النص المفهرس
صفحات 221-240
الجَماعَة ، فامْتَنَع ، فكانَ أميرُ الأنْدَلُس لا يُولِّي أَحَداً القَضاءَ بمَدائِنٍ إِقِلِيمِ الأنْدَلُس ، إلاَّ مَنْ يُشيرُ به يَحْيَى بِنُ يَحْيِىُ، فَكَثُرَ لذلكَ تَلامِذَةُ يَحْيَى بنِ يَحْيِى وأقْبَلُوا علىْ فِقْهِ مالِك ، ونَبِذُوا ما سِواهُ . وفاةُ يَخْيى بن يَحْيِىُ في سنة أرْبَع وثلاثينَ ومئتين(١). (هـ) أحكامٌ فِقْهِيَّةٌ مُتَفَرِّقَة : ١- في الطَّهارَة : رَوَىْ إبراهيمُ النَّخْعِيُّ عن هَمَّامَ: أَنَّه رَأْىُ جَرِيرَ بنَ عبدِ اللهِ القَسْريَّ بالَ ، ثم تَوضَّأ ، ومَسحَ على خُفَّيِهِ فسألتُه فقالَ : رَأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَفعَلُه . ثم قالَ إِبْراهيمُ : فكانَ يُعجِيُهم هذا، لأنَّ جَريراً من آخِرٍ مَنْ أَسْلمَ(٢). وقالَ يَحْيَى بِنُ مَعين: أنا أُوتِرُ بَثَلاث، ولا أقْنُتُ إلَّ في النِّصْفِ الأخيرِ من رَمضانَ، وأَرْفَعُ يَديَّ إذا قَنتُ ، ولا أرَى المَسحَ على العِمامَة ، ولا أرَى الصَّلاةَ على رَجلٍ يَموتُ بِغَيرِ الْبَلَد - كان يَحْبَى يُوَمِّنُ هذا الحَديثَ - ولا أرَى أنْ يَهبَ الرجُلُ بِنْتَه بلا مَهْرٍ ، ولا أنْ يُزَوِّجَها على سُورَةٍ رَأيتُ يَحْيَىُ يُوَهِّنُ هذه الأحاديثَ(٣). وقال الإمامُ الذهبيُّ: من وُجوه أبي الطيِّبٍ في المَذهَبِ أنَّ خُرُوجَ المَنِيِّ يَنْقُضُ الوضوءَ ومنها أنَّ الكافِرَ إذا صَلَّى في دارِ الحَرْبِ ، فصَلاتُهُ إِسْلام(٤). مات أبو الطيِّب الطَّبَرِيّ صَحيحَ العَقْل، ثابتَ الفَهْم ، سنةَ خَمسينَ وأربعمِئَة ، وله مئةٌ وسَنتان رَحمَه الله(٥) . (١) انظر السير: (يَحْيِى بن يحيى بن كثير) ٥١٩/١٠_٥٢٥، وانظر النزهة: ٥/٨٩١. (٢) انظر السير: (جَرير بن عبد الله) ٢/ ٥٣٠ - ٥٣٧، وانظر النزهة: ١/٣٠٣. (٣) انظر السير: (يَحْيى بن مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٧/٩١٣. (٤) انظر ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٢٤٨/٢)، وقال النوويُّ في المسألة الأولى: والصحيح الذي قاله جمهور أصحابنا : لا ينقضه ، بل يوجب الغسل فقط ، وقال في المسألة الثانية : والصحيح المنصوص للشافعي وجمهور الأصحاب أنها ليست بإسلام إلاَّ أن تُسمَع منه الشهادتان . (٥) انظر السير: (أبو الطيِّب الطَبريّ) ٦٦٨/١٧ -٦٧١، وانظر النزهة: ٥/١٣٧٣. ٢٢١ ٢- في الصَّلاة: أخرجَ أبو داود من حَديثِ ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلاةَ ، فلُبِّسَ عليه، فلمَّا انصرفَ، قال لأُبَيِّ: ((أصَليْتَ مَعَنَا؟)) قالَ: نَعَمَ قال: (( فمَا مَنَعَك؟ ))(١)، (٢) . وعن قَيسٍ بنِ عُباد ، قالَ : أَتَيْتُ المَدينَةَ للقَاءِ أصْحابٍ محمَّد صلى الله عليه وسلم ، ولمْ يَكُنْ فيهم رجلٌ ألْقَاهُ أحَبَّ إليَّ من أُبَيّ، فأقيمَت الصَّلاةُ، وخَرجَ فَقُمتُ في الصَّفِّ الأوَّلِ فجاءَ رَجلٌ فَنَظَرَ في وُجُوه القَوم ، فعَرَفَهم غَيرِي ، فَنَخَّاني ، وقامَ مَقامي فما عَقْتُ صَلاتي فلمَّا صَلَّى، قالَ : يا بُنيَّ !! لا يَسُوؤُك الله، فإنِّي لمْ آتِ الذي أتَيتُ بجَهالَة، ولكنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ لنا: (( كونُوا في الصَّفِّ الذِي يَلِينِي)) وإنِّي نَظَرتُ فِي وُجُوه القَوم، فعَرفْتُهم غَيرَك، وإذا هو أُبَيِّ رضي الله عنه(٣). وعن الحَسَنِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّبِ جَمِعَ النَّاسَ علىْ أَبِيِّ بنِ كَعْب في قِيامِ رَمضانَ ، فكانَ يُصلِّي بهم عِشْرينَ رَكعةً(٤) . وعن أنَسٍ ، قالَ : دَخلَ عَلينا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ما هو إلاَّ أنا وأُمِّي وخالَتِي أُ حِرَامٍ فقال: ((قُومُوا فَلْأُصَلَّ بِكم )) فصَلَّى بنا في غَيرِ وَقْتِ صلاةٍ (٥) . وعن الأزْقَمِ بنِ أبي الأرْقَم: أنَّه تَجهَّزَ يُرِيدُ بَيْتَ المَقْدِسِ ، فلمَّا فَرَغَ من جَهازِهِ ، جاءَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُودِّعُه فقالَ: (( مَا يُخْرِجُكَ؟ حَاجَةٌ أَوْ تِجَارَةٌ)) ؟ (١) قال الخطابيُ: أراد: ما مَنعَك أن تفتح عليَّ إذ رأيتَني قد لُبُسَ عليَّ؟ وفيه دليل على جواز تلقين الإمام . (٢) انظر السير: (أُبَيّ بن كْب) ٣٨٩/١ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٢/١٨١. (٣) انظر السير: ( أُبَيّ بن كْب) ٣٨٩/١ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٨١. (٤) انظر السير: ( أبيّ بن كعْب) ٣٨٩/١ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٨٢. (٥) انظر السير: (أمُّ حِرام) ٣١٦/٢ -٣١٧، وانظر النزهة: ٣/٢٦٧. ٢٢٢ قالَ : لا والله يا نَبيَّ الله، ولكن أرَدْتُ الصَّلاةَ فِي بَيَتِ المَقْدِسِ فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((الصَّلاةُ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، إلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ )» فجَلسَ الأرْقَمُ ، ولَمْ يَخْرُجْ . قِيلَ : الأرْقَمُ عاشَ بِضْعاً وثمانينَ سَنةً . تُوفِّيَ بالمَدينَة وصلَّى عليه سَعدُ بنُ أبي وَقَّاص بوَصيته إليه(١) . وعن الوَليدِ بنِ مَزْيَد قال : سُئلَ الأوزاعيُّ عن إمام تَرَكَ سَجدةً ساهياً حتى قامَ وتفرَّق النَّاسُ قال: يَسجُدُ كُلُّ إنسانٍ منهُمْ سَجدةً وهم مُتَفَّقون (٢). وقالَ يَحْبَىُ بنُ مَعين : أنا أُوتِرُ بِثَلاث، ولا أقْنُتُ إلَّ في النِّصْفِ الأخيرِ من رَمضانَ، وأَرْفَعُ يَديَّ إذا قَنتُ، ولا أرَى المَسحَ على العِمامَة، ولا أرَى الصَّلاةَ علىْ رَجلٍ يَموتُ بغَيرِ البَلَد - كان يَحْتَىُ يُوَمِّنُ هذا الحَديثَ - ولا أرَى أنْ يَهبَ الرجُلُ بِنْتَه بلا مَهْرٍ ، ولا أنْ يُزَوِّجَها على سُورَةٍ رَأيتُ يَحْيَى يُوَهِّنُ هذه الأحاديثَ(٣). ومِنْ أغْرَبِ ما أتَى به أبو الوَليدِ الفَقيهُ أنَّه قالَ : مَنْ كَررَّ الفاتحَةَ مَرَّتين بطُلَت صَلاَتُهُ ، وهذا خِلافُ نَصِّ الإمامِ (٤) . وقالَ الحاكمُ : وَردَ كتابٌ من مِصْرَ بأنْ يَحُجَّ أبو محمَّد المُغَفَّلِيُّ بِالنَّاسِ ، ويَخطُبَ بِعَرفَة ومِنَى، فصَلَّى بِعَرفَة وأتَمَّ الصَّلاةَ ، فعَجَّ النَّاسُ ، فصَعَدَ المِنْبَرَ ، فقالَ : أيُّها النَّاسُ ، أنا مُقيمٌ وأنْتُم على سَفَرِ ، فلذلك أتْمَمتُ (٥). انظر السير: ( الأرْقَم بن أبي الأرْقَم) ٤٧٩/٢-٤٨٠، وانظر النزهة : ٢/٢٩٣. (١) (٢) انظر السير: ( الأوزاعيّ) ٧/ ١٠٧- ١٣٤، وانظر النزهة: ٢/٦٨٢. انظر السير: ( يَحيى بن معين) ١١/ ٧١ -٩٦، وانظر النزهة : ٧/٩١٣. (٣) انظر السير: ( أبو الوَليد الفَقيه) ٤٩٢/١٥-٤٩٦، وانظر النزهة: ١/١٢٥٣. (٤) (٥) انظر السير: (المُغَفَّلِيّ) ١٦ /١٨١ -١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٢٨٢. ٢٢٣ ٣- في الصِّيام : قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمَة أبي طَلْحَة الأنصاريِّ: وهو الذي لا يَرىُ بابتلاعِ الْبَرَد الصَّائم بأساً ويقولُ: ليسَ بِطَعامٍ ولا شَراب(١)،(٢). وعن أمّ المؤمنين جُوَيْريَة بنتِ الحارث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخلَ عليها يومَ جُمعَة، وهي صائمةٌ، فقال لها: ((أصُمْتِ أَمْسٍ؟ )) قالت: لا قال: (( أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدَاً؟)) قالت: لا قال: ((فَأَقْطِرِي)). وعنها ، قالت : أتَى عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غَدوةً وأنا أُسَبِّحُ ، ثم انْطَلقَ لحاجَتِهِ ، ثمَّ رَجعَ قَريباً من نصْفِ النَّهارِ، فقال: (( أَمَا زِلْتِ قَاعِدَةً؟ )) قلتُ: نَعَم قال: ((أَلا أُعَلِّمِكِ كِلِمَاتٍ لَوْ عُدِلْنَ بِهِنَّ عَدَلَتْهُنَّ، أَوْ وُزِنَّ بِهِنَّ وَزَنَتَّهُنَّ ( يَعْني جَمِيعَ ما سَبَّحْتِ ) : سُبْحانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، ثَلاثَ مَرَّات، سُبْحانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ ، ثَلاثَ مَرَّات، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، ثَلاثَ مَرَّات، سُبْحانَ اللهِ مِدادَ كِلِمَاتِهِ ، ثَلاثَ مَرَّات ))(٣). وقال أبو الوَليد الفَقيهُ: الحِجَامَةُ تُفَطِّرُ الحاجِمَ والمَحْجومَ ، والتَزْمَ أنَّه هو المَذْهَب لصِحَّة الأحاديثِ فيه وهذا فيه نَظرٌ، لأنَّ الإمامَ (٤) ما ضعَّفَ الأحاديثَ، بل ادَّعى نَسْخَها(٥). (١) أخرجه أحمد (٢٧٩/٣) من طريق عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن قتادة وحميد ، عن أنس قال: مطرنا برداً، وأبو طلحة صائم ، فجعل يأكلُ منه ، قيل له : تأكل وأنت صائم !! فقال : إنما هذه بركة هذا إسنادٌ صحيح ، وهذا اجتهاد أبي طلحة ، والجمهور على خلافه ، فقد قال البزّارُ عقب إخراجه للحديث برقم (١٠٢٢) لا نعلم هذا الفعل إلاّ عن أبي طلحة . (٢) انظر السير : ( أبو طلحة الأنصاري) ٢/ ٢٧ - ٣٤، وانظر النزهة : ٣/٢١٣. (٣) انظر السير: ( جُوَيْريَة أمُّ المؤمنين) ٢/ ٢٦١ - ٢٦٥، وانظر النزهة: ٣/٢٥٥. (٤) أي الشافعيّ رحمه الله . (٥) انظر السير: ( أبو الوليد الفَقيه) ٤٩٢/١٥-٤٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٥٣. ٢٢٤ ٤- في الحَجِّ والعُمْرَة : عن عَمرِو بنِ أبي عَمرِو : سَمعَ القاسِمَ يقولُ : كانت عائشةُ تَلْبَسُ الأحمَرَين : الذَّهبَ والمُعَصْفَرَ ، وهي مُحْرِمَةٍ (١) . وقالت عائشةُ: استأذَنَتْ سَوْدَةُ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ، أنْ تَدَفَعَ قبلَ حَطْمَةِ النَّاسِ - كانت امرأةً ثَبِطَة - أي ثَقيلَة فَأُذِنَ لها(٢). وقال مُطَرِّفُ بنُ عبد الله : قال لي عِمْرانُ بنُ حُصَين : أحدِّتُكَ حَديثاً عَسى الله أنْ يَنْفعَك به: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَمِعَ بين الحَجِّ والعُمرة ، ولمْ يَنْهَ عنه حتى مات، ولمْ يَنْزِلْ فيه قُرآنٌ يُحرِّمُه، وأنَّ كان يُسلَّمُ عليَّ - يَعني المَلائِكَة - قال: فلمَّا اكْتَويْتُ ، أمسَكَ ذلك، فلمَّا تركتُه ، عاد إليَّ(٣) . وعن سالمٍ: سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ يقولُ: سَأَلَني قومٌ مُحْرِمون عن مُحِلِّينَ أهْدُوا لهم صَيداً فأمَرْتُهم بأكْلِهِ ثم لَقَيتُ عُمرَ بنَ الخطّاب، فأخبرتُه، فقال : لو أفْتَيْتَهم بغير هذا ، لأَوْجَعْتُك (٤) . وقال كعبُ بنُ عُجْرَة : كنتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، بالحُدَيْبية ونحنُ مُحْرمون، وقد صدَّه المشركون ، فكانت لي وَفْرَةَ فجَعلَتِ الهَواءُ تسَّاقَطُ على وَجْهي ، فَمَرَّ بي النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((أَتُؤْذِيكَ هَوَامْ رَأْسِكِ؟ )) قلتُ: نعَم فأمَرَ أنْ يُحْلَقَ ونَزَلَت فيَّ آيَةُ الفِذْيَةِ(٥) ، (٦) . وقالَ الحاكمُ : وَردَ كتابٌ من مِصْرَ بأنْ يَحُجَّ أبو محمَّد المُغَفَّلِيُّ بِالنَّاسِ ، ويَخطُبَ (١) انظر السير: (عائشة أمّ المؤمنين) ١٣٥/٢-٢٠١، وانظر النزهة: ٥/٢٤٤. (٢) انظر السير: (سَوْدَة أمُّ المؤمنين) ٢٦٥/٢-٢٦٩، وانظر النزهة: ١/٢٥٧. انظر السير: (عِمْران بن حُصَين) ٢/ ٥٠٨-٥١٢، وانظر النزهة: ٢/٢٩٨. (٣) انظر السير: ( أبو هُرَيْرَة) ٥٧٨/٢-٦٣٢، وانظر النزهة : ٢/٣١٥. (٤) (٥) وآية الفدية هي: ﴿ فَن كَانَ مِنكُمْ فَرِضَّا أَوْ بِةَ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ سورة البقرة، الآية : ١٩٦ . (٦) انظر السير: (كعب بن عُجْرة) ٥٢/٣- ٥٤، وانظر النزهة: ٦/٣٣١. ٢٢٥ بِعَرَفَةَ ومِنَى، فصَلَّى بِعَرَفَة وأَتَمَّ الصَّلاةَ، فعَجَّ النَأَسُ، فصَعَدَ المِنْبَرَ ، فقالَ : أيُّها النَّاسُ، أنا مُقيمٌّ وأنتُّم على سَفَر، فلذلك أثْمَمتُ(١). ٥- أحكامُ الكفار : عن مَكْحولٍ : أَنَّ عُبادَةَ بنَ الصَّامِتِ دَعا نبَطَيّاً يُمسِكُ دابَتَه عند بَيَتِ المَقْدِس ، فأبَى، فضَربَه فَشَجَّه فاسْتَعْدَى عليه عُمرَ فقالَ: ما دَعاكَ إِلى ما صَنعتَ بهذا؟ قال : أمَرَتُه، فأَبَى، وأنا في حِدَّة ، فضَربتُه فقال: اجْلِسْ للقَصَاص فقال زَيدُ بنُ ثابت : أَتْقِيدُ لعَبدِكَ من أخِيكَ؟ فَتَركَ عُمرُ القِوَدَ ، وقَضى عليه بالدِّيَة(٢). وقال الإمامُ الذهبيُّ: من وُجوه أبي الطَّيِّبِ الطَّبَري في المَذْهَب أن خُروجَ المَنِيِّ يَنقُضُ الوُضوءَ ومنها أنَّ الكافرَ إذا صَلَّى في دارِ الحَرْب، فصَلاتُهُ إِسْلام(٣). وقد ماتَ الطبريُّ صَحيحَ العَقل ، ثابت الفهم ، سنة خمسين وأرْبَعمئة ، له مئة وسَنتانِ رَحمَهُ الله(٤) . ٦ - في العِثْقُ: عن عائشةَ، قَالَت : قامَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في شَأن بَرِيْرَة حينَ أعْتَقها، واشْتَرَطَ أهلُها الوَلاءَ، فقالَ: (( مَا بَالُ أَقْوَامِ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطَاً لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ !! مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطَاً لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ ، وإِنِ اشْتَرَطَ مِنَّةَ مَرَّةٍ ، فَشَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ )). عن ابنِ عبَّاس: أنَّ زَوْجَ بَرِيرة كان عبداً أسْوَدَ، يُسمَّى : مُغيثاً، فقَضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيها أرْبَع قَضيات: أنَّ مَواليها اشْتَرطُوا الوَلاءَ ، فقَضى أنَّ الوَلاءَ (١) انظر السير: (المغفّلي) ١٨١/١٦ -١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٢٨٢. (٢) انظر السير: (زَيدُ بن ثابت) ٤٢٦/٢-٤٤١، وانظر النزهة: ٩/٢٨٧. (٣) انظر ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٢٤٨/٢) وقال النووي في المسألة الأولى: والصحيح الذي قاله جمهور أصحابنا : لا ينقضه ، بل يوجب الغسل فقط ، وقال في المسألة الثانية : والصحيح المنصوص للشافعي وجمهور الأصحاب أنها ليست بإسلام إلاَّ أن تُسمع منه الشهادتان . (٤) انظر السير: ( أبو الطيّب الطبري) ١٧ /٦٦٨ -٦٧١، وانظر النزهة: ٥/١٣٧٣. ٢٢٦ لِمَنْ أعْتَقَ، وخُيِّرَتْ فاخْتَارَت نَفَسَها، فأمَرَ النبيُّ أنْ تَعْتَدَّ فكُنتُ أراهُ يَتَّبِعُها في سِكَكِ المَدِينَةِ ، يَعْصِرُ عَينَه عليها . قالَ : وتُصُدِّقَ عليها بصَدقَة ، فأَهْدَت منها إلى عائشَةَ ، فذُكرَ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ))(١). ٧- في الكراء ( الإجارة ) : قال أبو عُمَر بنُ عبد البَرِّ كان يَحْيَى بِنُ يَحْيَى يَرىُ جَوازَ كراءِ الأرْضِ بجُزءٍ ممَّا يَخرُجُ منها ، على مَذْهَب اللَّيثِ ، ويَقولُ : هي سُنَّةُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في خَيْبَرَ(٢) . ٨- في اللُّقَطَة : جاءَ في ترجَمة أُبَيِّ بنِ كِعْب ، قال الإمامُ الذهبيُّ : وقد كان أُبيِّ التَّقَطَ صُرَّةً فيها مئة دينار ، فعرَّفَها حَوْلاً وتَمَلَّكَها(٣) . ٩- في النَّبيذ : رُويَ أنَّ القاضي بَكَّارَ بنَ قُتَيْبَة قَدِمَ على قَضاءِ مِصْرَ، وكان حَنفيّاً فاجْتَمَع مرَّةً بإسْماعيلَ بنِ يَحْيَى المُزَنيِّ - وهو من تَلاميذ الشَّافعيِّ - فسَألَه رجلٌ من أصْحابِ بگَّار ، فقالَ : قد جاءَ في الأحاديثِ تَحريمُ النَّبِيذِ، وجاءَ تَحليلُه، فلِمَ قدَّمْتُم التَّحْرِيمَ ؟ فقال المُزَنِيُّ : لَمْ يَذْهَبْ أحدٌ إلىْ تَخْرِيمِ النَّبيذِ في الجاهليّة ثم حُلِّلَ لنا، ووَقِعَ الاتِّفَاقُ على أنَّه كان حَلالاً ، فحَرُم ، فهذا يَعضُدُ أحاديثَ النَّخْرِيمِ ، فاسْتَحْسنَ بِكَّارٌ ذلك منه . قال الإمامُ الذهبيُّ: وأيضاً فأحاديثُ التَّحريمِ كثيرةٌ صِحاحٌ ، وليسَ كذلكَ أحاديثُ الإباحَة . (١) انظر السير: (بَرِيْرَة مَوْلاة أمِّ المؤمنين عائشة) ٢٩٧/٢ -٣٠٤، وانظر النزهة: ١/٢٦٣. (٢) انظر السير: (يَحْيى بن يحيى بن كثير) ٥١٩/١٠_٥٢٥، وانظر النزهة: ٣/٨٩١. (٣) انظر السير: (أُبيُّ بن كعْب) ٣٨٩/١ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٤/١٨٢. ٢٢٧ وقالَ محمَّدُ بنُ علي الكَثَّاني ، سَمعتُ عَمَرَو بنَ عُثْمانَ المَكيَّ يقولُ : ما رَأيتُ أحداً من المُتَعبِّدِينَ في كَثْرَة مَنْ لَقِيتُ منهم أشَدَّ اجْتهاداً من المُزَنِيِّ ولا أَدْوَمُ على العِبَادَة منه وما رَأيتُ أحداً أشَّدَّ تَعْظيماً للعِلمِ وأهلِهِ منه(١) . ١٠ - في السِّخر : عن جُنْدُبِ الخَيرِ ، قالَ : قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَدُّ السَّاحر ضَربُه بالسَّيف(٢) . ١١ - في القَصَاص : عن خارِجَةَ بنِ زَيْد ، قالَ : قَتلَ رَجلٌ من الأنْصَارِ وهُو سَكْرانٌ أنْصاريّاً في عَهْد مُعاويَة ، ولمْ يَكنْ على ذلك شَهادَةٌ إلاَّ لَطْغٌ وشُبْهَةٌ، فاجْتمَعَ رأيُ النَّاسِ على أنْ يَحْلِفَ وُلاةُ المَقْتولِ، ثم يُسلَّمُ فِيَقتُلُوه، فَرَكِبْنا إلى مُعاويَةَ، فَقَصَصْنا عليه القِصَّةَ ، فكتبَ إلى سَعيدِ بنِ العاصِ: إنْ كان ما ذَكرْنا له حَقًَّ أن يُحلِّفَنا على القاتِلِ ، ثم يُسْلِمَه إلينا ، فجِئنا بكتابٍ مُعاويَةَ إلى سَعيدٍ ، فقالَ : أنا مُنفِذٌ كتابَ أميرِ المؤمنينَ فاغْدُوا علىْ بَرَكَة الله، فغَدَوْنا عليه، فأسْلَمَه إلينا بعدَ أنْ حَلفْنا خَمسينَ يَمينا (٣). ١٢ - في الهَيْئَة : عن عبدِ الرحمَن ابنِ مولى أم برثن ، قال : قَدِمَ أبو موسى الأشْعَرِيُّ وزيادٌ على عُمرَ رضي الله عنه فرأى في يدِ زيادٍ خاتَماً من ذَهَب ، فقال: اتَّخدُتم حِلَقَ الذَّهب ، فقال أبو موسى ، أمّا أنا فخاتَمي من حَديد فقال عُمرُ : ذاك أنْتُنُ ، أوْ أخْبَثُ ، مَنْ كان مُتَخَتِّماً فليَتَخثَّم بخاتم من فِضَّةِ(٤) . (١) انظر السير: (المُزَنِيُّ) ٤٩٢/١٢-٤٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٠٢٤. (٢) انظر السير: ( جُندُب الأزدي) ١٧٥/٣-١٧٧، وانظر النزهة : ١/٣٦٢. (٣) انظر السير: (خارجَة بن زيد) ٤٣٧/٤-٤٤١، وانظر النزهة : ٧/٥٢٩. (٤) انظر السير: (أبو موسى الأشْعَري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٢/٢٨٢. ٢٢٨ وعن عثمانَ بنِ عُبَيدِ الله بنِ أبي رافع ، قال: رأيتُ أبا سَعيد الخُدْري يُحفي شارِبَه كأخي الحَلْقِ(١)، (٢) . . وعن نافع : أنَّ ابنَ عُمرَ كان يُصفِّرُ لحيته . عن زيدِ بنِ أسْلَم : أنَّ ابنَ عُمرَ كان يُصَفِّرُ حتى يَملأ ثيابَه منها ، فقيل له : تَصبغُ بالصُّفْرَة ؟ فقالَ إِنِّي رَأيتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَصبغُ بها . وعن شريكٍ : عن محمدِ بنِ زَيْد، رَأى ابنَ عُمرَ يُصَفِّرُ لحيَتَه بالخلُوق والزَّعْفَران(٣). وعن نافعٍ : كان ابنُ عُمرَ يَعْفي لحيته إلاَّ فِي حَجِّ أو عُمْرَةٍ(٤) . وعن أيُّوبَ: سُئلَ سَعيدُ بنُ جُبَيَر عن الخِضَابِ بالوَسِمَةِ(٥) فَكَرِهَه، وقالَ : يَكْسُو اللهُ العَبدَ النُّورَ فِي وَجْهِه، ثم يُطفِتُهُ بِالسَّواد(٦) . ١٣ - في الزَّوَاجِ والطَّلاق : قال الشَّعْبيُّ : أسْلمَتْ زَيْنَبُ بنتُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وهاجَرَتْ ، ثم أسْلمَ زَوجُها أبو العاص بنُ الرَّبيع بعدَ ذلك ، وما فَرَّقَ بينهما . وكذا قال قَتَادَة، وقالَ : ثم أُنْزِلَتْ (براءة)(٧) بعدُ، فإذا أسْلمَتْ امرأةٌ قبلَ زَوْجِها ، فلا سَبِيلَ له عليها، إلاَّ بخِطْبَةِ(٨) . قال الذهبيُّ : وأبو هُرَيْرَةَ إليه المُنْتُهى في حِفْظِ ما سَمعَه من الرسولِ عليه السلام ، (١) الإحفاء : المبالغة في القَصِّ انظر السير: ( أبو سَعيد الخُدري) ١٦٨/٣ - ١٧٢، وانظر النزهة: ٤/٣٦٠. (٢) (٣) انظر السير: ( عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة : ٢/٣٦٦. (٤) انظر السير: ( عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٣/٣٦٦. (٥) الوسمة : شجر له ورق يُختَضَبُ به . انظر السير: ( سَعيد بن جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة : ٤/٥٠٧. (٦) (٧) سورة التوبة . (٨) انظر السير: (زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ٢٤٦/٢ - ٢٥٠، وانظر النزهة: ٥/٢٥٣. ٢٢٩ وأدائِه بحُروفِه وقد أدَّىْ حَديثَ المُصَرَّة بألفَاظِهِ ، فوَجَبَ علينا العَملُ به ، وهو أصلٌ برأسِه . وقد وَلَيَ أبو هُرَيْرَة الْبَحْرَين لعُمَرَ ، وأفْتَىُ بها في مَسألَةِ المُطلَّقَة طَلِقَةً ثم يَتَزَوَّجُ بها آخَر، ثم بعدَ الدُّخول فارَقَها، فَتَزوَّجَها الأوَّلُ هلْ تَبقَى عندَه على طَلِقَتَين - كما هو قَولُ عُمرَ وغَيرِه من الصَّحابَة ومالكِ والشَّافعيِّ وأحمدَ في المَشْهور عنه - أوْ تُلَغَى تلك التَّطْليقَة وتكونُ عندَه على الثَّلاثِ ، كما هو قَولُ ابنِ عبَّس وابنٍ عُمَر وأبي حَنِيفَة ، ورِوايَة عن عُمَر ، بناءً على أنَّ إصابة الزَّوْجِ تَهدِمُ ما دُون الثَّلاث، كما هَدمَت إصابتُه لها الثَّلاثَ فالأوَّلُ مَبنيٌّ على أنَّ إصابة الزَّوْجِ الثاني، إنَّما هي غايَةُ التَّحْرِيم الثابت بالطَّلاقِ الثلاث، فهو الذي يَرتَفَعُ ، والمُطلَّقةُ دُونَ الثَّلاث لَمْ تَحْرُمْ، فلا تَرَفَعُ الإصابةُ منها شيئاً وبهذا أفْتَى أبو هُرَيْرَة فقالَ له عُمرُ: لوْ أَفْتَيتَ بغيره ، لأوْجَعتُك ضَرباً . وكذلك أفْتَى أبو هُرَيْرَة في دَقائق المَسائل مع مثلِ ابنِ عبَّاس، وقد عملَ الصَّحابَةُ فمَنْ بَعدَهم بحَديثِ أبي هُرَيْرَة في مَسائلَ كثيرة تُخالِفُ القياسَ ، كما عَملوا كلُّهم بحَديثِهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: ((لا تُنْكِحُ المَرْأَةُ عَلى عَمَّتِهَا ، ولا خَالَتِهَا )). وعَملَ أبو حَنِيفَة والشَّافعيُّ وغَيرُهما بحَديثِهِ: ((أنَّ مَنْ أَكلَ نَاسِيَاً ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَه » مَعَ أنَّ القياسَ عندَ أبي حَنِيفَة: أنَّه يُفْطِرُ ، فَتَرَكَ القياسَ لخَبرِ أبي هُرَيْرَة . وهذا مالكُ عَمَلَ بحَديثِ أبي هُرَيْرَة في غَسْلِ الإناءِ سَبعاً من وُلُوعِ الكَلبِ مع أنَّ القياسَ عندَه : أنَّه لا يُغْسَلُ لطَهَارَتِه عنده . بلْ قد تَركَ أبو حَنِيفَة القياسَ لِمَا هو دُون حَديثِ أبي هُرَيْرَة في مَسألَة القَهْقَهَةِ ، لذلك الخَبَرِ المُرْسَل(١) . وقَضىَ يَحْيِىُ بنُ يَحْيِىُ بنُ كَثير برأي أمينَينِ إذا لمْ يُوجَد في أهل الزَّوْجَين حَكمان يَصْلُحان لذلك(٢) . (١) انظر السير: (أبو هُرَيْرَة) ٢/ ٥٧٨ -٦٣٢، وانظر النزهة: ١/٣١٤. (٢) انظر السير: ( يَحْيى بن يَحْيى بن كثير) ٥١٩/١٠_٥٢٥، وانظر النزهة : ٤/٨٩١. ٢٣٠ وقالَ يَحْيَىُ بنُ مَعين : أنا أُوتِرُ بِثَلاث، ولا أقْنُتُ إلاَّ في النِّصْفِ الأخيرِ من رَمضانَ ، وأرْفَعُ يَدِيَّ إذا قَنتُ ، ولا أرَى المَسحَ على العِمامَة ، ولا أرَى الصَّلاةَ علىُ رَجلٍ يَموتُ بِغَيرِ الْبَلَد - كان يَحْبَى يُوَهِّنُ هذا الحَديثَ - ولا أرَى أنْ يَهبَ الرجُلُ بِنْتَه بلا مَهْرٍ ، ولا أنْ يُزَوِّجَها علىْ سُورَةٍ رَأيتُ يَحْيَىْ يُوَهِّنُ هذه الأحاديثَ(١). ١٤ - في الظُّهَار : عن إبراهيمَ أنَّ عائشةَ بنت طَلْحَة قالت: إنْ تَزْوَّجَتْ مصعباً ، فهو عليها كظَهْرِ أمِّها ، فتَزوَّجَتْه، فسَأَلَت عن ذلك، فأُمِرَتْ أن تُكَفِّر ، فأعْتَقَتْ غُلاماً لها ثمنَ ألفَين. بقيتْ عائشةُ بنُ طَلْحَة إلى قَريبٍ مِن سَنة عشر ومئة بالمَدينَةِ(٢). ١٥ - في الرَّضَاعَة : عن القاسِم بنِ محمّد أنَّ سَهْلَةَ بنتَ سُهَيل أتَتْ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وهي امرأةٌ أبي حُذَيْفَة فقالت : يا رسُولَ الله! إنَّ سالِماً معي، وقد أدْرَكَ ما يُدْرِكُ الرِّجالُ ، فقالَ : أرْضِعيه ، فإذا أرْضَعْتِهِ فقَدْ حَرُمَ عليك ما يَخْرُمُ من ذي المَحْرم قالت أمُّ سَلمَة : أبَى أَزْواجُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَدخُلَ أحدٌ عَليهنَّ بَهَذا الرَّضَاعِ ، وقُلنَ : إنَّما هي رُخْصَةٌ لسالِمٍ خاصَّةٌ(٣). ١٦ - العَقيقَة: عن عُبَيدِ الله بنِ أبي رافع ، عن أبيه : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أذَّنَ في أُذُنِ الحَسَن بالصَّلاةِ حين وُلِدَ(٤). وعن عليٍّ بنِ الحَسَن، عن أبي رافع، قال: لَمَّا وَلَدَتْ فاطِمَةُ حَسَناً قالت : (١) انظر السير: (يَحْيى بن مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٧/٩١٣. (٢) انظر السير: (عائشة بنت طلحة) ٣٦٩/٤-٣٧٠، وانظر النزهة: ١/٥١٢. (٣) انظر السير: (سالم مَوْلى أبي حُذَيْفَة) ١٦٧/١-١٧٠، وانظر النزهة: ٧/١٤٢. (٤) انظر السير: (الحَسن بن عليّ بن أبي طالب) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٣٧٨. ٢٣١ يا رسُولَ الله! ألا أَعُقُّ عن ابني بدَم؟ قال: ((لا، ولَكِنْ احْلَقِي رَأْسَهُ ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى المَسَاكِينِ )) ففَعَلَتَ (١) . ١٧- فَرائِض : عن جابرِ بنِ عَبدِ الله قال : جاءَتِ امْرأةُ سَعْدِ بنِ الرَّبيع بائْتَيْها من سَعْد فقالت : يا رسُولَ الله! هاتانِ بِنْتَا سَعْد، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَك يَومَ أُحُد، وإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مَالَهُما ، لَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالاً ، وَلا تُنْكَحَانِ إلَّ وَلَهُمَا مَالٌ، قال: (( يَقْضِي اللهُ فِي ذَلِكَ)) فَأَنْزِلَت آيةُ المَواريث، فبعثَ إلى عَمِّهِمَا فقال: ((أَعْطِ بِنْتَيْ سَعْدِ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ))(٢) . عن الشعبي : أُتِيَ زيادُ بنُ أبيه في مَيِّتٍ تَركَ عَمَّةً وخَالَةً ، فقال : قَضَى فيها عُمرُ أنْ جَعَلَ الخَالَةَ بِمَنْزِلَة الأُخْتِ ، والعَمَّةَ بِمَنْزِلَة الأَخِ، فأعْطَاهُما المَالَ(٣). ١٨ - مَوَاريث : لمَّا تُؤُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تَعَلَّقَتْ آمالُ فَاطِمَةَ الزَّهْراءِ بِمِيراثِه ، وجاءَتْ تَطْلُبُ ذلكَ من أبي بكرِ الصِّدِّيق رضي الله عنه، فَحَدَّثَها أنَّه سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ)) فَوَجَدْتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَعَلَّلَتْ (٤)، (٥). ١٩ - تَجْهِيزُ المَيِّت : عن أمِّ عَطيَّة ، قالت : لمَّا ماتَتِ زَيْنَبُ بنتُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( اغْسِلْنَهَا وِتْرَاً، ثَلاثاً، أوْ خَمْسَاً ، واجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُوراً أوْ شَيْئاً مِنْ كافُورٍ ، (١) انظر السير: (الحَسن بن عليّ بن أبي طالب) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٣/٣٧٨. (٢) انظر السير: ( سعد بن الرَّبيع) ٣١٨/١_٣٢٠، وانظر النزهة: ٤/١٦٩. (٣) انظر السير: (زياد بن أبيه) ٣/ ٤٩٤- ٤٩٧، وانظر النزهة: ٣/٤١٥. (٤) تعلَّلَت : أي تلهَّتْ عنه وتَشاغَلَت . (٥) انظر السير: ( فاطِمَة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ١١٨/٢ - ١٣٤، وانظر النزهة : ٢/٢٢٩. ٢٣٢ فإذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِي)) فلمَّا غَسَّلْناها، أعْطانا حَقْوَهُ(١) ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاه))(٢) . ٢٠ - الفُتْيا والمُفْتون : (أ) الصَّحَابَة المُفْتون : وعن محمَّدِ بنِ سَهْل بنِ أبي حَتمَة : عن أبيه قال : كان الذين يُفْتُونَ علىَ عَهْد رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ثلاثةٌ من المُهَاجِرِينَ: عُمَرُ ، وعُثمانُ ، وعَليٍّ وثلاثةٌ من الأنْصارِ : أُبَُّّ بنُ كَعْب ، ومُعاذٌ ، وزَيْدٌ (٣) . وعن نافعٍ : كان ابنُ عُمَر وابنُ عَبَّاسِ يَجْلِسان للنَّاسِ عندَ مَقْدم الحاجٌّ فَكُنتُ أجلسُ إلى هذا يَوماً ، وإلى هذا يَوماً ، فكانَ ابنُ عَبَّاس يُجِيبُ ويُفْتي في كل ما سُئِلَ عنه ، وكان ابنُ عُمَرَ يَرُدُ أكثرَ ممَّا يُفْتي (٤) . وقال ابنُ حَزْم في كتاب (( الإِحْكام)) في الباب الثامن والعشرين : المُكْثِرون من الفُتْيا من الصَّحابة، عُمَرُ وابنُه عبدُ الله، وعليٍّ، وعائشَةُ، وابنُ مَسْعود ، وابنُ عَبَّاس، وزَيْدُ بنُ ثابت، فهم سَبعَةٌ فَقَط يمكن أنْ يُجْمَعَ من فُتْيا كلِّ واحد منهم سفْرٌ ضَخْمٌ وقد جَمَعَ أبو بَكر محمَّدُ بنُ موسَى بنِ يَعقُوب بنِ أميرِ المؤمنين المَأمون فُتْيا ابنِ عَبَّاس في عشرين كتاباً وأبو بَكْرِ هذا أحدُ أئمَّ الإسْلام(٥) . ( ب ) المُفْتي في نَظرِ الإمام أحمد : قال محمدُ بنُ المُسَيِّب ، سَمعتُ زكريّا بنَ يَحْيَى الضَّرير ، يقولُ : قلتُ لأحمَدَ بنِ (١) والحقو: الإزار، وجمعها: حِقِيٍّ وأَحْقٍ وأحْقاء، والأصل في الحقو: معقد الإزار، وسُمي الإزار حقواً لأنه يُشَدُّ على الحقو، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أشْعِرْنها إيّاه)) يريد اجعلنه شعاراً لها، وهو الثوب الذي يلي جسدها ، فالشعار الثوب الذي يلي الجسد ، والدثارُ فوق الشعار . (٢) انظر السير: (زَينَب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ٢٤٦/٢ -٢٥٠، وانظر النزهة: ٦/٢٥٣. (٣) انظر السير: ( مُعاذ بن جبل) ١/ ٤٤٣-٤٦١، وانظر النزهة : ٥/١٩١. (٤) انظر السير: (عبد الله بن عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٧٠. (٥) انظر السير: (عبد الله بن عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ١/٣٧٤. ٢٣٣ حَنْبَل : كمْ يَكْفي الرَّجلَ من الحَديث حتى يَكونَ مُفْتياً؟ يَكْفيه مِئةُ ألفٍ ؟ فقالَ : لا إلى أنْ قالَ: فَيَكْيفه خَمسُ مئة ألف حَديثٍ؟ قال: أَرْجُو (١). (ج ) الجُرْأة على الفُْيا غَيرُ مَحْمودَة : عن عبد الرحمن بنِ أبي لَيْلِىُ قال: أدْرَكتُ عِشْرينَ ومئةً من أصْحابٍ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم من الأنْصَارِ ، إذا سُئلَ أحدُهم عن شيء، وَدَّ أنَّ أخَاهُ كَفَاه(٢). وكان عبدُ السَّلام التَّنوخي المُلقَّبُ ((سُحْنُون)) إذا أعْجَبَه الصَّمتُ تَكلَّمَ، ويقولُ: أجْرأُ النَّاسِ على الفُتْيَا أَقَلُّهم علماً(٣) . وكان عمادُ الدِّينِ المَقْدسيّ إذا أفْتى في مَسْألَة يَحْترِزُ فيها احْترازاً كثيراً (٤). (د) مَنْصِبُ المُفْتِي مَنْصِبٌ خَطير : وعن سُخْنون قال : ما وَجدتُ مَنْ باعَ آخِرَتَه بدُنيا غَيرِه إلاَّ المُفْتي(٥) . (هـ) كان السَلفُ لا يُفْتون حتى يأخذوا الإذْنَ من عُلماء عَصْرِهم : قال المُفَضَّلُ الجَنَدي ، سَمعتُ أبا مُصْعَبَ ، سَمعتُ مالكاً، يقولُ : ما أفْتَيْتُ حتى شَهِدَ لي سَبعُونَ أَنِّي أهْلٌ لذلك(٦). (و) مَنْ أقْتَى زيادة علىُ نِصْفِ قَرْن ولمْ يُؤْخَذْ عليه في فَتْوَى : قال الحاكمُ : بَقِيَ الإمامُ أبو بَكْر الصِّبْغِي يُفتي بنِيسَابُور نَّهاً وخَمسينَ سَنةً ولمْ يُؤْخَذ عليه في فَتَاويه مَسْألة وَهمَ فيها . وقالَ : سَمعتُ أبا الفَضْلِ بنِ إبرهيم يَقولُ : كان أبُو بَكْر بنُ إسْحَاقَ يَخلفُ إمامَ (١) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٤/٩٣١. (٢) انظر السير: (عبد الرحمن بن أبي ليلى) ٢٦٢/٤ -٢٦٧، وانظر النزهة: ٤/٤٩٤. (٣) انظر السير: (سُحْنون) ٦٣/١٢ -٦٩، وانظر النزهة: ٣/٩٨٣. انظر السير: ( العِماد) ٤٧/٢٢ - ٥٢، وانظر النزهة : ٤/١٦٦٥. (٤) (٥) انظر السير: (سُخْنون) ١٢/ ٦٣ -٦٩، وانظر النزهة : ٤/٩٨٣. (٦) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٣٣ . ٢٣٤ الأئمَّة ابنَ خُزَيْمَة في الفَتْوَى بضع عشرةَ سَنةً في الجامع وغيرِهِ(١). وقال الحاكمُ : سَمعتُ أحمدَ بنَ مَنْصور الحافظَ يقولُ : أبو النَّضْر الطُوسيُّ يُفْتي النَّاسَ من سَبعينَ سَنة أو نَحْوَها ، ما أُخِذَ عليه في فَتَوَى قَطّ . ثم قال الحاكمُ : دَخلتُ مُوسَ ، وأبو أحمد الحافظُ على قَضائِها فقالَ لي : ما رَأيتُ قَطُّ في بلدٍ من بلاد الإسْلامِ مثلَ أبي النَّضْرِ ، رَحمَه الله . مات أبو النَّضْر الطُّوسيُّ سَنةَ أرْبع وأرْبَعين وثلاث مئة ، وقال الذهبيُّ : جاوزَ التِّسْعينَ ، رحمه الله(٢). (ز) من آداب الفُتْيا طَلبُ العَوْن من الله عليها : قال إسْماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس : سألتُ خالي مالِكاً عن مَسْألة ، فقال لي : قِرَّ ثم تَوضَّأ، ثم جَلسَ على السَّريرِ، ثم قالَ : لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله وكان لا يُفْتي حتى يَقولَها(٣) . (ح) فَتَاوَى مُتَفَرِّقَةٍ : ١- في الصَّلاة: قالَ يَحْيَىُ بنُ مَعين في مَنْ صَلَّى خَلفَ الصَّفِّ وَحْدَه ، قالَ: يُعيدُ (٤). وقالَ أيضاً في مَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ علىُ غَيرِ وُضوء ، قالَ: لا يُعيدُونَ ويعيدُ(٥) . وقال مُحمَّدُ بنُ عبد الوَهَّاب ، سَمعتُ إسْحاقَ بنَ إبراهيمَ، وسُئلَ عن رَجلٍ تَرَكَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(٦) فقالَ: مَنْ تَرَكَ ((ب)) أو ((س)) أو ((م)) منها، فصَلاتُه فاسِدَة لأنَّ الحَمدَ سَبعَ آياتٍ . (١) انظر السير: (الصُّبْغي) ٤٨٣/١٥-٤٨٨، وانظر النزهة: ٥/١٢٥٠. (٢) انظر السير: (الطُّوسيّ) ٤٩٠/١٥-٤٩٢، وانظر النزهة: ٤/١٢٥٢. (٣) انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٣/٧٢٨ . انظر السير: ( يَحْيى بن مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٥/٩١٣. (٤) انظر السير: ( يَحْيِى بن معين) ١١/ ٧١ -٩٦، وانظر النزهة : ٦/٩١٣. (٥) (٦) سورة الفاتحة ، الآية : ١ . ٢٣٥ وقالَ ابنُ المُبارَك : مَنْ تَركَها ، فقد تَركَ مئةً وثلاثَ عَشْرَةَ آيةً من كتابِ الله تعالَى(١) . ٢ - في الحَجِّ والعُمْرَة: قِيلَ : سُئلَ أحمدُ بنُ حَنْبَل عن رَجلِ نَذْرَ أنْ يَطُوفَ على أرْبَع ، فقالَ : يَطوفُ طَوَافَيْن ولا يَطُفْ علىُ أَرْبَع (٢) . ٣- أحكامُ الكفّار : قالَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ: سُئلَ أحمدُ عن المُسْلمِ يَقولُ النَّصْرانيِّ: أكْرَمَكَ اللهُ قال : نَعَم ، يَنْوي بها الإسْلامَ(٣) . ٤- في الطَّلاق : قدَ حَكَىْ أبو عليّ التَّنُوخي في ((النشوار)) له، عن عُثمانَ بنِ محمَّد السُّلميَّ قال : حدَّثني ابنُ منجو القائد قال : حدثني غلام لابن المزوّق قال : اشترى مولاي جاريةً ، فزوَّجَنيها ، فأحببتُها وأبغَضَتْني حتى ضجرت ، فقُلتُ لها : أنت طالِقٍ ثلاثاً ، لا تُخاطِبيني بشيء إلاَّ قلتُ لك مثلَه، فَكَمْ أحْتَمَلُك؟ فقالت في الحالِ : أنتَ طالقٌ ثلاثاً فأُبْلِسْتُ ، فدُلِلْتُ على محمدَ بنِ جَرير فقال لي : أقِمْ معها بعدَ أنْ تَقُولَ لها : أنتِ طالقٌ ثلاثاً إنْ طَلَّقْتُك فاسْتحسَنَ هذا الجَوابَ وذَكرَه شَيخُ الحَنابلَة ابنُ عَقيل ، وقال : وله جَوابٌ آخر : أنْ يقولَ كقَوْلِها سَواء : أنتَ طالقٌ ثلاثاً - بفَتَحِ الثَّاء - فلا يَحْنَث وقال أبو الفَرَج بنُ الجَوْزي: وما كان يَلزَمُه أنْ يقولَ لها ذاكَ على الفَوْر ، فلَه التَّمادي إلى قبلِ المَوْت . قال الإمامُ الذَّهبيُّ : ولوْ قالَ : أنتِ طالقٌ ثلاثاً، وقَصدَ الاسْتفهامَ أو عَنى أنَّها طالقٌ من وَثاق ، أو عَنى الطَّلْقَ لمْ يَقَعْ طَلَاقٌ في باطِن الأمر . (١) انظر السير: (إسْحاق بن راهَوَيْه) ٣٥٨/١١ -٣٨٣، وانظر النزهة: ٣/٩٥٢. (٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٧/٩٤٧. (٣) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٦/٩٤٧. ٢٣٦ وله جوابٌ آخَر على قاعدة مراعاة سَبب اليَمين ونِيَّة الحالِف ، فما كانَ عليه أنْ يَقُولَ لها ما قالَتْه ، إذْ من المَعْلوم بقَرينَةِ الحالِ اسْتِثْنَاءُ ذلكَ قَطْعاً ، لأنَّه ما قَصدَ إلاَّ أنَّها إذا قالَت له ما يؤذيه أنْ يُؤْذِيَها بمثله ولو جاوَبَها بالطَّلاقِ لسُرَّت هي، ولَتَأْذَّى هو ، كما استُثْنِيَ من عُمومٍ قَولِه تَعالى: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) بِقَرينَة الحال أنَّها لمْ تُؤْتَ لحيّةً ولا إحْليلاً ومن المعلوم استثْناؤُه بالضَّرورَة التي لم يَقْصِدْها الحالِفُ قَطُّ لوْ خَلفَ : لا تَقولي لي شَيئاً إلاَّ قُلتُ لكِ مثلَه ، أنَّها لوْ كَفَرَتِ وسَبَّت الأنْبياءَ فَلَمْ يُجاوِبها بمثلِ ذلكَ لأحْسَن . وذهبَ إمامٌ(٢) في زَمانِنا إلى أنَّ مَنْ حَلَفَ على حَضِّ أوْ مَنْعِ بالطَّلاق أوْ العِتاق أوْ الحَجّ ونَحْوَ ذلك فكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمين ، ولا طَلاقَ عليه(٣). ٢٢ - القَضَاء: (أ) القَضَاءُ على عَهْد الصَّحَابَة : قال مَسْروقُ : كان القَضاءُ في الصَّحابَة إلى سِتَّة : عُمَرَ ، وعَليّ ، وابنِ مَسْعود ، وأُبيِّ ، وزَيْد ، وأبي موسى . وعن صَفْوانَ بنِ سليم ، قالَ : لمْ يَكُنْ يُفْتي في المَسْجدِ زَمنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غَيرُ هَؤلاء : عُمَر ، وعَلَيّ ، ومُعاذ ، وأبي موسَى (٤). (ب) الأُصُولُ الشَّرعيَّة التي يَقْضي بها القاضي : عن الحارِثِ بنِ عَمرو الثَّقفي قالَ : أخْبَرنا أصحابنا ، عن مُعَاذ قال: لَمَّا بَعثنَي النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى اليَمَن، قال لي: ((كيفَ تَقْضي إنْ عَرضَ قَضاءٌ؟ » (١) سورة النمل، الاية : ٢٣ . هو شيخَ الإِسْلام ابنُ تيْمية، وقد جاء فى هامش الأصل ما نَصُّه: (( أخطأ هذا الإمام فيما ذهب إليه ، (٢) وبُدِّع بذلك، وحُجِرَ عليه، واعْتُقِلَ غيرَ مرّة إلى أنْ ماتٍ، وقد نَقَلَ الإجماعَ في المَسْأَلة - على خِلاف قَوله - جماعةٌ من الأئمّة، وردَّ عليه غيرُ واحد من المُحَقِّقين، والله المُسْتعان )). (٣) انظر السير: (محمد بن جرير) ٢٦٧/١٤ -٢٨٢، وانظر النزهة: ١/١١٥٣. (٤) انظر السير: (أبو موسى الأشعري) ٣٨٠/٢-٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/٢٨٠. ٢٣٧ قالَ : قُلتُ : أَقْضي بما في كتابِ الله ، فإنْ لَمْ يَكُنْ ، فبما قَضَى به رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ صلى الله عليه وسلم: ((فإنْ لَمْ يَكنْ بِمَا قَضَى به الرَّسُولُ؟ » قالَ : أجْتَهدُ رَأبي ولا آلُو، فضَرَبَ صَدْري، وقالَ: ((الحَمْدُ لله الذي وَفَّقَ رَسولَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لما يُرْضِي رَسُولَ الله))(١) . وعن الشَّعْبيِّ قالَ : كتبَ عُمرُ إلى شُرَيح القاضي : إذا أتاك أمْرٌ في كتابِ الله ، فاقْضٍ به ، فإنْ لمْ يَكُنْ في كتابِ الله وكان في سُنَّ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فاقْضٍ به ، فإنْ لمْ يَكُنْ فيهما ، فاقْضٍ بما قَضَى به أمَّةُ الهُدَى، فإنْ لمْ يَكُنْ فأنت بالخيار ، إنْ شِئتَ تَجْتَهِدُ رَأْيَك، وإِنْ شِئْتَ تُؤَامِرُني، ولا أرَى مُؤَامَرَتَك إيّايَ إلاَّ أَسْلمَ لك(٢). (ج) كره السَّلَف لمَنْصب القاضي : قال حمَّادٌ : سَمعتُ أيوبَ ذكرَ أبا قِلابَة ، فقال : كان والله من الفُقَهاء ذوي الألباب إنِّي وَجَدتُ أعْلِمَ النَّاس بالقَضاء أشَدَّهم منه فِراراً ، وأَشَدَّهم منه فَرقاً ، وما أدْرَكتُ بهذا المِصْرِ أعْلمَ بالقَضاء من أبي قلابة(٣). وعن أيُوبَ، قال: لمَّا ماتَ عبدُ الرحمن بنُ أذَيْنة - يَعني قاضي البَصْرَة - زَمنَ شُرَيح ذُكِرَ أبو قِلابَة للقضاء ، فهَربَ حتى أتى اليَمامَةَ ، قال : فَلَقيتُه بعد ذلك فقُلتُ له في ذلك ، فقال : ما وَجَدتُ مثلَ القاضي العالم إلاَّ مثلَ رَجُلٍ وَقعَ في بَحْر ، فما عَسَى أنْ يَسْبَحَ حتى يَغْرِقَ(٤). وعن غَالبِ القَطَّان، عن بَكْرِ بنِ عبدِ الله أنَّه لمَّا ذُهِبَ به للقَضاء قال: إنِّي سأُخبرُكَ عنِّي: إنِّي لا عِلمَ لي والله بالقَضاء ، فإنْ كنتُ صادِقاً ، فما يَنْبَغِي لك أنْ تَستَعمِلَني ، وإنْ كنتُ كاذباً فلا تُوَلِّ كاذِباً(٥) . انظر السير: ( مُعاذُ بن جَبل) ١/ ٤٤٣-٤٦١، وانظر النزهة : ٤/١٩٠. (١) (٢) انظر السير: ( شُرَيْح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة: ٢/٤٥٦. انظر السير: ( أبو قلابة) ٤/ ٤٦٨-٤٧٥، وانظر النزهة : ٧/٥٣٣. (٣) انظر السير : ( أبو قلابة) ٤٦٨/٤- ٤٧٥، وانظر النزهة : ٨/٥٣٣. (٤) (٥) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤-٥٣٦، وانظر النزهة: ٣/٥٥٠. ٢٣٨ وعن مُفضَّل قال : حَبسَ ابنُ هُبَيْرَة مَنصوراً شَهْراً على القَضاء يُريدُه عليه ، فَأَبَى ، وقيلَ: إِنَّه أحْضَرَ قَيداً ليُقيِّدَه به، ثم خَلاَّه(١) . وقال محمَّدُ بنُ سَعْد العُوفي : سَمعتُ يَحْيِىُ بنَ مَعين يقولُ : كان أبو حَنيفة ثقةً لا يُحدِّثُ بالحَديث إلاَّ بما يَحفَظُه، ولا يُحدِّثُ بما لا يَحفَظ ولقد ضَربَه ابنُ هُبَيْرَة على القَضاء ، فأَبَىُّ أنْ يَكونَ قاضياً(٢) . وعن مُغيثِ بنِ بديل قال : دَعا المَنصورُ أبا حنيفة إلى القَضاء فامْتَنَع ، فقال : أترغَبُ عمَّا نحنُ فيه ؟ فقال: لا أصْلُحُ قال : كَذبتَ قال : فقد حَكَمَ أميرُ المؤمنين عليَّ أنَّي لا أصْلُح، فإنْ كنتُ كاذباً، فلا أصْلُحُ وإنْ كنتُ صادقاً فقد أخْبَرَتُكُم أنِّي لا أصْلُحُ ، فحبَسَه(٣) . ۔ وقالَ يَعقوبُ بنُ شَيْبَة : دَعا المَنْصورُ شَريكاً ، فقال: إنِّي أريدُ أنْ أُوَلِّيْكَ القَضاء ، فقالَ : اغْفِني يا أميرَ المؤمنين قالَ: لَسْتُ أُعْفيكَ قالَ : فَأَنْصَرِفُ يَومي هذا، وأعُودُ ، فَيَرى أميرُ المؤمنين رَأيَه قال: تُريد أنْ تَتَغَيَّب ؟ ولَئِن فَعلتَ لأقْدِمَنَّ علىُ خَمسينَ من قَومِكَ بما تَكرَه، فوَلاَه القَضاءَ إلى أيَّامِ المَهْدي، فأقرَّه المَهْدُّ ، ثم عَزْلَه ، قالَ : وكانَ شَريكٌ ثقةً مَأْمُوناً، كثيرَ الحَديث، أُنْكِرَ عليه الغَلطُ والخَطأ(٤). وقال محمدُ بنُ عامر المِصِّيصي : سألت أحمد : وكيعٌ أحَبُّ إليك أو يَحْيَىُ بنُ سَعيد ؟ فقال : وَكيعٌ قلتُ : كيفَ فضَّلتَه علىُ يَحْبى، ويَحْيَى ومكانه من العلم ، والحفظ والإتقان ما قد علمت ؟ قال : وكيع كان صديقاً لحَفْصٍِ بنِ غِياث ، فلمَّا وَلِيَ القَضاءَ هَجَرَه، وإنَّ يَحْيَى كان صَديقاً لمُعاذِ بنِ مُعاذ، فلمَّا وَلِيَ القَضاءَ لَمْ يَهْجُرْهُ یحیی . (١) انظر السير: (مَنصور بن المُعْتمِر) ٤٠٢/٥-٤١٢، وانظر النزهة: ٦/٦١٧. (٢) انظر السير: (أبو حَنِيفَة) ٣٩٠/٦ -٤٠٤، وانظر النزهة: ٢/٦٦٢. (٣) انظر السير: (أبو حَنِيفَة) ٦/ ٣٩٠ -٤٠٤، وانظر النزهة: ٧/٦٦٣. (٤) انظر السير: (شَريك) ٢٠٠/٨-٢١٦، وانظر النزهة : ٤/٧٤٤. ٢٣٩ وقال محمد بن علي الوَرَّاق: عُرضَ القَضاءُ على وكيع ، فامتنع (١). وقال ابنُ عَبدَ كَوَيه : سَمعتُ عاتكةَ بنتَ أحمد بنِ أبي عاصِم تقولُ : سَمعتُ أبي يقولُ: جاءَ أخي عُثمانَ عهدُه بالقَضاء على سامَرَّاءَ ، فقال : أقعُدُ بين يدَيْ الله تعالى قاضيا !! ؟ ، فانشقَّت مَرارتُه، فماتَ(٢). (د) من السَّلَفَ مَنْ كان لا يأخذُ أجراً على القَضاء : عن إبراهيمَ بنِ محمّد بنِ المنتِشر ، عن أبيه ، أنَّ مَسْروقاً كان لا يأخذُ على القَضاءِ أجْراً، ويَتأوَّلُ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَُمْ ﴾ الآية(٣)، (٤). وقال أبو الشيخ : سَمعتُ ابني عبدَ الرزَّاق يَحكي عن أحمدَ ابنِ محمدِ بن عاصِم : سَمعتُ ابنَ أبي عاصِم يقولُ : وصَلَ إليَّ منذُ دَخلتُ إلى أصْبَهانَ من دَراهِم القَضاءِ زِيادَة على أربع مئة ألفِ دِرْهَم ، لا يُحاسبُني اللهُ يومَ القيامة أنِّي شَربْتُ منها شَرْبَةَ ماء ، أو أكَلتُ منها ، أو لَبِسْتُ(٥) . (هـ) من الشَّلَف مَنْ كان يَنهَى عن أخذ أجرٍ على القَضاء : قال سليمانُ بنُ أبي شَيخ : قال شَريك لبعض إخْوانِهِ : أُكْرِهتُ على القَضاءِ ، قال : فأُكْرِهْتُ على أخْذِ الرِّزْق(٦) . ( و ) قُضاةٌ صالحون : وَلي أبو عبد الله محمدُ بنُ عليّ المَرْوزي المَعْروف بـ ((الخَيَّاط)) قضاءَ القُضاةِ بنيسابُورَ في سنة ثمان وثلاث مئة إلى أن استعفَى سنة إحدى عشرة، وردَّ خَرِيطَةَ الحُكْم (١) انظر السير: (وَكيع) ٩/ ١٤٠ -١٦٨، وانظر النزهة: ٢/٨٠٩. (٢) انظر السير: (ابن أبي عاصم) ٤٣٠/١٣-٤٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٠٩٨. (٣) سورة التوبة ، الآية : ١١١ انظر السير: ( مَسْروق) ٦٣/٤ -٦٩، وانظر النزهة: ٨/٤٤٥. (٤) (٥) انظر السير: (ابن أبي عاصم) ٤٣٠/١٣-٤٣٩، وانظر النزهة: ٥/١٠٩٨. (٦) انظر السير: (شريك) ٨/ ٢٠٠-٢١٦، وانظر النزهة: ٥/٧٤٣. ٢٤٠