النص المفهرس
صفحات 481-500
وإذا تُنازِعُني أقُولُ لها اسْكُتِي قَتْلٌ يُرِيْحُكِ أوْ صُعُودُ المِنْبَرِ (١) وجاءَ في تَرجَمَةِ المُعْتَضِد باللهِ قالَ الذهبيُّ: ولمَّا قُتِلَ المُتَوَكِّلُ غِيلَةٌ ، ثم قُتْلَ المُعْتَزُّ ، ثُمّ المُسْتَعِينُ والمُهْتَدي وضَعُفَ شَأنُ الخِلافَةِ تَوَثَّبَ ابْنا الصَّفَّارِ إلى أنْ أَخَذَا خُراسَانَ بعدَ أنْ كانا يَعْمَلانِ النُّحاسَ ، وأقْبَلا لأخْذِ العِراقِ وقَلْعِ المُعْتَمِد . وتَوَثَّبَ طُرُقِيٌّ داهيةٌ بالزِّنْجِ على البَصْرَة، وأبادَ العِباد ومزَّقَ الجُيوشَ، وحارَبوه بضْعَ عَشرةَ سنةً إلى أنْ قُتْلَ وكان مارِقاً ، بلغَ جُنْدُه مئة ألف(٢). فِبَقِيَ يَتَشَبَّهُ بِهَؤلاءِ كُلُّ مَنْ فِي رَأْسِهِ رِئاسَةٌ ، ويَتَحَيَّلُ على الأُمَّة ليُزْديهِم في دِينِهم ودُنْيَاهُم، فَتَحَرَّكَ بِقُرَى الْكُوفَةِ رَجَلٌ أَظْهَرَ الثَّعَبَّدَ والتَّزَهُّدَ ، وكانَ يَسفتُّ الخُوصَ ويُؤْثِرِ ، ويَدْعُو إلى إمامِ أهْلِ البَيْتِ ، فَتَلَفَّقَ له خَلقٌ وتَلَّهُوا إلى سَنةِ سِتٍّ وَثَمانينَ ، فِظَهَرَ بالبَحْرَينِ أبو سَعيد الجَنَّبِيّ، وكانَ قَمَّاحاً، فصَارَ مَعهُ عَسْكرٌ كَبِيرٌ، ونَهَبُوا ، وفَعَلُوا القَبَائِحَ، وتَزَنْدَقُوا، وذَهَبَ الأخَوانِ يَدْعُوان إلى المَهْدِيِّ بالمَغْرِبِ ، فثارَ مَعُهُما البَزْبَرُ ، إلى أنْ مَلَكَ عبدُ الله المُلَقَّبُ بالمَهْدِيِّ غَالِبَ المَغْرِبَ ، وأَظْهَرَ الرَّفْضَ ، وأبْطَنَ الزَّنْدَقَةَ، وقامَ بَعدَهُ ابنُهُ، ثُمّ ابنُ ابنِهِ، ثُمّ تَمَلَّكَ المُعِزُّ وأوْلادُه مِصْرَ والمَغْرِبَ واليَمنَ والشَّامَ ، دَهْراً طَوِيلاً فَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله . وفي سَنةِ ثَمانِينَ ومئتين عائَتْ بَنُو شَيْبانَ ، فسَارَ المُعْتَضِدُ، فَلَحِقَهُم بالسِّنِّ، فَقَتَّلَ وغَرَّقَ ومَزَّقَهُم، وغَنِمَ العَسكَرُ من مَواشِيهِم ما لا يُوصَفُ، حتّى أُبِيعَ الجَمَلُ بِخَمسَةِ دَرَاهِم، وصَانَ نِساءَهُم وذَراريهِم ، ودَخَلَ المُوصِلَ، فجاءَتْهُ بَنُو شَيْبَانَ ، وَذَلُّوا، فَأَخَذَ منهُم رَهائِنَ ، وأعْطَاهُم نِساءَهُم ، ومَاتَ في السِّجْنِ المُفَوِّضُ إلى الله، وقِيلَ : كانَ المُعْتَضِدُ يُنادِمُه في السِّرِّ(٣). (١) انظر السير: ( الخَبيث) ١٢٩/١٣-١٣٦، وانظر النزهة: ١/١٠٦٥. انظر السير: ( المُعتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٦. (٢) (٣) انظر السير: (المُعتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٣/١١٠٦. ٤٨١ خامساً : القَرامِطَة جاء في ترجمة المعتضد بالله ، قال الذهبيُّ : وفي سنة ثمانٍ وسبعين ومئتين كان أوَّلُ شأنِ القَرامِطَةِ (١) . وفي سنة ستٍّ وثمانين ومئتين ، ظهر بالبَحْرَينِ رأسُ القَرامِطَة أبو سَعيد الجنَّابي ، وكثُرت جُموعُه، وانضافَ إليه بقايا الزَّنج، وكان كَيَّالاً بالبَصْرَة ، فَقيراً يَرفو الأعْدال، وهم يَسْتِخِقُونَ به، ويَسْخَرونَ منه، فآل آمرُه إلى ما آل، وهزمَ عَساكرَ المُعْتَضد مرَّات ، وفَعلَ العَظائم ، ثم ذُبح في حمَّام قَصرِه ، فخلفَه ابنُهُ سُليمانُ الذي أخذَ الحَجَرَ الأسْوَد ، وقَتَلَ الحَجيجَ حَولَ الكَعْبَة ، وهو جَدُّ أبي عليّ الذي غلب على الشام ، وهلك بالرَّملة في سنة خمس وستين وثلاث مئة(٢). وفي سنة سبع وثمانين ومئتين : استفحل شأنُ القَرامِطَة ، وأسْرَفوا في القَتل والسَّبي ، والتقى الجنَّابِيُّ وعبّاسٌ الأمير، فأسَره الجنَّبيُّ، وأسرَ عامَّة عَسكره ، ثم قَتْلَ الجَميعَ سِوى عبَّس، فجاء إلى المُعتَضِد وحدَه في أسْوأ حال . ووقع الفناءُ بأذَرْبيجان ، حتى عُدِمَت الأكفانُ جُمْلةً ، فكُفِّنوا في الُّبود . واعتلَّ المعتضدُ في ربيع الآخر، ثم تماثَلَ ، وانتَكَسَ ، فماتَ في الشهر ، وقام المُكْتَفي لثمانٍ بَقين من الشهر ، وكان غائباً بالرَّقَّة ، فنهَضَ بالبَيْعَة له الوَزيرُ القاسمُ بنُ عُبَيد الله . وكانت خِلافة المعتضد تسعَ سنين ، وتسعةً أشْهُر وأيَّاماً . وقد وَلَيَ الخِلافة من بَنيه : المُكْتَفي عليٌّ، والمُقْتَدِرُ جَعْفَرٌ ، والقَاهِرُ محمّدٌ ، وله عِدَّةُ بناتٍ ، وهارون(٣) . (١) انظر السير: (المُعتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ١/١١٠٥. (٢) انظر السير: (المُعتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٨. انظر السير: ( المُعتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٣/١١٠٨. (٣) ٤٨٢ وجاء في ترجمة (( المُكْتَفي بالله))، قال الذهبيُّ: وفي سنة أربع وتسعين ومئتين : أخذَ زَكْرَوَيْهِ القِرْمِطيّ ركب العراق، وكنّ نساء العرب يُجْهِزْنَ على الجَرْحَى ، فيُقالُ : قَتلوا عشرين ألفاً ، وأخذوا ما قيمته ألفا ألفِ دينار ، ووقَع النَّوحُ في المُدُن ، وجهَّزَ المُكْتَفي جَيشاً لحَرْبه ، فلا تسأل ما فعل هذا الكلبُ بالوَفْدِ !! ثمّ التَّقَوا فقُتل عامَّةُ أصحاب زَكْرَوَيْه ، وأُسِرَ هو وعِدَّة ، ثم مات من جراحه، وأُحْرِقَ هو وجَماعة . وفي سنة خمس وتسعين ومئتين : كان الفِداءُ بين المسلمين والرُّوم ، فافتُكَّ نحو ثلاثةُ آلاف نَفَر ، ومات المُكْتَفي شاباً ، في سابع ذي القعدة من السنة ، وعاشَ إحْدَى وثلاثين سنةً وأشْهُراً (١). جاء في ترجمة (( القِرْمِطيِّ))، قال الذهبيُّ: عَدوُ الله مَلكُ البَحْرَين ، أبو طاهر ، سُليمانُ بنُ حسن ، القِرْمِطِيُّ(٢) ، الجنَّابِيُّ(٣) ، الأعْرابِيُّ الزِّنْديقُ الذي سارَ إلى مگّة في سبع مئة فارسٍ ، فاسْتباحَ الحَجِيجَ كلَّهم في الحَرم ، واقْتَلعَ الحجَرَ الأسْوَدَ ، وردَمَ زَمْزَمَ بالقَتْلى ، وصَعد على عتبة الكعبة يَصيحُ : يَخْلُقُ الخَلْقَ وأُقْنيهم أنا أنا بالله وبالله أنا فقَتَلَ في سِكَكِ مكَّة وما حَولها زُهاءَ ثلاثين ألفاً، وسَبى الذُّرِّيَّةَ وأقامَ بالحَرمِ ستّةَ أيّام . بذلَ السيفَ في سابع ذي الحجَّة، ولمْ يُعَرِّفْ(٤) أحدٌ تلك السنة، فللَّه الأمر وقَتلَ أميرَ مَّة ابنَ مُحارب ، وعَرَّى البَيتَ ، وأخذَ بابَه ، ورجَعَ إلى بلادِ هَجَر . وقيل : دخلَ قِرْمِطِيُّ سَكرانٌ على فرسٍ ، فصفَّر له ، فبالَ عند البيت وضرَبَ الحجَرَ بدَبُّوس هشَّمَه ، ثم اقتلَعَه ، وبقيَ الحجَرُ الأسودُ عندَهم نيَّفاً وعشرين سنة . (١) انظر السير: ( المُكْتَفي بالله) ٤٧٩/١٣ -٤٨٥، وانظر النزهة: ١/١١١٠. (٢) نِسْبَة إلى حمدان قِرْمط، وهو أوّل من نَشرَ مَذهبَ القرامطة. (٣) هذه النسبة إلى جنّابة، وهي بلدة من أعمال فارس متصلة بالبحرين عند سيراف، والقرامطة منها، فنُسبوا إليها . (٤) لم يقف أحدٌ على جبل عرفة . ٤٨٣ ويُقالُ: هلك تحتَه إلى هَجَر أربعون جَمَلاً ، فلمَّا أُعيدَ كان علىُ قَعُودٍ ضَعيف ، فسَمنَ . وكان بُجْكم التُّرْكيُّ(١) دَفعَ لهم فيه خمسين ألف دينار ، فأبوا وقالوا : أخذناه بأمرٍ ، وما نَرُدُّه إلاَّ بأمرٍ . وقِيلَ : إن الذي اقتَلَعَه صاحَ : يا حَمير ، أنْتُم قُلْتُم: ومَنْ دَخَلَه كان آمِنَاً ، فأَئِينَ الأمنُ ؟ !! قال رجلٌ: فاستَسْلمتُ، وقلتُ: إنَّ اللهَ أرادَ: ومَنْ دخلَه فأمِّنُوه ، فَلَوَى فَرَسَه وما كلَّمَني(٢) . واتَّفَقَ أنَّ أبيّ السَّاج الأميرَ نَزَلَ بأبي سَعيدِ الجَنّابِيِّ فَأَكْرَمَه، فلمَّا سَارَ لِحَرْبِهِ ، بَعَثَ يَقولُ: لكَ عليَّ حَقٌّ، وأنْتَ في خَمْسٍ مِئَةَ وأنا في ثلاثينَ ألفاً فانْصَرِفْ ، فقالَ للرسُولِ : كَمْ مَعَ صَاحِبِك ؟ قالَ : ثلاثُونَ ألفَ راكبٍ ، قال: ولا ثَلاثَة، ثم دَعَا بعَبْدٍ أسْوَدٍ، فقالَ له : خَرِّقْ بَطْنَكَ بهذه السِّكين، فَبَدَّدَ مَصارينَه، وقالَ لَآخَر : اغْرَقْ في النَّهْرِ، فَفَعَل، وقال لَآخَر : اصْعَدْ على هذا الخَائِطِ ، وانْزِلْ على مُخِّكَ ، فَهَلَك فقال للرسُولِ : إنْ كانَ مَعَهُ مِثلَ هؤلاء ، وإلاَّ فمَا مَعَه أحَدٌ . وقِيلَ صَعَدَ قِرْمِطِيٌّ لقَلع المِيزاب، فسَقَطَ، فماتَ وكان ذلكَ سَنةَ سَبعَ عَشْرَة وثلاث مئة ، وكان أميرُ العِراقَيْنِ مَنصُورُ الدَّيْلَمَيّ وجافَتْ(٣) مكَّةُ بِالقَتْلَى. قال المراغيُّ: حَذَّثنا أبو عبدِ الله بنُ محرم، وكانَ رسُولَ المُقْتَدِر إلى القِرْمِطيِّ، قال: سألتُه بعدَ مُناظَرَات عن اسْتحْلالِه بما فَعَلَ بمَكّة فأحْضَرَ الحجر في الدِّيْباجِ ، فلمَّا أُبْرِزَ كَبَّرتُ ، وأُرَيْتُهم من تَعْظِيمِه والتََّرُكِ به على حالَةٍ كبيرةٍ ، وافْتِنَتْ اَلْقَرَامِطَةُ بأبي طاهر ، وكان أبُوهُ قد أطْلَعَه وحْدَه علىْ كُنُوزٍ دَفَتَها ، فلمَّا تَمَلَّكَ ، كان يقولُ : هُناكَنْزٌ، فَيَحْفِرُون، فإذا هم بالمَالِ فِيَفْتَنِنُونَ به ، وقالَ مَرّةً: أريدُ أنْ أحْفرَ هُنا عَيْناً ، قالوا: لا تَنْبُع، فخَالَفَهُم، فَنَبَعَ المَاءُ ، فازْدَادَ ضَلالُهُم به، وقالوا: هُوَ إِلَهُ، وقالَ (١) أمير الأمراء في بغداد زمن الرَّاضي بالله والمُتَّقي كان داهيةً، شُجاعاً، قتلَه الأكْرادُ سنة ٣٢٩ هـ. (٢) انظر السير: (القِرْمِطِيّ) ٣٢٠/١٥ _٣٢٥، وانظر النزهة: ١٢٣٠ - ١٢٣١. (٣) جافت : أي أنتنت . ٤٨٤ قَومٌ: هُوَ المَسيحُ، وقِيلَ: نَبِيٌّ وقد هَزَمَ جُيوشَ بَغْدَادَ غَيرَ مَرّة، وعَتَا وَتَمَرَّدَ(١). قال مُحمّدُ بنُ رزام الكُوفِيّ : حَكَىْ لي ابنُ حمْدان الطَّبِيبُ ، قال : أَقَمتُ بالقَطيفِ أُعالِجُ مَرِيضاً، فقالَ لي رَجلٌ: إنَّ اللهَ ظَهَرَ ، فخَرَجْتُ فإذا النَّاسُ يُهْرَعونَ إلى دَارِ أبِي طَاهِر ، فإذا هو ابنُ عِشْرِينَ سَنة ، شَابٌّ مَلِيحٌ عَليه عَمامَةٌ صَفْراءُ ، وثَوبٌ أَصْفَرُ علىْ فَرَسٍ أَشْهَبْ، وإِخْوَتُه حَوْلَه فصَاحَ : مَنْ عَرَفَنِي عَرَفَني ، ومَنْ لَمْ يَعْرِفْني ، فأنا أبو طاهر سُليْمانُ بنُ أبي سَعيدِ الحَسَنُ ، الجَنَّابِيُّ اعْلَمُوا أَنَّا كُنَّا وإِّاكُم حَميراً، وقد مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِهَذا، وأشَارَ إلىْ غُلام أَمْرَدَ ، فقالَ: هَذا رَبُّنا وإلَاهُنا وكُلُّنَا عِبَادُهُ فأخَذَ النَّاسُ التُّرابَ، فَوَضَعُوهُ على رُؤُوسِهِم ثمَّ قالَ أَبُو طاهر: إنَّ الدِّينَ قَدْ ظَهَرَ وهُو دينُ أبينا آدَمَ ، وجَميعُ ما أوْصَلَت إليكُم الدُّعاةُ باطِلٌ مِنْ ذِكْرٍ مُوسَى وعيسَى ومُحمّد ، هَؤلاءِ دَجَّالُونَ وهذا الغُلامُ هو أبُو الفَضْلِ المَجُوسيّ، شَرَعَ لهُم اللِّواطَ ، ووَطْءَ الأُخْتِ ، وأمَّرَ بقَتْلِ مَنْ امْتَنَعَ فَأُدْخِلتُ عليه وبَينَ يَدَيْهِ عِدّةُ رُؤُوسِ ، فسَجَدْتُ له ، وأبُو طاهر والكُبَرَاءُ حَولَهُ قيامٌ فقالَ لأبي طاهر : المُلوكُ لَمْ تَزَلْ تُعِدُّ الرُّؤُوسَ في خَزائِها فسَلُوهُ كَيفَ بَقاؤُها؟ فسُئِلْتُ ، فَقُلتُ: إلَهُنا أعْلمُ، ولكِنِّي أقُولُ : فجُمْلةُ الإنْسانِ إِذا مَاتَ يَحْتَاجُ كَذَا وَكَذَا صَبْراً وكافُوراً والرَّأْسُ جُزْءٌ فِيُعْطَى حِسَابُه فقال : ما أحْسَنَ ما قال ثم قالَ الطَّبيبُ : ما زِلْتُ أسْمَعُهُمْ تِلكَ الأيّامَ يَلْعَنونَ إِبْراهيمَ ومُوسَى ومُحمّداً وعَليَّا ورَأيتُ مُصْحَفاً مُسِحَ بِغَائِطٍ . وقال أبُو الفَضْلِ يَوماً لكاتِه : أُكْتُبْ إلى الخَلِيفَةِ، فصَلِّ لهم على مُحمَّد، وكِلْ مِنْ جِرابِ النُّورَةِ(٣) قالَ: واللهِ ما تَنْبَسِطُ يَدي لذلك، فافْتَضَّ أَبُو الفَضْلِ أُخْتاً لأبي طاهر الجَنَّبِيِّ، وذَبَحَ ولَدَها في حِجْرِها ثمَّ قَلَ زَوجَها ، وهَمَّ بقَتْلِ أبي طاهر، فاتَّفَقَ أبو طاهر مع كاتِه ابنِ سَنْبر ، وآخَر عليه فقالا: يا إلَاهَنا، إنَّ والِدَةَ أبي طاهر قد ماتَتْ فاحْضَرْ لِتَحْشُوَ جَوْفَها ناراً، قال : وكان سُنَّةً له ، فأَتَى فقالَ : ألا تُجِيبَها ؟ قال : لا فإنَّها ماتَتْ كافِرَةً ، فعاوَدَهُ ، فارْتابَ وقالَ : لا تَعْجَلا عليَّ، دَعاني أَخْدِمُ دَوائِكُما (١) انظر السير: (القِرْمِطِيّ) ٣٢٠/١٥ -٣٢٥، وانظر النزهة: ١/١٢٣١. (٢) أي اعمل معهم بالتُّقية . ٤٨٥ إلىْ أنْ يَأْتِيَ أبي ، قالَ ابنُ سَنْبر: وَيْلَكَ هَتَكْتَنا، ونَحنُ نُرَتِّبُ هذه الدَّعوَةَ من سِتِينَ سَنَةٌ ، فَلَوْ رَآكَ أَبُوكَ لَقَتَلَكَ أُقْتُلُهُ يا أبا طاهر، قال: أخافُ أنْ يَمْسَخَني ، فضَرَبَ أخُو أبي طاهر عُنُقَه ، ثمَّ جَمَعَ ابنُ سَنْبرِ النَّاسَ، وقالَ: إِنَّ هذا الغُلامُ وَرَدَ بَكَذِب سَرقه من مَعْدن حَقّ ، وإِنَّا وَجَدْنا فَوْقَهُ مَنْ يَنْكِحُه، وقد كُنَّا نَسْمَعُ أنَّه لا بُدَّ للمُؤمنينَ مِنْ فِتْنَةٍ يَظْهَرُ بَعدَها حَقٌّ، فَأَطْفِئُوا بُيُوتَ النِّيرانِ وارْجِعُوا مِنْ نِكَاحِ الأُمّ، ودَعُوا اللِّواطَ ، وعَظُّمُوا الأنْبياءَ، فضَجُوا وقالوا : كلُّ وَقتٍ تَقُولُونَ لنا قَوْلاً، فَأَنْفَقَ أَبُو طاهر الذَّهَبَ حتىُ سَكَنُوا . قال الطَّبيبُ: فَأَخْرَجَ إليَّ أَبُو طاهر الحَجَرَ ، وقالَ: هَذا كانَ يُعْبَدُ . قُلتُ: كلّ، قالَ: بَلَىْ قُلتُ: أَنْتَ أعْلَمُ، وأخْرَجَهُ في ثَوبٍ دَبيقيٍّ (١) مُمَسَّك. ثُمَّ جَرَت لأبي طاهر مع المُسلمينَ حُروبٌ أوْهَنَتْه وقُتِلَ جُنْدُه ، وطَلَبَ الأمانَ علىُ أنْ يَرُدَّ الحَجَرَ ، وأنْ يأخُذَ عن كلِّ حَاجٌّ دينَاراً ويَخْفِرَهم . قال الذهبيُّ: ثمَّ هَلَكَ بالجُدَرِيِّ - لا رَحِمَهُ الله - سَنَّةَ اثْنَتَينٍ وعشرينَ وثلاثٍ مِئَة بِهَجَر كَهْلاً وقامَ بَعدَه أَبُو القاسِم سَعيد(٢) . (١) نسبة إلى ((دبيق)) وهي بُليدَة كانت بين الفرما وتنيس، من أعمال مصر. (٢) انظر السير: (القِرْمِطِيّ) ٣٢٠/١٥_٣٢٥، وانظر النزهة: ١/١٢٣٢. ٤٨٦ سادساً : مُتنبِّئُون جاء في ترجمة ((القَسْري))، قال محمد بن يزيد الرفاعيّ ، سَمعتُ أبا بكر بن عيَّاش يقول : رأيتُ خالداً القَسْري حين أتى بالمُغيرَة ابن سعيد وأصحابه ، وكان يُریھم أنَّهَ يُحْبِي المَوتَى، فقَتَلَ خالدٌ واحداً منهم، ثم قال للمُغيرَة: أَحْيِه ، فقال : والله ما أُحْيِي المَوتَى، قال: لتُحيينَّه أو لأضْربَنَّ عُنقَك، ، ثم أمر بطنٌّ من قصب فأضرموه ، وقال : اعتنقه ، فأبى ، فعدا رجلٌ من أتباعه فاعتنقه ، قال أبو بكر : فرأيتُ النَّار تأكُله وهو يُشيرُ بالسبَّابة ، فقال خالد: هذا والله أحقُّ بالرئاسة منك ، ثم قتلَه وقتلَ أصحابه(١). قال الذهبيُّ : كان المُغيرَةُ بنُ سَعيد رافضيّاً، خَبيثاً، كذّاباً ، ساحراً، اذَّعى النُّبوَّة، وفضّل عَليَّاً على الأنبياء، وكان مُجَسِّماً، سُقتُ أخبارَه في (( ميزان الاعتدال )) . وكان خالدٌ على هِنَاته يَرجع إلى إسلام(٢). وعن المأمون قال : أعْياني جَوابُ ثلاثة : صِرتُ إلى أُمَّ ذي الرِّياسَتين ، الفَضلِ بن سَهْل، أُعَزِّيها فيه ، وقلتُ : لا تأسَيْ عليه ، فإِنِّي عِوَضُهُ لك ، قالت : يا أميرَ المؤمنين وكيفَ لا أحْزَنُ علىُ ولِدٍ أَكْسَبَني مثلَك(٣). وأُتَيتُ بمُتَنبىٍ ، فقلتُ : مَنْ أنتَ ؟ قال : أنا موسى بن عِمْران ، قلتُ : وَيْحَك! ، موسى بن عِمْران كانت له آياتٌ، فائتِني بها حتى أؤمنَ بك قال: إنَّما أَتَيْتُ بالمُعْجِزات فِرْعَونَ ، فإنْ قُلتَ : أنا رَبِّكُم الأعلى كما قالَ ، أَتَيْتُكَ بالآياتِ . (١) انظر السير: (القَسْري) ٤٢٥/٥-٤٣٢، وانظر النزهة: ٦/٦١٨. (٢) انظر السير: (القَسْري) ٤٢٥/٥-٤٣٢، وانظر النزهة: ١/٦١٩. انظر السير: ( المأمون) ٢٧٢/١٠ - ٢٩٠، وانظر النزهة: ٥/٨٧٦. (٣) ٤٨٧ وأتىُ أهلُ الكوفَة يَشْكونَ عاملَهم ، فقال خَطيبُهم : هو شَرُّ عاملٍ ، أمّا في أوّلٍ سنةٍ ، فبعْنا الأثاثَ والعَقارَ ، وفي الثانية بِعْنا الضِّياعَ ، وفي الثالثة نَزَحْنا وأتيناكَ ، قال : كذَّبتَ ، بلْ هو مَحْمودٌ ، وعَرَفتُ سُخطَكم على العُمَّال قال: صَدَقتَ يا أميرَ المؤمنين ، وكذَبتُ ، قد خَصَصْتَنا به مدّة دون باقي البلاد ، فاستعمِلْه على بلدٍ آخرَ لِيَشْمَلَهم من عَدلِهِ وإِنْصافِهِ ما شَمِلَنا فقُلتُ: قُمْ في غير حِفظِ الله، قد عَزَلْتُه(١) . وكانت الحُروبُ شَديدةٌ بينَ عَسْكرِ الإسلامِ وبين بابِك ، وظَهَر باليَمنِ الصَّناديقيُّ ، وقَتلَ ، وسَبى، وادَّعَى النُّؤَّةَ، ثم هَلَّكَ بالطَّاعُونِ(٢). (١) انظر السير: (المأمون) ٢٧٢/١٠ -٢٩٠، وانظر النزهة: ١/٨٧٧. (٢) انظر السير: ( المأمون) ١٠/ ٢٧٢ - ٢٩٠، وانظر النزهة: ٦/٨٧٧. ٤٨٨ سابعاً : مُرْتَدُون جاء في ترجمة ((عِماد الدولة بن هود))، قال الذهبيُّ: وكان ابنُ رُذمير معروفاً بالوفاء ، حدَّثَنِي مَنْ أثقُ به أنَّ رجلاً كانت له بنتٌ من أجْمل النساء ففقَدَها ، فأُخبرَ أنَّ كبيراً من رؤوس الرُّومِ خَرِجَ بها إلى سَرَّقُسْطَة ، فَتَبَعَه أبَواها وأقاربُها ، فشَكَوه إلى ابن رذمير ، فأحضرَه ، وقال : عليَّ بالنار ، كيف تَفَعَلُ هذا بمَنْ هو في جواري ؟ فقالَ الرُّوميُّ : لا تَعْجَل عليَّ، فإنَّها فَرَّت إلى ديننا ، فجيء بها ، فأنكَرَت أبَوَيْها ، وارتَدَّت ولمّا دخلَ سَرَقُسْطَة ، أقرَّهم على الصلاة في جامِعِها سبعة أعوام ، وبعد ذلك يعمل ما يَرى، وحاصَر قُتُنّدَة(١) بعد سَرَقُسْطَة سنتين، فلمّا كان في آخر سنة أربع عشرة ، قصَدَه عبد الله بن حيونة في جيش فيهم قاضي المَريّة ، أبو عبد الله بنُ الفراء ، وأبو علي ابنُ سُكَّرة، فبرزَ لهمُ اللَّعينُ، فقَتَلَ خَلْقاً، وأُسرَ آخرون، واستُشْهَدَ المَذْكوران ، فبنى عليهم ابنُ رذمير قُبُوراً، ثم سُلِّمَ البلدُ إليه، وأخذَ في تلك المدة دورقة ، وقلعة أيُّوب، وطَرَسُونة ، وأكثر من مئتي مسَوَّر ، ولم يَبْقَ أكثرُ من ثلاثة مدائن لم يأخذها ، وبقي من أعمال بَني هود لا رِدَة ولا إفراغة ، وطُرْطُوشَة ، وغير ذلك معاملة عشرة أيام لم يَظْفَرْ اللَّعينُ بها ، فقام بلارِدة الهُمامُ البَطَلُ أبو محمد ، وقام بإفراغة الزاهدُ المُجاهدُ محمد مَردنيش الجُذامي جَدُّ الأمير محمد بن سَعْد(٢). وجاء في ترجمة (( يوسف بن أيُّوب))، قال الذهبيُّ: سَمعتُ صافيَ ابنَ عبد الله الصُّوفيّ يقول : حَضرتُ مَجْلِس يوسف في النظاميّة ، فقام ابنُ السقَّاء ، فَآذَى الشيخَ ، وسألَه عن مسألةٍ ، فقال : اجلس، إنِّي أجدُ من كَلامك رائحَةَ الكُفْرِ ولَعَلَّكَ تَموتُ على غير الإِسْلام، فاتَّفَقَ أنَّ ابنَ السَّقّاء ذهبَ في صُحْبَة رسولِ طاغية الرُّومِ ، وتَنَصَّر بِقُسْطَنْطِينَيَّةٍ(٣). (١) وهي ثغر سرقسطة من قُرى مرسية . (٢) انظر السير: (عماد الدولة بن هود) ٣٧/٢٠ - ٤١، وانظر النزهة : ١/١٥٢٦. (٣) انظر السير: (يوسُف بن أيُّوب) ٦٦/٢٠-٦٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٣١. ٤٨٩ وأمّا ابنُ السَّقّاء المذكورُ، فقال ابنُ النجَّار : سَمعتُ عبدَ الوَهَّاب ابنَ أحمد المُقرىء يقولُ: كان ابنُ السَّقّاء مُقرئاً مُجَوِّداً ، حَدَّثَنِي مَنْ رَآه بالقُسْطَنْطينيّة مَريضاً على دَكَّةٍ ، فسألتُه : هل القُرآنُ باقٍ على حِفْظك؟ قال: ما أذكُرُ منه إلاَّآيَةً واحدةً: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْلَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾(١) والباقي نَسيتُهُ(٢) . وجاء في ترجمة ((المُعِزِّ)) عزِّ الدنيا والدين ، أنْيَك التُّرْكمانيّ ، قال الذهبيُّ : ومَلَّكوا وَلدَه المنصور ، عليَّ ابنَ أيْبَك ، وله خمس عشرة سنة . عاشَ المُعِزُّ ، أيِبَك الثُّركمانيُّ نَّهاً وخمسين سنة وقُتِلَ في سنة خمسٍ وخمسين وستٍّ مئة(٣) . وأمّا المنصورُ عليٍّ بنُ أنْيَك فعُزلَ وتمَلَّكَ قُطزُ الذي كَسَرَ الَّتَارَ ، فبعثَ بعليّ ويأخيهِ قليج إلى بلاد الأشكُري ، فحدَّثَني سيفُ الدين قليج هذا أنَّ أخاه تَنَصَّرَ بِقُسْطَنْطِينِيَّة وتزَوَّجَ وجاءَته أولادٌ نَصارى، وعاش إلى نَحْو سنة سبع مئة ، وسمَّىُ نفسَه میخائیل(٤). قال الذهبيُّ : نَعوذُ بالله من الشَّقاء ، فهذا بعد سَلطَنة مصرَ كفرَ وتعثّرَ(٥). (١) سورة الحجر ، الآية : ٢ . انظر السير: ( يوسُف بن أيُّوب) ٦٦/٢٠ -٦٩، وانظر النزهة: ٥/١٥٣١. (٢) (٣) انظر السير: ( المُعِزّ) ١٩٨/٢٣ - ٢٠٠، وانظر النزهة : ١/١٧٢٩. (٤) انظر السير: ( المُعِزّ) ١٩٨/٢٣ -٢٠٠، وانظر النزهة: ٣/١٧٢٩ . (٥) انظر السير: (المُعِزّ) ١٩٨/٢٣ -٢٠٠، وانظر النزهة: ٤/١٧٢٩. ٤٩٠ ثامناً : مَلَاحِدَة الرِّيوَندِي جاء في ترجمة ((الرِّيوَندي))، قال الذهبيُّ: المُلْحِدُ، عَدوُّ الدِّين، أبو الحَسَن أحمدُ بنُ يَحْيِىُ بنُ إسْحاق الرِّيوَندي ، صاحبُ التصانيف في الحَطِّ من الملّة ، وكان يُلازِمُ الرَّافِضَة والمَلَاحِدَة، فإذا عُوتِبَ قال: إنَّما أريدُ أن أعرفَ أقْوالَهم . ثم إِنَّه كاشَف وناظَرَ ، وأَبْرَزَ الشُّبَهَ والشُّكوكَ . قال ابنُ الجَوزي : كنتَ أسْمَعُ عنه بالعَظائم ، حتى رأيتُ له ما لم يَخْطُرْ على قلب قال ابنُ عَقيل: عَجَبي كيف لم يُقْتِلْ !! وقد صَنَّفَ ((الدَّامِغَ))، يَدْمَغُ به القُرآنَ ، و((الزُّمُرُدَة)) ، يُزْرِي فيها على النُُّوَّات وقال ابنُ الجَوْزي: فيه هَذَيانٌ باردٌ لا يتعلَّقُ بشُبهَة !! ، يقولُ فيه : إنَّ كلام أكْثَمَ بنِ صَيفي فيه ما هو أحْسَنُ من سورة الكوْثَر !! ، وإِنَّ الأنبياءَ وَقعوا بطَلاسم وأَلَّفَ لليهود والنَّصارَى يحْتَجُّ لهم في إيطالِ نُبُوَّة سَيِّد البشر وقد سَردَ ابنُ الجَوْزي من بَلاياه نَحْواً من ثلاثة أوْراق . قال ابنُ النجَّار: أبو الحَسَن ابنُ الرِّيوَندي المُتكلِّمُ من أهلِ مروِ الرُّوذ ، سكنَ بَعْدادَ ، وكان مُعْتَزِلِيَّاً ، ثم تَزَنْدَق ، وقيلَ : كان أبوه يَهوديّاً فأسْلمَ هو ، فكان بعضُ اليهودِ يقولُ للمسلمين : لا يُفسِدُ هذا عَليكم كتابَكم ، كما أفسَدَ أبوهُ علينا التَّوْراةَ . قال البَلخيُّ : لم يكن في نُظَراء ابن الرَّاوَندي مثلُه في المَعقول وكان أوّلَ أمرِه حَسَنَ السِّيرَة، كَثيرَ الحَياء ، ثم انْسَلَخَ من ذلك لأسباب ، وكان عِلمُه فوقَ عَقِلِه . قال : وقد حُكيَ عن جماعة أنَّ تاب عند مَوْته . وقال في بعض المُعْجِزات: يقولُ المُنَجِّمُ كهذا . وقال : في القُرآنِ لَحْنٌ . وألَّفَ في قِدَم العالَم ، ونَفْي الصَّانع . ٤٩١ وقال : يقولون : لا يأتي أحدٌ بمثل القُرآن ، فهذا إقليدس (١) لا يأتي أحدٌ بمثله ، وكذلك بَطْلَيْموس(٢) . ماتَ سنة ثمان وتسعين ومئتين . وقيل : ما طال عُمْرُهُ ، بل عاشَ ستّاً وثلاثينَ سنةً . لَعَنَ اللهُ الذَّكاءَ بلا إيمانٍ، ورَضِيَ اللهُ عن البَلادَة مع التَّقْوَى(٣). (١) مظهر الهندسة والمبرز فيها، وهو من الفلاسفة الرياضيين. (٢) فَلَكِيٍّ، رياضيٍّ شَهير، وهو الذي أخرجَ عِلم الهَندسَة من القوة إلى الفعْل. (٣) انظر السير: (الرِّيوَندِي) ٥٩/١٤ -٦٢، وانظر النزهة: ١١٢٩ - ١١٣٠. ٤٩٢ تاسعاً : مَجُوس مَجُوسٌ خَرجوا لإقامَةِ مِلَّتِهِم (( الخُزَّمِيَّة )) جاء في ترجمة ((المَأمُون))، قال الذهبيُّ: وكانت الحُروبُ شَديدةً بينَ عَسْكِرِ الإسلام وبين بابَك، وظَهَر باليَمنِ الصَّناديقيُّ، وقَتلَ، وسَبى ، واذَّعَى النُّوَّةَ ، ثم هَلَكَ بِالطَّاعُونِ(١). وفي سنة اثنتي عشرة : سار محمد بن حميد الطوسي لمحاربة بابَك ، وأظهَر المَأمُونُ تفضيلَ عليٍّ على الشَّيْخَين، وأنَّ القُرآنَ مَخْلوقٌ ، واستعملَ على مِصْرَ والشَّامِ أخاهُ المُعْتَصم ، فقتلَ طائفةً وهذَّبَ مِصْرَ ، ووقع المَصافُّ مع بابَك مرّات(٢). وجاء في ترجمة ((المُعْتصِم))، قال الذهبيُّ: واشتدَّ البَلاءُ ببابَك، وهزمَ الجُيوشَ ، ودخلَ في دينه خَلائق من العَجَم ، وعَسكَرَ بِهَمَذَان ، فبرزَ لقتالِهِ إِسْحاقُ المُصْعَبِيّ، فكانت مَلْحِمَةً عُظمَىْ، فيُقالُ: قُتلَ منهم ستُّونَ ألْفاً ، وهَربَ باقيهم إلى الزُّومِ(٣) . وفي سنة اثنتينٍ وعشرينَ ومئتَين ، كان المَصَافُّ بين بابَك الخُرَّمي وبين الأفشين ، فطحَنَه الأفشينُ، واستباحَ عَسكرَه ، وهَربَ ، ثم إنَّه أُسِرَ بعد فُصولٍ طَويلة ، وكان أحدَ الأبطالِ، أخافَ الإسلامَ وأهْلَه ، وهزمَ الجُيوشَ عشرينَ سنةً ، وغلَبَ على أَذَرْبيجانَ وغيرِها ، وأرادَ أنْ يُقيم المِلَّةَ المَجُوسِيَّة (٤) . وكان المُعْتصِمِ والمَأمُونُ قد أنفَقوا على حرب بابَك قناطيرَ مُقَنْطَرة من الذَّهب والفِضَّة ، ففي هذه السَّنَة، بعثَ المُعْتصِم نَفَقات إلى جَيشِه مع الأفشين ، فكانت : انظر السير: ( المأمون) ١٠/ ٢٧٢ - ٢٩٠، وانظر النزهة : ٦/٨٧٧. (١) (٢) انظر السير: ( المأمون) ٢٧٢/١٠ -٢٩٠، وانظر النزهة: ٧/٨٧٧. انظر السير: ( المُعْتَصم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٨/٨٧٨. (٣) (٤) انظر السير: (المُعْتَصم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٩/٨٧٨. ٤٩٣ ثَلاثينَ ألفَ ألفِ درْهَم، وأُخِذَت البَدُّ ، مَدينةُ بابَك اللَّعين، واخْتَفى في غَيضةٍ ، وأُسِرَ أهْلُه وأولادُه، وقُطْعَ دابرُ الخُرَّمِيَّة (١) . وقال المسعوديُّ : هرب بابَك بأخيه وأهلِه وخَواصِّه في زيِّ الُّجَار ، فنزلَ بأرض أرْمينيّة بعمل سَهل بن سنباط ، فابتاعوا شاةً من راعٍ ، فنَكِرَهم ، فأتى سَهْلاً فأعلَمَه ، فقال : هذا بابَكُ بلا شكِّ ، فركب في أجناده حتى أتى بابَك ، فترجَّل وسلَّم عليه بالمُلك ، وقال : قُمْ إِلى قَصْرك، فأنا عَبدُك، فمَضى معه، ومَّ السِّماطَ له، وأكلَ معه ، فقال بابَكُ: أمثلُكَ يأكلُ مَعي !! فوقفَ واعتَذَر، ثم أحضرَ حَدَّاداً ليُقيِّدَه ، فقال : أغَدْراً يا سَهلُ ؟ قال : يا ابنَ الفاعلة، إنَّما أنتَ راعيَ بقرٍ ، ثم قيَّدَ أتباعَه ، وكاتبَ الأفشين ، فجهَّزَ أربعة آلاف، فتسلَّموه وجاءَ سَهلٌ، فخَلَعَ عليه الأفشينُ ، وبُعثَت بطاقةٌ بذلك إلى بغدادَ ، فضَجَّ الناسُ بالتكبير والشُّكرِ لله ، ثم قدموا ببابَك في صَفر سنة ثلاث وعشرين ومئتين(٢) . وكان هذا الشَّقيُّ ثَنويّاً على دين ماني ومَزْدَك ، يقول بتناسخ الأرواح ، ويَسْتَحِلُّ البنتَ وأُمَّها(٣) . وقيلَ: إنَّه أبادَ من الأُمَّة خَلائقَ، وبخَطِّ الإمام ابن الصَّلاح، : أنَّ قَتْلَىُ بابَك بلَغوا ألفَ ألفٍ وخمس مئة ألف، وأُحْصِيَ قَتْلَى أبي مسلم الخُرسانيّ، فبَلَغوا ألفي ألف(٤). وجاء في ترجمة (( المعتضد بالله ))، قال الذهبيُّ : فظهر بعد المئتين بابَك الخُرَّميُّ ، زِنْدِيقٌ بأذْرَبِيجانَ، وكان يُضرَبُ بفَرْطِ شَجاعَته الأمثالُ، فأخذَ عِدَّة مَدائن، وهَزَم الجُيوشَ إلى أنْ أُسِرَ بحيلةٍ، وقُتْلَ (٥). (١) انظر السير: ( المُعْتَصم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ١/٨٧٩. (٢) انظر السير: (المُعْتَصم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٢/٨٧٩. انظر السير: (المُعْتَصم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٣/٨٧٩. (٣) انظر السير: (المُعْتَصم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٤/٨٧٩. (٤) انظر السير: ( المُعْتضدُ بالله) ١٣/ ٤٦٣-٤٧٩، وانظر النزهة : ١/١١٠٦. (٥) ٤٩٤ المعْجِزاتُ والكرامات أولاً : المُعْجِزَات من مُعْجزات سَيِّد الخَلق محمدٍ صلى الله عليه وسلم : جاء في ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لما قَدِمَ عليه أَسْرى كِسْرَىْ وفيهم الهُرْمُزان، قال الذهبيُّ: فقال عُمرُ الحَمدُ لله الذي سَلبَ كِسْرَى وقَومَه حُليَّهم وكِسْوتَهم وألْبَسَها سُراقَةَ ، ثم دَعا الهُرمُزانَ إلى الإسْلامِ فأبى ، فقال عليُّ بنُ أبي طالب : يا أميرَ المؤمنين فَرِّقْ بين هؤلاء ، فحَملَ عُمرُ الهُرْمُزانَ وجُفَيْنَةَ وغيرَهما في البَحر، وقال : اللَّهُم اكْسِر بهم ، وأرادَ أن يَسيرَ بهم إلى الشَّام فكُسرَ بهم ولمْ يَغْرَقوا فرَجَعوا فأسْلَموا، وفَرضَ لهم عُمرُ الْفَين ألفَين، وسَمَّى الهُرمُزانَ عَرْفَطَة . قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمة : رأيتُ الهُرْمُزانَ بالرَّوْحاءِ مُهِلاً بالحَجِّ مع عُمرَ ، وقال عليٌّ بنُ زَيد بنِ جُدعان ، عن أنسٍ قال : ما رأيتُ رَجلاً أخْمَصَ بَطْناً ولا أبْعدَ ما بينَ المِنْكَبَين من الهُرْمُزان . وعن عبد الرزَّاق ، عن معمر ، عن الزُّهْري : أخبرني سَعيدُ بنُ المُسَيِّب ، أنَّ عبدَ الرحمن بن أبي بكر - ولم تُجرَّب عليه كَذبَةٌ قَطُّ - قال: انتَهيتُ إلى الهُرْمُزان، وجُفَيْنَة وأبي لؤلؤة ، وهم نَجِيٌّ فَتَبعتُهم، وسَقطَ من بَيْنِهِم خِنْجَرٌ له رَأسان ، نِصابُه في وَسَطِهِ ، فقالَ عبدُ الرحمن: فَانْظُرُوا بم قُتْلَ عُمرُ، فَنَظَروا فوَجدوه خِنْجَراً على تلك الصِّفَة ، فخرَجَ عُبيدُ الله بنُ عُمر ابن الخطاب مُشتَملاً على السَّيف ، حتى أتى الهُرْمُزان فقال : اصْحَبني نَنظُر فَرَساً لي - وكان بصيراً بالخَيْلِ - فخَرج يمشي بين يديه فعَلاه بالسَّيف ، فلمَّا وَجَدَ حدَّ السَّيف قال: لا إله إلا الله، فقَتَلَه، ثم أتى جُفَيْنَة ، وكان نَصْرانِيّاً، فلمَّا أَشْرَفَ له عَلَاهُ بالسَّيف، فصَلبَ بين عينيه ، ثم أتى بنتَ أبي لؤلؤة جاريَةً صَغيرة تَذَّعي الإسْلامَ فقَتَلَها ، وأظْلَمَت الأرضُ يَومئذٍ على أهلها ، ثم أقْبلَ ٤٩٥ بالسَّيف صَلْتاً في يده ، وهو يقولُ : والله لا أترُكُ في المَدينَة سَبياً إلاَّ قَتلتُه وغَيْرُهم ، كأنَّه يُعَرِّضُ بناسٍ من المُهاجرين ، فجَعلوا يَقولون له : ألقِ السَّيفَ، فأبى ، ويَهابُونَه أنْ يَقْربوا منه، حتى أتاه عَمرو بنُ العَاص فقال: أعْطِنِي السَّيفَ يا ابنَ أخي ، فَأَعْطَاه إِيَّاه، ثم ثارَ إليه عُثمانُ فأخذَ برأسِه فتَناصَيَا(١) حتى حَجزَ الناسُ بينهم ، فلمَّا وَلِيَ عُثمانُ قال : أشِيروا عليَّ في هذا الذي فَتَقَ في الإسْلام ما فَتَقَ ، فأشار المُهاجرون بقَتْلِه، وقال جَماعَةُ الناسِ : قُتْلَ عُمرُ بالأمس ويُتْبِعُونَه ابنَه اليومَ !! أبْعَدَ اللهُ الهُرْمُزانَ وجُفَيْنَة، فقال عمرو: إنَّ اللهَ قد أعْفاكَ أنْ يكونَ هذا الأمرُ في وِلايَتِك ، فاصْفَحْ عَنه(٢)، فَتَفْرَّقَ الناسُ علىُ قَول عَمرو ، وَوَدِى عُثمانُ الرَّجُلين والجَارِيَةِ(٣). وعن ابنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه قال : كُنتُ أرْعَى غَنماً لعُقبَة بنِ أبي مُعَيْط ، فمَرَّ بي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فقال: ((يا غُلامُ! هلْ من لَبَنِ؟ )) قلتُ: نَعَم ، ولكنِّي مُؤْتَمَنٌ ، قال: ((فهَلْ من شاةٍ لمْ يَنْزُ عليها الفَحلُ؟)) فأتَيْتُه بشاةٍ ، فمَسَح ضِرْعَها ، فنزلَ لبنٌ ، فحَلبَ في إناءٍ فشَربَ ، وسَقى أبا بكر ، ثم قال للضَّرع : ((اقْلُصْ))، فقَلصَ، ثم أتيتُه بعد هذا فقلتُ: يا رسولَ الله! عَلِّمني من هذا القَولَ ، فَمَسحَ رَأسي وقال: (( يَرحَمك اللهُ إِنَّك غُلَيُّم مُعلَّم)). قال الذهبيُّ : هذا حَديثٌ صَحِيحُ الإسنادِ ، ورَواه أبو عُوانَةَ عن عاصِم بن بَهْدَلة ، وفيه زيادة منها : فلقد أخَذتُ من فيه صلى الله عليه وسلم سَبعين سُورةً ما نازَعَني فيها بَشرُ(٤). عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قال : والله، إنْ كنتُ لأعْتَمدُ على الأرض من الجُوع ، وإنْ كُنتُ لأَشُدُ الحَجَرَ على بَطني من الجُوعِ ، ولقد قَعدتُ علىْ طَريقِهم ، فمرَّ بي أبو بكر ، فسَألتُه عن آية في كتاب الله - ما أسْألُهُ إلَّ لِيَسْتَتَبِعَنِي - فمرَّ ، ولمْ (١) تناصيا : أي تواخذا بالنواصي. (٢) قال صاحب النزهة: أي أن عثمان لم يكن قد تولَّى الخلافة حين صنع عبيد الله ما صنع ، ولم يكن أمر المسلمين قد اجتمع على إمام بعد . (٣) انظر السير: (عمر بن الخطاب)، وانظر النزهة: ٢/٥٨. (٤) انظر السير: (عبد الله بن مسعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ١/١٩٣. ٤٩٦ يَفعلْ، فمرَّ عُمرُ فسَألْتَهُ فكذلك ، حتى مرَّ بي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فعَرفَ ما في وجهي من الجُوعِ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أبو هُرَيْرَة؟ )) قلتُ: لَيكَ يا رسولَ الله، فدَخلتُ مَعه البَيتَ، فوَجدَ لبناً في قَدحِ، فقالَ: « مِنْ أَيْنَ لَكمْ هَذا))، قِيلَ: أَرسَلَ به إليكَ فُلان. فقال صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هُرَيْرَة، انْطَلِقِ إلى أهْلِ الصُّفَّةَ(١) فاذْعُهم)) - وكان أهْلُ الصُّفَّة أضْيافُ الإسْلام، لا أهْلَ ولا مَالَ ، إذا أتَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَدقَةٌ أرسَلَ إليهم بها ، ولم يُصِبْ منها شَيئاً ، وإذا جاءَته هَديةٌ ، أصابَ منها ، وأشْرَكَهم فيها - فسَاءَني إرسالُهُ إِيَّاي ، فقلتُ : كنتُ أرْجُو أن أُصيبَ من هذا اللَّبن شَربَةً أَتَقَوَّى بها ، وما هذا اللَّبنُ في أهل الصُّفَّة . ولمْ يكنْ من طاعَة الله ورسُولِه صلى الله عليه وسلم بُدٌّ ، فأتَيتُهم ، فأقبلوا مُجيبين ، فلمَّا جَلِسُوا، قال صلى الله عليه وسلم: ((خُذْ يا أبَا هُرَيْرَة فَأَعْطِهِمْ)) ، فجعلتُ أُعطي الرجلَ ، فيَشربُ حتى يَروَى ، حتىْ أَتَّيْتُ علىُ جَميعِهم ، وناوَلتُه رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فرَفعَ رأسَه إليَّ مُبتَسِماً، وقال: ((بَقِيتُ أنا وأنْتَ)). قلتُ: صدقت يا رسولَ الله، قال صلى الله عليه وسلم: ((فاشْرَبْ))، فشَربتُ ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اشْرَبْ))، فشَربتُ، فما زالَ يقولُهُ: ((اشْرَبْ))، فأشْرب، حتى قلتُ: والذي بَعَتكَ بالحَقِّ ، ما أجدُ له مَساغاً، فأخذَ ، فَشَربَ من الفَضْلَةِ(٢). وقال يَزِيدُ بنُ عبد الرحمَن، حدَّثني أبو هُرَيْرَة، قال: والله، ما خَلقَ اللهُ مُؤمناً يَسمَعُ بي إلاَّ أحَبَّني. قُلتُ : وما عِلْمُك بذلك؟ قال: إنَّ أمِّي كانت مُشْرِكَة، وكنتُ أَدْعُوها إلى الإسْلام ، وكانت تأبى عليَّ، فَدَعَوتُها يوماً ، فأسْمَعَتْني في رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما أكرَه ، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فأخْبَرَتُه، وسَألتُه أنْ يَدعُوَ لها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبي (١) الصفة : كانت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة يكون فيها فقراء المهاجرين ، ومن لا منزل له منهم ، وأهلها منسوبون إليها . (٢) انظر السير: (أبو هريرة) ٥٨٧/٢ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٦/٣٠٧. ٤٩٧ هُرَيْرَةَ )). فخَرجتُ أعْدُو أُبَشِّرُها، فأَتَيْتُ، فإذا البابُ مُجاف ، وسَمعتُ خَضْخَضَةَ الماءِ ، وسَمعَتْ حِسِّي ، فقالت: أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسُولُه . قال فرَجَعتُ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفَرَح كما بكيتُ من الحُزْن، فأخْبَرتُه، وقُلتُ: ادْعُ اللهَ أنْ يُحَبَِّنِي وأُمِّي إلى عِبادِه المؤمنين ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وأُمَّهُ إلى عِبَادك المؤمنين، وحَبِّبْهُ إِلَيْهِما )) إسنادُهُ حَسَن . وكان حِفظُ أبي هُرَيْرَة الخارقُ من مُعجِزاتِ النُّوَّةَ(١) . وقال أبو بَكْرَة : رَأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على المِنْبَر والحَسَن إلى جَنبه وهو يقولُ: ((إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ به بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِن المُسْلِمِين))(٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَر ، قال : أرْدَفَني رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يومٍ خَلفَه ، فأسَرَّ إليَّ حَديثاً لا أُحَدِّثُ به أحَداً . فدَخلَ حَائِطاً ، فإذا جَمَلٌ فلمَّا رَأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ وذَرِفَت عيناهُ(٣)، (٤). وجاء في ترجمة ((المستعصم))، قال الذهبيُّ: وفي سَنة أرْبَع وخمسين وستٌّ مئة كان ظُهورُ الآية الكُبرى، وهي النَّارُ بظاهِر المَدينة النَّبويَّة، ودَامَت أيّاماً تَأْكلُ الحِجارَة، واستغاثَ أهلُ المَدينة إلى الله وتابوا، وبَكَوا ، ورَأى أهلُ مكَّةَ ضَوءَها من مكَّة ، وأضاءَت لها أعْناقُ الإبل ببُصْرى ، كما وعدَ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما صحَّ عنه، وكُسِفَ فيها الشمسُ والقَمرُ ، وكان فيها الغَرقُ العَظيمُ ببغدادَ ، وهلكَ خَلقٌ من أهلها ، وتَهدَّمَت البُيوتُ ، وطفحَ الماءُ على الشُّور(٥) . (١) انظر السير: ( أبو هريرة) ٢/ ٥٧٨-٦٣٢، وانظر النزهة: ١/٣٠٨. (٢) انظر السير: (الحسن بن علي بن أبي طالب) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٧/٣٧٨. (٣) وتمامه : فأتاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراهُ فسكتَ ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ ربُّ هذا الجمل؟)) فجاء فتىّ من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: ((أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ ، فإنه شَكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتدئبه)). (٤) انظر السير: (عبد الله بن جعفر) ٤٥٦/٣ -٤٦٢، وانظر النزهة: ٣/٤٠٧. (٥) انظر السير: (المستعصم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٧٢٤. ٤٩٨ ثانياً : الكرامَات ١ - ضَابطٌ لقَبولِ الكرامَة : قال أبو حَفْص بنُ شاهين : حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد المُؤذِّن ، سَمعتُ محمَّدَ بنَ مَنصور الطُّوسيَّ، وحَواليه قَومٌ ، فقالوا : يا أبا جَعْفَر ، أيش اليوم عندَك ؟ ، قد شَكَّ النَّاسُ فيه ، أيومَ عَرَفَة هو أو غَيره؟ فقال: اصْبروا ، فدَخلَ البيتَ ، ثم خَرِجَ ، فقالَ هو يومُ عَرفَة ، فاسْتَحيوا أن يقولوا له : مِنْ أينَ ذلك ، فعَدُّوا الأيّامَ فكانَ كما قال . فسَمعتُ أبا بَكْر ابنَ سَلام الورّاقُ يقول له : مِنْ أينَ عَلمتَ ؟ قال : دَخلتُ ، فسَألتُ رَبِّي فأراني النَّاسَ فِي المَوْقِف .!! قال الذهبيُّ : لا أعرفُ هذا المُؤذِّن، ولمْ يَبعُد وُقوعُ هذا لمثلِ هذا الوَليِّ ، ولكن الشأنُ فِي ثُبُوت ذلك(١) . وقال سُلطان العَارفينَ ، أبو يَزِيد البَسْطاميّ: الله خَلقٌ كَثِيرٌ يَمشون على الماء ، لا قِيمَةَ لهم عند الله، ولو نَظَرَتُم إلى مَنْ أُعْطِيَ من الكَراماتِ حتى يَطِيرَ ، فلا تَغْتَرُوا به حتى تَرَوا كيفَ هو عند الأمرِ والنَّهْي، وحِفظِ الحُدود والشَّرع. وله هكذا نُكَتُ مَلِيحَة(٢) . ٢ - تَعليلٌ لكثرَة الكرامَات في بَنِي إِسْرائيلَ وقِلَّتها في هذه الأُمَّة : جاءَ عن بَكرِ المُزنيِّ، وهو في ((الزُّهْد )) لأحمدَ ، قالَ : كان الرجلُ في بَني إسرائيلَ إذا بَلِغَ المَبْلَغَ ، فمَشىْ في النَّاسِ تُظلُّهُ غَمامةٌ . قال الذهبيُّ: شَاهِدُه أنَّ الله قال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾(٣) ، ففَعَلَ بهم تعالى (١) انظر السير: (محمد بن منصور) ٢١٢/١٢ -٢١٤، وانظر النزهة: ٢/٩٩٤. (٢) انظر السير: (أبو يزيد البَسْطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ٣/١٠٥٥. (٣) سورة البقرة ، الآية : ٥٧ . ٤٩٩ ذلك عاماً وكان فيهم الطائعُ والعاصي ، فنبيُّنا صَلوات الله عليه أكْرَمُ الخَلْقِ على ربِّه وما كانت له غَمَامَةٌ تُظلُّه، ولا صَحَّ ذلك، بل ثَبتَ أنَّه لمَّا رَمَى الجَمرَةَ كان بلالٌ رضي الله عنه يُظِلُّه بِثَوبِهِ من حَرِّ الشمس ، ولكن كان في بَنِي إِسْرائيلَ الأعاجيبُ والآيات ، ولمَّا كانت هذه الأمَّةُ هي خَيرُ الأمَم ، وإيمانُهم أثْبتُ ، لم يَحتاجوا إلى برهان ، ولا إلى خَوارِقَ ، فافْهَم ذلك، وكلَّما ازدادَ المؤمنُ عِلماً ويَقيناً ، لمْ يَحْتَجْ إلى الخَوارِق، وإنَّما الخَوارقُ للضُّعَفاء ، ويَكثُر ذلك في اقْتُرابِ السَّاعةِ (١). ٣- الرَّدُّ على الذي يُعجَبُ من الكرامَة: جاءَ في تَرجمَة أبي يَزِيد البَسْطاميِّ، قال الذهبيُّ: وقيلَ له : إنَّك تمرُّ في الهَواء ، فقال : وأيُّ أُعْجُوبَة في هذا!؟ وهذا طَيرٌ يأكلُ المَيْتَة، يَمُّ في الهَواء(٢)، (٣). ٤ - الرَّد على الذي لا يُصَدِّقُ الكرامَات : عن قَتَادَة قال: كان مُطرِّفُ بنُ عبد الله وصاحبٌ له سَرَيا في ليلة مُظلمة ، فإذا طَرِفُ سَوط أحدُهما عندَه ضَوءٌ، فقال: أما إنَّه لو حَدَّثْنا النَّاسَ بهذا، كذَّبونا ، فقال مُطرِّفٌ : المكذِّبُ أكْذَبُ (٤) . وعن غیلان بنٍ جَریر قال : أقبلَ مُطرِّفٌ مع ابن أخ له من البادية ۔ وکان یَبدُو - فبينا هو يَسيرُ سَمِعَ في طَرف سَوطِه كالتَّسْبيح ، فقال له ابنُ أخيه : لو حَدَّثْنَا النَّاسَ بهذا كذَّبونا. فقال مُطرِّفٌ: المكَذِّبُ أكْذَبُ النَّاس(٥). ٥- الاسْتقامَة عَينُ الكرامَة : قال الرَّازيُّ : سَمعتُ عليَّ بنَ محمد المصريّ - ونحن في جنازةِ ابنِ أبي حاتم - يقول : قَلَنْسوة عبد الرحمن من السَّماء ، وما هو بعجب ، رجلٌ مُنذُ ثَمانينَ سنةٍ على (١) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤ -٥٣٦، وانظر النزهة: ١/٥٥٠. (٢) انظر حلية الأولياء: ٣٥/١٠، وتتمة الخبر فيه: ((والمؤمن أشرف من الطير)). (٣) انظر السير: ( أبو يزيد البسطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ٥/١٠٥٤. انظر السير: (مطرِّف بن عبد الله) ١٨٧/٤ - ١٩٥، وانظر النزهة: ٢/٤٧٦. (٤) (٥) انظر السير: (مطرِّف بن عبد الله) ٤/ ١٨٧ -١٩٥، وانظر النزهة: ٣/٤٧٦. ٥٠٠