النص المفهرس

صفحات 401-420

وجَعلَ أبو بكر يقول: والله يا رسُولَ الله لأنا كُنتُ أَظْلَمَ فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم : (( هَلْ أنْتُم تارِكونَ لي صَاحِبِي ؟ إنِّي قُلتُ: يا أيُّها النَّاسُ إِنِّي رسُولُ اللهِ إلَيْكم
جَميعاً ، فقُلْتُم: كذَبْتَ، وقال أبو بكر: صَدَقْتَ))(١) .
عن عبد الرَّحمَن بنِ أبي لَيْلِىُ أنَّ عُمرَ صَعدَ المِنْبَر ثم قال: ألا إنَّ أَفْضَلَ هذه
الأُمَّة بعدَ نَبِيِّها أبو بكر ، فمَنْ قالَ غَيرَ ذلكَ بعدَ مَقامي هذا فهو مُفْتَرٍ ، عليه ما على
المُفْتَري(٢) .
وقال أبو مُعاويَة وجماعة: ثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح ، عن أبيه ، عن ابنِ عُمَرَ قال :
كنَّا نقول على عَهد رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إذا ذَهبَ أبو بكر ، وعُمرُ ،
وعُثمانُ ، اسْتَوَى النَّاسُ فبلَغَ ذلكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُنْكِرْه(٣) .
وقال عليّ رضي الله عنه: ((خَيْرُ هذه الأُمَّةِ بَعدَ نَبِيِّها أبو بكر، وعُمَر )).
قال الذهبيُّ : هذا والله العَظيم قاله عليٍّ وهو مُتواترٌ عنه، لأنَّه قالَه علىُ مِنْبَرَ
الكُوفَة ، فقاتَلَ اللهُ الرَّافِضَةَ ما أجْهَلَهُم .
وقال الشُّديُّ، عن عبد خَير، عن عليٍّ رضي الله عنه قال: ((أعْظَمُ النَّاسِ أَجْراً في
المَصاحِف أبو بكر، كان أوَّلَ مَنْ جَمَعَ القُرآنَ بينَ اللَّوْحَين )) إسْنادُه حَسَن .
وعن عائشةَ قالت : (( أوَّلُ ما بدىء مَرضُ أبي بكر أنَّه اغْتَسَلَ ، وكان يوماً بارداً
فحُمَّ خَمسةَ عَشرَ يوماً لا يَخرجُ إلىْ صَلاة، وكان يأمُرُ عُمرَ بالصَّلاة ، وكانوا
يَعودُونَه، وكان عُثمانُ أَلْزَمَهُم له في مَرَضِه، وتُوفِّيَ مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بَقين من
جُمادى الآخِرة ، وكانت خِلافَتُه سَنَتين ومائة يوم .
وقال أبو معشر : سنتين وأربعة أشهر إلاَّ أربع ليالٍ ، عن ثلاث وستين (٤).
(١)
انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة : ٣/٢٥ .
(٢)
انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة : ٢/٢٦.
انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة : ٣/٢٦ .
(٣)
انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق )، وانظر النزهة : ٤/٢٦ .
(٤)
٤٠١

وقال القاسمُ، عن عائشَةَ : إنَّ أبا بكر حين حَضرَه الموتُ قال: إنِّي لا أعْلمُ عندَ
آلِ أبي بكر غيرَ هذه اللقحَة وغيرَ هذا الغُلامِ الصَّيقل ، كان يَعملُ سُيوفَ المسلمين
ويَخْدمُنا ، فإذا مِثُ فادْفَعيه إلى عُمَرَ ، فلمَّا دفَعْتُه إلى عُمَر، قال عُمَرُ : رَحِمَ اللهُ أبا
بكر لقَد أتْعَبَ مَنْ بَعدَه .
وقال الزُّهريُّ : أوْصَىُ أبو بَكر أنْ تُغَسِّلَه امْرأْتُه أسْماءَ بنتُ عُمَيْس ، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ
اسْتعانَت بابنِه عبد الرَّحمَن(١).
وقال سَعيدُ بنُ جُبَيْر: ﴿ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٢) نَزَلَت في عُمرَ خاصَّة(٣).
وعن ابنِ عبَّاس قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ لِي وَزِيرَيْنِ من
أهْلِ السَّماءِ ووَزِيرَيْنِ من أهْلِ الأرْضِ ، فَوَزِيرايَ من أهْلِ السَّماءِ جِبْرِيلُ وميكائيلُ ،
ووزيرايَ من أهْلِ الأُرضِ أبو بكر وعُمَر )) .
قال الذهبيُّ : حَديثُ ابن عبّاس حَسَن (٤).
وعن حُذَيفَة قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ من بَعدي
أبي بكر وعُمَر ))(٥) .
وقالت عائشةُ: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((قَدْ كانَ في الأُمَمِ
مُحَدَّثون(٦) فإنْ يَكِنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فِعُمَرُ بنُ الخَطَّاب )» .
وقال أنَسٌ : قالَ عُمَرُ : وافَقْتُ ربِّي في ثلاثٍ : في مَقامِ إبراهيمَ ، وفي
الحِجَابِ، وفي قَولِه تَعالَى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾(٧)، (٨) .
انظر السير : ( أبو بكر الصدِّيق )، وانظر النزهة : ١/٢٨.
(١)
(٢)
سورة التحريم : الآية ٤ .
انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٤٤ / ٤.
(٣)
(٤)
انظر السير : ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٤٥.
انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٣/٤٥.
(٥)
قال ابن وهب : مُلهَمون .
(٦)
(٧)
سورة التحريم ، الآية : ٥ .
انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٧/٤٥ .
(٨)
٤٠٢

قال عليٍّ رضي الله عنه بالكُوفَة علىُ مِنْبَرَها في مَلأ من النَّاسِ أَامَ خِلافَتِهِ: ((خَيْرُ
هذه الأُمَّة بعد نَبِيِّها أبو بَكر ، وخَيرُها بعد أبي بكر عُمَرُ ، ولو شِئتُ أنْ أُسَمِّي الثالثَ
السَمَّيْتُه )) وهذا مُتواتر عن عليٍّ رضي الله عنه، فقَبَّحَ اللهُ الرَّافِضَة.
وقالت عائشةُ: قال أبو بكر : ما على ظَهر الأرْضِ رَجلٌ أحَبُّ إليَّ من عُمَر .
وقالت عائشةُ: دَخلَ ناسٌ على أبي بكر في مَرضِه فقالوا : يَسَعُك أنْ تُوَلِّي عَلينا
عُمَر وأنتَ ذاهبٌ إلى ربِّك فما تَقُولُ له ؟ قال : وَلَّيتُ عليهم خَيرَهم .
وقال الزُّهريُّ: أوَّلُ مَنْ حيًّا عُمرَ بأمير المؤمنين المُغيرَةُ بنُ شُعبَةٍ (١).
وعن أسْلَم قال: كُنَّا نَقَولُ: لَوْ لَمْ يَرفَعَ اللهُ المَحْلَ عامَ الرَّمادَة لظَنَّا أنَّ عُمرَ
يَموتُ(٢)، (٣).
وقال سُفيانُ الثَّورِيُّ: مَنْ زَعَمَ أنَّ عَليَّاً كان أحَقَّ بالولاية من أبي بكرٍ وعمرَ فقد
خطَّأَ أبا بكر وعُمرَ والمهاجرين والأنصار(٤).
وقالَ شَريكٌ: لَيسَ يُقدِّمُ عليَّاً على أبي بكر وعُمرَ أحدٌ فيه خَيرٌ(٥).
وقال أبو أسامة : تَدرونَ مَنْ أبو بكر وعُمَرُ؟ هما أبو الإسْلام وأمّه(٦).
عن ابنٍ عُمرَ قال : وُضِعَ عُمرُ بينَ القَبر والمِنْبَر ، فجاءَ عليٍّ حتى قامَ بينَ الصُّفوف
فقال: ((رَحْمَةُ الله عَليكَ، ما مِنْ خَلقِ أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَلْقَى اللهَ بَصَحِيفَته بعد صَحِيفَةِ
النبيُّ صلى الله عليه وسلم من هذا المُسَجَّى عليه ثَوبُه )) وقد رُويَ نَحوُه من عدَّة وجوه
عن عليٍّ رضي الله عنه .
(١) انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٤/٤٦.
(٢) زاد ابن سعد في طبقاته (٣١٥/٣): ((هَمَّاً بأمر المسلمين)).
انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٢/٥٢.
(٣)
انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٣/٥٢ .
(٤)
انظر السير: (عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٤/٥٢ .
(٥)
(٦) انظر السير: (عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٥/٥٢.
٤٠٣

وقال معدانُ بنُ أبي طَلحَة : أُصيبَ عُمرُ يومَ الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجَّة،
وكذا قال زَيدُ بنُ أسْلَم وغيرُ واحد .
وقال إسْماعيلُ بنُ محمَّد بنِ سَعد بنِ أبي وقَّاص: إنَّه دُفِنَ يومَ الأحَد مُسْتهَلَّ
المُحرَّم .
وعن جَرير بنِ عبد الله سَمِعَ مُعاويَة يَخطبُ ويقول : مات رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم وهو ابنُ ثلاثٍ وستِين ، وأبو بكر وعُمرُ وهما ابنا ثلاثٍ وستِين(١) .
وعن مُحمّد بنِ يُوسُف الفريابيّ قال: حَدَّثنا أبي : سَمعتُ سُفْيانَ يقولُ : إنَّ قَوماً
يَقولونَ: لا نَقُولُ لأبي بكر وعُمَرَ إلاَّ خَيراً، ولكنَّ عَلَيّاً أَوْلَى بالخِلافَةِ منهُما ، فمَنْ
قالَ ذلكَ ، فقَد خَطَّأ أبا بكر وعُمَرَ وعَليّاً والمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ ، ولا أدْري تَرْتفعُ مع
هذا أعْمَالُهُم إلى السَّماءِ؟ !! (٢).
وقال ابنُ القاسِم : سَألتُ مالِكاً عن عليٍّ وعُثمانَ فقال: ما أدْرَكتُ أحَداً مِمَّنْ
أَقْتَدي به إلاَّ وهو يَرى الكَفَّ عَنهُما ، قال ابنُ القاسِم : يُرِيدُ التَّفْضِيلَ بَنَهُما فقُلتُ:
فأبُو بَكر وعُمَر؟ فقال: لَيسَ فيهِما إِشْكالٌ ، إنَّهُما أفْضَلُ مِن غَيرِهِما(٣).
وقالَ ابنُ عُبَيْنَة : قِيلَ لشَريك : ما تَقُولُ فيمَنْ يُفَضِّلُ عَليّاً على أبي بكر؟ قال: إذاً
يَفْتَضِحُ يَقولُ أخْطَأْ المُسلِمُونَ (٤) .
وعن سَلَمَةَ بنِ شَبيب قال : سَمعتُ عبدَ الرَّزَّاق ، يَقولُ : ما انْشَرَحَ صَدري قَطُّ أنْ
أُفَضِّلَ عَليّاً على أبي بَكرٍ وعُمَرَ، فرَحِمَهما الله، ورَحِمَ عُثمانَ وعَليّاً، مَنْ لَمْ يُحِبَّهم
فما هو بِمُؤْمِن ، أَوْثقُ عَملي حُبِّي إِيَّاهُم(٥) .
انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب )، وانظر النزهة : ٢/٥٧.
(١)
(٢)
انظر السير: ( سُفيان) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٣/٦٩٧.
انظر السير : ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٤/٧٣٥.
(٣)
(٤)
انظر السير: (شريك) ٢٠٠/٨-٢١٦، وانظر النزهة: ٣/٧٤٣.
انظر السير: (عبد الرَّزَّاق بن همّام) ٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ١/٨٤١.
(٥)
٤٠٤

٩ - التعْريفُ بفَضْلِ مُعاويَة رضي الله عنه :
قال الخَطيبُ : سَمعتُ غَيرَ واحِد يَحْكِي عن أبي عُمَرَ ، مُحمّد ابن عبد الواحِد ،
أنَّ الأشْرافَ والكُتَابَ كانوا يَحْضُرونَ عندَه لِيَسْمَعوا منه كُتُبَ ثَعْلَبَ ، وغَيرِها ، وله
جُزْءٌ قد جَمَعَ فيه فَضائِلَ مُعاويَة ، فكانَ لا يَتْرُكُ واحِداً منهُم يَقْرَأُ عليه شَيئاً حتى يَبْتَدِىءَ
بِقِراءَة ذلكَ الجُزءَ .
وكان جَماعَةٌ من أهْلِ الأَدَبِ لا يُوَتَّقُونَ أبا عُمَرَ في عِلمِ اللُّغَة حتى قالَ لي
عُبَيْدُ الله بنُ أبي الفَتْحِ : يُقالُ: إنَّ أبا عُمَرَ كانَ لَوْ طارَ طائِرٌ لقالَ: حَدَّثنا ثَعْلَبُّ عن ابنِ
الأعْرابيِّ، ثم يَذْكُرُ شَيئاً في مَعْنَى ذلكَ(١).
١٠ - شِعرٌ في مُوالاة الخُلَفاء الأزْبَعَة وحُبِّهِم:
قالَ المُصَنِّفُ في الميزانِ : ٥٢٥/٣ تَعْلِيقاً علىْ قَولِ السَّمْعانيِّ عن أبي العز
القلانسي : أمَّ الرَّفضُ ، فَلا، فلَه أبياتٌ في تَعْظِيمِ الأَرْبَعةِ الرَّاشِدِينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَظَمَها
تُقْيَةً .
وقالَ الحافِظُ في ((اللِّسانِ)) : ١٤٤/٥ والأبْياتُ المَذْكورَةِ أوْرَدَها ابنُ السَّمْعانِيِّ
عن سَعدِ الله بنِ مُحمّد المُقْرىء أنَّ أَنْشَدَه، قالَ: أَنْشَدَني أبُو العِزِّ القلانسيُّ لِنَفْسِه :
لَمْ يَكُنْ لِي حَتَّى المَماتِ صَديقًا
إنَّ مَنْ لَمْ يُقَدِّم الصِّدِّيقًا
رُوقِ أَهْوَى لِشَخْصِهِ تَفْرِيقًا
والذِي لا يَقُولُ قَوْلِي في الفَا
نَ وَيَهْوِي مَنْهَا مَكَاناً سَحِيقًا
وَبِنَارِ الجَحِيمِ باغِضُ عُثْمَا
هُمْ جَمِيعَاً عَدَدْتُهُ زِنْدِيقًا
مَنْ يُوَالِي عِنْدِي عَلَيّاً وعَادَا
قالَ ابنُ السّمعانيّ : كُنتُ أعْتَقِدُ في أبي العِزِّ أنَّه يَميلُ إلى الرَّفضِ حتىُ سَمِعتُ له
هذهِ الأبْياتِ (٢).
(١) انظر السير: (أبو عُمَرَ الزَّاهد) ٥٠٨/١٥-٥١٣، وانظر النزهة: ٤/١٢٥٥.
(٢) انظر النزهة: ١٥٠٢ / هامش رقم (٢).
٤٠٥

١١٢ - الرَّدُ على الشِّيعَةِ الاثْنَي عَشْريّة:
قال الذهبيُّ في تَرَجَمَة المُنتَظَرِ أبي القاسِم مُحمّد بن الحَسَنِ العَسْكَريّ : خاتِمَةُ
الإِثْنَيْ عَشَرَ سَيِّداً ، الذينَ تَدَّعي الإماميّةُ عِصْمَتَهم - ولا عِصْمَةَ إلاَّ لِنَبيِّ - ومُحمَدٌ هذا
هو الذي يَزْعُمُونَ أَنَّه الخَلَفُ الحُجَّةُ ، وأنَّه صاحِبُ الزَّمانِ ، وأنَّه صاحِبُ السِّرْدابِ
بِسَامِرَّاءَ ، وأنَّ حَيٍّ لا يَمُوتُ ، حتّى يَخْرُجَ ، فَيَمْلأَ الأرضَ عَدْلاً وقِسْطاً ، كمَا مُلِئَتْ
ظُلماً وجُوراً فَوَدِدْنا ذلكَ - والله - وهُم في انْتِظَارِهِ من أرْبَع مِئَةٍ وسَبعينَ سَنةً ، ومَنْ
أحالَكَ على غائِبٍ لَمْ يُنْصِفْكَ، فَكَيفَ بمَنْ أحالَ علىٌ مُسْتَحِيلٍ ؟ !! ، والإنْصافُ عَزِيزٌ
فَتَعُوذُ باللهِ من الجَهلِ والهَوَى(١) .
١٢ - ذِكْرُ الأئِمَّة الاثْنَي عَشْريَّة وفَضْلِهم :
قال الذهبيُّ : مَوْلانا الإمامُ عليٍّ مِن الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ، المَشْهودِ لهُم بالجَنَّةِ
رضي الله عنه ، نُحِبُّه أشَدَّ الحُبِّ ، ولا نَدَّعِي عِصْمَتَه، ولا عِصْمَةَ أبي بَكْرِ الصِّدِّيق .
وابْناهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ : فسِبْطَا رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وسَيِّدا شَبابِ
أهْلِ الجَنَّة ولَوْ اسْتُخْلِفَا لَكَانَا أهْلاً لذلكَ وزَيْنُ العَابدينَ : كَبِيرُ القَدْرِ من سادَة العُلَماءِ
العامِلينَ ، يَصْلُحُ للإِمامَةِ، وله نُظَراءُ، وغَيْرُه أكثرُ فَتْوَى منه، وأكْثرُ رِوايَة وكذلك
ابنُه أبو جَعْفَر الباقِرِ: سَيٌِّ، إمامٌ، فَقيةٌ، يَصْلُحُ للخِلافَة وكذا وَلَدُه جَعْفَرُ الصَّادِقِ :
كَبِيرُ الشَّأْنِ ، من أئِمَّةِ العِلمِ ، كانَ أوْلَى بالأمرِ من أبي جَعْفَرِ المَنْصور وكان وَلَدُه
موسَىْ كَبِيرَ القَدْرِ ، جَيِّدَ العِلمِ، أوْلَى بالخِلافَةِ من هارُونَ ، وله نُظَراءُ في الشَّرَفِ
والفَضْلِ وابنُه عليُ بنُ موسَى الرِّضَا كَبِيرُ الشَّانِ ، له عِلمٌ وبَيَانٌ ، ووَفْعٌ في النُّفُوسِ ،
صَيََّه المَأمونُ وَلِيَّ عَهْدِه لجَلالَتِهِ فتُوفِّيَ سَنةَ ثلاثٍ ومِئْتَينٍ وابنُهُ مُحمّدٌ الجَوَّادُ : من
سادَة قَومِه ، لَمْ يَبلُغْ رُتْبةَ آبائِه في العِلمِ والفِقْه وكذلك وَلدُه المُلَقَّبُ بالهَادي : شَريفٌ
جَليلٌ ، وكذلك ابنُهُ الحَسَنُ بنُ عليّ العَسْكَريّ، رَحِمَهم اللهُ تَعالَى .
فأمَّا مُحمّدُ بنُ الحَسَن هذا: فَنَقلَ أبو مُحمّد بنُ حَزْمِ : أنَّ الحَسَنَ ماتَ من غَيرِ
(١) انظر السير: (المُنتَظَر) ١١٩/١٣ -١٢٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٦٢.
٤٠٦

عَقِبٍ قال : وَثَبَتَ جُمهورُ الرَّافِضَة على أنَّ للحَسَنِ ابناً أَخْفَاهُ .
وممَّن قال إنَّ الحَسَنَ العَسْكري لم يُعقبْ: محمّد بنُ جَرير الطَّبريّ، ويَحْيَىُ بنُ
صاعِد، وناهيكَ بهما معرفةً وثقةً(١) .
١٣ - مَنْ قُتِلَ من عُلَماء أهْلِ السُّنَّ بِسَبب إِنْكارِه على الشِّيعَة :
قال عبدُ الله أحمَدُ بنُ الدُّحَيْمِيّ : سَمعتُ المَرَّارَ بنَ حَمَّوْه يَقولُ : اللَّهُمَّ ارْزُقْني
الشَّهادَة ، وأمَرَّ يَدَه على حَلْقِهِ ، قِيلَ: لمَّا وَقَعَتْ فِتْنَةُ المُعْتَرِّ والمُسْتَعينِ كان على
هَمَذَانَ الأميرانِ جَبَّاخ وجُغْلان من قِبَل المُعتَزِّ، فاستشارَ أهلُ هَمَذان المَرَّارَ
والجُرْجانيَّ في مُحارَبَتِهما، فأمَراهُم بلُزوم مَنازِلِهم، فلمَّا أغارَ أصْحابُهُما على دار
سَلَمَةَ بنِ سَهْل وغيرها ، ورَمَوا رَجُلاً بسَهَم ، أفْتَيَاهُم في الحَرْبِ، وتَقَلَّدَ المَرَّارُ
سَيفاً، فخَرَجَ مَعَهم فَقُتِلَ عَددٌ كثيرٌ من الفَريقَينِ ، ثم طلب مُفلِحٌ المرَّارَ، فاعْتصَم
بأهلِ قُم، وهَرَبَ معَه إبراهيمُ بنُ مَسْعود المُحَدِّثُ ، فأمَّا إبراهيمُ فهازَلَّهُم وقارَبَهُم
فسَلِم ، وأمَّا المرَّارُ ، فأَظْهَرَ مُخالَفَتَهم في التَّشَيُّع ، وكاشَفَهم ، فأوْقَعوا به وقَتَلوه ،
رَحِمَه الله .
ورَوَى الحُسَينُ بنُ صالِحِ أنَّ عَمَّه المَرَّارَ قُتِلَ في سَنةِ أرْبعٍ وخَمسينَ ومِئْتَينِ وله أرْبَعٌ
وخمسونَ سَنةً قال صالِحُ بنُ أحمَدَ النَّميميُّ : قُتِلَ المزَّارُ في السُّنَّة شهيداً .
قال الذهبيُّ : كان من أئِمَّة الإسْلام(٢).
قال الذهبيُّ في تَرجَمَة الشَّهيدِ ابنِ البَرْدُون، أبو إِسْحاقَ إِبْراهيمُ بنُ مُحمّد : أنَّه
كانَ مُناقِضاً للعِراقيِّينَ ، فدارَتْ عليه دَوائِرٌ في أيَّامِ عُبَيْد الله وضُرِبَ بالسِّيَاطِ ثم سَعَوْا به
عند دُخولِ الشِّيعيِّ إلى القَيْروانِ، وكانت الشِّيعَةُ تَميلُ إلى العِراقيِّين لمُوافَقَتِهم لهم في
مَسْأَلَةِ التَّفْضيلِ ورُخصَة مَذْهَبِهم ، فرَفَعوا إلى أبي عبد الله الشِّيعيِّ: أنَّ ابنَ البَرْدونِ
وأبا بَكْر ابنَ هُذَيْلِ يَطْعَنانِ فِي دَولَتِهِم ، ولا يُفَضِّلانِ عَلَيَّاً فحَبَسَهما ، ثم أمَرَ مُتَولِّي
(١) انظر السير: (المُنْتَظَر) ١١٩/١٣-١٢٢، وانظر النزهة: ٣/١٠٦٢.
(٢) انظر السير: (المَرَّار بن حمويه) ٣٠٨/١٢ -٣١١، وانظر النزهة: ٢/١٠٠٣.
٤٠٧

القَيْرَوانَ أنْ يَضْربَ ابنَ هُذَيل خَمْسَ مِئَةِ سَوْطٍ ، ويَضرِبَ عُنقَ ابنَ الْبَرُدُونِ فَغَلَطَ
المُتَولِّي فَقَتَلَ ابنَ هُذَيل، وضَرَبَ ابنَ البَرْدُونِ، ثم قَتَلَه من الغَدِ(١).
وقِيلَ لابنِ البَرْدونِ لمَّا جُرِّدَ للقَتْلِ: أتَرْجِعُ عن مَذْهِبِك؟ قال: أَعَنِ الإسْلامِ
أرْجِعُ؟ !! ، ثم صُلِبًا في سَنة تِسعٍ وتسعينَ ومِئْتَينٍ، وأمَرَ الشِّيعيُّ الخَبِيثُ أن لا يُفْتَىَ
بِمَذْهِبِ مَالِك، ولا يُفْتَى إلاَّ بِمَذْهَبِ أهلِ البَيتِ ويَرَوْنَ إِسْقاطَ طَلَاقِ البَّة ، فَبَقِيَ مَنْ
يَتَفْقَّهُ لِمَالِك إِنَّمَا يَتَفْقَّه خِفْيَةَ (٢).
قال بَعضُهم : كُنتُ جالساً عند ابنٍ أبي خِنْزِيرٍ فدَخلَ شَيخٌ ذو هَيئَة وخُشوع ، فبَكَى
ابنُ أبي خِنزير وقال : السُّلطانُ - يَعْنِي عُبَيْدَ الله - وَجَّهَ إليَّ يأمُرُّني بدَوْسِ هذا - يَعْني
أبو جَعفَر بنَ خَيرون - حتى يَموتَ، ثم بَطَحَه ، وقَفَزَ عليه السُّودانُ حتى ماتَ ،
لِجِهادِه وبُغْضِه لعُبَيدِ الله وجُندِه(٣) .
وجاءَ في تَرَجَمَة هَيَّجِ بنِ عُبَيْد، قالَ الذهبيُّ: الإمامُ الفَقيهُ، الزَّاهِدُ شَيخُ
الإسْلام، أبو مُحمّد الشَّامِيُّ الحِطِّينِيُّ الشَّافِعِيُّ، شَيخُ الحَرَمِ ، وُلِدَ بعدَ التِّسْعينَ
وثلاثٍ مِئَة .
وكان اعْتِنَاؤُه جَيِّداً بالحَديثِ ، وله بَصَرٌ بالمَذْهب ، وقَدَمٌ فِي التَّقْوَىُ وجَلالَةٌ
عَجِيبَةٌ (٤) .
قال ابنُ طاهِر : كان هَيَّاجٌ قد بَلَغَ من زُهْده أنَّه يَصُومُ ثلاثَةَ أيّامٍ ويُواصِلُ ، لكن
يُفْطِرُ على ماءِ زَمْزَمَ ، فمَنْ أتاهُ بعد ثلاث بشَيءٍ أكَلَه وكان قد نَّفَ على الثَّمانينَ ، وكان
يَعتمرُ كلَّ يومٍ ثلاثَ عُمَرٍ ، ويُدَرِّسُ عدَّةَ دُروسٍ ويَزورُ ابنَ عَبَّاسِ بالطَّائِف كلَّ سَنةٍ
مرَّة ، لا يأكُلُ في الطريقِ شَيْئاً ويَزورُ قَبَرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلَّ سَنةٍ معَ أهلِ
مَكّةَ ، فَيَخرُجُ فَمَنْ أَخَذَ بَيَدِه ، كان في مَؤونَتِهِ حتى يَرجِعَ ، وكان يَمشي حافياً من مَكّةَ
(١) انظر السير: (ابن البَرْدون) ٢١٥/١٤ -٢١٧، وانظر النزهة: ٤/١١٤٦.
(٢) انظر السير: (ابن البَرْدون) ٢١٥/١٤-٢١٧، وانظر النزهة: ٥/١١٤٦.
(٣) انظر السير: (ابن خَيرون) ١٤/ ٢١٧، وانظر النزهة : ٢/١١٤٧.
(٤) انظر السير: (هَيَّاج ابن عُبَيد) ٣٩٣/١٨-٣٩٥، وانظر النزهة: ١/١٤٢٥.
٤٠٨

إلى المَدينَة، وسَمِعتُ مَنْ يَشْكُو إليه أنَّ نَعْلَيهِ سُرِقَتَا ، فقال: انَّخِذُ نَعْلَينِ لا يَسْرِقُهُما
أحَدٌ - يَعْني الحِفاءَ - ورُزِقَ الشَّهادَةَ في كائِنَةٍ بينَ السُّنَّ والرَّافِضَة وذلكَ أنَّ بَعضَ الرَّافِضَةِ
شَكَا إلى أميرٍ مَكَّ أنَّ أهْلَ السُّنَّ يَنالونَ مِنَّا، فَأَنْفَذَ، وطَلبَ هَيَّاجاً وأبا الفَضْلِ بنَ قَوَّام
وابنَ الأنْماطيِّ، وضَرَبَهم ، فماتَ هذان في الحالِ ، وحُمِلَ هَيَّاجٌ ، فماتَ بعدَ أيّام ،
رَضِيَ الله عَنْهُم .
ماتَ هَيَّاجٌ سَنَ اثْتَيْنِ وسَبعينَ وأرْبِعٍ مِنَةَ (١).
١٤ - مَنْ هُدِّدَ بالقَتل من عُلَماء السُّنَّة بسَبب عَدمِ مُوافَقَته للشِّيعَة:
قال الذهبيُّ في تَرَجَمَة الإمام أبي الخَيرِ الطَّالِقانيّ: وظَهَرَ الثَّشَيُّعُ في زَمانِهِ بسَبب
الصَّاحِبِ ، فَالْتَمَسَ العامَّةُ منه عَلَى المِنْبَرِ يومَ عاشُورَاءَ أنْ يَلْعَنَ يَزِيدَ ، فامْتَنَعِ ، فَهَمُّوا
بقَتْلِهِ مَّات ، فلَمْ يُرَعْ ، ولا زَلَّ، وسارَ إلى قَزْوينَ، وضَجَعَ(٢) لهم ابنُ الجَوْزيّ(٣).
١٥ - الشِّيعَةُ المُجاهِدون :
سَيفُ الدَّولَةِ :
هو أبُو الحَسَن عليٌّ بنُ عبدِ الله بنِ حمْدان ، صاحبُ حَلَب ، مَقْصدُ الوُفودِ ،
وكَعْبةُ الجُود ، وفارِسُ الإسْلامِ ، وحامِلُ لِواءِ الجِهاد .
كان أَدِيباً مَلِيحَ النَّظْمِ ، فيه تَشَئِّح (٤) .
ويُقالُ : ما اجْتَمَعَ ببابِ مَلِكِ من الشُّعَراءِ ما اجْتَمَعَ ببابِه ، وكان يَقولُ : عَطَاءُ
الشُّعَراءِ من فَرائِضِ الأُمَراءِ .
وقد جُمِعَ له من المَدَائِحِ مُجلَّدان(٥) .
٠
(١) انظر السير: (هَيَّج ابن عُبَيد) ٣٩٣/١٨ -٣٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٤٢٥.
(٢)
ضجعَ لهم : أي مال إليهم ووافقهم .
انظر السير: ( الطّالقانيّ) ١٩٠/٢١-١٩٣، وانظر النزهة: ١/١٦١١.
(٣)
انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ٤/١٢٨٢.
(٤)
(٥) انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ٥/١٢٨٢.
٤٠٩

يُقالُ: تَمَّ له من الرُّومِ أَرْبَعونَ وَقْعَة، أكْثَرُها يَنْصُرِه الله عَليهم(١) .
وقِيلَ : إِنَّه في عيد نفَّذَ إلى النَّاسِ ضَحايا لا تُعدُّ كَثْرةَ ، فَبَعَثَ إلى اثنَيّ عَشرَ ألفَ
إنسانٍ ، فكانَ أكثرُ ما يَبعَثُ إلى الكَثيرِ منهم مِئَةَ رَأْسٍ (٢) .
وتُوقِيت أختُه، فخَلَّفَت له خَمسَ مئةَ ألفِ دينار ، فافْتُكَّ بجَميعها أَسْرَى (٣).
مَولِدُه في سنة إحْدَى وثلاثٍ مثَّة ، وله غَزْوٌ ما اتَّفَقَ لملكِ غيرُه وكان يُضرَبُ
بِشَجاعَتِهِ المَثلُ ، وله وَقِعٌ في النُّفُوس ، فاللهُ يَرْحمه (٤) .
ماتَ بالفالج، وقِيلَ بِعُسْرِ البَوْل ، سَنةً ستٍّ وخَمسين ، وكان قد جَمعَ من الغُبار
الذي يَقعُ عليه وَقتَ المَصافَّاتِ قَدْرَ الكَفِّ، وأَوْصَى أن يُوضَعَ على خَدِّه .
وكانت دولَتُه نيّقاً وعشرينَ سنةً (٥) .
ثابتُ بنُ أَسْلَم :
قال الذهبيُّ في تَرجَمته: هو العَلأَّمَة أبو الحَسَنِ الحَلبيُّ، فَقيهُ الشِّيعَة ، ونَحَويُّ
حَلَب .
تَصدَّرَ للإفادَة، وله مُصنٌَّ في كشف عُوارِ الإسْماعيليّة وبدء دَعْوتهم وأنَّها على
المَخاريق ، فأخذَه داعي القومِ ، وحُملَ إلى مِصْرَ، فصَلبَه المُسْتَنْصِرُ ، فلا رَضيَ اللهُ
عمَّن قَتَلَه ، وأُحْرِقَت لذلك خِزَانَةُ الكُتب بحَلَب ، وكان فيها عَشرةُ ألافِ مجلَّدة ،
فَرَحِمَ اللهُ هذا المُبْتَدِعِ الذي ذَبَّ عن الملَّة ، والأمْرُ لله (٦).
انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ٦/١٢٨٢.
(١)
انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٦/ ١٨٧-١٨٩، وانظر النزهة: ٧/١٢٨٢.
(٢)
انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ٨/١٢٨٢.
(٣)
انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ٩/١٢٨٢.
(٤)
انظر السير: ( سَيفُ الدولة) ١٨٧/١٦-١٨٩، وانظر النزهة: ١/١٢٨٣.
(٥)
(٦) انظر السير: (ثابتُ بنُ أسْلَم) ١٧٦/١٨، وانظر النزهة : ١٣٩٦ / ثابت بن أسلم .
٤١٠

١٦ - من عُلماء الشِّيعَة:
الچِعَابي :
جاء في ترجمة الجِعَابِيّ ، قال الذهبيُّ : الحافظُ البارع العلاَّمَة، قاضي المَوصِل ،
أبو بكر محمد بنُ عُمر بنِ محمد التَّيميُّ البغداديُّ الجِعَابِيّ .
مَولُده سنة أربع وثمانين ومئتين(١) .
قال ابنُ الفَضْلِ القطَّن: سَمعتُ ابنَ الجِعَابِيِّ يقول: دَخلتُ الرَّقَّة، وكان لي ثَمَّ
قِمْطران(٢) كُتب، فجاء غُلامي مَعموماً وقد ضاعَت الكتبُ ، فقلتُ : يا بُنيّ لا تَغْتَم ،
فإنَّ فيها مئتي ألف حَديث لا يُشكِلُ عليَّ حديثٌ منها ، لا إسْنادُه ولا مَتْنُه .
ونَقَلَ الخطيبُ عن أشْياخه أنَّ ابن الجِعَابِيّ كان يَشربُ في مَجلس ابنِ العَميد .
وقال أبو عبد الرحمن الشُّلمي : سألتُ الدارَقُطنيَّ عن ابنِ الجِعَابِيِّ فقال: خلَّط ،
وذكرَ مَذْهَبَه في التَّشَتُّع ، وكذا نقلَ أبو عبد الله الحاكم ، عن الدارَقُطنيٍّ قال: وحدَّثني
ثقةٌ أنَّه خلَّى ابنَ الجِعَابي نائماً وكَتبَ على رِجِلِه ، قال : فكنتُ أراهُ ثلاثةَ أيَّامٍ لمْ يَمسَّه
الماءُ .
قال الخطيبُ : سَمعتُ ابنَ رزْقوَيه يقولُ : كان ابنُ الجِعَابِيّ يَمتلىءُ في مجلِسه ،
وتَمْتلىءُ السِّكةُ التي يُملي فيها والطريق ، ويحضرُ الدارَقُطْنيُّ ، وابنُ المظفر ويُملي من
حِفْظه .
قال الأزهَرِيُّ : كانت سكينةُ نائحةُ الرَّافِضَة تَنوحُ في جِنازَته ، مات سنةَ خمسٍ
وخمسين وثلاث مئة(٣)
١٧ - من عُلماء الشِّيعَة الغالين :
الرَّوَاجنيّ :
جاء في تَرجمة الرَّوَاجنيّ ، قال الذهبي : الشَّيخُ العالِمِ الصَدوقُ ، مُحدِّثُ
(١) انظر السير: ( الجعَابيّ) ٨٨/١٦-٩٢، وانظر النزهة: ٣/١٢٦٨.
(٢)
تَثْنِيةُ قِمْطر : ما يُصان في الكتب .
(٣) انظر السير: (الجعَابيّ) ٨٨/١٦-٩٢، وانظر النزهة: ٤/١٢٦٨.
٤١١

الشِّيعَة ، أبو سَعيد عَبَّادُ بنُ يَعقُوب الأسدي الرَّوَاجنيُّ الْكُوفيُّ المُبتَدِعِ .
وقال الحاكمُ: كان ابن خُزَيْمَة يقولُ : حَدَّثنا الثُّقَةُ في رِوايَتِهِ المُتَّهَمُ في دِينه ،
عبَّادُ بنُ يَعقُوب .
وقال ابنُ عدي: فيه غُلوٍّ في التَّشَيُّع (١).
وعن صالِحِ جَزَرة ، قال : كان عَبَّدُ بنُ يَعقُوب الأسَدِيّ الرَّواجِنِيّ يَشْتِمُ عُثمانَ
رضي الله عنه ، وسَمعتُهُ يَقُولُ : اللهُ أَعْدَلُ مِن أنْ يُدْخِلَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ الجَنَّةَ، قاتَلا
عَليّاً بعدَ أنْ بايَعاه(٢).
وقال ابنُ جَرِير : سَمعتُه يقولُ: مَنْ لَمْ يَبْرَأْ في صَلاتِهِ كلَّ يومٍ من أعْداءِ آلٍ
مُحمّد ، حُشِرَ مَعَهم .
قال الإمامُ الذهبيُّ: هذا الكَلامُ مَبْدَأُ الرَّفضِ، بَلْ نَكُفتُّ، ونَسْتَغْفِرُ الأُمَّة، فإنَّ آلَ
مُحمّد في إيَّاهم قد عادَى بَعضُهم بَعضاً واقْتَتَلوا على المُلكِ وتمَّتْ عَظائم ، فمِنْ أَيُّهِم
نَبَّرأ؟ !! (٣).
وقال محمدُ بنُ مُظفَّر الحافظُ ، حدَّثنا القاسِمُ المُطرِّز ، قال : دخلتُ على عبَّاد
بالكُوفَة ، وكان يَمتحِنُ الطَّلبَة ، فقال: مَنْ حَفرَ البَحرَ ؟ قلتُ : اللهُ قال : هو كَذاك ،
ولكن مَنْ حَفرَه ؟ قلتُ : يَذْكُرُ الشَّيخُ، قال: حَفرَه عليٍّ، فمَنْ أجْراهُ؟ قلتُ : اللهُ
قال : هو كَذلك ، ولكن مَنْ أجْراهُ؟ قلتُ: يُفيدني الشَّيخُ قال : أجراهُ الحُسَينُ ،
وكان ضَريراً، فرأيتُ سَيفاً وحَجَفَةٌ(٤) فقلتُ : لمنْ هذا؟ قال : أَعْدَدتُه لأقاتل به مع
المَهدي ، فلمَّا فَرغتُ من سَماع ما أردْتُ ، دَخلتُ عليه ، فقال : مَنْ حَفرَ البَحرَ ؟
قلتُ : حفَرَهُ مُعاويةُ رَضيَ اللهُ عنه، وأجْراهُ عَمرو بنُ العاص ، ثم وَثَبتُ وعَدَوْتُ
فجعلَ يَصيحُ : أدْركوا الفاسِقَ عَدوَّ الله، فاقْتُلوه إسْنادُه صَحيح ، وما أدري كيف
انظر السير: (الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ٣/٩٦٩.
(١)
(٢) انظر السير: (الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ١/٩٧٠.
(٣) انظر السير: (الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ٢/٩٧٠.
(٤) الحجفة : هي الترس .
٤١٢

تَسَمَّحوا في الأخْذِ عمَّن هذا حالُه ؟ وإنَّما وَثِقوا بصِدْقِه .
قال البُخاريُّ : ماتَ عبَّادُ بنُ يَعقُوب في سنة خمسين ومئتين .
ورأيتُ له جُزءاً من كتاب «المَناقِب))، جَمعَ فيها أشياءَ ساقِطَة قد أغْنى اللهُ أهلَ
البَيتِ عنها، وما أعتقده يَتعمَّدُ الكَذبَ أبداً (١) .
ابن خِراش:
وجاء في ترجَمة ابن خِرَاش، قال الذهبيُّ : الحافظُ ، الناقِدُ، البارِعُ،
أبو محمّد، عبدُ الرحمن بنُ يوسُف بنُ سَعيد بنُ خِرَاش ، المَرْوَزيّ ، ثم
البغداديّ(٢).
وقالَ بَكرُ بنُ محمّد: سَمعتُه يقولُ: شَربتُ بَوْلي في هذا الشَّأن - يَعني الحَديث -
خَمسَ مرَّات .
قال أبو نُعَيْم بنُ عَدي : ما رَأيتُ أحداً أحفَظَ من ابنِ خِرَاش .
وقال ابنُ عَدي: قد ذُكرَ بشَيءٍ من التشَيُّع، وأرجو أنَّه لا يَتعمّدُ الكَذب سَمعتُ ابنَ
عُقْدَة يقولُ : كان ابنُ خِرَاش عندنا إذا كَتبَ شَيئاً في التشَيُّع يقولُ : هذا لا يَنْفَق إلاَّ
عندي وعندك وسَمعتُ ابنَ عَبْدان يقولُ : حملَ ابنُ خِرَاش إلى بُنْدار عندنا جُزْأَين
صَنَّفَهما في مَثالب الشَّيخَين ، فأجازه بألفَي دِرهَم ، بني له بها حُجرةٌ ببغداد ليُحدِّث
فيها ، فمات حين فُرِغَ منها .
وقال أبو زُرْعَة ، محمدُ بنُ يوسُف الحافظُ : خرَّجَ ابنُ خِرَاش مَثالب الشَّيخَين
وكان رافِضيّاً .
وقال ابنُ عَدي : سَمعتُ عَبْدَانَ يقولُ : قلتُ لابنٍ خِرَاش: حديثُ: ((ما تَرَكنَاهُ
صَدَقَةٌ )) فقالَ : باطِلٌ .
(١) انظر السير: (الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ٣/٩٧٠.
(٢) انظر السير: (ابن خِرَاش) ٥٠٨/١٣- ٥١٠، وانظر النزهة: ١/١١١٢.
٤١٣

قال الذهبيُّ: هذا مُعَثَّر مَخذول، كان عِلمُهُ وَبالاً، وسَعيُه ضَلالاً ، نَعوذُ بالله من
الشَّقاء .
ماتَ سنةَ ثلاثٍ وثمانين ومئتين(١).
الشَّيخُ المُفيد :
وجاء في ترجمة الشَّيخ المُفيد ، قال الذهبيُّ : عالمُ الرَّافِضَة ، محمدُ ابنُ محمدِ بنِ
النُّعمان ، البغدادي ، الشِّيعي، ويُعرف بابنِ المُعَلِّم .
كان صاحبَ فُنون، وبُحُوث، وكَلام ، واعْتزال، وأدَب(٢).
ذكرَه ابنُ أبي طَي في (( تاريخ الإمامية )) فأطْنَب وأسْهَب ، وقال: كان أوْحدَ في
جَميع فُنون العِلم : الأصْلَين ، والفِقْه، والأخبار ، ومَعرفة الرِّجال ، والتَّفسير ،
والنَّحْو، والشِّعْر وكان يُناظِرِ أهلَ كلِّ عَقيدة مع العَظمة في الدَّولة البُوَيْهِيَّة ، والرُّتبَة
الجَسيمة عند الخُلفاء، وكان قَويَّ النَّفس، كَثيرَ البرِّ ، عَظيمَ الخُشوع ، كَثِيرَ الصَّلاة
والصَّوْم، يَلبسُ الخَشِنَ من الثِّياب، وكان مُديماً للمُطالَعَة ، والتعليم، ومن أحْفَظ
النَّاس، قيل: إنَّه ما تَركَ للمُخالِفِين كتاباً إلاَّ وحَفظَه، وبهذا قَدر على حَلِّ شُبَه
القَوم ، وكان من أحْرَص الناسِ على التَّعْليم ، يَدورُ على المَكاتب وحَوانيت الحاكَة
فِيَتَلمَّحُ الصَّبِيَّ الفَطِن، فَيَسْتأجِرُه من أبَوَيه - يَعني فيُضِلَّه - قال: وبذلك كَثُر
تَلامذتُه(٣).
عاش سّاً وسَبعين سَنة ، إلى أن قال : مات سَنة ثلاث عَشرة وأربع مئة ، وشَيَّعه
ثمانون ألفاً .
وقِيلَ : بَلغت تَواليفُه مئتين، لمْ أقِفْ على شيءٍ منها ولله الحمد (٤).
انظر السير: (ابن خِرَاش) ٥٠٨/١٣-٥١٠، وانظر النزهة: ٢/١١١٢.
(١)
(٢)
انظر السير: ( الشيخ المفيد) ٣٤٤/١٧ -٣٤٥، وانظر النزهة : ١/١٣٤٤.
(٣) انظر السير: (الشيخ المفيد) ٣٤٤/١٧ -٣٤٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٤.
(٤) انظر السير: (الشيخ المفيد) ٣٤٤/١٧ -٣٤٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٤٤.
٤١٤

١٨ - مُناظَرات مع الشِّيعَة :
جاء في ترجمة ابنِ الحَدَّاد ، سعيدِ بنِ محمد بنِ صُبيح بن حَدَّاد المغربي ، صاحبٍ
سُخنون ، شيخ المالكية ، قال ابنُ حارث : له مَقامات كريمة ، ومَواقفُ مَحمودة في
الدَّفْع عن الإسلام، والذَّبِّ عن السُّنَّة، ناظَرَ فيها أبا العبَّاس المعجوقي أخا
أبي عبد الله الشِّيعي الذَّاعي إلى دولة عُبَيد الله، فتكلَّم ابنُ الحَدَّاد ولم يَخفْ سَطوة
سُلطانهم ، حتى قال له ولدُه أبو محمد : يا أبتِ اتَّقِ الله في نفسِك ولا تُبالغ ، قال :
حَسبِي مَنْ له غَضبتُ ، وعن دِينِهِ ذَبَبتُ .
وله مع شَيخ المُعتزلة الفَرَّاء مُناظَرات بالقَيْرَوان، رَجعَ بها عَددٌ من المُبتدعة(١) .
قال أبو بكر بن اللَّباد: بينا سَعيدُ بنُ الحَدَّاد جالسٌ أتاه رسولُ عُبَيد الله - يَعني
المَهْدي - قال : فأتَيتُه وأبو جَعْفَر البغدادي واقفٌ فتكلَّمتُ بما حَضرني ، فقال :
اجْلسْ ، فجلستُ ، فإذا بكتابٍ لَطيف ، فقال لأبي جَعْفَر : اعْرِض الكتابَ على
الشَّيخِ ، فإذا حَديثُ غَدِيرٍ ثُمّ(٢) قلتُ: وهو صَحيحٌ وقد رَويناه .
فقالَ عُبَيد الله : فما للنَّاسِ لا يَكونون عَبيدنا؟ قلتُ: أعزَّ الله السيِّد، لم يرد وِلايَة
الرِّق، بل وِلايَة الدين ، قال : هل مِنْ شاهدٍ ؟ قلتُ: قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ
أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللّهِ وَلَنْكِن كُنُواْ
رَّكِيْنَ﴾(٣) فما لمْ يَكُنْ لنَبيِّ الله لمْ يَكُنْ لغَيرِه قال: انصَرِفِ لا يَنالُك الحرّ فَتَبَعَني
البغداديُّ فقالَ : اكْتُم هذا المَجْلس (٤).
(١) انظر السير: (ابنُ الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤-٢١٤، وانظر النزهة: ٥/١١٤٤.
(٢)
أخرج الإمام أحمد في «مسنده » ٢/ ٣٧٢ عن سفيان ، ثنا أبو عوانة ، عن المغيرة عن أبيه ، عن ميمون
قال : قال زيد بن أرقم - وأنا أسمع : نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادٍ يُقال له : وادي
خُمّ ، فأمر بالصلاة ، فصلاها بهجير ، قال : فخطبنا وظُلِّلَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على
شجرة سمرة من الشمس، فقال: (( ألستم تعلمون ، أولستم تشهدون أنِّي أولَى بكل مؤمن من
نفسه؟)) قالوا: بلى، قال: ((فمن كنتُ مَوْلاهُ فإنَّ عَليَّاً مَوْلاهُ، اللَّهِمَّ عادِ مَنْ عاداه ووَالِ مَنْ والاه »
وإسناده صحيح .
(٣) سورة آل عمران ، الآية : ٧٩.
(٤) انظر السير: (ابنُ الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤-٢١٤، وانظر النزهة: ٦/١١٤٤.
٤١٥

وقال مُوسى بنُ عبد الرَّحمَن القطَّان: لو سَمعتُم سَعيدَ بنَ الحَدَّاد في تلك
المَحَافل - يَعني مُناظرته للشِّيعي - وقد اجتمعَ له جَهَارةُ الصَّوتِ وفَخامَةُ المَنْطِقِ ،
وفَصاحَةُ اللُّسانِ، وصَوابُ المَعْنِىُ، لَتَمِنَُّم أنْ لا يَسْكُت(١).
وقيل : إنَّه سار لتَلقِّي أبي عبد الله الشِّيعي، فقال له : أوَلمْ يَقُلْ رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم: ((وأَقْضاكم عليٌّ))، فساقَ له مُوسى تَمامَه، وهو ((وأَعْلَمُكم
بالحَلال والحَرامِ مُعَاذٌ ، وأَرْأَفُكم أبو بَكر، وأَشَدُّكم في دينِ الله عُمَر )) ، قالَ: كيفَ
يكونُ أشَدَّهم وقَد هَرَبَ بالرَّايَة يومَ خَيْبَر ؟ قال موسى: ما سمعنا بهذا فقلتُ : إنَّما
تحیَّزَ إلى فئَةٍ فليس بفارٌّ .
وقال في ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(٢) إِنَّمَا نَهاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن
حُزْنه لأنَّه كان مَسخُوطاً ، قلتُ: لمْ يَكُنْ قَولُه إلاَّ تَبشيراً بأنَّه آمنٌ على رسولِ الله وعلى
نفسه ، فقال : أين نَظيرُ ما قُلتَ ؟ قلتُ: قَولُه لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَآ إِنَّنِى
مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾(٣).
فلمْ يَكنْ خَوفُهما من فِرْعَون خَوفاً بسخطِ الله .
ثم قال : يا أهلَ البَلدَة : إنَّكم تَبغضُون عَليَّاً؟ قلتُ: على مُبغِضِه لَعنةُ الله فقال :
صَلى الله عليه قلتُ : نَعم ، ورَفعتُ صَوتي : صَلى الله عليه وسلَّم ، لأنَّ الصَّلاةَ في
خِطابِ العَرَب الرَّحْمةُ والدُّعاء ، قال : ألمْ يقُلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :
(( أنتَ مِنِّي بمَنْزِلَة هارُون من مُوسى))؟ قلتُ: نَعم، إلاَّ أنَّه قالَ: ((إلاَّ أنَّه لا نَبِيَّ
بَعدي )) وهارونُ كان حُجَّة في حَياة موسى، وعليٍّ لمْ يَكنْ حُجَّة في حَياة النَّبِيِّ ،
وهارونُ فكان شريكاً ، أفَكانَ عليٍّ شَريكاً للنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، في النبُوَّة؟
وإنَّما أرادَ التَّقْرِيبَ والوزارَة والوٍلايَة قال: أوَلَيسَ هو أفْضَلَ ؟ قلتُ : أَلَيسَ الحقُّ مُتَّفَقاً
عليه ؟ قال : نعم قلتُ : قد مَلَكْتَ مَدائنَ قَبَلَ مَدينَتِنا ، وهي أعظمُ مَدينة ، واسْتفاضَ
(١) انظر السير: (ابنُ الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤ -٢١٤، وانظر النزهة: ١/١١٤٥.
(٢)
سورة التوبة ، الآية : ٤٠ .
(٣) سورة طه ، الآية : ٤٦ .
٤١٦

عَنكَ أنَّك لمْ تُكْره أحداً على مَذْهَبك، فاسْلُك بنا مَسْلَك غيرنا ونَهَضْنا .
وقيلَ : لَمْ يُرَ أغْزِرَ دَمعةً من سَعيدِ بنِ الحَذَّاد ، وكان قد صَحبَ النُسَّاك ، وكان
مُقلاً حتى ماتَ أخٌ له بصِقَلْيَّة ، فوَرِثَ منه أربعَ مئة دينار فبنى منها داره بمئتي دينار
واكْتَسَى بخمسين ديناراً ، وكان كَرِيماً حَلِيماً(١) .
١٩ - القِتالُ بين السُّنَّة والرَّافِضَة :
جاء في ترجمة الخليفة أبي القاسم الفَضْلِ بن المُقْتدر ، المُطيعُ لله ، قال الذهبيُّ :
وكان يُقامُ مأتَمُ عاشوراءَ ببغداد ، ويَقع فتنٌّ كبارٌ لذلك(٢) .
وجاء في ترجمة الطَّائع لله ، قال الذهبيُّ: وتَحارَبت الشِّيعَةُ والسُّنَّةُ مدَّة ، ثم وَثبوا
على الطّائع لله في دارِه في تاسِع عَشر شَعبان سَنة ٣٨١ هـ، وسَبَبُهُ أنَّ شَيخَ الشِّيعَة ابنَ
المُعلِّم كان من خَواصِّ بَهاء الدولَة ، فحُبسَ ، فجاء بَهاءُ الدولَة ، وقد جَلسَ الطَّائعُ في
الرَّوَاق مُتَقلِّد السَّيف ، فقَبَّل الأرضَ وجلسَ علىْ كُرْسيٍّ، فتقدَّم جماعةٌ من أعْوانه ،
فجَذَبوا الطَّائعَ بحَمائلَ سَيفه، ولَقُّوه في كِساء وأُصْعِدَ في سَفينته إلى دارِ المملكة .
وأُشهِدَ على الطَّائع بخَلع نفْسِه، وأنَّه سَلَّمَ الخِلافَة إلى القادِر بالله، وشَهدَ الكُبراء
بذلك ، ثم طلبَ القادِرُ، وَاسْتَحَقُّوه على القُدوم ، واسْتُبِيحَت دارُ الخِلافَة حتى نُقْضَ
خَشَبُها ..
وكانت دَولتُه ثمانيَة عَشرة سَنة ، وبَقيَ بعدَ عَزْله أعْواماً إلى أنْ ماتَ سنةً ثلاث
وتسعين وثلاثٍ مئة فصَلَّى عليه القادِرُ وكَبَّرَ خَمساً .
وعاش ثلاثاً وسبعين سنةً رَحمَه الله(٣) .
وعَملت الرَّافِضةُ عيدَ الغَدير، فثارَت السُّنَّةُ، وقَووا، وخَرَّقوا عَلَمَ السلطان ،
وقُتْلَ جَماعةٌ ، وصُلِبَ آخَرون ، فكَقُّوا .
(١) انظر السير: (ابنُ الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤-٢١٤، وانظر النزهة: ٢/١١٤٥.
(٢) انظر السير: (المُطيعُ الله) ١١٣/١٥-١١٨، وانظر النزهة: ١/١١٩٠.
(٣) انظر السير: (الطّائع الله) ١١٨/١٥ -١٢٧، وانظر النزهة: ١/١١٩٣.
٤١٧

وفي سنة ٣٨٣ هـ اسْتفحَلَ البَلاءُ بالعَيَّارين ببغداد، ولمْ يَحُجَّ أحدٌ من العِراق(١).
وكان الرَّفضُ عَلانيةً بدمَشْقَ فِي سَنة أربع مئة، ولقد أخَذَ نائبُها (( تمصُولُت
البَرْبَرِيُّ )) رَجلاً في سنة ثلاثٍ وتسعينَ وثلاث مئة فطِيفَ به على حمارِ : هذا جزاء مَنْ
يُحبُّ أبا بكرٍ وعُمرَ ، ثم قُتِل .
وفي هذا الوَقت انبثَتْ دُعاة الحاكم في الأطْرافِ، فأمَرَ القادرُ بعَمل مَحْضَر
يتضمن القَدْحَ في نَسَب العُبَيْدِيَّة ، وأنَّهم مَنْسُوبون إلى دَيْصانَ بنِ سَعيد الخُرَّمي ،
فشَهدوا جميعاً أنَّ النَّاجِمَ بمِصْرَ مَنصورَ ابنَ نزارٍ الحاكمَ حكمَ اللهُ عليه بالبَوار ، وأنَّ
جَدَّهم لمَّا صارَ إلى الغَرب تَسمَّى بالمَهْدِي عُبَيد الله، وهو وسَلفُه أرجاسٌ خَوارج
أدْعياء، وأنَّ هذا النَّاجِمَ وسَلفَه كُفَّارٌ زَنادِقَة، ولمَذْهَب الثَّويَّةِ (٢) والمَجوسِيَّة
مُعْتقدون، عَطَّلوا الحُدودَ، وأباحوا الفُروجَ وسَفكوا الدِّماءَ، وسَبُّوا الأنْبياءَ، ولَعَنوا
السَّلَفَ ، واذَّعَوا الرُّبوبيَّة .
واسْتتابَ القادرُ فُقهاءَ المُعتْزِلَةِ، فَتَبَّوْا من الاعْتِزالِ والرَّفضِ وأُخِذَت خُطوطُهم
بذلك .
وامتثلَ ابنُ سُبُكتكين أمرَ القادر، فبَثَّ السُّنَّة بممَالكه وتَهدَّد بقَتلِ الرَّافِضَة
والإِسْماعيليّة والقَرامِطَة، والمُشبِّهَة والجَهْميَّة والمُعْتَزِلَة، ولُعِنوا على المَنابِرِ(٣) .
وافْتَتَحَ ابنُ سُبْكْتِكِين ◌ِدةَ مَدائِنَ بالهِنْدِ ، ووَرَدَه كِتابُ القَادِرِ بالله ، فِيهِ : صَدَرَ
العَبدُ من غَزْنَةَ في أوَّلِ سَنةِ عَشرٍ وأرْبَع مِئَة، وانْتُدَبَ لتَنِفِيذِ الأَوامِرِ فَرَتَّبَ فِي غَزْنَةَ
خَمسةَ عَشرَ ألفَ فارِسٍ ، وأَنْهَضَ ابنَه فَي عِشرينَ ألفاً وشَحَنَ بَلْخَ وطَخَارُسْتَانَ باثني
عَشرَ ألفَ فارسٍ ، وعشرةِ آلافٍ راجلٍ ، وانْتُخَبَ ثلاثينَ ألفَ فارِسِ ، وعَشرَةَ آلافِ
راجِلٍ لصُحْبَةِ رَايَةِ الإِسْلامِ، وانْضَمَّ إليه المُطَّوَّعَةُ، فافْتَتَحَ قِلاعَاً وحُصُوناً وأَسْلَمَ زُهَاءَ
عِشرينَ ألفاً ، وأَذَّوْا نَحوَ أَلْفِ ألْفٍ من الوَرِقِ ، وثلاثين فِيلاً، وعِدَّةُ الهَلْكَىْ خَمسُونَ
(١) انظر السير: (القادِرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ١/١١٩٤.
(٢) أصحاب الإثنين الأزليين النور والظلمة، يزعمون بأنهما أزليان قديمان انظر ((الملل والنحل)).
(٣) انظر السير: (القادِرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٢/١١٩٤.
٤١٨

ألفاً ووَافَى العَبدُ مدينةً لهم عَايَنَ فيها نَحوَ ألفِ قَصْرٍ ، وألفَ بيتٍ لِلأَصْنَامِ ، ومَبْلَغُ
ما على الصَّنَمِ ثمَانِيَةٌ وتِسْعونَ ألفَ دينارٍ ، وفَلَعَ أَزْيَدَ من ألفٍ صَنَمٍ ، ولهم صَّنَمٌ مُعَظّمٌ
يُؤَرِّخُونَ مُدَّتَه بجَهَالَتِهِم بثلاثٍ مِئَةِ ألفِ سَنَةٍ ، وحَصَّلْنا من الغَنَائِمِ عِشْرِينَ ألفَ ألفِ
درهمٍ، وأُفْرِدَ الخُمْسُ من الرَّقِيقِ ، فَبَلَغَ ثلاثةَ وخَمْسِينَ ألفاً، واسْتَعْرَضْنَا ثلاثَ مِئَّةٍ
وسِتّةٍ وخَمسِينَ فِيلاً .
وفي سَنَةِ اثْتَينٍ وعِشرينَ وأَرْبَعِ مِئَةٍ ، ماتَ القَادِرُ باللهِ، وعَاشَ سَبْعاً وثمَانِينَ سَنةً
سِوَىُ شهرٍ وثمانيةَ أيَّامٍ ، وما عَلِمَتُ أحَداً من خُلَفَاءِ هذهِ الأُمَّة بَلَغَ هذا السِّنَّ ،
ولا حتى عُثْمانَ رضي الله عنه(١) .
وجَرَت فَتَنَةٌ مَهولَة بَبَغدادَ بينَ النَّاسِ وبينَ الرَّافِضَةِ، وقُتْلَ عِدّةٌ من الفَريقين، وعَظُم
البلاءُ، ونُهِبَ الكَرْخُ، فَحَنقَ ابنُ العَلْقَمَيّ ، الوَزيرُ الرَّافِضيُّ، وكَاتبَ هُولاكُو ،
وطمَّعَه في العِراق، فجاءَت رُسُلُ هُولاكُو إلى بَغدادَ ، وفي الباطِنِ مَعهُمْ فَرَماناتٍ لغَيرِ
واحدٍ ، والخَليفةُ لا يَدْري ما يَتمُّ ، وأيامُه قد وَلَّتْ ، وصاحبُ دِمَشْقَ شابٌّ غرّ جَبانٌ ،
فَبَعَثَ وَلَدَه الطُّفلَ مع الحافظيِّ بتقادم وُتَحِف إلى هُولاكُو فخَضَعَ له ، ومِصْرُ في
اضْطِرابٍ بعدَ قَتْلِ المُعزِّ ، وصاحبُ الرُّومِ قد هَربَ إلى بلاد الأشْكُري ، فتمرَّدَ هُولائُو
وتَجَبَّر ، واسْتولَى على المَمالك وعاثَ جُندُه الكَفَرَةُ يَقْتُلُون ويَأْسِرُون ويَحْرِقُون .
ودخلت سنةُ ستِّ فسَارَ عَسْكَرُ الناصر ، وعَليهم المُغيثُ ابنُ صاحبِ الكَرْك ،
ليأخُذوا مِصْرَ فالتَّقاهُم المُظفَّرُ قُطُز، وهو نائبٌ للمَنصور عليٍّ وَلِدِ المُعزِّ، بِالرَّمْلِ
فَكَسَرَهم ، وأسَرَ جَماعَةَ أُمَراء فضَرَبَ أعْناقَهم(٢) .
٢٠ - انْتشارُ الرَّفضِ بَبَعضٍ عَواصِم الإسْلام :
جاء في ترجمة (( المُطيع الله )) ، قال الذهبيُّ : وفي سنة ستين وثلاثٍ مئة فُلِجَ
المُطيعُ، وبَطُلَ نصْفُهُ، وتَملَّك بَنو عُبَيد مِصرَ والشَّامَ، وأَذَنوا بدِمَشْقَ بـ (( حَيَّ على
(١) انظر السير: (القادِرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٣/١١٩٤.
(٢) انظر السير: (المستعصم بالله) ٢٣/ ١٧٤ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٤/١٧٢٤.
٤١٩

خَيرِ العَمَل )) وغَلت البلادُ بالرَّفْضِ شَرقاً وغرباً، وخَفِيَت السُّنَّهُ قَليلاً ، واسْتباحَت
الرُّومُ نَصِيبِينَ وغَيرَها ، فلا قوَّةَ إلاَّ بالله .
ولمَّا تَحَكَّم الفالِجُ في المُطيع دَعاهُ سُبُكْتكينُ الحاجبُ إلى عَزْلِ نَفْسِهِ وَتَسليمِ
الخِلافَة إلى ابنِهِ الطَّائع، ففَعَلَ ذلكَ سنةً ثلاثٍ وستِّين، وأثْبَتُوا خَلعَه على
أبي الحَسَن بنِ أمّ شَيْبانَ القاضي ، ثم كان بعد يُدعَى الشَّيخَ الفاضِل .
وفيها أُقِيمَت الدَّعْوةُ العُبَيْدِيَّة بالحَرَمين للمُعِزِّ ، واسْتفحَلَ البلاءُ باللُّصُوصِ
بَعْداد، ورَكبوا الخَيلَ، وأخَذوا الخِفَارَة، وتَلقَّبُوا بالقُوَّاد، ثم إنَّ المُطيعَ خَرجَ
ووَلدُه الخَليفةُ الطَّائعُ له إلى وَاسِط فماتَ هناك في المُحرَّم سنةَ أرْبع وستِّينَ وثلاثٍ مئة
بعد ثلاثةِ أشْهُر من عَزِلِه ، وعُمرُه ثلاثٌ وستُّونَ سنةً ، رَحمه الله ، فكانت خِلافَتُه
ثلاثينَ سنةً سِوى أشْهر ، وفي أيّامِه تَلقَّبَ صاحبُ الأنْدَلُس الناصرُ المَرْوَانيُّ بأميرِ
المؤمنين ، وقال : أنا أحَقُّ بهَذا اللَّقب من خَليفةٍ مِنْ تَحتِ يدِ بني بُوَيْه ، وصَدقَ
النَّاصرُ فإنَّه كان بطلاً شجاعاً، سائساً مَهيباً ، له غَزَواتٌ مَشْهودَة، وكان خَليقاً
للخِلافَةِ ، ولكنْ كانَ أعظمَ منه بكثير المُعزُّ العُبَيْدِيُّ الإسْماعيليُّ النِّحْلَة، وأوْسَعَ
ممَالك حَكمَ على الحَرَمين ومِصْرَ والشَّامَ والمَغْربَ(١) .
وكان الرَّفضُ عَلانيةً بدمَشْقَ فِي سَنة أربع مئة، ولقد أخَذَ نائبُها (( تمصُولُت
البَرْبَرِيُّ)) رَجلاً في سنة ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثٍ مئة فطِيفَ به على حمارِ : هذا جزاء مَنْ
يُحبُّ أبا بكرٍ وعُمرَ ، ثم قُتِل .
وفي هذا الوَقت انبثَتْ دُعاة الحاكم في الأطْرافِ ، فأمَرَ القادرُ بعَمل مَحْضَر
يتضمن القَدْحَ فِي نَسَب العُبَيْدِيَّة ، وأنَّهم مَنْسُوبون إلىُ دَيْصانَ بنِ سَعيد الخُرَّمي ،
فشَهدوا جميعاً أنَّ النَّاجِمَ بِمِصْرَ مَنصورَ بنَ نزارٍ الحاكمَ حكمَ اللهُ عليه بالبَوار ، وأنَّ
جَدَّهم لمَّا صارَ إلى الغَرب تَسمَّى بالمَهْدِي عُبَيد الله، وهو وسَلفُه أرْجاسٌ خَوارِج
أَدْعياء ، وأنَّ هذا النَّاحِمَ وسَلفَه كُفَّارٌ زَنادِقَة، ولمَذْهَب الثَّنَويَّة(٢) والمَجوسِيَّة
(١) انظر السير: (المطيع الله) ١١٣/١٥-١١٨، وانظر النزهة: ٤/١١٩٠.
(٢) أصحاب الإثنين الأزليين النور والظلمة، يزعمون بأنهما أزليان قديمان انظر ((الملل والنحل)).
٤٢٠