخَمسٍ مِنَة بِذَرَبِ مُفْرِط وقِيلَ مَاتَ غَمَّا
لَمَّا سَمِعَ بِقَطْعِ خُطبَتِهِ وإِقامَةِ الدَّعْوَةِ للمُسْتَضيءِ .
وتَسلَّمَ صَلاحُ الدِّينِ القَصْرَ بما حَوَى من النَّفائسِ ، والأَموالِ ، وقَبضَ أيضاً على
أوْلادِ العاضِدِ وَآلِهِ ، فسَجَنَهم في بيتٍ من القَصْرِ ، وقَمَعَ غِلْمانَهم وأنْصارَهم ، وعَفَىُ
آثارَهم .
قالَ العِمادُ الكَاتِبُ : وهم الآن مَحْصُورونَ مَحْسُورونَ لَمْ يَظْهَروا وقد نَقَصوا
وتَقَلَّصُوا ، وانْتُقَى صَلاحُ الدِّينِ ما أحَبَّ من الذَّخائِرِ ، وأطْلَقَ البَيعَ بعدُ في ما بقي ،
فاسْتمَرَّ البَيعُ فيها مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ(١) .
ومن كتاب من إنشاء القاضي الفاضل شَمسِ الدين ابنٍ خَلِّكان إلى بَغْدادَ : ( وقَد
تَوَالَت الفُتُوحُ غَرباً ويَمَناً وشاماً وصارت البلادُ بل الدُّنيا والشهرُ ، بل والدَّهْرُ حَرماً
حَراماً وأضْحَى الدينُ واحداً بعدَ أنْ كان أدياناً ، والخِلافَةُ إذا ذُكِّرَ بها أهلُ الخِلافِ لمْ
يَخِرُوا عليها صُمَّا وعُمْياناً، والبدْعَةُ خَاشِعَةً، والجُمُعَةُ جامِعَةً، والمَذَلَّةُ في شِيَعِ
الضَّلالِ، شائعَةً ذلكَ بأنَّهم اتَّخَذوا عبادَ الله من دُونه أولياءَ، وسَمُّوا أعْداءَ اللهِ أصْفياءً
وتَقطَّعُوا أمرَهم بينَهم شِيَعاً ، وفرَّقُوا أمرَ الأُمَّة وكانَ مُجْتمعاً، وقُطعَ دَابرُهم ، ورَغِمَت
أنُوفُهم ومَنابِرُهم، وحَقَّت عَليهم الكلمَةُ تَشْرِيداً وقَتْلاً، وتَمَّتْ كلماتُ ربِّكَ صِدْقاً
وعَدْلاً ، وليسَ السَّيفُ عَمَّنْ سِواهم من الفِرَنْجِ بصائمٍ ، ولا اللَّيلُ عن السَّيرِ إليهم
بنائمٍ ) .
(١) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥ -٢١٥، وانظر النزهة: ٥/١٢٢٠.
٣٣٠

وقالَ الإمامُ الذهبيُّ في نهايَة تَرَاجِم بَنِي عُبَيْد الله الرَّافِضيّ: أعْجَبَنِي سَرْدُ هؤلاء
العُبَيْدِيَّة على التَّوالي، لِيَتَأمَّله النَّاظِرُ مُجْتَمعاً فَلْنَرجِعْ الآن إلى تَرْتيبِ الطِّباق في حُدُود
العشرين وثلاث مئة وما بعدَها(١) .
وقال عليُّ بنُ عُمر الحَرَّانِيّ سَمعتُ حَمْزَةَ بنَ محمد الحَافِظ ، وجاءَه غَريبٌ فقال :
إِنَّ عَسْكَرَ أبي تَميمٍ - يَعني المَغَارِبة - قد وصَلُوا إلى الإِسْكندرية فقالَ : اللَّهُمَّ لا تُحْييني
حتى تُرِينِي الرَّايَاتِ الصُّفْرِ، فَمَاتَ حَمزةُ ودَخَلَ عَسْكَرُهم بعد مَوْتِه بثلاثة أيام(٢).
قال الذهبيُّ : هؤلاء عَسكرُ المُعزِّ العُبَيديّ الإسماعيليّة ، تَمَلَّكوا مصرَ في هذا
الوقت ، وبنوا في الحال مدينةَ القاهرة المُعِزِّيَّة ، فأماتوا السُّنَّة ، وأظْهَروا الرَّفضَ ،
ودامت دولتُهم أزيَدَ من مئتي عام ، حتى أبادَهم السلطانُ صلاحُ الدين ، ونَسَبُهم إلى
عليٍّ رضي الله عنه غيرُ صحيح(٣) .
وقَدمَ الأميرُ جَوْهَرُ الرُّومِيُّ من جهَةِ مَوْلاهُ المُعِزِّ في جَيشٍ عَظيمٍ فِي سَنةٍ ثَمان
وخَمسينَ وثَلاثِ مئَة ، فاسْتَولَى على إِقْلِيمٍ مِصْرَ وأكْثرِ الشَّام ، واخْتطَّ القاهرَةَ وبَنى بها
دَارَ المُلكِ ، وكان عَاليَ الهِمَّة، نافِذَ الأَمْرِ ، وتَهَّأ له أخّذُ البلادِ بمُكاتَبَةٍ من أُمَراءِ
مِصْرَ ، قَلَّت عليهم الأموالُ، ولَمَّا وَصلَت كتائبُ العُبَيْدِيَّة - وكانوا نَحْواً من مئَة ألفٍ -
بَعثَ إلى جَوْهرَ وُجوهُ المِصْرِيِّينَ يَطْلُبُونَ الأمانَ وتَقَرِيرَ أمْلاكِهم ، فأجابَهم ، وكَتبَ
بذلكَ عَهْداً ، واخْتلفَتْ كَلمَةُ الإِخْشِيذَّة ، ووَقَعَ حَربٌ يَسیرٌ .
وقِيلَ : بَلْ قُتْلَ خَلقٌ من الإِخْشِيذِيَّة ، وانْهِزَمَ الباقون ، ثم نفَذوا يَطلُبون أماناً ،
فأمَّنَهم جَوهَرُ ، ومَنعَ جَيشَه من نَهْبِ الرَّعيَّة وفُتْحَت أسْواقُ مِصْرَ ، ثم دَخلَ في هَيئَة
المُلوكِ وعَليه قَبَاءُ ديباج فحَفَر للَيَتِهِ أساسَ قَصْر الخِلافَةِ، وبَعثَ إلى المُعِزِّ بُرُؤوسِ
الْقَتَلَى وَقُطِعَت الخُطبَةُ العَبَّاسِيَّة، وأُلْبسَ الخُطَبَاءُ البَياضَ، وأَذَّنوا بـ (( حَيٍّ عَلى خَيرِ
العَمَلِ ))(٤) .
(١) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥ -٢١٥، وانظر النزهة: ١/١٢٢١.
(٢) انظر السير: ( حَمزة بن محمد) ١٧٩/١٦ -١٨١، وانظر النزهة: ١/١٢٨١.
(٣) انظر السير: ( حَمزة بن محمد) ١٧٩/١٦ -١٨١، وانظر النزهة: ٢/١٢٨١.
(٤) انظر السير: (جَوْهَر) ٤٦٧/١٦-٤٦٨، وانظر النزهة: ٢/١٣٠٦.
٣٣١

وجاءَ في تَرجمةِ الأميرِ جَوْهَر قائد الجُيوش الرُّومِيّ المَغْربيّ ، قال الذهبيُّ : كان
جَوْهَرُ هذا حَسَنَ السِّيرَة في الرَّعايَا ، عاقِلاً أدِيباً شجاعاً ، مَهيباً ، لكنَّه علىُ نِحْلَةِ بَني
عُبَيْد التي ظاهِرُها الرَّفْضُ وباطِنُها الانْحِلالُ، وعُمُومُ جُيُوشِهِم بَرْبَرٌ وأهْلُ زعارة وشَرٍّ ،
لا سِيَّما مَنْ تَزَنْدَقَ منهُم، فكانُوا فِي مَعْنَى الكَفَرَةِ ، فَيَا ما ذَاقَ المُسلِمُونَ منهم من
القَتلِ ، والنَّهبِ ، وسَنْيِ الحَريمِ ، ولا سِيَّما في أوائِل دَوْلَتِهِم حتى إنَّ أهلَ صُورٍ قَامُوا
عَليْهم وقَتَلُوا فيهم ، فهَرَبُوا حتى إنَّ أهلَ صُورِ اسْتَنْجَدُوا بنَصَارَى الرُّومِ فجاؤُوا في
المَرَاكِبِ وكان أهلُ صُورٍ قد لَحِقَهُم من المَغَارِبَة من الظُّلْمِ والجَورِ وأخْذِ الحَريمِ من
الحَمَّامَاتِ والطُّرُقِ أمْرٌ كَبِيرٌ .
ولقد كانَ المُعِزُّ فِي زَمانِهِ أعْظَمَ بكثير من خُلِفَاءِ بَنِي العَبَّاس(١).
وكانت الدَّولَةُ الباطِنِيَّةُ قد مَنَعو الإمامَ أبا إسْحاقَ إبراهيمَ الحَبَّالَ من التَّحْديثِ ،
وأخَافُوهُ، وهَدَّدوهُ فامْتَنعَ من الرِّوايَةِ ، ولَمْ يَنْتَشِرْ له كَبِيرُ شَيءٍ(٢).
قالَ القاضي أبو عَلي الصَّدَفيُّ: مُنعْتُ من الدُّخُولِ إلى الإمام أبي إسحاقَ الحَبَّال
إلَّ بِشَرطِ أنْ لا يُسمعني، ولا يَكتبَ إجازةً، فأوَّلُ ما فاتَحْتُه الكلامَ خَلَّط في كَلامِه
وأجَابَتي على غَيرِ سُؤالِي حَذَراً من أنْ أكُونَ مَدْسُوساً عليه ، حَتَى بَسَطْتُه، وأعْلَمتُه أنِّي
أَنْدَلُسي أُريدُ الحَجَّ، فأَجَازَ لي لَفْظاً وامْتَنَعَ من غَيرِ ذلكَ(٣).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : قَّحِ اللهُ دَولَةً أماتَت السُّنَّة ورِوايَةَ الأثارةِ النَّبَويَّة وَأَحْيَت الرَّفْضَ
والضَّلَالَ ، وبَثَّت دُعاتِها في النَّواحِي تُغْوي النَّاسَ ويَدْعُونَهم إلى نِحْلةِ الإِسْماعيليّة ،
فبهم ضَلَّت جَبليّة الشَّامِ وتَعثَّرُوا ، فَتَحمَدُ اللهَ على السَّلامَة في الدِّين(٤).
(١) انظر السير: (جَوْهَر) ٤٦٧/١٦-٤٦٨، وانظر النزهة: ٣/١٣٠٦.
(٢)
انظر السير: ( الحَبَّال) ٤٩٥/١٨-٥٠٣، وانظر النزهة: ٢/١٤٣٥.
(٣) انظر السير: (الحَبَّال) ٤٩٥/١٨-٥٠٣، وانظر النزهة: ٣/١٤٣٥.
(٤) انظر السير: (الحَبَّال) ٤٩٥/١٨-٥٠٣، وانظر النزهة: ٤/١٤٣٥.
٣٣٢

(ب) الدَّوْلَةُ الفاطِمِيَّة تَذَّعي زُوراً النَّسَبَ الشَريف:
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في ترجَمَة المَهْدي ، أوَّل مَنْ قامَ من الخُلفَاءِ الخَوارِجِ العُبَيْدِيَّة
الباطِنَّة : والمُحَقِّقُونَ على أنَّه دَعِيٌّ بحَيثُ إِنَّ المُعِزَّ مِنْهُمْ لَمَّا سَأَلَهُ السَّيدُ ابنُ طَبَاطَبًا عن
نَسَبه ، قال: غَداً أُخْرِجُهُ لَكَ، ثمَّ أصْبَحَ وقد أَلْقَى عَرَمَةً(١) من الذَّهَبِ ، ثمَّ جَذَبَ
نِصْفَ سَيْفِه من غِمْدِه، فقالَ: هذا نَسَبِي، وأمَرَهُم بنَهْبِ الذَّهَبِ ، وقالَ : هذا
حَسَبِي .
وقد صَنَّفَ ابنُ الباقِلاَّنِيِّ وغَيرُه من الأئِمَّة في هَتْكِ مَقالاتِ العُبَيْدِيَّة وبُطْلانِ نَسَبِهم ،
فَهَذا نَسَبُهُم ، وهَذِهِ نِحْلَتُهُم ، وقد سُقْتُ في حَوادِثِ (( تاريخِنا)) من أحْوالِ هَؤلاءِ
وأخبارِهِم في تَفَارِيقِ السِّنينِ عَجَائِبَ .
فرأى عُبيدُ الله أنَّ ما يَرومُه من المُلك، لا يَنبَغي أنْ يَكونَ ظُهورُه بالعِراق
ولا بالشَّام ، فبعثَ أولاً له داعيَيْن شَيطانَيَّن داهيَتَيْن، وهما الأخَوان أبو عبد الله
الشِّيعيِّ، وأخُوه العَبَّاس، فظَهَرَ أحدُهما بالْيَمَن والآخَرُ بإفْريقية ، وأظْهرَ كلٌّ منهما
الزُّهْدَ والثَّالُّهَ وأدَّبا أولادَ النَّاسِ، وشَوَّقا إلى الإمامِ المَهْدِيِّ(٢).
قالَ ابنُ خَلِّكَانَ وغَيرُه: أكثرُ أهْلِ العلم لا يُصَحِّحُونَ نَسَبَ المَهْدِيِّ عُبَيْد الله جَدِّ
خُلَفاء مِصْرَ ، حتى إنَّ العَزِيزَ في أوَّلِ وِلايَتِهِ صَعدَ المِنْبَرَ يومَ جُمُعَة ، فوجَدَ هناك رُقْعَةً
فيها :
نَبَّكي عَلى المِنْبَرِ والجَامعِ
إِذَا سَمِعْنَا نَسَباً مُنْكَراً
فَاذْكر أباً بَعْدَ الأبِ الرَّابعِ
إِنْ كُنْتَ فِيمَا تَذَّعِي صَادِقاً
فَانْسُبْ لَنَا نَفْسَكَ كَالطَّائعِ
وإنْ تُرِدْ تَحْقِيقَ مَا قُلْتَه
وادْخُل بِنَا في النَّسَبِ الوَاسعِ
أوْ لا دَعِ الأَنْسَابَ مَسْتُورَةً
يَقْصُرُ عَنْهَا طَمَعُ الطَّامِعِ
فإِنَّ أَنْسَابَ بَنِي هَاشِمٍ
(١) العَرمة: بالتحريك : مجمع رمل، وقد استعمله هنا بمعنى كومة من الذهب .
(٢) انظر السير: (المَهْديّ وذريَّته) ١٤١/١٥-١٥١، وانظر النزهة: ٢/١١٩٧.
٣٣٣

وصَعَدَ مرَّةً أخْرَى ، فَرَأَى وَرَقةً فيها :
وَلَيْسَ بالكُفْرِ والحَمَاقَة
بالظُّلْمِ والجَوْرِ قَدْ رَضِينًا
فقُلْ لَنَا كَاتِبَ البِطَاقَة
إِنْ كُنْتَ أُعْطِيتَ عِلْمَ غَيْبٍ
ثم قالَ ابنُ خَلِّكانَ: وذلك لأنَّهم ادَّعَوْا عِلمَ المُغَيَّبات ولهم في ذلك أخبارٌ
مَشْهُورَة .
وفُتحت للعَزيزِ حَلَبُ وحَمَاةُ وحِمْصُ وخَطَبَ أبو الذَّوَّاد محمدُ ابنُ المُسَيِّبِ
بالمُوصِلِ له ورَقَمَ اسْمَه على الأعْلام والسِّكَّة سنةَ ٣٨٣ هـ ، وخُطبَ له أيضاً باليَمَنِ
وبالشَّامِ ومَدائنِ المَغْربِ .
وكانت دولةُ هذا الرَّافضيِّ أعْظَمَ بكثير من دَولةِ أميرِ المؤمنينَ الطَّائعِ ابنِ المُطيعِ
العبَّاسيِّ .
وفي أيَّامِه أُظْهِرَ سَبُّ الصَّحابَة جِهاراً(١) .
قالَ أبو شَامَة : كان منهم ثَلاثَةٌ بإفْريقية : المَهْدِي ، والقَائِمُ والمَنْصُورُ، وأَحَدَ
عَشرَ بِمِصْرَ آخِرُهم العاضِدُ ، ثم قالَ: يَدَّعُون الشَّرِفَ ونِسْبَتُهم إلى مَجُوسيٍّ أو
يَهوديٌّ، حتى اشْتَهَر لهم ذلكَ، وقيلَ: الدَّولَةُ العَلَوِيَّةِ، والدَّوْلَةُ الفاطِمِيَّة ، إنَّما هي
الدَّولَةُ اليَهوديَّةُ أو المَجُوسِيَّةُ المُلْحِدَةُ الباطِنِيَّةُ .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كانت دَولتُهم مئتي سَنةٍ وثَمانياً وسِتِينَ سَنةً، وقد صَنَّفَ
القاضي أبو بَكْر بنُ الباقِلاَّني كتابَ ((كشْفِ أسْرارِ الباطِنِيّة)) فافْتَتَحَه ببطلانِ انْتِسابِهِم
إلى الإمامِ عَليٍّ رضي الله عنه، وكذلكَ القاضي عبدُ الجَبَّار المُعْتَزِليُّ .
هَلكَ العاضِدُ يَومَ عَاشُوراءَ سَنَ سَبْعٍ وسِتِينَ وخَمسٍ مِئَة بِذَرَبٍ مُفْرِط وقِيلَ : مَاتَ
غَمَّا لَمَّا سَمِعَ بَقَطْعِ خُطبَتِهِ وإِقامَةِ الدَّعْوَةِ للمُسْتَضِيءٍ .
وتَسلَّمَ صَلاحُ الدِّينِ القَصْرَ بما حَوَى من النَّفائسِ ، والأَموالِ ، وقَبضَ أيضاً على
(١) انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥ -١٧٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٦.
٣٣٤

أوْلادِ العاضِدِ وَآلِهِ ، فسَجَنَهم في بيتٍ من القَصْرِ، وقَمَعَ غِلْمانَهم وأنْصارَهم ، وعَفَى
آثارهم .
قالَ العِمادُ الكَاتِبُ : وهم الآن مَحْصُورونَ مَحْسُورونَ لَمْ يَظْهَروا وقد نَقَصوا
وتَقَلَّصُوا، وانْتُقَى صَلاحُ الدِّينِ ما أحَبَّ من الذَّخائِ ، وأطْلَقَ البَيعَ بعدُ في ما بَقِي ،
فاسْتمَرَّ البَيعُ فيها مُدَّةَ عَشْرٍ سِنِينَ (١) .
(ج ) مَوْقِف العُلماء والصَّالحين منها :
قالَ أبو الحَسَن القابسيُّ، صاحبُ الملخّص: إنَّ الذين قَتلَهم عُبَيْدُ الله وبَنُوه أربعةَ
آلافٍ في دارِ النَّحْر في العَذابِ من عالمٍ وعابد ليَرُدَّهم عن التَّرَضِّي عن الصَّحَابَةِ ،
فاخْتارُوا المَوتَ .
وفي أيَّامِ المَهْدي ، عائَتِ القَرامِطَةُ بالبَحْرَين، وأخَذُوا الحَجِيجَ وقَتَلُوا وسَبوا ،
واسْتَبَاحُوا حَرَمَ الله، وقَلَعُوا الحَجَرَ الأَسْوَدَ، وكان عُبَيَدُ الله يُكاتِبُهم ، يُحرِّضُهم
قاتَلَه الله .
وكان مَوتُه ، سَنةَ اثْنَتَيْن وعشرينَ وثلاثٍ مثَّة وله اثْتَتَانِ وَسِتُّونَ سَنةً ، وكانت دَولَتُه
خَمْساً وعشرينَ سَنةً وأشْهُراً (٢) .
نَقَلَ القاضي عِياض في ترجَمة أبي محمَّد الكستراتي ، أنَّه سُئلَ عمَّن أكْرَهَه بَنو عُبَيد
على الدُّخُولِ في دَعْوَتهم أوْ يُقتَل؟ فقالَ : يَخْتارُ القَتلَ ولا يُعْذَرِ ، ويَجبُ الفِرارُ ،
لأنَّ المُقَامَ في مَوْضِع يُطلَبُ من أهْلِهِ تَعطيلُ الشَّرائعَ ، لا يَجوزُ .
قالَ القاضي عياض : أجْمَعَ العُلماءُ بالقَيْرَوانِ ، أنَّ حَالَ بَنِي عُبَيْد حالُ المُرْتَدِّينَ
والزَّنادِقَةِ(٣).
وجاءَ في تَرْجَمَة القائِمِ أبي القاسِم مُحمَّدٍ بنِ المَهْدِيِّ عُبَيْدِ الله ، صاحِبِ المَغْرِبِ ،
(١) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥-٢١٥، وانظر النزهة: ٥/١٢٢٠.
(٢) انظر السير: (المَهْدي وذُريَّته) ١٥ /١٤١ -١٥١، وانظر النزهة: ٢/١١٩٨.
(٣) انظر السير: ( المَهْدي وذُريَّته) ١٤١/١٥ -١٥١، وانظر النزهة: ١/١١٩٩.
٣٣٥

قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: خَرَجَ عليه في سَنةِ اثْنَتَينٍ وثلاثين وثلاثٍ مِئَّة، أبُو يَزِيدَ مَخْلَدٌ بنُ
كَيْدَادَ البَرْبَرِيُّ وجَرَتْ بَيْنَهُما مَلَاحِمُ، وحَصَرَه مَخْلَدٌ بالمَهْدِيَّة ، وضَيَّقَ عليه ،
واسْتَولَى علىْ بِلادِه، ثمَّ وُسْوِسَ القائِمُ، واخْتَلَطَ وزالَ عَقلُه وكانَ شَيْطاناً مَريداً
يَتَزَنْدَقُ(١).
>
ذَكرَ القاضي عبدُ الجَبَّار المُتَكلِّمُ ، أنَّ القائِمَ أَظْهَرَ سَبَّ الأنْبياءِ وكان مُنادِیهِ يَصِيحُ :
الْعَنوا الغَارَ وما حَوَىُ وأَبادَ عِدَّةً من العُلَماءِ وكان يُراسِلُ قَرَامِطَةَ البَحْرَيْنِ ، ويأمُرُهم
بإحْراقِ المَساجِدِ والمَصاحِفِ فَتَجَمَّعتْ الإِبَاضِيّةُ (٢) والبَرْبَرُ علىْ مَخْلَد، وَأَقْبَلَ ، وكانَ
ناسِكاً قَصيرَ الدَّلقِ (٣) يَرِكَبُ حِماراً، لَكنَّهُم خَوارِج، وقامَ معه خَلقٌ من السُّنَّةِ
والصُّلَحاءِ ، وكادَ أنْ يَتَمَلَّكَ العالَمَ، ورُكِّزَتْ بُودُهُم عند جامِعِ القَيْرَوانِ فيها: لا إلَهَ
إلَّ الله، لا حُكْمَ إلَّ لله، وبَنْدانِ أصْفَرانِ فيهِما: نَصْرٌ من الله وَفَتْحٌّ قَرِيبٌ وبَنْدٌ لِمَخْلَد
فيه : اللهُمَّ انْصُرْ وَلِيَّكَ على مَنْ سَبَّ نَبَّكَ وخَطَبَهُم أحْمِدُ بنُ أبي الوَليد، فحَضَّ على
الجهادِ ، ثمَّ سارُوا، ونازَلُوا المَهْدِيَّةَ ولمَّا الْتَّقَوا وأيْقَنَّ مَخْلدٌ بالنَّصْرِ ، تَحرَّكَتْ نَفَسُه
الخارِجِيَّةُ ، وقال لأصْحابِه : انْكَشِفُوا عَن أهْلِ القَيْرَوانِ حتى يَنالَ منهُمْ عَذُّوُهم ،
ففعلوا ذلكَ فاسْتُشْهِدَ خَمسَةٌ وثمانونَ نَفْساً من العُلَماءِ ، والزُّهادِ .
وخَوارِجُ المَغْرِبِ إِيَاضِيَّةٌ مَنْسوبُونَ إلى عبدِ الله بنِ يَحْيَى بنِ إِيَاض الذي خَرَجَ في
أيّام مَرْوانَ الحِمار، وانْتَشَرَ أتْباعُه بالمَغْرِبِ، يَقولُ: أفْعَالُنَا مَخْلوقَةٌ لنا ويُكَفِّرُ
بالكُبائِرِ ، ويَقولُ : لَيسَ في القُرآنِ خُصوصٌ ، ومَنْ خالَفَه حَلَّ دَمَه .
وكانَ مَوتُ القائِمِ سَنةَ أرْبعٍ وثَلاثينَ مَخْصوراً بالمَهْدِيَّةِ ، لَكِنْ قامَ بَعدَه ابنُهُ
و (٤)
المَنْصُورُ(٤).
(١) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٣/١١٩٩.
(٢) من أكبر فرق الخوارج، وهم أصحاب عبد الله بن يحيى بن إباض الملقب بـ ((طالب الحق))، من أهل
اليمن ، خلع طاعة مروان بن محمد وبويع له بالخلافة ، واستولى على صنعاء ومكة ، قُتل سنة
١٣٠ هـ .
(٣) الدلق: ثوب متسع الأكمام طويلها (صبح الأعشى) ٤/ ٤٢.
(٤) انظر السير: (القائم) ١٥/ ١٥٢-١٥٦، وانظر النزهة: ٤/١١٩٩.
٣٣٦

وقد أجْمَعَ عُلماءُ المَغْربِ على مُحَارَبَةِ آلِ عُبَيْد لما شَهرُوه من الكُفْرِ الصّراح الذي
لا حيلَةً فیه(١) .
وعُوتِبَ بَعضُ العُلماءِ في الخُروجِ مع أبي يَزِيد الخارِجيِّ، فقالَ: وكَيفَ لا أخْرُجُ
وقد سَمعتُ الكُفرَ بأُذُني؟ !! حَضَرَتُ عَقداً فيه جَمعٌ من سُنَّةٍ ومَشَارِقَة ، وفيهِم
أبو قُضاعَة الدَّاعِي ، فجاءَ رَئيسٌ ، فقالَ كَبِيرٌ منهُم : إلى هنا ياسيِّدي ارْتَفِعْ إلى جانِبِ
رسُولِ اللهِ ، يَعْني أبا قُضاعَة ، فما نَطَقَ أحَدٌ .
ووُجِدَ بِخَطِّ فَقَيهِ ، قال : في رَجَبَ سَنةَ ٣٣١ هـ، قامَ المُكَوكب يَقْذِفُ الصَّحَابَةَ ،
ويَطْعَنُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعُلَّقَتْ رُؤوسُ حَميرٍ وكِباشٍ على
الحَوانيتِ ، كُتِبَ عليها أنَّهَا رُؤُوسُ صَحابَةٍ(٢).
وخَرَجَ أبو إسْحاقَ الفَقيهُ مع أبي يَزِيد، وقال: هُمْ أهْلُ القِبْلَةِ وأولئِكَ لَيْسوا أهْلَ
قِبْلَةٍ، وهُم بَنُو عَدُوِّ الله، فإنْ ظَفِرْنا بهم، لَمْ نَدخُلْ تَحتَ طاعَةٍ أبي يَزِيدَ ، لأنََّ
خارجيٌّ(٣) .
قالَ أبو مَيْسَرَة الضَّريرُ: أَدْخَلَني اللهُ فِي شَفَاعَةِ أسْوَد رَمَى هؤلاء القَوْمَ بحَجَر (٤).
وقالَ السَّبَائِيُّ: أي والله نَجدُّ في قَتلِ المُبَدِّلِ الدِّين(٥) .
وتَسارَعَ الفُقَهَاءُ والعُبَّادُ فِي أُهْبَةٍ كاملة بالطُبولِ والبُنُودِ وخَطَبَهم في الجُمُعَة
أحمَدُ بنُ أبي الوَليد، وحَرَّضَهم وقالَ : جاهِدُوا مَنْ كَفَرَ بالله وزَعَمَ أنَّه رَبٌّ من
دُونِ الله، وغَيَّرَ أَحْكَامَ الله، وسَبَّ نَبَّه وأصْحابَ نَبِيِّه فبَكَى النَّاسُ بُكاءً شَديداً وقالَ :
اللَّهُمَّ إنَّ هَذا القِرْمِطِيَّ الكافرَ المَعْروفَ بابنِ عُبَيَد الله، المُدَّعِ الرُّبُوبِيَّة ، جاحِدٌ
لِنِعْمَتِك، كافِرٌ بِرُبُوبِيَّتِك، طاعِنٌ علىْ رُسُلِك، مُكذِّبٌ بِمُحمَّد نَبيَّك سافِكٌ للدِّماءِ
(١) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ١/١٢٠٠.
(٢) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٠.
(٣)
انظر السير: ( القائم) ١٥/ ١٥٢-١٥٦، وانظر النزهة: ١/١٢٠١.
(٤) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٠١.
(٥) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٠١.
٣٣٧

فالْعَنْهُ لَعْناً وَبِيلاً، واخْزِهِ خِزْياً طَوِيلاً ، واغْضَبْ عَليه بُكْرةً وأصيلاً ثم نَزَلَ فصَلَّى بهم
الجُمُعَةِ(١) .
ورَكبَ رَبِيعُ القَطَّان(٢) فَرَسَه مُلبساً، وفي عُنُقِه المصْحَف ، وحَولَه جَمعٌ كَبِيرٌ ،
وهو يَتْلُوَآيَاتِ جِهَادِ الكَفَرَة فاسْتُشهِدَ رَبِيعٌ فِي خَلقٍ من النَّاسِ يَومَ المَصافِّ في صَفَر سَنةً
أَرْبَع وثَلاثينَ وكان غَرَضُ هؤلاء المَجُوسَ بَنِي عُبَيْد أخْذَه حيّاً ليُعذِّبُوه قالَ أبو الحَسَن
القابسيُّ: اسْتُشهِدَ معَه فُضَلاءٌ، وأئمَّةٌ ، وعُبَّاد .
وقالَ بعضُ الشُّعَراء في بَنِي عُبَيْد(٣):
شَرُ الزَّنَادِقِ مِنْ صَحْبٍ وتُبَّاعِ
المَاكِرُ الغَادِرُ الغَاوي لِشِيعَتِهِ
بِسِحْرٍ هَارُوتَ مِنْ كُفْر وإبداعٍ
العَابدينَ إذَا عِجْلاً يُخَاطِبُهُم
أَوْ لِليَهُودِ لَسَدُّوا صَمْخَ أسْماءِ
لَوْ قِيلَ للُّومِ أَنْتُمْ مِثْلُهُم لَبَكَوْا
وذكرَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في ترجَمَة المَنْصُورِ قال : وَلِيَ بعدَ أبيهِ ، وحارَبَ رَأْسَ
الإِبَاضِيّة أبا يَزِيد مَخْلدَ بنَ كَيْدَادَ الزَّاهِد ، والْتَّقَي الجَمْعان مَرَّاتٍ ، وظَهَرَ مَخْلدُ على
أكْثَرِ المَغْرِب، ولَمْ يَبْقَ لِبَنِي عُبَيْدِ سِوَى المَهْدِيَّة (٤) .
فنَهَضَ المَنْصورُ، وأخْفَى مَوتَ أبيهِ ، وصَابَرَ الإِبَاضيَّةَ حتى تَرَخَّلوا عنه ، ونازَلُوا
مَدينَةَ سُوسَةٍ، فَبَرَزَ المَنصُورُ من المَهْدِيَّة، والْتَّقَوا فانْكَسَرَ جَيشُ مَخْلد علىَ كَثْرَتِهِم ،
وأُسِرَ هو في سَنةِ ٣٣٦ هـ، فماتَ بعدَ الأسْرِ بأَرْبَعةِ أيّامٍ من الجِراحِ ، فسُلِخَ وحُشِيَ
قُطْناً ، وصُلِبَ .
وبَنَوْا مَدينَةَ المَنْصوريَّةَ مكانَ الوَقْعَةِ ، فَتَزَلَها المَنْصورُ .
(١) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٠١.
(٢) ربيع بن سليمان بن عطاء الله ، القطّان ، كان لسان إفريقية في وقته في الزُّهْد والرقائق ، وكان جعل
على نفسه ألا يشبع من طعام ولا نوم حتى يقطع الله دولة بني عُبَيّد انظر ترجمته في: (( ترتيب المدارك))
٣٢٣/٣_٣٣٢ ٠
(٣) انظر السير: (القائم) ١٥/ ١٥٢ -١٥٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٠١.
(٤) انظر السير: ( المنصور) ١٥٦/١٥ -١٥٩، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٢.
٣٣٨

وكان بَطَلاً شجاعاً، رابِطَ الجأشِ، فَصيحاً مُفَوَّهاً يَرْتَجِلُ الخُطَبَ وفيه إِسْلامٌ في
الجُمْلَة وعَقلٌ بخِلافِ أبيهِ الزِّنْدِيقِ(١).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ المُعِزِّ بنِ المَنْصُورِ العُبَيْدِيِّ حينما اسْتَولَى على
مِصْرَ : فَتَهِيَّأْ المُعِزُّ ، وسارَ بِخَزائِهِ ، وتَوابيتِ آبائِه وكان دُخُولُه إلى الإسْكَنْدَريَّة في
شَعْبانَ سَنَ اثنتين وستِّينَ وثلاث مثَة وتَلَقَّهُ قاضي مِصْرَ الذُّهْليُّ وأعيانُها ، فَأَكْرَمَهُم
وطال حَديثُه مَعَهم وعَرَّفهم أنَّ قَصْدَه الحَقُّ والجهَادُ ، وأنْ يَختمَ عُمرَه بالأعْمال
الصَّالِحَة، وأنْ يُقيمَ أوامرَ جَدِّه رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ووَعَظَ وذَكَّر حتى
أعْجَبَهم ، وبَكىْ بَعضُهم ثم خَلعَ عليهم، وقال للقاضي أبي الطَّاهِرِ الدُّهْليِّ: مَنْ
رَأْيتَ من الخُلَفاء ؟ فقالَ : واحداً ، قالَ : مَنْ هو ؟ قال : مَوْلانا ، فأعْجَبَه ذلك .
ثم إنَّه سارَ حتى خَيَّم بالجِيزَة فَأَخَذَ عَسْكرُه في التَّعْدِيَة إلى الفُسْطاطِ ، ثم دَخَلَ
القاهِرَةَ، وقد بُنيَ له بها قَصرُ الإمارَة، وزُيِّنَت مِصْرُ، فاسْتَوى علىْ سَرير مُلْكِه ،
وصَلَّى رَكعتين .
وكان عَاقلاً لَبِيباً حَازِماً ذا أدَبٍ وعِلمٍ ومَعْرفَةٍ وجَلالَةٍ وكَرَمٍ يَرجِعُ في الجُمَلَة إلىُّ
عَدْلٍ وإنْصافٍ ، ولَوْلا بدْعَتُهُ ورَفْضُه ، لكان من خِيارِ المُلوكِ(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَة الحُبُليِّ: الإمامُ الشَّهِيدُ قاضي مَدينَة بَرْقَة ،
محَمُد بنُ الحُبُلي .
أتاهُ أميرُ بَرْقَة، فقالَ : غَداً العيدُ، قالَ : حَتى نَرى الهِلالَ ولا أُفَطِّرُ النَّاسَ،
وأتَقَلَّدُ إثمَهم ، فقالَ: بهذا جاءَ كتابُ المَنْصُورِ - وكانَ هذا من رَأي العُبَيْدِيَّة يُفْطِرونَ
بالحِسابِ، ولا يَعتَبِرونَ رُؤيَةً - فلمْ يُرَ هِلالٌ، فأصْبَحَ الأميرُ بالطُبُولِ والبُنُودِ وأُهْبَةِ
العِيدِ فقالَ القاضي: لا أخْرُجُ ولا أُصَلِّي، فأمَرَ الأميرُ رَجُلاً خَطَبَ وكَتبَ بما جَرَى
إِلى المَنْصُورِ فَطَلبَ القاضي إليه، فأُحْضِرَ ، فقالَ له: تَنَصَّلْ، وأَعْفُو عَنكَ ، فامْتَنَعَ
(١) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٢.
(٢) انظر السير: (المُعِزُّ) ١٥٩/١٥ -١٦٧، وانظر النزهة: ١/١٢٠٤.
٣٣٩

فأمَرَ ، فعُلِّقَ في الشَّمسِ إلى أنْ ماتَ، وكانَ يَسْتَغِيثُ العَطَشَ، فَلَمْ يُسْقَ ثم صَلِبُوه
علىْ خَشَبَةٍ فَلَعْنَةُ الله على الظَّالِمِينَ(١) .
الشهيد :
جاءَ في تَرْجَمَة الشَّهِيد: الإمامُ القُدوَةُ الشَّهِيدُ أبو بَكْر مُحمَّدُ ابنُ أحمَدَ بنِ سَهْل
الرَّمليّ، ويُعْرفُ بابنِ النَّابُلسيّ(٢) .
وقال أبو ذَرِ الحافِظُ : سَجَنَه بنُو عُبَيْد وصَلَبُوه على السنَّة، سَمعتُ الدَّارَقُطْنِيّ
يَذْكُرُه ويَبْكِي، ويقولُ: كان يقولُ، وهو يُسْلَخِ: ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾(٣) .
وقال أبو الفَرجِ بنُ الجَوْزيّ : أقامَ جَوْهَرٌ القائِدُ لأبي تَميمِ صاحِبٍ مِصْرَ أبا بَكْر
النَّابلسي، وكان يَنزِلُ الأكْواخَ فقال له : بَلَغَنا أَنَّكَ قُلتَ: إذا كان مع الرَّجُلِ عَشْرةُ
أَسْهُم، وجَبَ أن يَرْمِيَ في الرُّومِ سَهْمَاً وفِينَا تِسْعَةً ، قال : ما قُلتُ هذا، بَلْ قُلتُ :
إذا كان معه عَشْرةُ أَسْهُمٍ وَجَبَ أَنْ يَرِمِيَكم بتِسِعَةً وأن يَرمِيَ العاشِرَ فيكم أيضاً ، فإنكم
غَيَّرْتُمُ المِلَّة، وقَتَلْتُم الصَّالِحِين ، واذَّعَيْتُم نُورَ الإلَهِيَّة، فَشَهَرهِ ثُمَّ ضَرَبَه، ثُمَّ أَمَرَ
يَهُودِيّاً فسَلَخَه وحُشِيَ تِبْناً ، وصُلِبَ .
وقال مُعمَّرُ بنِ أحمَد بنِ زياد الصُّوفيّ : أخْبَرَني الثِّقَةُ أنَّ أبا بَكْر سُلِخَ من مَفْرِقٍ
رَأْسِهِ حتّى بَلَغَ الوَجْه، فكان يَذْكُرُ اللهَ ويَصْبِر حتَى بَلَغَ الصَّدْرَ، فَرَحِمَه السَّلاَّخُ ،
فَوَكَزَه بالسِّكِّينِ مَوْضِعَ قَلْبِهِ فقَضَى عليه، وأَخْبَرَنِي الثَّقَةُ أنَّه كان إماماً في الحَدِيثِ
والفِقْه ، صائِمَ الذَّهرِ ، كبيرَ الصَوْلَة عند العامَّة والخاصَّة، ولمَّا سُلِخَ كان يُسْمَعُ من
جَسَدِهِ قِراءَةُ القُرآن(٤).
قال الذَّهبيُّ: لا يُوصَفُ ما قَلَبَ هؤلاء العُبَيْدِيَّة الدِّينَ ظَهْراً لبَطْن، واسْتَوْلَوا على
(١) انظر السير: (الحُبُلي) ٣٧٤/١٥، وانظر النزهة : ١/١٢٣٨.
(٢) انظر السير: (الشّهيد) ١٤٨/١٦ - ١٥٠، وانظر النزهة: ١/١٢٧٦.
(٣) سورة الإسراء ، الآية : ٥٨ .
(٤) انظر السير: (الشَّهيد) ١٤٨/١٦ - ١٥٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٦.
٣٤٠