النص المفهرس

صفحات 261-280

٢ - الشُّعَراءُ المُتَّهَمون في دِینھم :
ابنُ ھانیء :
وجاء في ترجَمة ابنِ هاني قال الإمامُ الذهبيُّ : شاعرُ العَصْر أبو الحَسَن ، محمَّدُ بنُ
هاني الأزْدِيُّ المُهَلَّبيُّ الأَنْدَلُسيُّ يُقالُ: إنَّه من ذُرِّية المُهَلَّب وكان أبوه شاعراً أيضاً ،
ويُكنَّى محمدٌ أبا القاسم أيضاً .
مَولدُه بإِشْبِيليّة وكان ذا حُظْوَة عند صاحب إشْبيليّة ، ونَظمُه بَديعٌ في الدُّروَة ، وكان
حافظاً لأشْعارِ العَرَب وأيَّامِها ، لكنَّه فاسقٌ خمِّير يُتَّهَمُ بدين الفَلَاسِفَة ، فَهَربَ لمَّا هَمُّوا
به إلى العُدْوَة فانَّصلَ بالمُعِزِّ العُبَيْدِيِّ، فَأَنْعَمَ عليه، وشَرب عندَ قَومٍ ، فخنق في سنة
اثنتين وستين وثلاث مئة ، وهو في عشر الخمسين .
وديوانُهُ كبيرٌ وفيه مَدائِحُ تُفْضي به إلى الكُفْرِ(١) وهو مِنْ نُظَراء المُتَنِّي(٢).
أبو العَلاء المَعَرِّي :
وجاء في ترجَمة أبي العَلاء قال الإمامُ الذهبيُّ: هو الشَّيخُ العَلَّمَة، شَيخُ الآداب ،
أبو العَلاء ، أحمَدُ بنُ عبدِ الله بنِ سُلَيْمان ، القَحْطانيُّ، ثم التَّنُوخِيُّ المعَرِّيُّ الأَعْمَىُ ،
اللُّغَويُّ، الشَّاعِرُ صاحبُ التَّصانيفِ السَّائرَة، والمُتَّهَم في نِحْلَتِهِ .
وُلدَ في سنة ثلاث وستِين وثلاث مئة .
وأضرَّ بالجُدَري وله أربَعُ سنين وشَهْر ، سالَت واحدَةٌ ، وابْيَضَّت اليُمْنَى فكان
لا يَذكُرُ من الألْوان إلاَّ الأحمرَ، لثوبٍ أحمَرَ الْبَسُوه إيَّاه وقد جُدِّر، وبَقيَ خَمساً
وأربعين سنةً لا يأكُلُ اللَّحْمَ تَزَهُّداً فَلسَفياً .
وكان قَنوعاً مُتَعَفِّفاً، له وَقْفٌ يقومُ بأمْرِهِ ، ولا يَقبَلُ من أحَدٍ شَيئاً، لَوْ تَكسَّبَ
(١) من ذلك قوله - قبَّحه الله - في مدح المُعِزِّ:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهَّار
ومثل هذا كثير في ديوانه، وانظر «حُسن المُحاضرَة)) (٥٩٩/١).
(٢) انظر السير: (ابن هاني) ١٣١/١٦ -١٣٢، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٣.
٢٦١

بالمَديح، لحَصَّلَ مَالاً ودُنْيا ، فإنَّ نَظْمَه في الذُّرْوَة يُعَدُّ مع المُتَنَبِّي والبُخْتُري وكان
يَتْوَقَّدُ ذَكَاءً .
ومن أرْدَأْ تَواليفِه (( رسالَةُ الغُفْران)) في مجلّد قد احْتوَت على مَزْدكَةٍ وفراغ ،
و (( رسالَة المَلائِكَة)»، ورسالَة ((الطَّيْرِ)) على ذلك الأُنْموذَج، وديوانُهُ ((سَقْطُ الزَّنْد)»
مَشْهُورٌ، وله (( لُزُوم ما لا يَلْزَم)) من نَظْمِه، وكان إليه المُنْتُهى في حِفِظِ اللُّغات(١).
ارْتَحَلَ في حُدودِ الأرْبَع مِئَة إلىْ طَرابُلسَ وبها كُتُبٌ كَثِيرةٌ ، واجْتَازَ بِاللَّذِقِيَّةِ ، فَتَزَلَ
ديراً به راهِبٌ مُتَفَلسِفٌ ، فدَخَلَ كَلامُه في مَسامِع أبي العَلاءِ، وحَصَلتْ له شُكوكٌ لَمْ
يَكُنْ له نُورٌ يَدْفَعُها، فحَصلَ له نَوْعُ انْحِلالٍ دَلَّ عَليه ما يَنظُمُه ويَلْهَجُ به ويُقالُ : تَابَ
من ذَلِكَ وارْعَوَىُ .
وقد سَارَت الفُضَلاءُ إلى بابِهِ ، وأخَذُوا عنه .
وكان غِذَاؤُه العَدَسَ ونَحْوَه، وحَلوَاه التَيِّن ، وثيابُه القُطْن .
يُقالُ: كان يَحفظُ كلَّ ما مَرَّ بسَمِعِه ، ويُلازِمُ بَيْتَه، وسَمَّى نفسَه رَهينَ المَحْبسَين ،
للزُومِهِ مَنزلَه وللعَمَى، وقال الشِّعْرَ في حَداثِهِ ، وكان يُملي تَصانيفَه على الطَّلبَة من
صَدْرِه .
خَرِجَ صالحُ بنُ مِرْداس مَلكُ حَلَبِ فَنَازَلَ المَعَرَّةِ يُحاصرُها ، ورَماها بالمَجانيق ،
فخَرِجَ إليه أبو العَلاء يتَشفَّعُ ، فَأَكْرَمه ، وقالَ أَلَكَ حَاجَة ؟ قال: الأميرُ - أطالَ اللهُ
بقاءَه - كالسَّيفِ القاطع، لانَ مَشُه وخَشُنَ حَدُّه، وكالنَّهارِ الماتع(٢) قاظٍ (٣) . وسَطُه ،
وطابٍ أبردَاهُ(٤) ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾(٥) فقال: قد وَهبتُك
المَعَرَّة، فأنْشِدنا من شِعرِك ، فَأَنْشَدَه على البَديهَة أبياتًا وتَرخَّل صالح .
(١) انظر السير: (أبو العَلاء) ١٨/ ٢٣-٣٩، وانظر النزهة: ١/١٣٧٩.
الماتع: المرتفع، قال في ((القاموس)): متع النهار : ارتفع قبل الزوال.
(٢)
(٣)
قاظٍ : من القيظ ، وهو شدة الحرّ.
أبرداه : أي طرفاه ، وهما الغداة والعشي.
(٤)
(٥) سورة الأعراف ، الآية : ١٩٩.
٢٦٢

وكان لأبي العَلاء خلوَة يَدخُلها للأكل ، ويَقولُ : الأعْمَىْ عَوْرَة والواجبُ
اسْتتارُه، فأكلَ مرَّة دبْساً ، فَتَقْطَ على صَدرِهِ منه، فلمَّا خرجَ للإِفادَة قيلَ له : أكَلتُم
دبْساً؟ فأسْرعَ بيدِه إلىُ صَدرِه ، فمَسَحه وقالَ: نعم لعَنَ اللهُ النَّهَم فعَجبوا من ذَكائه ،
وكان يَعتذرُ إلى مَنْ يَرحل ويَتَأوه لعَدم صِلَتِهِ .
قال الباخَرزي : أبو العَلاء ضَريرٌ ما له ضَريب، ومَكْفوفٌ في قَميص الفَضْلِ
مَلفوف، ومَحجُوبٌ خَصمُه الألَّدُّ مَحْجوج، قد طالَ في ظلِّ الإسْلامِ آناؤُه، ورَشَحَ
بالإِلْحَاد إناؤُه، وعنْدَنا خَبرُ بَصرِه، واللهُ العالمُ ببَصيرَتِهِ والمُطَّلِعُ علىَ سَرِيرَتِهِ ، وإنَّما
تَحدَّثت الألسُن بكتابِه الذي عارَضَ به القُرآنَ، وعَنوَنَهَ بـ «الفُصُول والغَايات في
مُحاذاة السّوَر والآيات )) .
وقال غَرسُ النِّعْمَة محمَّدُ بنُ هلال بنُ المُحَسِّن: له شِعْرٌ كَثِيرٌ، وأدَبٌّ غَزِيرٌ ،
ويُرمَى بالإِلْحادِ ، وأَشْعارُه دالَّةٌ على ما يُزَنُّ(١) به، ولمْ يأكُل ◌َحْماً ولا بَيْضاً ولا لَبَناً ،
بل يَقتصِرُ على النَّبَاتِ، ويُحَرِّمُ إِيلامَ الحَيوان ويُظهِرُ الصَّومَ دائماً، قال: ونَحنُ نَذْكُرُ
ممَّا رُمي به فمنه :
فاحْكُمْ إِلَاهِي بَيْنَ ذَاكَ وَبَيْنِي
صَرْفُ الزَّمَانِ مُفَرِّقُ الإِلْفَيْنِ
وَبَعَنْتَ أَنْتَ لِقَبْضِهَا مَلَكَيْنِ
أَنَهَيْتَ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ تَعَقُّداً
مَا كَانَ أَغْنَاهَا عَنِ الْحَالَيْنِ
وَزَعَمْتَ أَنَّ لَهَا مَعَاداً ثَانِياً
ومنه :
صَدَقْتُمْ مَكَذَا تَقُولُ
قُلْتُمْ لَنَا خَالِقٌ قَدِيمُ
وَلاَ مَكَانٍ أَلاَ فَقُولُوا
مَعْنَاهُ لَيْسَتْ لَكُمْ عُقُولُ
زَعَمْتُمُوهُ بِلاَ زَمَانٍ
مَكَذَا كَلَامٌ لَهُ خَبِيءٌ
ومنه :
دينٌ وَكُفْرٌ وَأَنْبَاءٌ تقال وفُرْ
قَانٌ يُنَصُّ وتَوْرَاةٌ وإِنْجِيلُ
(١) أي: ◌ُتُهَمُ .
٢٦٣

فَهَلْ تَفْرَّدَ يَوماً بالْهُدَىْ جِيلٌ
في كُلِّ جِيلٍ أَبَاطِيلٌ يُدَانُ بِهَا
فأجبته :
فـزَادَكَ اللهُ ذُلاَّ يا دُجَيْجِيلُ
نَعَمْ أبو القَاسِمِ الهَادِي وَأُمَّتُه
ومنه ، لُعِنَ :
ولكِنْ قَوْلُ زُورٍ سَطَّرُوهُ
فَلاَ تَحْسَبْ مَقَالَ الرُّسْلِ حَقّاً
فجَاؤُوا بِالمُحَالِ فَكَدَّرُوهُ
وَكَانَ النَّاسُ فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ
قال السِّلَفيُّ: سَمعتُ أبا زَكريّا التَّبْرِيزَّ يقولُ: لمَّا قَرأْتُ على أبي العَلاءِ بالمَعَرَّةِ
قَولَه :
وأنْ نَعوذَ بِمَوْلانا مِنَ النَّارِ
تَناقُضٌ مَا لَنَا إلَّ السُّكُوتُ لَهُ
ما بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ؟
يَدٌ لِخَمْسٍ (١) مِيءٍ مِنْ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ
سَألْتُه ، فقال : هذا كقول الفُقَهاء : عِبادَةٌ لا يُعقَلُ مَعْناها .
قال كاتِبُهُ: لَوْ أرادَ ذَلِكَ، لقالَ: تَعَبُّدٌ، ولَمَا قال: تَناقضٌ، ولَمَا أرْدَفَه بَبَيْتٍ
آخَرَ یَعْتَرضُ على ربّه .
وبإِسْنادي ، قال السِّلَفيُّ: إنْ كان قالَه مُعْتَقِداً مَعْناه ، فالنَّارُ مأْوَاهُ ، ولَيسَ له في
الإسْلامِ نَصيبٌ هذا إلى ما يُحْكَى عنه في كتاب ((الفصول والغايات)) فقيل له : أينَ
هذا منَ القُرْآنِ ؟ فقال: لم تُصْقِلْهُ المَحاريبُ أرْبَع مئة سنة(٢).
قال السِّلَفيُّ : ومِمَّا يَدُّ على صَِّةٍ عَقيدَتِهِ ما سَمعتُ الخَطیبَ حامدَ ابنَ بخْتيار ،
سَمعتُ أبا المَهْدي بنَ عبدِ المُنْعِم بنِ أحمدَ السَّروجيّ ، سَمعتُ أخي أبا الفَتْح القاضي
يقولُ : دَخلتُ على أبي العَلاءِ التَّوخِيِّ بالمَعَرَّةِ بَغْتَةً ، فسَمعتُه يُنْشِد :
وعُمِّرَتْ أُمُّهَا العَجُوزُ
كَمْ غُودِرَتْ غَادَةٌ كَعَابٌ
(١) في ((اللزوم)) (٥٤٤/١ ): بخَمْس مئين عسجد، ومِيء بميم مَكسورة وهَمزة مُنْوَّنة : من جُموع
المئة .
(٢) انظر السير: ( أبو العَلاء) ٢٣/١٨-٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٩.
٢٦٤

والقَبْرُ حِرْزٌ لَهَا حَرِيزٌ
أحرَزَهَا الوَالِدَانِ خَوْفاً
والخُلْدُ في الدَّهْرِ لا يَجُوزُ
يَجُوزُ أنْ تُخْطِىءُ المَنَايَا
ثم تأوَّهَ مرَّاتٍ ، وتَلَا قَولَه تَعالَى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةٌ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَّ﴾ إلى
قوله : ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾(١). ثم صاحَ وبَكىُ، وطَرحَ وَجهَه على الأرضِ
زَماناً، ثم مَسَحَ وجهَه، وقالَ : سُبحانَ مَنْ تكلَّم بهذا في القِدَم! سُبحانَ مَنْ هذا
كَلامُه! فصَبرتُ ساعَةً ثم سَلَّمتُ ، ثم قُلتُ : أَرَى فِي وَجهِك أثرَ غَيظِ ؟ قال : لا ، بلْ
أَنْشَدتُ شَيئاً من كَلامِ المَخْلوقِ، وتَلَوتُ شَيئاً من كَلامِ الخَالِقِ ، فَلَحِقَني ما تَرى
فتَحقّقت صِحَّة دينه .
قال السِّلَفيُّ: سَمعتُ أبا زَكريّا التَّبْرِيزيَّ يقولُ: أفْضلُ مَنْ قَرأْتُ عليه أبو العَلاء
وسَمعتُ أبا المَكارِم - وكان من أفْرادِ الزَّمان - يَقولُ: لمَّا تُوفِّيَ أبو العَلاءِ اجْتمَعَ على
قَبْرِهِ ثَمانون شاعراً وخُتمَ في أسْبوع واحدٍ مئتَا خَتمة إلى أنْ قالَ السُّلَفَيُّ: وفي الجُمْلَة
فكان من أهْلِ الفَضْل الوافِرِ ، والأدَب الباهِر ، والمَعْرفَة بالنَّسَب وأيَّامِ العَرَب ، قَرأَ
القُرآنَ بروايات ، وسَمعَ الحَديثَ على ثِقات، وله في التَّوحيدِ وإِثْبَاتِ النُّؤَّات ،
وما يَحضُّ على الزُّهْدِ وإِحْياءِ طُرق الفُتَوَّةِ والمَروءَة شِعرٌ كَثِيرٌ، والمشْكل منه، فلَه
علىْ زَعمِهِ تَفْسير .
قيل : إنه أوْصَى أنْ يُكتبَ على قَبِهِ :
وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَد
هَـذَا جَنَاهُ أَبِي عَلَيَّ
قال الذهبيُّ: الفَلَاسِفَة يَعدُّون اتّخاذَ الوَلَد وإخْراجِه إلى الدُّنيا جِنايَةً عليه ، ويَظهَرُ
لي من حال هذا المَخْذول أنَّه مُتَحيِّر لمْ يَجْزِمْ بِنِحْلَةِ اللَّهُم فاحْفَظْ عَلينا إيمانَنَا .
وقال الذهبيُّ : قبرُه داخلَ المعَرَّة في مكان دائر ، وقد حدَّثَ عنه أبو طاهر بنُ
أبي الصَّقر الأنْباري، وطائفةٌ، وقد طالَ المَقَالُ، وما على الرّجل أُنْسُ زُمَّاد
المؤمنين ، واللهُ أعْلمُ بما خُتِمَ له ومن خَبِيثٍ قَولِه :
(١) سورة هود، الآيات : ١٠٣ - ١٠٥.
٢٦٥

وجَاءَ مُحَمَّدٌ بِصَلاَةٍ خَمْسٍ
أتَىُ عِيسَىْ فبَطَّلَ شَرْعَ مُوسَى
فَضَلَّ القَوْمُ بَيْنَ غَدٍ وأَمْسٍ
وقالُوا لا نَبِيَّ بَعْدَ هَذَا
فَمَا تُخْلِيكَ مِنْ قَمَرٍ وَشَمْسٍ
مَهْمَا عِشْتَ دُنْيَاكَ هَذِي
وَإِنْ قُلْتُ الصَّحِيحَ أَطَلْتُ هَمْسِي
إِذَا قُلْتُ المُحَالَ رَفَعْتُ صَوْتِي
وكانت علتُه ثلاثَةَ أيّام، وماتَ سَنةَ تسع وأربع مئة وعاشَ ستاً وثمانينَ سنةً(١).
٣- أبياتٌ في الشِّعْر تُعْتَبَرُ كَفْراً والعِياذُ بالله:
من ذلك قَولُ ابنِ هَاني - قَبَّحه الله - في مَدْح المُعِزِّ(٢):
فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الوَاحِدُ القَهَّارُ
مَا شِئْتَ لاَ مَا شَاءَتِ الأَقْدَارُ
وكان عَضُدُ الدَّولَه يقولُ الشِّعرَ ، فقالَ أبياتاً كفرية(٣):
وغِناءٍ مِنْ جَوارٍ في السَّحَر
لَيسَ شُربُ الرَّاحِ إلاَّ في المَطَر
سَاقياتِ الرَّحِ مَنْ فَاقِ البَشَر
مُبرزاتِ الكَأسَ مِن مَطْلَعِهَا
مَلِكَ الأمْلاكِ غَلَبَ القَدَر
عَضُدَ الدَّوْلَةِ وابنَ رُكْنِها
وقال غَرسُ النِّعْمَة محمَّدُ بنُ هلال بنِ المُحَسِّن: له شِعْرٌ كَثِيرٌ، وأدَبٌ غَزِيرٌ ،
ويُرمَىْ بالإلْحادِ ، وأَشْعارُه دالَّةٌ على ما يُزَنُّ(٤) به ، ولمْ يأكُل لَحْماً ولا بَيْضاً ولا لَبَناً ،
بل يَقتصِرُ على النَّبَاتِ، ويُحَرِّمُ إِيلامَ الحَيوان ويُظهِرُ الصَّومَ دائماً ، قال: ونَحنُ نَذْكُرُ
ممَّا رُمي به فمنه :
فاحْكُمْ إِلَاهِي بَيَنَ ذَاكَ وَبَيْنِي
صَرْفُ الزَّمَانِ مُفَرِّقُ الإِلْفَيْنِ
وَبَعَثْتَ أَنْتَ لِقَبْضِهَا مَلَكَيْنِ
أَنَهَيْتَ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ تَعَمُّداً
مَا كَانَ أَغْنَاهَا عَنِ الحَالَيْنِ
وَزَعَمْتَ أَنَّ لَهَا مَعَاداً ثَانِياً
(١) انظر السير: (أبو العَلاء) ١٨/ ٢٣ -٣٩، وانظر النزهة: ١/١٣٨٢.
(٢) انظر السير: (ابنُ هاني) ١٣١/١٦ -١٣٢، وانظر النزهة : ١٢٧٤ / هامش (١).
(٣) انظر السير: (عَضُد الدَّولَة) ٢٤٩/١٦ -٢٥٢، وانظر النزهة: ٣/١٢٩٢.
(٤) أي: يُتْهَمُ .
٢٦٦

ومنه :
صَدَقْتُمْ هَكَذا نَقُولُ
قُلْتُمْ لِنَا خَالِقٌ قَدِيمٌ
ولا مكان إلا فقولوا
زَعَمْتُموهُ بِلا زَمانِ
مَعْنَاهُ لَيْسَتْ لَكُمْ عُقُولُ
هَكَذَا كَلامٌ لَهُ خَبِيءٌ
ومنه :
دينٌ وكُفْرٌ وأنْباءٌ تُقَالُ وفُرْ
في كلِّ جِيلٍ أَبَاطيلٌ يُدانُ بها
فأجبتُه :
قَانٌ يُنَصُّ وَتَوْراةٌ وإِنْجِيلُ
فَهَلْ تَفْرَّدَ يَوماً بالهُدَىْ جِيلُ !! ؟
نَعَمْ أَبُو القَاسِمِ الهَادِي وأُمَّتُهُ
ومنه ، لُعِنَ :
فَزَادَكَ اللهُ ذُلاً يا دُجَيْجِيلُ
ولكِنْ قَوْلُ زُورٍ سَطَّرُوهُ
فلا تَحْسَبْ مَقَالَ الرُّسْلِ حَقّاً
فجَاؤُوا بالمُحَالِ فَكَذَّرُوهُ
وكَانَ النَّاسُ في عَيْشٍ رَغِيدٍ
قال السِّلَفيُّ : سَمعتُ أبا زكريّا التَّبْرِيزيَّ يقولُ: لَمَّا قَرأْتُ على أبي العَلَاءِ بالمَعَرَّةِ
قَولَه :
وأنْ نَعُوذَ بِمَوْلاَنَا مِنَ النَّارِ
تَنَاقُضٌ مَا لَنَا إِلَّ السُّكُوتُ لَهُ
ما بَالُهَا قُطِعَتْ في رُبْعِ دِينارِ
يَدٌّ بِخَمْسٍ مِيءٍ(١) مِن عَسْجَدٍ وُدِیَتْ
سَألْتُه ، فقال : هذا كقول الفُقَهاء : عِبادَةٌ لا يُعقَلُ مَعْناها .
قال كاتِبُهُ: لَوْ أرادَ ذَلِكَ ، لقالَ: تَعَبُّدُ ، ولَمَا قال: تَناقضٌ، ولَمَا أَرْدَفَه بَيْتٍ
آخَرَ یَعْتَرضُ علیُ ربِّه .
وبإسْنادي ، قال السَّلَفيُّ: إنْ كان قالَه مُعْتَقِداً مَعْناه ، فالنَّارُ مأَوَاهُ ، ولَيسَ له في
(١) في ((اللزوم)) (٥٤٤/١): بخّمْس مئين عسجد، ومِيء بميم مكسورة وهَمزة مُنوَّنة : من جُموع
المئة .
٢٦٧

الإسْلامِ نَصيبٌ هذا إلى ما يُحْكَى عنه في كتاب ((الفصول والغايات)) فقيل له : أينَ
هذا منَ القُرْآنِ ؟ فقال: لم تُصْقِلْهُ المَحاريبُ أرْبَع مئة سنة(١) .
قال السِّلَفيُّ: ومِمَّا يَدُّ علىُ صِحَّةٍ عَقيدَتِهِ ما سَمعتُ الخَطيبَ حامدَ ابنَ بخْتيار ،
سَمعتُ أبا المَهْدي بنَ عبدِ المُنْعِم بنِ أحمدَ السَّروجيّ ، سَمعتُ أخي أبا الفَتْح القاضي
يقولُ : دَخلتُ على أبي العَلاء التَّنوخِيِّ بالمَعَرَّةِ بَغْتَةً، فسَمعتُه يُنْشِد:
وعُمِّرَتْ أُمُّهَا العَجُوزُ
كَمْ غُودِرَتْ غَادَةٌ كَعَابٌ
والقَبْرُ حِرْزٌ لَهَا حَرِيزٌ
أحْرَزَهَا الوَالِدَانِ خَوْفاً
والخُلْدُ في الدَّهْرِ لا يَجُوزُ
يَجُوزُ أن تُخْطِىءَ المَنايَا
ثم تأوََّ مرَّاتٍ ، وتَلَا قَولَه تَعالَى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةُ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَ﴾ إلى
قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾(٢). ثم صاحَ وبَكى، وطَرحَ وَجهَه على الأرضِ زَماناً ،
ثم مَسَحَ وجهَه ، وقالَ : سُبحانَ مَنْ تكلَّم بهذا في القِدَم! سُبحانَ مَنْ هذا كَلامُه!
فصَبرتُ ساعَةً ثم سَلَّمتُ ، ثم قُلتُ : أَرَى في وَجهِك أثرَ غَيظٍ ؟ قال : لا ، بلْ أَنْشَدتُ
شَيْئاً من كَلامِ المَخْلوقِ، وتَلَوتُ شَيئاً من كَلامِ الخَالِقِ ، فَلَحِقَني ما تَرىْ فَتَحقَّقْت
صِحّة دينه .
قال السِّلَفيُّ : سَمعتُ أبا زَكريّا التَّبْرِيزيَّ يقولُ: أَفْضِلُ مَنْ قَرأتُ عليه أبو العَلاء
وسَمعتُ أبا المَكارِم - وكان من أفْرادِ الزَّمان - يَقولُ لمَّا تُوفِّيَ أبو العَلاء اجْتَمَعَ علىْ قَبِهِ
ثَمانون شاعراً وخُتمَ في أسْبوع واحدٍ مئتَا خَتمة إلى أنْ قالَ السِّلَفيُّ : وفي الجُملَة فكان
من أهْلِ الفَضْل الوافِرِ، والأدَب الباهِر، والمَعْرِفَة بالنَّسَب وأَيَّام العَرَب ، قَرأَ القُرآنَ
بروايات ، وسَمعَ الحَديثَ على ثِقات، وله في التَّوحيدِ وإِثْباتِ النُّبُؤَّات ، وما يَحضُّ
على الزُّهْدِ وإحْياءِ طُرق الفُتَوَّة والمَروءَة شِعرٌ كَثيرٌ، والمشْكل منه، فلَه علىُ زَعمِه
تَفْسير .
(١) انظر السير: (أبو العَلاء) ٢٣/١٨-٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٩.
(٢) سورة هود، الآيات : ١٠٣ - ١٠٥.
٢٦٨

قيل : إنه أوْصَى أنْ يُكتبَ على قَبِهِ :
وَمَا جَنَيْتُ عَلَىْ أَحَد
هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَلَيَّ
قال الذهبيُّ : الفَلَاسِفَة يَعدُّون اتّخاذَ الوَلَد وإخراجِه إلى الدُّنيا حِنايَةً عليه ، ويَظهَرُ
لي من حال هذا المَخْذول أنَّه مُتَحيِّر لمْ يَجْزِمْ بِنِخْلَةِ اللَّهُم فاحْفَظْ عَلينا إيمانَنَا .
وقال الذهبيُّ : قبرُه داخلَ المعَرَّة في مكان دائر ، وقد حدَّثَ عنه أبو طاهر بنُ
أبي الصَّقر الأنْباري، وطائفةٌ، وقد طالَ المَقَالُ، وما على الرَّجل أُنْسُ زُمَّاد
المؤمنين ، واللهُأعلمُ بما خُتِمَ له ومن خَبیثِ قَولِه :
وجَاءَ مُحمَّدٌ بِصَلاَةٍ خَمْسٍ
أَتَىْ عِيسَىْ فَبَطَّلَ شَرْعَ مُوسَى
فَضَلَّ القَوْمُ بَيْنَ غَدٍ وَأَمْسٍ
وقَالُوا لاَ نَبِيَّ بَعْدَ هَذَا
فَمَا تُخْلِيكَ مِنْ قَمَرٍ وشَمْسٍ
مَهْمَا عِشْتَ دُنْيَاكَ هَذِي
وإِنْ قُلْتُ الصَّحِيحَ أَطَلْتُ هَمْسِي
إِذَا قُلْتُ المُحَالَ رَفَعْتُ صَوْتِي
وكانت علتُه ثلاثَةَ أيّام ، وماتَ سَنةَ تسع وأربع مئة وعاشَ ستاً وثمانينَ سنةً(١) .
٤- الشُّعَراءُ الماجِنون :
ابنُ الحَجَّاج :
وجاء في تَرجمَة ابنِ الحجَّاج قال الذهبيُّ: شاعرُ العَصْر، وسَفيهُ الأُدَباء ، وأميرُ
الفُحْش ، وديوانُهُ مَشْهورٌ في خَمس مُجَلَّدات ، وهو أبو عبد الله ، الحُسَينُ بنُ
أحْمَد بنِ الحَجَّاجِ البَغْدادِيُّ المُحْتَسِبُ ، الكاتِبُ .
ولقد هَجا المُتَنِّي، ومَدَحَ المُلوكَ ، مثل عَضُد الدَّولة وبَنيه والوُزَراء وله باعٌ أطْوَل
في الغَزَل ، وأمَّا الزَّطَاطَةُ والتَّفَخُشُ ، فهو حاملُ لِوائِها والقائمُ بأعْبائِها .
وَخَدَمَ بالكتابة في جِهاتٍ ، وأخَذَ الجَوائزَ ، ووَلِي حِسْبَة بَغْدَادَ مُدّة وعُزِل ، وله
مَعانٍ مُبْتَكَرَة ما سُبقَ إليها(٢) .
(١) انظر السير: (أبو العلاء) ٢٣/١٨ -٣٩، وانظر النزهة: ١/١٣٨٢.
(٢) انظر فنون شعره في ((يتيمة الدهر)) (٣١/٣-٩٩)، وفي ((الوافي بالوفيات)) (٣٣٤/١٢-٣٣٧).
٢٦٩

وكان شِيعيّاً رَقيعاً، ماجِناً، مَزَّحاً، هَجَّاءاً، أُمَّةً وَحْدَه فِي نَظْم القَبائح، وخِفَّة
الرُّوح ، وله مَعْرفَة بفُنون من التاريخ والأخبار واللُّغات(١).
ورأيتُ له أنَّه قال: كُلُّ ما قُلتُهُ من المُجُون فاللهُ يَشْهَدُ أنَّني ما قَصَدتُ به إلاَّ بَسْطَ
النَّفْسِ ، أنا أسْتغفِرُ اللهَ من هذه العَثْرَة .
ماتَ سنةً إحْدىُ وتِسْعينَ وثَلاثٍ مئة وقد شاخ (٢).
٥ - الشَّاعرُ الزَّاهِدُ أبو العَتاهية:
جاء في تَرجمَة أبي العَتاهيَة قال الذهبيُّ : رأسُ الشُّعَراء ، الأديبُ الصَّالِحُ
الأَوْحَد ، أبو إسْحاق إسماعيلُ بنُ قاسِم بنِ سُوَيد العَنزي مَولاهم الكُوفِيُّ ، نَزِيلُ
بغداد .
لُقِّبَ بأبي العَتاهيَة لا ضطرابٍ فيه .
سارَ شِعْرُه لجَودَته وحُسْنِهِ وعَدمِ تَقعُّرِه(٣) .
وقد جَمعَ أبو عُمَر بنُ عبد البَرِّ شِعرَه وأخْبارَه ، تَنَسَّكَ بأخرَةٍ ، وقال في المَواعِظِ
والزُّهْدِ فأجادَ(٤) .
وكان أبو نُواس يُعَظِّمُه، ويَتأذَّبُ مَعَه لِدِينِهِ ، ويقولُ: ما رَأيْتُه إلاَّ تَوهَّمْتُ أنَّه
سَماويٍّ، وأنِّي أَرْضيّ(٥) .
مَدحَ أبو العَتاهيَة المَهْديَّ ، والخُلفاءَ بعدِه ، والوُزَراء ، وما أصْدَق قوله :
مَفْسَدَةٌ للمَزْء أيُّ مَفْسَدَة
إِنَّ الشَّبابَ والفَراغَ والجِدَة
ما أكْثَرَ القُوتَ لِمَنْ يَمُوتُ
حَسْبُكَ ممَّا تَبْتَغِيه القُوتُ
(١) انظر السير: (ابن الحَجَّاج) ٥٩/١٧-٦١، وانظر النزهة: ١/١٣٢٣.
(٢) انظر السير: (ابن الحَجَّاج) ٥٩/١٧-٦١، وانظر النزهة: ٢/١٣٢٣.
انظر السير: ( أبو العتاهية) ١٩٥/١٠-١٩٨، وانظر النزهة: ٢/٨٦٦.
(٣)
(٤) انظر السير: ( أبو العتاهية) ١٩٥/١٠-١٩٨، وانظر النزهة: ٣/٨٦٦.
انظر السير: ( أبو العَتاهية) ١٠ / ١٩٥-١٩٨، وانظر النزهة: ٤/٨٦٦.
(٥)
٢٧٠

إِنْ كُنْتُ أخْطأتُ فمَا أَخْطَا القَدَرْ
هي المَقَادِيرُ فِلُمْنِي أَوْ فَذَرْ
تُوفِّي أبو العَتاهيَة في سنة إحْدَى ومئْتَين ، وله ثلاثٌ وثَمانونَ سَنةً ، أو نَحْوَها ،
ببَغْداد .
وتَحْتَمَلُ سيرةُ أبي العَتاهيَة أنْ تُعمَلَ في كَراریسَ(١).
٦ - من شُعَراء العَرَب :
الأخْطَل :
جاء في ترجَمَة الأخْطَل قال الذهبيُّ : شاعرُ زَمانِهِ ، واسْمُه غِياثُ ابنُ غَوْث الثَّغْلبيّ
النَّصْرانيّ(٢).
قِيلَ لِلفَرَزْدَقِ: مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ ؟ قال: كَفَاكَ بي إذا افْتَخَرتُ، وبجَرير إذا هَجَا ،
وبابنِ النَّصْرانيّة إذا امْتَدَح .
وكان عبدُ المَلك بنُ مَرْوان يُجْزِلُ عَطاءَ الأخْطَل ، ويُفَضلُه في الشِّعْرِ على غَيرِهِ ،
وللأخْطَل (٣):
طُولَ الحَياةِ يَزيدُ غَيرَ خَبالٍ
والنَّاسُ هَمُّهُمُ الحَياةُ ولا أُرَى
ذُخْراً يَكُونُ كَصَالِحِ الأعْمَالِ
وإِذا افْتَقَرْتَ إلى الذَّخَائِرِ لَمْ تَجِدْ
وقيلَ : إِنَّ الأخْطَلَ قَيَّدَه الأُسْقُفُ وأهانَه، فلِيمَ في صَبرِه له ، فقالَ: إِنَّه الدِّينُ ،
إِنَّه الدِّينُ .
وقد حصَّلَ أمْوالاً جَزِيلَة من بَني أُمَيّة ، وماتَ قبلَ الفَرَزْدَق بسَنَوات (٤).
وجاء في تَرجمَة جَرير قال الذهبيُّ : شاعرُ زَمانِهِ، أبو حزْرَة ، جَرِيرُ بنُ عَطيَّة بنِ
جَریر :
(١) انظر السير: ( أبو العتاهية) ١٩٥/١٠-١٩٨، وانظر النزهة: ٥/٨٦٦.
(٢)
انظر السير: ( الأخْطَل) ٥٨٩/٤، وانظر النزهة : ٢/٥٦٤.
انظر السير: (الأخْطَل) ٥٨٩/٤، وانظر النزهة : ٣/٥٦٤.
(٣)
(٤) انظر السير: (الأخطل) ٥٨٩/٤، وانظر النزهة: ٤/٥٦٤.
٢٧١

الخَطَفيِ الثَّميميُّ البَصْرِيُّ، مَدحَ يَزِيدَ بنَ مُعاويَةٍ، وخُلفاءَ بَنِي أُمَّيّة ، وشعرُه
مُدَوَّن(١)
(١) .
عن عُثمانَ التَّيْمِيِّ ، قالَ : رَأيتُ جَريراً وما تُضَمُّ شَفتاهُ من التَّسْبِيحِ ، قُلْتُ : هذا
حالُك وتَقذفُ المُحْصَناتِ فقالَ: ﴿ إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢) وَعدٌ من الله
٤٠(٣)
.
حق
وعن بَشَّار الأعْمَى، قالَ أهْلُ الشَّام أجْمَعوا علىُ جَرِير ، والفَرَزْدَق، والأخْطَل
النَّصْراني .
قال الذهبيُّ: فَضَّلَ جَرِيراً على الفَرَزْ دَق جماعةٌ (٤) .
ورَوَىُ يُونُس بنُ حَبيب أنَّ الفَرَزْدَق قالَ لامْرأْتِهِ نَوَار: أنا أشْعَرُ أم ابنُ المَراغَة ؟
قالت : غَلبَك علىُ حُلْوِهِ ، وشَرِكَك في مُرِّه .
وقال مَرْوانُ بنُ أبي حَفْصَة :
حُلْوُ القَرِيضِ ومُرُّهُ لجَرِيرٍ
ذَهَبَ الفَرَزْدَقُ بِالفَخَارِ وإِنَّما
وقيلَ : كان جَرِيرٌ عَفيفاً مُنيباً، تُوفِّيَ سَنَةَ عَشر بعدَ الفَرَزْدَق بشهر (٥).
أبو تَمَّام :
وجاء في تَرجَمة أبي تَمَّام قال الذهبيُّ : شاعرُ العَصْر أبو تَمَّام، حَبيبُ بنُ أَوْس بنِ
الحارث الطَّائِيُّ، أسْلَمَ وكانَ نَصْرانيّاً مَدحَ الخُلفاءَ والكُبراءَ وشعْرُه في الذِّرْوَة .
وكانَ أسْمَرَ طِوالاً فَصيحاً ، عَذْبَ العِبَارَة مع تَمْتَمَةٍ قَليلَة .
وُلدَ في أيّامِ الرَّشيدِ ، وكانَ أوّلاً حَدثاً يَسقي الماءَ بِمِصْرَ ، ثم جالَسَ الأُدَبَاءَ وأخذَ
(١) انظر السير: (جَرير) ٥٩٠/٤-٥٩١، وانظر النزهة: ١/٥٦٥.
(٢)
سورة هود ، الآية : ١١٤ .
انظر السير : ( جَرير) ٤/ ٥٩٠-٥٩١، وانظر النزهة: ٢/٥٦٥.
(٣)
(٤) انظر السير: (جَرير) ٥٩٠/٤-٥٩١، وانظر النزهة: ٣/٥٦٥.
(٥) انظر السير: (جَرير) ٥٩٠/٤-٥٩١، وانظر النزهة: ٤/٥٦٥.
٢٧٢

عنهم ، وكان يَتَوَقَّدُ ذَكَاءً، وسَخَّت قَريحَتُه بالنَّظْمِ البَديع فسَمعَ به المُعْتَصِمُ ، فطَلبَه ،
وقدَّمه على الشُّعَراء وله فيه قَصائدُ وكان يُوصَفُ بطِيبِ الأَخْلاقِ والظُّرْفِ والسَّماحَة .
وقيلَ : قَدمَ في زِيِّ الأعْرابِ ، فجَلسَ إلى حَلقَة من الشُّعَراء ، وطلبَ منهُم أنْ
يَسمَعوا من نَظْمِه ، فشاعَ وذاعَ وخَضَعوا له وصارَ من أمْرِهِ ما صارَ .
وقد كان البُخْتُريُّ يَرفعُ من أبي تَمَّام ، ويُقدِّمُه على نَفَسِه، ويَقولُ: ما أكَلتُ الخُبزَ
إلاَّ به ، وإني تابعٌ له(١) .
وهو القائل(٢):
هَلَكْنَ إِذاً مِنْ جَهْلِهِنَّ البَهَائِمُ
وَلَوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ تَجْرِي عَلَى الِحِجَا
وَلاَ المَجْدُ فِي كَفِّ امْرِىءٍ وَالدَّرَاهِمُ
وَلَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وَغَرْبٌ لِقَاصِدٍ
ودِيوانُ أبي تَمَّام كبيرٌ سائرٌ، ولَمَّا ماتَ، رَتَاهُ مُحمَّدُ بنُ عبدِ المَلِك الوَزير ،
فقال :
لمَّا أَتّى مِن أَعْظَمِ الأَنْبَاءِ
نَبَّأُ ألَمَّ مُقَلْقِلَ الأَحْشَاءِ
ناشَدْتُكُمْ لا تَجْعَلُوهُ الطَّائي
قالُوا حَبِيبٌ قَدْ ثَوَى فَأَجَبْتُهُم
(٣)
مات سنة اثنتين وثلاثين ومئتين
وله في المُعْتَصِم أو ابنِه :
إِقْدَامُ عَمرو في سَماحَةٍ حاتِمٍ في حِلْمٍ أَحْتَفَ فِي ذَكَاءِ إِياسٍ (٤)
فقالَ الوَزيرُ : شَبَّهتَ أميرَ المؤمنينَ بأجْلافِ العَرب، فأطْرَقَ ثم زادَها :
مَثَلاً شَرُوداً فِي النَّدَى والْبَاسِ
لا تُنْكِرُوا ضَرْبي له مَنْ دُونَهُ
مَثَلاً مِنَ الْمِشْكَاةِ والنِّبْرَاس (٥)
فَاللهُ قَدْ ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ
(١) انظر السير: ( أبو تمّام) ٦٣/١١-٦٩، وانظر النزهة: ١/٩٠٩.
(٢)
انظر السير : ( أبو تمّام) ١١/ ٦٣ - ٦٩، وانظر النزهة: ٢/٩٠٩
انظر السير: ( أبو تمّام) ١١/ ٦٣ -٦٩، وانظر النزهة: ٣/٩٠٩.
(٣)
(٤) انظر السير: (أبو تمّام) ١١/ ٦٣ -٦٩، وانظر النزهة: ٤/٩٠٩.
(٥) انظر السير: ( أبو تمّام) ١١/ ٦٣ -٦٩، وانظر النزهة: ١/٩١٠.
٢٧٣

٧ - بَعضُ مَنْ وُصِلَ على الشِّعْر :
أنشدَ إسحاقُ النَّدِيمُ ( الْمَوْصِلِيُّ) الرَّشيدَ أبياتا يقولُ فيها :
ومَالي كَمَا قَد تَعْلَمِينَ قَلِيلٌ
عَطَائِي عَطَاءُ المُكْثِرِينَ تَكَرُّماً
ورأيُ أمِيرِ المؤمنينَ جَليلٌ
وكَيفَ أخَافُ الفَقْرَ أوْ أُحْرَمَ الغِنَى
فأمَرَ له بمئَة أَلْفِ دِرْهَم ماتَ سَنةً خَمس وثَلاثين ومئتَين(١) .
وذَكرَ محرزٌ الكاتبُ أنَّ عُبَيْدَ اللهِ بنَ خافَان مَرِضَ، فعادَه عَمُّه الفَتحُ ، وقالَ : إنَّ
أميرَ المؤمنينَ يَسألُ عن عِلَِّك فقالَ :
مِنَ الأَسْقَامِ والدَّيْنِ
عَليلٌ من مَكَانَيَّنِ
وحَسْبِي شُغْلُ هَـذَينِ
وفي هَذَيْنِ شُغْلٌ
فَوَصَلَه المُتَوكلُ بألفِ ألفٍ (٢).
ويُقالُ : ما اجْتَمَعَ ببابِ مَلِكِ من الشُّعَراءِ ما اجْتَمَعَ ببابِ سَيفِ الدَّوْلَة ، وكان
يَقولُ : عَطَاءُ الشُّعَراءِ من فَرائِضِ الأُمَراءِ .
وقد جُمِعَ له من المَدائِحِ مُجلَّدان(٣) .
٨- شعرٌ في الهجاء :
قال القاضي ابنُ خلِّكان : كانَ خالدٌ القَسْري يُتَّهِمُ في دينِهِ ، بنَى لأُمّه كَنِيسَةٌ ، تَتْعَبَّدُ
فيها وفيه يقولُ الفَرَزْ دَقُ (٤):
أَثْنَا تَهادَى مِنْ دِمَشْقَ بِخَالِدٍ
ألا قَبَّحَ الرَّحْمَنُ ظَهْرَ مَطِيَّةٍ
تَدينُ بأنَّ الله لَيْسَ بِواحِدٍ
وكَيفَ يَؤُ النَّاسَ مَنْ كَانَ أُقُهُ
(١) انظر السير: (إسحاق النّديم) ١١٨/١١-١٢١، وانظر النزهة: ٦/٩١٥.
(٢)
انظر السير: ( ابنُ خَاقَان) ٩/١٣- ١٠، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٦.
انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ٥/١٢٨٢.
(٣)
(٤) انظر السير: (القَسْري) ٤٢٥/٥-٤٣٢، وانظر النزهة: ٢/٦١٩.
٢٧٤

ويَهْدِمُ مِنْ بُغْضٍ مَنَارَ الْمَسَاجِدِ
بَنَىُ بَيْعَةً فيها الصَّلِيبُ لُمِّهِ
وكان محمَّدُ بنُ زَيْدِ الوَاسِطِيُّ المُتَكلِّمُ يُؤْذِي نِفْطَوَيْه، وهَجاهُ ، فقالَ :
فَلْيَجْتَنِبْ مِنْ أَنْ يَرَى نِفْطَوَيْهِ
مَنْ سَرَّهُ أَنْ لا يَرَى فاسِقاً
وَصِيَّرَ الباقي صُراخاً عَلَيْهِ
أَحْرَقَهُ اللهُ بِنصْفِ اسْمِهِ
وقال أيضاً : مَنْ أرادَ أنْ يَتَنَاهَىُّ في الجَهْلِ، فَلَيَعْرِفِ الكَلامَ على مَذْهَبٍ
النَّاشِىء(١) ، والفِقْهَ على مَذْهَبٍ داوُدَ، والنَّحْوَ على مَذْهَب سِيبَوَيْه ثم يقولُ: وقد
جَمَعَ هذه المَذاهِبَ نِفْطَوَيْه، فإليه المُنْتَهَى(٢) .
وأقامَ المُتَنِّي عند كافُورَ الأخْشِيذِيِّ أَرْبَع سِنِينَ ، نالَه مالٌ جَزِيلٌ ، ثمَّ هَجاهُ لَآَمَةً
وكُفْراً لِنِعْمَتِهِ وهَربَ على البَرِيَّة يقولُ :
أقْوَامُهُ البِيضُ أمْ آباؤُهُ الصِّيدُ
مَنْ عَلَّمَ الأسْوَدَ المَخْصِيَّ مَكْرُمَةً
عَن الجَمِيلِ فَكَيْفَ الخِصِيَّةُ السُّودُ
وذَاكَ أَنَّ الفُحُولَ البِيضَ عَاجِزَةٌ
ودُعيَ لكافُورَ على مَنابِرِ الشَّامِ ومِصْرَ والحَرمَين والقُّغُورِ .
وكان مُلازِماً لمَصالح الرَّعيّة .
وكان يَتْعَبَّدُ ويَتهجَّدُ، وُيمرِّغُ وَجْهَه ، ويقولُ : اللَّهُمَّ لا تُسَلِّطْ عليَّ مَخْلوقاً .
وكان يُقرأُ عندَه السِّيَرُ والدُّوَل .
وله نُدَماء وجَوارِ مُغنِّياتٍ ، ومن المَماليك ألوفٌ مُؤْلَّفة، وكان فَطِناً، يَقِظاً ،
ذَكيّاً، يُهادي المُعِزَّ إلى الغَرْب ، ويُداري ويَخضَعُ للمُطيعِ ، ويَخدَعُ هَؤلاء وهَؤلاء .
وله نَظرٌ في الفِقْه والنَّحْو .
تُوفِّي سنةَ سَبعٍ وخَمسينَ وثلاثٍ مئة ، وماتَ عَشْرَ السَّبعين .
(١) هو عبد الله بن محمد، أبو العبّاس، المعروف بابن شرشير الناشىء، شاعرٌ متكلُّمٌ يُعَدُّ في طبقة ابن
الرُّومي والبُخْتري ، أصله من الأنبار ، وأقام ببغداد مدة طويلة ، وخرج إلى مصر فسكنها ، وتُوفِّيَ بها
سنة ٢٩٣ هـ .
(٢) انظر السير: (نِفْطَوَيْه) ٧٥/١٥ -٧٧، وانظر النزهة: ٣/١١٨٢.
٢٧٥

وقيلَ: مُشْتَرَاهُ على الإخشيذِ ثمانيَةَ عَشرَ ديناراً .
وللمُتَنِّي يَهجُوهُ ويَهْجُو ابنَ حْزَابَة الوَزِيرَ(١):
ولكِنَّه ضَحِكٌ كَالِبُكَا
ومَاذَا بِمِصْر من المُضْحِكَاتِ
يُدرَّسُ أنْسَابَ أهْلِ الفَلا
بِهَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَهْلِ السَّوادِ
يُقالُ له أنْتَ بَدرُ الدُّجَا
وأسْوَدُ مِشْفَرُهُ نِصْفُه
بينَ القَرِيضِ وبَيْنَ الرُّقا
وشِعرٍ مَدحتُ به الكَرْكدنَّ
ولكنَّه كانَ هَجْوَ الوَرَى
فما كانَ ذلكَ مدحاً له
وقد كان في كافُورَ حِلْمٌ زائدٌ ، وَكفِّ عن الدِّماءِ، وجَوْدَةٌ وَتَدْبير (٢).
ولابنِ عُنين في ابنِ دِخْيَة :
إليه بالبُهْتانِ والإِفْكِ
دِحْيَةُ لَمْ يُعْقِبِ فَلِمْ تَعْتَزِي
سِوَى أَنَّكَ مِن كَلْبٍ بِلا شَكٌّ
ما صَخَّ عندَ النَّاسِ شيءٌ
وقال الإمامُ الذهبيُّ : كان هذا الرَّجُلُ صاحِبَ فُنونٍ وتَوَسُّع ويدٍ في اللُّغَة ، وفي
الحَديثِ علىُ ضَعفٍ فيه .
قال الضِّياءُ: لقيتُه بأصْبَهَانَ، ولمْ أسْمَعْ منه، ولمْ يُعْجِبْني حالُهُ، كانَ كَثِيرَ
الوَقِيعَة في الأئمَّةِ(٣) .
٩- أشْعَار في مَواضِيع مُتَفَرِّقَة :
قالَ ثَعلبٌ إِنَّه لمْ يَكُنْ أحدٌ بَعدَ ابنِ الأعْرابيّ أعْلِمُ باللُّغَة من ابنِ السِّكِّيت ، وكانَ
المُتَوَكَلُ قَد أَلْزَمَه تَأديبَ وَلِده المُعْتَزِّ ، فلمَّا حَضَرَ ، قالَ له ابنُ السِّكِّيت : بِمَ تُحِبُّ أنْ
تَبْدَأ؟ قالَ : بالانْصِراف قالَ: فأقُومُ قال المُعْتَزُّ : فأنا أخَفُّ مِنْكَ، وبادَر ، فعَثُر ،
فَسَقِطَ وخَجِلَ فقالَ يَعقُوبُ :
انظر السير: ( كافور) ١٩٠/١٦ -١٩٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٨٤.
(١)
(٢)
انظر السير: ( كافَور) ١٦/ ١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ١/١٢٨٥.
(٣) انظر السير: (ابن دحية) ٣٨٩/٢٢ _٣٩٥، وانظر النزهة: ١/١٧٠٦.
٢٧٦

ولَيْسَ يَمُوتُ المَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
يَمُوتُ الفَتَىُّ من عَثْرَةِ بِلِسانِهِ
وعثْرَتُهُ بِالرِّجْلِ تَبْرَا عَلَىْ مَهْلِ
فَعَثْرَتُهُ بِالقَوْلِ تُذْهِبُ رَأْسَهُ
قال أبو سَهْل بنُ زياد : سَمعتُ ثعلباً يَقولُ : عَديُّ بنُ زَيد العِبَادي أميرُ المؤمنين
في اللُّغَة وكانَ يَقولُ قَريباً من ذلكَ في ابنِ السِّكِّيت .
قال الإمامُ الذهبيُّ: ((إِصْلاحُ المَنْطِقِ)) كتابٌ نَفَيسٌ مَشْكورٌ فِي اللُّغَةِ (١).
وقال الذهبيُّ : كان وَلِيُّ العَهدِ المُوفَّقُ قد اسْتبدَّ بالأمور، وضَيَّقَ على أخيه الخَلفية
المُعْتمد : قال الصُّوليُّ : تَخْيَّلِ المُعْتمدُ من أخيه، فكاتَبَ أحمدَ بنَ طُولونَ ،
واتَّفْقا ، وقال المُعْتمدُ: (٢) .
يَرى ما قَلَّ مُمْتَنِعاً عَليهِ
أليسَ منَ العَجَائِبِ أنَّ مِثلي
وما مِنْ ذاكَ شَيءٌ في يَدَيْهِ
وتُؤْكَلُ بِاسْمِهِ الدُّنيا جَميعاً
فبلغَنا أنَّ ابنَ طُولُونَ جَمعَ العُلماءَ والأَعْيانَ ، وقال : قد نَكثَ المُؤَفَّقُ أبو أحمد
بأميرِ المؤمنين ، فاخْلَعوه من العَهدِ فخَلَعوه، إلاَّ بَكارَ ابنَ قُتَيْبَة ، وقال: أنتَ أَوْرِدْتَ
عليَّ كتابَ المُعْتَمد بتَوَلِيه العَهدَ ، فهاتِ كتاباً آخرَ منه بخَلعِه قال : إنَّه مَحْجورٌ عليه
ومَقْهورٌ؟ قال : لا أدري فقال له : غرَّكَ النَّاسُ بقَولِهم: ما في الدُّنيا مثلُ بَكار ، أنتَ
قد خَرِفْتَ ، وقِيَّدَه وحَبسَه، وأَخذَ منه جَميعَ عَطائِهِ من سِنينَ ، فكان عَشرَةَ آلافِ
دينار ، فقيلَ: إِنَّا وُجِدَت بخُتومِها وحالِها، وبَلَغَ ذلك المُوَفَّق ، فأمَرَ بلَعْنِ ابنِ
◌ُولُونَ على المَنابِرِ(٣) .
للوَزيرِ العَادلِ أبي الحَسَن عليٍّ بنِ عِيسَى فِي نَكْبَتِه :
لِمَا نَابَنِي أو شَامِتاً غَيرَ سَائِلٍ
وَمَنْ يَكُ عَنِّي سَائِلاً لِشَمَاتَةٍ
(١) انظر السير: (ابنُ السِّكَّيت) ١٦/١٢ -١٩، وانظر النزهة: ٤/٩٧٥.
(٢) انظر السير: (بَكار بن قتيبة) ٥٩٩/١٢-٦٠٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٣٩.
(٣) انظر السير: (بَكار بن قتيبة) ٥٩٩/١٢- ٦٠٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٣٩.
٢٧٧

صَبُوراً عَلى أحْوَالِ تِلْكَ الزَّلاَزِلِ
فَقَدْ أَبْرَزَتْ مِنِّي الخُطُوبُ ابنَ حُرَّةٍ
إِذَا نَزَلَتْ بِالخَاشِعِ المُتَضَائِلِ
إِذَا سُرَّ لَمْ يَبْطَرْ وَلَيْسَ لِنَّكْبَةٍ
وقد أشَارَ على المُقْتَدِرِ ، فَأَفْلَحَ ، فوَقَفَ ما مَغَلُه في العام تِسْعونَ ألفَ دينارٍ على
الحَرَمَين والقُّغُورِ ، وأفْرَدَ لهَذه الوُقوفِ دِيوَاناً سَمَّه دِيوَانَ البِرِ(١).
ومن نَظْمِ ابنِ مَاكُولاً(٢):
فالمندل(٣).
وَجَانِبِ الذُّلَّ إِنَّ الذُّلَّ مُجْتَنَبُ
قَوِّضْ خِيَامَكَ عَنْ دَارٍ أُمِنْتَ بِها
فالمندَلُ الرَّطِبُ في أوطَانِهِ حَطَبُ
وارْحَلْ إِذَا كانَتِ الأَوْطَانُ مَضْيَعَةٌ
وقِيلِ: إنَّ بَاتِ المُعْتَمِدِ بنِ عَبَّاد أَتَيْنَهُ في عيدٍ، وكُنَّ يَغْزِلْنَ بِالأُجْرَة فِي
أغْماتَ(٤)، فرآهُنَّ في أطْمارِ رَثَّةُ ، فصدَّعْنَ قَلبَه ، فقالَ :
فِسَاءَكَ العيدُ في أغمات مَأْسُودا
فِيمَا مَضىْ كُنْتَ بِالأَعْيَادِ مَسْروراً
يَغْزِلْنَ لِلنَّاسِ ما يَمْلِكْنَ قِطْمِيرًا
تَرَى بَناتِك في الأطْمَارِ جائِعَةٌ
أَبْصَارُهُنَّ حَسِيراتٍ مَكاسِيرًا
بَرَزْنَ نَحْوكَ للتَّسْلِيمِ خَاشِعَةً
كَأنَّهَا لَمْ تَطَأْ مِسْكاً وكَافُورًا
يَطَأْنَ في الطِّينِ والأقْدامُ حافِيَةٌ
قال الذهبيُّ : كانَ مَوْلِدُه سَنةَ إِحْدَى وَثَلاثينَ وأرْبَع مئة وماتَ سَنةَ ثَمَانٍ وثَمانينَ
وأرْبَع مئَة .
وقد سَمَّى ابنُ اللبَّنَةَ بَنِي المُعْتَمِد بأسْمَائِهِم وألْقَابِهِم ، فعَدَّ نَحْواً من ثَلاثينَ نَفْساً ،
وعَدَّ له أرْبَعاً وثَلاثِينَ بِنْتَاً .
(١) انظر السير: (الوَزِير) ٢٩٨/١٥ -٣٠١، وانظر النزهة: ٣/١٢٢٩.
(٢) انظر السير: (ابن مَاكولا) ٥٦٩/١٨-٥٧٨، وانظر النزهة: ٢/١٤٤٣.
(٣) العود الرطب يتبخّر به .
(٤) أغْمات : ناحية في بلاد البربر المصامدة من أرض المغرب قرب مراكش
٢٧٨

قال الذهبيُّ : افْتَقَرُوا بالمرَّة، وتَعلَّموا صَنائعَ، كذلكَ الدَّهْرُ، نَسألُ اللهَ
المَغْفرةَ(١) .
وللمُسْتَنجِدِ باللهِ(٢).
لَيْتَهَا عَيَّرَتْ بمَا هُوَ عَارُ
عَيَّرَتْني بالشَّيبِ وهُوَ وَقَارُ
فَاللَّيَالِي تَزينُها الأقْمَارُ
إِن تَكُنْ شَابَتِ الذَّوائِبُ مِنِّي
(١) انظر السير: (الْمُعْتَمِد بن عَبَّاد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٦٠.
(٢) انظر السير: (الْمُسْتَنْجِدُ بالله) ٤١٢/٢٠-٤١٨، وانظر النزهة: ١٥٦٩/.
٢٧٩

(٦) التاريخ
( تَرتيبُ الدُّول فيه حَسب ترتيبها الزَّمَني غالباً )
١ - ضابطٌ لحَديث ((فحَذَّثَنَا بمَا هو كائِنٌ إلى قِيامِ السَّاعة)) :
عن حُذَيْفَةِ ، قالَ: قامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَقاماً ، فحَدَّثنا بما هو كائنٌ
إلى قيام السَّاعَة، حَفِظَه مَنْ حَفِظَه ونَسِيَه مَنْ نَسِيَه .
قال الإمامُ الذهبيُّ: قد كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُرَتِّلُ كلامَه ويُفَسِّرُه ، فلعَلَّه
قالَ في مَجْلسِه ذلك ما يُكتَبُ في جُزء ، فَذَكرَ أكْبَرَ الكَوائن ، ولَوْ ذَكَرَ ما هو كائنٌ في
الوُجُودِ ، لما تَهِيَّ أنْ يَقُوَله في سَنَةٍ ، بلْ ولا في أعْوامٍ ، ففَكِّرْ في هَذا .
وقد ماتَ حُذَيْفَةُ بالمَدائنِ سَنةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ، وقد شَاخَ(١).
٢ - ضابطٌ لقبول الأخبار :
قد أنْكَرَ بَعضُهُمْ لَيْلَىُ والمَجْنونَ ، وهذا دَفعٌ بالصَّدر ، فما مَنْ لمْ يَعْلَمْ حُجَّة على
مَنْ عِندَه عِلمٌ ، ولا المُثْبِتِ كالنَّافِي ، لكنْ إذا كان المُثْبِتُ لشَيءٍ شِبْهَ خُرافَةٍ ، والنَّافي
لَيسَ غَرضُه دَفعُ الحَقِّ، فَهُنا النَّافِي مُقدَّمٌ، وهُنا تَقَعُ المُكابَرَة وتُسْكَبُ العَبْرةُ ، فقيلَ :
إِنَّ المَجْنونَ عَلِقَ لَيْلَى عَلَاقَةَ الصِّبَا وكانا يَرْعَيَانِ الْبَهْمَ(٢). (٣).
٣- تَكوّن دَولَةٌ بَنِي أُمَّيّة :
وقال الواقِدِيُّ : لمَّا قُتِلَ عُثمانُ بَعَنتْ نَائِلَةُ بنتُ الفَرافِصَةِ امْرأتُه إلى مُعاوِبَةَ كِتاباً بما
جَرَى، وبَعَثتْ بِقَميصِهِ بالدَّم، فقَرَأَ مُعاوِيَةُ الكِتابَ ، وطَيِّهَ بالقَميصِ في أجْنادِ
(١) انظر السير: (حُذَيفَة بنُ اليَمَان) ٣٦١/٢ -٣٦٩، وانظر النزهة: ١/٢٧٦.
(٢)
البَهْم : جَمع بهمة، وهو الصغير من الضأن، والذِّكَرُ، والأنْثَى فيه سَواء .
(٣) انظر السير: (الْمَجْنون) ٥/٤-٧، وانظر النزهة: ٢/٤٢٩.
٢٨٠