النص المفهرس

صفحات 241-260

إلى الرّئيس أبي الفضل البَلْعَميِّ، فما شَربَ لأحدٍ ماءً، ولا ظُفِرَ له بزَلَّة ، وكان
لا يَدعُ سَماعَ الحَديث أيَّامٍ قَضائه، ويحضر مجلس أبي العبَّاس السَّرَّاج(١).
وقال ابنُ عبد البَرّ : كان أحمدُ بنُ بَقِيّ وَقوراً حَليماً كَثيرَ التِّلاوَةِ لَيْلاً ونَهاراً ، قَوِيَّ
المَعْرِفَة باخْتلافِ العُلماءِ ، وَلِيَ القَضاءَ عَشرةَ أعْوام ما ضَربَ فيها فيما قِيلَ سِوَى واحدٍ
مُجْمعٍ على فِسْقِه ، وكان يَتَوَقَّفُ ويَتثبّتُ ويقولُ : الثَّانِّي أَخْلَصُ ، إنَّ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم لمَّا أُشْكلَ عليه أمرُ حَديث حُوَيِّصَة ومُحَيِّصَةٍ(٢) وَدَى القَتيلَ من عِندِه .
وكان النَّاصِرُ لدين الله يَحترمُه ويُبَجِّله تُوفِّي على القَضاء سنة أربع وعشرين
وثلاثمائة .
قال الإمامُ الذهبيُّ : وفي ذُرِّيته أئمَّةٌ وفُضَلاء ، آخِرُهم أبو القاسِم أحمدُ بنُ
بقيّ(٣) .
ومن مَحاسِن المنْصُور أنَّه ولَّى محمدَ بنَ أبي المَنْظورِ الأنْصاري قَضاءَ القَيْروان وكان
من كبار أصْحابِ الحَديث، وقد لَقِيَ إِسْماعيلَ القاضي ، والحارِثَ بنَ أبي أسامة، فقال :
بِشَرْطِ أنْ لا آخُذَ رِزْقاً ولا أرْكَبَ دائَّةً، فوَلاً، ليتألَّفَ الرَّعيَّة، فَأُحْضِرَ إليه يَهوديٌّ قد سَبَّ (٤)
(١) انظر السير: (القاضي الخيَّاط) ١٤ /٥٦٤ - ٥٦٥، وانظر النزهة: ٦/١١٧٣.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٧٣) في الجهاد، و(٦١٤٣) في الأدب، و(٦٨٩٨) في الدِّيات: باب
القسامة، و(٧١٩٢) في الأحكام، ومسلم (١٦٦٩) من حديث سهل بن أبي حثمة ورافع ابن خديج
أنهما قالا: خرج عبد الله بن زيد ، ومُحيِّصَة بن مسعود بن زيد ، حتى إذا كانا بخير تفرّقا في بعض
ما هُنالك، ثم إذا مُحيِّصَة يجدُ عبد الله بن سهل قتيلاً ، فدفنه ، ثم أقبلَ إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلمٍ هو وحُويِّصَة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل ، وكان أصْغَرَ القوم - فذهب عبد الرحمن
ليتكلَّم قبل صاحبيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كبِّرْ الكبْرَ في السِّن))، فصمت ،
فتكلّم صاحباه ، وتكلَّم معي ، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل ، فقال
لهم : (أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينَاً فَتَسْتَحِقُونَ صَاحِبكم أوْ قَاتِلَكم))، قالوا: فكيف نَحلفُ ولم نَشْهَد ،
قال صلى الله عليه وسلم : ((فَتُبَرِّثُكُم يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً))، قالوا: وكيف نقبلُ أيْمان قومٍ كُفَّار ،
فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عقله .
٠
(٣) انظر السير: (أحمدُ بن بقيّ) ٨٣/١٥-٨٤، وانظر النزهة: ٢/١١٨٣.
(٤) أي : النبيَّ صلى الله عليه وسلم .
٢٤١

فبَطَحَه، وضَربَه إلى أنْ ماتَ تحتَ الضَّرْبِ ، خافَ أنْ يُحكَمَ بقَتلِه فتحلّ عليه
الدَّوْلة(١) .
وأَتى يوماً بيته فوجَدَ سُلافَ دايةَ الشُّلطانِ تَشْفَعُ في امرأةٍ نائحَةٍ فاسِقَةٍ لِيُطْلِقَها من
حَبْسِه ، فقالَ : ما لَكِ ؟ قالت : قَضيب(٢) مَخْبوبة المنصور ، تطلب منك أن
تُطْلِقَها، فقال: يا مُنْتِنَةُ لولا شيءٌ لضَربتُك لَعَنَكِ اللهُ، ولَعنَ مَنْ أرْسَلَك فوَلْوَلَت ،
وشقَّت ثيابَها ثم ذَكرَت أمرَها للمَنْصور، فقالَ: ما أصْنَعُ به؟ ما أخَذَ منَّا صِلَةً ،
ولا نَقَدِرُ على عَزْلِه نحنُ نحبُّ إِصْلاحَ البَلد .
وخرج في رمضان سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة إلى مكانٍ يَتنزَّه فأصابه بَردٌ وربحٌ
عَظيمة ، فأثَّرَ ذلك فيه ، ومَرضَ ، وماتَ عددٌ كثيرٌ ممَّنْ مَعه ثم ماتَ من السَّنَة وله تسعٌ
وثَلاثونَ سنةً(٣) .
وقيلَ: إِنَّ القاضي محمَّدَ بنِ أحمدَ بن إبراهيم المَعْروف بـ ((العَسَّال)) كان لا يغلقُ
بابَه عن أحَدٍ ، وكان إذا تَوجَّه على الخَصْمِ يَميزٌ لا يُحَلِّفْه ما أمْكَنَه ، بل يَغْرمُ عنه مالم
يَبلُغ مئةَ دينار، فإذا بَلِغَ المئة أو جاوَزَها، كان يتَثَبَّتُ ويُدافعُ ويُمْهِلُ إلى المجْلِس
الثاني، ويُحذِّرُ المذَّعَى عليه وبالَ اليَمين، ويُخوِّفُهُ يومَ الدِّين، ويُذَكِّرُه الوُقُوفَ بين
يَدَي ربِّ العالمين ، ثم يُحلِّفُه على كُرْه(٤) .
وقال السَّمْعانيُّ : أبو بكر الحَمَوي أحدُ المثْقِنين للمَذْهب ، وله اطّلاعٌ على أسْرار
الفِقْه، وكان وَرِعاً، زاهِداً، مُثَّقياً، سَديدَ الأحْكام ، وَلَيَ قَضاءَ القُضاة بعد
أبي عبد الله الدَّامَغانيّ مُدّة إلى أنْ تَغيَّر عليه أميرُ المؤمنين ((المُقْتَدِي)) فمَنعَ الشُّهودَ من
حُضورِ مَجْلسِه مُدّة ، فكان يقولُ : ما أَنْعَزِلُ ما لَمْ يَتْحَقَّق عليَّ فسقٌ، ثم إنَّ
((المُقْتَدِي)) رَضِيَ وخَلعَ عليه(٥) .
(١) انظر السير: (المَنْصُور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٤/١٢٠٢.
(٢) جارية أخرى للسلطان، ليس عنده أعزّ منها .
(٣) انظر السير: (المَنْصُور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٥٤/١٢٠٢.
(٤)
انظر السير: (العَسَّال) ٦/١٦ -١٥، وانظر النزهة: ٢/١٢٦٥.
(٥) انظر السير: ( الحَمَويّ) ٨٥/١٩-٨٨، وانظر النزهة: ٢/١٤٦٣.
٢٤٢

وشَهِدَ عنده المشطّبُ الفَرْغانيُ(١)، فلَمْ يَقبلْه، لكَونِهِ يَلْبَسُ الحَرير فقال :
تَردُني، والسُّلطانُ ووَزيرُه نِظامُ المُلك يَلبَسانِهِ؟! فقال: لَوْشَهدا، لما قَبلتُهما (٢).
قال ابنُ النجَّار : تَفَقَّه على القاضي أبي الطيب ، ولمْ يأخُذْ على القَضاء رِزْقاً ،
ولا غَيّرَ مأكلَه ولا مَلبَسَه، وكان يُسَوِّي بينَ النَّاسِ فانقلبَ عليه الكُبراءُ ، وكان نَزِهاً
وَرِعاً على طريقَة السَّلَف، له كارك(٣) يُؤجرُّه كل شهرٍ بدينارِ ونصْف ، كان يَقتاتُ
منه ، فلمَّا وَلَيَ القَضاءَ جاء إنسانٌ، فَدَفعَ أرْبعَة دَنانير، فأبى، وقال: لا أُغَيُّ
ساكِنِي ، وقد ارْتَبتُ بك ، هلأَ كانت الزِّيادَةُ من قَبلِ القَضاء .
قال أبو عليّ الصَّدَفيُّ: هو وَرِعٌ زاهدٌ وأمَّا الفِقْهُ، فكان يُقالُ: لوْ رُفِعَ مَذْهَبُ
الشَّافعيِّ ، لأَمْكَنَه أنْ يُمْليه من صَدرِه .
قال الإمامُ الذهبيُّ : كان قُدومُه بَغْدادَ في سنةٍ عشرين وأربع مئة ، وكان من أوْعيّة
الفِقْه، وقد صنَّف ((البَيان في أصُول الدِّين)) يَنْحو فيه إلى مَذْهَبَ السَّلَف.
مات سنةَ ثمانٍ وثمانين وأرْبع مئة ، وقد قارَبَ التِّسْعينَ ، ودُفِنَ في تربةٍ له عند
أبي العبَّس بنِ سُرَيج(٤) .
وكان ابنُ العَربي ثاقِبَ الذِّهْن ، عَذْبَ المَنْطِقِ، كَريمَ الشَّمائل ، كامِلَ الشُّؤْدُد ،
وَلَيَ قَضاءَ إِشْبيليَة ، فحُمِدَت سياسَتُه ، وكان ذا شِدَّةِ وسَطْوَة فعُزِلَ ، وأقْبلَ على نَشْرِ
العِلمِ وتَدوينِه .
كان القاضي أبو بكر ممَّن يُقالُ: إنَّه بَلِغَ رُتبَةَ الاجْتهاد (٥).
(١) هو أبو المُظَفَّر المشطّب بن محمد بن أسامة الفرغاني ، من فرغانة ما وراء نهر جيجون ، كان من
فُحول المُناظرين ، وكانت له يدٌ باسطة في النظر والجدل، وكان مُختلطاً بالعَسكَر ، وكان
لا يُفارقهم .
(٢) انظر السير: (الحَمَويّ) ٨٥/١٩-٨٨، وانظر النزهة: ٣/١٤٦٣.
(٣)
الكلمة فارسية ، ومعناها : البيت كما يُفهَم من السِّياق .
انظر السير: (الحَمَويّ) ٨٥/١٩-٨٨، وانظر النزهة: ٤/١٤٦٣.
(٤)
(٥) انظر السير: (ابنُ العَربي) ١٩٧/٢٠ - ٢٠٤، وانظر النزهة: ١/١٥٤١.
٢٤٣

(ز) خَوفُ قاضٍ من الله :
قال الحاكمُ: سَمعتُ محمَّدَ بنَ عَبْدان خادمَ الجامع يقولُ : كان محمَّدُ بنُ عليّ
الحاكم يَجيءُ في كل أَسْبُوع ليلةً إلى الجامع ، فيَعبَّد إلى الصباح من حيث لا يَعرفُ
غيري، فصادَفْتُه ليلةً يَتلو: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ الآيات(١)
وكلَّما تَلا آية منها، ضَربَ بيده على صَدرِهِ أسْمعُ صَوتَها من شِدَّته، رحمَه الله
تعالى .
تُوفِّي رحمَه الله بعدَ العشرين وثلاث مئة ، وله بضعٌ وثمانون سنة(٢).
(ح) تَحْذيرُ القاضي الشُّهودَ من شَهادة الزُّور :
قال ابنُ سيرين : كان شُرَيحٌ القاضي يقولُ للشَّاهِدَين: إنَّما يَقضي على هذا الرَّجُلِ
أنُّما، وإِنِّي لَمُتَّقِ بَكُما فَاتَّقِيا(٣).
( ط ) قاضٍ فَطِنٌ :
قال إبراهيمُ بنُ هِشام الغَسَّانيُّ : حذَّثني أبي ، عن جَدِّي ، قال : وَقَعَتْ من رجلٍ
مئةُ دينارٍ فنادَى : مَنْ وَجَدَها ، فله عِشْرونَ ديناراً ، فأقبَلَ الذي وَجدَها فقال : هذا
مالُك ، فأعْطِني الذي جَعلتَ لي فقال: كان مالي عشرينَ ومئةَ دينار ، فاخْتَصَما إلى
فَضَالَةَ بنِ عُبَيد ، فقال لصاحبِ المال : ألَيْسَ كان مالك مئة وعشرين ديناراً كما تذكر ؟
قال : بَلَى وقال للآخر : أنْتَ وَجدْتَ مئة ؟ قال: نَعَم ، قال : فاحْبِسْها ولا تُعْطِه ،
فليس هو بمالِه حتى يَجيءَ صاحبُه (٤).
(١) سورة المائدة ، الآية : ٤٤ .
(٢) انظر السير: (القاضي الخيَّاط) ١٤/ ٥٦٤ - ٥٦٥، وانظر النزهة: ٢/١١٧٤.
(٣) انظر السير: ( شُرَيح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة: ٦/٤٥٦.
(٤) انظر السير: ( فَضالَة بن عُبَيَد) ١١٣/٣ -١١٧، وانظر النزهة: ٤/٣٤٦.
٢٤٤

(ي ) قُضَاةٌ مُرْتَشُون خَرِبوا الذِّمَّة :
وعن الحَسَنِ بنِ زياد اللؤلؤيِّ قال: قال أبو حَنِيفَة: إذا ارْتَشَى القاضي ، فهو
مَعْزول وإنْ لم يُعزَل .
قال وكيعٌ : سَمعتُ أبا حَنيفَةَ يقولُ : البَوْلُ في المَسْجد أحسنُ من بعضِ القِياس .
وعن أبي مُعاويَة الضَّرير قال: حُبُّ أبي حَنيفة من السُّنَّةُ(١).
وقال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمَة ((رَفيع الدين )): ولمَّا غَلبَ إسماعيلُ على دمشْقَ
ولاَهُ قضاءَها، فكان مَذمومَ السِّيرة خَبِيثَ السَّريرة، وواطَأْهُ أمينُ الدولة على أذيّة
الناس ، واستعملَ شُهودَ زُورٍ ووكلاءَ ، فكان يَطلبُ ذا المالِ إلى مَجْلسِه فَيَبتُّ مُدَّعِ
عليه بألفِ دينار ويُحضِرُ شُهودَه، فيتَحيَّرُ الرجلُ ويُبهَت ، فيقولُ الرَّفيعُ: صالح
غَرِيمَك ، فيُصالِحِ على النِّصْف ، فاستُبيحت أموالُ المسلمين ، وعَظُمَ الخطبُ ،
وتَعَثَّر خَلقٌ، وعَظُمت الشَّناعات، واسْتغاثوا إلى الصَّالِحِ ، فطَلبَ وَزيرَه ، وقالَ:
ما هذا؟ فخافَ، وكان أُسُّ البَلاء الموَفَّقُ الواسطيُّ فَتَحَ أبوابَ الظلم ، فبادَر الوزيرُ
وأهْلَكَهما لئلا يُقِرًّا عليه وليُرْضِيَ النَّاسَ .
ويقالُ : كان الصَّالِحُ يَدري أيضاً(٢) .
(ك) حَرِصَ نورُ الدِّين عَلى مُساواة نفسِه بخَصْم في مَجْلِس القَضاء :
وقال مَجْدُ الدِّين ابنُ الأثير : جاءَ رجلٌ يَطْلُبُ نورَ الدين زِنكي إلى الشَّرْع ، فجاءَ
معَهُ إِلى مَجْلِسٍ كمَالِ الدينِ الشَّهِرَزورِيِّ، وتَقَدَّمَه الحَاجِبُ يقولُ للقاضي : قد قالَ
لكَ: اسْلُك مَعَهُ ما تَسْلُك مع آحَادِ النَّاسِ، فلمَّا حَضَرَ سَوَّى بينَه وبينَ خَصْمِه وتَحَاكَمَا
فَلَمْ يَثْبُتْ للرَّجُلِ عليه حَقٌّ ، وكان مِلْكَاً ، ثم قال السُّلطَانُ: فاشْهَدُوا أَنِّي قد وَهَبْتُهُ له.
قال العِمَادُ في (( البَرْقِ الشَّامِيّ )) أكثَرَ نورُ الدين عامَ مَوْتِه من البِرِّ والأوْقَافِ وعِمَارَةِ
(١) انظر السير: (أبو حَنِيفَة) ٦/ ٣٩٠ -٤٠٤، وانظر النزهة: ٦/٦٦٣.
(٢) انظر السير: (الرَّفيع) ١٠٩/٢٣-١١١، وانظر النزهة: ٣/١٧١٥.
٢٤٥

المَسَاجِد، وأسْقَطَ ما فيه حَرَامٌ، فما أبْقَى سِوَى الجِزْيَةَ والخَرَاجَ والعُشْرَ ، وكَتَبَ
بذلك إلىْ جَميعِ البِلادِ ، فَكَتَبْتُ له أكثَرَ من ألْفِ مَنْشُورِ (١).
٢٣ - مُتَفَرِّقاتٌ في القَضاء :
عن نافع قال : كتب عُمَرُ إلى أبي عبيدة ومعاذ: انظروا رجالاً صالحين ،
فاستعملوهم على القضاء وارْزُقوهم(٢).
وعن هُبيرة بن يَريم ، أن عَليَّاً جمع الناس في الرَّحْبَة ، وقال : إني مفارقكم ،
فاجتمعوا في الرَّحْبَة ، فجعلوا يسألونه حتى نفد ما عندهم ولم يبق إلاَّ شُريح ، فجئا
على ركبتيه ، وجعل يسأله فقال له عليٍّ: اذهبْ فأنت أقْضَى العَرب (٣).
وعن عامر ، قال : جاءت امرأة إلى عليٍّ رضي الله عنه تخاصم زوجها طلَّقَها
فقالت : قد حِضْتُ في شهرين ثلاث حِيَضٍ فقال عليٌّ لشُرَيح : اقض بينهما قال :
يا أمير المؤمنين ، وأنت ها هنا ؟ قال : اقض بينهما قال : إن جاءت من بطانة أهلها
من يُرضى دينُهُ وأمانتُه يَزْعُمُ أنَّها حاضَت ثلاثَ حِيَض تَطَهُر عند كل قرء ، وتُصلِّي ،
جازَ لها ، وإلاَّ فلا، قال عليٍّ: قالُون. وقالُون بلسان الروم: أحسنتَ (٤) .
وعن إبراهيم ، قال : أقرَّ رجلٌ عند شُرَيح ، ثم ذهب يُنْكِر ، فقال : قد شهد عليك
ابن أخت خالتك(٥) .
وعن عبد الصَّمد بنِ مَعقل ، قيل لوَهْب بنِ مُنَبِّه : إنَّك يا أبا عبدِ الله كنُتَ تَرى
الرُّؤيا فتُحدِّثُنا بها فتكونُ حقاً قال : هَيْهات ذَهبَ ذلك عنِّي منذ وُلِّيتُ القَضاء(٦) .
وقالَ سليمانُ بنُ أبي شَيخ : حَكَى لي عبدُ الله بنُ صالِحِ بنِ مُسلِمٍ ، قَالَ : كانَ
(١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٢.
(٢)
انظر السير: ( مُعاذُ بن جَبَل) ١/ ٤٤٣-٤٦١، وانظر النزهة : ١/١٩٢.
انظر السير: ( شُرَيح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة: ٤/٤٥٦.
(٣)
انظر السير: ( شُرَيح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة : ٥/٤٥٦.
(٤)
انظر السير: ( شَرَيح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة: ١/٤٥٧.
(٥)
(٦) انظر السير: (وَهْب بن مُنبّه) ٤/ ٥٤٤ -٥٥٧، وانظر النزهة : ٥/٥٥٣.
٢٤٦

شَريكٌ على قَضاءِ الكُوفَة، فخَرجَ يَتلقَّى الخَيزُرانَ، فَبَلغَ شاهي(١)، وأبْطَأْت
الخَيْزُران، فأقامَ يَنتَظرُها ثَلاثاً، ويَبَسَ خُبزُه، فجَعلَ يَبلُّهُ بِالْمَاءِ ويَأْكُله، فقالَ
العَلاءُ بنُ الْمِنْهَالِ الغَنَويُّ(٢).
بأَنْ قد أكرَهوكَ عَلى القَضاءِ
فإنْ كَانَ الذِي قُلتَ حقّاً
تلَقَّى مَنْ يَحُجُّ مِن النِّساءِ ؟
فما لكَ مُوضِعاً في كلِّ يومٍ
بِلا زادٍ سِوَىْ كِسَرٍ وَمَاءِ
مُقيماً في قُرَى شاهِي ثلاثاً
(١) مَوضع قُرب القادسية .
(٢) انظر السير: (شَريك) ٨/ ٢٠٠-٢١٦، وانظر النزهة: ٦/٧٤٣.
٢٤٧

(٥) اللُّغَةُ والأدَب
١- فَضْلُ عُلَماء اللُّغَة :
قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجمَة أبي زَكريّا يَحْيِىُ بنِ زياد ((الفَرَّاء)»: ورَدَ عن ثَعلبَة أنَّه
قالَ: لَوْلا الفَرَّاء لما كانت عَربيّة ، ولَسَقِطَت، لأنَّ خَلَّصَها، ولأنَّها كانت تُتُنَازَعُ
ويَذَّعيها كلُّ أحَد(١) .
ونقل أبو بُديل الوَضَّاحي أنَّ المأمونَ أمرَ الفَرَّاء أنْ يؤلِّفَ ما يُجمع به أصول النحو ،
وأفرد في حجرة ، وقرر له خدماً ، وجواري ، ووراقين فكان يملي في ذلك سنين قال
ولما أملى كتاب ((مَعاني القُرآن )» اجتمع له الخلقُ، فكان من جُملَتهم ثمانونَ قاضياً ،
وأملَّ ((الحمد)) في مئة ورقة(٢) .
٢ - مَنْ كان من العُلماءِ لُحَنّة:
٠
قال عليٌّ بنُ المَديني: كان وَكيعٌ يَلْحَنُ ، ولو حَدثتُ عنه بألفاظِهِ ، لكانَت عَجباً ،
كان يقولُ: حدَّثنا مسْعَر عن (( عيشة)).
وقال إبراهيمُ الحَربيُّ : سَمعتُ أحمدَ يقولُ: ما رَأْتْ عَيناتيَ مثل وكيع قَطُّ ، يَحفظُ
الحَديثَ جيداً ، ويُذاكرُ الفِقْهَ، فَيُحسِنُ مع وَرَع واجْتهاد، ولا يَتكلَّمُ في أحَد (٣) .
وقالَ ابنُ ناصِر : كان محمّدُ بنُ طاهِرِ لُحَنَةً ويُصحَّف، قَرأَ مرَّة : وإنَّ جَبينَه
لِيَتَفَصَّدُ (٤) عَرَقاً - بالقاف - فقُلْتُ: بالفَاء ، فكابَرَني (٥) .
وقال السِّلفيُّ: كان محمَّدُ بنُ طاهِر فاضِلاً يَعرِفُ، لكنه لُحَنَةٌ ، قال لي المؤتَمنُ
(١) انظر السير: (الفَرَّاء) ١١٨/١٠ -١٢١، وانظر النزهة: ٢/٨٥٧.
(٢) انظر السير: (الفَرَّاء) ١١٨/١٠-١٢١، وانظر النزهة: ٣/٨٥٧.
(٣). انظر السير: (وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ١/٨١١.
(٤) أي : يسسل من التَّفصُّد وهو السَيلان، وهو قطعة من حديث .
(٥) انظر السير: (محمد بن طاهر) ٣٦١/١٩-٣٧١، وانظر النزهة: ٣/١٤٨٧.
٢٤٨

الساجي : كان يقرأُ، ويلحنُ عند شَيخ الإسلام بهَراة ، فكان الشَّيخُ يُحرِّكُ رأسَه ،
ويقولُ: لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(١) .
٣- مَنْ كان يقفُ على أواخر الكلم خوفاً من اللَّحْن :
كان ابنُ فَضْلان ظَرِيفَ المناظَرَةِ ، ذا نَغَمَات مَوْزونَةً ، ويُشيرُ بيَدِهِ بوَزْن مطربٍ
أنيق ، يقفُ على أواخر الكَلِمِ خَوفاً من اللحن قاله الموفَّق عبدُ اللَّطيف، ثم قال : كان
يُداعِبُني كثيراً ، ثم رُمي بالفالجِ في أواخر عُمرِه رَحمَه الله .
ماتَ سَنَةَ خَمسٍ وتسعينَ وخَمسٍ مئة(٢) .
٤- مُناظَرَةٌ لٌغَويَّة :
جَمِعَ يَحْيَى الْبَرْمَكي ببغدادَ بين سِيبَوَيْهِ وبين الكِسائي للمُناظَرَة ، بحضور سَعيد
الأخْفَش، والفَرَّاء ، وجَرت مَسألةُ الزُّنْبُور ، وهي كذب : أظن الزُّنْبُورَ أشدَّ لَسْعاً من
النَّحْلة فإذا هو إيّاها فقالَ سِيبَوَيْه : ليس المثلُ كذا ، بلْ : فإذا هو هي ، وتَشاجَرا
طويلاً، وتَعَصَّبوا للكِسائي دُونَه، ثم وَصلَه يَحْيَى بعَشرة آلاف ، فسارَ إلى بلادِ
فارِس ، فاتَّفْقَ مَوْتُهُ بشيرازَ فيما قيل .
وقيلَ : كان فيه مع فَرْطِ ذَكائِهِ حُبْسَةٌ في عِبارَتِهِ ، وانطلاقٌ فِي قَلْمِه .
قال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ: سُمِّيَ سِيبَوَيْه لأنَّ وَجْنَتَه كانَتَا كالثُّفَّاحَتين، بَديعَ الحُسْنِ.
وقال العَيشيُّ : كنَّا نَجلسُ مع سِيبَوَيْه في المسجد ، وكان شابّاً جميلاً نَظيفاً ، قد
تَعلَّق من كل علمٍ بسَبب ، وضَربَ بِسَهْمٍ في كلِّ أَدَب مع حَدَاثَةِ سنِّه .
وقيلَ : عاشَ اثْنَتَين وثَلاثينَ سنةً، وقيل : نَحْوَ الأرْبَعين ، وقيل : مات سنةً
ثمانين ومئة (٣).
(١) انظر السير: (محمد بن طاهر) ٣٦١/١٩-٣٧١، وانظر النزهة: ٤/١٤٨٧.
(٢) انظر السير: (ابنُ فَضْلان) ٢٥٧/٢١-٢٥٨، وانظر النزهة : ٤/١٦١٧.
(٣) انظر السير: (سيبَوَيْه) ٣٥١/٨-٣٥٢، وانظر النزهة: ٣/٧٦٢.
٢٤٩

٥- مَسَائِلُ لُغَويَّة :
عن أبي عثمان المازني قال: قلتُ لابنِ السِّكِّيت: ما وَزْنُ ((نَكتَل)) قال:
(( نَفْعَل)) قلتُ: اتَّتِدِ، ففكّر، وقال: ((نَفْتَعِل)) قلتُ: فهذه خمسة أحْرُف،
فسكت فقال المتوكلُ : ما وَزْنُها؟ قلتُ: وَزْنُها في الأصْلِ «نَفْتَعِل)»، لأنَّها
(( نَكتَيِل)) فَتَحرَّك حرفُ العلَّة، وانْفَتَح ما قبلَه فقُلبَ ألفاً، فصار ((نَكتَال))، فحُذفَت
ألفُه للجَزْم ، فَبَقِيَ «نَكْتَل)).
مات المازنيُّ رحمه الله سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئتين(١).
وقال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة أبي زُرْعَة الرَّازي : الإمامُ، سَيِّدُ الحُفَّاظ ،
عُبَيْدُ الله بنُ عبدِ الكريم بن يَزِيد، مُحدِّثُ الرَّي ودُخول ((الزَّاي)) في نِسْبتِهِ غَير
مَقيس ، كالمَرْوَزِي(٢) .
وكان نِفْطَويه مُتَضَلِّعاً من العُلومِ، يُنكِرُ الاشتقاقَ ويُحيلُه. خلطَ نَحوَ الكُوفِيِّنَ بنَحْوِ
البَصْرِيِّين ، وصارَ رَأْساً في رَأيِ أهْلِ الظَّاهِر .
وكان ذا سُنَّةَ ودين وفُتَوَّة ومُرُوءَةٍ ، وحُسْنٍ خُلُق ، وكَيْسٍ وله نَظْمٌ ونَثْرٍ(٣).
وقال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة أبي حامد الغَزَّاليّ: تَوفِّيَ سَنةً خَمسٍ وخَمسٍ مئة ،
وله خَمسٌ وخَمسونَ سَنةً، ودُفنَ بمَقبرَةِ الطابَران قصبة بلادِ طُوس ، وقولُهم :
الغَزَّاليُّ، والعطَّاريُّ، والخبَّزيُّ، نِسْبة إلى الصَّنائع بلسان العَجَم بجَمْع ياء النِّسْبَة
والصِّيغَة .
وللغَزَّاليِّ أخٌ واعظ مَشْهور، وهو أبو الفُتوح أحمدُ ، له قَبولٌ عَظيمٌ في الوَعْظ
يُزَنُّ(٤) برِقَّة الدِّينِ وبالإباحَة، بَقيَ إلى حُدود العشْرين وخمس مئة ، وقد نابَ عن أخيه
في تَدْرِيس النِّظامِيَّة ببغدادَ لمَّا حَجَّ مُدَيْدَة .
(١) انظر السير: (المازِنيّ) ٢٧٠/١٢ -٢٧٢، وانظر النزهة: ٢/٩٩٨.
(٢) انظر السير: (أبو زُرْعَة الرَّازي) ٦٥/١٣-٨٥، وانظر النزهة: ٤/١٠٥١.
(٣) انظر السير: (نِفْطَوَيْه) ٧٥/١٥ -٧٧، وانظر النزهة: ٢/١١٨٢.
(٤) أي : يُنَّهَم ويُرْمَىُ .
٢٥٠

قال أبو الثناء مَحمودُ الفَرضي : حَدَّثنا تاجُ الإسْلام ابنُ خَميس قال لي الغَزَّاليُّ :
الناسُ يَقولون لي الغَزَّالِيُّ، ولستُ الغَزَّالِيُّ، وإنَّما أنا الغَزَالي منسوبٌ إلى قَرِيَة يُقالُ
لها : غَزالة ، أو كما قال .
رَحمَ الله الإمامَ أبا حامد ، فأينَ مثلُه في عُلومِه وفَضائِلِه ، لكن لا نَذَّعي عِصْمَته من
الغَلطِ والخَطأ ، ولا تَقليدَ في الأصُول(١).
٦ - نادِرَةٌ لُغَويّة تدلُّ على سِعَة الحِفْظ والدِّرايَة :
قالَ الخَطيبُ : حكى لي رئيسُ الرُّؤساء أبو القاسم عليُّ بنُ الحَسَن عمَّن حدَّثه ،
أنَّ أبا عُمرَ الزَّاهِدَ ، كان يُؤدِّبُ وَلَدَ أبي عُمرَ محمَّدَ ابنَ يوسُف القاضي ، فأمْلىُ يوماً
على الغُلام ثلاثينَ مَسألَة في اللُّغَة، وخَتمَها بِبَيْتين قال : فحَضرَ ابنُ دُرَيد ، وابنُ
الأنْباري ، وأبو بكر بنُ مِقْسَم عند القاضي ، فعَرضَ عليهم المسائل فما عَرفوا منها
شيئاً ، وأنْكَروا الشِّعْر فقالَ لهم القاضي : ما تَقُولُونَ فيها ؟ فقال ابنُ الأنْباري : أنا
مَشْغولٌ بِتَصنيفِ ((مُشْكل القُرآن)) وقال ابنُ مِقْسَم: وذكرَ اشْتِغالَه بالقِراءاتِ ، وقالَ
ابنُ دُرَيْد : هي من وَضْع أبي عُمرَ ، ولا أصْلَ لشيء منها في اللُّغَةِ ، فَبَلغَ أبا عُمرَ ،
فسَألَ مِنَ القاضي إحْضارَ دَواوين جَماعَة عِيَّنَهم له ففَتحَ خَزائنَه، وأخْرجَ تلكَ
الدَّواوين ، فلَمْ يَزِلْ أبو عُمرَ يَعمِدُ إلى كل مَسألة ، ويُخرِجُ لها شاهداً ، ويَعرضُه على
القاضي حتى تمَّمَها ، ثم قال : والبَيْتان أنْشَدَناهُما ثَعلبُ بحضرة القاضي ، وكتَبَهما
القاضي على ظَهْرِ الكتابِ الفُلاني، فأحْضَرَ القاضي الكتابَ ، فوَجدَهما ، وانتُهى
الخَبرُ إلى ابنِ دُرَيد ، فما ذَكرَ أبا عُمرَ الزَّاهدَ بَلَفْظَةٍ حتى مات(٢).
٧- الأدَبُ والأُدَباء :
قال أبو الحُسَين بنُ المُحامِلي : أخْبَرَنا عليُّ بنُ أحمد بنِ أبي خَليفة : سَمعتُ
أبي يقولُ: حَضَرْنا يوماً عند خَليل أميرِ البَصْرة ، فجَرى بينَه وبين أبي خَليفَة كَلامٌ فقالَ
(١) انظر السير: (الغَزَّالي) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة: ٥/١٤٨٥ .
(٢) انظر السير: ( أبو عُمر الزَّاهِد) ٥٠٨/١٥-٥١٣، وانظر النزهة: ١/١٢٥٦.
٢٥١

له : مَنْ أنتَ أيها المتكلمُ؟ فقالَ : أيها الأمير : ما مثلُك مَنْ جَهل مثلي : أنا
أبو خليفة الفَضلُ بنُ الحُباب أفَهَل يَخْفى القَمرُ؟ فاعْتَذْرَ إليه ، وقَضى حاجَتَه ، ولمَّا
خَرجَ ، سألوه ، فقال: ما كانَ إلاَّ خَيراً، أحْضَرني مأدُبَتَه ، فَأَبَطَّ ، وأدَجَّ ، وأُفْرَخَ ،
وفَوْلَجَ لَوْذَج، ثم أتاني بالشَّرابِ ، فقُلتُ : مَعاذَ الله ، فعاهَدني أنْ آتي مأدُبَتَه كلَّ
يوم ، فكانَ إنسانٌ يأتي كلَّ يوم، فيَحملُه إلى الأمير(١).
قال الصُّوليُّ: كنتُ أقرأُ على أبي خَليفة كتابَ: ((طَبَقات الشُّعَراء » وغيرَ ذلك،
قال : فَوَاعَدَنا يوماً وقال: لا تُخْلِفوني فإِنِّي أَتَّخِذُ لكم خَبيصةً فتأخَّرْتُ لشُغلِ عَرضَ
لي ، ثم جئتُ والهاشِمِيُّون عندَه، فلمْ يَعرِفْني الغُلامُ، وحَجَبَنِي ، فكتبتُ إليه :
وَتُؤْثِرُ الغُرَّ مِنْ أَوْلاَدِ عَبَّاسٍ
أبا خَلِيفَةَ تَجْفُوا مَنْ لَهُ أَدَبٌ
وَفِي العُلُومِ ، وَمَا الأَذْنَابُ كَالرَّاسِ
وَأَنْتَ رَأْسُ الوَرَى فِي كُلِّ مَكْرُمَةٍ
فِيهِ فَيَخْتَلِطُ الأَشْرَافُ بِالنَّاسِ
مَا كَانَ قدرُ خَبِيصٍ لَوْ أَذِنْتَ لَنَا
فلمَّا قَرأها صاحَ على الغُلام ، ثم دخلتُ ، فقالَ : أسَأتَ إلينا بتَغَتُبِكَ، فظلَمْتَنا في
تَعَثُّبك، وإنَّما عُقدَ المجلسُ بك، ونَحنُ فيما فاتَنَا بتأخيرك كما أنْشَدني التوزيُّ لِمَنْ
طِلَّقَ امرأتَه ثم نَدِمَ فَتَزَوَّجَت رجلاً ، فماتَ حين دَخلَ بها ، فَتَزَوَّجَها الأولُ فقال :
على خَير أحوالٍ كأنْ لَمْ تُطَلَّقِ
فِعَادَتْ لنا كالشَّمْسِ بَعدَ ظَلامِها
ثم صَاحَ : يا غُلام! أعدَّ لنا مثلَ طَعامِنا، فَأَقَمْنا عندَه يومَنا(٢).
الفَصَاحَةُ والبَلاغَة :
١ - ضَوابط الكلام الحَسَن الجَميل :
قال خالدُ بنُ صَفْوان : أحْسنُ الكَلام مالم يَكُنْ بالبَدَويِّ المُغْرب ولا بالقَرَويِّ
المُخدَّج ، ولكن ما شَرُفَت مَنابتُه، وطَرَفَت مَعانيه، ولَذَّ على الأفْوَاه وحَسُنَ في
(١) انظر السير: (أبو خَليفَة) ٧/١٤-١١، وانظر النزهة: ١/١١٢٢.
(٢) انظر السير: (أبو خَليفَة) ٧/١٤ -١١، وانظر النزهة: ٢/١١٢٢.
٢٥٢

الأسْماع، وازْدادَ حُسناً على مرِّ السِّنين، تُحنحنُهُ الدَّواةُ وتَقْتَنِيه السَّرَاءُ (١).
قال الإمامُ الذهبيُّ : وكان مَشْهوراً بالبُخْل ، رَحمَه الله(٢).
٢ - كلامٌ جَمیل حَولَ الفَصاحَة :
قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمَة الخَليفة المُقْتدي بأمْرِ الله: وكان مُحبّاً للعلوم ،
مُكْرِماً لأهْلِها ، لمْ يَزِلْ في دَولةٍ قاهِرةٍ وصَوْلَةٍ باهِرَةٍ ، وكانَ غَزِيرَ الفَضْلِ ، كاملَ
العَقْلِ ، بَلِيغَ النَّثْرِ ، فمنه :
وَعْدُ الْكُرَماءِ ألْزَمُ من دُيون الغُرَماء، الألْسُن الفَصيحَة أنْفَعُ من الوُجُوه الصَّبِيحَة ،
والضَّمائرُ الصَّحيحَة أبْلَغُ من الألْسُنِ الفَصيحَة، حَقُّ الرَّعِيَّة لازمٌ للزُعاة ، ويَقبحُ بالولاة
الإقْبالُ على السُّعاة .
وفي أول سنة سبع وثمانين تُوفِّي المُقْتدي فَجْأة وهو ابنُ تسع وثلاثين سنة ، وكانت
خِلافَتُه عشرين سنة كان هو خَليفَةُ الإسْلام في زَمانِهِ ، لكنْ يُزاحِمُه صاحبُ مِصْرَ
المُسْتَنِصِرُ، فكان العُبَيْدِيُّ والعبَّاسِيُّ مَقْهورَين من وُجوه وكان حُكْمُ العِراق والمَشْرق
إلى الشُّلْجوقيّة، وحكمُ المَغرب إلى تاشْفِين وابنِهِ ، وحكمُ اليَمَن إلى طائفة ، والأمرُ
كلُّه لله (٣).
٣- أمْثِلةٌ على الفَصاحَة والبَلاغَة:
عن الشَّعْبي قال : وَفدَ أبو موسى وَفداً من البصرة إلى عُمر، منهم الأحْتَفُ بنُ
قَيْس ، فتكلَّمَ كلُّ رجل في خاصَّة نفسِه وكان الأحْتَفُ في آخر القَوم ، فحَمدَ اللهَ ،
وأثنى عليه ، ثم قال : أمَّا بعدُ يا أميرَ المؤمنين، فإنَّ أهلَ مِصْرَ نَزَلوا مَنازِلَ فِرْعَون
وأصحابه ، وإنَّ أهْلَ الشَّام نَزَلوا مَنازِلَ قَيْصَر وأصْحابه ، وإنَّ أهْلَ الكُوفة نَزَلَوا مَنازِلَ
(١) ومن كلامه، وقد سُئل: أيُّ إخوانك أحبُّ إليك؟ قال : الذي يغفر زللي، ويقبل عللي ، ويسد
خللي ، قال المؤلف مُعلِّقاً على ذلك : إنما ذاك هو الله تعالى ، أجوَدُ الأجْوَدين .
(٢) انظر السير: (خالد بن صَفْوان) ٢٢٦/٦، وانظر النزهة: ٤/٦٤٣.
(٣) انظر السير: (.المُقْتَدي) ٣١٨/١٨-٣٢٤، وانظر النزهة: ٥/١٤١٨.
٢٥٣

كِسْرَىُ ومَصانِعَه في الأنْهار والجِنان ، تأتيهم ثمارُهم قبلَ أنْ تَبلُغ ، وإنَّ أهْلَ البَصْرَة
نَزلوا في أرض سَبخَة لا يجفُّ تُرابُها ، ولا يَنْبُتُ مَرْعاها، طَرفُها في بَحْر أُجاج ،
وطَرِفٌ فِي فَلاة، لا يَأتينا شيءٌ إلاَّ في مثل مَريء (١) النَّعامَة، فَارْفَعْ خَسيسَتَنا وانْعِشْ
وَكِيسَتنا وزِدْ في عيالنا عيالاً ، وفي رجالنا رجالاً ، وصَغِّر دِرْهَمَنا وكبِّر قَفيزَنا ، ومُرْ لنا
بنَهْر نَستعذبُ منه فقال عُمرُ: عَجَزْتُمْ أنْ تَكونوا مثلَ هذا، هذا والله السَّيدُ قال فما
زلتُ أسْمَعُها بعدُ (٢) .
وقالَ الإمامُ الذهبيُّ في نهايَة تَراجِم بَنِي عُبَيْد الله الرَّافِضيّ : ومن كتابٍ من إنشاء
القاضي الفاضل شَمسِ الدين ابنِ خَلِّكان إلى بَغْدادَ: ( وقَد تَوالَت الفُتُوحُ غَرباً ويَمَناً
وشاماً وصارت البلادُ بل الدُّنيا والشهرُ، بل والدَّهْرُ حَرماً حَراماً وأضْحَى الدينُ واحداً
بعدَ أنْ كان أدْياناً، والخِلافَةُ إذا ذُكِّرَ بها أهلُ الخِلافِ لمْ يَخِرُوا عليها صُمَّا وعُمْياناً ،
والبدْعَةُ خَاشِعَةً، والجُمُعَةُ جامِعَةً، والمَذَلَّةُ في شِيَع الضَّلالِ شائعَةً ، ذلكَ بأنَّهم
اتَّخَذُوا عبادَ الله من دُونه أولياءَ، وسَمُّوا أعْداءَ اللهِ أصْفِيَاءَ وتَقطَّعُوا أمرَهم بينَهم شِيَعاً ،
وفرَّقُوا أمرَ الأُمَّة وكانَ مُجْتمعاً ، وقُطْعَ دَابرُهم ، ورَغِمَت أنُوفُهم ومَنابِرُهم ، وحَقَّت
عَليهم الكلمَةُ تَشْرِيداً وقَتْلاً، وتَمَّتْ كلماتُ ربِّكَ صِدْقاً وعَدْلاً، وليسَ السَّيفُ عَمَّنْ
سِواهم من الفِرَنْجِ بصائمٍ ، ولا اللَّيلُ عن السَّيرِ إليهم بنائٍ ) .
قال الإمامُ الذهبيُّ : أعْجَبَنِي سَرْدُ هولاء العُبَيْدِيَّة على التَّوالي، لِيَتَأمَّله النَّاظِرُ
مُجْتَمعاً فَلْنَرجِعْ الآن إلى تَرْتيبِ الطَّباق في حُدُود العشرين وثلاث مئة وما بَعدَها(٣).
وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجمَة (( مُنْذِر بنِ سَعيد البَّلُّوطيِّ)): كان فَقيها مُحَقِّقا ،
وخَطيباً بليغاً مُفَوَّهاً ، له اليومُ المَشْهورُ الذي مَلأ فيه الآذان، وبَهرَ العُقولَ، وذلك أنَّ
المُسْتَنِصِرَ بالله كان مَشْغوفاً بأبي عليٍّ القالي، يُؤمِّلِه لكلِّ مُهمٍّ، فلمَّا وَرَدَ رَسُولُ الرُّومِ
أمَرَه أنْ يَقُومَ خَطيباً علي العادَة الجارِيَة، فلمَّا شاهَد أبو عليٍّ الجَمعَ العَظيمَ جَبُنَ فلمْ
(١) المريء: مَجْرى الطعام، وإنَّما خَصَّ النعام لدقَّة عُنقه.
(٢) انظر السير: (الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٢/٤٥٠.
(٣) انظر السير: (العاضِد) ٢٠٧/١٥-٢١٥، وانظر النزهة: ١/١٢٢١.
٢٥٤

تَحْمِلْهُ رِجْلاهُ، ولا ساعَدَه لِسانُهُ، وفَطِنَ له مُنْذِر بنِ سَعيد ، فوَثبَ في الحال ، وقامَ
مَقامَه وارْتَجلَ خُطبَةٌ بَديعَةً ، فَأَبْهتَ الخَلقَ وأَنْشَدَ في آخِرها لنفسِه :
لكنَّ صاحِبَه أزْدَى به البَلَدُ
هذا المَقَالُ الذِي ما عَابَه فَنَدُ
لَكِنَّنِي منهم فاغْتَالَنِي النَّكَدُ
لوْ كُنتَ فِيهم غَريباً كُنتَ مُطرفاً
ما كُنتُ أبْقَى بأرْضٍ ما بِهَا أَحَدُ
لَوْلا الخِلافَةُ أَبْقَى اللهُ بَهْجَتَهَا
فاسْتَحْسَنوا ذلك(١).
وقال أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزيّ: يَفْتَخْرُ فِرْعَونُ مِصْرَ بنَهْرِ ما أَجْراهُ ، ما أَجْرَاه !! .
قال الإمامُ الذهبيُّ: وهذا بابٌ يَطولُ، ففي كُتُبِهِ النَّفائسُ من هذا وأمثالِه(٢).
وكان في المَجْلسِ رجلٌ يحسِّنُ كلامَه ، ويُزَهْزِه له ، فسَكتَ يَوماً ، فالْتّفتَ إليه
أبو الفَرَج، وقال: هارونُ لفْظِكَ مُعينٌ لموسَى نُطْقِي، فَأَرْسِلْه مَعيَ رِدْءاً(٣).
وكان ياقُوتُ الحَموي شاعراً مُتَفَنِّاً جَيَِّ الإنشاء ، يقولُ في خُراسَان :
وكانت لعَمْرُ اللهِ ذاتَ رياضٍ أَريضَة، وأَهْوِيَةٍ صَحِيحَة مَرِيضَة، غَنَّتْ أَطْيَارُها ،
وتَمَايَلَت أشْجارُها، وبَكَت أنْهارُها، وضَحِكَت أزْهارُها، وطابَ نَسيمُها فصَحَّ مِزاجُ
إقليمِها ، أطْفالُهم رجالٌ، وشَبابُهم أبطالٌ ، وشُيوخُهم أبْدالٌ ، فهانَ على ملكهم تَركُ
تلك المَمالك(٤) .
وقال : يا نفسُ الهَوالَكِ، وإلاَّ فأنتِ في الهَوَالِكِ.
إلى أنْ قال: فمَررْتُ بين سُيوفٍ مَسْلولَة، وعَساكِرَ مَغْلولَة، ونِظامِ عُقودٍ
مَحْلولة، ودِماءٍ مَسْكوبَة مَطْلولة، ولَوْلا الأَجَلُ لأُلْحِقتُ بالألف ألف أو يَزِيدُونَ .
تُوفِّيَ ياقوتُ في سنة ستٍّ وعشرين وستٌّ مئة ، عن نَّه وخمسين سنة ، ووَقفَ
(١) انظر السير: (مُنْذِر بن سَعيد البلُّوطيّ) ١٧٣/١٦-١٧٨، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٧.
(٢) انظر السير: ( أبو الفرج ابن الجَوْزيّ) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٦/١٦٣٤.
(٣) انظر السير: (أبو الفرج ابن الجَوْزيّ) ٣٦٥/٢١ - ٣٨٤، وانظر النزهة: ٩/١٦٣٤.
(٤) انظر السير: (ياقوت) ٣١٢/٢٢ -٣١٣، وانظر النزهة: ٢/١٦٩٢.
٢٥٥

كُتِبَه ببغدادَ علىْ مَشْهَد الزَّبيدي، وتَواليفُه حاكمةٌ له بالبلاغَة ، والتَّبُر في العلم ،
اسْتوفى ابنُ خلِّكان ترجمته وفَضائلَه(١) .
٤ - أهْلُ الفَصاحَة والبَلاغَة :
عن عبد الملك بنِ عُمَيْر ، قال: قَدِمَ عَلينا الأحْنفُ بنُ قَيس الكُوفَة مع مُصْعَب ،
فمَا رَأيتُ صِفةً تُذَمُّ إلاَّ رَأيتُها فيه كان ضئيلاً، صَعْل الرأسِ ، مُتراكِبَ الأسْنان ، مائلَ
الذَّقْن، ناتيءَ الوَجْنَة، باخِقِ العَين، خَفيفَ العَارِضَين، أحْنَفَ الرِّجْلَين فكان إذا
تكلَّمَ جَلا عن نفسِهِ (٢) .
الصَّعَلُ : صِغَرُ الرأس، والبخَقُ : انْخِسافُ العينِ ، والحَنَفُ : أَنْ تُفْتَل كُلُّ رِجل
على صاحِبَتِها(٣).
وعن إسْماعيلَ بنِ أُمَّيَّة قالَ : كانَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحِ يُطيلُ الصَّمْتَ ، فإذا تكلّم
يُخيَّلُ لنا أنَّه يُؤْيَّد (٤) .
وحدَّثنا الحَسنُ بنُ صالح، قالَ : ما رَأيتُ أحداً قَطُّ أَفْصَحَ من عاصِمٍ بِنِ
أبي النُّجود ، إذا تكلّم كادَ يَدخُلُهُ خُيَلاء(٥) .
وجاء في تَرجمَة عبدِ الله بنِ المُقَفَّع قال الذهبيُّ : هو أحَدُ الْبُلَغَاء والفُصَحاء ،
ورَأْسُ الكُتَّاب ، وأُولِي الإنْشاء من نُظَراء عبدِ الحَميد الكاتب وكان من مَجُوسِ فارِس
فأسْلمَ على يدِ الأميرِ عيسىُ عمِّ السَّفَّاحِ وكَتبَ له واختُصنَّ به قال الهَيْثَمُ بنُ عَديّ : قالَ
له : أريدُ أنْ أُسْلمَ على يَدَ بمَحْضر الأعْيان ثم قَعدَ يأْكُلُ ويُزَمْزِمُ بالمَجُوسِيَّة فقالَ :
ما هذا ؟ قال : أكْرَهُ أنْ أبيتَ على غَير دينٍ وكان ابنُ المُقَفَّعْ بُتَّهَم بالزَّنْدِقَة وهو الذي
عَرَّبَ كَليلَة ودِمْنَةٍ (٦) .
(١) انظر السير: (ياقُوت) ٣١٢/٢٢ -٣١٣، وانظر النزهة: ٣/١٦٩٢.
(٢)
انظر السير: ( الأخْنَف بن قَيْس ) ٨٦/٤- ٩٧، وانظر النزهة: ٤/٤٥٣.
(٣)
انظر السير: ( الأحْتَف بن قَيْس) ٨٦/٤ - ٩٧، وانظر النزهة: ٥/٤٥٣.
انظر السير: ( عطاء بن أبي رَباحٍ) ٧٨/٥ -٨٨، وانظر النزهة : ٩/٥٨٢.
(٤)
(٥) انظر السير: (عاصم بن أبي النّجود) ٢٥٦/٥-٢٦١، وانظر النزهة: ٢/٥٩٩.
(٦) انظر السير: (عبد الله بن المُقفّع) ٢٠٨/٦ -٢٠٩، وانظر النزهة: ٢/٦٤٢.
٢٥٦

ورُوي عن المَهْديِّ قال : ما وَجَدتُ كتابَ زَنْدَقَة إلاَّ وأصْله ابنُ المُقَفَّع وغَضبَ
المَنْصورُ منه ، لأنَّ كتب في تَوَثُّقِ عبدِ اللهِ بنِ عليٍّ من المَنْصُور يقولُ: ومَتِى غَدَرَ
بِعَمِّه، فنِساؤُه طَوالِقُ، وعَبِيدُه أحْرارٌ، ودَوابُهُ حَبسٌ ، والنَّاسُ في حِلِّ من بَيْعَتِهِ
فكَتبَ إلى عامِلِه سُفْيانَ المُهَلَّبِيِّ يأمُرُه بقَتلِ ابنِ المُقَفَّع(١).
وكان ابنُ المُقَفَّع مع سِعَة فَضْلِه، وفَرْطِ ذَكائه فيه طَيشٌ فكان يقولُ عن سُفْيانَ
المُهَلَّبِيِّ: ابنُ المُغْتَلمَة فأمَرَ له بتَنُّورِ فسُجِر ثم قَطَع أرْبَعتَه ورَماهَا في التَّنُّور وهو يَنظُر
وعاشَ ستاً وثلاثين سنةً وأهْلكَ في سنة خمس وأربعين ومائة وقيلَ بعدَ الأَرْبَعين واسمُ
أبيه ذادوَيْه ، قد وَلِيَ خَراجَ فارِس للحَجَّاجِ ، فخانَ ، فعَذَّبه الحَجَّاجُ : فَتَقْفَّعَت يدُه
وقيلَ: بل كانَ يَعملُ قَفَاعَ الخُوص وهي كالقُفَّةِ(٢) .
قيل لابنِ المُقَفَّع: مَنْ أَذَّبَك ؟ قال : نَفسي إذا رَأيتُ من أحَدٍ حَسناً أتَيْتُه ، وإنْ
رَأيتُ قَبيحاً أبَيْتُه(٣).
وقيلَ : اجتمَعَ بالخَليلِ ، فلمَّا تفرَّقا قيلَ للخَليلِ: كيفَ رَأْيتَه؟ قالَ : عِلْمُه أكثرُ
من عَقلِه وسُئلَ هو كيفَ رَأيتَ الخَليلَ ؟ قال: عَقلُه أكثرُ من عِلْمِهِ(٤) .
وقيلَ : إنَّ والي البَصْرة سُفْيَانَ بنَ مُعاويَة بنِ يَزيد بنِ المُهَلَّب قال يوماً : ما نَدمتُ
علىْ سُكوتٍ قَطُّ فقالَ ابنُ المُقَفَّع : فالخَرْسُ زَيْنٌ لك وقالَ له مرَّة : ما تَقولُ في رجلٍ
ماتَ عن زَوْجٍ وَزَوْجِهِ ؟ فأخْنَقَه .
قال الأصْمَعِيُّ: صنَّفَ ابنُ المُقَفَّع ((الدُّرَّةَ الْيَتَيمَة)) التي ما صُنَّفَ مثلُها(٥).
وكان الشافعيُّ يقولُ: كتبتُ عن محمَّدِ بنِ الحَسَن وقْرَ بُخْتِيٌّ(٦)، وما ناظَرتُ
(١) انظر السير: (عبد الله بن المُقفَّع) ٢٠٨/٦ -٢٠٩، وانظر النزهة: ٣/٦٤٢.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن المُقفّع) ٢٠٨/٦-٢٠٩، وانظر النزهة: ٤/٦٤٢.
(٣)
انظر السير: (عبد الله بن المُقفّع) ٢٠٨/٦-٢٠٩، وانظر النزهة: ٥/٦٤٢.
(٤)
انظر السير: ( عبد الله بن المُقفّع) ٦/ ٢٠٨ -٢٠٩، وانظر النزهة: ٦/٦٤٢.
(٥) انظر السير: (عبد الله بن المُقفّع) ٢٠٨/٦-٢٠٩، وانظر النزهة: ١/٦٤٣.
(٦) البُخْتِيّ: واحد البُخْت ، وهي الإبل.
٢٥٧

سَمِيناً أذْكَىْ منه، ولَوْ أشاءُ أنْ أقولَ : نَزَلَ القُرآنُ بِلُغَة محمَّدٍ بنِ الحَسَن ، لقُلتُ
لفَصاحَتِهِ .
قالَ إبراهيمُ الحَرْبيُّ : قلتُ للإمام أحمدَ : مِنْ أين لكَ هذه المسائل الدِّقاق ؟
قال : من كُتبٍ مُحمَّد بنِ الحَسَن(١) .
وعن يُونُس بنِ عبدِ الأعْلىُ ، قالَ: ما كانَ الشَّافعيُّ إلاَّ ساحراً ما كُنَّا نَدري ما يَقولُ
إذا قَعَدْنا حولَه ، كأنَّ ألفاظَه سُكرٌّ، وكان قد أُوتِي عُذويَةَ مَنْطِق، وحُسنَ بَلاغَة ،
وفَرْطَ ذَكاء ، وسَيَلانَ ذِهْن، وكمالَ فَصاحَة، وحُضورَ حُجَّة (٢).
فعن عبدِ المَلكِ بنِ هِشام اللُّغَوي ، قالَ : طالَت مُجَالَسَتُنا للشَّافعيِّ ، فما سَمعتُ
منه لُحَنَةً قَطُ(٣).
قال الإمامُ الذهبيُّ: أنَّى يكونُ ذلك، وبمثلِه في الفَصاحَة يُضرَبُ المثَل ، كان
أفْصَحَ قُرَيش في زَمانِهِ ، وكان مِمَّا يُوخَذ عنه اللُّغَةِ(٤).
وقال المبرد : دَخلَ رجلٌ على الشَّافعيِّ، فقالَ : إنَّ أصْحابَ أبي حَنِيفَة لفُصَحاءُ
فأنْشاً يقولُ(٥):
لكُنتُ اليومَ أشْعَرَ من لَبِيدٍ
فَلَوْلاَ الشِّعْرُ بِالعُلَمَاءِ يُزْرِي
وآلٍ مُهَلَّبٍ وَأَبِي يَزِيدِ
وأَشْجَعَ في الوَغَى مِنْ كُلِّ لَيْثٍ
حَسِبْتُ النَّاسَ كَلَّهُمُ عَبِيدِي
ولَوْلاَ خَشْيَةُ الرَّحْمْنِ رَبِّي
قال أبو نعيم بنُ عَديّ الحافظُ : سَمعتُ الرَّبيعَ مراراً يقولُ: لوْ رأيتَ الشافعيَّ
وحُسْنَ بَيَانِهِ وفَصاحَته ، لعَجبتَ، ولوْ أنَّه ألَّفَ هذه الكُتبَ علىْ عَربيَّتِهِ التي كان يَتكلَّمُ
(١) انظر السير: (محمد بن الحَسَن) ١٣٤/٩-١٣٦، وانظر النزهة: ١/٨٠٨.
(٢)
انظر السير: ( الإمام الشافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة : ٧/٨٤٩.
انظر السير: ( الإمام الشافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٨/٨٤٩.
(٣)
انظر السير: ( الإمام الشافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٩/٨٤٩.
(٤)
(٥) انظر السير: (الإمام الشَّافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ١/٨٥٢.
٢٥٨

بها مَعَنا في المُناظَرَة ، لمْ نَقْدرْ على قراءَة كُتبه لفَصاحَتِهِ، وغرائبِ ألْفاظِهِ ، غَيرَ أنَّه
كان في تأليفِه يُوضِحُ للعَوام(١) .
وجاء في تَرجمة ابنِ العَميد قالَ الذهبيُّ : الوَزيرُ الكَبيرُ ، أبو الفَضْل ، محمَّدُ بنُ
الحُسَين بنِ محمَّدٍ الكاتب وزيرُ المَلك ركنِ الدَّولَة الحَسَنِ بنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمي .
كان عَجَباً في التَّرَسُلِ والإِنْشَاء والبلاغَة ، يُضرَبُ به المثَلُ، ويُقالُ له : الجاحِظُ
الثاني وقيلَ : بُدثَت الكتابَةُ بعَبدِ الحَميدِ ، وخُتِمَت بابنِ العَميد .
وقد مدَحَه المُتَنَبي ، فأجازَه بثلاثة آلاف دينار .
وكان مع سِعَة فُنونِه لا يَدْري ما الشَّرْعُ، وكان مُتَفْسِفاً ، مُتَّهَماً بمَذْهَب الأوائل .
وكان إذا تكلَّمَ فَقيةٌ بحَضْرِهِ شَقَّ عليه ويَسكُتُ ، ثم يأخُذُ في شيء آخَر .
وكان ابنُ عباد يَصحَبُه ويَلزَمُهِ، ومِنْ ثمَّ لُقُّبَ الصَّاحِب .
مات سنة ستين وثلاث مئة فوَزَرَ بعدَه ابنُه أبو الفَتْح عليٍّ وعمرُه اثنتان وعشرون
سَنةً، وكان ذَكيّاً ، غَزِيرَ الأدَبِ ، تَيَّاهاً ، ولُقِّبَ ذا الكفايَتَين ، وله نَظْمٌ رائق ، ثم
عُذِّبَ وقُتِلَ في سنة ستٍّ وستينَ وثلاث مئة بعد أن سَمَلَ عَضُدُ الدَّولةِ عينه الواحدة
وقَطْعَ أنْفَه ، وله نَظمٌ جَيّد(٢) .
وقالَ أبُو مُحمّد الباقي : لو أوْصَى رَجلٌ بثُلثِ مالِه لأفْصَحِ النَّاسِ لوَجَبَ أنْ يُدْفَعَ
إلى أبي بَكْر الأشْعَريّ(٣).
وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمَة القاضي الفاضل مُحْبِي الدِّين: المَوْلى الإمامُ العَلَّمَةُ
البَليغُ ، القاضي الفاضل، مُحْبِي الدِّين، يَمينُ المملكة، سَيِّد الفُصَحاء ، أبو عليٍّ
عبدُ الرَّحيم بنُ عليٍّ بنِ الحَسَن اللَّخْميُّ، الشَّامِيُّ، العَسْقَلانِيُّ المولد، المِصْرِيُّ
الدَّار ، الكاتبُ ، صاحبُ ديوان الإنْشاء الصَّلاحيِّ .
(١) انظر السير: (الإمام الشَّافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٥٢.
(٢)
انظر السير: ( ابن العَميد) ١٣٧/١٦-١٣٨، وانظر النزهة: ١/١٢٧٤.
(٣) انظر السير: (ابن الباقلاني) ١٧/ ١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٣٥.
٢٥٩

وُلدَ سنةَ تسع وعشرين وخمس مئة(١) .
وانتهَتْ إلى القاضي الفَاضل بَراعَةُ الترسل وبَلاغَةُ الإنْشاء ، وله في ذلك الفَنِّ اليَدُ
البَيْضاءُ، والمَعاني المُبْتَكَرَة ، والباعُ الأطْوَل، لا يُدْركُ شأوُه، ولا يُشَقُّ غُبارُه، مع
الكَثْرَةِ(٢).
٥ - نادِرَةٌ في الفَصاحَة :
قال محمد بن سلام الجُمَحِيُّ : كان عُمَرُ رضي الله عنه إذا رأى الرجلَ يَتَلَجْلَجُ في
كَلامِه ، قال : خالقُ هذا وخالقُ عَمرِو بن العاص واحد(٣).
الشِّعْرُ والشُّعَراء :
٠
١- كثيرٌ من الشُّعَراء عابثُون لا يَقْصِدون ما يقُولونَه: قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا
كانت عُلَيَّةُ بنتُ المَهْدي - أختُ الرَّشيدِ، الهاشميَّة العبّاسيّة - تقولُ: لا غُفِرَ لي
فاحِشَةُ ارْتَكبتُها قَطُّ ، وما أقُولُ في شِعْري إلاَّ عَبئاً، وجاءَ أنَّها قالت : ما كَذَبتُ قَطُ .
وكان أخُوها لا يَصْبرُ عن غيابِها ، وأخذَها مَعه إلى الرَّيِّ.
قيلَ ماتَتْ سنةَ عشرٍ ومِئَتَين ، ولها خَمسونَ سَنةً(٥) .
وجاء في تَرجمَة ابنِ الحَجَّاجِ ، قال الإمامُ الذهبيُّ: ورأيتُ له أنَّه قال: كُلُّ ما قُلْتُهُ
من المُجُون فاللهُ يَشْهَدُ أنَّني ما قَصَدتُ به إلاَّ بَسْطَ النَّفْسِ ، أنا أُسْتَغْفِرُ اللهَ من هذه
العَثْرَة .
ماتَ سنةً إحْدىُ وتِسْعينَ وثَلاثِ مئة وقد شاخ(٦).
انظر السير: ( القاضي الفاضل) ٣٣٨/٢١ -٣٤٤، وانظر النزهة: ٣/١٦٢٩.
(١)
انظر السير: ( القاضي الفاضل) ٣٣٨/٢١ - ٣٤٤، وانظر النزهة: ١/١٦٣٠.
(٢)
(٣)
انظر السير: (عَمرُو بن العاص) ٣/ ٥٤ - ٧٧، وانظر النزهة: ٣/٣٣٣ .
(٤)
سورة الشعراء ، الآية : ٢٢٦ .
انظر السير : (عُلَيَّة بنتُ المَهْدي) ١٠ / ١٨٧ - ١٨٨، وانظر النزهة: ٩/٨٦٥.
(٥)
(٦) انظر السير: (ابنُ الحجَّاج) ٥٩/١٧-٦١، وانظر النزهة: ٢/١٣٢٣.
٢٦٠