النص المفهرس

صفحات 361-380

وتَوَتَّبَ طُرُقِيٌّ داهيةٌ بالزِّنْج على البَصْرَة، وأبادَ العِباد ومزَّقَ الجُيوشَ ، وحارَبوه
بضْعَ عَشرةَ سنةً إلى أنْ قُتْلَ وكان مارِقاً ، بلغَ جُنْدُه مئة ألف(١) .
فِبَقِيَ يَتَشَبَّهُ بِهَؤلاءِ كُلُّ مَنْ فِي رَأْسِهِ رِئاسَةٌ ، ويَتَخَيَّلُ على الأُمَّة ليُزْديهِم في دِينِهم
ودُنْيَاهُم، فَتَحَرَّكَ بِقُرَى الكُوفَةِ رَجَلٌ أَظْهَرَ الثَّعَبُّدَ والتَّزَقُّدَ ، وكانَ يَسفُّ الخُوصَ
ويُؤثِر ، ويَدْعُو إلى إمام أهْلِ البَيْتِ ، فَتَلَفَّقَ له خَلقٌ وَتَلَّهُوا إلى سَنةِ سِتّ وثَمانينَ ،
فِظَهَرَ بِالبَحْرَينِ أبو سَعيدَ الجَنَّبِيّ، وكانَ قَمَّاحاً، فصَارَ مَعَهُ عَسْكٌ كَبِيرٌ ، ونَهَبُوا ،
وفَعَلُوا القَبَائِحَ، وتَزَنْدَقُوا، وذَهَبَ الأخَوانِ يَدْعُوان إلى المَهْدِيِّ بالمَغْرِبِ ، فثارَ
مَعُهُما البَرْبَرُ ، إلى أنْ مَلَكَ عبدُ الله المُلَقَّبُ بالمَهْدِيُّ غَالِبَ المَغْرِبَ ، وأظْهَرَ الرَّفْضَ ،
وأبْطَنَ الزَّنْدَقَةَ ، وقامَ بَعدَهُ ابنُهُ، ثُمّ ابنُ ابنِهِ، ثُمّ تَمَلَّكَ المُعِزُّ وأوْلادُه مِصْرَ والمَغْرِبَ
واليَمنَ والشَّامَ ، دَهْراً طَوِيلاً فَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله .
وفي سَنةِ ثَمانِينَ عاثَتْ بَنُو شَيْبانَ، فسَارَ المُعْتَضِدُ ، فَلَحِقَهُم بالسِّنِّ ، فقتَّلَ وغَرَّقَ
ومَزَّقَهُم ، وغَنِمَ العَسكَرُ من مَواشِيهِم ما لا يُوصَفُ، حتّى أُبِيعَ الجَمَلُ بِخَمسَةِ دَراهِم ،
وصَانَ نِساءَهُم وذَرارِيهِم، ودَخَلَ المُوصِلَ، فجاءَتْهُ بَنُو شَيْبَانَ ، وذَلُّوا، فَأَخَذَ منهُم
رَهائِنَ، وأعْطَاهُمْ نِساءَهُم، ومَاتَ في السِّجْنِ المُفَوِّضُ إلى الله، وقِيلَ : كانَ
المُعْتَضِدُ يُنادِمُه في السِّرِّ(٢) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ الشِّيعِيِّ، قال الذهبيُّ: الدَّاعِي الخَبِيثُ ، أبُو عبدِ اللهِ ،
الحُسَينُ بنُ أحمَد بنُ مُحمّد الصَّنْعاني، من دُهاةِ الرِّجالِ الخَبيرِينَ بِالجَدَلِ ، والحِيَلِ
وإغْواءِ بَنِي آدَم .
قامَ بالدَّعْوَةِ العُبَيْدِيَّة، وحَجَّ ، وصَحِبَ قَوماً من كُتامة(٣)، ورَبَطَهُم وتَالَّهَ وَتَزَهَّدَ
وشَوَّقَ إلى إِمَامِ الوَقتِ ، فَاسْتَجابَ له خَلْقٌ من البَرْبَرِ ، وعَسْكَرَ وحَارَبَ أميرَ المَغْرِبِ
ابنَ الأغْلَبِ ، وَهَزَمَه غَيْرَ مَرَّةٍ ، وإلىْ أنْ جاءَ عُبَيْدُ اللهِ المَهْدِيُّ، فَتَسَلَّمَ المُلكَ ، ولَمْ
انظر السير: ( المُعتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٦.
(١)
انظر السير: (المُعتَضدُ بالله) ١٣/ ٤٦٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٣/١١٠٦.
(٢)
كُتامة : قبيلة من البربر ببلاد المغرب .
(٣)
٣٦١

يَجعلْ لهَهذا الدَّاعي ولا لأَخِيهِ أبي العَبَّاسِ كَبِيرَ وِلايَةٍ، فَغَضِبَا، وأفْسَدَا عليه القُلُوبَ
وحَارَبَاهُ، وجَرَتْ أمُورٌ إلى أنْ ظَفرَ بهِما المَهدِيُّ فقَتَلَهُما في ساعَةٍ ، سَنةَ ثَمانٍ وتِسْعينَ
ومِنْتَينِ(١) .
وقال الغزاليُّ في (( سِرِّ العَالَمين)): شاهدتُ قصَّةَ الحَسَنِ ابنِ الصَّبَّحِ لمَّا تَزَهَّدَ
تَحتَ حِصْنِ الأَلَموتِ، فكانَ أهلُ الحِصْنِ يَتَمِنَّونَ صُعودَه ، ويَتَمنَّعُ ويقولُ : أما تَرَونَ
المُنْكَرَ كَيفَ فَشَا ، وفَسَدَ النَّاسُ، فصَبا إليه خَلقٌ وذَهَبَ أميرُ الحِصْنِ يَتَصِيَّدُ ، فوَثَبَ
على الحِصْنِ فَتَمَلَّكَه ، وبَعَثَ إلى الأميرِ مَنْ قَتَلَه، وكَثُرَت قِلاعُهُم، واشْتَغَلَ عَنْهُم
أولادُ مَلِكْشاه باخْتِلافِهم (٢) .
جاءَ في تَرجَمَة عليٍّ بنِ مَهْدِيّ، قالَ الذهبيُّ: كانَ أَبُوهُ من قَرِيةٍ بزَبيد من
الصُّلَحاءِ ، فَتَشَأَ عليٍّ في تَزَهُّد، وحَجَّ وَلَقِيَ العُلماءَ وحَصَّلَ، ثمّ وَعَظَ، وذَمَّ الجُندَ .
وكانَ فَصيحاً صَبيحاً طَوِيلاً، أخْضَرَ اللَّونِ ، طَيِّبَ الصَّوتِ ، غَزِيرَ المَحْفوظِ ،
مُتَصَوِّفاً ، خَبِيثَ السَرِيرَة ، دَاهيةً، يَتَكلَّمُ على الخَواطِرِ فَرَبَطَ الخَلقَ، وكانَ يَعِظُ
ويَنْتُحِبُ .
قال عُمارَةُ اليَمَنيُّ : لازَمْتُه سَنةً، وتَرَكتُ النَّفَقُّهَ، ونَسَكْتُ فأعادَني أبي إلى
المَدرسَةِ، فَكُنتُ أَزُورُه في الشَّهرِ ، فلمَّا اسْتَفْحَلَ أمْرُهُ تَرَكتُه .
ولَمْ يَزَلْ من سَنةِ خَمسمائة وثلاثين يَعِظُ ويُخَوِّفُ في القُرى ، ويَحُجُّ علىُ نَجيب ،
وأطْلَقَتْ له السَّيدَةُ أم فاتِك ولأقارِبِهِ خَرَاجَ أمْلاكِهِم، فتَمَوَّلُوا إلى أنْ صارَ جَمْعُهُ نَحْوَ
أَرْبَعِينَ ألفَ مُقاتِل، وحارَبَ، وكان يَقُولُ: دَنا الوَقتُ ، أزِفَ الأمْرُ ، كأنَّكُم بما
أَقُولُ لكُم عَياناً ، ثُمّ ثارَ ببلادِ خَولان، وعاثَ وسَبَى، وأَهْلَكَ النَّاسَ ، ثُمّ لَقِيتُه عند
الدَّاعِي بجبْلة سَنةَ تسْع وأرْبَعِينَ يَسْتَنجِدُ به، فأَبَىْ، ثُمّ دَبَّرَ علىُ قَتلِ وَزيرِ آلِ فاتِك ، ثُمّ
زَحَفَ إلى زَبيد، فقاتُلَه أهْلُها نَّاً وسَبعينَ زَحْفاً ، وقُتِلَ خَلائِقُ من الفَرِيقَينِ ، ثُمّ قُتِلَ
فَاتِكُ مُتَوَلِّي زَبيد، وأخَذَها ابنُ مَهْدِيّ في رَجبَ سَنةَ أرْبعٍ وخَمسينَ وخَمسٍ مِنَّة ، فمَا
(١) انظر السير: (الشيعيّ) ١٤ /٥٨-٥٩، وانظر النزهة: ١/١١٢٩.
(٢) انظر السير: (المُستظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٩١.
٣٦٢

مُثِّع، وهَلَكَ بعدَ ثَلاثةِ أَشْهُر، وقامَ بعدَه ابنُهُ عبدُ النَّبِيِّ، وعَظُمَ ، حتّى اسْتَولَىُ على
سائِرِ اليَمَنِ ، وجَمَعَ أمْوالاً لا تُحْصَى، وكانَ - أَعْنِي الأَبَ - يَرَى التَّكْفيرَ بالمَعَاصي ،
ويَسْتِحِلُّ وَطْءَ سَبايا مَنْ خالَفَه ، ويَعْتَقِدُ فيه قَومُهُ فَوَقَ اعْتِقَادِ الخَلْقِ فِي نَبِيِّهم .
قال : وحُكِيَ لي عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يَئِقْ بَيَمِينِ مَنْ يَصْحَبُه حتّى يَذْبَحَ وَلدَهُ أَوْ أَخَاهُ ،
وكانَ يَقْتُلُ بالتَّعذيبِ في الشَّمسِ ، ولا يَشْفَعُ أحَدٌ عِندَه، ولَيسَ لأحَدٍ من عَسْكَرِه
فَرَسٌ يَمْلِكُه ولا سِلاحٌ، بَلْ الكُلُّ عِندَهُ إلى وَقتِ الحَربِ ، والمُنْهَزِمُ منهُم يُقْتَلُ
جَزْماً ، والسَّكْرانُ يُقْتُلُ ، ومَنْ زَنَى أَوْ سَمِعَ غِناءً يُقْتَلُ، ومَنْ تَأَخَّرَ عن صَلاةِ
الجَماعَةِ قُتِلَ(١).
(ز) ادِّعاءُ النِّسْبَةِ إلى آلِ البَيْتِ :
قالَ الذهبيُّ في ترجمة الرِّياشيِّ: فِتْنَةُ الزِّنْجِ كانَت عَظيمَةً، وذلكَ أنَّ بَعضَ
الشَّيَاطِينِ الدُّهاةِ كانَ طُرقِيّاً أوْ مُؤدِّباً ، له نَظَرٌّ فيَ الشِّعْرِ والأخبارِ ، ويَظْهَرُ من حَالِهُ
الزَّنْدَقَةُ والمُروقُ ، اذَّعَىْ أَنَّه عَلَوِيٌّ، ودَعَا إلى نَفْسِه، فالْتَفَّ عليه قُطَّاعُ طَرِيقٍ ،
والعَبيدُ السُودُ من غِلْمانِ أهْلِ البَصْرَةِ، حتى صارَ في ◌ِدَّةٍ وَتَحَيَّلوا وحَصَّلوا سيوفاً
وِصيّاً ، ثمّ ثارُوا على أطْرافِ البَلَدِ، فبَدَّعوا وقَتَّلوا وقَوُوا، وانْضَمَّ إليهم كُلُّ مُجرِمٍ ،
واسْتَفْحَلَ الشَّرُّ بهم، فسارَ جَيشٌ من العِراقِ لحَرْبِهِم، فَكَسَروا الجَيشَ، وأخَذُوا
البَصْرَةَ، واسْتَبَاحُوها، واشْتَدَّ الخَطْبُ، وصارَ قائِدُهم الخَبِيثُ في جَيشٍ وأُهْبَة
كاملة ، وعَزَمَ على أخْذِ بَغْدَادَ ، وبَى لِنَفْسِهِ مَدينَةً عَظِيمَةً ، وحارَ الخَليفَةُ المُعْتَمدُ في
نَفْسِه، ودامَ البَلاءُ بهذا الخَبِيثِ المَارِقِ ثلاثَ عَشرةَ سَنةً، وهابتْهُ الجُيوشُ ، وجَرَتْ
معه مَلَاحِمُ ووَقَعاتٌ يَطُولُ شَرحُها ، قد ذَكَرَها المُؤْرِّخُونَ إلى أنْ قُتِلَ ، فالزِّنِجُ هم
عِبَارَةٌ عن عَبِيدِ البَصْرَةِ الذين ثارُوا مَعَه ، لا بارَكَ اللهُ فِيهِم(٢).
قال الذهبيُّ في تَرجَمَةِ المَهْدِيِّ: عُبَيْدُ الله أبو مُحمّد ، أوَّلُ مَنْ قامَ من الخُلَفَاءِ
(١) انظر السير: (عليّ بن مهدي) ٢٠/ ٣٢١ -٣٢٢، وانظر النزهة: ١٥٥٥ - ١٥٥٦.
(٢) انظر السير: (الرياشيّ) ٣٧٢/١٢ -٣٧٦، وانظر النزهة: ١/١٠١٠.
٣٦٣

الخَوارِجِ العُبَيْدِيَّة الباطِنِيَّة الذين قَلَبوا الإسْلامَ، وأَعْلَنوا بالرَّفْضِ، وأبْطَنُوا مَذْهَبَ
الإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وبَثُوا الدُّعاةِ، يَسْتَغْوِونَ الجَبَليّةَ والجَهَلَةَ .
وادَّعَى هذا المُدَتَرُ ، أنَّ فاطِمِيٌّ من ذُرِّيَّةِ جَعْفَرِ الصَّادِقِ .
وقِيلَ : كانَ أَبُوهُ يَهُوديّا(١) .
والمُحَقِّقُونَ على أنَّه دَعِيٌّ بحَيثُ إنَّ المُعِزَّ منهُم لمَّا سَأَلَهُ السَّيدُ ابنُ طَبَاطَبًا عن
نَسَبه، قال: غَداً أُخْرِجُهُ لَكَ، ثمَّ أصْبَحَ وقد أَلْقَى عَرَمَةً(٢) من الذَّهَبِ ، ثمَّ جَذَبَ
نِصْفَ سَيْقِه من غِمْدِه ، فقالَ: هذا نَسَبِي، وأمَرَهُم بنَهْبِ الذَّهَبِ ، وقالَ : هذا
حَسَبِي .
وقد صَنَّفَ ابنُ الباقِلاَّنِيُّ وغَيْرُه من الأئِمَّة في هَتْكِ مَقالاتِ العُبَيْدِيَّة وبُطْلانِ نَسَبِهم ،
فهَذا نَسَبُهُم ، وهَذِهِ نِحْلَتُهُم، وقد سُقْتُ فِي حَوادِثِ ((تاريخِنا)) من أحْوالِ هَؤلاءِ
وأخْبارِهِم في تَفَارِيقِ السِّنينِ عَجَائِبَ .
فرأى عُبيدُ الله أنَّ ما يَرومَه من المُلك، لا يَنبَغي أنْ يَكونَ ظُهورُه بالعِراق
ولا بالشَّام ، فبعثَ أولاً له داعيَيْن شَيطَانَيَّن داهيَتَيْن، وهما الأخَوان أبو عبد الله
الشِّيعيِّ، وأخُوه العَبَّاس، فظَهَرَ أحدُهما باليَمَن والآخَرُ بأفْريقية، وأظْهرَ كلٌّ منهما
الزُّهْدَ والثَّالُّهَ وأدَّبا أولادَ النَّاسِ، وشَوَّقا إلى الإمامِ المَهْدِيِّ(٣).
٤ - حادِثَةٌ فيها عِظَةٌ لفاسِدِي العَقيدَة :
قالَ هَارُونُ الحَمَّالُ : حَدَّثْنا مُحمَّدُ بنُ أبي كَبْشَة قال : كُنْتُ فِي سَفِينَةٍ ، فسَمِعتُ
هاتِفاً يقولُ: لا إلَهَ إلاَّ الله، كَذَبَ المَريسِيُّ على الله، ثُمَّ عادَ الصَّوتُ يَقولُ: لا إلَهَ
إلاَّ الله، علىُ ثُمَامَةَ والمَريسِيِّ لَعْنَةُ الله، قالَ: ومَعَنا رَجُلٌ من أصْحابِ المَريسِيِّ في
المَرْكَبِ، فَخَرَّ مَيِّنَا(٤) .
(١) انظر السير: (المَهديّ وذريته) ١٤١/١٥-١٥١، وانظر النزهة: ١/١١٩٧.
(٢) العَرَمَة: بالتحريك ، مجمع رمل، وقد استعمله هنا بمعنى كومة من الذهب.
(٣) انظر السير: (المَهديّ وذريته) ١٤١/١٥-١٥١، وانظر النزهة: ٢/١١٩٧.
(٤) انظر السير: (ثمامة بن أشرس) ٢٠٣/١٠-٢٠٦، وانظر النزهة: ٦/٨٦٨.
٣٦٤

٥ - تَعْليلٌ لظُهورِ الكَشْفِ والإِخْبارُ بالغَيبِ عند الضَّالِّينَ :
قال الذهبيُّ : كانَ يُونُسُ بنُ يُوسُف ذَا كَشْفٍ وحالٍ ، ولَمْ يَكُنْ عندَه کَبِيرُ عِلمٍ ،
ولَه شَطَحٌ ، وشِعْرٌ مَلْحُونٌ يَنْظِمُه علىْ لِسانِ الرُّبوبِيَّة ، وبَعضُهُ كأنَّ كَذِبٌ ، واللهُ أعلمُ
بسِرِّه، فلا يَغْتَرُّ المُسلِمُ بكَشْفٍ ولا بحالٍ ولا بإخْبارٍ عن مُغَيَّب ، فابنُ صائِدٍ وإخْوانُهُ
الكَهَنَة لهم خَوارِق ، والرُّهْبانُ فيهِم مَنْ قد تَمَزَّقَ جُوعاً وخُلْوَةً ومُراقَبَةً علىْ غَيرِ أساسٍ
ولا تَوْحيدٍ ، فصَفَتْ كَدُوراتُ أنفسِهُم وكاشَفُوا وفَشَروا ولا قُدْوَةَ إلاَّ في أهْلِ الصَّفْوَةِ
وأرْبابِ الوِلايَةِ المَنوطَةِ بالعِلمِ والسُّنَنْ ، فَنَسْألُ اللّهَ إِيْمانَ المُثَّقين، وتَالُّهَ المُخْلِصِين ،
فكَثِيرٌ من المَشايخِ نَتَوقَّفُ في أمْرِهِم حتّى يَتَبَرهَنُ لنا أمْرُهُم ، وبالله الاسْتِعانةٌ .
تُوقِّيَ الشَّيخُ يُونُس سَنةَ تِسعَ عَشرَةَ وسِتٌّ مِئَةً(١) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ الحَريريّ ، عليٍّ بنُ أبي الحَسَنِ بنِ المَنْصُورِ ، قال الذهبيُّ :
ومِمَّنْ انْتُصَرَ له وخَضَعَ لِكَشْفِه الإمامُ أبو شامَةٍ(٢) ، فقال: كانَ عندَه من القيامِ بواجِبٍ
الشَّريعَةِ ما لَمْ يَعْرِفْه أحدٌ من المُتَشَرِّعين ظاهراً وباطِناً ، وأكْثُرُ النَّاسِ يَغْلِطُونَ فِيه ، كان
مُكاشِفاً لما في الصُّدورِ بحَيثُ قد أطْلَعَه اللهُ على سَرائِرٍ أوْليائِهِ(٣) .
قال الذهبيُّ: ما هذا؟ !! ، اتَّقِ اللهَ، فالكَهَنَةُ وابنُ صَائِدٍ مُكاشِفُونَ لما في
الضَّمائِرِ .
قالَ عن نَفْسِه (٤) .
وشَيْخٌ ولكِنْ للفُسُوقِ إمَامُ
فَقِيرٌ ولكِنْ مِنْ صَلاحِ ومِنْ تُقَىَ
جاءَ في تَرَجَمَة القمّينيِّ، قالَ الذهبيُّ : الشَّيخُ يُوسُفُ القمّينِيُّ المُوَلَّهُ بدِمَشْقَ ، كَانَ
للنَّاسِ في هذا اعْتِقَادٌ زائِدٌ لِمَا يَسْمَعونَ من مُكاشَفَتِهِ التي تَجْري على لسانِهِ كمَا يَتمُّ
(١) انظر السير: (يُونُس ابن يُوسُف) ١٧٨/٢٢ -١٧٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٣.
(٢) قال صاحب النزهة: لم نجد هذا الكلام في ذيل الروضتين لابن شامة حين ترجم له في وفاته سنة ٥٤٦ هـ ،
بل نجد خلاف ذلك ذماً له وقد نسب ابن تغري بردي إلى أبي شامة أيضاً أنه أثنى على الحريري .
(٣) انظر السير: (الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٥/١٧٣٣.
(٤) انظر السير: (الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٦/١٧٣٣.
٣٦٥

للكاهِنِ فِي نُطْقِه بالمُغَيِّبَاتِ كانَ يَأوي إلى القَمامينَ والمَزائِلِ التي هي مَأْوَى الشَّيَاطِينِ ،
ويَمِشِي حافِياً ، ويَكْنِسُ الزََّلَ بثيابِهِ النَّجِسَة بَوْلِهِ، ويَتَرَّنَحُ فِي مَشْبِهِ ، وله أكْمامٌ
طِوالٌ، ورَأسُه مَكْشوفٌ ، والصِّبيانُ يَعْبَئون به ، وكان طَوِيلَ الشُّكوتِ قَليلَ الثَّبَهُمِ ،
يَأوي إلى قُمّين حَمَّام نورِ الدِّينِ ، وقد صارَ باطِنُهُ مَأْوَى لقَرِينِهِ ، ويَجْرِي فیه مَجْرَى
الدَّمِ، ويَتكلَّمُ فِيَخْضِعُ له كُلُّ تَالِفٍ، ويَعْتقدُ أنَّه وَلِيٌّ لله، فَلا قُوَّةَ إلاَّ بالله(١).
وقد رَأيتُ غَيرَ واحدٍ من هذا النَّمَطِ الذينِ زَالَ عَقلُهُم أو نَقُصَ يَتَقْلَبُونَ في
النَّجاساتِ ، ولا يُصَلُّونَ ، ولا يَصُومُون، وبالفُحْشِ يَنْطِقُون ، ولهُم كَشفٌ كما والله
للُّهبانِ كَشِفٌ، وكما للسَّاحِرِ كَشفٌ وكما لِمَنْ يُصْرَعُ كَشِفٌ، وكما لِمَنْ يَأْكُلُ الحَيَّةَ
ويَدْخُلُ النَّارَ حالٌ مع ارْتِكابِهِ للفَواحِشِ، فوالله ما ارْتَبَطُوا على مُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ إلاَّ
لإتْيَانِهِم بالمُغَيِّبات .
تُوفِّي سنة سبع وخمسين وست مئة(٢).
(١) انظر السير: (القُمّينيّ) ٣٠٢/٢٣ -٣٠٣، وانظر النزهة: ١/١٧٣٦.
(٢) انظر السير: (القُمّينيّ) ٣٠٢/٢٣ -٣٠٣، وانظر النزهة: ٢/١٧٣٦.
٣٦٦

فِرَقٌ وآراءٌ اعْتقاديَّة
أولاً : الأشاعِرَة
١ - عَقيدةُ أبي الحَسَن الأَشْعَريّ :
قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجمَةِ أبي الحَسَنِ الأشْعَريّ : رَأيتُ لأبي الحَسَنِ أرْبعَةَ
تَواليف في الأُصولِ يَذْكرُ فيها قَواعِدَ مَذْهَبِ السَّلَفِ في الصِّفاتِ ، وقالَ فيها : تُمَرُّ كما
جاءَتْ، ثُمَّ قالَ: وبذلك أقُولُ ، وبه أَدينُ ، ولا تُؤْوَّل .
قال الذهبيُّ : ماتَ بَبَغْدَادَ سَنةَ أرْبع وعِشْرينَ وثلاث مِئَة حَطَّ عليه جَماعَةٌ من
الحَنابِلَة والعُلماءِ ، وكُلُّ أحَدٍ فِيُؤْخَذُ منَ قَولِه ويُتْرَكِ ، إلاَّ مَنْ عَصَمَ الله تَعالَى اللَّهُمَّ
اهْدِنا ، وارْحَمنا .
ولأبي الحَسَنِ ذَكاءٌ مُفْرط، وتَبَثُرٌ في العِلمِ ، وله أشْياءُ حَسَنةٌ وتصانيفٌ جَمَّةٌ
تَقضي له بسِعَة العِلمِ(١).
٢ - قال الذهبيُّ : الأشاعِرَةُ الأوائِلُ كانُوا علىْ طَرِيقَةِ السَّلَف :
وقالَ الذهبِيُّ بعدَ مَقُولَة أبي ذَرِّ الهَرويّ: «قد بَينًا دينَ الأُمَّة، وأهْلِ السُّنَّةُ أنَّ هذه
الصِّفاتِ تُمَرُّ كما جاءت بغَيرِ تَكْبِيف ولا تَحْديد ولا تَجْنيس ولا تَصْوير))، فهَذا
المَنْهِجُ هو طَرِيقَةُ السَّلَفِ، وهو الذي أَوْضَحَه أبو الحَسَن وأصْحابُه ، وهو التَّسْليمُ
لنُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّة ، وبه قالَ ابنُ الباقِلأَنِيّ وابنُ فُؤْرَك ، والكِبَارُ إلى زَمَنِ
أبي المَعالي، ثم زَمنِ الشَّيخِ أبي حامِد فوَقَعَ اخْتلافٌ وألْوانٌ ، نَسألُ اللهَ العَفْوَ (٢).
(١) انظر السير: (الأشعريّ) ٨٥/١٥-٩٠، وانظر النزهة: ٣/١١٨٤.
(٢) انظر السير: (أبو ذر الهرويّ) ٥٥٤/١٧ - ٥٦٣، وانظر النزهة: ١/١٣٦٣.
٣٦٧

قالَ عبدُ العَزِيزِ بنُ أحمَدَ الكَتانِيّ : وكانَ الخَطيبُ البَغْدادِيُّ يَذهبُ إلى مَذهبٍ
أبي الحَسَنِ الأشْعَري ، رَحِمَهُ الله .
قالَ الذهبيُّ : صَدَقَ فقَد صَرَّحَ الخَطيبُ في أخْبارِ الصِّفاتِ أنَّها تُمَرُّ كما جاءَتْ بلا
تَأويل(١) .
٣- الأشاعِرُ الذَّابُّونَ عن الإسْلام :
ابنُ الباقِلاَّنيّ :
هو الإمامُ العَلَّمَة ، أوْحَدُ المُتَكَلِّمين، مُقدَّمُ الأُصولِيِّين ، القاضي أبُو بَكْر ،
مُحمَّدُ ابنُ الطيِّب بنِ مُحمَّدٍ ، البَصْريّ ، البَغْداديّ، ابنُ الباقِلاَنِيّ صاحبُ التَّصانيف ،
وكان يُضْرَبُ المَثْلُ بِفَهْمِه وذَكائِه .
وكان ثقةً إماماً بارِعاً، صَنَّفَ في الرَّدِّ على الرَّافِضَة والمُعْتَزِلَة والخَوارِجِ والجَهميّة
والكَرَّامِيَّة ، وانْتُصَرَ لطَرِيقَةِ أبي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ، وقد يُخالِفُهُ في مَضائِقَ ، فإنَّه من
نُظَرائِه، وقد أخَذَ عِلمَ النَّظَرِ عن أصْحابِهِ (٢).
قالَ أبو بَكْر الخَطيبُ: كان وِرْدُه في كُلِّ لَيلةٍ عِشْرِينَ تَرْوِيحَة في الحَضَر والسَّفَر ،
فإذا فَرَغَ منها ، كَتَبَ خَمْسَاً وَثَلاثِينَ وَرَقَةً من تَصْنيفِهِ(٣) .
وقد سارَ القاضي رَسُولاً عن أميرِ المُؤمِنِينَ إلى طاغِيَةِ الرُّومِ ، وجَرَتْ له أمُورٌ ،
منها أنَّ المَلِك أدْخَلَه عليه من بابِ خوخةٍ (٤) لِيَدخُلَ راكِعَاً للمَلِكِ ففَطِنَ لها القاضي ،
وَدَخَلَ بظَهْرِه(٥) .
ومنها أنَّه قالَ لراهِبِهِم : كَيفَ الأَهْلُ والأوْلادُ ؟ !! ، فقالَ المَلِكُ: مَوْ !! ، أمَا
(٢)
انظر السير: ( الخطيب) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ١/١٤١٢.
(١)
انظر السير: ( ابن الباقلانيّ) ١٧ /١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٤.
(٣)
انظر السير: ( ابن الباقلانيّ) ١٧/ ١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٣٤.
باب خوخة : هو باب صغير ضمن باب كبير لا يتمكن الإنسان من دخوله إلاّ أن يحني رأسه .
(٤)
(٥) انظر السير: (ابن الباقلانيّ) ١٩٠/١٧ -١٩٣، وانظر النزهة: ٤/١٣٣٤.
٣٦٨

عَلمْتَ أنَّ الرَّاهِبَ يَتَنزَّهُ عن هذا؟ فقالَ: تُنَزِّهُونَه عن هذا، ولا تُتَزِّهُونَ رَبَّ العَالَمينَ
عن الصَّاحِبَةِ والوَلَدِ !! (١) .
وقِيلَ: إنَّ الطَّاغِيَةَ سَأْلَهُ: كَيفَ جَرَىُ لزَوْجَةٍ نَبِيَّكُم؟ - يَقْصِدُ تَوْبِيخاً - فقالَ : كَما
جَرَىْ لمَرْيَمَ بنتِ عِمْرَانَ ، وبَرَّأْهُمَا اللهُ ، لَكِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَأْتِ بوَلَدٍ فأفْحَمَّهُ .
قالَ الخَطيبُ : سَمعتُ أبا بَكْر الخَوارِزْمِيَّ يَقولُ : كُلُّ مُصَنِّفُ بِبَغْدَادَ إنَّما يَنْقُلُ من
كُتُبِ النَّاسِ سِوَى القاضي أبي بَكْر ، فإنَّمَا صَدْرُه يَحْوِي عِلمَه وعِلمَ النَّاسِ(٢).
وقالَ أبُو مُحمّد الباقي: لو أوْصَى رَجلٌ بثُلثِ مالِه لأفْصَحِ النَّاسِ لوَجَبَ أنْ يُدْفَعَ
إلىْ أبي بَكْر الأشْعَريّ(٣) .
وعَمِلَ بعضُهُم في مَوْتِ القاضي :
وانْظُرْ إلى القَبْرِ ما يَحْوِي من الصَّلَفِ
انْظُرْ إلىْ جَبَلِ تَمْشِي الرِّجَالُ بِهِ
وانْظُرْ إلى دُرَّةِ الإسْلامِ في الصَّدَّفِ
وانْظُرْ إلىْ صَارِمِ الإسْلامِ مُنْغَمِداً
ماتَ سَنَةَ ثلاثٍ وأربع مِئَة ، وصلَّى عليه ابنهُ حَسَنٌ وكانت جِنازَتُهُ مَشْهودَة ، وكان
سَيفاً على المُعْتَزِلَة والرَّافِضَة والمُشَبِّهَة ، وغالبُ قَواعِدِه على السُّنَّة، وقد أمَرَ شَيخُ
الحَنابِلَة أبُو الفَضْلِ الثَّميميُّ مُنادياً يَقولُ بينَ يَديّ جِنازَتِهِ: هذا ناصِرُ السُّنَّة والدين ،
والذَّابُّ عن الشَّرِيعَةِ، هذا الذي صَنَّفَ ألفَ وَرَقَة ثم كان يَزِورُ قَبَرَه كُلَّ جُمُعَةٍ (٤) .
وقالَ أبو الوليد الباجيُّ في كِتابِ (( اخْتِصارُ فِرَق الفُقَهاء » من تأليفِه في ذِكرِ القاضي
ابن الباقِلاَّنيّ: لقد أخْبَرَني الشَّيخُ أبو ذَر - وكانَ يَميلُ إلى مَذْهَبِه - فسَأَلْتُه: مِنْ أَيْنَ لكَ
هذا؟ قالَ : إنِّي كُنتُ ماشياً بَغْدادَ مع الحافِظِ الدَّارِقُطْنِيِّ، فَلَقِينا أبا بَكْر ابنَ الطيِّب
فالْتَزَمَه الشَّيخُ أبو الحَسَن وقَبَّلَ وَجْهَه وعَيْنَه، فلمَّا فارَقْناه ، قُلتُ له: مَنْ هَذا الذي
(١) انظر السير: (ابن الباقلانيّ) ١٩٠/١٧-١٩٣، وانظر النزهة: ١/١٣٣٥.
(٢)
انظر السير: ( ابن الباقلانيّ) ١٧/ ١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٥.
انظر السير: ( ابن الباقلانيّ) ١٩٠/١٧-١٩٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٣٥.
(٣)
انظر السير: ( ابن الباقلانيّ) ١٩٠/١٧-١٩٣، وانظر النزهة: ٤/١٣٣٥.
(٤)
٣٦٩

صَنْعْتَ به ما لَمْ أعْتَقِدْ أنَّكَ تَصْنَعُه وأنْتَ إمامُ وَقْتِْ؟ !! فقالَ: هذا إمامُ المُسْلِمِينَ
والذَّابُّ عن الدِّينِ ، هَذا القاضِي أبو بَكْر مُحمَّدُ بنُ الطِيِّب ، قال أبُو ذَر : فمِنْ ذلكَ
الوَقتِ تَكرَّرْتُ إليه مع أبي ، كُلُّ بَلَدٍ دَخَلتُه من بِلادِ خُراسَانَ وغَيرِها لا يُشارُ فيها إلى
أحَد من أهْلِ السُّنَّة إلَّ مَنْ كان علىْ مَذْهَبِهِ وطَريقِهِ(١).
قالَ الذهبيُّ عن الباقِلاَّنيّ: هو الذي كان ببَغْدادَ يُناظِرُ عن السُّنَّةِ وطَرِيقَةِ الحَديثِ
والجَدَلِ والبرهان، وبالحَضْرةِ رُؤُوسُ المُعْتَزِلَة والرَّافِضَة والقَدَرِيَّة وألْوانِ البِدَعِ ،
ولُهُمْ دَولَةٌ وظُهورٌ بِالدَّولَةِ البُوَيْهِيَّةِ، وكانَ يَرُدُّ على الكَرَّامِيَّةِ ويَنْصُرُ الحَنَابِلَةَ عليهِم ،
وبَيْنَهُ وبَيَنَ أهْلِ الحَديثِ عامِرٌ، وإنْ كانُوا قد يَخْتِلِفُونَ في مَسائِلَ دَقيقَةٍ ، فلَهَذا عامَلَهُ
الدَّارَقُطْنِيّ بالاحْتِرام، وقد ألَّفَ كِتابَاً سَمَّاهُ ((الإبانَةَ)) ، يَقولُ فيه: فإنْ قِيلَ : فما
الدَّليلُ على أنَّ للهِ وَجْهاً ويَداً؟ قال: قَولُهُ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾(٢)، وقَولُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ
أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَقٌ﴾(٣).
فَأَثْبَتَ تَعالَى لِنَفْسِهِ وَجْهاً ويَداً ، إلى أنْ قالَ : فإنْ قِيلَ : فَهَل تَقُولونَ: إِنَّه في كُلِّ
مَكانٍ؟ قِيلَ: مَعاذَ اللهِ !! ، بَلْ هُوَ مُسْتَوٍ على عَرْشِه كمَا أَخْبَرَ في كِتابِهِ ، إلى أنْ قالَ :
وصِفاتُ ذاتِهِ التي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ مَوْصُوفاً بها : الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والسَّمْعُ والبَصَرُ
والكَلامُ والإرادَةُ والوَجْهُ والْيَدَانِ والعَيْنانِ والغَضَبُ والرِّضَا فهَذا نَصُّ كَلامِه وقالَ نَحْوَهُ
فِي كِتَابِ ((التَّمْهيد )) له، وفي كِتابِ ((الذَّبُّ عن الأشْعَرِيِّ)) وقالَ: قَد بَيْنًا دِينَ الأُمَّةِ
وأهْلِ السُّنَّةِ أنَّ هذه الصِّفاتِ تُمَرُّ كما جاءَتْ بِغَيرِ تَكْيِيفٍ ولا تَحْديدٍ ولا تَجْنيسٍ
ولا تَصْوِيٍ(٤) .
قالَ الذهبيُّ: فَهَذا المَنْهجُ هو طَرِيقَةُ السَّلَفِ، وهو الذي أَوْضَحَه أبو الحَسَن
وأصْحابُه ، وهو التَّسْليمُ لنُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّة ، وبه قالَ ابنُ الباقِلاَّنيّ وابنُ فُؤْرَك ،
(١) انظر السير: ( أبو ذر الهروي) ٥٥٤/١٧ - ٥٦٣، وانظر النزهة: ١/١٣٦٢.
(٢)
سورة الرحمن ، الآية : ٢٧ .
(٣)
سورة ص ، الآية : ٧٥ .
انظر السير: ( أبو ذر الهروي) ١٧ / ٥٥٤ - ٥٦٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٦٢.
(٤)
٣٧٠

والكِبَارُ إلى زَمَنِ أبي المَعالي، ثم زَمنِ الشَّيخِ أبي حامِد فوَقَعَ اخْتلافٌ وألْوانٌ ،
نَسألُ اللهَ العَفْوَ (١).
٤- ذَعُ الذهبيِّ بَعْضَ أصْحابِ الحَديثِ لشِذَّتِهم على الأشاعِرَة :
قال أبو طاهر السِّلَفيُّ: سَمعتُ أبا العَلاءِ مُحمَّدَ بنَ عبد الجبَّارِ الفُرْسانيَّ يَقولُ :
حَضَرتُ مَجلِسَ أبي بَكْر بن أبي عليّ الذَّكْوانِيّ المُعَدّل في صِغَري مع أبي، فلمَّا فَرَغَ
من إمْلائِهِ ، قال إنْسانٌ : مَنْ أرادَ أنْ يَحْضُرَ مَجلِسَ أبي نُعَيْمِ ، فَلْيَقُمْ وكان أبو نُعَيْم في
ذلك الوَقتِ مَهْجوراً بسَبِ المَذْهَب، وكان بَيْنَ الأشْعَرِيَّة والحَنابِلَة تَعَصُّبٌ زائدٌ يُؤدِّي
إلىْ فِتْنَة ، وقِيلَ وَقَالَ، وصُداعٍ طَويلٍ ، فقامَ إليه أصْحابُ الحَديثِ بسَكاكين الأقْلامِ ،
وكادَ الرَّجُلُ يُقْتَل .
قال الذهبيُّ : ما هَؤلاءِ بأصْحابِ الحَديثِ ، بَلْ فَجَرَةٌ جَهَلَةٌ ، أَبْعدَ الله شَرَّهم(٢).
٥ - رَدُّ الذهبيِّ على بَعضٍ أَصْحابِ الحَديثِ لِشِدَّتِهِم على الأشَاعِرَة:
عن يَحْيَى بن مَندة قال: سَمعتُ عمِّ عبدَ الرَّحمَانِ، سَمعتُ مُحمَّدَ ابنَ عُبَيْدِ الله
الطََّرانيَّ يَقولُ: قُمتُ يَوماً في مَجْلِسٍ والدِكَ رَحِمَه الله فقُلتُ: أيُّها الشَّيخُ ، فينا
جَماعَةٌ ممَّنْ يَدخُلُ على هذا المَشْؤومِ - أعْنِي أبا نُعَيْمِ الأَشْعَريَّ - فقال: أخْرِجُوهُم ،
فأخْرَجْنا من المَجْلِس فُلاناً وفُلاناً ثَم قال : على الدَّاخِلِ عليهم حَرَجٌ أنْ يَدخُلَ
مَجْلِسَنا ، أو يَسْمِعَ منَّا ، أو يَرْوِيَ عنَّا، فإنْ فَعَلَ فَلَيْسَ هو مِنَّ فِي حِلّ .
قال الذهبيُّ: رُبَّما آلَ الأمرُ بالمَعْروفِ بصاحِبِه إلى الغَضَبِ والحدَّةِ ، فَقَعُ في
الهُجْرانِ المُحَرَّمِ ، ورُبَّما أفْضَى إلى التَّكْفيرِ والسَّعْي في الدَّم ، وقد كان أبُو عَبدِ الله
وافِرَ الجَاهِ والحُرْمَة إلى الغايَة بِبَلَدِه ، وشَغبَ على أحمدَ بنِ عبد الله الحافِظِ ، بحَيثُ
إِنَّ أحمَدَ اخْتَفَى (٣).
(١) انظر السير: (أبو ذر الهروي) ٥٥٤/١٧ - ٥٦٣، وانظر النزهة: ١/١٣٦٣.
(٢) انظر السير: ( أبو نعيم) ٤٥٣/١٧ - ٤٦٤، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٩.
(٣) انظر السير: (ابن مندة) ٢٨/١٧ -٤٣، وانظر النزهة: ٤/١٣٢٢.
٣٧١

٦ - الفِتَنُ بين الأشاعِرَة والحَنابلَة :
أبو جَعْفَر الهاشميّ
جاءَ في تَرجَمَة أبي جَعفَرِ الهاشميّ ، قال الذهبيُّ : الإمامُ، شَيخُ الحَنْليَّة ،
أبو جَعْفَر ، عبدُ الخالِقِ بنُ أبي مُوسَىُ عيسَى، الهاشِمِيُّ، العَبَّاسيُّ ، الحَنْبَيُّ،
البَغْدادِيّ ، مَوْلِدُهُ سَنةَ إِحْدَى عَشْرَة وأرْبَع مِئَّة .
قال أبو الحُسَيْن بنُ الفَرَّاء: لَزِمْتُه خَمسَ سِنينَ، وكانَ إذا بَلَغَه مُنكَرٌ ، عَظُمَ عليه
جِداً ، وكان شَديداً على المُبْتَدِعَة ، لَمْ تَزَلْ كَلمتُه عاليَةً عليهم ، وأصْحابُه يَقْمَعُونَهم ،
ولا يَرُدُّهم أحَدٌ، وكان عَفيفاً نَزِهاً دَرَّسَ بمَسْجِدِه ، ثم انتقلَ إلى الجانب الشَّرْقيِّ
يُدرِّسُ، ثم دَرَّس بجامع المَهْدِيِّ، ولمَّا احْتَضَرَ أبو يَعْلِىُ، أوْصاهُ أنْ يُغَسِّلَه ، وكذا
لَمَّ احْتَضَرَ الخَلِيفَةُ القَائِمُ أوْصَى أنْ يُغَسِّلَه أبو جَعْفرُ، فَفَعَل، وما أخَذَ شَيئاً ممَّا وَصَّى
له به ، إلى أنْ قالَ: وأُخِذَ أبو جَعْفَر في فِتْنة ابنِ القُشَيْريّ(١)، وحُبسَ أَيَاماً فسَرَدَ
الصَّوْمَ، وما أكَلَ لأَحَد شَيْئاً ، ودَخَلتُ فرَأيْتُهُ يَقرأُ في المُصْحَف ، ومَرِضَ فلمَّا ثَقُلَ
وضَجَّ النَّاسُ من حَبْسِه، أُخْرجَ إلى الحريم فماتَ هناك، وكانت جَنازَتُهُ مَشْهودَةً ،
ودُفِنَ إلى جانب قَبرِ الإمام أحمَدَ ولَزِمَ النَّاسُ قَبْرَه مُدَّةٍ حتى قِيلَ : خُتِمَ علىُ قَبِهِ عَشْرةُ
آلافٍ خَتْمَة ، تُوفِّيَ سَنةَ سَبعينَ وأَرْبَعِ مِنَة .
قال ابنُ النجَّار : كان مُنقَطِعاً إلى العِبَادَةِ وخُشُونَةِ العَيْشِ والصَّلَابَة في مَذْهَبه ،
حتى أَفْضَىُ ذلكَ إلى مُسارَعَة العَوامِّ إلى إيْذاءِ النَّاسِ وإِقامَةِ الفِتْنَة، وسَفْكِ الدِّماءِ ،
وسَبِّ العُلماءِ ، فَحُبِسَ .
قال الذهبيُّ: كانَ يَومُ مَوتِه يَوماً مَشْهوداً، رَحمَه الله(٢) .
(١) التي وقعت بين الحنابلة والأشعرية، انظر تفصيل ذلك في ((ذيل طبقات الحنابلة)) ٢٢١٩/١،
و (( طبقات السبكي٤ ٣٨٩/٣، وما بعدها .
(٢) انظر السير: (أبو جعفر الهاشميّ) ٥٤٦/١٨ - ٥٤٨، وانظر النزهة : ١٤٤٠ - ١٤٤١ ( أبو جعفر
الهاشمي ) .
٣٧٢

البكريّ :
وجاءَ في تَرجَمَة البَكْريِّ، قال الذهبيُّ : الوَاعِظُ العالِمُ، أبو بَكْر، عَتِيقٌ
البَكْرِيُّ ، المَغْرِبِيُّ الأشْعَريُّ .
وَفِدَ على النِّظامِ الوَزِيرِ ، فَنَفَقَ عليه ، وكَتَبَ له تَوْقيعاً بأنْ يَعِظَ بجَوامِعِ بَغدادَ ،
فقَدِمَ وجَلَسَ واحْتَفَلَ الخَلقُ ، فَذَكَرَ الحَنابِلَةَ وحَطَّ وبالَغَ ، ونَزَهم بالتَّجْسيمِ ، فهاجَتْ
الفِتْنَةُ، وغَلَتْ بها المَراجِلُ وكَفَّرَ هَؤلاءِ هَؤلاء ، ولمَّا عَزَمَ على الجُلُوسِ بجامِعِ
المَنْصُورِ ، قال نَقَيِبُ النُّقَبَاءِ : قِفُوا حتى أنْقُلَ أهْلي، فلا بُدَّ من قَتْلِ ونَهْبٍ ثمَّ أُغْلِقَتَ
أبوابُ الجامع ، وصَعَدَ البَكْرِيُّ، وحَولَه التُّركُ بالقِسِيِّ، ولُقِّبَ بعَلَمِ السُّنَّةَ فَتَعَرَّضَ
لأصْحابِه طائِفَةٌ من الحَنابِلَة فشدت الدولةُ منهُ ، وكُبِسَتْ دُورُ بَني القاضي ابنِ الفَرَّاء ،
وأُخِذَتْ كُتُبُهم ، وفيها كتابٌ في الصِّفاتِ ، فكان يُقرأُ بين يدَيْ البَكْريِّ، وهو يُشَنِّعُ
ويُشَغِّبُ، ثم خَرَجَ البَكريُّ إلى المُعَسْكرِ مُتَشكِّياً من عَميدِ بَغدادَ أبي الفَتحِ بنِ
أبي اللَّيْث وقِيلَ: إنَّه وَعَظَ وعَظَّمَ الإمامَ أحمدَ، ثم تَلا ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ
الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ﴾(١) فجاءَتْه حَصاةٌ ثم أخْرَى فَكَشَفَ النَّقيبُ عن الحالِ ، فكانوا
ناساً من الهاشِمِّنَ حَناِلَةً قد تَخَبَّؤْوا في بِطَانَةِ السَّقفِ، فعاقَبَهم النَّقيبُ ثم رَجَعَ
البَكْرِيُّ عَليلاً ، وتُوفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وسَبعينَ وأرْبع مِئَةَ(٢) .
وقال السِّلَفيُّ: كان القَيْروانيُّ مُشاراً إليه في الكَلام ، قال لي : أنا أدْرُسُ
الكَلامَ ، من سَنةِ ثلاثٍ وأَرْبَعِينَ، جَرتَ بينَه وبينَ الَحَنابِلَة فِتَنٌ وأُوذِيَ غايَةَ
الإيْذاءِ، سَألتُهُ عن مَسْألَةِ الاسْتِواءِ ، فقالَ: أحَدُ الوَجْهَينِ للأشْعَريّ أنَّه يُحْمَلُ على
ما وَرَدَ ولا يُفَسَّر(٣).
وقال ابنُ النجَّار : كان ابنُ المُعْتَمِد الإسْفَراييني من أفْرادِ الذَّهْرِ في الوَعْظِ ، دَقيقَ
(١) سورة البقرة، الآية : ١٠٢.
(٢) انظر السير: ( البكريّ) ١٨/ ٥٦١-٥٦٢، وانظر النزهة: ١٤٤١ _ ١٤٤٢ (البكْري).
(٣) انظر السير: (القيروانيّ) ٤١٧/١٩-٤١٨، وانظر النزهة: ١/١٤٩٥.
٣٧٣

الإشارَةِ ، وكان أوْحَدَ وَقتِهِ في مَذْهَب الأشْعَريّ ، وله في التَّصَوُّفِ قَدمٌ راسِخٌ ، صَنَّفَ
في الحَقيقةِ كُتُّباً ، وكُلُّ كُتُبه نكتٌ وإشاراتٌ ، ظَهَرَ له القَبُولُ التَّامُ بَبَغْدَادَ ، وكان يَتَكلَّمُ
بِمَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ، فثارَت الحَنابِلَةُ ، فأمَرَ المُسْتَرِشِدُ بإخراجِه ، فلمَّا وَلِيَ المُقْتَفي
رَجَعَ إلى بَغْدادَ، وعادَ فعادَت الفِتَنُ، فأخْرَجُوهُ إلىْ بَلَدِه(١) .
وقال ابنُ الجَوْزيّ في (( المُنْتُظَم )) : قَدِمَ الشُّلطانُ مَسْعودٌ بَغْدَادَ ومَعَه الحَسَنُ بنُ
أبي بَكْر النِّيسابُوريُّ الحَنَفِيُّ، أَحَدُ المُناظِرِينَ ، فجَلَسَ بجامِعِ القَصْرِ ، وكان يَلْعَنُ
الأشْعَريَّ جَهْراً ، ويَقولُ: كُنْ شافِعِيّاً ولا تَكُنْ أشْعَرِيّاً، وكُنْ حَنَّفِيّاً ولا تَكُنْ مُعْتَزِلِيّاً ،
وَكُنْ حَنْبَلِيّاً ولا تَكُنْ مُشَبِّهاً، وكان على بابِ النِّظامِيَّةِ اسْمُ الأَشْعَرِيِّ، فأمَرَ السُّلطانُ
بِمَحْوِهِ ، وكَتَبَ مَكانَه : الشَّافِعِيَّ، وكان الإِسْفَرايينِيُّ يَعِظُ في رِباطِهِ ويَذْكُرُ مَحاسِنَ
مَذْهَبِ الأشْعَريّ ، فَتَقَعُ الخُصُومَاتُ ، فَذَهَبَ الغَزْنَويُّ، فأخْبَرَ السُّلطانَ بالفِتَنِ ،
وقال : إنَّ أبا الفُتوحِ - يَعْنِي ابنَ المُعْتَمِدِ الإسْفَرابِينِيَّ - صاحِبُ فِتْنَةَ ، وقد رُجِمَ غَيرَ
مَرَّة، والصَّوابُ إخْرَاجُهُ فأُخْرِجَ(٢) .
٧- أمثلةٌ على ما وَقَعَ بينَ الأشاعِرَة والحَنَابَلَة من أشْيَاءَ لا تُحْمَدُ :
قال الذهبيُّ في تَرَجَمَة ابنِ نُجَيَّة الخَنْبَلَيّ : كان يَجْرِي بَينَه وبينَ الشِّهابِ الطُوسيِّ
العَجَائِبُ، لأنَّه كان حَنْبَلَّاً ، وكان الشِّهابُ أَشْعَريَّاً وَاعِظاً، جَلَسَ ابنُ نُجَيَّةَ يوماً في
جامِعِ القرافة ، فوَقَعَ عليه وعلىْ جَماعَةٌ سَقفٌ، فَعَمَلَ الطُوسيُّ فَضْلاً ذَكَرَ فيه ﴿ فَخَرَّ
عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾(٣)، (٤).
جاءَ يَوماً كَلبٌ يَشُقُّ الصُّفوفَ في مَجلِسِ ابنِ نُجَّة ، فقال: هذا من هُناكَ ، وأَشَارَ
إلىْ جِهَةِ الطُّوسيِّ .
انظر السير: ( ابن المُعتمد الإسفراييني) ١٣٩/٢٠ -١٤٢، وانظر النزهة : ٥/١٥٣٧.
(١)
انظر السير : ( ابن المعتمد الاسفراييني) ١٣٩/٢٠ - ١٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٥٣٨.
(٢)
(٣)
سورة النحل ، الآية : ٢٦ .
(٤) انظر السير: (ابن نَجيّة) ٣٩٣/٢١ -٣٩٦، وانظر النزهة: ١/١٦٤٠.
٣٧٤

قال أبو المُظَفَّرِ السِّبْطُ : اقْتَنى ابنُ نُجَيَّة أمْوالاَ عَظيمَةً، وتَنَعَّمَ تَنَغُّماً زائِداً، بِحَيثُ
إنَّه كان في دارِهِ عِشْرونَ جارِيَةً للِفِراشِ ، تُساوِي كُلُّ واحِدَةٍ ألفَ دينارٍ وأكثر ، وكان
يُعْمَلُ له من الأطْعِمَة ما لا يُعْمَلُ للمُلوكِ، أعْطاهُ الخُلَفاءُ والمُلوكُ أمْوالاَ جَزِيلَةٌ قال :
ومع هذا ماتَ فَقَيراً كَفَّنَه بَعضُ أصْحابِهِ(١) .
(١) انظر السير: (ابن نُجيّة) ٣٩٣/٢١ -٣٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٦٤٠.
٣٧٥

ثانياً : الجَهْميَّة
عن عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحمّدٍ بنِ حَبيبٍ ، عن أبيهِ ، عن جَدِّه ، قال شَهدتُ خالداً
القَسْريّ في يوم أضْحَى ، يَقولُ: ضَخُوا تَقَبَّلَ اللهُ منْكُمْ فإنِّي مُضَحِّ بالجَعدِ بنِ دِرْهَم ،
زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبراهيمَ خَليلاً ، ولَمْ يُكَلِّمْ مُوسَىْ تَكْليماً ، تَعالَى اللهُ عَمَّا يقُولُ
الجَعدُ عُلُواً كَبِيراً، ثُمِ نَزَلَ فِذَبَحَه قُلتُ: هَذه من حَسَناتِهِ ، هي وقَتْلِهِ مُغيرَةً
الكَذَّاب(١) .
قال الذهبيُّ في ترجمة المَريسيِّ: نَظَرَ المَريسيُّ في الكَلامِ ، فَغَلَبَ عَليه ، وانْسَلَخَ
من الوَرَعِ والتَّقْوَى، وجَرَّدَ القَوْلَ بِخَلْقِ القُرآنِ ، ودَعا إليه ، حتى كان عَيْنَ الجَهْميَّة في
عَصْرِهِ وَعَالِمَهُم ، فمَقَتَه أهْلُ العِلمِ ، وكَفَّرَه ◌ِدَّة ، ولَمْ يُدْرِكْ جَهْمَ بنَ صَفْوانَ ، بلْ
تَلَقَّفَ مَقالاتِه من أتباعِه .
وقالَ أبو النَّضْرِ هاشِمُ ابنُ القاسِم : كان والِدَ بِشْرِ يَهوديَّاً قَصَّاراً صَبَّاغاً(٢).
ونَقَلَ غَيرُ واحدٍ أنَّ رَجلاً قال ليَزِيدَ بنِ هارُونَ : عندَنا ببَغْدادَ رَجلٌ ، يُقالُ له :
المَريسيّ ، يَقولُ : القُرآنُ مَخْلوقٌ ، فقال : ما فِي فِتْيانِكُم مَنْ يَفْتِكُ به ؟ !!
قال الذهبيُّ: قد أُخِذَ المَريسيُّ في دولةِ الرَّشيدِ ، وأُهِينَ من أجْلِ مَقالَتِهِ .
وقال قُتَنْبَةُ : بِشْرٌ المَريسيُّ كافِرٌ .
وماتَ في آخِرِ سَنةِ ثَمانيَ عَشْرةَ ومِئْتَينِ ، وقد قارَبَ الثَّمانينَ .
فهُو بِشْرُ الشَّرِّ، وبِشْرُ الحافي بِشْرُ الخَيْرِ، كما أنَّ أحْمَدَ ابنَ حَنْبَلَ هو أحْمدُ
السُّنَّة ، وأحْمَدُ بنُ أبي دُواد أحْمدُ البدْعَةِ (٣).
(١) انظر السير: (القَسريّ) ٤٢٥/٥ -٤٣٢، وانظر النزهة: ١/٦٢٠.
(٢)
انظر السير: ( المَريسيّ) ١٩٩/١٠ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٢/٨٦٧.
(٣) انظر السير: (المَريسيّ) ١٩٩/١٠-٢٠٢، وانظر النزهة: ٤/٨٦٧.
٣٧٦

ثالثاً : الخَوارِج
١- الخَوارِجُ دَوَّخوا الخُلَفاءَ وحارَبُوهُم ، ومَنَعُوهُم من الانْصِرافِ إلى الجِهادِ وهذه
أمْثِلَةٌ علىْ زُعَمائِهِم :
(أ) شَبيبُ بنُ يَزيد :
هو ابنُ أبي نُعَيْم الشَّيْبانيّ ، رَأْسُ الخَوارِجِ بالجَزِيرَة ، وفارِسُ زَمانِهِ ، بَعَثَ لحَرْبِه
الحَجَّاجُ خَمْسَةَ قُوَادٍ فَقَتَلَهم واحِداً بعْدَ وَاحِدٍ، ثمَّ سارَ إلى الكُوفَةِ، وحاصَرَ
الحَجَّاجَ ، وكانت زَوْجَتُه غَزالةُ عَديمَةَ النَّظيرِ في الشَّجاعَةِ، فَعَيَّرَ الحَجَّاجَ شَاعِرٌ(١)
فقال :
فَتْحَاءُ تَنْفِرُ من صَغيرِ الصَّافِرِ
أَسَدٌ عَليَّ وفي الحرُوبِ نَعَامَةٌ
بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَناحَيْ طائِر
هَلاَّ بَرَزْتَ إلَىْ غَزِالَةَ فِي الْوَغَى
وكانت أمُّ شَبيب جهيزة تَشْهدُ الحُروبَ .
غَرِقَ شَبِيبٌ في القِتالِ بِدُجَيلٍ (٢) سَنَةَ سَبعٍ وسَبعينَ وله إِحْدَىُ وخَمْسونَ سَنةً (٣) .
قِيلَ: حَضَرَ عِثْبَانُ الحَروريُّ عندَ عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ فقالَ : أنْتَ القائِلُ :
وعَمْرو ومِنْكُم هاشِمٌ وحَبيبُ
فإنْ يَكُ مِنْكُمْ كَانَ مَرْوانُ وابنُهُ
ومِنَّا أميرُ المُؤمِنِينَ شَبِيبُ
فمِنَّا حُصَيْنٌ والبَطِينُ وقَعْنَبٌ
فقالَ: إنَّما قُلتُ : ومِنَّا أميرَ المؤمِنِينَ شَبِيبُ ((على النِّداءِ)) فأعْجَبَه وأظْلَقَه(٤) .
هو عِمْرانُ بنُ حِطَّن .
(١)
(٢) هو نهر بالأهواز، حفره أردشير بابك، أحدُ ملوك الفرس.
(٣) انظر السير: (شبيب بن يزيد) ١٤٦/٤ - ١٤٩، وانظر النزهة : ١/٤٦٤.
(٤) انظر السير: (شبيب بن يزيد) ١٤٦/٤-١٤٩، وانظر النزهة: ٢/٤٦٤.
٣٧٧

ولمَّا غَرِقَ ، قِيلَ لأُمِّه فقالت: لمَّا وَلَدْتُهُ رَأيتُ كأنَّ خَرَجَ مِنِّي شِهابُ نارٍ ، فَعَلِمْتُ
أنَّه لا يُطْفِئُه إلاَّ الماءُ (١).
وكان قد خَرَجَ صالحُ بنُ مُسرِّح العابدُ الثَّميميُّ بدارا(٢) وله أصْحابٌ يُفَقِّهُهم ويقصُّ
عليهم، ويَدُ عُثمانَ وعَليَّاً كدَأب الخَوارج، ويقولُ: تَأَهَّبُوا لجِهاد الظَّلمَة،
ولا تَجِزَعوا من القَتْل في الله، فالقَتَلُ أسْهَلُ من المَوت ، والموتُ لا بُدَّ منه فأتاه كتابُ
شَبيب يقولُ : إنَّك شَيخُ المُسلمين، لنْ نَعدِلَ بك أحَداً ، وقد اسْتجَبتُ لك، والآجالُ
غاديَةٌ ورائِحَة ، ولا آمَنُ أنْ تَخْتَرِمَني المَنِيَّة ولمْ أُجاهِد الظَّالمين، فيا لَه غُبناً ، ويا لَه
فَضْلاً مَتْروكاً! جَعلَنا اللهُ ممَّن يُريد اللهَ بَعَمَلِه ، ثمَّ أقْبَلَ هو وأخُوه مُصاد ، والمُحلل بنُ
وائل ، وإبراهيمُ بنُ حَجَر ، والفَضلُ بنُ عامر الدُّهْليّ ، إلى صالح ، فصاروا مئةً
وعَشرةَ أنفُس ، ثم شَدُّوا على خَيلٍ لمحمَّد بنِ مَرْوان ، فأخَذوها وقَويَت شَوكتُهم ،
فسارَ لحَربهم عَدُّ ابنُ عديٍّ بن عُميرَة الكندي ، فالتَقوا ، فانْهَزَمَ عَديٌّ ، وبعدَ مُدَيدَة
تُوفي صالحٌ من جِراحات ، سنةَ ستٍّ وسبعين وعُهِدَ إِلَى شَبيب فهَزْمَ العَساكرَ ، وعَظُمَ
الخَطبُ ، وهجَمَ على الكُوفَة وقَتلَ جماعة أعيان ، فنَدبَ الحجَّاجُ لحَربه زائدَةَ بنَ
قُدامَة الثَّقَفي، فالتقوا، فقُتلَ زائدَة ، ودَخَلَت غَزالةٌ جامعَ الكُوفَة ، وصَلَّت وِرْدَها
وصَعدَت المنبَرَ ، ووَفَتِ نَذْرَها، وهَزْمَ شَبِيبٌ جُيوشَ الحجَّاجِ مرَّات، وقَتلَ عِدَّةً من
الأشْراف، وتَزْلَزلَ له عبدُ المَلك بن مَرْوان، وتَحيَّرَ الحجّاجُ في أمْرِه ، وقال : أعْياني
هذا وجمَعَ له جَيشاً كثيفاً نحو خمسين ألفاً .
وعَرضَ شَبيبٌ جُندَه فكانوا ألفاً ، وقالَ : يا قَوم ، إنَّ اللهَ نَصرَكم وأنتم مِئة ، فأنتم
اليومَ مِئُون ، ثم ثَبتَ معه ستُّ مئة ، فحَملَ في مِئْتَين على المَيْسَرَةِ هَزمها، ثم قَتلَ
مقدَّم العَساكر عتابَ بنَ وَرْقَاءَ الثَّميمي، فلمَّا رَآهُ شَبِيبٌ صَرِيعاً توَجَّع له ، فقال
خارجيٌّ له : يا أميرَ المُؤمنين تَوجَّعُ لكافٍ ؟ !! ، ثم نادَى شَبيبٌ برَفع السَّيفِ، ودَعا
إلى طاعَتِهِ ، فبايَعوه ثم هَربوا في اللَيلِ .
(١) انظر السير: (شبيب بن يزيد) ١٤٦/٤ -١٤٩، وانظر النزهة: ٣/٤٦٤.
(٢) دارا : بلدةٌ بين نصيبين وماردين ، وهي من بلاد الجزيرة .
٣٧٨

ثم جاءَ المَددُ من الشَّام ، فالْتُقاهُ الحجَّاجُ بنفسه، فجرَى مَصافٍّ لم يُعهَد مثله ،
وثَبَتَ الفَرِيقان، وقُتْلَ مُصادٌّ أخو شَبيب وزوجتُه غَزَالَة ، ودَخلَ الليلُ وتقَهْقَر شَبيبٌ
وهو يَخفقُ رأسَه، والطلبُ في أَثْرِه، ثم فَتَرَ الطَلَبُ عنهم، وساروا إلى الأَهْواز،
فبَرَزَ مُتولِيها محمدُ بنُ موسى بنِ طَلحَة ، فبارَزَ شَبِيباً ، فقَتَلَه شبيبٌ ، ومَضى إلى
كَرمانَ ، فأقامَ شَهْرَينِ وَرَجَعَ ، فالْتَّقاهُ سُفْيانُ بنُ أبْرَد الكَلْبِيُّ وحَبِيبٌ الحَكَميُّ على
جِسْرِ دُجَيْل ، فاقْتَلُوا حتى دَخَلَ اللَّيْلُ، فَعَبَرَ شَبيبٌ على الجِسْرِ فَقُطِعَ به ، فَغَرِقَ ،
وقِيلَ : بَلْ نَفَرَ به فَرَسُه ، فَألْقاهُ في الماءِ سَنةَ سَبعٍ وسَبعينَ وعَليه الحَديدُ فقال: ﴿ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾(١)، (٢).
( ب) قَطْرِيُّ بنُ الفُجاءَة :
هو الأميرُ أبو نَعَامَة الثَّيْمِيُّ المازِيُّ، البَطَلُ المَشْهُورُ، رَأسُ الخَوارِجِ ، خَرَجَ زَمَنَ
ابنِ الزُّبَيْرِ ، وهَزَمَ الجُيوشَ، واسْتَفْحَلَ بَلاؤُه .
جَهَّزَ إليه الحَجَّاجُ جَيْشاً بعد جَيشٍ فَيَكْسِرَهُم ، وغَلَبَ على بلادِ فارِس ، وله وَقائِعُ
مَشْهِودَةٌ ، وشَجاعَةٌ لَم يُسْمَعْ بِمِثْلِها وشِعرٌ فَصيحٌ سائرٌ ، فلَه :
مِن الأبْطالِ وَيْحَكِ لَنْ تُراعِي
أقُولُ لها وقد طارَتْ شَعاعاً
على الأجَلِ الذي لَكِ لَمْ تُطاعِي
فإنَّكِ لَوْ سَألْتِ بَقاءَ يَوْمٍ
فما نَيَّلُ الخُلُودِ بِمُسْتَطَاعٍ
فيُطْوَى عَنْ أَخِي الخَنَعِ اليَراعِ
ودَاعِيَةٌ لِأهْلِ الأرَضِ دَاعِي
وتُسْلِمْهُ المَنُونُ إلى انْقِطاعِ
إذا ما عُدَّ مِنْ سَقَطِ المَتَاعِ
فصَبْراً في مَجالِ المَوْتِ صَبْراً
ولا ثَوْبُ الحَياةِ بِثَوْبٍ عِزّ
سَبِيلُ المَوتِ غَايَةُ كُلِّ حَيٍّ
ومَنْ لَمْ يَعْتَبِطْ يَهْرَمْ ويَسْأَمْ
وما للمَرْءِ خَيْرٌ في حَياةٍ
واسْمُ الفُجَاءَة جَعونَةُ بنُ مازِن .
(١) سورة يس، الآية : ٣٨
(٢) انظر السير: (شبيب بن يزيد) ١٤٦/٤ - ١٤٩، وانظر النزهة : ٤/٤٦٤.
٣٧٩

بِقِيَ قُطْرِيُّ يُحَارِبُ نََّ عَشْرَةَ سَنةً، ويُسَلَّمُ عليه بالخِلافَةِ، اسْتَوْفَى المبرِّدُ في
((كامِلِهِ)) أخْبارَه إلى أنْ سارَ لحَرْبِه سُفْيانُ بنُ الأبْردِ الكَلْبيُّ، فانْتُصَرَ عليه وقَتَلَه وقِيلَ :
عَثُرَ بِهِ الفَرَسُ فانْكَسَرَتْ فَخِذُه بطَّبَرِسْتَانَ ، فَظَفِروا به، وحُمِلَ رَأْسُهُ سَنةَ تِسعِ وسَبعينَ
إلى الحَجَّاجِ، وكان خَطيباً بليغاً، كَبِيرَ المَحَلِّ من أفْرادِ زَمانِهِ(١).
(ج ) عُمَرُ بنُ حَفْصون :
جاءَ في تَرَجَمَة المُنذِر بنِ مُحمّد بنِ عبد الرَّحمَن بنِ الحَكَم : هو أبُو الحَكَم
المَرْوانِيُّ، صاحبُ الأَنْدَلُسِ ، تَمَلَّكَ بعدَ والِدِه ، فكانت دَولَتُّه سَنتَيْنِ ، فماتَ وهو
يُحاصِرُ عُمرَ بنَ حَفْصونَ ، رَأسَ الخَوارِجِ بالأَنْدَلُسِ ، وكان هذا بَدَويّاً يَجْلِبُ السَّمكَ
بالأَنْدَلُسِ ، فآلَ به الأمرُ إلى أنْ كَثُرَ جَمعُهَ، واسْتَولَى علىُ جَماعَة حُصون .
ماتَ المُنْذِرُ فِي سَنةِ خَمسٍ وسَبعينَ ومِثَتيْنِ ، وله سِتَّةٌ وَأَرْبَعونَ سَنةً(٢).
٢- كان من الخَوارِجِ عُلَماءُ؛ فمنهم:
عِمْرانُ بنُ حِطَّان :
هو ابنُ ظَبْيان، السَّدوسيُّ البَصْريُّ، من أعْيانِ العُلَماءِ ، لكنَّه من رُؤوسِ الخَوارِج(٣).
قال أبو داود : لَيسَ في أَهْلِ الأَهْواءِ أصَحُّ حَديثاً من الخَوارِجِ ثُمَّ ذَكَرَ عِمْرانَ بنَ
حِطَّان، وأبا حَسَّانَ الأعْرَج (٤) .
قال الفَرَزْدَقُ: عِمْرانُ بنُ حِطَّان من أشْعَرِ النَّاسِ ، لأنَّه لَوْ أرادَ أنْ يَقُولَ مِثْلَنَا
لِقَالَ ، ولَسْنا نَقْدِرُ أنْ نَقَولَ مِثلَ قَولِه(٥).
عن ابنِ سيرينَ ، قال : تَزوَّجَ عِمْرانُ خَارِجِيَّةً وقالَ: سأرُدُّها ، قالَ : فصَرَفَتْه إلىُ
(٦)
مَذْهَبِها (٦) .
(١) انظر السير: (قَطْريُّ بن الفُجاءَة) ١٥١/٤ -١٥٢، وانظر النزهة: ١/٤٦٦.
انظر السير: ( المُنذِر بن مُحمّد) ٢٦٣/٨ -٢٦٤، وانظر النزهة : ١/٥٥٧.
(٢)
(٣)
انظر السير : ( عِمْران بن حِطَّان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ٧/٤٨٠.
انظر السير: ( عِمْران بن حِطَّان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ١/٤٨١.
(٤)
انظر السير : ( عِمْران بن حطان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ٢/٤٨١.
(٥)
انظر السير: ( عِمْران بن حِطّان) ٢١٤/٤-٢١٦، وانظر النزهة: ٣/٤٨١.
(٦)
٣٨٠