النص المفهرس
صفحات 301-320
ماتَ أبو الزِّناد فجأةً في مُغْتَسلِه، وهو ابنُ سِتّ وسِتِين سَنةً في سَنةِ ثلاثين ومِثَةٌ(١) . وقال رَبيعةُ مَوَلَى آلِ مُنْكَدِر: وسُئِلَ كَيْفَ اسْتَوَى؟ !! ، فقالَ: الكَيْفُ غَيرُ مَعْقُولٍ ، وعَلى الرسُولِ البَلاغُ ، وعَليْنا التَّصْدِيقُ(٢). وسُئِلَ سُفيانُ عن أحاديثِ الصِّفاتِ فقال: أمِرُوها كما جاءَت(٣). وعن جَعْفَرَ بنِ عبدِ الله قال: كُنَّا عندَ مالِك، فجاءَهُ رجلٌ ، فقال : يا أبا عبدَ الله ﴿الرَّحْمَُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾(٤)، كَيْفَ اسْتَوَى؟ !! فما وَجَدَ مالكٌ مِنْ شَيءٍ ما وَجَدَ من مَسْألَتِهِ ، فَنَظَرَ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ يَنْكُتُ بِعُودٍ فِي يَدِهِ، حتّى عَلَاهُ الرَّحْضاءُ(٥) ، ثمَّ رَفَعَ رأسَه ، ورَمَىْ بالعُودِ، وقالَ : الكَيْفُ مِنْهُ غَيرُ مَعْقُولٍ ، والاسْتِواءُ مِنْهُ غَيرُ مَجْهُولٍ ، والإيمانُ به واجِبٌ ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ ، وأظُنُّكَ صاحِبَ بِدْعَةٍ ، وأمَرَ به فأُخْرِجَ(٦) . وقال ابنُ القاسِم : سَألتُ مالِكاً عمَّنْ حَدَّثَ بالحَديثِ: الذين قالوا: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ على صُورَتِه))، والحَديثِ الذي جاءَ: ((إنَّ اللهَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ))، ((أنَّه يُدْخِلُ يَدَهُ فِي جَهَنَّمَ حتّى يُخْرِجَ مَنْ أَرَادَ )) فَأَنْكَرَ مَالِكٌ ذلكَ إنْكاراً شديداً، ونَهَى أنْ يُحَدِّثَ بها أحَدٌ ، فقِيلَ له : إنَّ ناساً من أهلِ العِلمٍ يَتَحدَّثون به ، فقال: مَنْ هو ؟ !! ، قِيلَ : ابنُ عَجْلان عن أبي الزِّناد ، قال: لَمْ يَكُنْ ابنُ عَجلان يَعرِفُ هذه الأشْيَاءَ ، ولَمْ يَكُنْ عَالِمَاً(٧) . قال الذهبيُّ : أنْكَرَ الإمامُ ذلكَ، لأنَّه لَمْ يَثْبُتْ عِندَه، ولا اتَّصَلَ به ، فهو مَعْذورٌ ، انظر السير: ( أبو الزناد) ٤٤٥/٥-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/٦٢١. (١) (٢) انظر السير: ( ربيعة) ٨٩/٦-٩٦، وانظر النزهة: ٣/٦٣٥. انظر السير: ( سفيان) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة : ١٠/٦٩٩. (٣) (٤) سورة طه ، الآية : ٥ . الرحضاء : العرق أثر الحمى أو عرق يفسد الجلد كثرةً . (٥) انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٦/٧٣٤. (٦) (٧) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣٥. ٣٠١ كَما أنَّ صاحِبَيْ ((الصَّحيحَيْنِ )) مَعْذوران في إخْراجِ ذلكَ - أعْنِي الحَديثَ الأولَ والثاني - لُبُوتِ سَنَدِهما، وأمَّا الحَديثُ الثالث، فَلا أَعْرِفُه بهَذا اللَّفْظِ ، فَقَوْلُنا في ذلكَ وبابِه : الإقْرارُ ، والإمْرار ، وتَفْويضُ مَعْناهُ إلى قائِلِه الصَّادقِ المَعْصوم صلى الله عليه وسلم(١) . عن العَبَّاسِ الدُّوريّ قال: سَمعتُ أبا عُبَيدِ القاسِم بن سَلَّم - وذَكَرَ البابَ الذي يَرْوي فيهِ الرُّؤْيَةَ ، والكُرْسيّ مَوضِع القَدَميْنِ، وضَحِكَ رَبُّنا ، وأيْنَ كان ربّنا - فقال : هذه أحاديثٌ صِحاحٌ ، حَمَلَها أصْحابُ الحَديثِ والفُقَهَاءُ بَعضُهم عَن بَعضٍ ، وهي عندَنا حَقٌّ لا نَشُكُ فيها، ولكن إذا قِيلَ : كَيْفَ يَضْحَكُ !! ؟ وكَيْفَ وَضَعَ قَدَمَه !! ؟ قُلنَا: لا نُفَسِّرُ هذا، ولا سَمِعْنا أحَدَاً يُفَسِّرُه(٢) . قال الإمامُ الذهبيُّ : قُلتُ : قد فَسَرَ عُلماءُ السَّلَفِ المُهِمَّ من الألفاظِ وغَيْرَ المُهِمِّ ، وما أبْقَوا مُمْكِناً ، وآياتُ الصِّفاتِ وأحاديثُها لَمْ يَتَعرَّضُوا لتأويلِها أصْلاً، وهي أهَمُّ الدينِ ، فَلَوْ كان تأويلُها سائِغاً أو حَتْماً ، لبادَرُوا إليه، فعُلِمَ قَطْعاً أنَّ قِراءَتَها وإِمْرارَها على ما جاءَتْ هُو الحَقُّ ، لا تَفْسِيرَ لها غَيرَ ذلكَ، فَنُؤْمِنُ بذَلكَ، ونَسْكُتُ اقْتِداءً بِالسَّلَفِ ، مُعْتَقِدِينَ أنَّها صِفاتٌ للهِ تَعالَى، اسْتَأَثَرَ اللهُ بِعِلْمٍ حَقائِقَها، وأنَّها لا تُشْبهُ صِفاتِ المَخْلُوقين ، كمَا أنَّ ذاتَه المُقدَّسَةَ لا تُماثِلُ ذَوَاتَ المَخْلُوقِين، فالكِتابُ والسُّنَّةُ نَطَقَ بها ، والرسُولُ صلى الله عليه وسلم بَلَّغ ، وما تَعرَّضَ لتَأويلٍ ، مَعَ كَونِ البَاري قال: ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾(٣) فعلَيْنا الإيمانُ والتَّسْلِيمُ للنُّصوصِ ، والله يَهْدي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ماتَ سَنَّةَ أَرْبعٍ وعِشْرينَ ومِنَتَيْنِ بِمَكّةَ بَلَغَ سَبعاً وسِتّينَ سَنَةً ، رَحمَهُ الله(٤) . قال أبو سَهْل بنُ زياد القَطَّان، أخْبرَنا محمدُ بنُ إسْماعيل التِّرمذيّ ، سَمعتُ انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٣٥. (١) (٢) انظر السير: ( أبو عُبَيد) ١٠/ ٤٩٠-٥٠٩، وانظر النزهة: ٢/٨٨٨. (٣) سورة النحل ، الآية : ٤٤ . انظر السير: ( أبو عُبَيد) ١٠/ ٤٩٠-٥٠٩، وانظر النزهة: ٣/٨٨٨. (٤) ٣٠٢ نُعَيمَ بنَ حمَّاد يقول: مَنْ شَبَّهَ اللهَ بخَلِقِه فقد كَفَر ، ومَنْ أَنْكُرَ ما وَصفَ به نفسَه فقد كَفَر ، ولَيسَ في ما وَصَفَ اللهُ به نفسَه ولا رسُولُهُ تَشْبيه(١) . قال الإمامُ الذهبيُّ : هذا الكَلامُ حقٌّ ، نَعوذُ بالله من التَّشْبِيه ومِن إنْكارِ أحاديثٍ الصِّفات، فمَا يُنكِرُ الثَّابتَ منها مَنْ فَقُهَ ، وإنَّما بعد الإيمان بها هنا مَقامان مَذْمومان : (٢). تَأْوِيلُها وصَرْفُها عن مَوضِع الخِطاب، فما أوَّلَهَا السَّلَفُ ولا حَرَّفوا ألْفَاظَها عن مَواضِعِها ، بل آمَنُوا بها، وأمَرُّوها كما جاءَت(٣). المَقامُ الثاني : المُبالَغَةُ في إثْبَاتِها ، وتَصَؤُّرِها من جِنسِ صِفاتِ البَشَرِ ، وتَشَكُلِها في الذِّهْن ، فهذا جَهلٌ وضَلالٌ ، وإنَّما الصِّفةُ تابعةٌ للمَوْصوفِ ، فإذا كانَ المَوْصوفُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ نَرَه، ولا أخْبِرَنا أحدٌ أنَّه عاينَه مع قَولِه لنا في تَنزِيلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(٤) فَكَيفَ بَقي لأَذْهانِنا مَجالٌ في إِثْباتِ كَيفيّةِ الباري ، تَعالى اللهُ عن ذلك، فكذلك صِفاتُه المقدَّسَة ، نُقِرُ بها ونَعتَقدُ أنَّها حقٌّ ، ولا نُمثِّلُها أصْلاً ولا نَتَشكَّلُها(٥) . ووَرَدَ عن إسْحَاقَ بنِ راهَوَيْه أنَّ بعضَ المُتَكَلِّمِينَ قال له : كَفَرْتُ برَبٌّ يَنْزِلُ مِنْ سَماءٍ إلى سَماءِ فقال: آمَنْتُ برَبٌّ يَفْعَلُ ما يَشَاءُ . قال الذهبيُّ : هذه الصِّفاتُ من الاسْتِواءِ والإثْيانِ والنُّولِ ، قد صَحَتْ بها النُّصوصُ ، ونقَلَهَا الخَلَفُ عن السَّلَفِ، ولَمْ يَتَعرَّضُوا لها برَدِّ ولا تَأويلٍ ، بَلْ أَنْكَرُوا على مَنْ تَأوَّلَها مع إصْفاقِهِم على أنَّها لا تُشْبِهُ نُعُوتَ المَخْلوقِينَ وأنَّ اللهَ لِيْسَ كَمثلهِ شيءٌ، ولا تَنْبَغِي المُناظَرَةُ، ولا التَّنَازُعُ فيها فإنَّ في ذلك مُحاوَلَةٌ للرَّدِّ انظر السير: ( نعيم بن حماد بن معاوية) ٥٩٥/١٠-٦١٢، وانظر النزهة: ٢/٨٩٩. (١) انظر السير: ( نعيم بن حماد بن معاوية) ٥٩٥/١٠ -٦١٢، وانظر النزهة: ٣/٨٩٩. (٢) انظر السير : ( نعيم بن حماد بن معاوية) ١٠ /٥٩٥ -٦١٢، وانظر النزهة: ٤/٨٩٩. (٣) (٤) سورة الشورى ، الآية : ١١ . انظر السير: ( نعيم بن حماد بن معاوية) ٥٩٥/١٠ -٦١٢، وانظر النزهة: ٩٠٠/ ١. (٥) ٣٠٣ على الله ورسُولِهِ، أو حَوْماً على التكْبيفِ أو التعْطيلِ (١). وقال مُحمّدُ بنُ إبراهيمَ الصَّرَّامِ : سَمعتُ عُثْمانَ بنَ سَعيد الدَّارميَّ يقولُ : لا نُكَيُِّ هُذه الصِّفاتِ، ولا نُكَذِّبُ بها، ولا نُفَسِّرُها(٢). وقالَ والدُ أبي حَفْص بن شاهين : حَضَرتُ أبا جَعْفَرِ التِّرْمِذِيّ فسُئِلَ عن حَديثٍ التُّزولِ (٣) ، فقالَ: التُّزُولُ مَعْقُولٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإيْمَانُ به واجِبٌ ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ . قال أحمدُ بنُ كامل القاضي : لَمْ يَكُنْ للشَّافِعِيَّة بالعِراقِ أَرْأَسُ ، ولا أَوْرَعُ ولا أَنْقَلُ من أبي جَعْفَرِ التِّرمِذيّ (٤) . وقالَ أبو سَعيد الدِّيْنَوَرِيُّ، مُسْتَمْلِي مُحمّد ابن جَرِير، أخْبَرَنا أبو جَعْفَرٍ مُحمّدُ بنُ جَرِير الطَّبَرِيُّ بعَقيدَتِهِ، فَمِنْ ذَلكَ: وحَسْبُ امْرِىءٍ أنْ يَعْلَمَ أنَّ رَبَّهُ هُو الذي على العَرْشِ اسْتَوَى، فمَنْ تَجَاوَزَ ذَلكَ فقَدْ خَابَ وخَسِرَ وهذا «تَفْسِيرُ)) هذا الإمَامِ مَشْحُونٌ في آيَاتِ الصِّفاتِ بأقْوَالِ السَّلَفِ على الإِثْباتِ لهَا ، لا على النَّفي والتَّأويل ، وأنَّها لا تُشْبِهُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ أَبَداً(٥) . ومن عِبَارَة الشَّيخِ البَرْبَهاريِّ قال: احْذَرْ صِغارَ المُحْدَثاتِ من الأمُورِ فإنَّ صِغارَ البِدَعِ تَعودُ كِباراً ، فَالكَلامُ في الرَّبِ عَزَّ وجَلَّ مُحْدَثٌ وبِدْعَهُ وضَلالَةٌ ، فلا نَتَكلَّمُ فيه إِلاَّ بَمَا وَصَفَ بِه نَفْسَه ، ولا نَقُولُ في صِفاتِهِ: لِمَ؟ ولا كَيْفَ ؟(٦). وقالَ مُحمَّدُ بنُ مَرْزُوق الزَّعْفَراني، حَدَّثنا الحافِظُ أبو بَكْرِ الخَطيب قال : أمَّا الكَلامُ في الصِّفاتِ ، فإنَّ ما رُوِيّ منها في السُّننِ الصِّحاحِ ، مَذْهَبُ السَّلَفِ إِثْبَاتُها انظر السير : ( إسحاق بن راهويه) ٣٥٨/١١ -٣٨٣، وانظر النزهة : ٥/٩٥٣. (١) (٢) انظر السير: (الدَّارميّ) ٣١٩/١٣ -٣٢٦، وانظر النزهة : ٤/١٠٩٢. ولفظه بتمامه : ((يَنزلُ ربُّنا كلَّ ليلة إلى سَماءِ الدُّنيا حين يَبقَى ثلثُ الليلِ الآخر، فيقولُ : مَنْ يَدعُوني (٣) فأسْتَجيبُ له ؟ ، مَنْ يَسْألُنِي فَأَعْطيه؟ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغفِرُ له؟)). انظر السير: ( أبو جعفر الترمذيّ) ٥٤٥/١٣ -٥٤٧، وانظر النزهة: ١/١١١٦. (٤) (٥) انظر السير: (محمد بن جرير) ١٤/ ٢٦٧ - ٢٨٢، وانظر النزهة: ١/١١٥٤. انظر السير: ( البربهاريّ) ٩٠/١٥-٩٣، وانظر النزهة: ٢/١١٨٥. (٦) ٣٠٤ وإِجْراؤها على ظَواهِرِها، ونَفْيُ الكَيْفِيَّة والتَّشْبِيه عنها وقد نَفَاها قَومٌ، فأبْطَلُوا ما أثْبَتَهُ اللهُ، وحَقَّقَها قَومٌ من المثْبتين فخَرَجُوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من الثَّشْبِيه والتّكْيِيفِ ، والقَصْدُ إنَّما هو سُلُوكُ الطَّريقَةِ المُتوسِّطَةِ بينَ الأمْرِينِ ، ودينُ اللهِ تَعالَىُ بين الغالي فيه والمُقَصِّرِ عنه والأصْلُ في هَذا أنَّ الكَلامَ في الصِّفاتِ فَرْعُ الكَلامِ في الذَّاتِ، ويُحْتَذَى فِي ذَلكَ حَذْوُهُ ومِثالُه، فإذا كان مَعْلُوماً أنَّ إِثْبَاتَ رَبِّ العَالَمِينَ إنَّما هُو إِثْبَاتُ وُجُودٍ لا إِثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ ، فكذلكَ إِثْباتُ صِفاتِهِ إِنَّما هو إِثْباتُ وُجُودٍ لا إِثْباتُ تحدیدٍ وتكييف . فإذا قُلنا : لهِ يَدٌ وسَمْعٌ وبَصَرٌ ، فإنَّما هي صِفاتٌ أَثْبَتَهَا اللهُ لَنَفْسِه، ولا نَقولُ: إنَّ مَعْنَى البَدِ القُدْرَة، ولا إنَّ مَعْنَى السَّمْعِ والبَصَر العِلْم، ولا نَقُولُ: إنَّها جَوارِحُ ولا نُشَبِّهُها بالأيْدِي والأسْمَاعِ والأَبْصَار التي هي جَوارِحُ وأدَواتٌ للفِعْلِ ، ونَقُولُ : إِنَّمَا وَجَبَ إِثْباتُها لأنَّ التَّوقِيفَ وَرَدَ بها ووَجَبَ نَفْيُ الَّشْبيهِ عنها لقَولِهِ تَعالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(١)، وقَولِهِ تَعالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّمُ كُفُوَ أَحَدٌ﴾(٢) (٣). وقال السَّمعانيُّ : لمَّا وَرَدْتُ أصْبَهانَ كان الإمامُ عبدُ الجَليلِ كُوتَاه ما يَخرجُ عن دارِهِ إِلَّ لحَاجَةٍ مُهمَّةٍ، كان شَيخُهُ إِسْماعيلُ الحَافِظُ هَجَرَهُ، ومَنَعَهُ من حُضُورِ مَجْلِسه لِمَسْألَةٍ جَرَتْ في النُّزُولِ ، وكان كوتاه يقولُ: التُّرُولُ بالذَّاتِ فأنْكَرَ إسْماعيلُ هذا ، وأمَرَهُ بالرُّجُوعِ عَنْهُ فمَا فَعَل(٤) . قال الذهبيُّ: ومَسْألَةُ التُّرُولِ ، فالإيمانُ به واجِبٌ ، وتَرْكُ الخَوضِ فِي لَوَازِمِه أوْلَى وهو سَبِيلُ السَّلَف ، فما قال هذا: نُزُولُه بذاتِهِ ، إلاَّ إرْغاماً لمَنْ تَأَوَّلَه . وقال : نُزُولُه إلى السَّماءِ بالعِلْم فقَطْ نَعُوذُ باللهِ من المِراءِ في الدِّينِ . سورة الشورى ، الآية : ١١ . (١) سورة الإخلاص ، الآية : ٤ . (٢) انظر السير: ( الخطيب) ١٨/ ٢٧٠ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٤١٤. (٣) انظر السير: ( كوتاه) ٣٢٩/٢٠ - ٣٣١، وانظر النزهة : ٢/١٥٥٧. (٤) ٣٠٥ وكَذا قَولُه تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾(١) ونَحوُه، فَتَقولُ: جاءَ ويَنْزِلُ، ونُّنْهَى عن القولِ: سَيَنزِلُ بِذاتِه، كما لا نقُولُ: يَنْزِلُ بعِلْمِهِ، بلْ نَسْكُتُ ولا نَتَفَاصَحُ على الرسُولِ صلى الله عليه وسلم بعِباراتٍ مُبْتَدَعَةٍ ، واللهُ أَعْلَمُ(٢). ٥- لا يُوصَفُ اللهُ سُبحانَهَ إلاَّ بما وَصَفَ به نفسَه أو وصَفَه رسُولُه صلى الله عليه وسلم : قال أبو إسْماعيل الأنْصَاريّ: سَمعتُ يَحْيَى بنَ عمَّار الواعِظَ وقد سَألتُه عن ابنِ حبَّان، فقال: نحنُ أخْرَجنَاه من سِجسْتان، كان له عِلمٌ كثير ، ولَمْ يَكُنْ له كَبِيرُ دين ، قَدِمَ علينا ، فأنْكَرَ الحدَّ لله ، فأخْرَجْناه . قال الإمامُ الذهبيُّ : إنْكارُكُم عليه بِدْعَةٌ أيْضاً، والخَوضُ في ذلكَ ممَّا لَمْ يَأْذَنْ به اللهُ، ولا أتَى نَصٌّ بإِثْباتِ ذلكَ ولا بِنَفْسِهِ، و(( مِنْ حُسْنِ إِسْلام المَرْءِ تَرْكهُ مَا لاَ يَعْنِيه)) وتَعالَى اللهُ أنْ يُحَدَّ أو يُوصَفَ إلاَّ بما وَصَفَ به نَفَسَهُ، أَوْ عَلَّمَه رُسُلَه بالمَعْنى الذي أرادَ بِلا مِثْلٍ ولا كَيْف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(٣)، (٤). ٦ - تَفسيرُ آيَة الحَديد ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾: قال معدانُ - الذي يَقولُ فيه عبدُ الله بنُ المُبارَك: هُوَ من الأبدال(٥) - سَأَلتُ النَّوْرِيَّ عن قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمَّ﴾ (٦)، فقال: عِلْمُهُ(٧). سورة الفجر ، الآية : ٢٢ . (١) (٢) انظر السير: ( كُوتاه) ٣٢٩/٢٠ -٣٣١، وانظر النزهة: ٣/١٥٥٧. (٣) سورة الشورى ، الآية : ١١ . (٤) انظر السير: ( ابن حِبّان) ٩٢/١٦-١٠٤، وانظر النزهة: ١/١٢٧٠. قوم من عباد الله الصالحين ، يهتدون بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة ، ويتصفون بحسن الخلق ، (٥) وصدق الورع ، وحسن النية ، وسلامة الصدر ، يستجيب الله دعاءهم ، ولا يخيب رجاءهم ، ورد في حقهم أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أوردها السخاوي في ((المقاصد الحسنة )) ص ٨ - ١٠، وتكلم عليها فراجعه . سورة الحديد ، الاية : ٤ . (٦) انظر السير: ( سفيان) ٢٢٩/٧ - ٢٧٩، وانظر النزهة : ٦٩٩ /٩. (٧) ٣٠٦ ٧- المُتأوّلُ بَعضَ أخْبارِ الصِّفاتِ يُعْذَرُ : قالَ الحاكمُ : سَمعتُ مُحمّدَ بنَ صَالح بن هانىء، سَمعتُ ابنَ خُزَيْمَة يَقُولُ : مَنْ لَمْ يُقِرّ بأنَّ اللهَ علىْ عَرْشِهِ قَد اسْتَوَى فَوْقَ سَبعِ سَماواتِهِ فهُو كافرٌ حَلالُ الدَّم ، وكان مالُهُ فَيْئاً . قال الذهبيُّ : مَنْ أقَرَّ بذَلكَ تَصْديقاً لكِتابِ اللهِ ولأحاديثِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَآمَنَ به مُفَوِّضاً مَعْناه إلى اللهِ ورَسُولِه ، ولَمْ يَخُضْ فِي التَّأويلِ ولا عَمَّق ، فَهُو المُسْلِمُ المُتَبعُ، ومَنْ أنْكَرَ ذلكَ ، فَلَمْ يَدْرِ بِثُبُوتِ ذلكَ في الكِتابِ والسُّنَّة فهو مُقَصِّر ، واللهُ يَعْفُو عَنهُ، إذْ لَمْ يُوجِبِ اللهُ على كُلِّ مُسْلمٍ حِفْظَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ ومَنْ أَنْكَرَ ذلكَ بعدَ العِلْمِ ، وقَفَا غَيرَ سَبيلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وتَمَعْقَلَ على النَّصِ ، فَأَمْرُهُ إلى اللهِ ، نَعُوذُ باللهِ من الضَّلَالِ والهَوَى . وكَلامُ ابنٍ خُزَيْمَة هذا - وإنْ كانَ حَقاً - فهُوَ فَجٍّ، لا تَحْتَمِلُه نُفُوسُ كَثِيرٍ من مُتَأْخِّرِي العُلَمَاءِ(١) . قال الذهبيُّ : وكِتابُ ابنِ خُزَيْمَة في ((التَّوحيدِ )) مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ، وقد تَأوَّلَ في ذَلِكَ حَديثَ الصُّورَةِ (٢)، (٣). فلْيُعذَرْ من تَأَوَّلَ بَعضَ الصِّفاتِ، وأمَّا السَّلَفُ فما خَاضُوا في التَّأويلِ، بَلْ آمَنُوا (١) انظر السير: (ابن خُزيمة) ٣٦٥/١٤ -٣٨٢، وانظر النزهة: ٦/١١٦١. (٢) حديثُ الصورة، أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٢/١١) أول الاستئذان، ومسلم (٢٨٤١) في الجنة : باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير وأحمد: (٣١٥/٢)، وابن خُزيمة في («التوحيد)) (٣٩ - ٤٠) من طريق مُعمّر عن همّام بن مُنبه، عن أبي هُريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خَلَقَ اللهُ آدَمَ على صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعاً ، فَلَمَّا خَلَقَهِ ، قالَ: اذْهَبْ، فَسَلِّمْ على أُولَئِكَ - نَفَرٌ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٌ - فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ، فإنَّهَا تَحُِّكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَتَكَ، فَقَالَ : السَّلامُ عَلِيكُمْ فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ فَزَادَهُ: ((ورَحْمَةُ اللهِ)) فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَىْ صُورَةِ آدَمَ ، فَلَمْ يَزَّلْ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حتّى الآن )) وَرَاجِعْ ما كَتَبَه الحافظُ ابنُ حَجَر عن عَوْدِ الضَميرِ في (صورته) في الفتح: (١٣٣/٥)، (٢٦٠/٦)، (٢/١١-٣). (٣) انظر السير: (ابن خزيمة) ٣٦٥/١٤ -٣٨٢، وانظر النزهة: ١/١١٦٢. ٣٠٧ وكَقُوا، وفَوَّضُوا عِلْمَ ذَلكَ إلى اللهِ ورسُولِه، ولَوْ أنَّ كُلَّ مَنْ أخْطَأَ في اجْتِهَادِه - مع صِحَّةِ إِيمانِهِ وتَوَخِّيه لاتِّبَاعِ الحَقِّ - أهْدَرْناهُ وبَدَّعْناهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ من الأئِمَّة مَعَنا رَحِمَ اللهُ الجَميعَ بِمَنِّهِ وكَرَمِه(١) . وقالَ أحمَدُ بنُ مُحمّد الخَفَّف، حَدَّثنا أبو العَبَّاسِ السَّرَّاجِ إِمْلاءً قال: مَنْ لَمْ يُقِرَّ بأنَّ اللهَ تَعالَى يَعْجَبُ، ويَضْحَكُ، ويَنْزِلُ كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيقُولُ: ((مَنْ يَسْألُنِي فَأُعْطِيهِ)) الحديث، فهُوَ زِنْدِيقٌ كَافِرٌ، يُسْتَتَابُ، فإنْ تَابَ وإلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ في مَقَابِرِ المُسلِمين . قال الذهبيُّ: لا يُكَفَّرُ إلَّ إِنْ عَلِمَ أنَّ الرسُولَ صلى الله عليه وسلم قالَه فإنْ جَحَدَ بعدَ ذَلكَ فهذا مُعانِدٌ نَسْألُ اللهَ الهُدَى، وإنْ اعْتَرَفَ أنَّ هذا حَقٌّ ، ولكنْ لا أخُوضُ في مَعَانِيه ، فقَدْ أحْسَنَ ، وإِنْ آمَنَ وأوَّلَ ذَلِكَ كُلَّه، أو تَأَوَّلَ بَعضَه، فهو طَريقَةٌ مَعْروفَة . وقد كانَ السَّرَّاجُ ذا ثَروَةٍ وتِجارَةٍ ، وبِرٍّ ومَعْروفٍ ، وله تَعَبِّدٌ وَتَهَجُّدٌ إلاَّ أنَّه كانَ مُنافِراً للفُقَهَاءِ أَصْحابِ الرَّأي، واللهُ يَغْفِرُ له(٢). وقال أبو شامة : كان ابنُ قُدامَةَ المَقْدسيّ - صاحِبُ المُغْني - إماماً عَلَماً في العِلْمِ والعَمَلِ، صَنَّفَ كُتُباً كَثيرة ، لَكِنَّ كَلامَه في العَقائِد على الطَّرِيقَة المَشْهُورَةِ عن أهْلِ مَذْهَبه، فسُبْحانَ مَنْ لَمْ يُوَضِّحْ لَه الأمْرَ فيها علىْ جَلالَتِهِ في العِلْمِ ومَعرِفَتِهِ بمَعاني الأخْبار . قال الذهبيُّ: وهو وأمْثالُه مَتَعَجِّبٌ منكُم مع عِلْمِكُم وذَكائِكُمْ كَيفَ قُلْتُم؟ !! ، وكَذا كُلُّ فِرْقةٍ تَتَعَجَّبُ من الأخْرِى ، ولا عَجَبَ في ذَلكَ ، ونَرَجُو لكُلِّ مَنْ بَذَلَ جُهْدَه فِي تَطَلُّبِ الحَقِّ أنْ يُغْفَرْ له من هَذه الأمَّة المَرْحُومَة، وانْتُقَلَ إلى رَحمَةِ اللهِ سَنَّةً عِشْرِينَ وسِتُّ مِئَةَ(٣) . (١) انظر السير: (ابن خُزيمة) ٣٦٥/١٤-٣٨٢، وانظر النزهة: ٢/١١٦٢. (٢) انظر السير: (السَّرَّاج) ٣٨٨/١٤-٣٩٨، وانظر النزهة: ٣/١١٦٤. (٣) انظر السير: (ابن قدامة المقدسيّ) ١٦٥/٢٢ -١٧٣، وانظر النزهة: ٤/١٦٨٢. ٣٠٨ ٨- النَّدَمُ على التَّعمُّق في عِلم الكَلام : قال الإمامُ الذهبيُّ: وقَرَأْتُ بخَطِّ جَعْفَرٍ : سَمعتُ أبا المَعَالي يقُولُ: قَرأْتُ خَمسينَ ألفاً في خمسين ألفاً ، ثُمّ خَلَّيْتُ أهْلَ الإسْلامِ بإِسْلامِهِم فيها وعُلُومِهِمِ الظَّاهِرَة ، ورَكِبتُ البَحرَ الخِضَمَّ ، وغُصْتُ في الذي نَهَىَ أهلُ الإسْلامِ ، كُلُّ ذلكَ في طَلَبِ الحَقِّ ، وكُنْتُ أَهْرُبُ في سَالِفِ الدَّهْرِ من التَّقْلِيدِ ، والآنَ فَقَدْ رَجَعتُ إلىْ كَلِمَةِ الحَقِّ ، عَليكُم بدِینِ العَجَائِزِ ، فإِنْ لَمْ يُدْرِكْنِي الحَقُّ بلَطِيفِ بِرِّهِ، فَأَمُوتُ عَلَىْ دِينِ العَجَائِزِ ، ويَخْتِمُ عَاقِبَةَ أمْري عند الرَّحيلِ علىُ كَلمَةِ الإِخْلاصِ: لا إلَهَ إلاَّ الله، فالوَيْلُ لابنِ الجُوَيْنِيّ(١). وقالَ الفَقِيهُ غانِمُ المُوشِيليّ: سَمعتُ الإمَامَ أبا المَعَالِيِ يقُولُ : لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرتُ ما اشْتَغلتُ بالكَلامِ . قال أبو المَعَالي في كِتابِ ((الرِّسَالَةَ النِّظاميّة)): اخْتَلَفَتْ مَسَالكُ العُلماءِ فِي الظَّواهِر التي وَرَدَتْ في الكِتابِ والسُّنَّة، وامْتَنَعَ علىُ أهْلِ الحَقِّ فَحْواهَا، فرَأىُ بَعضُهُم تَأْوِيلَهَا ، والْتَزَمَ ذلكَ في القُرآنِ وما يَصِحُّ من السُّنَنِ ، وذَهَبَ أئِمَّةُ السَّلَّفِ إلى الانْكِفَافِ عن التَّأْوِيلِ وإجْراءِ الظَّاهِر علىُ مَوَارِدِها، وتَفْويضِ مَعَانيها إلى الرَّبِّ تَعَالَى ، والذي نَرْتَضِيه رَأياً ، ونَدينُ اللهَبَه عَقْداً اتِّبَاعُ سَلَّفِ الأمّةِ ، فالأَوْلَى الاتِّبَاعِ(٢) . قد اعْتَرَفَ فَخْرُ الدِّينِ مُحمّدُ بنُ عُمَرَ القُرَشيّ في آخِرِ عُمْرِه حَيثُ يَقولُ : لقد تَأَمَّلْتُ الُرُقَ الكَلامِيّة والمَنَاهِجَ الفَلْسَفيّة فما رَأيْتُها تُشْفِي عَليلاً ولا تَزْوي غَليلاً ، ورَأيتُ أقْرَبَ الطُرُقِ طَرِيقَةُ القُرآنِ، أقْرأُ فِي الإِثْبَاتِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾(٣)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ﴾(٤)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾(٥) ومَنْ جَرَّبَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مثلَ مَعْرِفَتَي(٦) . (١) انظر السير: (إمام الحرمين) ٤٦٨/١٨ -٤٧٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٣٢. (٢) انظر السير: (إمام الحرمين) ٤٦٨/١٨ -٤٧٧، وانظر النزهة: ٣/١٤٣٣ . (٣) سورة طه ، الاية : ٥ . (٤) سورة فاطر، الآية : ١٠ . (٥) سورة الشورى ، الآية : ١١ . (٦) انظر السير: (فخر الدين) ٥٠٠/٢١-٥٠١، وانظر النزهة: ٣/١٦٥٥. ٣٠٩ ٩ - البُعدُ عن التَّوَسُّع في الألفاظِ العَقَدّة المُوهِمة : قالَ أَبُو بَكْرِ المَرْوِذِيّ: ذَكَرَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل هِشَامَ بنَ عَمّارِ ، فقال: طَيّاشٌ خَفيف (١) . قالَ الذهبيُّ : أمَّا قَولُ الإمامِ أحمد عن هِشَامِ بنِ عَمّارِ أنَّه طيّاش، فلأنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّه قالَ في خُطْبَتِهِ: ((الحَمْدُ للهِ الذي تَجَلّىْ لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ))، فَهَذِ الكَلِمَة لا يَنْبَغِي إِطْلاقُها ، وإنْ كانَ لها مَعْنَى صَحيح ، لكنْ يَحْتَجُ بها الحُلُولِيُّ والاتِّحادِيُّ وما بَلَغَنَا أنَّه سُبْحانَهَ وتَعالَى تَجَلَّى لشَيءٍ إلاَّ بجَبَلِ الطُّورِ، فصَيَّرَهُ دَكَّاً وفي تَجَلِّيهِ لنَبيِّنا صلى الله عليه وسلم اختلافٌ أنْكَرَتَهُ عَائِشَةُ وَأَثْبَتَهُ ابنُ عَبَّاس(٢) . وقالَ الإمامُ الذهبِيُّ: وذَكَرَ أَبُو المُظَفَّر الواعِظُ في (( مِرْآَةِ الزَّمانِ)) قال : كان الحافِظُ عبدُ الغَنِيّ يَقْرأُ الحَديثَ بعدَ الجُمُعَةِ ، قال : فاجْتَمَعَ القاضي مُحْيِي الدّين ، والخَطيبُ ضِياءُ الدّين، وجَمَاعَةٌ، فصَعَدُوا إلى القَلْعَةِ، وقالُوا لِوَالِيها: هَذا قَدْ أضَلَّ النَّاسَ، ويَقُولُ بالتَّشْبِيهِ، فَعَقَدُوا له مَجْلِساً ، فَنَاظَرَهُمْ، فَأَخَذُوا عَلَيْهِ مَوَاضِعَ مِنْها : قَولُه: ( لا أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهاً يَنْفِي حَقيقَةَ النُّرُولِ ) ، ومِنْها : ( كَانَ اللهُ ولا مَكان ، ولَيْسَ هُوَ اليَومَ على ما كان ) ، ومِنْها : مَسْألَةُ الحَرْفِ والصَّوْتِ، فقَالُوا : إذا لَمْ يَكُنْ علىُ ما كانَ فقَدْ أثْبَتَّ له المَكانَ ، وإذا لَمْ تُتَزِّهْهُ عن حَقيقَةِ النُّولِ فَقَدْ جَوَّزْتَ عليه الانْتِقَالَ، وأمَّا الحَرْفُ والصَّوتُ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ إمَامِكَ ، وإنَّما قالَ: إِنَّهُ كَلامُ اللهِ، يَعْنِي غَيْرَ مَخْلُوقٍ ، وارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، فقالَ وَالِي القَلْعَة الصَّارِمُ برغش: كُلُّ هَؤلاءِ علىْ ضَلالَةٍ وأنْتَ على الحَقِّ !! ؟ قال: نَعَم فَأَمَرَ بِكَسْرِ مِنْبَرِهِ . قالَ : وخَرَجَ الحافِظُ إلى بَعْلَبَكَّ، ثمّ سَافَرَ إلى مِصْرَ إلى أنْ قالَ: فأقْتَى فُقَهَاءُ مِصْرَ بإباحَةِ دَمِهِ ، وقالُوا: يُفْسِدُ عَقَائِدَ النَّاسِ، ويَذْكُرُ الَّجْسيمَ ، فَكَتَبَ الوَزيرُ بنَفْسِهِ إلى المَغْرِبِ ، فمَاتَ الحافِظُ قَبْلَ وُصُولِ الكِتَابَ(٣). (١) انظر السير: (هشام بن عمار) ٤٢٠/١١ -٤٣٥، وانظر النزهة : ١/٩٥٧. (٢) انظر السير: (هشام بن عمار) ١١/ ٤٢٠ -٤٣٥، وانظر النزهة: ٥/٩٥٧ . (٣) انظر السير: (عبد الغني) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٦٤٩. ٣١٠ وذَكَرَ أَبُو المُظَفَّرِ الواعِظُ في (( مِرْآَةِ الزَّمانِ )) : وفي ذِي القِعْدَة سَنةَ سِتٍّ وتِسْعينَ وخَمسٍ مِئَة كان ما اشْتُهِرَ من أمْرِ الحافظِ عبد الغنيّ وإِصْرارُه على ما ظَهَرَ من اعْتِقَادِهِ وإجْمَاعُ الفُقَهَاءِ على الفُتْيَا بِتَكْفِيرِهِ ، وأَنَّ مُبْتَدِعٌ لا يَجُوزُ أنْ يُتْرَكَ بينَ المُسلمينَ ، فَسَألَ أنْ يُمْهَلَ ثلاثَةَ أيّامٍ لَيَنْفَصِلَ عن البَلَدِ فَأُجِيبٍ(١) . قال الذهبيُّ: قد بَلَوْتُ على أبي المُظَفَّرِ المُجازَفَةَ وقِلَّةَ الوَرَع فيما يُؤرِّخُه واللهُ المُوعِدُ ، وكان يَتَرَفَّضُ، رأيتُ له مُصَنَّفاً في ذلكَ فيه دَواهٍ ، ولَوْ أَجَّمَعَتِ الفُقَهاءُ على تَكْفِيرِه كما زَعَمَ لمَا وَسِعَهُمْ إِنْقَاؤُهُ حيّاً، فَقَد كان علىْ مَقَالَتِهِ بدِمَشْقَ أخُوهُ الشَّيخُ العِمَادُ والشَّيخُ مُوَفَّقُ الدّين، وأخُوهُ القُدوَةُ الشَّيخُ أبُو عُمَرَ، والعَلَّمَة شَمسُ الدّين البُخاريّ ، وسائِرُ الحَنابلَة، وعِدّةٌ من أهْلِ الأثَر، وكان بالبَلَدِ أيضاً خَلْقٌ من العُلَمَاءِ لا يُكَفِّرُونَه ، نَعَمْ ولا يُصَرِّحُون بمَا أطْلَقَهُ من العِبَارَةِ لمَّا ضايَقُوهُ، ولَوْ كَفَّ عن تِلكَ العِبَاراتِ ، وقال بمَا وَرَدَتْ به النُّصُوصُ لأَجَادَ ولَسَلِمَ، فَهُو الأوْلَىُ، فما في تَوْسِيعِ العِباراتِ المُوهِمَةِ خَيرٌ ، وأسْوأُ شَيءٍ قالَه أنْ ضَلَّلَ العُلَماءَ الحاضِرين ، وأنَّه على الحَقِّ ، فقَالَ كَلمَةً فيها شَرٍّ وفَسادٌ وإثارَةٌ للبَلاءِ، رَحِمَ اللهُ الجَميعَ وغَفَرَ لهُم ، فمَا قَصْدُهُم إلاَّ تَعْظِيمُ البَارِي عَزَّ وجَلَّ من الطَّرَفَيْنِ ، ولكنَّ الأكْمَلَ في التَّعْظِيمِ والتَّنْزِيه الوُقُوفُ معَ ألْفاظِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ، وهَذا هو مَذْهَبُ السَّلَفِ رَضي اللهُ عنهم . وبكُلِّ حالٍ فالحَافِظُ عبدُ الغَنِيّ من أهْلِ الدّينِ والعِلْمِ والتَّلُّهِ والصَّدْعِ بِالحَقِّ ، ومَحَاسِنُهُ كَثيرةٌ ، فَنَعُوذُ باللهِ من الهَوَى والمِراءِ والعَصَبيّةِ والافْتِراءِ، ونَبْرَأُ من كُلِّ مُجَسِّمٍ ومُعَطِّلٍ(٢). ١٠ - البُعْدُ عن الفِتن الناشِئَة عن فُضُولِ الكَلام في أصُولِ الدّين وفُروعِه : قالَ الذهبيُّ : يَنْبَغِي للمُسْلمِ أنْ يَسْتعيذَ من الفِتَنِ ، ولا يَشْغَبَ بذِكرٍ غَريبٍ المَذاهِبِ لا في الأصُولِ ولا في الفُروع ، فما رأيتُ الحَرَكَةَ في ذلكَ تُحَصِّلُ خَيراً ، بل (١) انظر السير: (عبد الغنيّ) ٤٤٣/٢١ -٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٦٥٠. (٢) انظر السير: (عبد الغنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٦٥٠. ٣١١ تُثِيرُ شَراً وعَداوَةً ومَقْتاً للصُّلَحاءِ والعُبَّادِ من الفَرِيقَيْنِ فَتَمَسَّكْ بالسُّنَّةِ ، والْزَمِ الصَّمْتَ ، ولا تَخُضْ فيما لا يَعْنِيكَ، وما أُشْكِلَ عَلَيْكَ فرُدَّهُ إلى الله ورسُولِه ، وقِفْ ، وقُلْ : اللّهُ ورسُولُهُ أَعْلَمْ(١) . ١١ - البُعدُ عن التَّكلُّف في مَسائل مثل: أمُؤْمنُ أنتَ حَقاً !! ؟ : عن أبي إسْحاقَ الفَزَارِيّ ، قال الأوْزاعيُّ في الرَّجُلِ يَسْألُ : أمُؤْ منُ أنْتَ حَقاً ؟ قالَ : إِنَّ المَسْألَةَ عنِ ذَلكَ بدْعَةٌ ، والشَّهادَةُ عليه تَعَمُّقٌ لَمْ نُكَلَّفْهُ في دينِنا ، ولَمْ يَشْرَعْهُ نَبِنا ، القَولُ فيه جَدَلٌ ، والمُنازَعَةُ فيه حَدَثٌ ، وذَكَرَ فَضْلاً نافِعاً(٢) . ١٢ - مَسائلُ عَقَديّة : وقال المُبرِّدُ : عن أبي عُثمانَ المَازِنِيّ قال: سُئلَ عليُّ بن مُوسَى الرِّضَا: أَيُّكَلِّفُ اللهُ العِبَادَ ما لا يُطِيقُونَ؟ قال: هُوَ أَعْدَلُ من ذَلكَ، قِيلَ: فَيَسْتَطِيعُونَ أنْ يَفْعَلُوا ما يُرِيدُونَ؟ قال: هُمْ أعْجَزُ من ذلكَ(٣). سُئلَ أبو القاسِمِ التَيْمِيُّ رحمه الله: هَلْ يَجوزُ أنْ يُقالَ: للهِ حَدٍّ أوْ لا ؟ وهَلْ جَرَىَ هذا الخِلافُ فِي السَّلَفِ ؟ فأجابَ: هذه مَسْألةٌ أسْتَعْفي من الجَوابِ عَنْهَا لِغُمُوضِها ، وقِلَة وُقوفي على غَرَضِ السَّائل منها لكنِّي أُشِيرُ إلى بَعضٍ ما بَلَغَني، تَكلَّمَ أهلُ الحَقائقِ في تَفْسيرِ الحَدِّ بعباراتٍ مُخْتِلِفَة مَحْصُولُها أنَّ حَدَّ كُلِّ شَيءٍ مَوْضِعُ بَيْنُونَتِهِ عن غَيْرِهِ ، فإنْ كانَ غَرَضُ القَائِلِ: لَيْسَ للهِ حَدٌّ : لا يُحيطُ عِلمُ الحَقائقِ به ، فهُو مُصيبٌ ، وإنْ كانَ غَرَضُه بذلك: لا يُحيطُ عِلمُهُ تَعالَى بِنَفْسِهِ فهُو ضَالٌّ، أَوْ كَانَ غَرَضُه أنَّ اللهَ بذاتِه في كُلِّ مَكانٍ فهُو أيضاً ضالٌّ (٤) . قال الذهبيُّ : الصَّوابُ الكَفتُّ عن إْلاقِ ذلكَ، إذْلَمْ يَأْتِ فيه نَصٌّ ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّ (١) انظر السير: (ابن المعتمد) ١٣٩/٢٠ -١٤٢، وانظر النزهة: ٣/١٥٣٨. (٢) انظر السير: (أبو إسحاق الفزاريّ) ٥٣٩/٨-٥٤٣، وانظر النزهة: ٢/٧٩١. (٣) انظر السير: (علي الرّضى) ٩/ ٣٨٧ -٣٩٣، وانظر النزهة: ١/٨٣٢. (٤) انظر السير: (التيميّ) ٨٠/٢٠- ٨٨، وانظر النزهة: ١/١٥٣٣. ٣١٢ المَعْنَى صَحِيحٌ ، فَلَيْسَ لنا أنْ نَتَفَوَّهَ بشيءٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ خَوْفاً من أنْ يَدخُلَ القَلبَ شيءٌ من البِدْعَةِ ، اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا إِيْمانَنَا (١). ١٣ - دلائلُ عَقليّة علىُ مَسائل عَقَديّة : قال رُسْتَه : سَمعتُ ابنَ مَهْدي يَقولُ لِفَتَىّ من وَلَدِ الأميرِ جَعْفَرِ ابنِ سُليمان : بَلَغَني أنَّكَ تَتَكلَّمُ فِي الرَّبِّ، وتَصِفُهُ وتُشَبَّهُه قالَ: نَعَمْ، نَظَرْنا، فَلَمْ نَرَ مِنْ خَلْقِ الله شَيئاً أحْسَنَ من الإنْسانِ، فأخَذَ يَتَكلَّمُ في الصِّفَةِ ، والقامَةِ فقالَ له: رُوَيْدَك يا بُنَيّ حتّى نَتَكلَّمَ أولَ شَيءٍ في المَخْلوقِ ، فإِنْ عَجَزْنا عنه ، فَنَحنُ عن الخَالِقِ أعْجَزُ ، أخْبِرْني عمَّا حَذَّثني شُعبَة، عن الشَّيْانيّ، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْر، عن عبد اللهِ: ﴿لَقَدْ رَأَ مِنْ ءَ ايَّتِ رَيِّهِ الْكُبْرَ﴾(٢)، قالَ: رَأَىْ جِبْرِيلَ لَه سِتُّ مِئَةٍ جَنَاحِ، فَبَقِيَ الغُلامُ يَنْظُرُ فقالَ : أنا أُهَوِّنُ عَليكَ صِفْ لِي خَلْقاً له ثَلاثةُ أجْنِحَةٍ ، ورَكِّبِ الجَناحَ الثالثَ مِنْهِ مَوْضِعاً حتّى أعْلم قالَ : يا أبا سَعيد، عَجَزْنا عن صِفَةِ المَخْلوقِ ، فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قد عَجَزْتُ ورَجَعْتُ(٣) . وقال أبُو يَحْيَى زَكريا السَّاحِيُّ، حَدَّثنا المُزَنِيُّ ، قَالَ : قُلتُ إنْ كانَ أحَدٌ يُخْرِجُ ما في ضَميري ، وما تَعَلَّقَ به خاطِرِي من أمْرِ الثَّوحيدِ فالشَّافِعِيُّ ، فصِرْتُ إليه ، وهو في مَسْجِدٍ مِصْرَ ، فلمَّا جَثَوْتُ بِينَ يَدِيْهِ ، قُلتُ: هَجَسَ في ضَميري مَسْألَةٌ في التَّوحيدِ فعَلِمتُ أنَّ أحَداً لا يَعلَمُ عِلمَكَ، فما الذي عِندَكَ ؟ فَغَضِبَ ، ثمّ قال: أتَدْري أينَ أنْتَ ؟ قُلتُ : نَعَمْ ، قال : هذا المَوْضِعُ الذي أغْرَقَ اللهُ فيه فِرْعَونَ . أبَلَغَكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بالسُّؤالِ عن ذَلكَ ؟ قُلتُ: لا ، قَالَ : هَلْ تَكَلَّمَ فيه الصَّحابَةُ؟ قُلتُ : لا ، قالَ : تَدْرِي كَمْ نَجْماً في السَّماءِ ؟ قُلْتُ : لا ، قالَ: فَكَوْكَبٌ منها : تَعرِفُ حِنْسَه، طُلُوعَه، أُقُولَه، مِمَّ خُلِقَ ؟ قُلتُ: لا، قالَ: فَشَيءٌ تَراهُ بِعَيْنِكَ من الخَلْقِ لَسْتَ تَعْرِفُهُ ، تَتَكَلَّمُ في عِلْمِ خالِقِه؟ !! ، ثُمَّ سَألَني (١) انظر السير: (التيميّ) ٨٠/٢٠-٨٨، وانظر النزهة: ٢/١٥٣٣. (٢) سورة النجم ، الآية : ١٨. (٣) انظر السير: (عبد الرحمن بن مهدي) ٩/ ١٩٢ -٢٠٩، وانظر النزهة : ٤/٨١٧. ٣١٣ عن مَسْأَلَةٍ فِي الوُضُوءِ ، فَأَخْطَأْتُ فيها، فَفَرَّعَها علىْ أَرْبَعَةِ أوْجُهٍ ، فَلَمْ أُصِبْ فِي شَيءٍ منه ، فقالَ : شَيءٌ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ في اليَومِ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، تَدَعُ عِلْمَه، وتَتَكَلَّفُ عِلمَ الخَالِقِ، إذا هَجَسَ في ضَميرِكَ ذلكَ، فَارْجِعْ إلى اللهِ، وإلىْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية(١) فاسْتَدِلَّ بالمَخْلُوقِ على الخَالِقِ ، ولا تَتَكَلَّفْ عِلمَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ عَقْلُكَ ، قالَ: فَتُبْتُ (٢). وقالَ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: سَمعتُ أبا بَكْر بنَ فُورك يَقولُ : سُئلَ الأسْتاذُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلوكيّ عن جَوازِ رُؤْيَةِ الله بالعَقْلِ ، فقالَ: الدَّليلُ عَليه شَوْقُ المُؤمِنِينَ إلى لِقائِه ، والشَّوْقُ إرادَةٌ مُفْرِطَةٌ ، والإرادَةُ لا تَتَعَلَّقُ بمُحالٍ(٣) . وقالَ الضِّياءُ سَمعتُ الحَافِظَ الْيُونينيّ يقولُ: لمَّا كُنتُ أسْمَعُ شَناعَةَ الخَلقِ على الحَنابِلَة بالتَّشْبِيهِ عَزَمْتُ علىَ سُؤالِ الشَّيخ المُوَفَّق - ابنَ قُدامَة - وبقيتُ أشْهُراً أريدُ أنْ أسْألَه، فصَعَدتُ مَعَه الجَبَلَ، فلمَّا كُنَّا عندَ دَارِ ابنِ مُحارِب قُلتُ : يَا سَيِّدي ، وما نَطَقْتُ بأكْثَرَ مِنْ سَيِّدي ، فقالَ لي: التَّشْبِيهُ مُسْتَحيلٌ فقُلتُ : لِمَ ؟ قالَ : لأنَّ مِنْ شَرْطِ الثَّشْبِيهِ أنْ نَرَى الشَيءَ، ثمّ نُشَبَّهُه، مَنِ الذي رَأى اللهَ ثمّ شَبَّهَه لنَا؟ !! ، وذَكَرَ الضِّياءُ حِكاياتٍ في كَرَامَاته (٤) . ١٤ - مُناظَرات: قالَ الْيَزِيدُّ وَآخَرُ : تَكلَّمَ عَمرُو بنُ عُبَيَد في الوَعيدِ سَنةً ، فقالَ أبو عَمرِو بنُ العَلاء : إنَّكَ لألْكَنُ الفَهمِ ، إِذْ صَيَّرَتَ الوَعيدَ الذي في أعْظِمٍ شَيءٍ مِثْلَهُ في أصْغَرِ شَيءٍ، فاعْلَمْ أنَّ النَّهيَ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ ليْسا سَواء وإنَّما نَهَى اللهُ عَنْهُمَا لِتَتِمَّ حُجَتُه على خَلِقِه ، ولِئلا يَعْدِلَ عنْ أمْرِه ووَرَاءَ وَعيدِه عَفْوُهُ وكَرَمُه ثمَّ أَنْشَدَ : سورة البقرة، الآيتان : ١٦٣، ١٦٤ . (١) انظر السير: (الإمام الشافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٤٧. (٢) انظر السير: ( الصُّعلوكيّ) ٢٣٥/١٦-٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٢٩١. (٣) انظر السير: ( ابن قدامة) ١٦٥/٢٢ -١٧٣، وانظر النزهة: ٣/١٦٨٢. (٤) ٣١٤ ولا أخْتِي(١) مِنْ صَوْلَةِ المُتَهَدِّدِ ولا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ ما عِشْتُ صَوْلَتِي لَمُخْلِفُ إنْعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي وإِنِّي وإنْ أَوْعَدْتُهُ وَوَعَدْتُهُ فقالَ عَمرُو بنُ عُبَيْد: صَدَقتَ إنَّ العَربَ تَتَمنَّحُ بالوَفاءِ بالوَعِدِ والوَعيدِ ، وقد يُمْتَدَحُ بهما المَرءُ ، تَسَمَّعْ إلى قَولِهِم : لا يُخْلِفُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ولا يَبِيتُ مِنْ ثَأْرِهِ عَلىَ فَوْتِ فقَدْ وافَقَ هذا قَولَه تَعالَى: ﴿وَنَادَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَارَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدَّثُم ◌َّا وَعَدَرَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْنَعَرَّ﴾ الآية (٢). قالَ أبُو عَمرٍو : قَد وافَقَ الأوّلُ أخبارَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم والحَديثُ يُفَسِّرُ القُرآنَ(٣). وقالَ أبُو عليّ التَّنُوخِيّ: حَدَّثنا أبُو الحَسَنِ بنُ الأَزْرَق ، قال: كُنتُ بِحَضْرةِ الإمامِ أبي عبدِ الله بنِ الذَّاعي، فسَأَلَه أبُو الحَسَن المُعْتَزِلِيُّ عَمَّا يقُولُه في طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ ، فقالَ : أعْتَقِدُ أنَّهُما مِنْ أهْلِ الجَنَّة ، قال : ما الحُجَّة ؟ قالَ : قد رُويَتْ تَوبَتُهما، والذي هو عُمدَتي أنَّ اللهَ بَشَّرَهما بالجَنَّةِ ، قالَ : فمَا تُنْكرُ على مَنْ زَعَمَ أنَّه عليه السلام قالَ: إنَّهُما مِنْ أهلِ الجَنَّة ومَقالَتُه: فَلَوْ مَاتَا لَكَانَا فِي الجَنَّةِ ، فلمَّا أحْدَثا زَالَ ذَلِكَ ، قالَ : هَذا لا يَلْزَمُ، وذلكَ أنَّ نَقَلَ المُسلمينَ أنَّ بِشارَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبَقَتْ لهُما فوَجَبَ أنْ تَكونَ مُوافَاتُهُما القِيامَة على عَمَلِ يُوجِبُ لهُما الجَنَّةَ وإلاَّ لَمْ يَكُنْ ذلكَ بِشَارَةٌ ، فدعا له المُعْتَزِلِيُّ واسْتَحْسَنَ ذلكَ، ثمّ قالَ: ومُحالٌ أنْ يُعْتَقَدَ هَذا فِيهِمَا، ولا يُعْتَقَدُ مِثْلُهُ في أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، إذْ البِشَارَةُ للعَشْرَةِ(٤). وفي ((فُنُون )) ابنِ عَقيل : قالَ عَميدُ المُلْكِ : قَدِمَ أبُو المَعَالي فَكَلَّمَ أبا القَاسِمِ بنَ (١) ولا أختتي : أي لا أستتر خوفاً . (٢) سورة الأعراف ، الآية : ٤٤. (٣) انظر السير: (أبو عمرو بن العَلاء) ٤٠٧/٦-٤١٠، وانظر النزهة: ١/٦٦٦. (٤) انظر السير: ( ابن الداعي) ١١٤/١٦-١١٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٧١. ٣١٥ برهان في العِبادِ ، هَلْ لهُم أفْعالٌ ؟ ، فقَالَ أَبُو المَعَالي: إنْ وَجدتَ آيةً تَقْتَضي ذا فالحُجَّةُ لَكَ ، فَتَلا: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾(١) ، ومَذَّ بها صَوتَه، وكَزَّرَ ﴿هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾، وقَوْلَه: ﴿لَوِ أَسْتَطَعْنَا لَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾(٢)، أيْ كانُوا مُسْتطيعين فأخَذَ أبُو المَعَالي يَسْتروحُ إلى التَّأْوِيلِ، فقالَ: والله إنَّكَ باردٌ تَتَأوَّلُ صَرِيحَ كَلامِ الله لِتُصَحِّحَ بِتَأويلِكَ كَلامَ الأشْعَرِيِّ وأكَلَّهُ ابنُ بُرْهان بالحُجَّةِ ، فَبُهِتَ . دَرَّسَ بِنِظامِيَّة نيسَابُور، واسْتَقَامَ الأمْرُ ، وبَقِيَ على ذَلكَ ثلاثينَ سَنةً غَيرَ مُزاحَمٍ ولا مُدافَعٍ، مُسلَّماً له المِحْرابُ والمِنْبَرُ والخُطبَةُ والتَّدريسُ ومَجْلسُ الوَعْظِ يومَ الجُمُعة، وظَهَرتْ تَصانيفُهُ وحَضَرَ دَرسَه الأكابرُ والجَمْعُ العَظيمُ من الطَّلَبَة، كان يَقعُدُ بِينَ يَدَيْهِ نَحوٌ من ثلاثٍ مِثَة وتَفَقََّ به أئِمَّةٌ (٣) . ١٥ - أبْياتٌ شِعْريّة : قالَ أبُو عَمَرٌو الدَّاني في أرْجوزَته السائرة : وشَاعَ في النَّاسِ قَديماً وانْتُشَر ومِنْ صَحيحِ ما أَتَى به الخَبَر في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ سُبْحانَهُ مِنْ قَادِرٍ لَطيفٍ وأنَّنا نَراهُ بالأبْصَارِ كَرُؤْيَةِ البَدْرِ بِلَا غَمَامِ وفِتْنَةِ المُنْكَرِ والنَّكِيرِ لِوَاضِحِ السُّنَّةِ واجْتَبَانَا نُزُولُ رَبِّنا بِلا امْتِرَاءِ مِنْ غَيْرِ ما حَدٍّ ولا تَكْبِيفِ ورُؤْيَةُ المُهَيْمِنِ الجَبَّارِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلا ازْدِحامِ وضَغْطَةُ القَبْرِ عَلَى المَقْبُورِ فالحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانَا وَهِيَ أُرْجُوزَةٌ طَويلةٌ جِداً (٤). سورة المؤمنون ، الآية : ٦٣ . (١) (٢) سورة التوبة ، الآية : ٤٢ . انظر السير: ( إمام الحرمين ) ١٨ / ٤٦٨ -٤٧٧، وانظر النزهة : ١/١٤٣٢. (٣) (٤) انظر السير: ( أبو عمرو الداني) ١٨/ ٨٨-٨٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٨٧. ٣١٦ قالَ المُرسيُّ : (١) مَنْ كَانَ يَرْغَبُ في النَّجَاةِ فمَا لَهُ ذَاكَ السَّبِيلُ المُسْتَقِيمُ وغَيْرُهُ فاتْبَعْ كِتَابَ اللهِ والسُّنَنَ التِي وَدَعِ السُّؤالَ بِلِمْ وَكَيْفَ فَإِنَّهُ الدِّينُ مَا قَالَ الرَّسُولُ وصَحْبُهُ غَيرَ اتُبَاعِ المُصْطَفَىُ فِيمَا أَتَى سُبُلُ الضَّلَالَةِ والغِوَايَةِ والرَّدَى صَحَّتْ فَذَاكَ إنْ تَبَعْتَ هُو الهُدىَ بَابٌ يَجُرُ ذَوِي الْبَصِيرَةِ لِلْعَمَى والتَّابِعُونَ ومَنْ مَنَاهِجَهُمْ قَفَا ١٦ - المرتَدُّون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : قصَّةُ الأسْوَدُ العَنْسيّ : عن الضخَاك بنِ فَيروزَ الدَّيْلميّ ، عن أبيه قال: أوَّلُ رِدَّة كانت في الإسلام على عَهد رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم على يَدٍ عَبهلةَ بنِ كَعب . خرجَ بعد حَجَّة الوَداعِ ، وكان شِعْباذاً يُريهم الأعاجيبَ ، ويَسْبِي قُلُوبَ مَنْ يَستمعُ مَنْطِقَه، فوَبَ هو ومَذْحِج بنَجْرانَ إلى أنْ صارَ إلى صَنعاءَ فأخذَها ، وصَفا له مُلكُ اليمن . عن عُبيد بن صَخر قال : غَلبَ الأسْوَدُ على ما بين أعمالِ الطَّائفِ إلى البَحْرَين وغير ذلك واسْتغلَظَ أمرُه وغَلبَ على أكثر اليمن، وارْتدَّ معه خَلقٌ وعامَلَه المسلمون بالثُّقْيَة ، وأسْنَدَ أمرَ جُندِه إلىْ قَيْسِ ابنِ عبدِ يَغُوث . قال : فبَينا نحنُ كذلكَ بحَضْرَمَوْت ولا نأمَنُ أنْ يَسيرَ إلينا الأسْوَدُ ، وقد تَزَوَّجَ مُعاذٌ في الشُّكون(٢) إذ جاءَتْنا كُتُبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يأمُرُنا فيها أنْ نَبَعثَ الرِّجالَ المُجَاوَلَتِهِ ومُصاوَلَتِهِ ، فقامَ مُعاذٌ في ذلك ، فعَرفْنا القوَّةَ ووَثقْنا بالنصر . عن جشنِس بنِ الديلمي قال : قَدمَ علينا وَبَرُ بنُ يُحَنَّس بكتاب رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأمَرَنا فيه بالنُّهوضِ في أمرِ الأسْوَدِ فرَأينا أمراً كثيفاً ، ورَأينا الأسْوَدَ قد تَغيَّرَ (١) انظر السير: (المُرسيّ) ٣١٢/٢٣-٣١٨، وانظر النزهة: ٢/١٧٣٧. (٢) السُّكون : بطن من كندة . ٣١٧ لَقْيِس بنِ عبدِ يَغوث، فأخْبَرْنا قَيساً وأبلَغْناه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فكأنَّما وَقَعْنَا عليه من السَّماءِ فأجابَنا، وجاءَ وَبَرُ وكاتَبْنا النَّاسَ ودَعَوْناهم، فأخْبَرَ الأسْودَ شَيطانُهُ فأرسَلَ إلى قَيسٍٍ فقالَ : ما يَقولُ المَلَكُ ؟ يَقولُ : عَمدتُ إلىْ قَيْسٍ فَأكْرَمتَه ، حتى إذا دَخَلَ منك كُلَّ مَدخَل مالَ مَيْلَ عَدوك ، فحَلفَ له وتَنصَّل ، فقال : أَتُكَذِّبُ المَلَك ؟ قد صَدق وعَرفْتُ أنَّكَ تائبٌ ، قال: فأتانا قَيَسٌ وأخْبَرَنا فقُلنا : نحنُ على حَذر، وأرسلَ إلينا الأسْودُ: أَمْ أُشَرِّفْكُم على قَومِكم ، ألَمْ يَبلغْنِي عَنكم ؟ فقُلنا : أَقِلْنَا مَرَّتَنا هذه ، فقالَ : فلا يَبْلُغني عَنكُمْ فأقْتُلُكُم ، فَنَجَونا ولَمْ نَكَد ، وهو في ارْتیاب من أمْرِنا . قال : فدخَلتُ على امرأتِهِ آذادَ فقُلتُ : يا ابنةَ عَمِّ ، قد عَرفتِ بلاءَ هذا الرجل ، وقَتلَ زَوجك وقَومك وفَضح النِّساء ، فهل من مُمالأَةٍ عليه؟ قالت : ما خَلقَ اللهُ أبغَضَ إليَّ منه ، ما يقومُ علىُ حقِّ ولا يَنْتَهي عن حُرمَة . ثم قالت : هو مُتحرِّزٌ، والحَرسُ يُحيطُونَ بالقَصْرِ سِوى هذا الباب فانْقُبوا عليه ، وهيَّأْت لنا سِراجاً ، وخَرجتُ فتَلقَّاني الأسْودُ خارجاً من القَصرِ فقال: ما أدْخَلَك ؟ ووَجَأ رأسي فسَقطتُ ، فصاحَت المرأةُ وقالت: ابنُ عمِّي زارَني ، فقال: اسْكُتي لا أبا لك لقد وَهبتُه لك، فأتَيَتُ أصْحابي وقلتُ: النَّجاءَ، وأخْبرتُهم الخَبرَ ، فأنا على ذلك إذْ جاءَي رسُولُها : لا تَدَعنَّ ما فارَقتُك عليه، فقُلنا لفَيروزَ : اثْتِها وأتْقِنْ أمرَنا، وجِئْنا باللَّلِ ودَخَلنا ، فإذا سِراجٌ تحتَ جَفْنة ، فَاتَّقَيْنا بِفَيروزَ ، وكانَ أنْجَدَنا ، فلمَّا دَنا من البَيتِ سَمعَ غَطيطاً شديداً ، وإذا المَرأةُ جالسَةٌ فلمَّا قامَ فَيروزُ على البابِ أجْلَسَ الأسْودَ شَيطانُه وكلَّمَه فقال أيضاً : فما لي ولكَ يا فَيَروز ، فخَشي إنْ رَجَعَ أنْ يَهلك هو والمَرأةُ ، فعاجَلَه وخالَطَه وهو مثلُ الجَمَل ، فأخذَ برأسِه فدقَّ عُنقَه وقَتَلَه ، ثم قامَ ليَخرُج فأخَذَت المرأةُ ثوبَه تناشِدُه ، فقال أُخْبرُ أصْحابي بقَتلِهِ ، فأتانا فقُمنا معه، فأرَدْنا حَزَّ رأسِه فحَرَّكَه الشَّيطانُ واضْطَربَ ، فلَم يَضبِطْه فقال : اجلِسوا على صَدرِه، فجلسَ اثْنان وأخذَت المرأةُ بشَعرِهِ، وسَمعنا بَربرةً(١) فألْجَمَته (١) بربرةً : صِياحاً . ٣١٨ بِمَلَاءَةٍ(١)، وأمرَّ الشَّفرَةَ على حَلقِه، فخارَ كأشدِّ خُوار ثَورِ ، فابْتَدرَ الحَرسُ البابَ : ما هذا ما هذا ؟ قالت: النبيُّ يُوحَى إليه، قال: وسَمرنا لَيلتَنا كيف نُخبرُ أشْيَاعَنا ، فأجْمَعنا على النداء بشِعارِنا ثمَّ بالأذان ، فلمَّا طلعَ الفَجرُ نادى داذويه بالشِّعارِ ، فَفَزِعَ المسلمونَ والكافرونَ ، واجتمَع الحَرسُ فأحاطوا بنا ، ثم نادَيتُ بالأذان ، وتوافَت خُيولُهم إلى الحَرسِ فنادَيْتُهم : أشْهدُ أنَّ مُحمَّداً رسُولُ الله، وأنَّ عبهَلَ كذَّاب ، وألقَينا إليهم الرَّأسَ، وأقامَ وبرٌّ الصَّلاةَ، وشَنَّها القومُ غارةً ، ونادينا: يا أهلَ صَنعاءَ مَنْ دَخلَ عَليه داخلٌ فَتَعلَّقُوا به ، فكَثُرَ النَّهبُ والسَّبيُ ، وخَلُصَت صَنعاء والجَنَد ، وأعزَّ اللهُ الإسْلامَ، وتَنَافَسنا الإمارةَ، وتراجَعَ أصحابُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فاصْطَلْنا على معاذ بنِ جَبل ، فكان يُصلِّي بنا ، وكَتبنا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم الخَبرَ فقدِمَت رسُلنا وقد قُبضَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم صَبیحتَئذٍ فأجابَنا أبو بَكْر عنه(٢) . خَبَرَ الرِّدَّة : لَمَّا اشتهرت وفاةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالنَّواحي، ارْتدَّت طوائفُ كثيرةٌ من العرب عن الإسلام ومَنعوا الزكاة ، فنَهضَ أبو بَكْر الصِّديق رضي الله عنه لِقِتالِهم ، فأشارَ عليه عُمرُ وغيرُه أنْ يَفْتُرَ عن قِتالِهِم فقال : والله لَوْ مَنَعُوني عِقالاً أو عَناقاً(٣) كانوا يُؤدُّونَها إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم على مَنْعِها، فقالَ عُمرُ: كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وقد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولوا: لا إلَهَ إلاَّ اللهَ وأنَّ مُحمَّداً رسُولُ الله فمَنْ قالَها عَصَمَ مِنِّي مَالَه ودَمَه إلاَّ بِحَقِّها وحِسَابُهُ على الله ))، فقال أبو بكر: واللهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَينَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ ، فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ وقد قالَ: ((إلاَّ بحَقِّها ))، فقال عُمرُ: فواللهِ ما هو إلاَّ أن رَأيتُ اللهَ قد شَرحَ صَدرَ أبي بَكْر للقِتالِ ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقّ . (١) ملاءة : خِرقة. (٢) انظر السير: ( أبو بكر الصِّديق)، وانظر النزهة: ٣٣ - ٣٥/ قصة الأسْوَد العَنْسي. (٣) العَناق: الأنثى من ولد المعز . ٣١٩ عن عُرْوة وغيرِه قال : فخَرجَ أبو بَكْر في المُهاجرين والأنْصار حتى بلغَ نَفْعاً حِذاءَ نَجْد، وهَرَبَت الأعْرابُ بذَراريهِم، فكلَّمَ النَّاسُ أبا بَكْر وقالوا ارْجِعْ إلى المَدينة وإلى الدُّرَّة والنِّساءِ وأَمِّر رَجُلاً على الجَيش، ولَمْ يَزالوا به حتى رَجعَ وأَمَّرَ خالدَ بنَ الوَليد ، وقال له : إذا أسْلَموا وأَعْطوا الصَّدقَةَ فمَنْ شاء منكم فلْيَرْجِع، ورَجعَ أبو بَكْر إلى المَدينة . فسارَ خالدٌ لقتال طُلَيْحَةَ الكذَّابِ فَهَزَمَه اللهُ، وكان قد بايَعِ عُبَيْنَة ابنَ حِصْن ، فلمَّا رَأَىْ طُلَيْحَة كثرَةَ انْهِزامٍ أصْحابِه قال: ما يَهْزِمُكم ؟ فقال رجلٌ: أنا أُحدِّثك ، ليسَ منَّا رجلٌ إلاَّ وهو يُحبُّ أَنَ يَموتَ صاحبُه قَبَلَه، وإنا نَلْقَى قَوماً كلَّهم يُحبُّ أن يَموتَ قَبلَ صاحِبِه ، وكان طُلَيْحَة رجلاً شَديدَ البَّأْسِ في القتال، فقَتَلَ طُلَيْحَةُ يومئذٍ عُكاشةَ بنَ محصَن وثابتَ بنَ أقْرَم . فَلَّمَا غَلبَ الحقُّ طُلَيْحَة تَرَجَّلَ، ثم أسْلمَ وأهَلَّ بِعُمْرة ، فركِب يَسيرُ فِي النَّاسِ آمِناً ، حتىُ مَرَّ بأبي بَكْر بالمدينة ، ثم سارَ إلى مكَّة فقَضىُ عُمرَتَه ، ثم حَسُنَ إِسْلامُه . عن عُرْوة قال : فسارَ خالدٌ - وكان سَيفاً من سُيوفِ الله تَعالَى - فأسْرعَ السيرَ حتى نَزْلَ بيزاخَة، وبعثَتْ إليه طَيِّىء: إنْ شِئتَ أنْ تَقَدُم علينا فإنَّا سامعون مُطيعون ، وإنْ شِئتَ، نَسيرُ إليكَ ، قال خالدٌ: بلْ أنا ظاعِنٌ إليكم إنْ شاءَ الله، فلَمْ يَزِلْ ببزاخَة ، وجمعَ له هناك بَو أسَد وغَطْفان فاقْتلوا ، حتى قُتلَ من العَدوِّ خلقٌ وأُسِرَ منهم أُساری . ثم ظَعنَ يريدُ طَيِّاً، فأقْبلت بَنو عامِر وغَطفان والنَّاسُ مُسلمين مُقرِّين بأداءِ الحَقِّ ، فَقَبلَ منهم خالد . وقُتلَ في ذلك الوَجه مالكُ بنُ نُوَيْرَة الثَّميمي في رجال معه من تَميم ، فقالت الأنْصارُ : نحنُ راجِعون ، قد أقرَّت العربُ بالذي كان عَليها ، فقال خالدٌ ومَنْ معه من المُهاجرين: قد لعَمري آذنُ لكم ، وقد أجمَعَ أميرُكم بالمَسير إلى مُسَيْلِمَة بن ثمامَة الكذَّاب، ولا نَرى أنْ تَفرَّقوا على هذه الحال، فإنَّ ذلك غَيرُ حَسَن، وإنَّه لا حُجَّة لأحد منكُم فارَقَ أميرَه وهو أشَدُّ ما كان إليه حاجَة ، فَأَبَت الأنْصارُ إلَّ الرُّجوعَ، وعَزمَ ٣٢٠