النص المفهرس

صفحات 261-280

صَدرِهِ فَأَقْعَصَه(١) ، وتَعاوَروه بأسْيافهِم ، فرأيتُهم يَنْتُهِبُون بيتَه .
وعن الزهريّ قال : قُتِلَ عند صلاة العَصْر، وشَدَّ عَبدٌ لعُثمانَ علىُ كِنانَةَ بنِ بِشْر
فَقَتْلَه، وشَدَّ سُودانُ على العَبدِ فَقَتْلَه(٢) .
وقال أبو نَضْرَة ، عن أبي سَعيد قال : ضَربُوه فجَرى الدمُ على المُصْحف على :
﴿ فَسَيَكْفِي كَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣)، (٤).
وقال عِمْرانُ بنُ حُدير ، إلاَّ يكن عبدُ الله بن شقيف حدَّثني : إنَّ أوَّلَ قطرةٍ قَطرت
من دَمه على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فإنَّ أبا حريث ذَكرَ أنَّه ذَهبَ هو وسُهَيل
المريّ ، فأخرَجوا إليه المُصْحفَ، فإذا قَطرةُ الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الَّهُ﴾ قال:
فإنَّها في المصحف ما حُكَّت(٥) .
وقال ابنُ لُهَيْعَة ، عن يزيدِ بنِ أبي حَبيب قال : بلغني أنَّ الركْبَ الذين ساروا إلى
عُثمانَ عامَّتُهم جُنُّوا (٦) .
وقال لَيثُ بنُ أبي سليم ، عن طاووس ، عن ابنِ عبَّاس سَمعَ عليَّاً يقول : والله
ما قَتَلتُ - يعني عُثمانَ - ولا أمَرتُ ، ولكن غُلِبتُ، يقولُ ذلكَ ثلاثاً وجاءَ نَحوَه عن
عليٍّ من طُرق .
وجاءَ عنه أنَّه لَعنَ قَتَلَةَ عُثمانَ .
وعن الشعبيّ قال : ما سَمعتُ من مَرائي عُثمان أحسَنَ من قول كعبٍ بنِ مالك :
وأيْقَنَ أنَّ اللهَ ليسَ بغَافِلِ
فَكَفَّ يَدْيه ثم أغْلقَ بابَه
عثمان : قال اللهم اندمهم ، ثم خذهم وقد أقسم بعض السلف بالله أنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا
=
مقتولاً .
أقْعَصَه ، وقَعَصْتُه : إذا قَتلته قَتْلاً سريعاً .
(١)
(٢)
انظر السير : ( عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة : ٢/٩٤ .
(٣)
سورة البقرة ، الآية ١٣٧ .
انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة : ١/٩٥.
(٤)
انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة : ٩٥/ ٢.
(٥)
(٦) انظر السير: ( عُثمان بن عفّان)، وانظر النزهة: ٣/٩٥.
٢٦١

وقال لأهلِ الدَّارِ : لا تَقَتُّلُوهم
فكَيْفَ رَأيتَ اللهَ صَبَّ عليهِمُ ال
وكَيفَ رَأْيتَ الخَيرَ أدْبَرَ بَعدَه
ورَتاهُ حسَّانُ بنُ ثابت بقوله :
مَنْ سَرَّهُ المَوتُ صرَفاً لا مِزَاجَ له
ضَخَوْا بأشْمَطَ (١) عنوان السُّجودِ به
صَبراً فدىّ لكم أمي وما وَلدَت
لَتَسْمَعِنَّ وَشيكاً في ديارِهم :
عَفا الله عن كُلِّ امْرىءٍ لمْ يُقاتِلِ
عَدَاوَةَ والبغْضاءَ بعدَ التَّواصُلِ
عن النَّاسِ إِذْبارَ النَّعَامِ الجَوافِلِ
فلْيأْتِ مأدُبةً في دارِ عُثمانا
يَقْطَعُ اللَّيلَ تَسْبِيحاً وقُرآنا
قد يَنفَعُ الصَّبرُ في المَكْرُوهِ أحيانا
اللهُ أكْبَرُ يا ثاراتٍ عثمانا(٢)
٣- مُثيرُوا الفِتِن قَليلُوا الفِقْه عادةً:
قال إسماعيلُ بنُ أبي خالد : لمَّا نَزَلَ أهلُ مِصْرَ الجُحْفَة ، وأتَوْا يُعاتِبون عُثمانَ ،
صَعِدَ عُثمانُ المِنْبَرِ فقال: جَزاكُم الله يا أصْحابَ محمد عَنِّي شَراً ، أَذَعْتُم السَّيئةَ
وكَتْمُتم الحَسَنَةَ ، وأغْرَيْتم بي سُفهاء النَّاسِ ، أَيُّكم يَذهبُ إلى هؤلاء القوم فيَسألُهم
ما نَقَموا وما يُريدُون ؟ قال ذلك ثلاثاً ولا يُجِيبُه أحد .
فقامَ عليٍّ فقال : أنا ، فقال عُثمانُ : أنتَ أَقْرَبُهم رَحِماً ، فأتاهم فرَخَّبُوا به ،
فقال : ما الذي نَقِمتُم عليه؟ قالوا : نَقِمْنا عليه أنَّه مَحَا كتابَ الله - يَعني كَوْنُهُ جَمعَ
الأمَّةَ على مُصْحف - وحَمَى الحِمَى، واسْتعمَلَ أقْرباءَه ، وأعْطَىُ مَرْوانَ مائةَ ألف ،
وتناولَ أصْحابَ رسولِ الله صلی الله عليه وسلم(٣) .
قال : فرَدَّ عليهم عُثمانُ : أمَّا القُرآنُ فمن عند الله، إنَّما نَهَيْتُكم عن الاخْتِلاف
فاقْرَؤوا على أيِّ حَرفٍ شِئْتُم ، وأمَّا الحِمَىُ فوالله ما حَمَيتُه لإبلِي ولا لغَنَمِي ، وإنَّما
حَمَيتُه لإبلِ الصَّدَقَة ، وأمَّا قَولُكُم : إنِّي أعْطَيتُ مَرْوانَ مائةَ ألف فهذا بَيتُ مالِهم
(١) الأشْمَط : الأشْيَب.
انظر السير : ( عُثْمان بن عفّان) ، وانظر النزهة : ٤/٩٥ .
(٢)
انظر السير: ( عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة : ١/٨٣.
(٣)
٢٦٢

فليَسْتَعمِلُوا عليه مَنْ أحَبُّوا، وأمَّا قَولُكُم : تَنَاولَ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه
وسلم فإنَّما أنا بَشرٌ أغْضَبُ وأرْضَى، فمَنْ ادَّعَى قِبَلي حقاً أو مَظْلمَةً فها أنا ذَا ، فإن
شاءَ قِوَداً وإنْ شاءَ عَفْواً فرَضِيَ النَّاسُ واصْطَلَحوا ودَخلُوا المدينة(١).
٤ - ضَرُورَةُ التمَشُّك بالبَيعَة الشرعية حالَ الفتن :
وصَعدَ الأَشْتَرُ مِنبَرَ الكُوفَة وقال : يا أهلَ الكُوفَة ما غَضِبتُ إلاَّ لله ولَكُم ، وقد
وَليتُ أبا موسى الأَشْعَرِي صَلاتَكم ، وحُذَيْفَة بِنَ اليَمان فَيْئَكم ، ثم نَزَلَ وقال : يا أبا
موسى اصْعَد ، فقال: ما كُنتُ لأفْعَلَ، ولكن هَلُّوا فَبَايِعُوا لأميرِ المؤمنين وجَدِّدُوا
البَيْعةَ في رِقائِكُم ، فأجابَه النَّاسُ وكَتبَ إلى عُثمان بما صَنع ، فأعجبَ عُثمان ، فقال
عُتِبَةُ ابنُ الوَعْل شاعِرُ الكُوفَة :
تَصَدَّق عَلينا يابنَ عَفانٍ واحْتَسِبْ
وأَمِّرْ عَلينا الأشْعَريَّ لَياليَا
فقال عُثمانُ : نَعم وشُهوراً وسِنينَ إنْ عِشْتُ ، وكان الذي صَنعَ أهلُ الكُوفَة بسَعيدٍ
أوّلَ وَهَن دخلَ على عُثمان حين اجتُرِىء عليه(٢) .
٥- سَرْدٌ تاريخِيّ للفِتَنِ:
قال الذهبيُّ : لا رَيْبَ أنَّ أوَّلَ وَهنٍ على الأُمَّةِ قَتْلُ خَلِيفَتِها عُثْمَانَ صَبْراً رضي الله
عنه ، فهاجَت الفِتْنَةُ، وجَرَت وَقْعَةُ الجَمَلِ بِسَبَبَها ، ثمَّ وَقْعَةُ صِفِّين، وجَرَت سِيُولُ
الدِّماءِ في ذلك .
ثُمَّ خَرَجَت الخَوَارِجُ ، وكَفَّرَت عُثمانَ وعَلَيَّاً، وحارَبُوا ، ودامَتْ حُروبُ الخَوارِجِ
سِنِينَ عِدَّة .
ثُمَّ هاجَتْ المُسَوِّدَةُ بخُراسَانَ، ومازالُوا حتىْ قَلَعُوا دَولَةَ بَنِي أُمَيَّة ، وقامَت الدَّولَةُ
الهاشِمِيَّةُ بعدَ قَتْلِ أُمَمٍ لا يُخْصيهِم إلاَّ اللهُ.
(١) انظر السير: (عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ٢/٨٣.
(٢) انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة: ١/٨٤.
٢٦٣

ثمَّ اقْتَتَلَ المَنْصُورُ وعَنُّه عبدُ الله ثمَّ خُذِلَ عبدُ الله، وقُتِلَ أبو مُسْلِم صاحِبُ
الدَّعْوَة (١) .
٦ - رُؤيا فيها حَثٌّ على البُعدِ عن الفِتَنِ :
عن حُسَيْنِ بنِ خَارِجَة الأشْجَعيّ قال: لمَّا قُتِلَ عُثمانُ رضي الله عنه، أُشْكِلَتْ عَليَّ
الفِتْنَةُ ، فَقُلتُ : اللَّهُمَّ أرِني من الحَقِّ أمراً أَتَمَسَّكُ به ، فرَأيتُ في النَّومِ الدُّنيا والآخِرَةَ
بينَهُما حائِطٌ ، فهَبَطَتُ الحائِطَ، فإذا بنَفَرٍ ، فقالوا : نَحنُ المَلائِكَةُ، قُلتُ : فَأيْنَ
الشُّهَداءُ ؟ قالوا : اصْعَد الدَّرَجَاتِ ، فصَعَدتُ دَرَجَةً ثمَّ أُخْرَى ، فإذا مُحمَّدٌ وإِبراهيمُ ،
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا، وإذا مُحمَّدٌ يَقُولُ لإبراهيمَ : اسْتَغْفِرْ لأُمَّتِي ، قال : إنَّكَ لا تَدْرِي
ما أحْدَثوا بَعْدَك ، إنَّهم اهْرَقُوا دِماءَهم، وقَتَلُوا إِمَامَهُم، ألا فَعَلُوا كمَا فَعَلَ خَليلي
سَعِدٌ؟ ( يَعني ابنَ أبِي وَقَّاص ) .
قال : قُلتُ : لقَد رَأيتُ رُؤْيا، فأَتَيْتُ سَعداً فقَصَصْتُها عليه، فمَا أكْثرَ فَرَحاً ،
وقال رضي الله عنه : قد خَابَ مَنْ لَمْ يَكنْ إبراهيمُ عليه السلام خَليلَه ، قُلتُ: مع
أيِّ الطَّائِفَتَينِ أنْتَ؟ قال رضي الله عنه: ما أنا مع واحدٍ منْهُما ، قُلتُ : فما
تَأْمُرُني؟ قال : هَلْ لكَ من غَنَمِ ؟ قُلتُ : لا ، قال: فاشْتَرِ غَنَماً ، فَكُنْ فيها حتى
تَنْجَلي(٢) .
٧ - التََّكِدُ قَبَلَ الوُّلُوجِ في الفِتَنِ :
قال حَفْصُ بنُ غياث : قُلتُ لسُفْيانَ: يا أبا عبدِ الله إنَّ النَّاسَ قد أكْثَروا في
المَهْدِيّ ، فما تَقُولُ فيه؟ قال : إنْ مَرَّ على بَابِكَ، فلا تَكُنْ فيه في شَيءٍ حتى يَجْتَمِعَ
النَّاسُ عليه(٣).
(١) انظر السير: (المعتضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٥.
(٢) انظر السير: (سعد بن أبي وقاص) ٩٢/١ - ١٢٤، وانظر النزهة: ٣/٦٣١.
(٣) انظر السير: (سُفيان الثوريّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٦٩٧.
٢٦٤

٨- ضَابطٌ فيما جَرَىْ بيَّنَ السَّلَفِ من الفِتَنِ :
عن عليٍّ بنِ أبي طَلْحَة مَوْلَى بَنِي أُمَيَّة قال: حَجَّ مُعَاوِيَةُ ومَعَه مُعَاوِيَةُ بنُ حُدَيْج ،
وكان من أسَبِّ النَّاسِ لعَلَيٍّ رضي الله عنه، فمَزَّ في المَدينَةِ ، والحَسَنُ جالِسٌ في
جَمَاعةٍ من أصْحابِه ، فأتَاهُ رسُولٌ ، فقال: أجِبْ الحَسَن فأتَاهُ فسَلَّمَ عليه ، فقال له :
أنْتَ مُعاوِيَةُ بنُ حُدَيْج ؟ قال : نَعَم قال : فأنْتَ السَّاتُّ عَليَّاً رضي الله عنه؟ قال :
فَكَأنَّه اسْتَحْيِى فقال: أمَا والله لَئِنْ وَرَدْتَ عَليهِ الحَوضَ - وما أرَاكَ تَرِدُه - لَتَجِدَنَّه مُشمِّرَ
الإزارَ على ساقٍ، يَذُودُ عَنه راياتِ المُنافِقِينَ ذَوْدَ غَرِيبَةِ الإِلِ ، قَولَ الصَّادِقِ
المَصْدُوقِ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ آَفْتَرَى﴾(١) .
قال الذهبيُّ تَعْقيباً : كان هذا عُثْمَانِيَّاً وقد كان بَيْنَ الطَّائِفَتَينِ من أهْلِ صِفِينَ ما هُو
أَبْلَغُ من السَّبِّ، السَّيْفُ، فإِنْ صَحَّ شَيءٌ، فسَبِيلُنا الكَفُّ والاسْتِغْفارُ للصَّحَابَةِ ،
ولا نُحِبُّ ما شَجَرَ بيَنْهُم ، ونَعُوذُ بالله منهُ، ونَتَولَّى أميرَ المُؤمِنِينَ عَليًا(٢).
وخَلْفُ مُعاوِيَّةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ يُحبُّونَه ويَتَغالُون فيه ويُفَضِّلونَه، إمَّا قد مَلَكَهُم بالكَرَم
والحِلْمِ والعَطَاءِ ، وإمَّا قد وُلِدُوا في الشَّام على حُبِّه، وتَرَبَّى أولادُهم على ذلك ،
وفيهِم جَماعَةٌ يَسِيرَةٌ من الصَّحابَةِ، وعَددٌ كثيرٌ من التَّابِعِينَ والفُضَلاءِ ، وحارَبُوا مَعه
أهْلَ العِراقِ، ونَشَؤوا على النَّصَبِ، نَعُوذُ باللهِ من الهَوَى كما قد نَشَأْ جَيْشُ عَلَيٍّ
رضي الله عنه، ورَعيّتُه - إلَّ الخَوارِجَ منهُم - على حُبِّه والقِيامِ مَعَه، وبُغْضِ مَنْ بَغَى
عليه والتَّبَرِّي منهم ، وغَلَا خَلْقٌ منهُم في التَّشَيُّعِ فبالله كَيفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ نَشَأ في
إِقْليم ، لا يَكادُ يُشاهِدُ فيه إلا غَالِياً في الحُبِّ ، مُفْرِطاً في البُغْضِ ، ومن أينَ يَقَعُ له
الإنْصافُ والاعْتِدالُ؟ !! فَنَحْمَدُ الله على العافِيَةِ الذي أُوْجَدَنا في زمانٍ قد انْمَحَضَ فيه
الحَقُّ، واتَّضَحَ من الطَّرَفَيْنِ، وعَرَفْنا مَآخِذَ كُلِّ واحدٍ من الطَّائِفَتَيْنِ وتَبَصَّرْنا،
فِعَذَرْنا، واسْتَغْفَرْنا، وأحْبَيْنا باقْتِصَادٍ، وتَرَحَّمْنا على البُغاةِ بتأويلِ سائِغ في الجُمْلَةِ ،
أو بخَطَأِ إنْ شاءَ اللهُ مَغْفُورٌ، وقُلنَا كمَا عَلَّمَنا اللهُ: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلَخْوَيِنَا الَّذِينَ
(١) سورة طه ، الآية : ٦١ .
(٢) انظر السير: (معاوية بن حُدَيج) ٣٧/٣ -٤٠، وانظر النزهة: ٣/٣٢٧.
٢٦٥

سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(١)، وتَرَضَّينا أيضاً عَمَّن اعْتَزَلَ
الفَرِيقَيْنِ ، كسَعْدِ بنِ أبي وَقَّاص ، وابنِ عُمَرَ ، ومُحمَّدِ بنِ مَسْلَمَة ، وسَعيدِ بنِ زَيْد ،
وَخَلْقُ وتَبَزَّأنا من الخَوَارِجِ المَارِقِينَ الذينَ حارَبُوا عَلَّاً ، وكَفَّرُوا الفَرِيقَيْنِ ، فالخَوارِجُ
كِلابُ النَّارِ ، قد مَرَقُوا من الدِّينِ ، ومع هذا فلا نَقْطَعُ لهُم بخُلُودِ النَّارِ ، كَمَا نَقْطَعُ به
لعَبَدَةِ الأصْنامِ والصُّلْبان(٢).
ونَقَلَ ابنُ عبدِ البَرّ : أنَّهم لمَّا الْتَمَسُوا من عَائِشَةَ أنْ يُدْفَنَ الحَسَنُ في الحُجْرَةِ ،
قالت : نَعَم وكَرامَة ، فَرَذَّهم مَرْوانُ، ولَبِسُوا السِّلاحَ ، فَدُفِنَ عندَ أُمِّه بالبَقِيعِ إلى
جانِها .
أَعَاذَنا اللهُ من الفِتَنِ ، ورَضِيَ عن جَميعِ الصَّحابَةِ ، فَتَرَضَّ عَنْهُم يا شِيعِيُّ تُفْلِحْ ،
ولا تَدْخُلْ بَيْنَهم ، فاللهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، يَفْعَلَّ فيهِم سَابِقَ عِلْمِهِ، ورَحْمَتُه وَسِعَت كُلَّ
شَيءٍ، وهو القائلُ: ((إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)) و﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾(٣)
فنسألُ اللهَ أنْ يَعْفُوَ عنَّا وأنْ يُثََّنَا بالقَولِ الثَّابِتِ أَمين (٤) .
وقال نُعَيْمُ بنُ حَمَّاد : سَمعتُ ابنَ المُبارَك يَقُولُ: السَّيْفُ الذي وَقَعَ بينَ الصَّحابَةِ
فِتْنَةٌ، ولا أقُولُ لأحَدٍ منهُم هو مَفْتُونٌ (٥) .
٩ - الفِتْنَةُ تَمنَعُ من الچِهَاد :
قال سَعيدُ بنُ عبد العَزيز : لمَّا قُتِلَ عُثمانُ، ووَقَعَ الاخْتِلافُ، لَمْ يَكُنْ للنَّاسِ غَزْوٌ
حتى اجْتَمَعُوا على مُعاوِيَةً، فأغْزِاهُم مَرَّاتٍ ، ثمَّ أغْزَى ابنَهُ في جَماعَةٍ من الصَّحابَةِ بَراً
وبَحْراً حتى أجَازَ بهم الخَلِيجَ ، وقاتَلُوا أهْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ على بابِها ، ثمَّ قَفَلَ(٦) .
(١) سورة الحشر، الآية : ١٠ .
(٢) انظر السير: ( مُعاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ١/٣٤٩.
(٤) انظر السير: (الحَسَن بن عليّ بن أبي طالب) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٣٨١.
(٣)
سورة الأنبياء ، الآية : ٢٣ .
(٥)
انظر السير : ( عبد الله بن المبارك ) ٣٧٨ - ٤٢١، وانظر النزهة : ٥/٧٦٩.
(٦) انظر السير: ( معاوية بن أبي سفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ١/٣٥٤.
٢٦٦

١٠ - مَنْ كانَ عِندَهُ أُخْبارُ الفِتَنِ :
عن الزُّهْرِيِّ: أخْبَرَني أبو إدريس: حُذَيْفَةُ يَقُولُ: والله إنِّي لأَعْلَمُ النَّاسَ بَكُلِّ فِتْنَةٍ
هي كائِنَةٌ فيما بَنِي وبَيْنَ السَّاعِةِ .
قال حُذَيْفَةُ: كان النَّاسُ يَسْألُونَ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الخَيْرِ ، وكُنتُ
أسْألُه عن الشَّرِّ مَخَافَةَ أنْ يُدْرِكَنِي(١) .
١١ - فِتَنٌّ وَقَعت بين الصَّحابَة رضِي اللهُ عنهُم :
عن علقَمَة بنِ وَقَّاصِ اللَّيْنِيّ، قال: لمَّا خَرَجَ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله، والزُّبَيْرُ وعَائِشَةُ
للطَّلَبِ بَدَمِ عُثمانَ، عَرَّجُوا عن مُنْصَرَفِهِم بِذاتِ عِرْقٍ، فاسْتَصْغَرُوا عُرُوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ ،
وأبا بَكْر بنِ عبدِ الرَّحمَانِ فَرَدُّوهُما، قال: ورَأيتُ طَلْحَةَ، وأَحَبُّ المَجالِسِ إليه
أخْلاها، وهو ضَارِبٌ بلِحْيَتِه علىْ زَوْرِهِ ، فقُلتُ: يا أبا مُحمَّد !! إنِّي أرَاكَ وأَحَبُّ
المَجالِسِ إليكَ أخْلاها، إنْ كُنتَ تَكْرَهُ هذا الأمْرَ فَدَعْه، فقال: يا علقَمَة !!
لا تَلُمْني، كُنَّا أمْس يداً واحِدَةً على مَنْ سِوانا، فأصْبَحْنا اليومَ جَبَلَيْنِ من حَديدٍ ،
يَزْحَفُ أحَدُنا إلى صاحِبِهِ، ولكِنَّه كان مِنِّي شَيءٌ في أمْرِ عُثمانَ ، ممَّا لا أرَى كَفَّارَتَه إلاَّ
سَفْكُ دَمِي ، وطَلَبُ دَمِه .
قال الذهبيُّ : الذي كان منه في حَقِّ عُثمانَ تَمَغْفِلٌ وتَألِيبٌ ، فَعَلَه باجْتِهادٍ ، ثمَّ تَغَيَّرَ
عندما شَاهَدَ مَصْرَعَ عُثمانَ رضي الله عنه ، فَنَدِمَ علىْ تَرْكِ نُصْرَتِهِ رَضِيَ الله عَنْهُما ،
وكان طَلْحَةُ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ عَلَّاً ، أرْهَقَهُ قَتَلَةُ عُثمانَ، وأَحْضَرُوهُ حتىْ بَايَعَ (٢) .
وعن عبدِ الرَّحمَانِ بنِ أبي لَيْلَى قال: انْصَرَفَ الزُّبَيْرُ يومَ الجَمَلِ عن عَلَيٍّ ، فَلَقِيَهُ ابنُهُ
عبدُ الله، فقال: جُبْناً ، جُبْناً !! قال: قد عَلِمَ النَّاسُ أَنِّي ◌َسْتُ بِجَبَانٍ ، ولكن ذَكَّرَني عَلَيٍّ
شَيْئاً سَمعتُهُ من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فحَلَفْتُ أنْ لا أُقاتِلَه ، ثمَّ قال :
في الله أحْسَنُ في الدُّنيا وفي الدِّينِ
تَرْكُ الأُمُورِ التي أَخْشَىْ عَوَاقِبَها
(١) انظر السير: ( حُذيفة بن اليمان) ٣٦١/٢ -٣٦٩، وانظر النزهة: ٧/٢٧٥.
(٢) انظر السير: (طلحة بن عُبيد الله) ١/ ٢٣ -٤٠، وانظر النزهة: ٣/١٢٥.
٢٦٧

وقِيلَ إنَّه أَنْشَدَ :
أنَّ الحَياةَ مِنَ المَمَاتِ قَرِيبُ
ولَقَد عَلِمْتُ لَوْ أَنَّ عِلْمِي نَافِعِي
فلَمْ يَنْشَبِ أنْ قَتَلَه ابنُ جُرْمُوز .
عن جونِ بنِ قَتَادَة قال: كُنتُ مع الزُّبَيْرِ يومَ الجَمَلِ، وكانوا يُسَلِّمُونَ عليه
بالإِمْرَةِ ، إلى أنْ قال: فَطَعَنَه ابن جُرْمُوزٍ فَأَثْبَتَه ، فوَقَعَ ، ودُفِنَ بوادِي السِّباعِ ، وجَلَسَ
عليٍّ رضي الله عنه ، يَنْكِي عَلیهِ هو وأصْحابُه .
عن أبي نَضْرَة قال: جِيءَ بِرَأسِ الزُّبَيْرِ إلى عَليٍّ فقال عَليٍّ رضي الله عنه: تَبَوَّأ
يا أعْرابِيُّ مقعَدَك من النَّار، حذَّثني رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ قاتِلَ الزُّبَيْرِ في
النَّارِ(١).
وعن عبدِ الله بنِ سَلَمَة قال: رأيتُ عَمَّاراً يومَ صِفِّينَ شَيخاً آدم، طُوالاً وإنَّ الحَرْبَةَ
في يَدِه لترعُد ، فقال : والذي نَفْسِي بِيَدِه لقَدْ قَاتَلْتُ بها مع رسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم ثلاثَ مَرَّاتٍ وهذِهِ الرَّابِعَةُ، ولَوْ قَاتَلُونا حتى يَبْلُغُوا بنا سَعْفَاتِ هُجَر ، لعَرَفتُ
أنَّنا على الحَقِّ ، وأنَّهم على الباطِلِ(٢).
وعن أبي سَعيدٍ قال : أمَرَنا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ببناءِ المَسْجِدِ فجعلْنا
نَقُلُ لَبِنَةٌ لَبِنَةً ، وعَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَيْنِ ، فَتَرِبَ رَأْسُه ، فحَذَّثني أصْحابِي وَلَمْ أَسْمَعْه
من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّه جَعَلَ يَنْفُضُ رَأْسَه ويَقُولُ: (( وَيْحَكٌ يا بنَ
سُمَيَّة !! تَقْتُلُك الفِئَةُ البَاغِيَةُ)).
وعن خالد الحَذَّاء : عن عِكْرِمَةَ سَمِعَ أبا سَعيدٍ بهذا ولَفْظُهُ: ((وَيْحَ ابنَ سُمَيَّةَ !!
تَقْتُلُهُ الفِتَةُ الباغِيَةُ ، يَدعُوهُم إلى الجنَّةِ ويَدْعُونَه إلى النَّارِ)) فجَعَلَ يقُولُ : أَعُوذُ باللهِ من
(٣)
الفِتَنِ(٣).
(١) انظر السير: (الزُّبِيْرُ بن العَوّام) ٤١/١ -٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٢٨.
(٢) انظر السير: (عمَّار بن ياسر) ٤٠٦/١-٤٢٨، وانظر النزهة: ١/١٨٤.
(٣) انظر السير: (عمّار بن ياسر) ٤٠٦/١-٤٢٨، وانظر النزهة: ٣/١٨٥.
٢٦٨

وعن عبدِ الله بنِ زِيادٍ ، قالَ عَمَّارٌ: إنَّ أُمَنا - يَعْنِي عَائِشَةَ - قد مَضَتْ لِسَبيلِها ،
وإِنَّهَا لَزَوْجَتُه في الدُّنيا والآخِرَة، ولكنَّ اللهَ ابْتَلانَا بها لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ نُطِيعُ أو إيَّها(١)، (٢).
وعن أبي الغادية ، قال : سَمعتُ عَمَّاراً يَقَعُ في عُثمانَ يَشْتُمُه فَتَوَعَّدتُه بِالقَتْلِ ، فلمَّا
كان يومَ صِفِينَ، جَعَلَ عَمَّارٌ يَحْمِلُ على النَّاسِ، فِقِيلَ: هذا عَمَّارٌ، فَطَعَنْتُه في
رُكْبَتِهِ، فَوَقَعَ فَقَتَلْتُه، فِقِيلَ: قُتِلَ عَمَّارٌ، وأُخْبِرَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ، فقال: سَمعتُ
رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ قَاتِلَهُ وسَالِبَهُ في النَّارِ))(٣).
عن عاصِمٍ بنِ كُلَيْبٍ ، عن أبيهِ : قال : انْتُهَيْنا إلى عليٍّ رضي الله عنه، فَذَكَرَ
عائِشَةَ ، فقال : خَليلَةُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم .
قال الذهبيُّ : هذا حَديثٌ حَسَن . ومُصْعب فصالحٌ لا بَأسَ به وهذا يقُولُه أميرُ
المُؤمِنينَ في حَقِّ عَائِشَةَ مع ما وَقَعَ بَيْنَهُما، فرَضِيَ الله عنهُما ولا رَيْبَ أنَّ عائِشَةَ نَدِمَتْ
نَدَامَةً كُلِيَّة علىُ مَسِيرِها إلى البَصْرَةِ وحُضُورِها يومَ الجَمَلِ، وما ظَنَّتْ أنَّ الأمرَ يَبلُغُ
ما بَلَغَ(٤) .
عن إسْماعيلَ: حدَّثنا قَيْسٌ، قال: لمَّا أقْبَلَتْ عَائِشَةُ، فلمَّا بلَغَتْ مياهَ بني عامِر
ليلاً نَبَحَت الكِلابُ ، فقالت: أيُّ ماءِ هذا؟ قالوا : ماءُ الحَوْأَبْ قالت: ما أظُنُني إلاَّ
أنَّني راجِعَةٌ قال بعضُ مَنْ كان معها : بَلْ تُقْدِمِينَ فِيَرَاكِ المُسلِمُونَ ، فَيُصْلِحُ الله ذاتَ
بَينِهِم قالت: إنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال ذاتَ يومٍ: ((كيْفَ إِحْداكنَّ تَنْبَحُ
عَلَيْها كلابُ الحَوْأَبِ » هذا حَديثٌ صَحیحُ الإسْنادِ .
عن صالِحٍ بنِ كَيْسان وغَيرِهِ : أنَّ عَائِشَةَ جَعَلَتْ تقُولُ: إنَّ عُثمانَ قُتِلَ مَظْلُوماً ،
وأنا أدْعوكُمْ إِلَى الطَّلَبِ بَدَمِه ، وإعادَةِ الأَمْرِ شُورَى .
عن ابنِ عَبَّاسٍ ، أنَّه قالَ للزُّبَيْرِ يومَ الجَمَلِ : هذه عائِشَةُ تُمَلِّكُ المُلكَ لقَرابَتِها
كان هذا في وقعة الجمل .
(١)
انظر السير: ( عمّار بن ياسر) ٤٠٦/١-٤٢٨، وانظر النزهة: ٥/١٨٥.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( عمّار بن ياسر) ٤٠٦/١_٤٢٨، وانظر النزهة: ٦/١٨٥.
انظر السير: ( عائشة أمُّ المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ٣/٢٤١.
(٤)
٢٦٩

طَلْحَةٍ، فأنتَ عَلَامَ تُقَاتِلُ قَرِيبَكَ عَلَّاً !! فَرَجَعَ الزُّبَيْرُ ، فَلَقِيَهُ ابنُ جُرْمُوزٍ ، فقَتَلَه .
قال الذهبيُّ : قد سُقتُ وَقْعَةَ الجَمَلِ مُلَخَّصَةً في مَناقِبٍ عَليٍّ رضي الله عنه، وإنَّ
عَلَيَّاً وَقَفَ علىْ خِبَاءِ عَائِشَةَ يَلُومُها علىُ مَسِيرِها فقالت: يا ابنَ أَبِي طَالِب، مَلَكْتَ
فَأَسْجِحْ(١)، فجَهَّزَها إلى المَدِينَةِ، وأعْطَاها اثْنَيَّ عَشَرَ ألْفاً فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وعَنْهَا(٢).
وعن أبي وَائِلِ: سَمِعَ عَمَّاراً يَقُولُ، حينَ بَعَثَه عَليٍّ إلى الكُوفَة لِيَسْتَنْفِرَ النَّاسَ: إنَّا
لَنَعْلَمُ إِنَّها لَزَوجَةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الدُّنيا والآخِرَةِ ، ولكنَّ اللهَ ابتَلاكُم بها ،
لِتَتَّعُوهُ ، أوْ إِيَّها(٣).
وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أيَّتُكنَّ صاحِبَةُ
الجَمَلِ الأَذْبَبِ، يُقْتَلُ حَوْلَهَا قَتْلَى كثيرٌ، وَتَنْجُو بَعْدَ ما كادَتْ)).
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا الحَديثُ من أَعْلامِ النُّجُوَّةِ (٤).
وعن أبي عاصِم الغَطَفانيّ ، قال : كان حُذَيْفَةُ لا يَزالُ يُحَدِّثُ الحَديثَ ،
يَسْتَفْظِعُونَ فِقِيلَ له: يُوشِكُ أنْ تُحَدِّثَنَا: أنَّه يَكُونُ فينا مَسْخٌ !! قال رضي الله عنه:
نَعَم : لَيَكُونَنَّ فِيكُمْ مَسْخٌ: فِرَدَةٌ وخَنازِيرَ(٥) .
وعن الحَسَنِ : قال : كان الحَكَمَانِ : أبا مُوسَى، وعَمْراً، وكان أحَدُهما يَبْتَغِي
الدُّنيا ، والآخَرُ يَبْتَغِي الآخِرَةَ (٦) .
وقال أبو عُبَيْد : كان عبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاصِ على مَيْمَنةِ جَيشٍ مُعاوِيَةَ يومَ
صِفِّين .
عن حَنْظَلَةَ بنِ خُوَيْلِدِ العَنْبَرِيّ ، قال: بَيْنما أنا عندَ مُعاوِيَةَ إذ جاءَه رجُلانِ
أي قدرت فسهِّل العفو ، وهو مَثَلٌ سائر .
(١)
انظر السير: ( عائشة أمُّ المؤمنين) ١٣٥/٢-٢٠١، وانظر النزهة: ٤/٢٤١.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( عائشة أمُّ المؤمنين) ١٣٥/٢-٢٠١، وانظر النزهة: ١/٢٤٢.
انظر السير: ( عائشة أمُّ المؤمنين) ١٣٥/٢-٢٠١، وانظر النزهة: ٣/٢٤٥.
(٤)
انظر السير : ( حُذيفة بن اليمان) ٢/ ٣٦١ -٣٦٩، وانظر النزهة: ٢/٢٧٦.
(٥)
انظر السير: ( أبو موسى الأشعريّ) ٢/ ٣٨٠ - ٤٠٢، وانظر النزهة : ٤/٢٨٢.
(٦)
٢٧٠

يَخْتَصِمانِ فِي رَأْسِ عَمَّارٍ رضي الله عنه، فقال كُلُّ واحِدٍ منهُما : أنا قَتَلْتُه فقال
عبدُ الله بنُ عَمْرو : لِيَطِبْ به أحَدُكُما نَفْساً لِصَاحِبِه ، فإنِّي سَمعتُ رسُولَ الله صلى الله
عليه وسلم يقُولُ: ((تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ))، فقال مُعاويَةُ: يا عَمْرُو !! ألا تُغْني عنَّا
مَجْنُونَك ، فما بالُكَ مَعَنا !! ؟ قال : إنَّ أبي شَكانِي إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
فقال: ((أَطِعْ أَبَاكَ مادَامَ حَيَّاً)) فأنا مَعَكُم، ولَسْتُ أقَاتِلُ، تُوقِّي عبدُ الله بنُ عَمْرو
بِمِصْرَ ، ودُفِنَ بِدَارِهِ الصَّغِيرَة سَنةَ خَمسٍ وسِتِين(١) .
وقال الواقِدِيُّ: لمَّا قُتِلَ عُثمانُ بَعَنتْ نائِلَةُ بنتُ الفَرافِصَةِ امْرأْتُه إلى مُعَاوِيَةَ كِتاباً بما
جَرَى، وبَعَثتْ بقَميصِهِ بالدَّم، فقَرَأَ مُعاوِيَةُ الكِتابَ ، وطَيَِّ بالقَميصِ في أجْنادِ
الشَّام، وحَرَّضَهُم على الطَّلَبِ بَدَمِه، وأجْمَعَ على المَسِيرِ إلى صِفِّينَ، وقَصَدَ كُلٌّ
مِنْهُمَاَ الآخَرَ ، فالْتَّقَوْا لِسَبعِ بَقِينَ من المُحَرَّمِ سَنَّةَ سَبْعٍ وثلاثين .
وفي أوَّلِ صَفَرٍ شَبَّتِ الحَربُ وقُتِلَ خَلْقٌ، وضَجِرُوا، فرَفَعَ أهْلُ الشَّامِ
المَصاحِفَ ، وقالُوا: نَدْعُوكُم إلى كِتابِ الله والحُكْمِ بما فيه ، وكان ذلك مَكِيدَةً من
عَمْرِو بنِ العاصِ ، فاصْطَلَحُوا وكَتَبُوا بَينَهُم كَتَاباً على أنْ يُوافُوا أذْرُح(٢). ويُحَكِّمُوا
حَكَمَيْنِ (٣) .
قال: فَلَمْ يَقَعَ اتِّفاقٌ ورَجَعَ عَليٍّ إلى الكُوفَةِ بالدَّغَلِ (٤) من أصْحابِهِ والاخْتِلافِ
فَخَرَجَ منهُم الخَوارِجُ، وأنْكَرُوا تَحْكِيمَه، وقالوا: لا حُكْمَ إلاَّالله، ورَجَعَ مُعاويَةٌ
بالأُلْفَةِ والاجْتِماعِ ، وبَايَعَهُ أهْلُ الشَّامِ بالخِلافَةِ في ذي القِعْدَةِ سَنةَ ثَمانٍ وثلاثين .
ثُمَّ اسْتُشْهِدَ عَلَيٍّ في رَمَضَانَ سَنَةَ أرْبَعِينَ وصَالَحَ الحَسَنُ بنُ عَليٍّ مُعاوِيَةَ ، وبَايَعَهُ ،
وسُمِّيَ عامَ الجَماعَةِ وحَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ خَمسينَ .
ثُمَّ اعْتَمَرَ سَنَ سِتٍّ وخَمسِينَ فِي رَجَبَ ، وكان بَيْنَه وبَيْنَ الحُسَيْنِ وابنِ عُمَرَ ، وابنٍ
انظر السير: ( عبد الله بن عمرُو بن العاص) ٧٩/٣ -٩٤، وانظر النزهة: ٤/٣٤٠.
(١)
أَخْرُح : اسم بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز .
(٢)
(٣) انظر السير: ( مُعاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٤/٣٥٠.
(٤) الدغل : الفساد .
٢٧١

الزُّبَيْرِ ، وابنِ أبِي بَكْرٍ ، كَلامٌ فِي بَيْعَةِ العَهْدِ لِيَزِيدَ ، ثمَّ قال: إنِّي مُتَكَلِّمٌ بِكَلام ، فلا
تَرُدُّوا عَلَيَّ أَقْتُلْكُم، فخَطَبَ، وأظْهَرَ أنَّهم قد بَايَعُوا، وسَكَتُوا ولَمْ يُنْكِروا، ورَحَلَ
على هذا وادَّعَىْ زِيادٌ أنَّه أخُوهُ فوَلاَه الكُوفَة بعدَ المُغِيرَة، فَكَتَبَ إليه في حُجْرِ بنِ عَديّ
وأصْحابِه ، وحَمَلَهم إليه فقَتَلَهم بمَرْجِ عَذْراء ، ثمَّ ضَمَّ الكُوفَة والبَصْرَة إلى زِيادٍ ،
فمَاتَ، فَوَلاهُما ابنَه عُبَيْدَ الله بنَ زِياد(١) .
قال الأوْزاعِيُّ: سَألَ رجلٌ الحَسَنَ البَصْريَّ عن عَليٍّ وعُثمانَ ، فقال : كانت لهذا
سَابِقَةٌ ولهذا سَابِقَةٌ ، ولهذا قَرابَةٌ ولهذا قَرابَةٌ، وابْتُلِيَ هذا، وعُوفِيَ هذا ، فسَأَلَه
عن عَليٍّ ومُعاويَة ، فقال: كان لهذا قَرابَةٌ ولهذا قَرابَةٌ ولهذا سَابِقَةٌ ولَيْسَ لهذا
سَابِقَةٌ ، وابْتُلِيَا جَميعاً(٢) .
قال الذهبيُّ : قُتِلَ بَيْنَ الفَريقَيْنِ نَخْواً من سِتِينَ أَلْفاً وقِيلَ: سَبْعُونَ ألْفاً وقُتِلَ عَمَّارٌ
مع عَلَيٍّ، وتَبَيَّنَ للنَّاسِ قَولُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: (( تَقْتُلُهُ الفِئَةُ
البَاغِيَةُ))(٣).
وعن أبي أُمَامَةَ، قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لنسائِه: ((لا تُبُكُّوا هذا))
يَعِني ◌ُسَيْناً ، فكان يومُ أُمِّ سَلَمَةٍ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
لِأُمِّ سَلَمَة: لا تَدَعِي أحَدَاً يَدخُلُ فجَاءَ حُسَيْنٌ ، فَبَكَىْ ، فخَلَّتْه يَدخُلُ ، فَدَخَلَ حتى
جَلَسَ في حِجْرِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال جِبْرِيلُ : إنَّ أُمَتَكَ سَتَقْتُلُه قال
صلى الله عليه وسلم: ((يَقْتُلُونَه وهُم مُؤمِنُون !! ؟)) قال: نَعَم، وأَرَاهُ تُرْبَتَه(٤) .
بَلَغَنا أنَّ الحُسَيْنَ لَمْ يُعْجِبْه ما عَمِلَ أخُوهُ الحَسَنُ من تَسْلِيمِ الخِلافَةِ إِلى مُعاويَةَ ، بَلْ
كان رَأْيُه القِتالُ، ولكنَّه كَظَمَ ، وأَطَاعَ أَخَاهُ ، وبايَعَ وكان يَقْبَلُ جَوائِزَ مُعاويَةَ ،
ومُعاويَةُ يَرَى له ، ويَحْتَرِمُه، ويُجِلُّه فلمَّا أنْ فَعَلَ مُعاويَةُ ما فَعَلَ بعدَ وَفاةِ السَّيِّدِ الحَسَنِ
انظر السير: ( معاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ١/٣٥١.
(١)
انظر السير: ( معاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣-١٦٢، وانظر النزهة: ٢/٣٥١.
(٢)
انظر السير: ( معاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٣٥١.
(٣)
انظر السير: ( الحُسينُ الشهيد) ٢٨٠/٣-٣٢١، وانظر النزهة: ٥/٣٨٢.
(٤)
٢٧٢

من العَهْدِ بالخِلافَةِ إلىْ وَلَدِهِ يَزِيدَ تَأَلَّمَ الحُسَيْنُ ، وحُقَّ له وامْتَنَعَ هو وابنُ أبي بَكْرٍ وابنُ
الزُّبَيْرِ من المُبَايَعَةِ ، حتّى قَهَرَهُم مُعاويَةُ، وأَخَذَ بَيْعَتَهُم مُكْرَهينَ، وغُلِبُوا ، وعَجَزوا
عن سُلْطَانِ الوَقْتِ فلمَّا مات مُعاويَةُ ، تَسَلَّمَ الخِلافَةَ يَزِيدُ وبايَعَهُ أكْثَرُ النَّاسِ ، ولَمْ يُبابع
له ابنُ الزُّبَيْرِ ولا الحُسَيْنُ ، وأنِفُوا من ذلكَ ورَامَ كُلُّ واحِدٍ منهُما الأمْرَ لنَفْسِه ، وسَارُوا
في اللَّيلِ من المَدِينَةِ إلى مَكّةَ، ونَزَلَ الحُسَيْنُ بِمَكّةَ دَارَ العَبَّاسِ ، ولَزِمَ عبدُ الله
الحِجْرَ، وجَعَلَ يُحَرِّضُ على بَنِي أُمَيَّةٍ، وكان يَغْدُو ويَرُوحُ إلى الحُسَيْنِ ، ويُشِيرُ عليه
أنْ يَقْدُمَ العِراقَ ويَقُولُ: هم شِيْعَنْكم وكان ابنُ عَبَّاسٍ يَنْهَاهُ وقال له أبو سَعيدٍ : اتَّقِ اللهَ
والْزَمْ بَيْتَكَ وكَلَّمَه جَابِرُ ، وأبُو وَاقِدِ اللَّيْنِيّ .
وأبَى الحُسَيْنُ على كُلِّ مَنْ أَشَارَ عليهِ إلَّ المَسِيرَ إلى العِراقِ .
ورَوى ابنُ سَعدٍ بأسانِيدِه: قالُوا: وأخَذَ الحُسَيْنُ طَريقَ العُذَيْبِ(١) حتى نَزَلَ قَصْرَ
أبي مُقاتِل(٢)، فخَفَقَ خَفْقَةً، ثمَّ اسْتَرْجَعَ، وقال: رَأيتُ كأنَّ فارساً يُسَايِرُنا ،
ويقُولُ: القَومُ يَسيرُونَ ، والمَنايَا تَسْري إليهِم، ثمَّ نَزَلَ كَرْبلاءَ، فسَارَ إليه عُمَرُ بنُ
سَعدٍ كالمُكْرَه إلى أنْ قالَ : وقُتِلَ أصْحابُه حَوْلَهُ ، وكانوا خَمْسينَ ، وتَحَوَّلَ إليه من
أُوْلِكَ عِشْرُونَ ، ويَقِيَ عَامَّةُ نَهَارِه لا يَقْدُمُ عليه أحَدٌ ، وأحَاطَتْ بِهِ الرَّجَّلَةُ، وكان يَشُدُّ
عليهِم، فَيَهْزِمُهُم وهم يَكْرَهُونَ الإِقْدَامَ عليهِ ، فصَرَخَ بهم شِمْر! ثَكِلَتْكُمْ أُنَّهاتِكُم ،
ماذا تَنْتَظِرُون به؟ وطَعَنَه سِنانُ بنُ أَنَسِ النَّخْعِيّ في تُرْقُوَتِه ، ثمَّ طَعَنَه في صَدْرِهِ فخَرَّ
واحْتَّ رَأْسَه خوليٌّ الأَصْبحيّ لا رَضِيَ الله عنهُما .
قال : ووُجِدَ بالحُسَيْنِ ثلاثٌ وثلاثُونَ جِراحَة .
ولَمْ يُفْلِتْ من أهْلِ بَيْتِ الحُسَيْنِ سِوىُ وَلَدِهِ عَلَيٍّ الأَصْغَر ، فالحُسَيْنيَةُ من ذُرِّيَتِهِ ،
كان مَرِيضاً، وحَسَنِ بنِ حَسَنِ بنِ عَلَيّ - وله ذُرِّيَةٌ - وأخيه عَمْرُو ، ولا عَقِبَ له ،
(١) قال ياقوت: العُذيب: ماءٌ بين القادسية والمغيثة.
(٢) في الطبريّ ٤٠٧/٥، وابن الأثير ٤/ ٥٠: قصر بني مقاتل، قال ياقوت في (( معجم البلدان))
٤/ ٣٦٤: وقصر مقاتل : كان بين عين التمر والشام وقال السكوني : هو قرب القطقطانة وسلم ثم
القريّات منسوب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس .
٢٧٣

والقَاسِمِ بنِ عبدِ الله بنِ جَعْفَر، ومُحمَّدٍ بنِ عَقيل ، فقَدِمَ بهم وبزَيْنَبَ وفاطِمَة بِنْتُي
عَلَيّ، وفاطِمَة وسُكَيْنَة بِنْتَي الحُسَيْنِ، وَزَوجَتِهِ الرَّباب الكَلْبِيَّة والِدَةِ سُكَيْنَةٍ، وأُمّ
مُحمَّد بِنْتِ الحَسَنِ بنِ عَلَيّ ، وعَبيدٍ وإماءٍ لهم .
ووَرَدَ الْبَشيرُ على يَزِيدَ ، فلمَّا أَخْبَرَه ، دَمِعَتْ عَيْناهُ، وقال : كُنتُ أَرْضَى من
طاعَتِكُمْ بُدُونِ قَتْلِ الحُسَيْنِ وقالت سُكَيْنَةُ: يا يَزِيدُ ، أبَنَاتُ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم سَبايًا !! ؟ ، قال: يا بِنْتَ أخِي هُوَ واللهِ عليَّ أشَدُّ منه عَليكِ، أقْسَمتُ ولَوْ أنَّ
بَيْنَ ابنَ زِيادٍ وبَينَ حُسَيْنٍ قَرابَةٌ ما أَقْدَمَ عَليهِ ، ولكنْ فَرَّقتْ بَيْنَه وبينَه سُمَّيَّةٍ ، فَرَحِمَ اللهُ
حُسَيْناً ، عَجَّلَ عليه ابنُ زيادٍ ، أما واللهِ لَوْ كُنتُ صَاحِبَه ثمَّ لَمْ أقْدِرْ علىَ دَفْعِ القَتْلِ عنه
إِلاَّ بنَقْصِ بَعضٍ عُمْرِي، لأَحْبَيْتُ أنْ أَدْفَعَه عنه ولَوَدِدْتُ أنْ أُتِيتُ به سِلْماً .
ثمَّ أقْبَلَ علىُ عَليٍّ بنِ الحُسَيْنِ ، فقال: أَبُوكَ قَطَعَ رَحِمي ، ونَازَعَنِي سُلطَانِي فَقَامَ
رَجلٌ ، فقال: إنَّ سِباءَهُم لنا حَلالٌ قال عَلَيٍّ: كَذَبْتَ إلاَّ أنْ تَخْرُجَ من مِلَّتِنَا فَأَطْرَقَ
يَزِيدُ، وأمَرَ بالنِّسَاءِ ، فَأُدْخِلْنَ على نِسَائِهِ وأمَرَ نِسَاءَ آلِ أبِي سُفْيَانَ ، فَأَقَمْنَ المَأْتَمَ على
الحُسَيْنِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، إلى أنْ قال: وبَكَتْ أُمُّ كُلُومٍ بِنْتُ عبدِ اللهِ ابنِ عامِرٍ ، فَقَالَ يَزِيدُ
وهو زَوْجُها : حُقَّ لها أنْ تَعُولَ علىْ كَبيرِ قُرَيْشٍ وسَيِّدِها فَجَهَّزَهُم وحَمَلَهم إلى
المَدينَةِ .
عن ابنِ عَبَّاسِ قالَ : رَأيتُ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النَّمِ نِصْفَ النَّهَارِ ،
أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، وبِيَدِهِ قارُورَةٌ فيها دَمٌّ قُلتُ : يا رسُولَ اللهِ ، ما هَذا؟ قال صلى الله عليه
وسلم: ((هذا دَمُ الحُسَيْنِ وأصْحابِهِ ، لَمْ أَزَلْ مُنْذُ اليَومِ الْتَقِطُهُ)) فأَحْصِيَ ذَلكَ اليَومُ
فوَجَدُوهُ قُتِلَ يَومَئذٍ رضي الله عنه(١) .
وقال الذهبيُّ في تَرْجَمَةِ مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ بنِ أبي العاصِ ، المَلكُ أبو عبدِ المَلكِ
القُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ .
مَوْلِدُه بِمَكّةَ، وهو أصْغَرُ من ابنِ الزُّبَيْرِ بأرْبَعَةِ أشْهُر وقِيلَ : له رُؤْيَة ، وذلك
مُحْتَمَلٌ .
(١) انظر السير: (الحُسينُ الشهيد) ٢٨٠/٣-٣٢١، وانظر النزهة: ٣٨٢/٦ -٣٨٤.
٢٧٤

وكان كاتِبَ ابنِ عمِّه عُثمانَ ، وإليه الخاتَم ، فخَانَه ، وأجْلَبُوا بسَبَبه علىْ عُثمانَ ،
ثُمَّ نَجَا هو ، وسَارَ مع طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ للطَّلَبِ بَدَمِ عُثمانَ فقَتَلَ طَلْحَةَ يومَ الجَمَلِ ، ونَجَا -
لا نُجِّيَ - ثمَّ وَلي المدينةَ غيرَ مرةٍ لمُعاوِيَة .
وكان أبُوه قد طَرَدَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائِفِ، ثمَّ أَقْدَمَه عُثمانُ إلى
المَدِينَةِ لأَنَّه عُّه ولمَّا هَلَكَ ولَدُ يَزِيد، أقْبَلَ مَرْوانُ، وانْضَمَّ إليه بَنُو أُمَّة وغَيرُهم ،
وحارَبَ الضَّخَّاكَ الفِهْرِيَّ، فقَتَلَه، وأخَذَ دِمَشْقَ، ثمَّ مِصْرَ ودَعَا بالخِلافَةِ .
وكان ذا شَهامَةٍ ، وشَجَاعَةٍ، ومَكْرٍ، ودَهَاءٍ، أحْمَرَ الوَجْهِ(١) .
١٢ - فِتْنَةُ الحَرَّةِ :
دَخَلَ أبو سَعيدِ الخُدْرِيّ يومَ الحَرَّةِ غَاراً، فدَخَلَ عليه فيه رَجُلٌ ، ثمَّ خَرَجَ فقال
لرَجُلٍ من أهْلِ الشَّامِ: أدُلُكَ علىْ رَجُلٍ تَقْتُلُه؟ فلمَّا انْتُهَى الشَّامِيُّ إلى بَابِ الغَارِ ، وفي
عُنُقِ أبي سَعيدِ السَّيفُ ، قال لأبي سَعيدٍ: أُخْرُجْ، قال: لا أخْرُجُ وإنْ تَدخُلْ أَقْتُلْكَ ،
فدَخَلَ الشَّامِيُّ عليه، فوَضَعَ أبو سَعيدِ السَّيْفَ ، وقال: بُؤْ بِثْمي وإِثْمِكَ، وكُنْ من
أصْحابِ النَّارِ قال: أنْتَ أبو سَعيدِ الخُدْريّ؟ قال: نَعَم قال: فاسْتَغْفِرْ لي، غَفَرَ اللهُ
لَكَ (٢).
قال الذهبيُّ في تَرجَمَةِ عبدِ الله بنِ حَنْظَلَة : كان عبدُ الله ابنُ حَنْظَلَة رَأسَ الثَّائِرِينَ
علىْ يَزِيدِ نَوْبَةَ الحَرَّةِ .
وَفِدَ فِي بَنِهِ الثَّمانِيَةِ علىْ يَزِيدٍ ، فأعْطَاهُم مِئَتَيّ ألْفٍ وخِلْعَاً فلمَّا رَجَعَ ، قال له كُبَرَاءُ
المَدِينَةِ: ما وَرَاءَك؟ قال: جِئْتُ من عندِ رَجُلٍ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلَّ بَنِيَّ، لجاهَدْتُه بهم
قالوا : إنَّه أكْرَمَكَ وأعْطاكَ قال: وما قَبِلْتُ إلَّ لأنَقَوَّى به عَليه، وحَضَّ النَّاسَ ،
فبايَعُوهُ، وأُمْرَ على الأنْصَارِ وأُمَّرَ علىْ قُرَيشٍ عبدُ الله بنُ مُطيع العَدَويّ ، وعلى باقي
المُهاجِرِينَ مَعْقِلُ بنُ سِنَانِ الأشْجَعَيّ ، ونَفَوا بَنِي أُمَّيّة .
(١) انظر السير: (مَروان بن الحَكم) ٤٧٦/٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ١/٤١٢.
(٢) انظر السير: ( أبو سعيد الخُدريّ) ١٦٨/٣ -١٧٢، وانظر النزهة: ٣/٣٦٠.
٢٧٥

فَجَهَّزَ يَزِيدُ لهم جَيْشاً ، عليهم مُسْلِمُ بنُ عُقْبَة - ويُدْعَى مُسْرِفاً - المُرِّيّ في اثْنَيّ عَشَر
ألْفاً، فَكَلَّمَه عبدُ الله بنُ جَعْفَر في أهْلِ المَدِينَةِ ، فقال: دَعْني أشْتَفي، لكنِّي آمُرُ
مُسْلِمَ بنَ عُقْبَة أن يَتَّخِذَ المَدينَةَ طَريقَه إلى مَكّةَ فإنْ هم لَمْ يُحارِبُوه ، وتَرَكُوهُ ، فَيَمْضي
الحَربِ ابنِ الزُّبَيْرِ ، وإِنْ حَارَبُوهُ قاتَلَهُم، فإنْ نُصِرَ ، قَتَلَ، وأَنْهَبَ المَدينَةَ ثَلاثاً، ثمَّ
يَمْضي إلى ابنِ الزُّبَيْرِ .
وكَتَبَ عبدُ الله بنُ جَعْفَرَ إليهِم لِيَكُفُّوا ، فَقَدِمَ مُسْلِمٌ ، فحارَبُوهُ ونالُوا من يَزِيدَ فأوْقَعَ
بهم، وأنْهَبَهَا ثَلاثاً، وسَارَ، فمَاتَ بالشَّلَلِ، وعَهِدَ إلى خُصَينِ بنِ نُمَيْرِ في أوَّلِ سَنَةِ
أَرْبَعٍ وسِتِّينَ ، وذَمَّهُم ابنُ عُمَرَ علىُ شَقِّ العَصَا .
قال زَيدُ بنُ أَسْلَم : دَخَلَ ابنُ مُطيعٍ على ابنِ عُمَرَ لَيَالِي الحَرَّة فقال ابنُ عُمَرَ :
سَمعتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: ((مَنْ نَزَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَمْ يَكِنْ لَهُ حُجَّةٌ
يَومَ القِيَامَةِ ».
قال المَدائِيُّ : تَوَجَّهَ إليهِم مُسْلِمُ بنُ عُقْبَة في اثْنِيّ عَشَر ألْفاً وأنْفَقَ فيهم يَزِيدُ في
الرَّجُلِ أَرْبَعينَ ديناراً فقال له النُّعْمانُ بنُ بَشِير : وَجِّهْني أَكْفِكَ قال: لا ، لَيسَ لهُم إلاَّ
هذا الغُشَمةِ ، والله لا أُقِيلُهُم بعدَ إحْسَاني إليهِم وعَفْوي عنهُم مَرَّةً بعدَ مَرَّة ، فقال :
أنْشُدُكَ اللهَ يا أميرِ المُؤْمِنِينَ فِي عَشيرَتِكَ ، وأنْصارِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
وكَلَّمَه عبدُ الله بنُ جَعْفَر، فقال: إنْ رَجَعُوا، فلا سَبِيلَ عليهِم، فادْعُهُم يا مُسْلِمُ
ثلاثاً ، وامْضٍ إلى المُلْحِدِ ابنِ الزُّبَيْرِ ، قال : واسْتَوْصِ بعَليٍّ ابنِ الحُسَيْنِ خَيراً .
عن الحَسَنِ ، قال: والله ما كَادَ يَنْجُو منهُم أحَدٌ، لقد قُتِلَ وَلَدَا زَيْنَب بنْتِ أُمّ
سَلَمَة .
قال مُغيرَةُ بنُ مِقْسَمِ: أَنْهَبَ مُسْرِفُ بنُ عُقْبَة المَدينَةَ ثلاثاً ، وافْتُضَّ بها ألْفُ عَذْراء.
قال السَّائِبُ بنُ خَلَّد: سَمعتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: ((مَنْ أَخَافَ
أَهْلَ المَدِينَةِ ، أَخَافَهُ اللهُ، وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ)) (١).
(١) وتمامه: ((والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِين، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيامَةِ صَرْفاً ولا عَدْلاً)).
٢٧٦

قال خَليفَةُ : أُصِيبَ من قُرَيشٍٍ والأنْصَارِ يَومَئذٍ ثلاثَ مِئَّةٍ وسَنَّة رجالٍ ثم سَمَّاهُم .
وعن أبي جَعْفَرِ البَاقِرِ ، قال: ما خَرَجَ فيها أحَدٌ من بَنِي عبدِ المُطَِّبِ، لَزِمُوا
بُيُوتَهُم، وسَألَ مُسْرِفٌ عن أبي، فجاءَه ومعه ابنا مُحمَّد بنِ الحَنَفيَّة فرَخَّبَ بأبي ،
وأَوْسَعَ له ، وقال: إنَّ أميرَ المُؤْمِنِينَ أوْصاني بِكَ .
كانت الوَقْعَةُ لثلاثٍ بَقِينَ من ذي الحِجَّة سَنةَ ثلاثٍ وسِتِّين وأُصيبَ يومئذٍ عبدُ الله بنُ
يَزيد بنِ عاصِمٍ حاكِي وُضُوءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومَعْقِلُ بنُ سِنان ومُحمَّدُ بنُ
أَبَّ بنِ كَعْب ، وعِدَّةٌ من أوْلادِ كُبَراءِ الصَّحَابَةِ ، وقُتِلَ جَماعَةٌ صَبراً .
وعن مالكِ بنِ أَنَسٍ ، قال: قُتِلَ يومَ الحَرَّةِ مِن حَمَلَةِ الْقُرآنِ سَبْعُ مِئَةٍ .
قال الذهبيُّ : فلمَّا جَرَتْ هذه الكائِنَةُ، اشْتَّ بُغُضُ النَّاسِ لِيَزِيدَ مع فِعْلِهِ بالحُسَيْنِ
رضي الله عنه وآلِهِ ، ومع قِلَّةِ دِينِهِ، فخَرَجَ عليه أبُو بِلال مِزْداسُ ابنُ أُديّةَ الحَنْظَلِيّ
وَخَرَجَ نَافِعُ بنُ الأَزْرَق ، وخَرَجَ طَوَّافُ السّدوسيّ ، فما أمْهَلُهُ الله ، وهَلَكَ بعدَ نٍَّ
وسَبعينَ يوماً (١) .
١٣ - كراهِيَةُ الفِتَنِ والتَّحذيرِ منْها :
وعن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى قال: انْصَرَفَ الزُّبَيْرُ يومَ الجَمَلِ عن عَلَيٍّ ، فَلَقِيَهُ
ابنُهُ عبدُ الله، فقال: جُبْناً، جُبْناً !! قال : قد عَلِمَ النَّاسُ أَنِّي لَسْتُ بجَبَانٍ ، ولكن
ذَكَّرَنِي عَلِيٍّ شَيْئاً سَمعتُهُ من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فحَلَفْتُ أنْ لا أُقاتِلَه، ثمَّ
قال :
تَرْكُ الأُمُورِ التي أَخْشَىْ عَوَاقِبَها
في الله أحْسَنُ في الدُّنيا وفي الدِّينِ
وقِيلَ إنَّهُ أَنْشَدَ :
أنَّ الحَياةَ مِنَ المَمَاتِ قَرِيبُ
ولَقَد عَلِمْتُ لَوْ أنَّ عِلْمِي نافِعِي
فَلَمْ يَنْشَبِ أنْ قَتَلَه ابنُ جُرْمُوز .
(١) انظر السير: (عبد الله بن حنظلة) ٣٢١/٣ - ٣٢٥، وانظر النزهة: ١/٣٨٦.
٢٧٧

عن جونِ بنِ قَتَادَة قال: كُنتُ مع الزُّبَيْرِ يومَ الجَمَلِ، وكانوا يُسَلِّمُونَ عليه
بالإِمْرَةِ ، إلى أنْ قال: فَطَعَنَه ابن جُرْمُوزٍ فَأَثْبَتَه، فوَقَعَ ، ودُفِنَ بوادِي السِّباعِ ، وجَلَسَ
عليٍّ رضي الله عنه ، يَبْكِي عَليهِ هو وأصْحابُه .
عن أبي نَضْرَة قال : جِيءَ برَأسِ الزُّبَيْرِ إلى عَلَيٍّ فقال عَليٍّ رضي الله عنه: تَبَوَّأ
يا أعْرابِيُّ مقعَدَك من النَّار ، حذَّثني رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ قاتِلَ الزُّبَيْرِ في
النَّارِ (١).
وعن عامِرِ بنِ سَعدٍ أنَّ أبَاهُ سَعداً كان في غَنَمٍ له ، فجاءَ ابنُهُ عُمَرُ ، فلمَّا رَآهُ قال :
أعُوذُ بالله من شَرِّ هذا الرَّاكِبِ ، فلمَّا انْتُهَى إليهِ ، قال: يا أَبَتِ أرَضِيتَ أنْ تَكُونَ
أعْرابيّاً في غَنَمِك، والنَّاسُ يَتَنازَعُونَ في المُلكِ بالمَدينَةِ !! ؟ ، فضَرَبَ صَدرَ عُمَرَ ،
وقال: اسْكُتْ فإنِّي سَمعتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: ((إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ
يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِي))(٢) .
عن حُسَيْنِ بنِ خَارِجَة الأشْجَعَيّ قال: لمَّا قُتِلَ عُثمانُ رضي الله عنه، أُشْكِلَتْ عَليَّ
الفِتْنَةُ، فقُلتُ : اللَّهُمَّ أرِني من الحَقِّ أمراً أَتَمَسَّكُ به ، فرَأيتُ في النَّومِ الدُّنيا والآخِرَةَ
بينَهُما حائِطٌ، فهَبَطَتُ الحائِطَ، فإذا بنَفَرٍ ، فقالوا: نَحنُ المَلائِكَةُ، قُلتُ : فَأيْنَ
الشُّهَداءِ ؟ قالوا : اصْعَد الدَّرَجَاتِ ، فصَعَدتُ دَرَجَةً ثمَّ أُخْرَى، فإذا مُحمَّدٌ وإبراهيمُ ،
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا، وإذا مُحمَّدٌ يَقُولُ لإبراهيمَ : اسْتَغْفِرْ لِأُمَّتي ، قال : إنَّكَ لا تَدْرِي
ما أحْدَثُوا بَعْدَك، إنَّهم أهْرَقُوا دَماءَهم، وقَتَلُوا إمَامَهُم، ألا فَعَلُوا كمَا فَعَلَ خَليلي
سَعْدٌ ؟ ( يَعني ابنَ أبي وَقَّاص ) .
قال : قُلتُ : لقَد رَأيتُ رُؤْيا، فأتَيْتُ سَعداً فقَصَصْتُها عليه، فمَا أكْثرَ فَرَحاً ،
وقال رضي الله عنه : قد خَابَ مَنْ لَمْ يَكنْ إبراهيمُ عليه السلامِ خَليلُه ، قُلتُ : مع أيِّ
الطَّائِفَتَينِ أنْتَ ؟ قال رضي الله عنه: ما أنا مع واحدٍ منْهُما ، قُلتُ : فما تَأمُرُني ؟
(١) انظر السير: (الزُّبِيْرُ بن العَوّام) ٤١/١-٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٢٨.
(٢) انظر السير: (سعد بن أبي وقاص) ٩٢/١-١٢٤، وانظر النزهة: ٢/١٣٤.
٢٧٨

قال : هَلْ لكَ من غَنَمِ ؟ قُلتُ : لا، قال: فاشْتَرٍ غَنَماً ، فكُنْ فيها حتى تَنْجَلي(١).
وعن أبي سَعيدٍ قال : أمَرَنا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ببناءِ المَسْجِدِ فجَعلْنا
نَنَقُلُ لَبِنَّةً لَبِنَةً ، وعَمَّارُ يَنقُلُ لَبِتَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ ، فَتَرِبَ رَأْسُه ، فحَدَّثني أصْحابِي ولَمْ أَسْمَعْه
من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّه جَعَلَ يَنْفُضُ رَأْسَه ويَقُولُ: (( وَيْحَك يا ابنَ
سُمَيَّة !! تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الْبَاغِيَّةُ ».
وعن خالد الحَذَّاء : عن عِكْرِمَةَ سَمِعَ أبا سَعيدٍ بهذا ولَفْظُهُ: ((وَنْحَ ابنَ سُمَيَّةَ !!
تَقْتُلُهُ الفِتَةُ الباغِيَةُ، يَدعُوهُم إلى الجنَّةِ ويَدْعُونَه إلى النَّار)) فجَعَلَ يقُولُ: ((أعُوذُ باللهِ
من الفِتَنِ ))(٢).
وعن حَيَّن أبي سَعيدِ التَّيْمِيّ، قال: حَذَّرَ الأَشْعَثُ من الفِتَنِ فِقِيلَ له : خَرَجْتَ مع
عَليٍّ! فقال : ومَنْ لَكَ إِمامٌ مِثْلُ عَليّ(٣).
وقال وكيعٌ : سَلِمَ من الفِتْنَةِ من المَعروفينَ : سَعدٌ، وابنُ عُمَرَ ، وأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ ،
ومُحمَّدُ بنُ مَسْلَمَةٍ .
قال الذهبيُّ : انْتُفَعَ أَسامَةُ من يوم النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذ يقُولُ له :
((كيْفَ (٤) بِلا إلَهَ إلاَّ الله يا أُسَامَة !! ؟))َ، فَكَفَّ يَدَهُ، ولَزِمَ مَنْزِلَه، فأَحْسَنَ(٥).
وعن الزُّهْريِّ، قال: لَقِيَ عَلَيٍّ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ، فقال: ما كُنَّا نَعُدُّكَ إلاَّ من أنْفُسِنا
يا أُسامَةُ، فلِمَ لا تَدْخُلْ مَعَنا؟ قال : يا أبا حَسَن ، إنَّكَ والله لَوْ أَخَذْتَ بمشْفٍ
(١) انظر السير: (سعد بن أبي وقّاص) ١/ ٩٢ -١٢٤، وانظر النزهة: ٣/١٣٦.
(٢) انظر السير: (عمَّار بن ياسر) ٤٠٦/١-٤٢٨، وانظر النزهة: ٣/١٨٥.
(٣) انظر السير: (الأشعث بن قيس) ٢/ ٣٧ -٤٣، وانظر النزهة: ٥/٢١٥.
(٤) أخرجه مسلم (٩٧) في الإيمان: باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلاّ الله، وفيه أن
أسامة بن زيد قَتلَ رجلاً من المشركين بعد أن قال : لا إله إلاَّ الله ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم: ((لِمَ قَتَلْتَه؟)) قال يا رسُولَ الله، أوجَعَ في المُسلمين، وقَتَلَ فُلاناً وفُلاناً، وسَمَّيُ له نَفَراً،
وإِنِّي حَمَلتُ عليه، فلمَّا رَأى السَّيفَ قال: لَا إِلَّه إلاَّ الله، قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم :
((أَقَتَلْتَهُ !! ؟)) قال: نَعَم، قال صلى الله عليه وسلم: ((فكيفَ تَصْنَعُ بِلا إلَهَ إلاَّ الله إذا جاءَتْ يومَ
القِيامَةِ !! ؟))، قال: يا رسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لي .
(٥) انظر السير: (أسامة بن زيد) ٤٩٦/٢ - ٥٠٧، وانظر النزهة: ٥/٢٩٦ .
٢٧٩

الأسَدِ، لأَخَذْتُ بمشْفِرِهِ الآخَرِ مَعَكَ، حتى نَهْلَكَ جَميعاً، أوْ نَحْيا جَميعاً، فأمَّا هذا
الأَمْرُ الذي أنْتَ فيه ، فو اللهِ لا أدْخُلُ فيه أبداً .
مات أسامَةُ بالجرفِ (١) .
وعن المَقْبُريِّ ، قال: شَهِدْتُ جَنَازَةَ أسامَة، فقال ابنُ عُمَر : عَجِّلُوا بِحِبٌّ
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ، ماتَ أسامَةُ في آخِرِ خِلافَةِ
مُعاويَةٍ (٢) .
وقال أبو عُبَيْد : كان عبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاصِ على مَيْمَنةِ جَيشِ مُعَاوِيَةَ يومَ
صِفِين .
عن حَنْظَلَةَ بنِ خُوَيْلِدِ العَنْبَرِيّ، قال: بَيْنما أنا عندَ مُعَاوِيَةَ إذ جاءَه رجُلانٍ
يَخْتَصِمانِ فِي رَأْسِ عَمَّارٍ رضي الله عنه، فقال كُلُّ واحِدٍ منهُما : أنا قَتَلْتُه فقال
عبدُ الله بنُ عَمْرو: لِيَطِبْ به أحَدُكُما نَفْساً لِصَاحِبِهِ ، فإنِّي سَمعتُ رسُولَ الله صلى الله
عليه وسلم يَقُولُ: ((تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الْبَاغِيَةُ))، فقال مُعاويَةُ: يا عَمْرُو !! ألا تُغْني عنَّا
مَجْنُونَك ، فما بالُكَ مَعَنا !! ؟ قال : إنَّ أبي شَكانِي إلىُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
فقال: ((أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيَّاً )) فأنا مَعَكُم، ولَسْتُ أقَاتِلُ، تُوفِّي عبدُ الله بنُ عَمْرو
بِمِصْرَ ، ودُفِنَ بِدَارِهِ الصَّغِيرَة سَنةَ خَمسٍ وسِتِّين(٣) .
وقال ابنُ شَوْذَب: سَارَ الحَسَنُ يَطْلُبُ الشَّامَ ، وأَقْبَلَ مُعاويَةُ في أَهْلِ الشَّامِ
فالْتَّقَوا ، فَكَرِهَ الحَسَنُ القِتالَ ، وبايَعَ على أنْ جَعَلَ له العَهْدَ بالخلافَةِ مِنْ بَعدِه ، فكان
أصْحابُ الحَسَنِ يقُولونَ له: يا عَارَ المُؤْمِنِينَ ، فيقُولُ: العَارُ خَيرٌ من النَّارِ
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحَسَنِ : ((إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ وسَيُصْلِحُ اللهُ به بَيْنَ
فِئَتَيْنِ عَظيمَتَيْنِ من المُسلمينَ )) ، ثمَّ إِنَّ مُعاويَةَ أجَابَ إلى الصُّلْحِ، وسُرَّ بذَلِكَ ودَخَلَ
(١) موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام .
(٢) انظر السير: (أسامة بن زيد) ٤٩٦/٢ - ٥٠٧، وانظر النزهة: ٥/٢٩٧.
(٣) انظر السير: (عبد الله بن عمرُو بن العاص) ٧٩/٣ - ٩٤، وانظر النزهة: ٤/٣٤٠.
٢٨٠