النص المفهرس
صفحات 121-140
١٣- التعريف ببعض الكتب : (أ) (( الأسديّة)): قيلَ : إِنَّ أَسَدَ بنَ الفُراتِ رَجعَ من العِراق، فدَخلَ على ابنٍ وَهْب ، فقال : هذه كُتبُ أبي حنيفة ، وسألَه أنْ يُجيبَ فيها على مَذْهَب مالك ، فأبى ، وتَوزَّع ، فذَهبَ بها إلى ابنِ القاسِم ، فأجابَه بما حَفظَ عن مالك ، وبما يَعلَمُ من قَواعِدِ مالك ، وتُسمَّى هذه المسائل الأسَدِيَّة . وحَصلت بإفريقية له رياسَة وإِمْرَة، وأخَذوا عنه، وتَفَقَّهوا به(١). وحَملَ عنه سُحنونٌ بنُ سَعيد، ثم ارْتَحلَ سُخْنونٌ بالأسَدِيَّة إلى ابنِ القَاسِم ، وعَرضَها عليه ، فقال ابنُ القاسِم : فيها أشياءُ لا بُدَّ أنْ تُغيَّر ، وأجابَ عن أماكن ، ثم كتب إلى أسَدِ بنِ الفُرات: أنْ عارِضْ كُتبَك بكتب سُخْنون ، فلمْ يَفعَلْ ، وعَزَّ عليه ، فَبَلغَ ذلك ابنَ القاسِم ، فتألَّم ، وقال: اللَّهُمَّ لا تُبارِك في الأسَدِيَّة ، فهي مَرَفُوضَة عند المالِكِيَّة(٢). (ب) ((الفُنون )) لابن عَقيل : كان ابنُ عَقيل يَتوقَّدُ ذَكاءً ، وكان بَحرَ مَعارِف ، وكَنزَ فَضائل ، لمْ يَكُنْ له في زَمانه نَظيرٌ علىُ بِدعَته، وعلَّق كتابَ ((الفُنون )) وهو أزْيدُ من أربع مئة مُجلَّد ، حَشدَ فيه كل ما كان يَجري له مع الفُضلاء والتلامِذَة، وما يَسْنَحُ له من الدَّقائق والغَوامِض ، وما يَسمَعُه من العَجائب والحوادث . عن حمَّاد الحرَّاني ، سَمعَ السِّلَفيَّ يقولُ: ما رأتْ عَيني مثلَ أبي الوَفاء بنِ عَقيل الفَقيه ، ما كان أحدٌ يَقدرُ أنْ يَتكلَّمَ معه لغَزارَة عِلمِه وحُسْنِ إيرادِه ، وبَلاغَة كَلامِه ، وقُوّة حُجَّته، تَكلَّمَ يوماً مع شَيخِنا إلْكيا أبي الحَسَن ، فقال له إلْكيا : هذا ليس مَذْهِبُك ، فقال : أكونُ مثلَ أبي عليّ الجُبَّائي، وفُلان وفُلان لا أعلمُ شيئاً؟! أنا لي (١) انظر السير: (أسدُ بن الفُرات) ٢٢٥/١٠-٢٢٨، وانظر النزهة: ٢/٨٧٠. (٢) انظر السير: (أسدُ بن الفُرات) ٢٢٥/١٠-٢٢٨، وانظر النزهة: ٣/٨٧٠. ١٢١ اجْتهادٌ متى ما طالبني خَصمٌ بالحُجَّة ، كان عندي ما أدْفَعُ به عن نفسي وأقومُ له بحُجَّتي ، فقال إلْكيا: كذاك الظرُّ بك(١). (ج) (( المُدوَنَّة)) : أصْلُ ((المُدوَّنَةَ)) أسئلةٌ سألَها ابنُ الفُرات لابنِ القاسِم ، فلمَّا ارْتَحلَ سُخْنونٌ بها عَرضَها على ابنِ القاسِم ، فأصْلِحَ فيها كثيراً، وأسْقطَ ثم رتَّبَها سُخْنونٌ ، وبوَّبَها ، واحْتجَّ لكثير من مَسائِلها بالآثار من مَرْوياتِه مع أنَّ فيها أشْياء لا يَنهَضُ دَليلُها ، بل رأيُّ مَحْض، وحَكوا أنَّ سُخنوناً في أواخر الأمْر علَّم عليها ، وهمَّ بإسقاطها وتهذيب (( المُدَوَّنَةَ)) فأدْرَكَتْه المَنِيَّة رَحمَه الله فكُبراءُ المالكيَّةِ ، يَعرفون تلك المَسائل، ويُقرِّرُون منها ما قَدروا عليه، ويُوَهِّنون ما ضَعُفَ دَليلُه فهي لها أُسْوَةٌ بغيرها من دَواوين الفِقْه وكلُّ أحدٍ فِيُؤْخَذُ من قَولِه ويُترَك إلاَّ صاحبَ ذاك القبر صلى الله عليه وسلم فالعلمُ بَحرٌ بلا ساحل ، وهو مُفرَّقٌ في الأمَّة مَوجودٌ لمَنْ التَمسَه . وتفسير (سُخْنون) بأنه اسم طائر بالمغرب ، يُوصَف بالفِطْنَة والتَّحرُّز، وهو بفَتْح السِّين وبضَمِّها . تُوفِّي الإمامُ سُخنونٌ في سنة أربعين ومئتين ، وله ثمانون سنة(٢). (د) مَعاجم الطَّبَراني : من تَواليف الإمامِ الطََّرانيّ ((المُعْجَمُ الصَّغير)) في مُجلَّد عن كلِّ شَيخِ حَديث ، و((المُعْجَمُ الكبير)) وهو مُعْجَم أسْماء الصَّحابَة وتراجمهم وما رَوَوْه ، لكن ليس فيه مُسْندُ أبي هُرَيْرة ، ولا اسْتوعَب حَديثَ الصَّحابَةِ المُكْثرين ، في ثمانٍ مُجلَّدات ، و((المُعْجَمُ الأوْسَط )) على مَشايخِه المُكْثرين، وغَرائبٍ ما عندَه عن كل واحد ، يكونُ خَمسَ مُجلَّدات، وكان الطَّبرانيُّ - فيما بلَغَنا - يقولُ عن ((الأوْسَط)): هذا الكتابُ (٣) رُوحي(٣). (١) انظر السير: (ابن عقيل) ٤٤٣/١٩-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/١٤٩٧. (٢) انظر السير: (سُخْنون) ٦٣/١٢ -٦٩، وانظر النزهة: ٧/٩٨٣. (٣) انظر السير: (الطَّبَرانيّ) ١١٩/١٦ - ١٣٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٢. ١٢٢ ١٤ - نَقْدُ بعض الكتُب : (أ) ((إحياء علوم الدين )) للغَزالي: قال محمَّدُ بنُ الوَليد الطُّرْطُوشيُّ في رسالة له إلى ابنِ مُظفَّر: فأمَّا ما ذَكرتَ من أبي حامد ، فقد رَأيتُه ، وكلَّمتُه، فرأيتُه جَليلاً من أهلِ العِلمٍ ، واجْتمَعَ فيه من العَقلِ والفَهمِ ، ومارَسَ العُلومَ طوُل عُمرِه ، وكان على ذلك معظم زمانه ، ثم بدا له عن طريق العلماء ودخل في غُمار العُمَّال ، ثم تَصوَّف، وهَجرَ العُلومَ وأهلَها ، ودَخلَ في عُلومِ الخَواطِرِ وأرْبابِ القُلوبِ ، ووَسَاوس الشَّيطان ، ثم شَابَها بآراء الفَلَاسِفَة ، ورُمُوزِ الحَلَّجِ ، وجَعَلَ يَطْعَنُ على الفُقَهاء والمُتكلِّمين، ولقد كادَ أنْ يَنسَلِخَ من الدِّين ، فلمَّا عَملَ («الإحياءَ)) عَمدَ يَتكلَّم في عُلومِ الأحْوال ، ومَرامِزِ الصُّوفيّة ، وكان غَيرَ أنيسٍ بها ، ولا خَبير بمَعْرفَتِها، فسَقَطَ على أُمِّ رأسِه وشَحنَ كتابَه بالمَوْضوعات(١) . وقال الإمامُ الذهبيُّ: أمَّا ((الإحْياءُ)) ففيه من الأحاديث الباطِلَة جُمْلَةٌ ، وفيه خَيْرٌ كَثير لولا ما فيه من آداب ورُسوم وزُهْد من طَرائق الحُكَماء ومُنْحَرِفِي الصُّوفيَّة ، نَسألُ اللهَ عِلماً نافِعاً(٢). وقال أبو الفرج ابنُ الجَوْزي: صَنَّف أبو حامد (( الإحْياءَ)) وملأَه بالأحاديث الباطِلَة، ولمْ يَعْلِمْ بُطْلانَها، وتَكلَّمَ على الكَثْف وخَرجَ عن قانون الفِقْه، وقال : إنَّ المُرادَ بالكَواكِبِ والقَمرِ والشَّمسِ اللَّوَاتي رآهُن إبراهيمُ، أنْوارٌ هي حُجُبُ الله عَزَّ وجَلَّ ، ولمْ يُرِدِ هذه المَعْروفات وهذا من جِنْسٍ كَلام الباطِنِيَّة ، وقد رَدَّ ابنُ الجَوْزي على أبي حامد في كتاب ((الإحْياء )) وبيَّن خَطأَهَ في مُجلَّدات ، سمَّاه كتاب ((الأحْياء))(٣). انظر السير: (الغزّالي) ٣٢٢/١٩-٣٤٦، وانظر النزهة: ٣/١٤٨٤. (١) انظر السير: ( الغَزَّالي) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة : ١/١٤٨٥. (٢) انظر السير: (الغَزَّالي) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة: ٣/١٤٨٥. (٣) ١٢٣ (ب) (( الشفا )) للقاضي عياض: جاء في ترجمة القاضي عياض ، قال الذهبيُّ: تَواليفُه نَفَيسَةٌ، وأجَلُّها وأشْرفُها كتابُ ((الشِّفا)) لولا ما قد حَشاهُ بالأحاديث المُفْتَعَلَةِ، عَمَلَ إمام لا نَقْدَ له في فنٌّ الحَديث ولا ذَوْق، والله يُثِيبُهُ على حُسنِ قَصْدِه، ويَنفَعُ بـ (( شِفائِهِ )) وقد فَعل، وكذا فيه من التأويلات البَعيدَة أَلْوان، ونَبِيُّنا صَلواتُ الله عليه وسَلامُه غَنِيٌّ بمِدحَّةِ التَّنْزِيل عن الأحاديث ، وبما تَواتَر من الأخبار عن الآحاد ، وبالآ حادِ النَّظيفَة الأسانيد عن الواهيات ، فلماذا يا قَوم نتَشَعُ بالمَوْضُوعات، فَيَتَطَّقُ إلينا مَقالُ ذَوي الغِلِّ والحَسَد ، ولكن مَنْ لا يَعلمْ مَعذورٌ، فَعَليك يا أخي بكتاب ((دَلائل النُّبوَّة)) للبَيْهَقيِّ، فإنَّه شِفاءٌ لما في الصُّدور وهُدىّ ونور(١) . قال القاضي ابنُ خلِّكان : شُيوغُ القاضي يُقاربون المئة ، تُوفِّيَ في سنة أربعِ وأربعين وخَمس مئة(٢) . (ج ) (( مِرْآَةُ الزَّمان )) لسِبطِ ابن الجَوْزي : جاء في ترجمة ابن الجَوْزيِّ ، قال الذهبيُّ : قال سِبْطُه أبو المُظفَّر : تُوفِّيَ أبو الفَرَجَ ابنُ الجَوْزي ليلة الثالث عَشرَ من رَمضانَ سنة سَبع وتسعين وخَمسٍ مئة ، وغُلَّقَت الأسواقُ، وجاءَ الخَلقُ، وصَلَّى عليه ابنُه أبو القاسم عليٍّ اتِّفاقاً ، لأنَّ الأعْيانَ لمْ يَقدِروا من الوُصولِ إليه، ثم ذَهبوا به إلى جامع المَنْصُور ، فصلُّوا عليه ، وضاقَ بالنَّس ، وكان يوماً مَشْهوداً، فلمْ يَصلْ إلى حُفْرَتِه بمَقْبَرَةِ أحمَدَ إلى وَقتِ صَلاةِ الجُمُعَة ، وكان في تقُوز، وأَقْطَرَ الخَلقُ ، ورَمَوا نُفُوسَهم في الماء إلى أن قال : وما وَصلَ إلى حُفْرتِه من الكَفَنِ إلاَّ قَليلٌ ، كذا قال، والعُهْدةُ عليه(٣)، وأُنزِلَ في الحُفرَةِ ، والمُؤذِّنُ يقولُ: اللهُ أكبر، وحَزنَ عليه الخَلقُ ، وباتوا عند قَبِهِ طُولَ شَهرِ قال صاحب النَّزهة : هو أيضاً فيه أحاديث واهية وعذره فيها أنه ساقها بأسانيد . (١) (٢) انظر السير: (القاضي عياض) ٢٠/ ٢١٢-٢١٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٣. وقال في ((تاريخ الإسلام)): (وهذا من مجازفة أبي المظفر ) ، وقد وصف الذهبيُّ السبط بالمجازفة (٣) في غير موضع من كتبه . ١٢٤ رَمضانَ يَخْتِمونَ الخَتَمَاتِ، بالشَّمْعِ والقَناديلَ، ورآهُ في تلك اللَّلَةَ المُحَدِّثُ أحمدُ بنُ سَلمان الشُّكّر في النَّومِ ، وهو علَى مِنْبَرٍ من ياقُوت ، وهو جالسٌ في مِقْعَد صِدْقٍ والمَلائِكَةُ بين يَدِيْهِ(١) وَأَصْبَحنا يومَ السَّبت عملنا العزاء، وتكلَّمْتُ فيه، وحَضرَ خَلقٌ عَظيمٌ، وعُمِلَتْ فيه المَرائي(٢) . وذَكَرَ أَبُو المُظَفَّرِ الواعِظُ في (( مِزَآَةِ الزَّمانِ)) : وفي ذِي الْقِعْدَة سَنةَ سِتٍّ وتِسْعينَ وخَمسٍ مِئَة كان ما اشْتُهِرَ من أمْرِ الحافظِ عبد الغَنِيّ وإِصْرارِهِ على ما ظَهَرَ من اعْتِقَادِهِ وإجْمَاعِ الفُقَهَاءِ على الفُتْيَا بَتَكْفِيرِه، وأنَّه مُبْتَدِعٌ لا يَجُوزُ أنْ يُتْرَكَ بينَ المُسلمينَ ، فَسَألَ أنْ يُمْهَلَّ ثلاثَةَ أيَّامٍ لَيَنْفَصِلَ عن البَلَدِ فَأُجِيب(٣). قال الذهبيُّ : قد بَلَوْتُ على أبي المُظَفَّرِ المُجازَفَةَ وقِلَّةَ الوَرَع فيما يُؤْرِّخُه واللهُ المُوعِدُ ، وكان يَتَرَفَّضُ ، رأيتُ له مُصَنَّفاً في ذلكَ فيه دَواهٍ ، ولَوْ أَجَّمَعَتِ الفُقَهاءُ علىُ تَكْفِيرِه كما زَعَمَ لمَا وَسِعَهُم إِنْقَاؤُهُ حيّاً، فقَد كان على مَقَالَتِهِ بدِمَشْقَ أخُوهُ الشَّيخُ العِمَادُ والشَّيخُ مُوَفَّقُ الدّين، وأخُوهُ القُدوَةُ الشَّيخُ أَبُو عُمَرَ، والعَلَّمَة شَمسُ الدّين البُخاريّ، وسائِرُ الحَنابلَة، وعِدّةٌ من أهْلِ الأثَر، وكان بالبَلَدِ أيْضاً خَلْقٌ من العُلَمَاءِ لا يُكَفِّرُونَه، نَعَمْ ولا يُصَرِّحُون بمَا أَطْلَقَهُ من العِبَارَةِ لمَّا ضايَقُوهُ، ولَوْ كَفَّ عن تِلكَ العِبَاراتِ ، وقال بمَا وَرَدَتْ به النُّصُوصُ لأجَادَ ولَسَلِمَ ، فَهُو الأوْلَىُ، فما في تَوْسِيعِ العِباراتِ المُوهِمَةِ خَيْرٌ، وأسْوأُ شَيءٍ قالَه أنْ ضَلَّلَ العُلَماءَ الحاضِرين ، وأنَّه على الحَقِّ ، فقَالَ کَلمَةً فيها شَرّ وفَسادٌ وإثارَةٌ للبَلاءِ، رَحِمَ اللهُ الجَميعَ وغَفَرَ لهُم ، فمَا قَصْدُهُم إلاَّ تَعْظِيمَ البَارِي عَزَّ وجَلَّ من الطَّرَفَيْنِ ، ولكنَّ الأكْمَلَ في التَّعْظِيمِ والتَّْزيه الوُقُوفُ معَ ألْفَاظِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ، وهَذا هو مَذْهَبُ السَّلَفِ رَضي اللهُ عنهم . وبكُلِّ حالٍ فالحَافِظُ عبدُ الغَنِيّ من أهْلِ الدّينِ والعِلْمِ والتَّلُهِ والصَّدْعِ بالحَقِّ ، (١) تمام الخبر: والحقُّ سبحانه وتعالىُ حاضرٌ يسمع . (٢) انظر السير: ( أبو الفرج ابن الجَوْزي) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٣٦. (٣) انظر السير: (عبد الغني) ٢١/ ٤٤٣-٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٦٥٠. ١٢٥ ومَحَاسِنُهُ كَثِيرَةٌ، فَتَعُوذُ باللهِ من الهَوَى والمِراءِ والعَصَبِيّةِ والاقْتِرَاءِ، ونَبَّرأُ من كُلِّ مُجَسِّمٍ ومُعَطَّلٍ(١). ١٥ - كتاب ((نَهِجُ البَلاغَة)) مَوضُوعٌ ونِسْبَتُه إلى عليٍّ رضي الله عنه غيرُ صحيحة : جاء في ترجمة المُرْتَضَىُ، قال الإمامُ الذهبيُّ: هو جامِعُ كتاب « نَهْجُ البَلاغَة )» ، المَنسُوبَة ألفاظُه إلى الإمام عليٍّ رضي الله عنه، ولا أسانيدَ لذلك ، وبعضُها باطلٌ ، وفيه حَقٌّ ولكن فيه مَوضُوعات حاشا الإمامَ من النُّطْقِ بها ، ولكن أين المُنْصِفُ ؟! وقيل : بلْ جَمْعُ أخيه الشَّريف الرِّضًا . وديوانُ المُرْتَضَىْ كبيرٌ وتَواليفُهُ كَثِيرَةٌ ، وكان صاحبَ فُنون . وكان من الأذكياء والأولياء ، المُتَّبخِّرين في الكلام والاغْتزال ، والأدَب والشِّعر ، لكنَّه إمامِيٌّ جَلْدٌ نَسألُ اللهَ العَفوَ(٢). ١٦ - كتابٌ مَنسُوبٌ إلى الإمام أحمد : قال أبو الحُسَين أحمدُ بنُ جَعْفَر بنِ المُنادي : لمْ يكنْ في الدُّنيا أحدٌ أرْوَى عن أبيه من عبدِ الله بنِ أحمَدَ ، لأنَّ سَمعَ منه ((المُسْنَدَ ))، وهو ثَلاثُون ألفاً، و((النَّفْسيرَ ))، وهو مئةُ ألفٍ وعشرون ألفاً ، وغيرَ ذلك من التَّصانيف . قال الإمامُ الذهبيُّ: ما زِلْنا نَسْمَعُ بهذا ((التَّفْسيرِ)) الكبيرِ لأحمَدَ على ألْسِنَة الطَّلبَة، وعُمْدَتُهم حكايَةُ ابنِ المُنادي هذه، ولكن ما رَأينا أحداً أخْبَرنا عن وُجود هذا ((التَّفْسير))، ولا بَعضه ولا كُرَّاسَة منه، ولو كان له وُجودٌ، أو لشيء منه لنَسَخُوه ، ولاعْتَنَى بذلك طَلبَةُ العِلمِ، وَلحَصَّلوا ذلك، ولنُقِلَ إلينا، ولاشْتُهِر، ولتَنَافَسَ أعْيَانُ البَغداديين في تَحْصِيلِه ، ولنَقَلَ منه ابنُ جَرير فمَنْ بَعدَه في تَفَاسِيرِهم ، وهذا ((التَّفْسِيرُ)) لا وُجودَ له، وأنا أعْتِقِدُ أنَّه لمْ يَكُنْ، فبغدادُ لمْ تَزَلْ دارَ الخُلفاءِ ، وقُبَّةَ الإسْلام، ودَارَ الحَديثِ ، ومَحِلَّةَ السُّنَن، ولمْ يَزَلْ أحمدُ فيها مُعَظَّماً في سائر (١) انظر السير: (عبد الغني) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٦٥٠. (٢) انظر السير: (المُرْتَضى) ١٧ /٥٨٨- ٥٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٣٦٦. ١٢٦ الأعْصارِ، وله تَلامِذَةٌ كبارٌ، وأصْحابُ أصْحاب ، وهَلُمَّ جَراً إلى بالأمْسِ ، حين اسْتَبَاحَها جَيشُ المَغُولِ، وجَرَت بها من الدِّماءِ سُيولٌ ، وقد اشْتُهِرَ بَبَغدادَ (« تَفْسیرُ ابنِ جَرِير ))، وتَزاحَمَ علىْ تَخْصِيلِه العُلماءُ، وسارَتْ به الرُّكْبانُ ، ولمْ نَعْرفْ مثلَه في مَعناه ، ولا أُلِّفَ قَبَلَه أكْبرُ منه، وهو في عِشرينَ مُجلَّدَة، وما يَحْتِمِلُ أنْ يَكُونَ عِشْرِينَ أَلْفَ حَديثٍ ، بلْ لَعَلَّه خَمسَةَ عَشَرَ ألفَ إسْناد ، فخُذْه ، فَعُدَّه إنْ شِئْتَ. قال الإمامُ الذهبيُّ : عاشَ في عُمرِ أبيه سَبعاً وسَبعينَ سَنةً . ماتَ ودُفِنَ في مَقابِرٍ بابِ التِبْنِ (١)، وكان الجَمِعُ كَثِيراً فوقَ المِقْدار(٢). ١٧ - تَمنِّي الذَّهبيّ أن يُقيِّض الله عَالماً يَخدم ((المُسنَد)) (وقد حقَّق الله بعضَ أمنيَّه ) : قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمة عبدِ الله بنِ أحمَدَ بنِ حَنْبَل : كان صَيِّناً دَيِّناً صادِقاً ، صاحبَ حَديثٍ واتِباعِ وبَصَرٍ بالرِّجال ، ولمْ يَدخُلْ فِي غَيرِ الحَديثِ ، وله زياداتٌ كَثِيرةٌ في (( مُسْنَدٍ)) والدِه واضِحَةٌ عن عَوالي شُيوخِه ولمْ يُحَرِّرْ تَرْتيبَ ((المُسْنَد)) ولا سَهَّلَه ، فهو مُحْتَاجٌ إلى عَملٍ وتَرتيب . فَلَعلَّ الله يُقيِّضْ لههذا الدِّيوانِ العَظيمِ مَنْ يُرتِّبُه ويُهَذِّبُه، ويَحْذفُ ما كُرِّرَ فيه ، ويُصْلِحُ ما تَصَخَّفَ، ويُوَضِّحُ حالَ كَثِيرٍ من رجاله ، ويُنَبِّه على مُرْسَلِهِ ، ويُوَهِّنُ ما يَنْبَغِي من مَناكِيرِه ، ويُرَتِّبُ الصَّحابَةَ على المُعْجَم، وكذلك أصْحابَهم على المُعْجَم، ويَرمِزُ على رُؤُوسِ الحَديثِ بأسْماءِ الكُتبِ السِّنَّة ، وإنْ رَتَّبَه على الأبوابِ فحَسَنٌ جَميلٌ ، ولَوْلا أنِّي قد عَجزتُ عن ذلك لِضَعْفِ البَصَر ، وعَدمِ النِّيّة ، وقُرْبٍ الرَّحيلِ ، لَعَملتُ في ذلك(٣) . ١٨ - رُؤى فيها تَزكيَة لكتُب : قال خالدُ بنُ عبدِ الله المَرْوَزِيُّ، سَمعتُ أبا سَهْل محمَّدَ بنَ أحمَدَ المَرْوِزِيَّ ، سَمعتُ أبا زَيْدِ المَرْوِزِيَّ الفَقيهَ يقولُ : كُنتُ نائماً بين الرُّكنِ والمَقَام فَرَأيتُ النبيَّ (١) باب التبن : محلة كبيرة ببغداد على الخندق بإزاء قطيعة أم جعفر. (٢) انظر السير: (عبد الله بن أحمد) ٥١٦/١٣-٥٢٦، وانظر النزهة: ٢/١١١٣. (٣) انظر السير: (عبد الله بن أحمد) ٥١٦/١٣-٥٢٦، وانظر النزهة: ٢/١١١٤. ١٢٧ صلى الله عليه وسلم، فقال لي : يا أبا زَيْد ، إلى مَتى تَدْرُسُ كتابَ الشَّافعي ، ولا تَدْرُسُ كتابي؟ فقُلتُ: يا رسُولَ الله، وما كتابُك؟ قال: ((جامِعُ)) مُحمَّد بن إسماعيل(١). وقال شَيخُ القُضاةِ أبو عليٍّ إسماعيلُ بنُ البَيْهَقيّ : حدَّثنا أبي قال : حين ابتدأتُ بتَصنيفِ هذا الكتاب - يَعني كتابَ ((المَعْرِفَة في السُّنَن والآثار )) - وفَرغْتُ من تَهْذِيبِ أجزاءٍ منه ، سَمعتُ الفَقيهَ محمّدَ ابنَ أحمد - وهو من صالِحِي أصْحابي وأكثرِهم تِلاوَةً وأصْدَقِهِم لَهْجَةً - يقولُ: رأيتُ الشَّافعيَّ - رَحمَه اللهُ - في النَّوم ، وبيَدِهِ أجزاءٌ من هذا الكتابِ وهو يقولُ : قد كتبتُ اليومَ من كتابِ الفَقيه أحمدَ سَبعةً أجْزاء - أو قال : قَرأْتُها ـ ورآه يَعْتُّ بذلك قال: وفي صباح ذلك اليوم رأى فَقيةٌ آخَر من إخْواني الشَّافعيَّ قاعداً في الجامع على سَرير وهو يَقولُ : قد اسْتَفْدتُ اليومَ من كتابِ الفَقيه حَديثَ كذا وكذا(٢) . وأخْبَرنا أبي قال : سَمعتُ الفَقيهَ أبا محمّد الحَسَنَ بنَ أحمد السَّمَرْ قَنديَّ الحافِظَ يقولُ : سَمعتُ الفَقيةَ محمّدَ بنَ عبد العَزيزِ المَرْوَزِيَّ يقولُ: رَأيتُ في المنام كأنَّ تابُوتاً عَلا في السَّماءِ يَعْلُوه نورٌ ، فقُلتُ: ما هذا؟ قال: هَذه تصانيفُ أحمَدَ البَيْهَقِيّ . قال الإمامُ الذهبيُّ : هذه رُؤيا حَقِّ، فَتَصانيفُ البَيْهَفيِّ عَظيمةُ القَدْرِ ، غَزيرةُ الفَوائد ، قَلَّ من جَوَّدَ تَواليفَهُ مثلُ الإمام أبي بكر ، فيَنْبَغِي للعالِمِ أنْ يَعْتَنِي بهَؤلاء سيَّما (( سُنَنَه الكبير)). وقال الإمامُ الذهبيُّ : وبَلغَنا عن إمامِ الحَرَمَينِ أبي المَعالي الجُوينيّ قال : ما من فَقَيهِ شَافعيٍّ إلاَّ وللشَّافعيِّ عليه مِنَّةٌ إلاَّ أَبَا بَكر البَيْهَفيِّ، فإِنَّ الِمِنََّ له على الشَّافعيِّ التصانيفِه في نُصْرَة مَذْهَبِه . قال الإمامُ الذهبيُّ : أصابَ أبو المَعالي؛ هكذا هو ، ولوْ شاءَ البَيْهَقيُّ أنْ يَعمَلَ لنفسِه مَذْهَباً يَجتهدُ فيه ، لكان قادراً على ذلك، لسِعَة عُلومِه ، ومَعرفَتِهِ بالاخْتلافِ ، (١) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٥. (٢) انظر السير: (البَيْهَقيّ) ١٦٣/١٨ - ١٧٠، وانظر النزهة: ١/١٣٩٤. ١٢٨ ولهذا تَراهُ يُلوِّحُ بنَصر مَسائلَ ممَّا صَحَّ فيها الحَديثُ ولمَّا سَمعوا منه ما أحَبُّوا في قَدْمَتِهِ الأخيرة ، مَرِضَ، وحَضرت المَنِيَّةُ ، فُتُوِّي سَنة ثمانٍ وخَمسينَ وأربع مئة ، فغُسِّلَ وكُفنَ وعُملَ له تابُوتٌ، فَنُقِلَ ودُفِنَ بَيْهَق عاشَ أربعاً وسَبعينَ سنةً(١) . (١) انظر السير: (البَيْهَقيّ) ١٦٣/١٨ -١٧٠، وانظر النزهة: ٢/١٣٩٤. ١٢٩ من عُلوم الإسْلام (١) القُرآنُ والقِراءاتُ والتَّجْويد أولاً : القُرآن : ١ - فَضلُ القُرآن : قال إسماعيل بن عياش : أنبأنا عقيلُ بن مُدْرك، يَرفعُه إلى أبي سَعيد الخُدْريِّ قال : عَليكَ بتَقْوى الله فإنَّه رأسُ كلِّ شيءٍ وعَليكَ بالجِهادِ فإنَّ رَهْبَانيَّةُ الإسْلامِ ، وعَليكَ بِذِكْر الله وتِلاوَةِ القُرآنِ ، فإنَّه رُوحُك في أهْلِ السَّماء وذِكْرُكُ في أهْلِ الأرْض ، وعَليكَ بالصَّمْتِ إلاَّ فِي حَقٍّ ، فإنَّك تَغْلِبُ الشَّيْطان (١)، (٢). عن يُونُس بنِ جُبير، قال: شَيَّعْنا جُندُباً البَجَليَّ - صاحبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم - فقُلتُ له : أوْصِنا، قال: أُوصِيكُم بتَقْوى الله، وأُوصِيكُم بالقُرآنِ ، فإنَّه نُورٌ باللَّيلِ المُظْلِمِ ، وهُدى بالنَّهارِ ، فاعْمَلوا به على ما كان من جَهْد وفاقَة ، فإنْ عَرضَ بلاءٌ، فقدِّمْ مالَكَ دُونَ دِينِك ، فإنْ تَجاوَزَ البَلاءُ ، فَقَدِّمْ مالَكَ ونَفَسَكَ دُونَ دِينِك ، فإنَّ المَخْروبَ مَنْ خَرُبَ دينُهُ، والمَسْلوبَ مَنْ سُلِبَ دينُه، واعْلمْ أنَّه لا فاقَةَ بعد الجَنَّة ولا غِنَى بعد النَّار(٣). وجاء في ترجمة عبدِ الرَّحمَن بنِ أبزى الخُزاعي قال الذهبيُّ : هو مَوْلى نافِعِ بنِ عبدِ الحارِث ، كان نافعٌ مَوْلاه اسْتنابَه على مكة حين تلقَّى عُمرَ بنَ الخَطَّابِ إِلى عُسفان ، فقال له : مَنِ اسْتخلَفْتَ على أهْلِ الوَادي؟ يَعني مَكة ، قال: ابنُ أبْزَىُ ، قال : ومَنْ ابنُ أبْزَى؟ قال: إنَّه عالمٌ بالفَرائِض قارِىءٌ لكتاب الله قال: أما إنَّ نَبِيَّكم فيه انقطاع بين عقيل بن مدرك وأبي سعيد . (١) (٢) انظر السير: ( أبو سعيد الخُدْريّ) ١٦٨/٣-١٧٢، وانظر النزهة: ٢/٣٦١. (٣) انظر السير: ( جُندُب) ٣/ ١٧٤ - ١٧٥، وانظر النزهة: ٢/٣٦١. ١٣٠ صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ هذا القُرآنَ يَرْفَعُ اللهُ بِه أقْوَامَاً، ويَضَعُ به آخَرين)). ويُروَى عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ أنَّه قالَ: ابنُ أبزَى ممَّن رَفعَه اللهُ بالقُرآن(١) . وعن أبي عبد الرحمن الشُّلميِّ، عن عُثمانَ بنِ عَفَّن ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( خَيْرُكمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَه » قال أبو عبد الرحمَن : فذلك الذي أقْعَدَني هذا المَفْعَد(٢). وقال يَعقُوبُ الفَسويُّ: سَمعتُ أحمدَ بنَ يُونُس، وذكروا له حديثاً أنْكَروه من حَديثِ أبي بَكْر ، عن الأعْمَش فقال: كان الأعْمَشُ يَضربُ هَؤلاء ويَشْتمُهم ويَطردُهم ، وكان يأخذُ بيدٍ أبي بَكْر ، فيَجلِسُ معَه في زَاوَة لحال القُرآن . وقال أبو هشام الرِّفاعيُّ: قال أبو بَكْر بنُ عَيَّاش للحَسَنِ بنِ الحَسَن بالمَدينَة : ما أبْقَت الفِتْنَةُ منكَ؟ فقال : وأي فِتْنَة رَأيتَني فيها؟ قال: رَأيْتُهم يُقبّلون يَدَكَ ولا تَمْنَعُهم(٣) . وقال الحُسَينُ بنُ فهم : ما رَأيتُ أنبلَ من خَلَفِ بنِ هِشَام ، كان يَبدَأُ بأهْلِ القُرآن ، ثم يَأْذَنُ لأصْحَابِ الحَديثِ (٤) . ٢ - تَدَبُّرُ القُرآنِ : قال السُّلميُّ: سَمعتُ الإمامَ أبا عُثْمانَ المَغْربيَّ: يَقولُ: ليَكِن تَدَبُّرُكَ في الخَلقِ تَدَثّرَ عِبْرَة، وتَدَبُّرُكَ فِي نَفَسِك تَدَثُّرَ مَوْعظَة، وتَدَبُرُكَ في القُرآن تَدَثُّرَ حَقِيقَة قال اللهُ تَعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ (٥) جَرَّأْكَ به على تِلاوَتِه ، ولولا ذلك لَكلَّت الألْسُن عن تِلاوَتِه(٦) . (١) انظر السير: (عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي) ٢٠١/٣-٢٠٢، وانظر النزهة: ٢/٣٦٥. (٢) انظر السير: (أبو عبد الرحمن السُّلميّ) ٢٦٢/٤ -٢٦٧، وانظر النزهة: ٥/٤٩٥. (٣) انظر السير: ( أبو بكر بن عيَّاش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة : ٦/٧٨٦. انظر السير : ( خَلف بن هشام) ١٠/ ٥٧٦ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٢/٨٩٦. (٤) (٥) سورة النساء ، الآية : ٨٢ . (٦) انظر السير: (أبو عثمان المَغربيّ) ٣٢٠/١٦-٣٢١، وانظر النزهة: ٢/١٢٩٧. ١٣١ ٣- تَدَبُّرِ السَّلَف لكتاب الله : (أ) صُورٌ من تَدبّر السَّلَف لكتاب الله: عن أبي العَاليَة، قالَ: إنَّ اللهَ قَضَى على نفسِه أنَّ مَنْ آمَنَ به هَدَاه ، وتَصْديقُ ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهٌ﴾ (١) ، ومَنْ تَوَكلَ عليه كفاه ، وتَصْدِيقُ ذلك في كتاب الله ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبٌُ﴾(٢) ومَنْ أَفْرَضَه جازاه ، وتَصْديقُ ذلك في كتاب الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا فَيُصَدِفَهُ لَهُ وَ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾(٣) ومَنْ اسْتَجارَ مِنْ عَذابِهِ أجَارَه وتَصْدِيقُ ذلك في كتاب الله ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا﴾(٤) . والاعْتِصامُ الثَّقَةُ بالله ومَنْ دَعاه أجابَه، وتَصْديقُ ذلك في كتاب الله ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ (٥)، (٦). وعن عطاء بنِ السَّائب ، أنَّ أبا عبد الرحمَنِ السُّلميَّ قالَ : أَخَذْنا القُرآنَ عن قَومِ أخْبَرونا أنَّهم كانوا إذا تَعلَّموا عَشرَ آياتٍ لمْ يُجاوزُوهنَّ إلى العَشْرِ الأُخَر حتى يَعلَمواً ما فيهنَّ، فَكُنَّا نَتَعلَّمُ القُرآنَ والعَملَ به، وسَيرثُ القُرآنَ بعدَنا قَومٌ يَشْرَبُونَه شُرْبَ الماء لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُم(٧) . وعن الحَسَن البَصْري قال: يا ابنَ آدَم ، والله إنْ قَرَأتَ القُرآنَ ثم آمَنتَ به ليَطولَنَّ في الدُّنيا حُزْنُك ، ولَيَشْتَدَّنَّ فِي الدُّنيا خَوفُك، ولَيَكثُرَنَّ فِي الدُّنيا بُكاؤُك(٨) . وعن الضَّحْاكِ بنِ مُزاحِم ، قال : حَقٌّ على كُلِّ مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ أنْ يَكونَ فَقيهاً وتَلا (١) سورة التغابن، الآية : ١١ . (٢) سورة الطلاق ، الآية : ٣ . (٣) سورة البقرة، الآية : ٢٤٥ . سورة آل عمران، الآية : ١٠٣ . (٤) (٥) سورة البقرة ، الآية : ١٨٦ . انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤ -٢١٣، وانظر النزهة: ٢/٤٨٠. (٦) (٧) انظر السير: (أبو عبد الرحمن السُّلمي) ٢٦٧/٤ -٢٧٢، وانظر النزهة: ٢/٤٩٥. (٨) انظر السير: (الحَسن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٦/٥٦٠. ١٣٢ قَولَ الله ﴿كُنُواْ رَبِِّعِنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾(١)، (٢). وقال إبراهيمُ بنُ بَشَّار، حدَّثنا ابنُ عُبَيْنَة قال: كان عُمرُ بنُ ذَرِّ إذا قَرأَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) قال: يا لَكَ من يوم ما أملأَّ ذِكْرَكَ لقُلُوبِ الصَّادِقِينَ(٤) ! وجاء في ترجمة ابنِ عَطاء الأدَميّ ، قال الإمامُ الذهبيُّ: كان له في كلِّ يَومٍ خَتْمَة ، وفي رَمَضانَ تِسْعُونَ خَتْمَةٍ ، وبَقِيَ في خَتْمَةٍ مُفْرَدَة بضعَ عَشرَةَ سَنةً يَتَفْهَّمُ ويَتْدَبَّرَ (٥) . ( ب ) التَّثُّرُ عندَ قِراءَتِه : عن الحَسنِ قال : كان عُمَرُ بنُ الخطّاب يمرُّ بالآية من وِرْدِهِ فِيَسْقُطُ حتى يُعادَ منها أيّامً (٦). وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسْعود رضي الله عنه قال : قال لي رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((اقْرَأْ عَلَيَّ القُرآنَ)) قلتُ: يا رَسُولَ الله أقرأُ عَليكَ وعَليكَ أُنْزِل ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((إنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) فقرأتُ عليه سُورَةَ النِّسَاءِ حتى بلغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾(٧) فَغَمَزَني بِرِجْلِه ، فإذا عَيناهُ تَذْرِفان(٨) . وقال إبراهيمُ بنُ الأشْعَث : ما رَأيتُ أحَداً كان اللهُ فِي صَدرِهِ أعظَمَ من الفُضَيل ، كان إذا ذُكِرَ اللهُ، أو ذُكرَ عندَه، أو سَمِعَ القُرآنَ، ظَهرَ به من الخَوفِ والحُزْن ، وفاضَت عَيناهُ ، وبكى حتى يَرحمَه من يَحضُرُه، وكان دائمَ الحُزْن، شَديدَ الفِكْرَة ، ما رَأيتُ رجلاً يريدُ اللهَ بعِلمِهِ وعَملِهِ ، وأخْذِهِ وعَطائِهِ ، ومَنْعِه وبَذْلِه، وبُغْضِه وحُبُّه ، (١) سورة آل عمران ، الآية : ٧٩ (٢) انظر السير: (الضّخَّاك بن مُزاحم) ٥٩٨/٤ - ٦٠٠، وانظر النزهة : ٦/٥٦٦. (٣) سورة الفاتحة ، الآية : ٤ . (٤) انظر السير: ( عُمرُ بن ذَر) ٣٨٥/٦ -٣٩٠، وانظر النزهة: ٧/٦٦٠. (٥) انظر السير: ( ابن عطاء) ٢٥٥/١٤-٢٥٦، وانظر النزهة: ٢/١١٤٩. (٦) انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٣/٤٩ . (٧) سورة النساء ، الآية : ٤١ . انظر السير: ( عبد الله بن مسعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة : ١٩٥/ ٢. (٨) ١٣٣ وخِصَالِهِ كلِّها، غَيْرَه كنَّا إذا خَرِجْنا معه في جِنازَة لا يَزالُ يَعظُ ، ويُذَكِّرُ ويَبكي كأنَّه مُودِّعٌ أصْحابَه ، ذاهبٌ إلى الآخِرَة ، حتى يَبلُغَ المَقَابِرَ ، فَيَجلِسُ مَكانَه بينَ المَوْتَى من الحُزنِ والبُكاء حتى يقومَ وكأنَّه رَجعَ من الآخِرَةِ يُخبرُ عنها (١). (ج ) الصَّعْقُ عندَ سَماعِه : قال إبراهيمُ بنُ الحارث العُبّادي : حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عمَّان، حدَّثنا أبو بَكْر بن عيّاش قال : صلَّيتُ خَلفَ فُضَيلِ بنِ عِياض المغربَ وابنُه عليٍّ إلى جانبي فقرأ: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (٢) فلمَّا قالَ: ﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾(٣) سَقطَ عليٌّ علىُ وَجِهِه مَغْشياً عليه(٤) . وعن محمدِ بنِ ناجية قال: صلَّيتُ خَلفَ الفُضَيل بن عياض، فقرأ: ﴿الْحَقَّةُ﴾(٥) في الصبح فلما بلغ إلى قوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾(٦) . غلبه البكاء فسقط ابنه علي مغشياً عليه (٧) . وقال عليُّ بنُ المَديني : كنَّا عندَ يَحْيَى بنِ سَعيد، فقرأ رجلٌ سورَةَ الدُّخَان ، فِصَعِقَ يَحْيَى ، وغُشيَ عليه قال أحمدُ بنُ حَنْبل : لو قَدِرَ أحدٌ أنْ يَدِفَعَ هذا عن نفسِه ، لَدَفَعَه يَحْيَى - يَعْني الصَّعْقَ(٨). وقال أحمدُ بنُ سَعيد الهَمَذاني : دَخلَ عبدُ الله بنُ وَهْب الحمَّامَ ، فسَمعَ قارئاً انظر السير: ( الفُضَيل بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ٣/٧٧٣. (١) (٢) سورة التكاثر ، الآية : ١ . (٣) سورة التكاثر ، الاية : ٦ . انظر السير: (عليُّ بنُ الفُضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٣/٧٨٠. (٤) (٥) سورة الحاقة ، الآية : ١ . (٦) سورة الحاقّة ، الآية : ٣٠ . (٧) انظر السير: (عليُّ بنُ الفُضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٦/٧٨٠. انظر السير: ( يَحْيى القطّان) ١٧٥/٩-١٨٨، وانظر النزهة: ٤/٨١٥ (٨) ١٣٤ يقرأُ: ﴿ وَإِذْ يَتَحَجُونَ فِ النَّارِ﴾(١) فغُشيَ عَليه(٢). (د) المَوْتُ عندَ سَماعِه : يُقالُ: ماتَ جَماعةٌ سَمعوا قراءَةَ صالحِ المُرِّي ( وَاعِظِ البَصْرة)(٣). وقال عليٌّ بنُ محمّد المِصْري ، سَمعتُ أبا سَعيد الخَرَّاز، سَمعتُ إبراهيمَ بنَ بِشَّار يقولُ: الآيةُ التي ماتَ فيها عليُّ بنُ الفُضَيل، في الأنْعام: ﴿ وَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَاتُرَةُ﴾ (٤). مع هذا المَوْضع ماتَ وكنتُ فيمَن صلَّى عليه، رحمه الله(٥). (هـ) الشُّعورُ بالحَلاوَة حالَ قراءتِه : قال أحمدُ بنُ ثَعلبة : سَمعتُ سَلْمَ بنَ مَيْمون الخوَّاص قال : قلتُ لنفسي : يا نفسُ، اقْرَئِي القُرآنَ كأنَّك سَمعتِيه من الله حينَ تكلَّمَ به ، فجاءَت الحَلاوَة . وقد بقي سَلْمُ إلى ما بعدَ سنةً ثلاثَ عَشرَة ومئتين (٦). ٤- الصَّحابَة المُتمَيِّزونَ في القُرآنِ : قال أنسُ بنُ مالك : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، لأَبَيِّ بنِ كَعْب: ((إنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَليكَ القُرآنَ)) وفي لَفْظ: ((أمَرَني أنْ أُقْرِئَكَ القُرآنَ ». قال : الله سَمَّاني لك ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((نَعَم )) قال: وذُكِرْتُ عندَ ربِّ العَالَمين؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((نَعَم )) فذَرفَت عَيناه ولمَّا سألَ النبيُّ ، صلى الله (١) سورة غافر ( المؤمن ) ، الآية : ٤٧ . (٢) انظر السير: (عبد الله بن وَهْب) ٢٢٣/٩ -٢٣٤، وانظر النزهة: ٤/٨١٩. (٣) انظر السير: ( صالح المُرِّي) ٤٦/٨-٤٨، وانظر النزهة : ٦/٧٢٥ . (٥) انظر السير: (عليُّ بن الفُضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٧/٧٨١ . (٤) سورة الأنعام ، الآية : ٢٧ . (٦) انظر السير: (سَلْم بن مَيْمون) ١٧٩/٨ - ١٨٠، وانظر النزهة: ٨/٧٥٢. ١٣٥ عليه وسلم ، أُبَّا عن أبيّ آيةٍ في القُرآن أعْظَم، فقال أُتُّ: ﴿ اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ اَلْقَيُمْ﴾ (١) ضَربَ النبيُّ، صلى الله عليه وسلم، في صَدرِه وقال: ((لِيَهْنَكَ العِلْم أبا المُنْذِر))(٢) . وعن عبد الله بنِ عَمرو ، قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ : مِنْ ابنِ مَسْعُودٍ، وأَبَيٍّ، ومُعَاذِ بنِ جَبَل، وسالمٍ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةٍ))(٣). وعن مَسْروقٍ قالَ عبدُ الله بنُ مَسْعود : والذي لا إلَهَ غَيْرُه لقَد قَرأْتُ من فيِّ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بضْعاً وسَبعينَ سُورَةً، ولوْ أعْلَمُ أحَداً أعْلمُ بكتابِ الله مِنِّي تُبْلِغُنيه الإِبْلُ لأَنَيْتُه(٤). ٥- هِمَّةُ السَّلف في تَعلُّمِه : قال ابنُ عُمَر : تعلَّمَ عُمَرُ البقَرَةَ في اثنتي عشرَةَ سَنةً ، فلمَّا تعلَّمَها نَحرَ جَزوراً قال مُعاويَةُ: أمَّا أبو بكر فلمْ يُرِدِ الدُّنيا ولمْ تُرِدْه، وأمَّا عُمرُ فأرادَتْه الدُّنيا ولم يُرِدْها ، وأمَّا نَحْنُ فتَمرَّغْنا فيها ظَهْراً لِبَطن (٥). وقال محمّدُ بنُ عليّ الشُّلَميُّ: قُمتُ ليلةٌ سَحراً لآخُذَ النَّوْبَة على ابنِ الأخْرَم ، فوَجدتُ قد سَبقَني ثلاثونَ قارئاً ، وقال: لمْ تُدْرِكْني النَّوبَةُ إلى العَصْر . تُوفِّي ابنُ الأخْرَم في سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة وعاش إحدى وثمانين سنة(٦) (١) سورة البقرة، الآية : ٢٥٥. (٢) انظر السير: ( أَبيُّ بن كعب) ٣٨٩/١-٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٨٠. انظر السير: ( مُعاذ بن جَبل) ٤٤٣/١-٤٦١، وانظر النزهة: ٢/١٩٠. (٣) انظر السير: (عبد الله بن مسعود) ٤٦١/١-٥٠٠، وانظر النزهة: ٣/١٩٤. (٤) انظر السير: ( عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٤/٤٧. (٥) (٦) انظر السير: (ابنُ الأخْرَم) ٥٦٤/١٥-٥٦٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٥٩. ١٣٦ ٦ - القُرآنُ شغُلُ العُلَماء : قال ابنُ وَهبٍ : قيلَ لأُخْتِ مالِك: ما كانَ شُغلُ مالكٍ في بيتِهِ ؟ قالت : المُصْحَفُ، التِّلاوَةِ(١). ٧- التنبيه علىُ عَدم تَرْك القُرآنِ اشتغالاً بعُلوم أخرى: قال سلمُ بنُ قُتَيِّبَة: رُبَّما سَمعتُ شُعبةَ يقولُ لأصْحابِ الحَديثِ : يا قَوم! إنَّكم كلَّما تقدَّمتُم في الحَديثِ تأخَّرْتم في القُرآن (٢). ٨- اسْتخضارُ القُرآن : جاء في ترجمة زَيْدِ بنِ ثابت ، قال الذهبيُّ : ومن جَلالَة زَيْد أنَّ الصِّدِّيقَ اعْتمدَ عليه في كتابَة القُرآنِ العَظيم في صُحُف ، وجَمْعِه من أفْواهِ الرِّجال ، ومن الأكتاف والرِّقاع ، واحْتَفَظوا بتلك الصُّحُف مدَّة فكانت عند الصِّدِّيق ، ثم تَسلَّمَها الفارُوقُ ، ثم كانت عند أمِّ المؤمنين حَفْصَة، إلى أنْ نَدَبَ عُثمانُ زَيدَ بنَ ثابت ونَفَراً من قُريش إلى كتابة هذا المُصْحَف العُثماني الذي به الآن في الأرضِ أزْيَدُ من ألفَيْ ألفِ نُسْخَة ، ولم يَبْقَ بأيدي الأُمَّة قُرآنٌ سِواه ، ولله الحَمدُ . ماتَ زيدُ بنُ ثابت سنة خمس وأربعين ، عن ستٍّ وخَمسينَ سنةً(٣) . قال أبو عبد الله بِشْرُ القَطَّان: ما رَأيتُ أحسَنَ انْتِزاعاً لما أرادَ من آي القُرآن من أبي سَهْل بنِ زِياد ، وكان جارَنا ، وكان يُديمُ صَلاةَ اللَّيل ، والتِّلاوَة ، فلِكَثْرَةِ دَرْسِه ، صارَ القُرآنُ كأنَّ بِينَ عَيْنَه(٤) . (١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٤/٧٣٦. (٢) انظر السير: (شُعْبَة) ٧/ ٢٠٢ -٢٢٨، وانظر النزهة: ٣/٦٩٤. (٣) انظر السير: (زَيدُ بن ثابت) ٤٢٦/٢-٤٤١، وانظر النزهة: ١/٢٨٨. (٤) انظر السير: ( أبو سَهْل القطَّان) ٥٢١/١٥-٥٢٢، وانظر النزهة: ٢/١٢٥٧. ١٣٧ ٩ - جَمْعُ القُرآن : قال أنسٌ : إنَّ حُذَيفَة قَدمَ على عُثمان ، وكان يَغزُو مع أهلِ العِراق قبل أرمينية ، فاجتمع في ذلك الغَزو أهلُ الشَّام، وأهلُ العِراق ، فتَنازَعوا في القُرآن حتىُ سَمِعَ حذيفة من اخْتِلافِهم ما يكره ، فرَكبَ حتى أتَى عُثمانَ ، فقال : يا أميرَ المؤمنين أدرِكْ هذه الأمّة قبل أنْ يَختلفوا في القرآن اخْتلافَ اليَهودِ والنَّصارَى في الكُتُب ، ففَزَعَ لذلك عُثمانُ ، فأرسَل إلى حفصة أم المؤمنين : أنْ أرسِلي إليَّ بالصُّحُف التي جُمعَ فيها القُرآنُ، فأرسَلت إليه بها ، فأمرَ زَيدَ بنَ ثابت ، وسَعيدَ ابنَ العاص ، وعبدَ الله بن الزُّبَيْرِ، وعبدَ الرَّحْمَن بن الحارث بن هشام ، أنْ يَنْسَخوها في المَصاحِف ، وقال : ((إذا اختلفتُم أنتُم وزَيدٌ في عَربيّة فاكتُبوها بلسَان قُريش، فإنَّ القُرآنَ إنَّما نَزَلَ بلِسانِهم )). ففعَلوا حتى كتبت المَصاحف، ثم ردَّ عُثمان الصُّحُفَ إلى حَفْصَة ، وأرسَل إلى كلِّ جُنْد من أجْناد المُسْلمين بمصْحَف، وأمرَهم أن يَحْرِقوا كلَّ مُصْحَف يُخالفُ المُصْحَفَ الذي أرْسلَ إليهم به، فذلك زمانٌ حُرقَت فيه المَصاحِفُ بالنَّارِ(١). وقال عُبِيدُ بنُ السَّبَّق، حدَّثْني زَيدُ بنُ ثابت، أنَّ أبا بَكْر قال له : إنَّك رجلٌ شابٌ عاقِلٌ لا نَتَّهِمُك ، قد كُنتَ تَكتُبُ الوَحْيَ لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَتَبَّعِ القُرآنَ فاجْمَعْه . فقُلتُ : كَيفَ تَفْعَلُون شيئاً لمْ يَفْعَلْه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم . قال : هو والله خَيرٌ . فلمْ يَزَلْ أبو بَكْر يُراجِعُني ، حتى شَرحَ اللهُ صَدري للذي شَرَحَ له صَدرَ أبي بكر وعُمَر ، فَكُنتُ أتَتَبَّعُ القُرآنَ أَجْمَعُه من الرِّقَاعِ والأكْتاف والعُسُبِ وصُدُورِ الرِّجال(٢). قال الذهبيُّ : ومن جَلالَة زَيْد أنَّ الصِّدِّيقَ اعْتمدَ عليه في كتابَة القُرآنِ العَظيم في (١) انظر السير: (عثمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ٤/٧٩. (٢) انظر السير: (زَيدُ بن ثابت) ٤٢٦/٢-٤٤١، وانظر النزهة: ٣/٢٨٦. ١٣٨ صُحُف، وجَمْعِه من أفْواهِ الرِّجال، ومن الأكْتاف والرِّقاع، واحْتَفَظوا بتلك الصُّحُف مدَّة فكانت عند الصِّدِّيق ، ثم تَسلَّمَها الفارُوقُ، ثم كانت عند أمِّ المؤمنين حَفْصَة ، إلى أنْ نَدَبَ عُثمانُ زَيدَ بنَ ثابت ونَفَراً من قُريش إلى كتابة هذا المُصْحَفِ العُثْماني الذي به الآن في الأرضِ أزْيَدُ من ألفَيْ ألفِ نُسْخَة ، ولم يَبْقَ بأيدي الأُمَّ قُرآنٌ سِواه ، ولله الحمدُ . ماتَ زيدُ بنُ ثابت سنة خمس وأربعين ، عن ستٍّ وخَمسينَ سنةً(١). ١٠ - وُجُوبِ التَّفَقُّه لمُتَعَلِّم القُرآن : وعن الضَّحْاكِ بنِ مُزاحِم ، قال : حَقٌّ على كُلِّ مَنْ تَعلَّمَ القُرآنَ أنْ يَكونَ فَقيهاً وتَلا قَولَ الله ﴿ وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾(٢)، (٣). ١١ - عَدمُ أخْذِ الأجْر على تَعليمِه : عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي أنَّه جاءَ وفي الدَّارِ جِلالٌ وجُزُر ، فقالوا : بَعَثَ بها عَمرُو بنُ حُرَيث لأنَّك علَّمتَ ابنَه القُرآنَ . فقال: رُدَّ، إنَّا لا نَأَخُذُ على كتابِ الله أجْراً (٤) . وعن محمدِ بنِ جَعْفَر بنِ النجَّار قال: كان أحمدُ بنُ محمّد بنِ سَعيد ابنِ عُقْدَة : يؤدب ابنَ هشام الخَزَّاز ، فلمَّا حذَقَ الصَّبيُّ وتعلَّمَ وجَّهَ إليه أبوهُ بدَنانير صالحَة ، فردّها فظَنَّ ابنُ هشام أنَّها اسْتُقِلَّت فأضْعَفَها له ، فقال : ما رَدَدْتُها اسْتقلالاً ، ولكن سألَني الصَّبيُّ أنْ أُعلِّمَه القُرآنَ، فاخْتَلَطَ تَعليمُ النَّحْوِ بتَعليمِ القُرآن، ولا أسْتَحِلُّ أنْ آخُذَ منه شَيْئاً ، ولو دَفَعَ إليَّ الدُّنيا . ثم قال ابنُ النجَّار : وكان عُقدَةُ زَيْدِيّاً، وكان وَرِعاً ناسِكاً ، سُمِّ عُقُدَةَ لأجْل (١) انظر السير: (زَيدُ بن ثابت) ٤٢٦/٢-٤٤١، وانظر النزهة : ١/٢٨٨. (٢) سورة آل عمران ، الآية : ٧٩. (٣) انظر السير: (الضّخَاك بن مُزاحم) ٥٩٨/٤ - ٦٠٠، وانظر النزهة : ٦/٥٦٦. (٤) انظر السير: (أبو عبد الرحمن السُّلَمي) ٢٦٧/٤ -٢٧٢، وانظر النزهة : ٤/٤٩٥. ١٣٩ تَعقيدِه في التَّصْريف، وكان ورَّاقاً جيّد الخَطِّ ، وكان ابنُهُ أحفَظَ مَنْ كان في عَصْرنا للحَديث(١) . ١٢ - استماعُ القُرآنِ من حَسَنِ الصَّوْت: عن عائشةَ قالت : اسْتبطَأني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلَة ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( ما حَبسَك؟ )) قلتُ: إنَّ في المَسْجد لأحْسَنُ مَنْ سَمعتُ صَوتاً بالقُرآن، فأخَذَ رداءَه، وخَرِجَ يَسْمَعُه ، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال صلى الله عليه وسلم: ((الحَمْدُ للهِ الذي جَعَلَ في أُمَّتِي مِثْلَك))(٢) . وقال سَعيدُ بنُ عبد العَزيز : حذَّثني أبو يوسُف ، حاجِبُ مُعاويَة : أنَّ أبا موسَى الأشْعَرِي قَدِمَ على مُعاويَة ، فنزَلَ في بعضِ الدُّورِ بِدِمَشْق ، فخَرجَ مُعاويَةُ في اللَّيل ليَسْتِمِعَ قراءَتَهَ(٣) . وعن أنَسٍ : أنَّ أبا موسَى الأشْعَري قَرأَ ليلةً، فقُمنَ أزواجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَستمِعْنَ لقراءَتِه فلمَّا أصْبَحَ ، أُخْبِرَ بذلك فقالَ : لوْ عَلمتُ ، لحَبَّرتُ تَحْبيراً ، ولشَوَّقتُ تَشويقاً(٤) . وعن أبي سَلَمَة : كان عُمرُ إذا جلسَ عنده أبو موسى ، رُبَّما قال له ، ذكِّرْنا يا أبا موسى فيقرأ(٥) . وقال أبو عُثمان النَّهْدي : ما سَمعتُ مِزْماراً ولا طُنْبوراً ولا صنجاً أحسنَ من صَوتِ أبي موسَى الأَشْعَري، إنْ كان ليُصلِّي بنا فَنَوَدُ أنَّه قرأ البقرةَ من حُسن صَوتِهِ(٦). وعن مَسروقٍ قال : خَرَجنا مع أبي موسىُ فِي غَزَاةٍ ، فَجَنََّا الليلُ في بُستانٍ خَرِبٍ ، (١) انظر السير: (ابنُ عَقْدَة) ٣٤٠/١٥ -٣٥٥، وانظر النزهة: ٥/١٢٣٤. (٢) انظر السير: (سالم مَوْلَى أبي حُذَيفَة) ١٦٧/١ -١٧٠، وانظر النزهة: ١/١٤٣. (٣) انظر السير: ( أبو موسى الأشْعَري) ٣٨٠/٢ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/٢٧٧. انظر السير: ( أبو موسى الأشْعَري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ١/٢٨٠. (٤) (٥) انظر السير: (أبو موسى الأشْعَري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٦/٢٨٠. (٦) انظر السير: (أبو موسى الأشْعَري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٧/٢٨٠. ١٤٠