النص المفهرس
صفحات 41-60
عبد المَلك ، وعلى سالمٍ ثيابٌ غَليظة رَقَّه فلم يَزِلْ سُليمانُ يُرحِّبُ به ، ويَرفَعُه حتى أقْعَدَه معه علىْ سَريره ، وعُمرُ بنُ عبد العَزيز في المَجْلس ، فقالَ له رجلٌ من أُخْرَيات الناس : ما استطاعَ خالُك أن يَلبسَ ثياباً فاخرةً أحسنَ من هذه ، يدخلُ فيها على أمير المؤمنين ؟ قال : وعلى المُتَكَلِّم ثيابٌ سَريّة ، لها قيمة ، فقال له عُمرُ : ما رأيتُ هذه الثيابَ التي على خالي وَضَعتْه في مَكانك ، ولا رأيتُ ثيابَك هذه رَفعَتْك إلى مكان خالي ذاك(١) . وقال الذهبيُّ في تَرَجَمة أبي العَلاءِ يَزيدِ بنِ أبي مُسلم أميرِ المَغْرب : ثم وَلَيَ الخِلافَةَ سُليمانُ ، فطُلبَ أبو العَلاء في غُلِّ ، وكان قَصيراً دَميماً ، كَبِيرَ البَطْن ، مُشْوَّهاً ، فَنَظرَ إليه سُليمانُ، فقال: لَعنَ اللهُ مَنْ وَلَّكَ، قال: لا تَفْعَل يا أميرَ المومنين ، فإِنَّك رَأيْتَني والأمورُ مُدِرَة عَنِّي ، فلو رأيتَني في الإقْبال لاسْتَعظَمْتَ ما اسْتَحْقَرت . قال : قاتَلَه اللهُ ما أسَدَّ عَقلَه. ثم قال: أتَرى الحَجَّاجَ يَهْوِي بَعدُ في جَهِنَّمَ أو بَلِغَ قَعرَها ؟ قال: لا تَقُلْ ذاك، فإنَّه يُحشَر مع مَنْ وَلَه . فقال: مثلُ هذا فليُصْطَنَعِ . ثم إنَّه كَشفَ عليه فلم يَجدْه خانَ في درهم ، وهَمَّ باسْتكتابه . ثم أمَّرَه على إفريقيّة يَزِيدُ بنُ عبد المَلك ، فثارَت عليه الخَوارِجُ ففَتَكوا به لظُلمِه ، سَنةً اثنتين ومئة(٢) . وقال أحمدُ بنُ وَهب ، أخبرني عبدُ الرحمن بنُ صالح الأزْدي قال : حَجَّ الرَّشيدُ فأتى قبرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومَعه مُوسى بنُ جَعْفَر فقالَ : السَّلامُ عَليكَ يا رسولَ الله، يا ابنَ عَمِّ ، افْتِخاراً على مَنْ حَولَه فَدَنا مُوسَى وقال : السَّلامُ عَليكَ يا أَبَتِ. فَتَغْيَّرَ وَجْهُ هارُون وقالَ: هذا الفَخْرُ يا أبا الحَسَنِ حَقًّا(٣). وقال مالكُ بنُ سُليمان : كان لإبراهيمَ بنِ طَهْمان جِرايَةٌ من بيت المال فاخرة ، يأخذُ في كلِّ وَقت ، وكان يَسْخو به ، فسُئل مرَّةً في مجلس الخَليفة ، فقال : انظر السير : (سالم بن عبد الله) ٤/ ٤٥٧ -٤٦٧، وانظر النزهة: ١/٥٣٢. (١) (٢) انظر السير: ( يزيد بن أبي مسلم ) ٥٩٣/٤ - ٥٩٤، وانظر النزهة : ٦/٥٦٥. (٣) انظر السير: (موسى الكاظم) ٢٧٠/٦ - ٢٧٤، وانظر النزهة: ٣/٦٥٠. ٤١ لا أدري ، قالوا له : تَأخذُ كلَّ شَهرٍ كَذا وكذا ولا تُحْسِنُ مَسألَة ؟ فقال : إنَّما آخُذُ على ما أُحْسِنُ ، ولو أخَذتُ على ما لا أُحْسِنُ ، لفَنِيَ بَيْتُ المال عليَّ ، ولا يَفنىُ ما لا أُحْسِن . فأعْجبَ أميرَ المؤمنين جَوابُه، وأمرَ له بجائزة فاخرة ، وزاد في جرايَتِه . مات إبراهيمُ بنُ طَهْمان سنة ثلاث وستين ومئة (١) . وقال سَعيدُ بنُ مَنصُور : قَدِمَ وَكِيعٌ مَكَّة سَميناً ، فقالَ له الفُضَيلُ ابنُ عِياض : ما هذا السِّمَنُ ، وأنتَ راهِبُ العِراق؟ قالَ: هذا من فَرَحِي بالإسْلامِ، فأفْحَمَه(٢). وقال أحمدُ بنُ جَعْفَر بنِ سَلْم : سَمعتُ الأبَّارَ يقولُ : كُنتُ بالأَهْواز ، فرأيتُ رجلاً قد حَفَّ شاربَه - وأظُنُّه قال: قد اشْتَرِى كُتباً وتَعَيَّن للفُتيا - فذُكرَ له أصْحابُ الحَديث ، فقال : لَيسوا بشيءٍ ، وليسَ يَسْوون شيئاً فقلتُ: أنتَ لا تُحْسنُ تُصلِّي . قال : أنا ؟ قُلتُ : نَعم، أَيْش تَحفَظُ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا افْتَتَحتَ ورَفَعْتَ يدَيك ؟ فسَكتَ ، قلتُ: فما تَحفَظُ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا سَجدْتَ ؟ فسَكتَ ، فقُلتُ : أَلَمْ أقُلْ : إِنَّك لا تُحْسنُ تُصلِّي؟ فلا تَذكُرْ أصْحابَ الحَديث (٣). وقال أبو الوَليد حسَّانُ بنُ محدم: دَخَلَ أبو العَبَّاس السَّرَّج على أبي عَمرو الخفاف فقال له : يا أبا العَبَّاس! من أين جَمعتَ هذا المال؟ قال: بغَيْبَة دَهرٍ أنا وأخَوايَ إبراهيمُ وإِسْماعيلُ ، غابَ أخي إبراهيمُ أربَعين سَنةً ، وغابَ أخي إسْماعيلُ أربعين سَنةً، وغِبتُ أنا مُقيماً ببَغْداد أربعينَ سَنةً، أكَلْنا الجَشِبَ (٤)، ولبسْنَا الخَشِنَ، فاجْتَمعَ هذا المالُ ، لكن أنْتَ يا أبا عَمرو! من أين جَمعتَ هذا المالَ ؟ وكان لأبي عَمرو مالٌ عَظيمٌ ثم قال مُتَمَثِّلاً : (٥) . (١) انظر السير: (إبراهيم بن طَهْمان) ٣٧٨/٧ -٣٨٥، وانظر النزهة: ٢/٧٠٦. (٢) انظر السير: ( وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٥/٨١١. (٣) انظر السير: (الأبَّار) ٤٤٣/١٣-٤٤٤، وانظر النزهة: ٤/١١٠١. (٤) طَعامٌ جشبٌ ومَجشوب : أي غليظ خشن ، وقيل : هو الذي لا أدم له . (٥) انظر السير: (السَّرَّاج) ٣٨٨/١٤ -٣٩٨، وانظر النزهة: ١/١١٦٣. ٤٢ وَإِذْ نَعْلاَكَ مِنْ جِلْدِ الْبَعِيرِ أَتَذْكُرُ إِذْ لِحَافُكَ جِلْدُ شَاةٍ وَعَلَّمَكَ الجُلُوسَ عَلَى السَّرِيرِ(١) فَسُبْحَانَ الذِي أَعْطَاكَ مُلْكاً وقال أبو مَنصور الثَّعالبي في (( اليتيمة)): سَمعتُ الشيخَ أبا الطيِّب يَحْكي أنَّ الأمَويَّ صاحبَ الأنْدَلس كَتبَ إليه نِزارٌ صاحبُ مِصْرَ كتاباً سَبَّه فيه وهَجَاهُ فَكَتبَ إليه الأمَويُّ: ((أمَّا بَعدُ: فإنَّكَ عَرَفْتَنَا فَهَجَوتنا ولو عَرفْنَاكَ لأجَبْناك)» فاشْتَدَّ هذا على العَزيز بالله، وأفْحَمَه عن الجَواب، يُشيرُ أَنَّكَ دَعيٌّ لا نَعرفُ قَبِيلَتك(٢). وقِيلَ : إِنَّ طَّاغِيَةَ الرُّومِ سَألَ ابنَ الباقِلاَّنِيَّ: كَفَ جَرَى لَزَوْجَةٍ نَبِّكُمْ ؟ - يَقْصِدُ تَوْبِيخاً - فقالَ: كَمَا جَرَىُ لمَرْيَمَ بنتِ عِمْرَانَ، وبَرَّأْهُمَا اللهُ، لَكِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَأْتِ بوَلَدٍ . فأفْحَمَهُ . قالَ الخَطيبُ : سَمعتُ أبا بَكْر الخَوارِزْمِيَّ يَقولُ : كُلُّ مُصَنِّف بَبَغْدَادَ إنَّما يَنْقُلُ من كُتُبِ النَّاسِ سِوَى القاضي أبي بَكْر ، فإنَّمَا صَدْرُه يَحْوِي عِلمَه وعِلمَ النَّاسِ (٣). ٥- أجوبةٌ مُخْجِلَة : يُقالُ إنَّ الصَّاحبَ الوَزيرَ أبي القاسم إسْماعيلَ بنَ عَبَّاد قال : ثَلاثةٌ خَجَّلوني : البندهيُّ حَضرَ المَجلسَ فَقُدِّمَت فَواكِهُ ، منها مشمش فائقٌ ، فأكَلَ وأَمْعَن ، فقُلتُ : إنَّه مُلَطُّخُ المَعِدَة ، فقال: لا يُعْجِبُني الرَّئيسُ إذا تَطَيَّبَ، والفرندُّ قال : وقَد جِئتُ من دارِ السَّلْطَنَة وأنا ضَجرٌ : مِنْ أينَ أقْبَلَ مَوْلانا؟ قلتُ : مِنْ لَعْنَةِ الله، قال: رَدَّ اللهُ غُرِبَة مَوْلانا . والثالثُ : المافرُّوخيُّ أيّامَ حُسْنِهِ داعَبتُه ، فقلتُ : رَأيْتُك تَحْتي ، قال: مع ثلاثةٍ مِثْلي . مات الصَّاحبُ سَنةَ خَمسٍ وثَمانينَ وثَلاثِ مئة، عن تسع وخمسينَ سَنة (٤) . (١) البيتان مع سبعة أبيات أخَر في ((زهر الآداب)) ٢٦٣/٣، في قصة جرت لمعن بن زائدة مع أعرابي . (٢) انظر السير: ( العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥-١٧٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٥. (٣) انظر السير: ( ابن الباقلانيّ) ١٧/ ١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٥. (٤) انظر السير: (الصّاحب) ٥١١/١٦_٥١٥، وانظر النزهة: ٣/١٣١٢. ٤٣ ٦ - الانقطاع وعَدم القُدَرَة على الجَواب : قال المُبَرِّدُ : قال ثُمامَةُ : خرجتُ إلى المأمونِ ، فرأيتُ مَجنوناً شُدَّ، فقال : ما اسمُك ؟ قلتُ ثُمامَة ، فقال : المُتكَلِّمُ؟ قلتُ : نَعم ، قال: جلستَ على هذه الآجُرَّة ، ولم يأذن لك أهلُها، فقلتُ: رأيتُها مَبذُولة، قال: لعل لهم تَدبيراً غَير البَذْلِ ، متى يجدُ النَّائِمُ لذَّةَ النَّوم؟ إنْ قُلتَ: قبلَه، أحَلْتَ، لأنَّه يَقْظَانُ ، وإنْ قُلتَ : في النَّوم، أبطَلتَ ، إذْ النَّائمُ لا يَعْقل، وإنْ قُلتَ: بعدَه فقد خَرجَ عنه ، ولا يوجَدُ شيءٌ بعدَ فَقْدِهِ ، قال: فما كان عندي فيها جَوابٌ(١) . وعنه قال : عُدتُ رجلاً ، وتَركتُ حِماري على بابه ، ثم خرجتُ فإذا صَبِيٌّ راكبُه ، فقلتُ : لِمَ رَكِبْتَه بغير إذني/ قال : خفتُ أن يَذهَبَ ، قلتُ : لو ذهبَ كان أهْوَنَ عليَّ ، قال: فَهَبْهُ لي، وعُدَّ أَنَّ ذَهبَ ، واربَحْ شُكْري، فلم أدْرِ ما أقول(٢) . صِرتُ إلى أُمِّ ذي الرِّياسَتين، الفَضلُ بن سَهْل، أُعَزِّها فيه ، وقلتُ : لا تَأْسَيْ عليه ، فإنِّي عِوَضُهُ لك ، قالت : يا أميرَ المؤمنين وكيفَ لا أحْزَنُ على ولدٍ أكْسَبَني مثلَك (٣) . وأُتَيتُ بمُتَنبىءٍ ، فقلتُ : مَنْ أنتَ ؟ قال : أنا موسى بن عِمْران ، قلتُ : وَيْحَكِ!، موسى بن عِمْران كانت له آياتٌ، فائتِني بها حتى أؤمنَ بك . قال: إنَّما أَتَيْتُ بالمُعْجِزات فِرْعَونَ ، فإنْ قُلتَ: أنا رَبِّكُم الأعْلى كما قالَ، أتَيْتُكَ بالآياتِ . وأتىُ أهلُ الكوفَة يَشْكُونَ عاملَهم ، فقال خَطيبُهم : هو شَرُّ عاملٍ ، أمّا في أوّلِ سنةٍ ، فبعْنا الأثاثَ والعَقارَ، وفي الثانية بِعْنا الضِّياعَ، وفي الثالثة نَزَحْنا وأتيناكَ ، قال : كذَّبتَ ، بلْ هو مَحمودٌ، وعَرَفتُ سُخطَكم على العُمَّال. قال : صَدَقتَ يا أميرَ المؤمنين ، وكذَبتُ ، قد خَصَصْتَنا به مدّة دون باقي البلاد ، فاستعمِلْه على بلدٍ آخرَ (١) انظر السير: ( ثَمامَة بن أشرَس) ٢٠٣/١٠-٢٠٦، وانظر النزهة: ٣/٨٦٨. انظر السير: ( ثَمامَة بن أُشْرَس) ٢٠٣/١٠-٢٠٦، وانظر النزهة : ٤/٨٦٨. (٢) (٣) انظر السير: ( المأمون) ٢٧٢/١٠ - ٢٩٠، وانظر النزهة: ٥/٨٧٦. ٤٤ لِيَشْمَلَهم من عَدلِهِ وإنْصافِه ما شَمِلَنا. فقُلتُ: قُمْ في غير حِفْظِ الله، قد عَزَلْتُه(١). وقال عُبَيدُ الله بنُ يَحْيَى : حدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أسْباط ، قال: حُملَ رجلٌ مُقيّدٌ ، فأُدخِلَ على ابنِ أبي دُواد بحُضورِ الوَائِقِ ، فقالَ لأحْمدَ : أخبرني عن ما دَعَوْتُمُ النَّاسَ إليه، أَعَلِمَهُ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما دعا إليه، أمْ شيءٌ لم يَعْلَمْه ؟ قال : بَلْ عَلِمَه . قال : فكانَ يَسَعُهُ أن لا يَدعوَ النَّاسَ إليه، وأنْتُم لا يَسَعُكم ؟! ، فبُهِتُوا ، وضَحِكَ الوَاثِقُ، وقامَ قابِضاً علىُ فَمِه، ودَخلَ مَجْلساً ، ومدَّ رجْلَيه وهو يقولُ : أمرٌ وَسِعَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَسْكُتَ عنه ولا يَسَعُنا!، ثم أمرَ أن يُعْطَى الشيخُ ثلاثَ مئة دينار، وأنْ يُرَدَّ إلىْ بَلِدِه(٢). (١) انظر السير: (المأمون) ٢٧٢/١٠ - ٢٩٠، وانظر النزهة: ١/٨٧٧. (٢) انظر السير: (الواثق بالله) ٣٠٦/١٠ -٣١٤، وانظر النزهة: ٩٩٩/٨٨٠. ٤٥ ثانياً : العُلَماء ١- العُلماءُ قُدوَة لغيرهم : عن موسى بن أعين : قال الأَوْزاعيُّ : كُنَّا نَضْحَكُ ونَمْزَحُ ، فلمَّا صرْنا يُقتدى بنا خَشِيتُ أن لا يَسعَنا التَّبَشُم(١). ٢ - مَكانةُ العُلَماء كانت عاليةً عند السّلف : عن يَحْيِىُ بنِ أكثَم ، قال : قالَ لنا المَأمونُ : لَولا مَكانُ يَزِيدِ ابنِ هارون ، لِأَظْهَرتُ (القرآن مَخلوق)، فقيل: ومَنْ يَزِيد حتى يُتَّقَى !! ؟ فقال: وَيْحَك إنِّي لِأَرْتَضيه لا أَنَّ لَه سَلْطَنَةً ، ولكن أخافُ إنْ أَظْهَرتُه، فَيَردُّ عليَّ، فيَختلفُ النَّاسُ ، وتكونُ فتنة(٢) . وقال ابنُ أبي حاتم : سَمعتُ أبا زرعَة يقول: دَعا المُعْتَصمُ بعمّ أحمد ، ثم قال للنَّاس : تَعْرفونَه؟ قالوا: نعم، هو أحمدُ بنُ حَنْبَل ، قال : فانظروا إليه ، أليسَ هو صَحِيحُ البَدَن ؟ قالوا : نعم ، ولولا أنَّه فعل ذلك، لكنتُ أخافُ أنْ يَقعَ شيءٌ لا يُقامُ له ، قالوا : ولما قال: قد سَلَّمْتُه إليكم صَحيحَ البَدَن ، هدأَ الناسُ وسَكَنوا . قال الذهبيُّ : ما قال هذا مع تَمُّنِه في الخِلافَة وشَجاعَته إلاَّ عن أمرٍ كَبير كأنَّه خافَ أنْ يَموتَ من الضَّرْب، فتَخرجُ عليه العامَّة ، ولو خَرجَ عليه عامَّةُ بَغْداد لرِّبَّما عَجَزَ عنهم وبَلَغَنا أنَّ المُعْتَصِمَ نَدَمَ ، وأُسْقطَ في يده ، حتىْ صَلُح(٣) . وقال المَرُّوذيُّ: مَرِضَ أحمدُ تسعةَ أيَّام ، وكان رُبَّما أذِنَ للنَّاس فيَدخُلوا عليه أفْوَاجاً ، يُسَلِّمون ويَرُدُّ بِيَدِهِ وتَسامَعَ النَّاسُ وكَثروا . (١) انظر السير: (الأوزاعي) ١٠٧/٧- ١٣٤، وانظر النزهة: ٢/٦٨٥. (٢) انظر السير: (يزيد بن هارون) ٣٥٨/٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ٥/٨٢٩. (٣) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤٠. ٤٦ وجاءَ بنو هاشم فدَخَلوا عليه ، جَعلوا يَبكُون عليه وجاءَ قَومٌ من القُضاة وغيرهم ، فلمْ يُؤْذَن لهم ودَخَلَ عليه شَيخٌ ، فقال : اذْكُرُ وُقوفَك بين يَدَي الله ، فَشَهِقَ أبو عبد الله ، وسالت دُموعُه . فلمَّا كان قبلَ وَفاته بيوم أو يَومَين ، قال: ادْعُوا لي الصِّبْيَان بلِسان ثَقيل قال : فجعلوا يَنْضِمُون إليه يَشُقُّهم ويَمسَحُ رُؤوسَهم وعَينُهُ تَدمَع، وأدخَلتُ تَحتَه الطَّسْتَ ، فَرَأيتُ بَولَه دَماً عَبيطاً فقُلتُ للطّبيب ، فقال: هذا رجلٌ فَتَّتَ الحُزنُ والغَمُّ جَوفَه . واشْتدَّت عِلَّتُه يومَ الخَميس ووَضَّأْتُه ، فقال: خَلِّل الأصابعَ ، فلمَّا كانت ليلةُ الجُمعة ، ثَقُلَ ، وقُبضَ صَدرَ النَّهار، فصاحَ النَّاسُ ، وعَلت الأصْواتُ بالبُكاء حتى كأنَّ الدُّنيا قد ارْتَجَّت، وامْتَلأت السِّكَكُ والشَّوَارِع(١). وقال الحاكمُ : كان أبو محمَّد المغفّلي إمامَ أهلِ خُراسان بلا مُدافَعة ، وقد حَجّ بِالنَّاسِ وخَطبَ بمكة، وقُدِّمَ إليه المَقامُ وهو قاعدٌ في جَوْفِ الكَعْبَة ولقد سمعتُهم بمَكةَ يَذكرونَ أنَّ هذه الوِلايَة لم تكنْ قَطُّ لِغَيرِهِ، ومن عَظْمَته أنْ كان فَوقَ الوُزَراء ، وأنَّهم كانوا يَصدرُون عن رأيه وجاوَرَ مرَّة بمَكة ، وكُنتُ بُيُخارَى أسْتَملي له ، فذكر أنَّه حصل وَجْدٌ وشيءٌ من غَشي بسَبب إمْلاء حكايةٍ وأبيات(٢). ٣- المحافظة على العلماء وعَدم الطَّعْن فيهم : عن يَحْيَى بِنِ مَعين قال: إذا رَأيتَ إنْساناً يَقعُ في عِكْرِمَة ، وفي حمَّاد بنِ سَلمَة فاتَّهِمْهُ على الإسْلامِ . قال الذهبي : هذا مَحْمولٌ على الوُقوع فيهما بهَوىّ وحَيْف في وَزْنهما ، أمَّا مَنْ نَقَلَ ما قِيلَ في جَرْحِهما وتَعْديلهما على الإنْصاف ، فقد أصاب(٣) . وقال عليُّ بنُ المَديني : حَمَّادُ بنُ سَلمَة هو عندي حُجَّة في رجال ، ومَنْ تَكلَّم في حمَّاد فاتَّهِمُوه في الدِّين . (١) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤٩. (٢) انظر السير: (المغفلي) ١٨١/١٦-١٨٤، وانظر النزهة: ٤/١٨٢١. (٣) انظر السير: (عِكرمة) ١٢/٥-٣٦، وانظر النزهة: ١/٥٧٧. ٤٧ قال شِهابُ بنُ مُعمَّر البَلْخي : كان حمَّادُ بنُ سَلمَة يُعَدُّ من الأبدال . قال الذهبيُّ : كان مع إمامَته في الحَديث إماماً كبيراً في العَربيّة ، فَقيهاً فَصيحاً ، رَأساً في السُّنة ، صاحبَ تَصانيف . قال عبدُ الرحمن بنُ مَهْدي : لو قِيلَ لحمَّادِ بنِ سَلمَة : إنَّكَ تَموتُ غَداً ، ما قَدرَ أنْ يزيدَ في العَمل شيئاً . قال الذهبي : كانت أوْقاتُهُ مَعمورَةً بالتَّعْبُّد والأوراد (١). ورَوى أحمدُ بنُ زُهَير ، عن يَحْيَىِ بنِ مَعين قال : إذا رَأيتَ إنْساناً يَقعُ في عِكْرِمَة ، وفي حمَّد بنِ سَلمَة فاتَّهِمْهُ على الإسْلام(٢). ٤ - سُنَّة الله أنَّ الكلامَ في العَالِمِ بهَوىّ رافِعٌ له ومُعلِ لقَدْره : قال الذهبيُّ في تَرجمة الإمام الشافعيِّ: وما تَكلَّم فيه إلاَّ حاسِدٌ أو جاهِلٌ بحالِه ، فكان ذلك الكَلامُ الباطِلُ منهم مُوجباً لارتفاع شأنِهِ ، وعُلُوِّ قَدرِه ، تلكَ سُنَّةُ اللهِ في عِبادِهِ ﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ؟ ٦٩ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدٌ﴾(٣)، (٤). ٥- كلُّ عالم لا يُفِلِتُ من الخَطأ : قال عيسَىُ بنُ يُونُس: مَنْ يُفْلِتُ من الخَطَأ؟ رُبَّما رَأيت شريكاً يُخطىءُ، ويُصَحِّفُ حتى أستحيي(٥) . وعن عاصمٍ ، قال الكِسائيُّ: صَلَّيْتُ بالرَّشيدِ ، فأخْطأتُ في آيةٍ ما أخطأَ فيها صَبِيٌّ، قلتُ: ((لَعَلَّهُمْ يَرْجِعِين))، فو الله ما اجْتَرأَ الرَّشيدُ أنْ يَقولَ: أخطأتَ لكن (١) انظر السير: (حمَّاد بن سَلمَة) ٤٤٤/٧-٤٥٦، وانظر النزهة: ٣/٧١٤. (٢) انظر السير: ( حمَّاد بن سَلمَة) ٧/ ٤٤٤-٤٥٦، وانظر النزهة : ٢/٧١٥. (٣) سورة الأحزاب ، الآيتين ٦٩، ٧٠ . (٤) انظر السير: (الإمام الشافعي) ٥/١٠- ٩٩، وانظر النزهة: ٦/٨٤٩. (٥) انظر السير: (شَريك) ٢٠٠/٨-٢١٦، وانظر النزهة: ١/٧٤٥. ٤٨ قالَ : أيُّ لُغَةٍ هذه؟ قُلتُ: يا أميرَ المؤمنين، قد يَعْثُرُ الجَوادُ قال: أمَا هذا، فَنَعَم (١) . وعن خَلَفِ بنِ هِشام: أنَّ الكِسائيَّ قرأ على المِنْبَر : (أنا أكثرَ منك مالاً) بالنَّصْبِ ، فسألوهُ عن العِلَّة ، فتُرتُ في وُجوهِهم ، فمَحَوْهُ ، فقال لي : يا خَلفُ ، مَنْ يَسْلمُ من اللَّحْن ؟(٢) وقال يَحْيِىُ بنُ مَعين: لستُ أَعْجبُ ممَّن يُحدِّث فيُخطىء، بل ممَّن يُصيب(٣). ٦- الحَثُّ على أخذ العِلْم من أهله : عن أيُّوبَ ، قالَ محمّدُ بنُ سِيرين : إنَّ هذا العِلمَ دينٌ فانْظُرُوا عَمَّن تَأْخُذونَ دينكم (٤) . ٧- أربعَةُ أصْناف لا يُؤْخَذ عنهم العلم : عن مالك، قال: لا يُؤْخَذُ العلمُ عن أرْبَعة: سَفيهِ يُعلِنُ السَّفَهَ، وإنْ كان أرْوَى النَّاسِ، وصاحبٍ بِدْعَةٍ يَدعُو إلى هَواه ، ومَنْ يَكذبُ في حَديثِ النَّاس ، وإنْ كُنتُ لا أتَّهِمُه في الحَديث ، وصالحِ عابدٍ فاضِلٍ إذا كان لا يَحفظُ ما يُحدِّثُ به(٥) . ٨- عُلَماءُ السوء : عن هَرِمٍ بِنِ حَيَّان، قال : إيّاكم والعَالمِ الفاسِقِ فبَلغَ عُمر، فكتب إليه وأشْفقَ منها : ما العالمُ الفاسِقِ ؟ فَكَتبَ إليه: ما أرَدْتُ إلَّ الخَيرَ ، يكونُ إمامٌ يَتكلَّمُ بالعِلمِ ويَعملُ بالفِسْقِ، ويُشبِّه على النَّاسِ ، فَيَضِلُّوا (٦). (١) انظر السير: (الكسائي) ٩/ ١٣١ -١٣٤، وانظر النزهة: ٣/٨٠٧. (٢) انظر السير: ( الكسائي) ٩/ ١٣١- ١٣٤، وانظر النزهة: ٨٠٧ /٤ (٣) انظر السير: ( يَحيى بن معين) ١١/ ٧١ -٩٦، وانظر النزهة : ٤/٩١٣. انظر السير: ( محمد بن سيرين ) ٤ / ٦٠٦ - ٦٢٢، وانظر النزهة : ٥/٥٦٨ . (٤) انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٥/٧٢٨ . (٥) (٦) انظر السير: ( هَرم بن حيّان) ٤٨/٤ - ٥٠، وانظر النزهة: ٥/٤٤٠. ٤٩ وقال الذهبيُّ : وقَومٌ طَلَبوه - يَعني العِلمَ - بنيّةٍ فاسِدَة لأجْلِ الدُّنيا وليُتْنَى عَليهم فَلَهُم ما نَوَوْا، قال عليه السلام: (( مَنْ غَزَا يَنْوِي عِقالاً فَلَهُ مَا نَوَى))(١) وتَرى هذا الضربَ لَم يَستَضيؤُوا بنُورِ العِلم ولا لهم وَقْعٌ في النُّفُوس ، ولا لعِلْمِهِم كَبِيرُ نَتَيجة من العَمَل، وإنَّما العَالمُ مَنْ يَخشى اللهَ تَعالَى(٢). وقَومٌ نالوا العِلمَ ووَلُوا به المَناصِب، فظَلموا، وتَرَكوا التَّقَيِّدَ بالعِلم ، ورَكَبُوا الكبائرَ والفَواحِشَ ، فتَباً لهم ، فما هؤلاء بعُلماء(٣). وبَعضُهم لمْ يَتَّقِ اللهَ في عِلمِه ، بل رَكبَ الحِيلَ ، وأقْتَى بالرُّخَص ورَوَى الشَّاذَّ من الأخبار ، وبَعضُهم اجْتَرأ على الله ووَضعَ الأحَاديثَ، فَهَتَكَه اللهُ، وذَهبَ عِلمُه ، وصارَ زادَه إلى النَّار وهَؤلاء الأقسام كلُّهم رَوَوا من العلمِ شيئاً كبيراً وتَضلَّعوا منه في الجُملَة فخَلفَ مِنْ بَعدهم خَلفٌ بانَ نَقْصُهم في العِلمِ والعَملِ وتَلاهُم قَومٌ انْتُمَوا إلى العِلمِ في الظاهِر، ولمْ يُثْقِنوا منه سِوَىْ نَزْرٍ يَسير ، أوْهموا به أنَّهم عُلمَاء فُضَلاء ولمْ يَدُر في أذْهانِهِم قَطُّ أنَّهم يَتَقرَّبون به إلى الله، لأنَّهم ما رَأوا شَيخاً يُقْتَدَى به في العِلمِ ، فصاروا هَمَجاً رِعَاعاً ، غايَةُ المُدرِّس منهم أنْ يُحصِّلَ كُتباً مُثمَّنة يُخزِّنُها ويَنظُرُ فيها يوماً ما ، فيُصحَّفُ ما يُورِدُه ولا يُقرِّرُه، فنسألُ اللهَ النَّجاةَ والعَفوَ ، كما قالَ بَعضُهم : ما أنا عالمٌ ولا رَأيتُ عالماً . قال مُعاذُ بنُ هشام الدَّسْتُوائي: مَكثَ أبي - يَعني عاشَ - ثَمانياً وسَبعين سَنةً . قال الإمامُ الذهبيُّ : فهذا يَدُّ على أنَّه أسَنُّ من أبي حَنيفة وشُعْبَة، وأنَّه وُلدَ في حَياةِ جابرِ بنِ عبد الله وطائفةٍ من الصَّحابَة . قال الذهبيُّ: حَديثُه في الدَّوَاوينِ كلِّها إلاَّ((المُوَطَّأ))(٤). (١) أخرجه أحمدُ: ٣١٥/٥، والدَّارميُّ: ٢٠٨/٣، والنَّسائيُّ: ٢٤/٦، من حديث عُبادة بن الصامت، مَرفوعاً، بلفظ: (( مَنْ غَزَا في سَبيلِ اللهِ ، ولَمْ يَنْوِ إلَّ عِقَالاً، فَلَهُ مَا نَوَى )) ، وفي مسند يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، لم يوثقه غيرُ ابن حبّان ، وباقي رجاله ثقات. (٢) انظر السير: (هشام الدَّسْتوائي) ١٤٩/٧ -١٥٦، وانظر النزهة: ٧/٦٨٧. (٣) انظر السير: (هشام الدَّسْتوائي) ٧/ ١٤٩ -١٥٦، وانظر النزهة: ١/٦٨٨. (٤) انظر السير: (هشام الدَّسْتوائي) ١٤٩/٧ -١٥٦، وانظر النزهة: ٢/٦٨٨. ٥٠ ٩ - وجُوب الحِفاظ على العِلْم من الجُهَلاء : قال الشافعيُّ : كان شُعْبةُ يَجيءُ إلى الرَّجلِ - يَعني الذي لَيسَ أهْلاً للحَديث - فيقولُ: لا تُحدِّثْ ، وإلاَّ اسْتَعديتُ عليكَ الشُّلطانَ(١). ١٠ - عُلَماءُ الصَّحابة : عن مسروقٍ قالَ : شَامَمْتُ أصحابَ محمَّد صلى الله عليه وسلم ، فوَجدتُ عِلمَهم انتَهى إلى سِتَّة: عليٍّ، وعُمرَ، وعبدِ الله، وزَيدٍ ، وأبي الدَّرْداء، وأُتَّ ثم شَامَمْتُ السَِّّةَ فوَجدتُ عِلمَهم انتَهى إلى عليٍّ وعبدِ الله(٢). وعن أبي موسى قال : ما أشْكَلَ عَلينا أصْحابَ محمَّد صلى الله عليه وسلم حَديثٌ قَطّ، فسَألنا عائشةَ ، إلاَّ وَجدْنا عندها منهُ علماً(٣). وعن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، قال : قُلنا له : هل كانت عائشةُ تُحْسِنُ الفَرائِضَ ؟ قال : والله، لَقد رَأيتُ أصْحابَ محمَّد صلى الله عليه وسلم الأكابر يَسألونَها عن الفَرائِض (٤) . وعن هشام ، عن أبيه ، قال : لقد صَحِبتُ عائشةَ ، فما رأيتُ أحَداً قَطُّ كان أعلَم بآيةٍ أُنزِلَت، ولا بفَرِيضَةٍ ، ولا بسُنَّةٍ ، ولا بشِعْرٍ ، ولا أَرْوَى له ، ولا بيَومٍ من أيّام العَرب ، ولا بنَسَبٍ ، ولا بكذا ، ولا بقَضاءِ ، ولا طِبٍّ ، منها فقُلتُ لها: يَا خالَة ، الطِّبُّ ، من أين عَلِمْتِهِ ؟ فقالت : كُنتُ أمْرَضُ فيُنْعَتُ لي الشيءُ ، ويَمْرِضُ المَرِيضُ فَيُبْعَتُ له، وأسْمَعُ النَّاسَ يَنْعَتُ بَعضُهم لبَعضٍ، فأَحْفَظُه(٥) . وقال الزُّهْرِيُّ : لوْ جُمعَ عِلمُ عائشَةَ إلى عِلْمٍ جَميعِ النِّساءِ ، لكانَ عِلْمُ عائشَةَ أَفْضَل(٦). (١) انظر السير: (شعبة) ٢٠٢/٧-٢٢٨، وانظر النزهة: ٨/٦٩٣. ٩ (٢) انظر السير: ( عبد الله بن مَسْعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٢/١٩٧. انظر السير: ( عائشة أمّ المؤمنين) ١٣٥/٢-٢٠١، وانظر النزهة : ٢/٢٤٢. (٣) انظر السير: ( عائشة أمّ المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ٥/٢٤٢. (٤) انظر السير: ( عائشة أمّ المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ١/٢٤٣. (٥) (٦) انظر السير: (عائشة أمّ المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ٣/٢٤٣. ٥١ وعن يَزيدِ بنِ مُعاويَةٍ ، قال : إنَّ أبا الدَّرْداء من العُلمَاءِ الفُقَهاء ، الذين يَشْفُون من الدَّاء عن سالمٍ بنِ أبي الجَعْد ، قال أبو الدَّرْداء: ما لي أرَى عُلماءَكم يَذْهَبون ، وجُهَّالَكم لا يَتعلَّمون! تَعلَّموا، فإنَّ العَالِمَ والمُتَعلِّمَ شَريكان في الأجْرِ (١). ١١ - ذِكر لأعظَم عُلماء الإسْلام في عُلوم متعددة : عن خُصَيفٍ، قال : كان أعلَمُهم بالقُرآن مُجاهد، وأعلَمُهم بالحَجِّ عَطاء ، وأعلَمُهم بالحَلال والحَرام طاؤُوس، وأعلَمُهم بالطَّلاق سَعيد ابن المسَيِّب ، وأجمَعُهم لهذه العُلوم سَعيدُ بنُ جُبِير(٢) . وقال الذهبيُّ في تَعقيب له: الكتابةُ مُسَلَّمَةٌ لابن البوَّاب، كما أنَّ أقْرَأ الأُمّة أُتَُّّ بنُ كَعب، وأقْضَاهم عَلَيٌّ، وأفْرَضَهم زَيْدٌ، وأعلَمَهم بالتَّويل ابنُ عبّاس ، وأمينَهم أبو عُبَيْدَة ، وعابرَهم محمدُ بنُ سيرين ، وأصْدَقَهم لَهْجَةً أبو ذَر ، وفَقيةَ الأُمَّة مالكٌ ، ومُحَدثَهم أحمدُ بنُ حَنْبَل ، ولُغَوِيَّهم أبو عُبَيْد وشاعِرَهم أبو تَمَّام ، وعابدَهم الفُضَيلُ، وحافِظَهم سُفْيَانُ الثَّوري، وأخْبارِيَّهم الوَاقِدِيُّ، وزَاهِدَهم مَعْروفٌ الكَرْخِي ، ونَحَويَّهم سِيبَوَيْه ، وعَرُوضِيَّهم الخَليلُ وخَطيبَهم ابنُ نباتة ، ومُنْشِتَهم القاضي الفاضل ، وفارِسَهم خالدُ بنُ الوَليد، رَحِمَهم الله(٣). ١٢ - ذِكر عدَّة طَبقات من العُلماء : قال الذهبيُّ في تَرجَمة عبدِ الله بن لَهِيعَة : لا رَيبَ أنَّ ابنَ لَهيعَة كان عالمَ الدِّیارِ المِصْريّة، هو واللَّيث مَعاً ، كما كان الإمامُ مالك في ذلك العَصر عالمَ المَدينَة ، والأَوزاعيُّ عالمَ الشَّام، ومَعْمَرٌ عالمَ اليَمن ، وشُعْبَةُ والثَّوْرِيُّ عالما العراق ، وإبراهيمُ بنُ طَهْمان عالمَ خُراسان ، ولكنَّ ابنَ لَهِيعَة تَهاوَن بالإتْقان ، ورَوى مناكير ، فانْحَطَّ عن رُتبَة الاحتجاجِ به عندهم(٤) . (١) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة: ٤/٢٧١. (٢) انظر السير: (سعيد بن جُبَير) ٣٢١/٤-٣٤٣، وانظر النزهة: ١/٥٠٨. (٣) انظر السير: (عليُّ بن هلال بن البوّاب) ٣١٥/١٧_٣٢٠، وانظر النزهة: ٣/١٣٤٣. (٤) انظر السير: (عبد الله بن لَهيعَة) ١١/٨ -٣١، وانظر النزهة: ٢/٧٢١. ٥٢ وقال محمدُ بنُ غَيلان : سَمعتُ أبا أسامة يقولُ : كان عُمرُ في زَمانِهِ رَأْسَ النَّاسِ ، وهو جامعٌ ، وكان بعدَه ابنُ عبّاس في زَمانه، وبعدَه الشَّعبيُّ في زمانه، وكان بعدَه سُفيانُ الثَّورِيُّ، ثم كان بعد الثَّورِيِّ يَحْبَى ابنُ آدَم (١). وقال الذهبيُّ مُعَقِّباً: قد كان يَحْيِىُ بنُ آدَمَ من كبار أئمّة الاجتهاد ، وقد كان عُمرُ كما قالَ في زمانه ، ثم كان عَلَيٍّ وابنُ مَسْعود ، ومُعاذٌ ، وأبو الدَّرْداء ، ثم كان بعدَهم في زَمانه زَيدُ بنُ ثابت ، وعائشةُ ، وأبو موسى ، وأبو هُرَيرة ، ثم كان ابنُ عبَّاس ، وابنُ عُمر ثم عَلْقَمة، ومَسْروق ، وأبو إذْريس ، وابنُ المُسيِّب(٢) . ثم عُرْوَةُ، والشَّعْبيُّ، والحَسَنُ ، وإبراهيمُ النَّخْعي ، ومُجاهِد ، وطاؤُوس ، وعِدَّةٌ ، ثم الزُّهْرِيُّ، وعُمرُ بنُ عبد العَزيز، وقَتَادَةُ، وأَتُوبُ ، ثم الأعْمَشُ ، وابنُ عَونٍ ، وابنُ جُرَيج، وعُبَيدُ الله بنُ عُمر، ثم الأوزاعيُّ، وسُفيانُ الثَّورِيُّ، مَعْمَرٌ ، وأبو حَنِيفَة ، وشُعْبةُ، ثم مالكٌ، واللَّيثُ، وحَمَّادُ بنُ زَيد، وابنُ عُبَيْنَة ، ثم ابنُ المُبارَك، ويَحْتَى القَطَّان، ووَكيعٌ ، وعبدُ الرَّحمَن، وابنُ وَهْب ، ثم يَحْيَى بنُ آدَم ، وعَقَّانٌ ، والشَّافعيُّ، وطائفةٌ، ثم أحمدُ ، وإِسْحاقُ، وأبو عُبَيد ، وعليُّ ابنُ المَديني ، وابنُ مَعين ، ثم أبو محمَّد الدَّارميُّ ، ومحمدُ بن إسْماعيلُ البُخاريّ ، وَآخَرون من أئمّة العلمِ والاجتهاد . واتَّفَقَ مَوتُه - يَعني يَحْيَى بنَ آدَم - غريباً في سَنة ثلاث ومئتين(٣). ١٣ - صفاتُ مَجالس العُلماء : قال السَّرَّاجُ: حَدَّثنا قُتَنْيَةُ: كنَّا إذا دَخلنا على مالك، خَرجَ إلينا مُزْيَّنَا مُكحلاً مُطيّباً قد لَبَسَ من أحْسَن ثيابِهِ ، وتَصدَّرَ الحَلقَة، ودَعا بالمَراوح ، فأعْطَى لكلٍّ منَّاً مَرَوَحةٌ (٤) . (١) انظر السير: (يَحيى بن آدَم) ٥٢٢/٩-٥٢٩، وانظر النزهة: ٣/٨٣٧. انظر السير: ( يَحيى بن آدَم) ٥٢٢/٩-٥٢٩، وانظر النزهة: ٤/٨٣٧. (٢) (٣) انظر السير: (يَحيى بن آدَم) ٥٢٢/٩-٥٢٩، وانظر النزهة: ١/٨٣٨. (٤) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٢٨. ٥٣ وكان اللَّيثُ بنُ سَعد له كلَّ يوم أربَعَةُ مَجالس يَجلسُ فيها : أمَّا أوَّلُها ، فيَجلسُ النائبَة السُّلطان في نوائبه وحَوائجِه ،َ وكان اللَّيْثُ يَغشاهُ السُّلطانُ، فإذا أنْكَرَ من القاضي أمْراً أو من السُّلطان ، كتبَ إلى أميرِ المؤمنين ، فيأتيه العَزلُ ، ويَجلسُ لأصحابِ الحَديثِ ، وكان يقولُ: نَجِّحُوا أصْحابَ الحَوانيت(١)، فإنَّ قُلوبَهم مُعَلَّقَةٌ بأسْواقِهِم ، ويَجلسُ للمَسائل، يَغشاهُ النَّاسُ ، فَيَسألُونَه ، ويَجلسُ لحَوائج النَّاس، لا يَسألُهُ أحَدٌ فيَردُّه، كَبْرَت حاجَتُه أو صَغُرَت وكان يُطِعِمُ النَّاسَ في الشِّتَاءِ الهَرائسَ بعَسَل النَّحْلِ وسَمْنِ البَقَر ، وفي الصَّيْفِ سَويقَ اللَّوْزِ فِي السُّكَّرَ(٢) . وقال الحُسَينُ بنُ محمّد بنِ عُفَير : حدَّثنا أحمدُ بنُ سِنان قال : كان عبدُ الرحمَن بنُ مَهْدي لا يُتَحدَّثُ في مَجلسِه ، ولا يقومُ أحدٌ ، ولا يُبْرَى فيه قَلم ، ولا يَبتسِمُ أحدٌ، وكان وَكيعٌ يَكُونونَ في مَجلسِه كأنَّهم في صَلاة فإنْ أنْكَرَ من أمرِهم شَيْئاً انْتُعلَ ودَخلَ ، وكان ابنُ نُمَير يَغْضَبُ ويَصيحُ وإِنْ رَأىْ مَنْ يَبْرِي قَلماً ، تَغْيَّر وَجهُه غَضباً(٣) . وكان ابنُ الشَّجريّ فَصيحاً حُلوَ الكَلامِ ، وَقُوراً ذا سَمتٍ ، لا يَكادُ يَتكلَّم في مَجلسِه بكلمةٍ إلاَّ وتَتَضمَّنُ أدَبَ نَفَسٍ أو أدَبَ دَرسٍ ، ولقد اخْتَصمَ إليه عَلويان فقال أحدُهما : قال لي : كَذا وكذا قال : يا بُيَّ احْتِمِلْ، فإنَّ الاحْتمالَ قَبرُ المَعايب .. تُوقِّي سَنةَ اثنتين وأربعين وخمس مئة ، ودُفِنَ بدارِهِ(٤) . وكان الإمامُ عبدُ الغَنِي المَقْدسيّ رَحمَهُ الله يَقرأُ الحَديثَ يوم الجُمعَة بجامع دِمَشْق وليلةَ الخَميس ، ويَجتمعُ خَلقٌ ، وكانَ يَقرأُ ويُبْكِي النَّاسَ كَثِيراً حتى إنَّ مَنْ حَضَرَه مرَّةً لا يَكادُ يَترُكُه، وكان إذا فَرَغَ دَعا دُعاءً كَثِيراً . قال الضِّياءُ : سَمعتُ شَيخَنا ابنَ نجا الواعِظَ بالقَرافَة يقولُ على المِنْبَر : قد جاء (١) أي ابدؤوا بهم . (٢) انظر السير: (اللَّث بن سعد) ١٣٦/٨ -١٦٣، وانظر النزهة: ٦/٧٣٩. (٣) انظر السير: (وكيع) ١٤٠/٩-١٦٨، وانظر النزهة: ٦/٨١٠. (٤) انظر السير: (ابنُ الشَّجريّ) ١٩٤/٢٠ -١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٠. ٥٤ الإمامُ الحافظُ ، وهو يُريدُ أنْ يَقرأَ الحَديثَ فأشْتَهي أنْ تَحضُروا مَجلسَه ثلاثَ مرّات ، وبعدَها أنتم تعرفونَه وتَحصُلُ لكم الرَّغبَة ، فجلسَ أوَّلَ يومٍ ، وحَضرتُ ، فقرأ أحاديثَ بأسانيدِها حِفْظاً، وقرأَ جُزءاً ففَرحَ النَّاسُ به، فسَمعتُ ابنَ نجا يقولُ : حَصلَ الذي كُنتُ أُريدُه في أوَّلِ مَجلس . وسَمعتُ بَعضَ مَنْ حَضرَ يقولُ : بَكى النَّاسُ حتى غُشيَ علىُ بَعضِهم وكان يجلسُ بِمِصْرَ بأماكِن. سَمعتُ مَحمودَ بن هَمَّام الأنصاريَّ يقولُ : سَمعتُ الفَقيهَ نَجمَ ابنَ عبد الوَهَّاب الحَنْبليَّ يقولُ وقد حَضرَ مجلسَ الحافظ: يا تَقيَّ الدِّين والله لقد حَملتَ الإِسْلامَ ، ولو أمْكَنني ما فارَقتُ مَجلسَك(١) . ١٤ - الحَثُّ علىْ لُزوم العالم مدَّة طَويلة من غير مَلَل : قال القَعْنَيُّ : سمعتُ مَالكاً يقولُ: كان الرَّجلُ يَختلفُ إلى الرَّجلِ ثَلاثينَ سَنةً يَتعلَّمُ منه(٢) . وقال أحمدُ بنُ حَنبل : قال غُنْدَر: لَزَمْتُ شُعبَةَ عشرينَ سَنةٌ(٣) . وقال أحمدُ بنُ أخي ابنٍ وَهْب : حدَّثنا عَمِّي قالَ : خَرجتُ أنا وابنُ القاسم بضعَ عَشرةَ سنةً إلى مالك فسَنةً أسْألُ أنا مَالكاً ، وسَنةً يسْألُه ابنُ القاسم (٤) . وقال أحمدُ بنُ سِنان القَطَّان : سَمعتُ مَهدي بنَ حَسَّان يقولُ : كان عبدُ الرحمن يكونُ عند سُفيانَ عشرةَ أيَّامٍ وخَمسةَ عَشرَ يوماً باللَّيلِ والنَّهار، فإذا جاءَنا ساعةً ، جاء رسُول سُفيان في أَثَرِهِ يَطلُبُه، فيدَعُنا ويَذهبُ إليه(٥) . (١) انظر السير: (عبدُ الغَنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٦٤٤. (٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٦. (٣) انظر السير: (غُنْدَر) ٩٨/٩-١٠٢، وانظر النزهة: ٢/٨٠٢. انظر السير: (عبد الرحمن بن القاسم) ٩/ ١٢٠ -١٢٥، وانظر النزهة: ٦/٨٠٥. (٤) (٥) انظر السير: (عبد الرحمن بن مهدي) ٩/ ١٩٢-٢٠٩، وانظر النزهة: ٦/٨١٧. ٥٥ ١٥ - الحَثُّ علىُ مُجالسة أكثر من عالم حتى يُعرَف الخَطأ من الصَّواب : قال الخَليلُ بنُ أحمدَ الفَراهيدي : لا يَعرفُ الرجلُ خَطأَ مُعلِّمِه، حتى يُجالسَ غَيْرَه(١) . ١٦ - مساعَدةُ العَامَّةِ العُلماءَ في الثَّبَات على الحَقِّ : قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة أحمدَ بنِ حَنبلَ : إنَّ المَأمونَ نَظْرَ في الكَلامِ ، وناظَرَ ، وبَقِيَ مُتوقُّفاً في الدُّعاء إلىْ بِدْعَته(٢). وقال الإمامُ أحمدُ وهو في سِجْنِهِ : لَستُ أُبالي بالحَبْس ، وما هو ومَنْزلي إلاَّ واحدٌ، ولا قَتَلاً بالسَّيفِ إنَّما أخافُ فِتْنَةَ السَّوْط فسَمعَه بعضُ أهل الحَبْس ، فقال : لا عَليك يا أبا عبد الله، فما هما إلاَّ سَوْطان ، ثم لا تَدري أين يَقعُ الباقي ، فكأنَه سُرِّيَ عنه(٣) . قال أبو عبد الله : ما رأيتُ أحداً على حَدَاثَة سِنِّه ، وقدْرِ عِلْمِه أقوَمَ بأمر الله من محمّدٍ بنِ نُوحٍ ، إنِّي لأرجو أن يكون قَدْ خُتمَ له بخَير ، قال لي ذاتَ يومٍ : يا أبا عبد الله، اللهَ الله، إنَّكَ لَستَ مثلي أنتَ رجلٌ يُقْتَدَى بك قد مَدَّ الخَلقُ أعْناقَهم إليك ، لِمَا يكون منك، فاتَّقِ اللهَ واثْبُتْ لأمر الله، أو نَحْو هذا فماتَ، وصَلَّيْتُ عليه ودَفَنْتُه . قال صالحٌ : وصارَ أبي إلىْ بَغْدَادَ مُقيَّداً، ثم حُبسَ في دارِ اكثريت عند دار عُمارة، ثم حُوِّلَ إلى حَبْسِ العامّة في درب المَوْصِليَّة فقال : وذلك بعد مَوْت المَأمونِ بأربعةَ عَشر شَهراً ، حُوِّلتُ إلى دار إسْحاقَ ابنِ إبراهيمَ - يَعْني : نائبَ بغداد . فلمَّا كان في اللَّيلة الرابعة، وَجَّهَ - يَعْني المُعْتَصم - بِيُغا الكَبير إلى إِسْحَاقَ ، فأمرهُ بحَملي إليه ، فأَدْخلتُ على إسْحاقَ ، فقال: يا أحمدُ إِنَّها والله نَفْسُك، إنَّه لا يَقتُلُك (١) انظر السير: (الخَليل بن أحمد) ٤٢٩/٧ -٤٣١، وانظر النزهة: ٣/٧١٣. (٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣٣. (٣) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٣٤. ٥٦ بالسَّيفِ ، إنَّه قد آلَى ، إنْ لَمْ تُجِبْهُ ، أن يَضرِبَكَ ضَرباً بعد ضَرب وأنْ يَقْتُلَكَ في مَوضع لا يُرى فيه شمسٌ ولا قمرٌ أليسَ قد قال اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا﴾(١) أفَيكونُ مَجْعولاً إلاَّ مَخْلوقاً؟ فقلتُ: فقد قال اللهُ تَعالَى: ﴿َعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾(٢)، أفخَلَقَهم ؟ قال : فسكتَ ، فلمَّا صِرْنا إلى المَوْضع المَعروف بباب البُسْتان أُخرجتُ ، وجيءَ بدابةٍ فأُركبتُ وعليَّ الأَقْيادُ ، ما مَعي مَن يُمْسِكُني ، فكِدتُ غيرَ مرَّة أن أخِرَّ على وَجْهِي لِثقلِ القيود فجيءَ بي إلى دار المُعْتَصم ، فَأُدخلتُ حُجْرةً ، ثم أُدخلتُ بَيْتاً ، وأُقِفِلَ البابُ عليَّ في جَوفِ اللَّيل ، ولا سِراج، فأردْتُ الوُضوءَ ، فمَدَدتُ يَدي ، فإذا بإناءٍ فيه ماءٌ ، وطسْتٌ مَوضوعٌ ، فَتَوَضأتُ وصَلَّيتُ . فلمَّا كان من الغَد ، أَخرجتُ تَكَّتِي ، وشَدَدتُ بها الأقْيادَ أحْملُها وعطفتُ سَراويلي فجاء رسُولُ المُعْتَصم ، فقال : أَجبْ، فأخذَ بيدي ، وأدخلَني عليه ، والتَّكَّةُ في يدي ، أحْملُ بها الأقْيادَ ، وإذا هو جالسٌ ، وأحمدُ بنُ أبي دُوَاد حاضرٌ، وقد جَمعَ خَلقاً كَثيراً من أصْحابه ، فقال لي المُعْتَصمُ : ادْنُهُ ادْنُه فلم يَزَلْ يُدْنيني حتىْ قَرُبتُ منه ، ثم قال : اجْلِسْ فجَلَسْتُ ، وقد أثقَلَتْني الأقْيادُ، فمَكثَ قَليلاً ، ثم قُلتُ: أتَاذَنُ في الكلام ؟ قال : تكلَّمْ ، فقلتُ: إلى ما دَعا اللهُ ورسولُه؟ فسَكتَ هُنَيْهَةً ، ثم قال : إلى شَهادة أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، فقُلتُ: فأنا أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله ثم قلتُ: إنَّ جَدَّكَ ابنَ عبّاس يقول : لمَّا قَدمَ وَفْدُ عبد القَيْس على رسُول الله صلى الله عليه وسلم ، سَألوه عن الإيمان ، فقال: (( أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ؟)) قالوا: اللهُ ورسولُه أعْلم، قال: ((شَهَادَةُ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّداً رَسُولُ الله، وإِقَامُ الصَّلاة، وإِيتَاءُ الزَّكاة، وأنْ تُعْطُوا الخُمْسَ مِنَ المَغْنَم)) قال أبي: فقال - يَعْني المُعْتَصم: لَوْلا أَنِّي وَجَدتُك في يَد مَنْ كان قَبْلي ، ما عَرَضْتُ لك(٣) . (١) سورة الزخرف، الآية : ٣ . (٢) سورة الفيل، الآية : ٥ . (٣) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٤/٩٣٤. ٥٧ ١٧ - مُكافَّةُ العامَّةِ العُلماءَ على ثَباتِهم على الحَقِّ: قال القاسمُ بنُ أبي صالح : سَمعتُ إبراهيمَ بنَ ديزيل يقولُ : لمَّا دُعيَ عَقَّانُ للمِحْنَة كنتُ آخذاً بلِجامِ حِمارِه ، فلمَّا حَضَرَ عُرِضَ عليه القَولُ ، فامْتَنعَ أنْ يُجيبَ ، فقيلَ له : يُحْبَسُ عَطاؤكَ - قال: وكان يُعْطَى كُلَّ شَهرِ ألفَ دِرْهم - فقال: ﴿ وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾(١) ، فلمَّا رَجعَ إلى دارِهِ عَذَلَه نِساؤُهُ ومَنْ في دارِه ، قال : وكان في دارِهِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ إنْساناً ، فدَقَّ عليهم داقُ البابَ ، فدخلَ عليهم رجلٌ شَبَّهْتُه بسمَّان أو زَيَّات، ومَعه كيسٌ فيه ألفُ دِرْهَم، فقال: يا أبا عُثْمان ثَّتَكَ اللهُ كما ثَبَّتَّ الدِّين ، وهذا في كُلِّ شَهر(٢) . ١٨ - عَلَاقَة العُلَماء بالمُلوك والأُمَراء والكبَراء : (أ) الدُّخُولُ عَليهم ووَعْظُهم : عن عَطيّة بنِ قَيْس ، قال : دَخَلَ أبو مُسلم الخَولاني علىُ مُعاويَةَ ، فقامَ بين السِّماطَين فقال : السَّلامُ عليكَ أيُّها الأَجيرُ فقالوا : مَهْ قالَ : دَعُوه ، فهو أعْرَفُ بما يَقولُ وَعَليكَ السَّلامُ يا أبا مُسْلم ثم وَعَظَه، وحَضَّه على العَدْل . قال المُفضَلُ بنُ غَسَّان الغَلابي: إنَّ علقَمة وأبا مُسلم ماتا في سنة اثنين وستِّين فاللهُ أعلمُ . وبداريًّا قَبْرٌ يُزارُ، يُقالُ: إِنَّه قَبرُ أبي مُسلم الخَولاني، وذلك مُحْتمَل(٣). وعن مُطَهَّر بنِ الهَيْثَم الطَّائي، عن أبيه، قال: حَجَّ سُليمانُ بنُ عبد المَلك ، فخَرجَ حاجبه فقال : إنَّ أميرَ المؤمنين : قال : ابغُوا لي فَقيهاً أساله عن بعضٍ المَناسِك، قال : فمَرَّ طاووُسٌ ، فقالوا : هذا طاؤُوسُ اليَمانيّ ، فأخذه الحاجب ، فقال : أجب أمير المؤمنين ، قال : أعفني ، فأبى، ثم أدخَلَه عَليه ، قال طاؤُوسٌ : (١) سورة الذاريات ، الآية : ٢٢ (٢) انظر السير: (عَفّان) ٢٤٢/١٠ -٢٥٥، وانظر النزهة: ١/٨٧٤. (٣) انظر السير: ( أبو مسلم الخولاني) ٧/٤ - ١٤، وانظر النزهة: ٤/٤٣٢. ٥٨ فلمَّا وَقَفْتُ بين يديْه قُلتُ: إنَّ هذا المَجلسَ يَسألُني اللهُ عنه، فقُلتُ : يا أميرَ المؤمنين! إنَّ صَخْرةً كانت على شَفير جُبٍّ في جَهنَّم، هَوتْ فيها سَبعينَ خَريفاً ، حتى اسْتَقرَّت قرارَها ، أَتَذْري لمَن أعدَّها اللهُ؟ قال: لا ، وَيْلَكَ لمَن أَعَذَّها؟ قال: لمَن أشْرَكَه اللهُ في حُكْمِه فجارَ ، قال : فبَكَىْ لها(١) . وقيلَ : رَأَىْ سُليمانُ بنُ عبد الملك بالمَوسِمِ الخَلقَ ، فقال لعُمرَ ابنِ عبدِ العَزيز : أما تَرى هذا الخَلقَ الذين لا يُخْصيهم إلاَّ اللهُ، ولا يَسعُ رزقَهم غَيرُه! قال : يا أميرَ المؤمنين! هؤلاء اليومَ رَعيَّتُك ، وهم غداً خُصَمَاؤُك ، فبكى وقال : بالله أستعين . وعن ابن سيرين قال : يَرحَمُ اللهُ سُليمانَ افْتتحَ خِلافَتَه بإحْياءِ الصَّلاة ، واخْتَتَمَها باسْتخلافِهِ عُمرَ(٢). وقيلَ لمالك : إنكَ تَدخلُ على السُّلطان، وهم يَظْلِمونَ ، ويَجُورونَ ، فقال : يَرحَمُكَ اللهُ، فَأَيْنَ المُكلِّمُ بالحَقِّ(٣). وقال ابنُ الجَوْزي : كان الإمامُ الزُّبَيْدي يقول الحقَّ وإنْ كان مُرّاً ، لا تأخذه في الله لَوْمَة لائم ، قيل : دَخَل على الوَزيرِ الزينبي وعليه خلْعة الوَزارَة وهم يُهنِّئُونَه ، فقال : هو ذا يومُ عَزاء ، ولا يوم هَناء ، فقيل: ولِمَ: أهَنِّئُ على لبسِ الحَرير؟!(٤) . وقال ابنُ الجَوْزيّ يوماً في وَعْظِه : يا أميرَ المؤمنين ، إنْ تَكلَّمتُ ، خِفْتُ منكَ ، وإِنْ سَكثُ ، خِفْتُ عَليك ، وأنا أُقدِّمُ خَوْفِي عَليك علىُ خَوْفي منك، فقَولُ النَّاصِحِ : اتَّقِ اللهَ خَيرٌ من قَولِ القائِل : أنتُم أهلُ بَيَتِ مَغفورٌ لكم(٥) . إذا اضْطُروا للأُخولِ عَليهم فإنَّهم يَصْدَعونهم بالحَقّ : قال أبو خُلَيْد عُثْبَةُ بنُ حَمَّاد القارىء ، حدَّثَنَا الأوْزاعيُّ قالَ : بعثَ عبدُ الله بنُ عليّ (١) انظر السير: (طاووس) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ٤/٥٧٨. (٢) انظر السير: (سليمان بن عبد الملك) ١١١/٥-١١٣، وانظر النزهة: ٦/٥٨٥. (٣) انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٦/٧٣٦. انظر السير: ( الزَّبيْدي) ٣١٦/٢٠-٣١٩، وانظر النزهة : ١/١٥٥٥. (٤) (٥) انظر السير: ( أبو الفرج ابن الجوزيّ) ٣٦٥/٢١-٣٨٤، وانظر النزهة: ٥/١٦٣٤. ٥٩ إليَّ فاشْتَدَّ ذلكَ عليَّ وقَدمتُ ، فدخلتُ ، والناس سِماطان(١) فقال: ما تَقُولُ في مَخرجِنا وما نَحنُ فيه؟ قلتُ : أصْلِحَ اللهُ الأميرَ! قد كانَ بَينِي وبَيْنَ داودَ بنِ عليٍّ مَودَّة قال : لَتُخبرَنِّي فَتَفكّرتُ ثم قلتُ : لأصْدُقَنَّه ، واستبسلتُ(٢) للموتِ ثم رَویتُ له عن يَحْيِى بِنِ سَعيد حَديثَ (الأعْمال )(٣) وبيَدِه قَضِيبٌ يَنْكِتُ به ، ثم قال: يا عبدَ الرَّحمَن : ما تَقولُ في قَتلِ أهلِ هذا البَيتِ ؟ قُلتُ : حدَّثني محمدُ بنُ مَرْوان ، عن مُطَرِّفِ بنِ الشِّخير، عن عائشةَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لا يَحِلُّ قَتْلُ المُسْلِمٍ إِلاَّ فِي ثَلاثٍ)) وساقَ الحَديثَ . فقال : أخبرني عن الخِلافَة ، وَصِيَّةٌ لنا من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلتُ : لو كانت وَصِيَّةً من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما ترك عليٍّ رضي الله عنه أحداً يَتقدَّمُه قال : فما تَقولُ في أَمْوالِ بَنِي أُمَيَّةِ ؟ قُلتُ : إنْ كانت لهم حَلالاً فهي عليكَ حَرامٌ ، وإن كانت عَليهم حَراماً ، فهي عَليك أحْرَمُ فأمَرَني، فأُخْرجتُ (٤). قال الذهبيُّ : قد كان عبدُ الله بنُ علي مَلكاً جَبَّاراً، سَفَّاكاً للدماء ، صَعبَ المِراسِ، ومع هذا فالإمامُ الأَوْزاعيُّ يَصدَعُه بمُرِّ الحَقِّ كما تَرى، لا كخَلقٍ من عُلماءِ السُّوء، الذين يُحَسِّنونَ للأُمَراء ما يَقْتَحمون به من الظُّلم والعَسف ، ويَقلِبون لهم الباطلَ حَقاً - قاتَلَهم اللهُ - أو يَسْكُتون مع القُدرة على بَيَان الحَق(٥) . عن سُفْيانَ قال : أُدخلتُ على المَهْدِيِّ بمِنَى، فسلَّمتُ عليه بالإِمْرَةِ ، فقالَ : أيُّها الرَّجُل! طَلبْنَاكَ، فَأعْجَزْتَنَا، فالحَمدُ لله الذي جاءَ بكَ، فارْفَعْ إلينا حاجَتَك فقُلْتُ : قد مَلأَتَ الأرضَ ظُلْماً وجُوراً ، فاتَّقِ اللهَ ، وليَكُنْ منك في ذلك عِبْرَة فطأطأً رأسَه ، ثم قال : أرأيتَ إنْ لمْ أسْتَطِعْ دفعَه؟ قال: تُخَلِّيه وغيرَك فطَأْطَأْ رأسَه، ثم قال : ارْفَعْ إلينا حاجَتَك قلتُ : أبناءُ المُهاجرينَ والأنْصارِ ومَنْ تَبِعَهم بإحْسانٍ بالبابِ ، فاتَّقِ اللهَ ، (١) سماطان : صفّان . (٢) يُقالُ: أَبْسلَ نفسَه للموت، واستبسَلَ: إذا وَطَّنَ نفسه عليه واستيقنه . (٣) إنَّما الأعمالُ بالنيَّات. (٤) انظر السير: (الأوزاعيُّ) ١٠٧/٧ - ١٣٤، وانظر النزهة: ٩/٦٨٣. (٥) انظر السير: ( الأوزاعيُّ) ١٠٧/٧ - ١٣٤، وانظر النزهة: ١/٦٨٤. ٦٠