النص المفهرس

صفحات 21-40

قال الذهبيُّ : صَدِقَ والله، فما الظنُّ إذا كانت مَسائلُ الأُصول ، ولَوَازِمُ الكَلامِ في
مُعارَضَة النَّص، فكيفَ إذا كانت من تَشْكيكاتِ المَنْطِقِ ، وقَواعدِ الحِكْمَة ، ودينٍ
الأوائل؟!، فكيفَ إذا كانت من حَقائقِ ((الاتِّحاديَّة))(١)، وزَنْدَقَة ((السَّبعينَية))(٢)،
ومرق ((الباطنية))(٣) ؟! فواغُرْبَتَاه ويا قِلَّةَ ناصِراه، آمَنتُ بالله، ولا قوَّةَ إلاَّ بالله .
مات أبو شُرَيْح سَنةَ سَبع وستِين ومئة ، كان من أبناء السَّبعين ، ومن العُلماء
العاملين(٤) .
وقال ابنُ مهدي : سمعتُ شُعْبَة یقولُ : إنّ هذا الحدیثَ یَصدُكم عن ذِكْر الله وعن
الصَّلاة ، وعن صِلَةِ الرَّحْم ، فهلْ أنتم مُنتَهون ؟(٥)
وقال سَعيدُ بنُ الحَدَّاد : سَمعتُ سُحْنُونَ يقولُ : كُنتُ إذا سَألْتُ ابنَ القاسِم - عالمَ
الدِّيارِ المِصْريَّة - عن المَسائل، يقول لي: يا سُحْنُون ، أنتَ فارغٌ ، إنِّي لأُحِسُ في
(١) وهم الذين يقولون بوحدة الوجود، وهو مذهب باطلٌ، يُعرَّى القائل به من الإسلام، لأنه يَعدُّ اللهَ
والوجودَ شيئاً واحداً وأن اللهَ مَوجودٌ في كل مَوجودٍ ، وأنَّ ما نُحسُّه ونَشْهَدُه هو اللهُ في صورة العالَم كما
قال .
راجع (( موقف العلم والعالم)) لمصطفى صبري ، الجزء الثالث منه ، فإنه قد توسّع في بيان هذا
المذهب والقائلين به ، ونقده .
(٢) السَّبعينيّة: فرقة نُسبَت إلى رئيسها: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن سبعين الإشبيلي
المرسي ، المتوفى سنة (٦٦٩ هـ) وهو من القائلين بوحدة الوجود قال ابن دقيق العيد : جلستُ مع ابن
سبعين من ضحوة إلى قريب الظهر ، وهو يَسرد كلاماً تُعقَل مفرداته ولا تُعقَل مركباته ، واشتهرت عنه
أنه قال: لقد تحجَّرَ ابنُ آمنة واسعاً بقوله: «لا نبيَّ بعدي))، وكان يقول في الله عزَّ وجلَّ: إنه حقيقة
الموجودات وقد فصدَ بمكّة فترك الدم يجري حتى مات نزفاً انظر ترجمته: ((عِبَر الذهبي)) ٢٩١/٥،
((لسان الميزان)) ٣٩٢/٣، ((النجوم الزَّاهرة)) ١٩٦/٢ -٢٠٥ .
(٣) الباطنية : دعوة ظهرت أولاً في زمان المأمون، وانتشرت في زمان المعتصم ، وذكر أصحاب التواريخ
أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس ، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ، ولم
يجسُروا على إظهاره خَوفاً من سيوف المسلمين ، ومنهم : مَيمونُ بن ديصان المعروف بالقدَّاح ،
ومحمدُ بن الحُسين الملقَّب بذندان، ثم حمدان قرمط وأبو سعيد الجنابي انظر («الفَرْق بين الفِرَق)».
٢٨٢.
(٤). انظر السير: (عبد الرحمن بن شُرَيح) ٧/ ١٨٢ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/٦٩٢.
(٥) انظر السير: ( شُعْبة) ٢٠٢/٧ -٢٢٨، وانظر النزهة: ٧/٦٩٣
٢١

رأسِي دَويّاً كدَويُّ الرَّحا - يعني من قيام الليل - قال: وكان قَلَّما يَعرضُ لنا إلاَّ وهو
يقولُ: اتَّقُوا اللهَ، فإنَّ قَليلَ هذا الأمر مع تَقْوى الله كَثِيرٌ ، وكَثيرَه مع غَيرِ تَقْوَى الله
قَليلٌ(١) .
١٦ - كيفية طَلَب العِلْم ونَشره :
عن محمّدٍ بنِ النَّضْر قال : أوَّلُ العِلم الاسْتماعُ، والإنْصاتُ، ثم حِفْظُه ، ثم
العمَلُ به، ثم بثّه(٢) .
ومظْهَرُ الكَونِ عينُ الكَونِ فاعتَبروا
نحنُ المظاهرُ والمعبودُ ظاهِرُنا
فهو الإله الذي في طيِّه البَشَرُ
ولستُ أعبده إلاَّ بصورته
١٧ - الرِّحلة في طَلَب العِلْم :
قال محمَّدُ بنُ صالح بنِ هانىء : سَمعتُ محمَّدَ بنَ النَّضْرِ الجارُوري يقولُ : بَلغَني
أنَّ محمَّدَ بنَ يَحْيِى كانَ يَكتبُ في مَجلس يَحْيِىُ بنِ يَحْيِى الذُّهْلِي، فَنَظرَ عليُّ بنُ سَلمَة
اللَّقي إلى حُسْنِ خَطِّه وتَقييده، فقالَ: يا بُنيَّ، ألا أنصحُك؟ إنَّ أبا زكريّا يُحدِّثك
عن سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَة وهو حيٍّ ، وعن وَكيعٍ وهو حِيٌّ بالكُوفَة وعن يَحْيِى ابنِ سَعيدٍ
وجماعةٍ أحياء بالبَصْرة ، وعن عبدِ الرَّحمَن بن مَهْدي وهو حِيٍّ بأصْبَهان ، فاخْرُج في
طَلبِ العِلم ، ولا تُضيِّعْ أَامَك . فعمل فيه قولُهُ فخرجَ إلى أصْبَهان فسَمعَ من عبدِ
الرَّحمَن بنِ مَهْدي ، والحُسَين ابنِ حَفْص ثم دخلَ البَصْرة وقد ماتَ يَحْبى ، فكَتبَ عن
أبي داوُدَ وأقرانِه ، وأكثرَ بها المُقام ، حتى ماتَ سُفْيانُ بنُ عُبَيْنَةَ .
قال الذهبيُّ : ما كانَ يمُكِنُهُ لُقِيُّه، فإنَّ سُفْيانَ ماتَ في وسَطِ السَّنة ولا كانَ يمُكِنُهُ
المَسيرُ إلى مَّة إلَّ مع الوفد ، وأمَّا وَكيعٌ فماتَ قبلَ أنْ يتحرَّكَ الدُّهليُّ من بَلِدِهِ .
قالَ : فخرجَ إلى اليمن: وأكثرَ عن عبدِ الرزَّاق وأقْرانِهِ ، ثم رَجعَ وحَجَّ ، وذَهبَ
(١) انظر السير: (عبد الرحمن بن القاسم) ٩/ ١٢٠ -١٢٥، وانظر النزهة: ٨/٨٠٥.
(٢) انظر السير: (محمد بن النَّصْر) ١٧٥/٨ -١٧٦، وانظر النزهة: ٨/٧٤١ .
٢٢

إلى مصرَ ثم الشام . وبارَكَ اللهُ له في عِلْمِه حتى صارَ إمامَ عَصرِه (١) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمَة الإمام أبي زُرْعَة الرَّازي ، رحمه الله: كانَ مَولدُه
بعدَ نِّق ومئتين . وطلبَ هذا الشَّأنَ وهو حَدثٌ، وارْتحلَ إلى الحِجازِ والشَّام ،
ومِصرَ والعِراقِ والجَزِيرَةِ وخُراسانَ ، وكَتبَ ما لا يُوصَف كثرةً .
فذكرَ سَعيدُ بنُ عَمرو البَرْذَعي ، أنَّ أبا زُرْعَة قالَ : لا أعلمُ صَفالي رباطُ يومٍ قَطُّ ،
أمَّا بَيروتُ: فَأرَدْنا العبَّاسَ بنَ الوَليد بن مَزْيَد، وأمَّا عَسْقَلان، فأرَدْنا ابنَ
أبي السَّري ، وأمَّا قَزْوِين : فمحمَّد بن سَعيد ابن سابق .
وقال صالحُ بنُ محمّد جَزَرَة : سَمعتُ أبا زُرْعَةَ يقولُ : كتبتُ عن إبراهيمَ بنِ موسَى
الرَّازي مئةَ ألفِ حَديث ، وعن أبي بَكْر بنِ أبي شَيْئَة مئةَ ألفٍ ، فقلتُ له : بَلَغَني أنَّك
تَحفظُ مئةَ ألفِ حَديث ، تَقْدرُ أنْ تُمْلي عليَّ ألفَ حَديث من حفظِ ؟ قال : لا ، ولكن
إذا أُلْقِيَ عليَّ عَرفتُ(٢) .
وقال أبو غالِب : سَمعتُ جَدِّي يقولُ : سَمعتُ والدِي أبا إِسْحاقَ إبراهيمَ بنَ
القاضي أبي أحمَدَ العَسَّال يقولُ: لمَّا ماتَ القاضي وجَلسَ بَنُوهُ للَّعْزِيَة، فدَخلَ
رجُلان في لِباسِ سَوادٍ ، وأخَذا يُولْوِلان ويَقولان : وا إسْلاماه، فسُئلا عن حالِهما ،
فقالا : إنَّا ورَدْنا من أغمات من المَغْرب، لنا سَنةٌ ونصف في الطريق في الرحلة إلى
هذا الإمام لنَسمَعَ منه فوافَقَ وِرْدُنا وفاتَه .
تُوفِّيَ القاضي أبو أحمَد سنةَ تسعٍ وستِّين وأرْبعينَ وثلاثٍ مئة .
وكانَ مَوْلده سَنةَ تسعٍ وستِينَ ومثنَين(٣) .
وقال أبو طاهر ، أحمدُ بنُ مَحمود : سَمعتُ أبا بَكْر بنَ المُقرىء يقولُ : طُفتُ
الشَّرقَ والغَربَ أرْبِعَ مرَّات(٤) .
(١) انظر السير: (الذُّهليُّ وابنُه) ٢٧٣/١٢ -٢٨٥، وانظر النزهة: ٣/٩٩٩.
(٢) انظر السير: (أبو زُرْعَة الرَّازي) ٦٥/١٣-٨٥، وانظر النزهة: ٥/١٠٥١.
(٣) انظر السير: (العَسَّال) ٦/١٦ -١٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٦٥.
(٤) انظر السير: (ابن المُقرىء) ٣٩٨/١٦ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٢/١٣٠٠.
٢٣

ورَوى رَجُلان عن ابنِ المُقرىء : قالَ: مَشيتُ بسَببٍ نُسخَة مفضَّل ابنٍ فَضَالَة
سَبَعِينَ مَرَحلَةً ، ولو عُرِضَت على خَبَّازٍ بِرَغيفٍ لمْ يَقبَلُها(١) .
وقال أبو طاهر بنُ سَلمَة : سَمعتُ ابنَ المُقرىء يقولُ: دَخلتُ بيتَ المَقدس عَشرَ
مرَّات ، وحَجَجْتُ أربَعَ حجَّات، وأقَمتُ بمكّة خَمسةً وعشرينَ شَهراً (٢) .
وقد سَمعَ ابنُ المُقرىء الحديثَ فِي نَحوٍ من خمسينَ مَدينَةٍ .
قال أبو طاهر بنُ سَلمَة : سَمعتُ ابنَ المُقرىء يقولُ : اسْتلمتُ الحَجَرَ في ليلةٍ مئةً
وخَمسينَ مرَّة .
وقد تُوفِّيَ ابنُ المُقرىء سنةَ إحْدى وثَمانين وثلاثٍ مثَّة ، وله ستٍّ وتسعونَ
سَنة(٣) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمَة أبي عبدِ الله بنِ مندة رَحمَه اللهُ : بَقيَ أبو عبدِ الله في
الرحلَة بِضْعاً وثلاثينَ سَنةً(٤) .
وقال الباطِرْقانيُّ : سَمعتُ أبا عبدِ الله - يَعْني ابنَ مَندة - يقولُ: طُفتُ الشَّرقَ
والغَربَ مرّتين(٥) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمَة أبي سَعد السَّمْعانيّ : ولا يُوصَف كثرةُ البلادِ
والمشايخ الذين أخذَ عنهم .
فَسَمِعَ بَآمُل طَبَرِسْتان ، وبأَبِيْوَرد ، وبإسفرايين ، وبالأنْبار، ويُبُخَارَى ،
وببُرُوجِرْد ، وبَسْطام، وبالبَصْرة ، وببَغْشور، وببَلْخ، وبتِرْمِذ ، وبجُرْجان ،
وبحَلَب، وبحَماة ، وبحِمْص ، وبخَرْتَنْك عند قَبَرِ البُخاريِّ، وبخُسْرَ وجِرد ،
وبالريِّ، وبسَرْخَس ، وبسَمَرْقَند، وبهَمَذان وهَراة والحَرمَين ، والكُوفَة ، وطُوس ،
(١) انظر السير: (ابن المُقرىء) ٣٩٨/١٦ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/١٣٠٠.
(٢) انظر السير: (ابن المُقرىء) ٣٩٨/١٦ -٤٠٢، وانظر النزهة : ٤/١٣٠٠.
(٣)
انظر السير: ( ابن المُقرىء) ٣٩٨/١٦-٤٠٢، وانظر النزهة: ١٣٠١/ ٢.
(٤) انظر السير: (ابن مندة) ٢٨/١٧ -٤٣، وانظر النزهة: ١/١٣٢٢.
(٥) انظر السير: (ابن مندة) ٢٨/١٧ -٤٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٢٢.
٢٤

والكَرخ، ونَسَا، وواسِط ، والمَوْصِل ، ونَهاوَنْد، والطَّالقان ، وبوشنج ،
والمَدائن ، ويِقاع يَطولُ ذِكْرُها بحيث إنَّه زارَ القُدسَ والخَليلَ وهما بأيدي الفِرَنْجِ ،
تَحيَّلَ، وخاطَرَ في ذلك ، وما تَهِيََّ ذلكَ السَّلَفيِّ ولا لابنِ عَساكر .
وكان ظَرِيفَ الشَّمائل، حُلوَ المُذاكَرَةِ ، سَرِيعَ الفَهْم ، قَويَّ الكتابَة سَرِيعَها ،
دَرسَ وأفْتَى وَوَعَظَ، وسادَ أهلَ بَيتِهِ ، وكانوا يُلقِّبونَه بلقَب والدِه تاج الإسلام ، وكان
أبُوه يُلقَّب أيضاً مُعين الدِّين(١) .
١٨ - من آداب طَلَب العِلْم ونَشره :
(أ) لا يُطْلَب العِلْمِ لتَقْوية الرأي ولكن لمَعْرفة الحقّ :
عن محمّدٍ بنِ سَلام البِيكَندي : سَمعتُ وَكيعاً يقولُ : مَنْ طَلَبَ الحَديثَ كما جاءَ
فهو صاحبُ سُنَّة ، ومن طَلبَه ليُقوِّيَ به رأيَه ، فهو صاحبُ بِدْعَة (٢) .
(ب) تَحْديثُ النَّاسُ بما يَعلمون :
قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَير : ما حدَّثتُ أحَداً بشيءٍ من العِلم قطُّ لا يَبلُغه عَقلُه إلاّ كان
ضَلالةً عليه(٣) .
(ج ) عَدمُ الإكثار من تَحْدیث النَّاس :
عن أنَسِ بنِ مالك - وقِيلَ له: ألا تُحدِّثُنا؟ - قال: يا بنيَّ إِنَّه مَنْ يُكْثرْ يَهْجُرْ (٤).
قال أبو اليَقْظان : ماتَ لأنَسٍ في طاعُون الجارف ثمانون ابناً .
عن أيُّوبَ ، قالَ: ضَعفَ أنسٌ عن الصَّوْم ، فصَنعَ جَفْنةً من ثَريد ، ودَعا ثلاثينَ
مِسْكيناً ، فأطْعَمَهم .
(١) انظر السير: (السَّمْعاني) ٤٥٦/٢٠ -٤٦٥، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٧.
(٢) انظر السير: (وَكيع) ١٤٠/٩-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/٨٠٩.
(٣) انظر السير: (عُرْوَة) ٤٢١/٤- ٤٣٧، وانظر النزهة: ٦/٥٢٨.
(٤) قوله : يَهْجُر ، من هجر في كلامه، إذا خلط فيه وإذا هذى.
٢٥

مات رضي الله عنه سَنةَ ثلاثٍ وتسْعين. عُمرُه مئةً وثلاثٍ سنين(١).
(د) الحَثُّ على أخذ العِلْم من أهْله :
عن أيُّوبَ، قالَ محمّدُ بنُ سِيرين: إنَّ هذا العِلمَ دينٌ فانْظُرُوا عَمَّن تَأْخُذونَ
دينكم(٢) .
(هـ) حَوادثُ تُخالِفِ أدبَ نَشر العِلْم :
عن أبي عوانة ، قالَ: جاءَ رَقبَةُ إلى الأعْمَش، فسَأَلَه عن شيءٍ فَكَلَحَ فِي وَجْهِه ،
فقالَ رَقبةُ : أما والله ما عَلمتُك لدائمُ القُطوب، سَريعُ الملال، مُستخفتٍّ بحقِّ
الزوَّار، لكأنَّما تُسعط الخَردلَ إذا سُئلتَ الحِكْمَةِ(٣).
وقال أحمدُ بنُ عبد الله العجلي : الأعْمَشُ ثقةٌ ثَبتٌ ، كان مُحدِّثَ الكوفة في
زَمانه ، يُقالُ : إنَّه ظَهرَ له أربعةُ آلاف حَديثٍ ، ولمْ يَكنْ له كتابٌ . قال : وكان يُقریُ
القُرآنَ وهو رأسٌ فيه . وكانَ فَصيحاً . وكانَ أبوه من سَبي الدَّيلم، وكان عَسِراً سَيءَ
الخُلُق وكان لا يَلْحَنُ حَرفاً، وكان عالماً بالفَرائضِ ، وكانَ فيه تَشَيُّع ولمْ يَخْتمْ عليه
سِوى ثلاثةٌ: طَلحَةُ بنُ مُصَرِّف وكان أسَنَّ منه وأفْضَل ، وأبانُ بنُ تَغْلب ، وأبو عُبَيْدة
ابنُ مَعْن .
قال الذهبيُّ : مُرادُ العِجلي أنَّهم خَتموا عليه تَلْقيناً ، وإلاَّ فقد خَتمَ عليه حَمزَةٌ
وغیرُه عَرْضاً(٤) .
وقال عيسى بنُ يونُس : خَرجْنا في جنازَة ، ورجلٌ يَقودُه ، فلمَّا رَجَعْنا عَدلَ به ،
فلمَّا أصْحَر ، قالَ : أَتَدْري أينَ أنتَ ؟ أنتَ في جبَّانَةَ كذا . ولا أردُّك حتى تَملاَ أَلْواحي
حَديثاً . قال: اكْتُب . فلمَّا مَلَ الألواحَ رَّه فلمَّا دخلَ الكُوفَة دَفعَ ألواحَه الإنسانِ ،
(١) انظر السير: (أنَس بن مالك) ٣/ ٣٩٥ -٤٠٦، وانظر النزهة: ٧/٤٠١.
(٢)
انظر السير: ( محمّد بن سيرين) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة : ٥/٥٦٨.
(٣) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٤/٦٤٤.
انظر السير: ( الأعْمَش) ٢٢٦/٦ -٢٤٨، وانظر النزهة: ٦/٦٤٤.
(٤)
٢٦

فلمَّا أنِ انْتُهى الأعْمشُ إلى بابِهِ ، تَعلَّقَ به وقالَ : خُذوا الألْواحَ من الفاسِقِ . فقالَ :
يا أبا محمّد قد فاتَ. فلمَّا أيسَ منه، قال: كُلُّ ما حدَّثْتُك به كَذبٌ . قال : أنتَ أعلمُ
بالله منْ أنْ تَكْذب(١).
وقالَ أبو خالِد الأحْمَر : سُئلَ الأعْمشُ عن حَديثٍ ، فقالَ لابنِ المُختار : تَرى
أحَداً من أصْحابِ الحَديث؟ فَغَمضَ عَينَيَه وقال: لا أرَىُ أحَداً يا أبا محمَّد ، فحدَّثَ
به(٢).
وعن أبي العَيناء قال : أتيتُ عبدَ الله بنَ داود الخُرَيْبِيَّ، فقالَ : ما جاءَ بكَ ؟
قلتُ : الحَديثُ ، قالَ : اذهبْ فَتَحْفَظ القُرآنَ ، قلتُ : قد حَفظتُ القُرآنَ ، قالَ : اقْرأْ
﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ (٣) ، فقرأتُ العَشْرَ حتى أنْفَذْتُه، فقال لي: اذْهبْ الآن فَتَعلَّم
الفَرائضَ، قُلتُ: قد تَعلَّمتُ الصُّلْبَ والجدَّ والكُبَرِ(٤) . قال: فأيُما أقْربُ إليكَ ابنُ
أخِيكَ أوْ عَمُّك؟ قلتُ : ابنُ أخي ، قال : ولِمَ ؟ قلتُ : لأنَّ أخي من أبي ، وعَمِّي
من جَدِّي ، قال : اذْهَبِ الآنَ، فَتَعلَّم العَربيّة ، قلتُ : قد عَلِمتُها قبلَ هَذين ، قال :
فِلِمَ قالَ عُمرُ - يَعني حِينَ طُعِنَ - يا للهِ، يا لِلْمُسلمين، لِمَ فَتَحَ تِلكَ وكَسَرَ هَذه؟
قلتُ : فَتَحَ تِلكَ اللَّمَ على الدُّعاءِ وكَسرَ هَذه على الاسْتِغَاثَة والاسْتِنْصار ، فقال : لَوْ
حَدَّثتُ أحَداً ، لحَدَّثُك (٥) .
قال أبو نصر بنُ ماكولا : كان الخُرَيْبِيُّ عَسِراً في الرِّوايَة .
قال الذهبيُّ : لَقِيَه البُخاريُّ، ولَمْ يَسْمَعْ منه، واحْتَاجَ إليهِ في الصَّحيحِ ، فَرَوى
عن مُسَدَّد عَنه، وعن الفَلَأَّس عَنه ، وعن نَصْر ابنٍ عليٍّ عَنه، وتَركَ التَّحْديثَ تَدُّناً إِذْ
رَأَىْ طَلبَهم له بِنِيَّةِ مَدْخولَة .
(١) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٣/٦٤٥.
(٢) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦ -٢٤٨، وانظر النزهة: ٦/٦٤٦.
(٣) سورة يونس ، الآية : ٧١
(٤) أي مسائل الفرائض .
(٥) انظر السير: (الخُرَيْبي) ٣٤٦/٩-٣٥٢، وانظر النزهة: ١/٨٢٨.
٢٧

قال الخُرَيْبِيُّ : وُلدتُ سَنةَ ستٍّ وعَشْرِينَ ومِئَة .
ومات سَنةَ ثلاثَ عَشرةَ ومِئتين(١) .
وقال الحافظُ أبو عليّ الغَسَّانيُّ : أخبرنا أبو القاسم أحمدُ بنُ أبي الوَليد الباجيُّ ،
أخبرنا أبي أنَّ الفَقيهَ أبا عِمْرانَ الفاسيّ مَضى إلى مَّة وقد كان قَرأَ على أبي ذَرِّ الهَرَويِّ
شَيْئاً ، فوافَقَ أبا ذَرٍّ في السَّراة مَوضِع سُكْناه فقالَ لخازِن كُتُبِه : أخْرجْ إليَّ من كُتبٍ
الشَّيخِ ما أنْسَخُه ما دامَ غائباً ، فإذا حَضرَ ، قَرأْتُه عليه . فقال الخازنُ: لا أجْتَرِىءُ
على هذا، ولكنْ هذه المفاتيحُ إنْ شِئتَ، فخُذْ وافْعَل ذلكَ. فَأَخَذَها، وأخْرِجَ
ما أرادَ ، فسَمعَ أبو ذَرِّ بالسَّراةِ بذلكَ، فَرَكبَ، وطَرق مكَّة، وأخَذَ كُتبَه، وأقسَمَ أنْ
لا يُحدِّثَه ، فلقد أُخْبرتُ أنَّ أبا عِمْرانَ كانَ بعدُ إذا حدَّثَ عن أبي ذَرٍّ، يُوَرِّي عن اسْمه
فيقولُ : أَخْبِرَنا أبو عيسى وبذلكَ كانت العَربُ تُكنِّيه باسم وَلِدِه .
قال الذهبيُّ : قد ماتَ أبو عِمْرانَ الفاسيُّ قبلَ أبي ذَرّ ، وكان قد لَقِيَ ابنَ الباقِلاَّني
والكبار، وما لانْزِعاج أبي ذَرٍّ وَجهٌ، والحكايَةُ دالَّةٌ على زَعارَة الشَّيخ والتِّلْميذ
رَحمَهُما الله(٢).
١٩ - ضَوابط في تَفضيل طَلَب العِلْم على فعل القُربات :
قال أبو أسامة: سَمعتُ مِسْعَراً يقولُ: إنَّ هذا الحَديثَ يَصُدُّكم عن ذِكرِ الله وعن
الصَّلاة ، فهلْ أنْتُم مُنتَهون ؟(٣).
قال الإمامُ الذهبيُّ مُعقّباً: هذه مَسألةٌ مُختلَفٌ فيها : هل طَلبُ العِلم أفْضَل ، أو
صَلاةُ النَّافِلَة والتِّلاوَة والذِّكْرِ؟ فأمَّا مَنْ كانَ مُخلصاً لله في طَلبِ العِلم ، وذِهِنُهُ جَيدٌ ،
فالعِلمُ أوْلَى، ولكن مع حَظٍّ من صَلاةٍ وتَعبُّد ، فإِنْ رأيتَه مُجداً في طَلبِ العِلم لا حَظَّ
له في القُرُبات، فهذا كَسْلانٌ مَهين ، وليسَ هو بصادقٍ في حُسن نِيَّتِه ، وأمَّا مَنْ كانَ
(١) انظر السير: (الخُرَيْبي) ٣٤٦/٩ -٣٥٢، وانظر النزهة: ٢/٨٢٨.
(٢) انظر السير: ( أبو ذر الهَرَويّ) ٥٥٤/١٧ - ٥٦٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٦٣.
(٣) انظر السير: (مِسْعَر) ٧/ ١٦٣ - ١٧٣، وانظر النزهة: ٧/٦٨٩.
٢٨

طَلِبُه الحَديثَ والفِقهَ غِيَّةً ومَحبَّةً نَفَسانيّة فالعِبادَةُ في حقُّه أفْضَل ، بل ما بينها أفْعَلُ
تَفْضِيل، وهذا تَقسيمٌ في الجُمَلَة، فقَلَّ - والله - مَنْ رَأيتُه مُخلِصاً في طَلبِ العِلم ،
دَعْنا من هذا كُلُّه . فليسَ طَلبُ الحَديثِ اليومَ على الوَضعِ المُتعارَف من حیُّرُ طَلبٍ
العِلم ، بلْ اصْطلاحٌ وطَلبُ أسانيدَ عاليَة . وأخْذٌ عن شَيخِ لا يَعِي، وتَسميعٌ لِطِفْل
يَلْعَب ولا يَفْهَم، أو لرَضيعٍ يَبْكِى. أو لفَقيهٍ يَتحدَّثُ مع حَدَثٍ، أو لَآخَر يَنسَخ.
وفاضلُهم مشغولٌ عن الحَدِيثِ بكتابَة الأسْماء أو بالُّعاس ، والقارىءُ إنْ كانَ له
مُشارَكٌ فَلَيسَ عندَه من الفَضِيلَة أكثَرُ من قِراءَة ما في الجُزْءِ، سواءٌ تَصَخَّفَ عليه
الاسمُ، أو اخْتبطَ المَثْنُ ، أو كان من المَوْضوعاتِ . فالعِلمُ عن هؤلاء بمعْزِلٍ ،
والعَملُ لا أكادُ أراهُ . بلْ أَرَى أمُوراً سَيئةً، نَسألُ الله العَفْوَ(١).
وقال نُعيمُ بنُ حمَّد ، سَمعتُ ابنَ المُبارَك يقولُ: ما رَأيتُ أحَداً ارْتَفَعَ مثل مالِك
لَيسَ له كثيرُ صَلاةٍ ولا صِيامٍ، إلاَّ أنْ تكونَ له سَرِيرةٌ (٢) .
قال الذهبيُّ : ما كانَ عليه من العِلمِ ونَشْرِهِ أفضلُ من نَوافِلِ الصَّومِ والصَّلاةِ لمَنْ
أرادَ به الله(٣).
٢٠ - ضَوابط في كتْمان العِلْم:
عن أبي هُرَيْرَة ، قالَ: حَفظتُ من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وِعَاءَينِ : فأمَّا
أحَدُهما ، فبَنْتُه في النَّاس، وأمَّا الآخَرُ، فَلَو بَنْتُه ، لقُطِعَ هذا البلعوم .
عن مَكْحولٍ ، قالَ : كان أبو هُرَيْرَة يَقولُ: رُبَّ كيسٍ عند أبي هُرَيْرَة لَمْ يَفْتَحْه ،
يَعني من العِلم .
وقال الذهبيُّ : هذا دالٌّ علىُ جَوازٍ كِتْمانِ بَعضِ الأحاديثِ التي تُحرِّكُ فِتنةً في
الأصُول، أو الفُروع ، أو المَدْحِ والذَّمِ .
أمَّا حَديثٌ يَتعلَّقُ بحِلٍّ أو حَرامٍ ، فلا يَحِلُّ كِتْمَانُهُ بوَجْه ، فإنَّه من البَيِّنَاتِ والهُدى .
(١) انظر السير: (مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٩٠.
(٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٧/٧٣٣.
(٣) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٤.
٢٩

وفي ((صَحيحِ البُخاري)): قَولُ الإمام عليٍّ رضي الله عنه: حَدِّثُوا النَّاسَ بما يَعرفونَ،
ودَعُوا ما يُنكِّرون، أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللهُ ورسُولُه!، وكَذا لَوْ بَثَّ أبو هُرَيْرَة ذلكَ
الوعاءَ، لأُوذِيَ، بل لَقُتلَ ، ولكنَّ العَالمَ قد يُؤدِّيه اجْتهادُه إلى أنْ يَنشُرَ الحَديثَ
الفُلانِيَّ إحْياءً للسُّنَّةُ، فَلَه ما نَوىُ ولَه أجرٌ - وإنْ غَلطَ - في اجْتهادِه(١) .
وقال أبو الحَسَن عبدُ المَلك المَيمونيّ: قالَ رجلٌ لأبي عبدِ الله: ذهبتُ إلى خَلَف
البزَّار أعِظُه، بَلَغَني أنَّه حدَّثَ بحَديثٍ عن الأحْوَص عن عبدِ الله قال: (( ما خَلَقَ اللهُ
شَيئاً أعْظَمَ ... )) وذَكرَ الحَديثَ، فقالَ أبو عبدِ الله: ما كانَ يَنبَغي له أن يُحدِّثَ بهذا
في هذه الأيّام - يُريدُ زَمنَ الِمِخْنَة - والمَثْنُ: (( ما خَلَقَ اللهُ مِنْ سَماءٍ ولا أَرْضِ أعْظَم
مِنْ آيَةِ الكرْسِيِّ)) وقد قالَ أحمدُ بنُ حَنْبَل لَمَّا أوْرَدوا عليه هذا يَومَ المِحْنَة: إنَّ الخَلْقَ
واقعٌ ها هُنا على السَّماءِ والأرضِ وهذهِ الأشْياء ، لا على القُرآن(٢).
قال الذهبيُّ : كذا يَنْبَغي للمُحَدِّث أنْ لا يُشْهِرَ الأحاديثَ التي يَتَشَبَّثُ بظاهِرِها
أعداءُ السُّنَن من الجَهْميَّةِ ، وأهلِ الأَهْواءِ ، والأحاديثَ التي فيها صِفاتٌ لَمْ تَعْبُتْ ،
فإِنَّك لَنْ تحِدثَ قَوماً بحَديثٍ لاَ تَبْلِغُه عُقولُهم ، إلاَّ كانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهم ، فلا تَكْتُم
العِلمَ الذي هو عِلمٌ ، ولا تَبْدُلْه للجَهَلَة الذين يَشْغَبونَ عَليكَ ، أو الذين يَفْهَمون منه
ما يَضُرُّهم (٣) .
وقال عبدُ الخالِقِ بنُ مَنْصور : رَأيتُ يَحْيَى بِنَ مَعين كأنَّه يُهَجِّنُ نُعَيمَ ابنَ حمَّاد في
خَبرٍ أُمّ الطُّفَيل في الزُّؤْيَة ، ويَقولُ: ما كانَ يَنبَغي له أن يُحدِّثَ بمثل هذا(٤) .
فأمَّا خَبَرُ أُمِّ الطُّفَيلِ ، فَرَواهُ محمّدُ بنُ إسْماعيل التُّرمِذيُّ وغَيرُه ، حدَّثنا نُعيمٌ ،
حدَّثنا ابنُ وَهْب ، أخْبَرنا عَمرُو بنُ الحارِث ، عن سَعيدِ ابنِ أبي هِلال أنَّ مَرْوانَ بنَ
عُثْمانَ حدَّثَ عن عُمارَة بنِ عامِر، عن أُمِّ الطُّفَيَل امرأةٌ أُبَيِّ بنِ كَعْب : سَمعتُ
(١) انظر السير: ( أبو هُرَيرَة) ٥٧٨/٢ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٢/٣٠٩.
(٢) انظر السير: (خلف بن هشام) ٥٧٦/١٠ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٤/٨٩٥.
(٣) انظر السير: (خلف بن هشام) ٥٧٦/١٠ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٥/٨٩٥.
(٤) انظر السير: (نُعيمُ بن حمَّاد بن معاوية) ٥٩٥/١٠ -٦١٢، وانظر النزهة: ٣/٨٩٨.
٣٠

رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ أنَّه رَأىَ رَبَّه في صُورَة كَذا . فهَذا خَبرٌ مُنْكَرٌ
جداً ، أحْسَنَ النَّسائيُّ حيثُ يقولُ: ومَنْ مَرْوانُ ابنُ عُثمان حتى يُصَدَّقَ على الله! ؟
وهذا لَمْ يَنْفَرِدْ به نُعيم ، فقد رَواهُ أحمدُ بنُ صالِحِ المِصْري الحافظُ ، وأحمدُ بنُ عیسى
التُّستَري، وأحمدُ ابنُ عبدُ الرَّحمَن بنِ وَهْب، عن ابنِ وَهْب . قالَ أبو زُرْعة
النَّصْري : رجالُهُ مَعْروفُون .
قال الذهبيُّ : بلا رَيْب قد حدَّثَ به ابنُ وَهْب وشَيخُه وابنُ أبي هِلال ، وهم
مَعروفُون عُدولٌ ، فأمَّا مَرْوان ، وما أدْراكَ ما مَرْوان ، فهو حَفيدُ أبي سَعيد المُعلَّى
الأنْصَارِيّ وشَيخُه هو عُمارَةُ بنِ عَمرو بنِ حَزْمِ الأنْصاريّ(١).
ولَئِنْ جَوَّزْنا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ، فهُو أذْرَى بما قالَ ، ولرُؤِياهُ في
المَنام تعبيرٌ لَمْ يَذْكرْه عليه السلام ، ولا نَحنُ نُحسِنُ أنْ نُعبِّرَه ، فأمَّا أنْ نَحمله على
ظاهرِهِ الحِسِّي ، فمَعاذَ الله أنْ نَعتقدَ الخَوْضَ في ذلك بحيثُ إنَّ بعضَ الفُضَلاء قال :
تَصَّف الحَديثَ، وإنَّما هو : رَأْىُ رئيَّه - بياءٍ مُشدَّدة - وقد قال عليٍّ رضي الله عنه :
((حَدِّثُوا النَّاسَ بما يَعرِفُون، ودَعوا ما يُنْكرون)). قد صَحَّ أنَّ أبا هُرَيْرَة كَتَمَ حَديثاً
كَثِيراً ممَّا لا يَحتاجُه المُسلمُ في دِينه ، وكان يقولُ رضي الله عنه: « لَوْ بَثَنَّتُه فيكم لقُطِعَ
هذا البلعوم)) ، وليسَ هذا من بابٍ كِتمانِ العِلم الذي في فضائل الأعْمال ممَّا يَصُ
إِسْنادُه يَتعيَّنُ نَقَلُه ويَتأكَّدُ نَشْرُه، ويَنبَغي للأُمَّ نَقَلُه، والعِلمُ المُباح لا يَجبُ بُّه
ولا يَنْبَغِي أنْ يَدخُلَ فيه إلاَّ خَواصُ العُلماءِ(٢) .
والعِلمُ الذي يَحْرُم تَعلُّمُه ونَشرُه عِلمُ الأوائل وإلهيَّاتُ الفَلَاسِفَة وبعضُ رياضَتهم
بلْ أكثَرُه، وعِلمُ السِّحْر، والسِّيمياء والكيمياء ، والشَّعْبَذة ، والحِيَل ونَشْرِ الأحاديث
المَوضُوعة ، وكثيرٌ من القَصَص الباطِلَة أو المُنْكَرة، وسيرة البَطَّال المختلقة ، وأمثالُ
ذلكَ، ورَسائلُ إخْوانِ الصَّفا، وشِعرٌ يُعرَّضُ فيه إلى الجَنابِ النَّبَويِّ، فالعُلومُ الباطِلَة
كثيرةٌ جداً فلتُحْذَر، ومَنْ ابتُليَ بالنَّظرِ فيها للفُرجَة والمَعْرِفَة من الأذكياء ، فليُقلِّل من
(١) انظر السير: ( نُعيمُ بن حمَّاد بن مُعاوية) ١٠/ ٥٩٥ -٦١٢، وانظر النزهة: ٤/٨٩٨.
(٢) انظر السير: (نُعيمُ بن حمَّاد بن مُعاوية) ٥٩٥/١٠ -٦١٢، وانظر النزهة: ٥/٨٩٨.
٣١

ذلك، وليُطالِعْه وَحْدَه، وليَسْتَغْفِرِ اللهَ تَعالَى، ولَيَلْتَجىء إلى التَّوحيدِ، والدُّعاءِ
بالعافِيَة في الدِّين ، وكذلكَ أحاديثٌ كَثيرة مَكْذوبَةٍ ورَدَتْ في الصِّفاتِ لا يَحِلُّ بَثُّها إلاَّ
التَّحْذيرُ من اعْتقادِها ، وإنْ أمكَنَ إعْدامُها فحَسنٌ . اللَّهُمَّ فاحْفَظْ عَلينا إيمانَنَا ،
ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(١) .
٢١ - حَال أربعَة أصْناف من النَّاس مع العِلْم :
قال أبو نُعَيم الحافظُ : وسَمعتُ محمّدَ بنَ عبدِ الله الرَّازي بنَسا أنَّه سَمعَه يقولُ
ذَهابُ الإِسْلامِ من أربَعَة: لا يَعمَلونَ بما يَعْلَمونَ، ويَعمَلونَ بما لا يَعْلَمونَ ،
ولا يَتَعلَّمونَ ما لا يَعلَمون، ويَمنَعونَ النَّاسَ من العِلم .
قال الذهبيُّ : هذه نُعوتُ رُؤوس العَرب والتُّرْك، وخَلقٌ من جَهَلة العامَّة فَلَوْ
عَملوا بَيَسير ما عَرفُوا، لأفْلَحوا ، ولَوْ وَقفوا عن العَملِ بالبِدَع لؤُفِّقوا ولَوْ فَّشوا عن
دِينِهِم وسَألوا أهلَ الذِّكْر - لا أهلَ الِيَل والمَكْر - لسَعِدوا بلْ يُعرِضون عن الَّعلُّم ◌ِيهاً
وكَسَلاً ، فواحدَةٌ من هَذه الخِلالِ مُرْديَّةٌ ، فَكَيفَ بها إذا اجْتمَعت ؟! ، فما ظَنُّك إذا
انْضَمَّ إليها كِبْرٌ، وفُجورٌ، وإجْرامٌ وتَجَهْرُمٌ على الله؟!، نَسألُ اللهَ العافية(٢).
٢٢ - من وسائل تثبيت العِلْم:
( أ ) الاختبار والامتحان :
١ - صُورٌ على الاختبار :
عن عُروَة ، خَّدثني الأحْنفُ، أنَّه قَدمَ علىُ عُمَرَ بفَتْح تُسْتَر فقالَ: قد فَتَحَ اللهُ
عَليكم تُسْتَر ، وهي من أرض البَصْرَة ، فقالَ رجلٌ من المُهاجِرِينَ : يا أميرَ المُؤمنينَ ،
إِنَّ هذا - يَعني الأحْتَف - الذي كَفَّ عنَّا بَنِي مُرَّة حين بَعثَنَا رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم في صَدَقاتهم، وقد كانوا هَمُّوا بنا. قال الأحْنفُ: فحَبسَني عُمرُ عندَه سَنةً
يَأتيني في كلِّ يومٍ وَلَيَلَة ، فلا يَأتيه عنِّي إلَّ ما يُحبُّ، ثم دَعاني ، فقالَ: يا أحْنَفُ هل
(١) انظر السير: (نُعيمُ بن حمَّاد بن مُعاوية) ٥٩٥/١٠ -٦١٢، وانظر النزهة: ١/٨٩٩.
(٢) انظر السير: (واعظُ بَلْخ) ٥٢٣/١٤-٥٢٦، وانظر النزهة: ٢/١١٧١.
٣٢

تَدري لِمَ حَبَسْتُك عندي ؟ قُلتُ : لا يا أميرَ المُؤمنين. قال: إنَّ رسُولَ الله صلى الله
عليه وسلم حذَّرَنا كُلَّ مُنافِقٍ عَليمٍ ، فخَشِيتُ أنْ تكونَ منهم ، فاحْمَد اللهَيا أحْنَفَ .
وقال العِجليُّ: الأحْنَفُ بَصْريٌّ ثِقةٌ، كان سَيِّدَ قَومه، وكان أعْوَرَ أحْنَفَ ، دَميماً
قَصيراً كَوْسَجاً(١) . له بَيْضةٌ واحدة، حَبسَه عُمرُ سَنةً يَخْتَبرُه فقال: هذا والله
السَّيِّدُ(٢).
وقال القاضي أبو الحَسَن الدَّاوُودي : لمَّا جَلسَ بنُ داودَ للفتوىُ بعدَ والِدِهِ
اسْتَصْغَروه ، فدَسُوا عليه مَنْ سألَه عن حَدِّ السُّكْرِ، ومَتى يُعَدُّ الإنسانُ سَكران ؟ ،
فقالَ : إذا عَزَبَت(٣) عنه الهُمومُ، وباحَ بسرِّه المَكْتوم. فاسْتُحْسِنَ ذلكَ منه(٤) .
وعن سَعد بنِ عليَّ الَّنْجانيِّ، سَمِعَ أبا نَصْر الوائليَّ يقولُ: لمَّا وَرَدَ أبو الفَضْل
الهَمَذانيُّ نيسابورَ، تَعصَّبوا له ، ولَقَبُوه : بَديعَ الزَّمانِ فأُعْجبَ بنفسِه إذْ كانَ يَحفظُ
المثَّةَ بَيْتٍ إذا أُنْشِدَت مرَّة، ويُنْشِدُها من آخِرِها إلى أوَّلِها مَقلوبَةً ، فأنْكرَ على النَّاسِ
قَولَهم : فلانُ الحافظُ في الحَديثِ ثم قال: وحِفْظُ الحَديثِ ممَّا يُذْكَر ؟! ، فسَمِعَ به
الحاكمُ ابنُ البَيِّع، فوَجَّه إليه بجُزء ، وأجَّلَ له جُمعَةً في حِفْظِهِ ، فَرَدَّ إليه الجُزءَ بعدَ
الجُمُعة وقال : مَنْ يَحفظُ هذا؟ ، محمَّدُ بنُ فُلان، وجَعْفَرُ بنُ فُلان ، عن فُلان ؟
أسامي مُختلفة، وألفاظٌ مُتباينَة ؟ فقالَ له الحاكمُ : فَاعْرفْ نَفَسَك، واعْلمْ أنَّ هذا
الحِفظَ أصْعبُ ممَّا أنتَ فيه(٥) .
٢- اختبار العُلماء بَعضُهم بَعضاً:
وعن أبي العَيناء قال : أتَيتُ عبدَ الله بنَ داود الخُرَيْبِيَّ، فقالَ : ما جاءَ بكَ ؟
قلتُ : الحَديثُ ، قالَ : اذهبْ فَتَحْفَظ القُرآنَ ، قلتُ: قد حَفظتُ القُرآنَ ، قالَ : اقْرأْ
(١) يَعني لا شَعر على عارضَيه، أو نَقَيَّ الخدَّين من الشعر.
(٢) انظر السير: (الأحْنَف بن قيس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٣/٤٤٩.
(٣)
أي بعُدَ وغابَ .
(٤) انظر السير: (محمد بن داود) ١٠٩/١٣-١١٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٦٠.
(٥) انظر السير: ( الحاكم) ١٧/ ١٦٢ -١٧٧، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٢.
٣٣

وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ (١) ، فقرأتُ العَشْرَ حتى أَنْفَذْتُه، فقال لي : اذْهبْ الآن فَتَعلَّم
الفَرائضَ، قُلتُ، قد تَعَلَّمتُ الصُّلْبَ والجدَّ والكُبَرَ (٢) . قال: فأيُّما أقْرِبُ إليكَ ابنُ
أخِيكَ أوْ عَقُّك؟ قلتُ : ابنُ أخي ، قال : ولِمَ ؟ قلتُ: لأنَّ أخي من أبي ، وعَمِّي
من جَدِّي ، قال : اذْهَبْ الآنَ، فَتَعلَّمِ العَربيّة ، قلتُ : قد عَلِمتُها قبلَ هَذين ، قال :
فِلِمَ قالَ عُمرُ - يَعني حِينَ طُعِنَ - يا للهِ، يا لِلْمُسلمين، لِمَ فَتَحَ تِلكَ وكَسَرَ هَذه؟
قلتُ : فَتَحَ تِلكَ اللَّمَ على الدُّعاءِ وكَسرَ هَذه على الاسْتِغِائَة والاسْتِنْصار ، فقال : لَوْ
حَدَّثتُ أحَداً ، لِحَدَّثُك(٣).
قال الذهبيُّ في ترجمة أبي نُعَيم : كان من أئمّة هذا الشأن - يَعْني الحَديثَ -
وأثْباتِهم .
وقال أحمدُ بنُ مَنصور الرَّماديُّ: خَرجتُ مع أحمدَ ويَحْيَى إلى عبد الرزّاق خادماً
لهما ، فلمَّا عُدنا إلى الكُوفَة، قال يَحْيَى بنُ مَعين: أريدُ أنْ أَخْتَبرَ أبا نُعيم - الفَضْل بن
دكين - فقال أحمدُ: لا تُرِدْ فالرجلُ ثِقةٌ، قال يَحْيَى: لا بُدَّلي .
فأخَذَ ورَقَةً ، فَكَتبَ فيها ثلاثينَ حَديثاً وجَعلَ على رأسِ كُلِّ عَشرةٍ منها حَديثاً ليسَ
من حَديثِهِ، ثم إنَّهم جاؤوا إلى أبي نُعيم، فخَرجَ ، وجَلسَ علىُ دكانِ طين وأخذَ
أحمدَ بنَ حَنْبَل ، فأجلَسَه ، فقَرأَ عَليه عَشرةَ أحاديث ، فلمَّا قَرأ الحادي عشر ، قال
أبو نُعيم: لَيسَ هذا من حَديثي ، اضْربْ عليه ثم قَرأ العَشرَ الثاني ، وأبو نُعيم
ساكتٌ ، فقَرأَ الحديثَ الثاني ، فقال أبو نُعيم : ليس هذا من حَديثي فاضْربْ عَليه ،
ثم قَرأ العَشرَ الثالث ، ثم قَرأ الحَديثَ الثالث ، فتَغيَّرَ أبو نُعيم ، وانْقِلَبتْ عَيناه ، ثم
أقْبلَ علىْ يَحْيَى ، فقالَ: أمَّ هذا - وذِراعُ أحمدَ بيَدِه - فأوْرَعُ مِنْ أنْ يَعملَ مثلَ هذا ،
وأمَّا هذا - يُريدُني - فأقَلُّ مِنْ أنْ يَفعلَ ذاك ، ولكنَّ هذا مِنْ فِعِلِك يا فاعِل ، وأخرَجَ
رجلَه ، فرَفَسَ يَحْيَى، فَرَمَى به من الدكَّانِ ، وقامَ، فدَخلَ دارَه ، فقالَ أحمدُ ابنُ
(١) سورة يونس، الآية : ٧١ .
(٢) أي مسائل الفرائض .
(٣) انظر السير: (الخُرَيْبي) ٣٤٦/٩-٣٥٢، وانظر النزهة: ١/٨٢٨.
٣٤

حَنْبَل لِيَحْيَى: أَلَمْ أمْنَعْك وأقُلْ لكَ: إِنَّه ثَبتُ، قالَ: والله، لرَفْسَتُه لي أحَبُّ إليَّ من
سَفرتي(١) .
وقال محمّدُ بنُ يُوسُف البُخاريّ : سَمعتُ إبراهيمَ الخَوَّاصَ ، مُسْتَملي صَدَقَة ،
يقولُ : رأيتُ أبا زُرعَة كالصَّبيِّ جالساً بينَ يَدي محمَّد ابنِ إسْماعيلَ، يَسألُه عن عِلَلِ
الحَديثِ(٢) .
٣- اخْتبارُ الخُلَفَاءِ العُلماءِ :
قال أبو المُظَفَّر في كتابِ (( مِزَّةُ الزَّمانِ )) قال عبدُ الصَّمَد بنُ المُهْتَدِي: لمَّا دَخَلَ
المَأمُونُ بَغْدادَ نادى بتَركِ الأَمْرِ بالمَعْروفِ والنَّهي عن المُنْكَرِ ، وذلك لأنَّ الشُّيوخَ بَقَوْا
يَضْرِبُونَ ويَحْبِسُون، فَنَهَاهُم المَأْمُونُ وقال: قد اجْتَمَعَ النَّاسُ على إمامٍ ، فمَرَّ
أبو نُعَيمٍ ، فرأى جُندِياً وقد أَدْخَلَ يَدَيْهِ بَيْنَ فَخِذَي امْرَأَةٍ ، فَنَهَاه بعُنْفٍ ، فحَمَّلَه إلى
الوَالِي، فَحَمَلَه الوَالِي إلى المَأْمُونِ . قال: فأُدخِلتُ عليه بُكرَةً وهو يُسَبِّحُ ، فقال:
تَوَضَّأ. فَتَوَضَّأْتُ ثلاثاً ثلاثاً على ما رَوَاهُ عبدُ خَيرٍ ، عن عليٍّ، فصَلَّيْتُ رَكعَتَيْنِ ،
فقال : ما تقولُ في رَجلِ ماتَ عن أبَوَيْنِ ؟ فَقُلتُ: للأُمِّ الُّلُثُ ، وما بَقِيَ للأبِ ،
قال : فإنْ خَلَّفَ أَبَوَيْه وأَخَاهُ؟ قُلتُ: المَسْألَةُ بِحَالِها ، وسَقَطَ الأَخُ ، قال : فإنْ خَلَّفَ
الأَبَوَيْنِ وأَخَوَيْنِ ؟ قُلتُ: للأُمّ السُّدُسُ، وما بَقِيَ للَبِ . قال: في قَولِ النَّاس
كُلِّهم ؟ قُلتُ : لا، إنَّ جَدَّكَ ابنَ عَبَّاسِ يا أميرَ المؤمنين ما حَجَبَ الأُمَّ عن الثُّلُثِ إلَّ
بثلاثَةِ إِخْوَةٍ . فقال: يا هذا ، مَنْ نَهَى مِثْلَكَ عن الأمْرِ بالمَعْرُوفِ؟ !! إنَّمَا نَهَيْنا أقْوَاماً
يَجْعَلونَ المَعْرُوفَ مُنْكَراً. ثمَّ خَرَجْتُ(٣) .
وقال أبو العبّاس السَّراج: حَدَّثنا محمدُ بنُ سَهل بن عَسْكَر قال : تَقدَّم رجلٌ غَرِيبٌ
بيده مِحْبَرة إلى المأمون ، فقال: يا أميرَ المؤمنين ، صاحبُ حَديثٍ مُنقَطعٌ به ،
فقال : ما تَحفَظُ في باب كذا وكذا؟ فلم يَذْكُرْ شيئاً . فقال: حَدَّثنا هُشَيمٌ، وحَدَّثنا
(١) انظر السير: (أبو نُعيم) ١٤٢/١٠ - ١٥٧، وانظر النزهة: ٥/٨٥٩ .
(٢) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاري) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٢.
(٣) انظر السير: ( أبو نعيم) ١٠/ ١٤٢ -١٥٧، وانظر النزهة: ١/٨٦٠.
٣٥

يَحْيَىْ، وحَدَّثنا حَجَّاجُ ابنُ محمد ، حتى ذَكرَ البابَ، ثم سألَه عن بابٍ آخَر ، فلمْ
يَذْكُرْ شَيئاً، فقال: حَدَّثنا فُلانٌ. ثم قال لأصْحابِهِ : يَطلُبُ أحَدُهم الحَديثَ ثلاثةَ
أيَّام ، ثم يقولُ: أنا من أصْحابِ الحَديث، اعْطوهُ ثَلاثةَ دَراهم(١) .
٤- اخْتبار العَالمِ فَهْمَ تلاميذه :
وقال محمدُ بنُ إبراهيمَ البُوشَنْجي ، حَدَّثنا عبدُ الله بنُ يَزِيد الدِّمَشْقي ، حَدَّثنا عبدُ
الرحْمَنِ بنُ يَزيد بنِ جابِر ، قال : رأيتُ في المقسلاطِ صَنماً من نُحاس ، إذا عَطِشَ ،
نَزَل ، فَشَرِبَ . ثم قال البُوشَنْجي: رُبَّما تَكلَّمت العُلماءُ على سَبيل تَفَقُدِّهم مِقْدَارَ
أفْهام حاضريهم ، تَأديباً لهم ، وتَنبيهاً على العلم ، وامتحاناً لأوهاهم فهذا ابن جابر ،
وهو أحَدُ عُلماءِ الشَّام ، وله كُتبٌ في العلم ، يقولُ هذا ، والمقسلاط : مَوضعٌ
بدمشقَ بسُوق الدَّقيق ، يُريدُ أنَّ الصَنمَ لا يَعطش ، ولو عَطشَ نزلَ فشَرب ، فَيَنْفي عنه
التُّزُولَ ، والعَطَش(٢).
( ب ) المُناظرَة :
١ - المُناظَرة بدون نية حَسنَةٌ مَضرّة :
قال ابنُ بَطَّة : سَمعتُ البَرْبَهاريَّ يقولُ: المجالَسةُ للمُناصَحة فَتَحُ بابِ الفائدة ،
والمجالَسةُ للمُناظَرَةِ غَلقُ بابِ الفائدة(٣) .
٢ - من آداب المُناظرة :
عن الشافعيِّ قال: ما كَابَرني أحدٌ على الحقِّ ودَافَعَ ، إلاَ سَقطَ من عَيْنِي ، ولا قَبِلَه
إلَّ هِبْتُه، واعْتَقدتُ مَوَدَّتَه(٤) .
وقال الضِّياءُ : كان المُوَفَّقُ لا يُناظرُ أحداً إلاَّ وهو يَتَبَسَّمُ .
(١) انظر السير: (المأمون) ٢٧٢/١٠ - ٢٩٠، وانظر النزهة: ٣/٨٧٦.
(٢) انظر السير: (البُوشَنجي) ٥٨١/١٣-٥٨٩، وانظر النزهة: ٣/١١١٨.
(٣) انظر السير: (البربهاري) ٩٠/١٥-٩٣، وانظر النزهة: ٣/١١٨٥.
(٤) انظر السير: (الإمام الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٥/٨٤٧.
- ٣٦

قال الذهبيُّ: بلْ أكثَرُ مَنْ عايَنًا لا يُناظِرُ أحداً إلاَّ ويَنْسَهُ(١).
٣- مَنْ كان حَسَنَ المُناظرة :
قيل لمالك : هل رأيتَ أبا حَنِيفَة ؟ قال : نعم . رأيتُ رَجلاً لو كلَّمَك في هذه
السَّارِيَة أنْ يَجعلَها ذَهباً لقامَ بِحُجَّته(٢).
(ج) أجوبةٌ ورُدود :
١ - مضرّة تَرك الجَواب :
عن مَنصورِ بنِ أبي مُزاحم : سَمعتُ شريكاً يقولُ: تَرِكُ الجَوابِ فِي مَوْضِعِه إذابةُ
القَلب(٣).
٢- حُسْنُ الجَواب يجب أنْ يَقْترن بالأدب :
قال أبو الحَسن بنُ المَرْزُبان : كان أبو محمد بنُ ماسي مِنْ دارِ كَعْب يُنِفِذُ إلى
أبي عُمر ، محمدُ بنُ عبد الواحد البَغْدادي ، غلام ثعلب وقتاً بعد وقت كفايته ما يُنفِقُ
على نفسِه فقَطعَ ذلك عنه مُدَّة لعُذْرٍ ، ثم أَنْفَذَ إليه جُملة ما كان في رَمه ، وكتب إليه
يَعتذرُ، فردَّه، وأمرَ أنْ يُكتبَ على ظَهْر رُقْعَته: أكْرَمْتَنا فمَلَكْتَنا ثم أعْرَضْتَ عنَّا ،
فأرَحْتَنَا (٤) .
قال الذهبيُّ : هو كما قال أبو عُمر ، لكنَّه لم يُجْمِلْ في الرَّدِّ ، فإنْ كان قد مَلكَه
بإحْسانِهِ القَديم، فالتَّمَلُّك بحالِه، وجُبرَ التَّأخيرُ بمَجيئه جُملةً وباعْتِذارِه ، ولو أنَّه
قالَ: وتَرَكْتَنَا فأعْتَقْتَنا، لكان ألْيَق (٥).
انظر السير: (ابنُ قَدامَة) ١٦٥/٢٢-١٧٣، وانظر النزهة: ٣/١٦٨١.
(١)
(٢)
انظر السير: ( أبو حَنِيفَة) ٦/ ٣٩٠ -٤٠٤، وانظر النزهة: ٥/٦٦٢.
انظر السير: (شريك) ٨/ ٢٠٠ -٢١٦، وانظر النزهة: ٤/٧٤٣ .
(٣)
انظر السير: ( أبو عُمر الزَّاهد) ٥٠٨/١٥-٥١٣، وانظر النزهة: ١/١٢٥٥.
(٤)
(٥) انظر السير: (أبو عُمر الزَّاهد) ٥٠٨/١٥-٥١٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٥٥.
٣٧

٣- أجوبةٌ ذَكيّة :
قال رجلٌ لابنِ الحَنَفيَّة : ما بالُ أبيكَ كان يَرْمي بك في مَرَامٍ لا يَرْمي فيها الحَسَنَ
والحُسَين؟ قال: لأنَّهما كانا خَدَّيْه وكُنتُ يَدَه، فكان يَتَوقَّى بَيَدَيْه عن خَذَّيْهِ(١) .
وقال مالكُ بنُ سُليمان : كان لإبراهيمَ بنِ طَهْمان جِرايَةٌ من بيت المال فاخرة ،
يأخذُ في كلِّ وَقت ، وكان يَسْخو به ، فسُئل مرَّةً في مجلس الخَليفة ، فقال :
لا أدْري ، قالوا له : تَأخذُ كلَّ شَهرٍ كَذا وكذا ولا تُحْسِنُ مَسأَلَةِ ؟
فقال: إنَّما آخُذُ على ما أُحْسِنُ ، ولو أخَذتُ على ما لا أُحْسِنُ ، لفَنِيَ بَيَتُ المال
عليَّ، ولا يَفْنى ما لا أُحْسِن . فأعْجبَ أميرَ المؤمنين جَوابُه ، وأمرَ له بجائزة فاخرة ،
وزاد في جِرايَتِه .
مات إبراهيمُ بنُ طَهْمان سنة ثلاث وستين ومئة(٢) .
وقال مَخلدُ بنُ خِداش : سألتُ مَالكاً عن الشِّطْرَنج . فقال: أحَقُّ هو ؟ فقلتُ :
لا . قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُّ﴾(٣)، (٤).
وجاء في ترجمة عليٍّ الرِّضَا الهاشِميِّ، قال الإمامُ الذَّهبيُّ:
وقِيلَ : قال المَأمونُ للرِّضَا: ما يقولُ بَنو أبيك في جَدِّنا العَبَّاس؟ قالَ:
ما يَقولون في رَجلِ فَرَضَ اللهُ طاعَةَ نَبِيِّه على خَلقِه، وفَرضَ طاعَتَه علىُ نَبَيِّه . وهذا
يُوهِمُ في البَديهَة أنَّ الضَّميرَ في طاعَتِهِ للعَبَّاس، وإنَّما هو الله - فأمَرَ له المَأمونُ بألفِ
ألفٍ دِرْهم(٥) .
وقال عليٍّ بنُ عبد الرحمَن، حَدَّثنا سَعيدُ بنُ كَثير بنِ عُفَير قال: كُنَّا بقُبَّة الهَواء
(١) انظر السير: (ابنُ الحَنَفيَّة) ١١٠/٤-١٢٩، وانظر النزهة: ٤/٤٥٨.
(٢)
انظر السير : (إبراهيم بن طهمان) ٧/ ٣٧٨ _ ٣٨٥، وانظر النزهة : ٢/٧٠٦.
(٣)
سورة يونس ، الآية : ٣٢ .
انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨ -١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣٦.
(٤)
(٥) انظر السير: (عليٌّ الرِّضًا) ٣٨٧/٩ -٣٩٣، وانظر النزهة: ٢/٨٣٢.
٣٨

عند المَأمونِ فقال لنا : ما أعْجَبَ فِرْعَونَ من مِصْرَ حَيثُ يقول: ﴿أَلَيْسَ لِ مُلْكُ
مِصْرَ﴾ (١).
فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ ، إنَّ الذي تَرَى بَقيَّةُ ما دُمِّر. قال تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾(٢)، قال: صدقت. ثم أمْسَك.
مات سَعيدُ بنُ عُفَير سنة ست وعشرين ومئتين(٣) .
وقال أبو تَمَّام في المُعْتَصِم أو ابنِه :
في حِلْمٍ أَخْنَفَ فِي ذَكَاء إياس (٤)
إِقْدامُ عَمرو في سَمَاحَةِ حاتِمٍ
فقالَ الوَزِيرُ : شَبَّهتَ أميرَ المُؤمنينَ بأجْلافِ العَرب ، فأَطْرَقَ ثم زادَها :
مثلاً شَروداً في النَّدى والبَاسِ
لا تُنْكروا ضَرْبي له مَنْ دُونَه
مثلاً من المشْكَاة والنِّبراسِ (٥)
فاللهُ قد ضَربَ الأقلَّ لِنُورِهِ
وقِيلَ : كان القاضي الفَاضِلُ أبو عَليٍّ عبدُ الرَّحيم بنُ عَليّ اللَّخْمِيُّ أَحْدَبَ ،
فحَدَّثني شَيخُنا أبو إِسْحَاقَ الفَاضليُّ أنَّ القاضيَ الفاضلَ ذَهبَ في الرُّسليَّة إلى صَاحبِ
المُوصِل، فأُحْضِرَتِ فَواكهُ ، فقال بعضُ الكِبار مُنكِّتاً : خِيَارُكُمْ أَحْدَبُ ، يُوَرِّي
بذلك، فقالَ الفاضلُ: خَسُنَا خَيرٌ مِنْ خِيَارُكم (٦) .
وسألَ رجلٌ ابنَ الجَوْزيَّ ، أيّامَ ظُهور الشِّيعَة : أيُّهما أفضلُ أبو بَكرٍ أو عليٍّ ؟
فقالَ : أَفْضَلُهُما مَنْ كانت بِنتُه تَحتَه .
وهذه عِبَارَةٌ مُحْتمَلَة تُرضي الفَرِيقَين(٧) .
(١) سورة الزخرف ، الآية : ٥١ .
(٢) سورة الأعراف ، الآية : ١٣٧
(٣) انظر السير: (سعيدُ بن كثير بن عُفير) ٥٨٣/١٠-٥٨٦، وانظر النزهة: ٣/٨٩٧.
انظر السير: ( أبو تَمَّام) ٦٣/١١ -٦٩، وانظر النزهة: ٤/٩٠٩.
(٤)
انظر السير: ( أبو تمَّام) ١١/ ٦٣ -٦٩، وانظر النزهة: ١/٩١٠.
(٥)
انظر السير: (القاضي الفاضل) ٣٣٨/٢١ - ٣٤٤، وانظر النزهة : ٤/١٦٣٠.
(٦)
(٧) انظر السير: ( أبو الفرج ابنُ الجَوزي) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٣٤.
٣٩

٤- أجوبةٌ مُفْحِمَة :
عن أبي الصدِّيقِ النَّاجي: أنَّ الحَجَّاجَ دَخلَ على أسْماءَ بنتِ أبي بكر ، فقالَ : إنَّ
ابنَك أَلْحَدَ في هذا البيت، وإنَّ اللهَ أَذَاقَه من عذاب أليم . قالت: كَذبْتَ! كانَ بَرّاً
بوَالدَتِهِ، صَوَّاماً، قَوَّاماً، ولكن قد أخْبَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( أنَّه
سَيَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ: الآخَرُ مِنْهُمَا شَرِّ مِنَ الأوَّلِ، وهو مُبِير)) (١).
وعن عبدِ المَلك بنِ عُمير قال : كتبَ المُغيرةُ إلى مُعاوِيَة ، فَذَكَر فَنَاءَ عُمرِه ، وفَنَاءَ
أهْلِ بَيْتِهِ ، وجَفْوَةَ قُريشٍ له . فوَرَدَ الكتابُ على مُعاويَةَ وزِيادٌ عندَه ، فقالَ : يا أميرَ
المؤمنين ، وَلِّني إجابته فألْقَى إليه الكتابَ ، فكتبَ : أمَّا ما ذَكرتَ من ذَهابِ عُمرِك ،
فإنَّه لَمْ يَأْكُلْهِ غَيْرُك ، وأمَّا فَنَاءُ أهْلِ بَيتِك ، فلو أنَّ أميرَ المؤمنين قَدِرَ أنْ يَقي أحداً لوَقى
أهلَه، وأمَّا جَفوَةُ قُريش، فأَنَّى يَكونُ ذاك وهم أمَّروك(٢) .
وقال حَميدُ بنُ هِلال : سألَ عَقيلُ بنُ أبي طالب عَلَّاً ، وشَكا حاجَتَه ، قال : اصْبِرْ
حتى يَخْرِجَ عَطائي، فأَلَخَّ عليه فقالَ: انْطَلق فخُذْ مَا فِي حَوانيتِ النَّاس . قال: تُرِيَدُ
أنْ تَّخِذَني سارِقاً !! ؟ قال: وأنتَ تُريدُ أنْ تَّخذَني سارِقاً وأُعطيكَ أموالَ النَّاس ؟
فقال: لآتِيَنَّ مُعاويَة . قال : أنتَ وذَاك . فسارَ إلى مُعاويَة فأعْطاهُ مئةَ ألفٍ وقالَ :
اصْعَد المِنْبِرَ فاذْكُر ما أَوْلاكَ عَلِيٌّ وما أَوْلَيْتُك ، فصَعدَ وقالَ : يا أيُّها الناسُ! إنِّي أَرَدتُ
عَليَّاً علىُ دِينِهِ ، فاخْتَارَ دينَه عليَّ، وأَرَدتُ مُعاويَةَ على دينِهِ ، فاخْتَارَني على دينه .
قال مُعاويَةُ : هذا الذي تَزَعمُ قُريشٌ أنَّه أحْمَق(٣).
وقيلَ إنَّ مُعاويَةَ قالَ لهم : هذا عَقيلٌ وعَمُّه أبو لَهَب ، فقال : هذا مُعاويَةُ وعَمَّتُه
حَمَّالَة الخَطَب(٤) .
وعن العُتبيِّ، عن أبيه ، قال : دَخلَ سالمُ بنُ عبد الله بنِ عُمر على سُليمانَ بن
(١) انظر السير: (أسماء بنت أبي بكر) ٢٨٧/٢ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٥/٢٦٢.
(٢) انظر السير: ( المُغيرَة بن شعبة) ٢١/٣ -٣٢، وانظر النزهة: ١/٣٢٥.
انظر السير: (عَقِيلُ بن أبي طالب) ٩٩/٣ - ١٠٠، وانظر النزهة: ٦/٣٤٢.
(٣)
(٤) انظر السير: (عَقيلُ بن أبي طالب) ٩٩/٣ - ١٠٠، وانظر النزهة: ١/٣٤٣.
٤٠