النص المفهرس
صفحات 241-260
وقال عبدُ الرَّحمَن بنُ أبي حاتِمٍ في (( الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ)) قَدِمَ مُحمَّدُ ابنُ إِسْماعيل الرَّيَّ سَنةَ خَمْسینَ ومِئْتَيْنِ ، وسَمِعَ منه أَبِي وأبو زَرْعَةَ وتَرَكا حَديثَهُ عندَما كَتَبَ إليهِما مُحمَّدُ بنُ يَحْبَى أَنَّه أَظْهَرَ عندَهُم بنيسابُورَ أنَّ لَفْظَهُ بالقُرآنِ مَخْلُوقٌ (١) . قال الإمام الذهبيُّ: إنْ تَرَكا حَديثَهِ ، أَوْ لَمْ يَتْرُكَاهُ ، البُخاريُّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مُحْتَجّ به في العَالَمِ (٢) . ذِكرُ مِحْنَةٍ مُحمَّد بنِ إِسْماعيلَ البُخاريّ مع أميرٍ بُخارَى: قال الحاكِمُ: سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ العِبَّاسِ الضَّبِّيِّ يقولُ: سَمعتُ أبا بكرِ بنَ أبي عَمْرو الحافِظَ البُخاريّ يقُولُ : كان سَببُ مُنَافَرَةِ أبي عبدِ الله أنَّ خالدَ بنَ أحمدَ الدُّهليَّ الأمير خليفة الطاهرية بيُخارَى سَألَ أنْ يَحْضُرَ مَنزِلَه، فَيَقرأَ ((الجامِعَ )) و((التَّارِيخَ)) على أوْلادِهِ، فامْتَنَعَ عن الخُضورِ عنده، فراسَلَه بأن يَعْقِدَ مَجْلِساً لأوْلادِهِ ، لا يَحْضُرُه غَيرُهم، فامْتَنَعَ، وقال: لا أخُصُّ أحَداً ، فاسْتَعانَ الأميرُ بِحُرِيثِ ابنِ أبي الوَرْقاء وغَيرِهِ حَتّى تَكَلَّموا في مَذْهَبِهِ ونَفَاهُ عن البَلَدِ ، فَدَعا عَليهِم ، فَلَمْ يَأْتِ إلَّ شَهِرٌ حتّى وَرَدَ أمْرُ الطاهرِيَّةِ ، بأنْ يُنادَى على خالدٍ في البَلَدِ ، فنُودِيَ علیهِ علىْ أَتَانٍ ، وأمَّا حُرِيثُ، فإنَّ ابْتُلِيَ بأهْلِهِ، فَرَأى فيها ما يَجِلُّ عن الوَصْفِ ، وأمَّا فُلانُ ، فابْتُلِيَ بأولادِهِ ، وأَرَاهُ اللهُ فيهِم البَلايَا . وقال الحاكِمُ: حَدَّثْنَا خَلَفُ بنُ مُحمَّد، حَدَّثْنَا سَهْلُ بنُ شاذَوَيْه قال : كان مُحمَّدُ بنُ إسْماعيلَ يَسْكُنُ سِكَّةَ الدَّهْقَانِ، وكان جَماعَةٌ يَخْتِلِفُونَ إليه يُظْهِرونَ شِعارَ أهْلِ الحَديثِ من إفْرادِ الإقامَةِ ورَفْعِ الأَيْدِي في الصَّلاةِ ، وغَيرِ ذلكَ فقالَ حُرِيثُ بنُ أبي الوَرْقاء وغَيْرُه: هذا رجلٌ مُشْغِبٌ، وهو يُفْسِدُ علينا هذه المَدينَةِ ، وقد أَخْرَجَهُ مُحمَّدُ بنُ يَحْيَى من نِيسابُورَ ، وهو إمامُ أهْلِ الحَديثِ ، فَاحْتُوا علیه بابنِ يَحْيَى، واسْتَعانُوا عليه بالسُّلطانِ فِي نَفْيهِ من البَلَدِ ، فَأُخْرِجَ ، وكان مُحمَّدُ بنُ (١) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٥/١٠١٩. (٢) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٦/١٠١٩. ٢٤١ إِسْماعيلَ وَرِعَاً، يَتَجَنَّبُ السُّلطانَ ولا يَدْخُلُ عليهِم(١). قال الذهبيُّ : خالد بن أحمد الأمير ، قال الحاكمُ : له ببخارَى آثارٌ مَحْمودةٌ كلُّها ، إلاَّ مَوْجِدَته على البُخاريِّ، فإنَّهَا زَلَّةٌ، وسببٌ لزَوالِ مُلْكِه(٢). وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجَمَةِ ابنِ عَطاءٍ بعدَ قَوْلَةِ حُسَينِ ابنِ خاقان: (( كان يَنامُ في اليوم والليلةِ ساعتين))، قال الذهبيُّ رَحمَهُ الله: لكنَّه رَاجَ عليه حَالُ الحَلَّجِ ، وصَخَّحَه ، فقال السُّلَميُّ: امتُحِنَ بسَبَبِ الحَلَّجِ ، وطلبَه حامدٌ الوَزيرُ وقال : ما الذي تقُولُ في الحَلَاَجِ ؟ فقال : مَا لَكَ ولِذَاكَ؟ عَليكَ بما نُدِبْتَ له من أخْذِ الأمْوالِ ، وسَفْكِ الدِّماءِ فأمَرَ به ، ففُكَّتْ أسْنانُه، فصاحَ : قَطَعَ اللهُ يَدَيْكَ ورِجْلَيْك ، ومات بعد أَرْبَعَةَ عَشر يوماً ، ولكن أُجِيبَ دُعاؤُه، فقُطِعَتْ أَرْبَعَةُ حامد(٣) . وقال الشُّلَمْيُّ في ((مِحَنِ الصُّوفِيَّةِ )): لمَّا تَكَلَّمَ مُحمَّدُ بنُ الفَضْلِ بِبَلْخ في فَهْمِ القُرآنِ وأحْوالِ الأَئِمَّةِ ، أَنْكَرَ عليه فُقَهَاءُ بَلْخِ ، وقالوا : مُبْتَدعٌ وإنَّما ذاكَ بِسَبِ اعْتِقَادِهِ مَذْهَبَ أهلِ الحَديثِ ، فقال: لا أخْرُجُ حتَى تُخْرِجُونِي وَتَطُوفُوا بِي في الأسْواقِ فَفَعَلوا بهِ ذلكَ ، فقال: نَزَعَ اللهُ من قُلُوبِكُم مَحَبَّتَه ومَعْرِفَتَه فِقِيلَ : لَمْ يَخْرُجْ منها صُوفِيٌّ من أهلِها فأتَى سَمَرْقَنْدَ ، فبالَغُوا في إِكْرامِه (٤) . وقال أبو الحُسَينِ بنُ الفَرَّاء : كان للبَرْبَهَارِيّ مُجاهَدَاتٌ ومَقامَاتٌ في الدِّينِ ، وكان المُخالِفُون يُغْلِظُونَ قَلبَ السُّلطانِ عليه ففي سَنةِ إحْدَى وعشرينَ وثلاثٍ مِئَةٍ أرادُوا حَبْسَه، فاخْتَفَى وأُخِذَ كِبارُ أصْحابِهِ، وحُمِلُوا إلى البَصْرَةِ ، فعاقَبَ اللهُ الوَزيرَ ابنَ مُقْلَةَ وأعَادَ اللهُ البَرْبَهاريَّ إلى حِشْمَتِهِ، وزَادَتْ، وكَثُرَ أصْحَابُهُ فبَلَغَنا أنَّه اجْتازَ بالجانبِ الغَرْبِيِّ، فعَطَسَ فَشَمَّتَهُ أصْحابُهُ، فارْتَفَعَتْ ضَجَّتُهُم حتى سَمِعَها الخَلِيفَةُ، فَأُخْبِرَ بالحالِ ، فاسْتَهْوَلَها ، ثمَّ لَمْ تَزَلْ المُبْتَدِعَةُ تُوحِشُ قَلبَ الرَّاضِي ، حتى نُودِيَ في (١) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٧/١٠١٩. (٢) انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٠٢٠. (٣) انظر السير: (ابن عطاء) ١٤/ ٢٥٥ -٢٥٦، وانظر النزهة: ٤/١١٤٩. (٤) انظر السير: (واعظ بلخ) ١٤/ ٥٢٣-٥٢٦، وانظر النزهة: ٣/١١٧١. ٢٤٢ بَعْدَادَ : لا يَجْتمِعُ اثْنَانِ من أصْحابِ البَرْبَهَارِيّ فَاخْتَفَى (١) . وقال السُّلَميُّ: كان الإمامُ أبو عُثْمانَ المَغْرِبِيّ أَوْحَدَ المَشايخِ فِي طَريقَتِهِ ، لَمْ نَرَ مِثْلَهُ فِي عُلُوُ الحالِ وصَوْنِ الوَقْتِ ، امْتُحِنِ بسَببٍ وِزْرٍ نُسِبَ إليه ، حتىْ ضُرِبَ وشُهِرَ علىْ جَمَلٍ ، ففارَقَ الحَرَمَ . وقال الخَطيبُ : وكان من كِبارِ المَشابِخِ ، له أحوالٌ وكَراماتٌ . وقال الحاكِمُ : سَمِعْتُهُ يقولُ، وقد سُئِلَ : المَلائِكَةُ أفْضَلُ أم الأنْبياءُ ؟ فقال : القُرْبَ القُرْبَ، هم أقْرَبُ إلى الحَقِّ وأطْهَرُ(٢). قال عبدُ الغافِرِ بنِ إِسْمَاعِيلَ : ومِنْ جُمْلَةٍ أحْوالِ أبي القاسِمِ ماخُصَّ به مِنَ المِخْنَةِ في الدِّينِ، وظُهُورِ التَّعصُّبِ ومَيْلٍ بَعْضِ الوُلاةِ إلى الأهْواءِ ، وسَعْي بَعْضِ الرُّؤْسَاءِ إليهِ بالتَّخْليطِ ، حتى أدَّى ذلكَ إلىَ رَفْعِ المَجالِسِ ، وتَفَرُّقِ شَملِ الأصْحابِ ، وكان هو المَقصُودُ من بَيْنِهِم حَسَداً ، حتى اضَطُرَّ إِلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، وامْتَدَّ في أثناءِ ذلكَ : إلى بَغْدَادَ، فَوَرَدَ على القَائمِ بِأمْرِ اللهِ ، ولَقِيَ قَبُولاً، وعُقِدَ له المَجْلِسُ في مَجالِسِهِ المُخْتصَّةِ بهِ ، وخَرَجَ الأمرُ بإعْزازِهِ وإِكْرَامِهِ فِعَادَ إلىْ نِيْسَابُورَ(٣). وعن مَكِيٍّ بنِ عبد السَّلامِ الرُّمَيْلِيُّ قال: كان سَببُ خُروجِ الخَطِيبِ من دِمَشْقَ إلى صُورٍ ، أنَّه كان يَخْتَلِفُ إليهَ صَبِيٌّ مَلِيحٌ، فتكلَّم النَّاسُ في ذلك، وكان أميرُ البَلَدِ رافِضيَّاً مُتَعَصِّباً، فبلَغَتْهُ القِصَّةُ، فجَعلَ ذلك سَباً إلى الفَتْكِ به، فأمَرَ صاحبَ شُرطَتِهِ أن يأخذَ الخَطيبَ باللّيلِ، فَيَقْتُلَه، وكان صاحبُ الشُّرطَةِ سُنِيّاً ، فَقَصَدَه تلكَ اللّيلَةِ في جَمَاعَةٍ ، ولَمْ يُمْكِنْهُ أن يُخالِفَ الأميرَ، فأخَذَه ، وقال : قد أُمِرِتُ فِيكَ بَكَذا وكَذا ، ولا أجِدُ لكَ حِيلَةً إلاَّ أنّي أعْبُرُ بك عند دار الشَّرِيفِ ابنِ أبي الجِنِّ فإذا حَاذَيْتُ الدَّارَ اقْفِزْ وادْخُلْ ، فإِنِّي لا أطْلُبُكَ، وأرْجِعُ إلى الأميرِ فَأُخْبرُه بالقصَّة، فَفَعَلَ ذلك، ودَخَلَ دارَ الشَّريفِ ، فَأرْسَلَ الأميرُ إلى الشَّريفِ أنْ يَبْعَثَ به فقال: أيُّها الأميرُ !! أنْتَ تَعْرِفُ ٠ انظر السير: ( البَرْبَهاريّ) ٩٠/١٥-٩٣، وانظر النزهة : ٤/١١٨٥. (١) (٢) انظر السير: ( أبو عثمان المغربي) ٣٢٠/١٦-٣٢١، وانظر النزهة: ٢/١٢٩٧. ءُ. (٣) انظر السير: (القشيريّ) ٢٢٧/١٨-٢٣٣، وانظر النزهة: ٣/١٤٠٧. ٢٤٣ اعْتِقِادِي فيه وفي أمْثالِهِ، وليْسَ في قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ ، هذا مَشْهورٌ بالعِراقِ ، إنْ قَتَلْتَه ، قُتِلَ به جَماعَةٌ من الشِّيعَةِ، وخُرِّبَتِ المَشَاهِدُ قال : فما تَرَى؟ قال: أَرَى أَنْ يَنْزَحَ من بَلَدِك فأمَرَ بإِخْرَاجِهِ ، فَرَاحَ إِلى صُورٍ وبَقِيَ بها مُدَّةٍ . قال ابنُ الطَّاهِرِ : سَألْتُ هِبَّةَ اللهِ بنَ عبد الوارِثِ الشِّيرازيّ : هلْ كان الخَطِيبُ كتَصانيفِهِ في الحِفْظِ ؟ قال : لا ، كُنَّا إذا سَألْناهُ عن شيءٍ أجَابَنَا بعد أيَّام ، وإنْ أَلْحَحْنا عليه غَضِبَ ، كانت له بادِرَةُ وَحْشَةٍ ولَمْ يَكُنْ حِفْظُهُ على قَدْرِ تَصانيفِهِ(١). وقد نالَت ابنَ الجَوْزيِّ مِحْنةٌ في أواخِرٍ عُمرِه ، ووَشَوْا به إلى الخليفَةِ النَّاصِرِ بأمرٍ اخْتُلِفَ في حَقيقَتِهِ، فجاء مَنْ شَتَمَهُ، وأهانَه، وأخَذَهُ قَبْضَاً باليدِ ، وخَتَمَ علىَ دَارِهِ ، وشَثَّتَ عِيالَه، ثمَّ أُقْعِدَ في سَفِينَةٍ إِلى مَدينَةِ واسِط ، فحُبِسَ بها في بَيْتٍ حَرِجٍ ، وبَقِيَ هو يَغْسِلُ ثَوْبَه ويَطْبُخُ الشيءَ، فبَقِيَ على ذلك خَمسَ سِنِينَ مَا دَخَلَ فيها حمَّاماً قامَ عليه الرُّكْنُ عبدُ السَّلامِ ابنِ عبدِ الوَهَّابِ ابنِ الشَّيْخِ عبدِ القادِرِ وكان ابنُ الجَوْزيَّ لا يُنْصِفُ الشيخَ عبدَ القادِرِ ، ويَغُضُّ من قَدْرِهِ ، فَأَبْغَضَّهُ أولادُه ، ووزر صاحبُهم ابنُ القَصَّاب ، وقد كان الرِّكْنُ رَدِيءَ المُعْتَقَدِ ، مُتَفَلسِفاً، فَأُخْرِقَت كُتُبُه بإشارة ابنِ الجَوْزِيِّ، وأُخِذَتْ مَدرَسَتُهم، فأُعْطِيَت لابنِ الجَوْزِيِّ، فانسمّ الرُّكْنُ ، وقد كان ابنُ القَصَّاب الوَزِيرُ يَتَرَفَضُ ، فأتاه الرُّكْنُ ، وقال : أينَ أنْتَ عن ابنِ الجَوْزيَّ النَّاصِبِيِّ؟ وهو أيضاً من أولادِ أبي بكرٍ ، فصرَّفَ الرُّكْنَ في الشَّيخ ، فجاءَ، وأهانَه ، وأخَذَه معه في مَرَكبٍ ، وعلى الشيخِ غُلَالَةٌ بلا سَراويلَ ، وقد كان ناظِرُ واسط شِيعِيّاً أيضاً ، فقال له الرُّكْنُ : مَكِّنِّي من هذا الفاعِلِ لأرْميهِ في مَطْمورةٍ ، فَزَجَرَه ، وقال : يا زِنْديق ، أفعلُ هذا بمجَرَّدِ قولِك ؟! هاتِ خَطَّ أميرِ المُؤمنين ، والله لو كان على مَذْهَبِي، لَبَذَلتُ رُوحِي فِي خِدمَتِهِ ، فَرُدَّ الرُّكْنُ إلى بغدادَ ، وكان السَّبُ في خَلاصِ الشَّيخِ أنَّ وَلدَه يُوسُف نَشَأ واشْتَغَلَ، وعَمِلَ في هذه المُدَّةِ الوعظَ وهو صَبِيٌّ، وتَوَصَّلَ حتىُ شَفَعتْ أُم الخَلِيفَةِ ، وأطْلَقَت الشَّيِخَ ، وأتَى إليه ابنُه يُوسُفُ، فخَرَجَ ، وما ردَّ من واسِط حتى قَرَأ (١) انظر السير: (الخطيب) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٣/١٤١٣. ٢٤٤ هو وابنُهُ بتَلْقِينِه بالعَشْرِ على ابنِ الباقلانيِّ، وسِنُّ الشَّيخِ نَحْوَ الثَّمَانِينِ ، فَانْظُرْ إلى هذه الهِمَّةِ العالِيَةِ . قال المُوَفَّقُ عبدُ اللَّطيفِ: وكان يُراعِي حِفْظَ صِخَّتِهِ، وتَلْطِيفَ مِزاحِه، وما يُفيدُ عَقْلَهِ قُوَّةً، وذِهْنَه حِدَّةً جُلُّ غِذائِهِ الفَراريجُ، ويَعْتَاضُ عن الفاكِهَةِ بِالأَشْرِيَةِ والمَعْجوناتِ، ولِباسُهُ أفْضَلُ لِباسٍ : الأبيضُ النَّاعِمُ المُطَيِّبُ ، وله ذِهِنٌ وَقَّادٌ ، وجَوابٌ حاضِرٌ، ومُجُونٌ ومُداعَبَةٌ حُلْوَةٌ ، ولا يَنْفَكُ من جاريَةٍ حَسْناءَ(١) . وقال الحافظ الذهبيُّ في تَرْجَمة الإمام عبد الغني المَقْدسيّ : ما ابتُلي الحافظُ عبدُ الغَنيّ به : قال الضِّياءُ : سَمعتُ أبا مُحمَّد عبدَ الرَّحمَن بنَ مُحمَّد بنَ عبدِ الجَبَّار ، سَمعتُ الحافظَ عبد الغَني المَقدِسيّ يقولُ: سَألْتُ اللهَ أنْ يَرْزُقَنِي مِثلَ حالِ الإمامِ أحْمَد فقد رَزَقَنِي صَلاتَه ، قال : ثمَّ ابْتُلِيَ بعدَ ذلكَ وأُوذِي . سَمعتُ الإمامَ عبدَ اللهِ بنَ أبي الحَسَنَ الجُبَّائِيَّ بأصْبَهانَ يَقُولُ: أبو نُعَيم قد أخَذَ على ابنِ مَنْدَة أَشْياءَ في كتابِ ((الصَّحابَة )) فكان الحافظُ أبو مُوسَى يَشْتَهِي أنْ يأخُذَ على أبي نُعَيمٍ في كتابِهِ الذي في الصَّحابَة فما كان يَجْسُر ، فلمَّا قَدِمَ الحافظُ عبدُ الغَنِيّ أَشَارَ إليه بذلك، قال : فأخَذَ على أبي نُعَيمِ نَخْواً من مِئْتَيْنِ وتِسْعينَ مَوْضِعاً، فلمَّا سَمِعَ بذلكَ الصَّدرُ الخُجَنْدِيُّ طَلَبَ عبدَ الغَنِيّ وأرادَ هَلاكَه، فاخْتَفَى . وسَمعتُ مَحمُودَ بنَ سَلامَة يقولُ : ما أخْرجْنا الحافظَ من أصْبَهانَ إلَّ في إزارٍ وذلكَ أنَّ بَيْتَ الخُجَنْدِيَّ أشاعِرَةٌ، كانوا يَتَعَصَّبونَ لأبي نُعَيم، وكانوا رُؤْسَاءَ الْبَلَد . وسَمعتُ الحافظَ يقولُ: كُنَّا بِالمَوْصِلِ نَسْمَعُ ((الضُعَفَاء)) للعُقَيْلِيِّ، فَأَخَذَنِي أهلُ المَوْصِل وحَبَسُونِي ، وأرادُوا قَتْلِي من أجْلِ ذِكْرِ شيءٍ فيه(٢) ، فجاءَنِي رجلٌ طويلٌ ومعه سَيْقٌ، فَقُلتُ : يَقْتُلُنِي وأسْتَرِيحُ ، قال: فَلَمْ يَصْنَعْ شيئاً ، ثمَّ أَطْلَقُونِي ، وكان (١) انظر السير: ( أبو الفَرج بن الجَوزيّ) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ١/١٦٣٥. (٢) يعني من أجل ذكر الإمام أبي حنيفة . ٢٤٥ ٠ يَسْمَعُ معه ابنُ البَرْنِيِّ الواعِظُ فقَلَعَ الْكُرَّاسَ الذي فيه ذلكَ الشيءَ فأرسلوا، وفَتَّشُوا الكتابَ ، فَلَمْ يَجِدُوا شَيئاً ، فهذا سَبَبُ خَلاصِه . وقال : كان الحافظُ يَقْرَأُ الحَديثَ بدِمَشْقَ ، ويَجتَمِعُ عليه الخَلْقُ ، فَوَقَعَ الحَسَدُ ، فشَرعوا وعَمِلُوا لهم وَقْتاً لِقِراءَةِ الحَديثِ ، وجَمَعوا النَّاسَ ، فكان هذا يَنامُ وهذا بِلا قَلْبٍ(١)، فمَا اشْتَفُوا، فأمَرُوا النَّاصِحَ ابنَ الخَنْبَليَّ بأنْ يَعِظَ تحتَ النسرِ يومَ الجُمُعَةِ وقتَ جُلوسِ الحافظِ ، فأوَّلُ ذلكَ أنَّ النَّاصِحَ والحافظَ أرادَا أنْ يَخْتِلِفا في الوَقتِ ، فاتَّفَقَا أنَّ النَّاصِحَ يَجْلسَ بعدَ الصَّلاةِ، وأنْ يَجْلسَ الحافظُ العَصْرَ، فدَسُوا إلى النَّاصِحِ رَجُلاً ناقِصَ العَقلِ من بَنِي عَساكِر فقال للنَّاصِحِ في المَجْلسِ ما مَعْناه : إنَّكَ تقولُ الكذِبَ على المِنْرِ ، فضُرِبَ وهَرَبَ، فَتَمَّتْ مَكَيدَتُهم، ومَشَوْا إلى الوالِي وقالوا: هَؤلاءِ الحَنابِلَةُ قَصْدُهُم الفِتْنَةَ، واعْتِقَادُهُم يُخالِفُ اعْتِقِادَنا ، ونَحْوَ هذا، فَبَعَثَ الأسْرَى(٢) فَرَفَعوا ما في جامِعَ دِمَشْق من مِنْبَرٍ وخَزَانَةٍ ، ودَرابزِينَ ، وقالُوا : نُريدُ أنْ لا تُجْعلَ في الجَامِعِ إلَّ صَلاةُ الشَّافِعِيَّة وَكَسَروا مِنْبَرَ الحافظِ ، ثمَّ إنَّ الحافظَ ضاقَ صَدْرُه ومَضَىْ إلى بَغَلَبَك، فأقامَ بها مُدَّة ، فقال له أهلُها ، إنْ اشْتَهَيْتَ جِئْنا معَكَ إلىُ دِمَشْقَ نُؤذِي مَنْ آذاكَ ، فقال: لا، وتَوجَّه إلى مِصْرَ فيَقِيَ بِنابْلِسَ مُدَّةٌ يَقْرَأُ الحَديثَ ، وكُنتُ أنا بِمِصْرَ ، فجاءَ شابٌّ من دِمَشْقَ بِفَتَاوٍ إلى صاحِبٍ مِصْرَ الملكِ العَزيزِ ومعَه كُتُبٌ أَنَّ الحَنابِلَةَ يَقُولُونَ كَذا وكَذَا مِمَّا يُشَنِّعون به عليهم ، فقالَ - وكان يَتَصَيَّدُ - : إذا رَجَعْنا أخْرَجْنا من بِلادِنا مَنْ يَقولُ بهذه المَقالَة، فاتَّفَقَ أنَّه عَدا به الفَرَسُ ، فَشَبَّ به فسَقَطَ فخُسِفَ صَدْرُه ، ويَقِيَ الحافظُ بِمِصْرَ ، وهم يَنالُونَ منه، حتىُ عَزَمَ المَلِكُ الكاملُ على إخْراجه(٣). (١) يعني أنهم كانوا يجمعون الناس من غير اختيارهم ، فكان بعضهم ينام ، وكان البعض يحضر وقلبه غير حاضر . (٢) هكذا في السَّيَر وفي الذَّيْلِ لابنِ رَجَبَ، والطَّاهرَ أنه اسم لجماعة من أعوان الوالي من الشُّرطة أو الجَيش . (٣) انظر السير: (الحافظ عبد الغنيّ) ٤٤٣/٢١ -٤٧١، وانظر النزهة : ٤/١٦٤٧. ٢٤٦ ٠٠ ٦ - لماذا يُحْمِدُ اللهُ عند المُصيبَةِ ؟ قال شُرَيحٌ : إنِّي لأُصابُ المُصيبَةَ، فأحْمَدُ اللهَ عليها أرْبَعَ مَرَّاتٍ ، أَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَكُنْ أعْظَمَ منها ، وأحْمَدُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبَرَ عليها، وأحْمَدُ إذْ وَفَّقَني للاسْتِرْجاعِ لِمَا أرْجُو من الثَّوابِ ، وأحْمَدُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْها في دِينِي(١) . ٧- رُؤْيا يَظْهرُ فيها فائِدَةُ الابْتِلاء والصَّبرِ عليه : وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حَنْبَل : حَدَّثني ثابتُ بنُ أحمدَ ابن شبويه قال : كان يُخَيَّلُ إليَّ أنَّ لأبي فَضِيلَةٌ على أحْمَدَ بنِ حَنْبَل لِجِهادِهِ ، وِفِكَاكِ الأسْرى فسَألْتُ أخي عبد اللهِ، فقال: أحْمَدُ ابنُ حَنْبَل أرْجَحُ ، فَلَمْ أقْنَع، فأُرِيتُ شَيْخاً حَوْلَه النَّاسُ ، يَسْألُونَه، ويَسْمَعُون منه، فسَألتُه عنهما، فقال: سُبْحانَ الله !! ، إنَّ أحْمَدَ ابنَ حَنْبَل ابْتُلِيَ فصَبَرَ ، وإِنَّ ابنَ شبويه عُوفِي ، المُبْتَلَى الصَّابِرُ كالمُعافَى ؟ !! هَيْهات(٢). (١) انظر السير: (شُريح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة: ٣/٤٥٧. (٢) انظر السير: (ابن شَبُّويه) ٧/١١ -٩، وانظر النزهة: ٣/٩٠٥. ٢٤٧ ثانياً : الفِتَنُ ١ - الفاروق رضي الله عنه كان دِزْعاً للفتن عن المسلمين : قال حُذَيْفَةُ: كنَّا جُلُوساً عند عُمَرَ فقال : أيُكم يَحْفظُ قولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الفِتْنَةَ ؟ قُلتُ : أنا قال : إنَّكَ لجَريء ، قُلتُ : فِتَنَةُ الرجُلِ فِي أَهْلِهِ ومَالِه ووَلدِه تُكفِّرُها الصَّلاةُ والصِّيامُ والصَّدَقةُ والأمرُ بالمَعْروفِ والنَّهْي عن المُنكَر ، قال : ليسَ عنها أسْألُك ، ولكن الفِتنةُ التي تَموجُ مَوجَ البَحرِ ، قُلتُ: ليسَ عَليكَ منها بأسٌ إِنَّ بينكَ وبينها باباً مُغْلَقاً، قال: أَيُكْسَرُ أمْ يُفْتَحُ؟ قُلتُ: بِلْ يُكْسَرُ، قال: إذاً لا يُغْلَقُ أبداً، قُلنا لحُذَيْفَة: أكان عُمَرُ يَعلَم مَنِ الباب؟ قال: نعم ، كما يَعلمُ أنَّ دُون غَدِ اللَّيلة، إنِّي حَدَّثتُه حَديثاً ليسَ بالأغاليط ، فسألَه مَسْروقٌ : مَنْ البابُ ؟ قال : البابُ عُمَر(١) . ٢- الفتن في عهد عثمان رضي الله عنه : قال إسماعيلُ بنُ أبي خالد: لمَّا نَزَلَ أهلُ مِصْرَ الجُحْفَة ، وأتَوْا يُعاتِبون عُثمانَ ، صَعِدَ عُثمانُ المِنْبَرِ فقال: جَزاكُم الله يا أصْحابَ محمد عَنِّي شَراً، أذَعْتُم السَّيْئَةَ وكَتْمُتم الحَسَنَةَ ، وأغْرَيْتم بي سُفهاء النَّاسِ ، أَيُّكم يَذهبُ إلى هؤلاء القوم فيَسألُهم ما نَقَموا وما يُريدُون ؟ قال ذلك ثلاثاً ولا يُجِيبُه أحد . فقامَ عليٍّ فقال: أنا ، فقال عُثمانُ : أنتَ أقْرَبُهم رَحِماً ، فأتاهم فرَخَّبُوا به ، فقال : ما الذي نَقِمتُم عليه؟ قالوا : نَقِمْنا عليه أنَّه مَحَا كتابَ الله - يَعني كَوْنُهُ جَمعَ الأمَّةَ على مُصْحف - وحَمَى الحِمَى، واسْتعمَلَ أقْرباءَه، وأعْطَى مَرْوانَ مائةَ ألف ، وتناولَ أصْحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (٢) . (١) انظر السير: ( عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٥/٥٠ . (٢) انظر السير: ( عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ١/٨٣. ٢٤٨ قال : فرَدَّ عليهم عُثمانُ : أمَّا القُرآنُ فمن عند الله، إنَّما نَهَيْتُكم عن الاخْتِلاف فَاقْرَؤُوا على أيِّ حَرفٍ شِئْتُم ، وأمَّا الحِمَىُ فوالله ما حَمَيتُه لإبِي ولا لغَنَمِي ، وإنَّما حَمَيْتُه لإبلِ الصَّدَقَة ، وأمَّا قَولُكُم: إنِّي أعْطَيتُ مَرْوانَ مائةَ ألف فههذا بَيتُ مالِهم فليَسْتَعمِلُوا عليه مَنْ أَحَبُّوا، وأمَّا قَولُكم : تَنَاولَ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فإنَّما أنا بَشرٌ أغْضَبُ وأرْضَىْ، فمَنْ اذَّعَىْ قِبَلي حقاً أو مَظْلمَةً فها أنا ذَا ، فإن شاءَ قوَداً وإنْ شاءَ عَفْواً فرَضِيَ النَّاسُ واصْطَلَحوا ودَخلُوا المدينة . وقال محمدُ بنُ سَعد : قالوا : رَحلَ من الكُوفَة إلى المَدينةِ الأشْتَرُ النَّخْعيّ - واسْمُه مَالِكُ بنُ الحارث - ويَزِيدُ بنُ مُكَفَّف ، وثابتُ بنُ قَيْس ، وكَميلُ بنُ زياد ، وزَيدٌ وصَعْصَعة ابنا صوحان ، والحارثُ الأَعْوَر، وجُنْدُب بنُ زُهَير ، وأصْفَرُ بنُ قَيْس يَسألونَ عُثمانَ عَزْلَ سَعيد ابن العَاص عنهم فرَحَلَ سَعيدٌ أيْضاً إلى عُثمانَ فوافَقَهم عندَه ، فأبى عُثمانُ أنْ يَعِزِلَه، فخَرجَ الأَشْتَرُ من لَيَلَته في نَفَرٍ ، فسارَ عَشراً إلى الكُوفَة واسْتولَى عليها وصَعدَ المِنْبَر فقال: هذا سَعيدُ بنُ العَاص قد أَتَاكُمْ يَزْعُمُ أنَّ السَّوادَ بُسْتَانٌ لأُغَيْلِمَةٍ من قُرَيش، والسَّوادُ مَساقِطُ رُؤوسِكم ومَرَاكِزُ رِماحُكم ، فمَنْ كان يَرى لله عليه حَقاً فَلْيَنْهَض إلى الجَرَعَةِ (١)، فخرجَ النَّاسُ فعَسْكَرُوا بالجَرَعَة ، فأقبلَ سَعِيدٌ حتى نَزَلَ العُذَيْبَ (٢) فجَهَّزَ الأَشْتَرُ إليه ألفَ فارسٍ مع يَزِيدَ بنِ قَيْس الأرْحبيّ ، وعبد الله بن كِنَانَة العَبْدِيّ ، فقال: سِيرُوا وأزْعِجَاه وألْحِقَاهُ بصاحبه ، فإنْ أبَىْ فاضْرِبا ◌ُنقَه، فأَتَيَاه ، فلمَّا رأى منهما الجدَّ رَجَع (٣) . وصَعدَ الأَشْتَرُ مِنبَ الكُوفَة وقال : يا أهلَ الكُوفَة ما غَضِبتُ إلاَّ لله ولَكُم ، وقد وَليتُ أبا موسى الأشْعَرِي صَلاتَكُم، وحُذَيْفَة بِنَ اليَمان فَيْئَكم ، ثم نَزَلَ وقال : يا أبا موسى اصْعَد، فقال: ما كُنتُ لأَفْعلُ، ولكن هَلُّوا فَبَايِعُوا لأميرِ المؤمنين وجَدِّدُوا (١) الجَرَعَة: بالتحريك ، موضع قرب الكوفة ، المكان الذي فيه سهولة ورمل. (٢) العُذَيب: ماءٌ بين القادسية والمغيثة . (٣) انظر السير: (عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ٢/٨٣. ٢٤٩ البَيْعةَ في رِقائِكُم ، فأجابَه النَّاسُ وكَتبَ إلى عُثمان بما صَنع ، فأعجبَ عُثمان ، فقال عُتْبَةُ ابنُ الوَعْلِ شَاعِرُ الكُوفَة : وأَمِّرْ عَلينا الأشْعَريَّ لياليَا تَصَدَّق عَلینا یا بنَ عَفانٍ واحْتَسِبْ فقال عُثمانُ : نَعم وشُهوراً وسِنينَ إنْ عِشتُ ، وكان الذي صَنعَ أهلُ الكُوفَة بِسَعيدٍ أوّلُ وَهَن دخلَ على عُثمان حين اجتُرِىء عليه . وعن الزهريّ قال: وَلِيَ عُثمانُ ، فَعَمِلَ ستَّ سنين لا يَنْقِمُ عليه النَّاسُ شيئاً ، وإنَّه لأحَبُّ إليهم من عُمَر، لأنَّ عُمَر كان شديداً عليهم ، فلمَّا وَلِيَهم عُثمانُ لانَ لهم ووَصَلهم، ثمَّ إِنَّه تَوانَى في أمرِهم واسْتعمَلَ أقْرِباءَه وأهلَ بَيته في السِّتِ الأواخِر ، وكَتبَ لمَرْوانَ بِخُمْسٍ مِصْرَ أو بخُمسِ إِفْرِيقَة، وآثرَ أقْرباءَه بالمال ، وتأوَّلَ في ذلك الصِّلَة التي أمَرَ اللهُ بها واتَّخِذَ الأمْوالَ، واسْتَسْلَفَ من بَيتِ المَال، وقال: إنَّ أبا بكر وعُمَر تَركا من ذلك ما هو لهُما ، وإنِّي أَخَذْتُه فقَسَّمتُه في أقْرِبائي، فأنْكَرَ النَّاسُ عليه ذلكَ . قال الذهبيُّ : وممَّا نَقَموا عليه أنَّه عَزلَ عُمَيرَ بنَ سَعد عن حِمْصَ ، وكان صَالحاً زَاهداً، وجَمَعَ الشَّامَ لمُعاويَة، ونَزَعَ عَمرَو بنَ العاص عن مِصْرَ ، وأَمَّرَ ابنَ أبي سَرْح عليها ، ونَزَعَ أبا موسى الأشْعَري عن البَصْرَة، وأمَّرَ عليها عبدَ الله بنَ عامر ، ونَزَعَ المُغيرَة بنَ شُعْبَة عن الكُوفَة وأمَّرَ عليها سَعيدَ بنَ العَاص . وممَّن قامَ على عُثمانَ محمدُ بنُ أبي بكر الصدِّيق ، فسُئلَ سالمُ ابنُ عبد الله - فيما قيل - عن سَبب خُروج محمد ، قال: الغَضَبُ والطَمَعُ وكان من الإسْلامِ بمكان ، وغَرَّهُ أقْوامٌ فَطَمِعَ، وكانت له دالةٌ (١) ، ولَزِمَه حَقٌّ، فَأَخَذَه عُثمانُ من ظَهْره . وحَجَّ مُعاويَة، فقيل: إنَّه لمَّا رَأىْ لِينَ عُثمان واضْطِرابَ أمْرِه قال: انْطَلِقِ مَعي إلى الشَّامِ قَبَلَ أنْ يَهْجمَ عليكَ مَنْ لا قِبَلَ لكَ به ، فإنَّ أهلَ الشَّام على الطَّاعَة ، فقال رضي الله عنه : أنا لا أبيعُ جِوارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وإنْ كان فيه قَطعُ (١) قال صاحب النزهة: الوثوق بمحبة الناس والجرأة عليهم ((القاموس المحيط)): دل ل. ٢٥٠ خَيْطِ عُنُقي، قال : فَأَبعَثُ إليك جُنداً، قال : أنا أُقَتِّرُ على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاقَ بجُند تُساكِنُهم !! ، قال : يا أميرَ المؤمنين والله لتُغْتالَنَّ وَلَتُغْزَيَنَّ، قال رضي الله عنه: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيل . وقد كان أهلُ مِصْرَ بايَعوا أشْياعَهم من أهل الكُوفَة والبَصْرَة وجَمِيعَ مَنْ أجابَهم ، واتَّعَدوا يوماً حيث شَخصَ أمراؤُهم فلم يَسْتَقمْ لهم ذلك ، لكنَّ أهلَ الكُوفَة ثارَ فيهم يَزِيدُ بنُ قَيْسِ الأرْحبيّ واجْتمَعَ عليهِ نَاسٌ ، وعلى الحَرب يومَئذ القَعْقَاعُ بنُ عَمرو ، فأتاه وأحَاطَ النَّاسُ بهم فناشَدوهم ، وقال يَزِيدٌ للقَعْقاع: ما سَبِيلُك عليَّ وعلى هؤلاء ، فوالله إنِّي لسامعٌ مُطيعٌ ، وإنِّي لازِمٌ لجَماعَتي إلاَّ أنِّي أَسْتَعْفي من إمَارة سَعيد ، ولم يُظْهِروا سِوى ذلك، واسْتَقبَلوا سَعيداً فرَدُّوه من الجَرَعَة ، واجْتمَعَ النَّاسُ على أبي موسى فأقرَّه عُثمانُ . ولمَّا رَجعَ الأمَراءُ لم يَكنْ للسّبائي(١) سَبِيلٌ إلى الخُروج من الأمْصَار ، فكاتَبُوا أَشْياعَهم أنْ يتَوافُوا بالمَدينة ليَنْظُرُوا فيما يُرِيدُون، وأظْهَروا أنَّهم يأمُّرون بالمَعْروف ، وأنَّهم يَسْألون عُثمانَ عن أشياءَ لتَطِيرَ في النَّاسِ ولتُحَقَّق عليه، فَتَوافَقُوا بالمَدينة ، فأرسلَ عُثمانُ رجُلين من بَنِي مَخْزُوم ومن بَني زُهْرَة ، فقال: انْظُرا ما يُريدُون ، وكانا ممَّن ناله من عُثمانَ أدبٌ ، فاصْطَبَرا للحقِّ ولم يَضْطَغِنا، فلمَّا رَأوْهما أتَوْهما وأخْبَروهما ، فقالا : مَنْ مَعَكم على هذا من أهلِ المَدينة ؟ قالوا : ثلاثةٌ ، قالا : فكيف تَصْنَعون ؟ قالوا : نُريدُ أنْ نَذكُرَ له أشياءَ قد زَرَعناها في قُلوبِ النَّاسِ ، ثم نَرجِعُ إليهم ونَزْعُم لهم أنَّا قَرَّرْناه بها ، فلم يَخْرِجْ منها ولم يَتُبْ ، ثم نَخرجُ كأنَّنَا حُجَّاجٌ حتى نَقَدمَ فَنُحيطَ به فَتَخْلِعَه ، فإنْ أَبَى قَتَلناه . فَرَجَعا إلى عُثمانَ بالخَبرِ ، فضَحِكَ وقال : اللَّهُمَّ سلِّم هؤلاء فإنَّك إنْ لمْ تُسْلمُهُم شَقُوا فأمَّا عمَّار فحَملَ علىَ عِبَّاسِ بنِ أبي لَهَب وعَرَكَه(٢)، وأمَّا محمدُ بنُ أبي بكر فإنَّه أُعْجِب حتى رأى أنَّ الحُقوقَ لا تَلَزَمُه، وأمَّا ابنُ سارة فإنَّه يَتعرَّضُ للبَلاء . (١) قال صاحب النزهة : هم أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي . (٢) في تاريخ دمشق ((عركه بي))، يريد أنه حمله ذنبه وتركه . ٢٥١ وأرسَلَ إلى المِصْرِيِّن والكُوفِيِّين، ونادَى : الصَّلاةُ جامعَة - وهم عندَه في أصْل المِنْبر - فأقبَلَ أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثْنَى عليه ، وأخْبرَهم بالأمْر ، وقامَ الرجُلان ، فقال النَّاسُ: اقْتُل هؤلاء فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ أَوْ إلى أحَدٍ، وعلى النَّاسِ إِمَامٌّ فَعَليهِ لَعْنَةُ اللهِ ، فاقْتُلُوه )). وقال عُثمانُ: بَلْ نَعفُ ونَقْبَل ، ونُبُصِّرُهم بجَهْدنا، إنَّ هؤلاء قالوا: أتَمَّ الصَّلاةَ في السَّفرِ ، وكانت لا تَتَمُّ ، ألا وإنِّي قَدمتُ بلداً فيه أهلي فأتْمَمتُ لهذا . وقالوا : وحَمَيتَ الحِمَى ، وإنِّي والله ما حَمَيتُ إلَّ ما حُميَ قَبلي ، وإنِّي قد وُليتُ وإنِّي لأكثرُ العَرب بَعيراً وشاءً ، فما لي اليومَ غير بَعيرَين لحَجَّتي ، أكَذلكَ ؟ قالوا : نَعَم(١) . قال : وقالوا كان القُرآنُ كُتُباً فترَكَها إلاَّ واحداً ، ألا وإنَّ القُرآنَ واحدٌ جاءَ من عندٍ واحدٍ ، وإنَّما أنا في ذلكَ تابعُ هؤلاء ، أكَذلكَ ؟ قالوا : نَعم . وقالوا : إنِّي رَدَدتُ الحَكَمَ (٢) وقد سَيَّره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف ثم رَدَّه ، فرسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَيَّرَه وهو رَدَّه ، أفكَذلكَ ؟ قالوا : نَعم . وقالوا : اسْتَعمَلتَ الأحداث، ولَمْ أسْتعملْ إلاَّ مُجْتَمَعاً مَرضيًا (٣) ، وهؤلاء أهلُ عَملي فسَلُوهم ، وقد وَلَّى مَنْ قبلي أحْدَث منه ، وقِيل في ذلك لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أشَدُّ ممَّا قيل لي في استعماله أسامة ، أكَذلكَ ؟ قالوا : نَعم . وقالوا : إنِّي أعطَيتُ ابنَ أبي سَرْح ما أفاءَ الله عليه، وإنِّي إنَّما نَفَلْتُه خُمسَ الخُمسِ ، فكان مائةَ ألف، وقد نَفَلَ مثلَ ذلك أبو بكر وعُمَر ، وزَعمَ الجُندُ أنَّهم يَكرهون ذلك فرَدَدتُه عليهم ، وليس ذلك لهم ، أكَذلكَ ؟ قالوا : نَعم . وقالوا : إنِّي أُحبُّ أهلي وأُعطيهم، فأمَّا حبُّهم فلَم يُوجِب جَوْراً، وأمَّا إِعْطاؤهم انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة: ٤٨/١ - ٨٦. (١) (٢) هو الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس . (٣) المُجْتَمَع: الذي بلغ أشُدَّه، يُقال : اجتمع الرجل ، استوت لحيته وبلغ غاية الشباب. ٢٥٢ فإنَّما أُعطيهم من مالي ، ولا أسْتَحِلُّ أموالَ المسلمين لنفسي ولا لأحَدٍ ، وكان قد قَسمَ مالَه وأرضَه في بَنِي أُميّة ، وجعلَ وَلدَه كبعض مَنْ يُعطي . قال : ورَجعَ أولئك إلى بلادهم وعَفا عنهم، قال: فتكاتَبُوا وتَوَاعَدوا إلى شؤَّالَ، فلمَّا كان شوَّالُ خَرجُوا كالحُبَّاجِ حتى نَزَلُوا بقُرب المَدينة، فخَرجَ أهلُ مِصْرَ في أربعمائة ، وأُمَرَاؤهم عبدُ الرَّحمن بَنُ عُدَيْس البَلويّ، وكِنانَةُ بنُ بِشْر اللَّيِيّ ، وسُودانُ بنُ حُمران السَّكُونيّ ، وقُتَيْرَة السَّكُونيّ ، ومقدمهُم الغافِقِيُّ بنُ حَرب العَكِّيّ ، ومعهم ابنُ السَّوْداء(١) . وَخَرجَ أهلُ الكُوفَة في نَحوِ عَدَد أهلِ مِصْرَ، فيهم زَيْدُ بنُ صُوحان العَبْدِيّ ، والأشْتَر النَّخْعيّ، وزِيادُ بنُ النَّضْر الحارثيّ، وعبدُ الله بنُ الأصمّ ، ومقدمهُم عَمرُو بنُ الأَصَمّ . وخَرِجَ أهلُ البَصْرَة وفيهم حُكَيمُ بنُ جَبَلَة ، وذَريحُ بنُ عبَّاد العبديّان ، وبِشْرُ بنُ شُرَيح القيسيّ، وابنُ مُحَرِّش الحَنَفيّ، وعليهم حُرْقُوصُ ابنُ زُهَيرِ السَّعديّ . فأمَّا أهلُ مِصْرَ فكانوا يَشْتَهُون عَلِيَّاً، وأمَّا أهلُ البَصْرَة فكانوا يَشْتَهون الزُّبَيْرَ ، وأمّا أهلُ الكُوفَة فكانوا يَشْتَهون طَلْحَة، وخَرجُوا ولا تَشْكُّ كُّ فرقَة أنَّ أمْرَها سَيتمُّ دون الأخرى ، حتى كانوا من المدينة على ثلاث ، فتَقدَّم ناسٌ من أهل البَصْرَة فَنَزَلوا ذا خُشْب، وتقدَّم ناسٌ من أهل الكُوفَة فَنَزَلوا الأعْوَصَ ، وجاءَهم أناسٌ من أهلِ مِصْرَ ، ونَزَلَ عامَتُهم بذي المَرْوة ، ومَشى فيما بينَ أهل البَصْرَة وأهلِ مِصْرَ زيادُ بنُ النَّضْر ، وعبدُ الله بنُ الأَصَم ليَكشفُوا خَبرَ المدينة ، فدَخلا فلَقِيا أزْواجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وطَلْحَةَ ، والزُّبَيْرَ ، وعَليَّاً ، فقالا: إنَّما نَوْمُ هذا البيتَ ، ونَسْتعفي من بَعض عُمَّالِنا ، واستأذَنُوهم للنّاسِ بالدُّخُول، فَكُلُّهم أبَىُ ونَهَى فرَجَعا، فاجْتَمعَ من أهلِ مِصْرَ نَفَرٌّ فأتَوا عَليَّاً، ومن أهلِ البَصْرة نَفَرٌّ فأَتَوا الزبيرَ ، ومن أهلِ الكُوفَة نَفَرٌ فَأَتَوا طَلَحَةَ، وقال كلُّ فَرِيقٍ منهم : إنْ بايَعَنا صاحِبَنا وإلاَّ كِدْناهم وفرَّقنا جَماعتَهم ، ثم كَرَرْنا حتى نَبِغَتهم . (١) قال صاحب النزهة : أي عبد الله بن سبأ اليهودي . ٢٥٣ فأتَى المصْرِيُّون عَليَّاً وهو في عَسْكرٍ عند أحْجارِ الزَّيت ، وقد سَرَّح ابنَه الحَسنَ إلى عُثمانَ فيمَن اجْتمَع إليه، فسلَّم على عَليِّ المصريُّون ، وعَرَضوا له ، فصاحَ بهم وطَرَدَهم ، وقال: لقد عَلمَ الصَّالِحُون أنَّكُم مَلْعُونون ، فارْجِعوا لا صَحِبَكم الله ، فانْصَرَفوا ، وفَعَلَ طَلحَةُ والزُّبَيْرُ نَحوَ ذلك . فذهبَ القَومُ وأظْهَروا أنَّهم راجعُون إلى بلادِهم، فذَهبَ أهلُ المدينة إلى مَنازِلِهم ، فلمَّا ذَهبَ القَومُ إلى عَساكِرِهم كَرُّوا بهم ، وبَغَتوا أهلَ المدينة ودَخلُوها ، وضَجُوا بالتَّكْبِير ، ونَزَلُوا في مَواضع عَساكرهم، وأحاطُوا بعُثمانَ وقالوا : مَنْ كَفَّ يَدَه فهو آمِنٌ . ولَزِمَ النَّاسُ بُيُوتَهم ، فأتَى عليٍّ رضي الله عنه فقال : ما رَدَّكم بعد ذهابكم ؟ فقالوا : وجَدْنا مع بَريدٍ كتاباً بقَتْلِنا، وقال الكُوفِيُّون والبَصْرِيُّون : نحنُ نمَنعُ إخْوانَنَا ونَنَصرُهم ، فعَلَمَ النَّاسُ أنَّ ذلكَ مكرٌّ منهم . وكَتَبَ عُثمانُ إلى أهل الأمْصَار يَستمدُّهم ، فساروا إليه على الصَّعبِ والذَّلُول ، فَبَعثَ مُعاويَّةُ إليه حَبيبَ بنَ مَسْلمَة ، وبَعثَ ابنُ أبي سَرْحِ مُعاويَةَ بنَ حُدَيْج ، وسارَ من الكُوفَة القَعْقَاعُ بنُ عَمرُو(١) . فلمَّا كان يومُ الجُمعة صلَّى عثمانُ بِالنَّاسِ وخطَبَ فقال: يا هؤلاء الغُزَّاء اللهَ اللهَ ، فوالله إنَّ أهلَ المدينة ليَعلَمون أنَّكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، فامْحُوا الخَطأَ بالصَّواب، فإنَّ الله لا يَمحُو السَّىءَ إلاَّ بالحَسَن ، فقام محمدُ بنُ مَسلَمَة ، فقال: أنا أشهَدُ بذلك، فأقْعَده حُكَيمُ بنُ جَبَلَة ، فقام زَيْدُ بنُ ثابت ، فقال : ابغِني الكتابَ ، فثارَ إليه من ناحية أخرى محمدُ بنُ أبي قُتَيْرَة فأقعدَه وتكلَّم فأفْلَعَ ، وثارَ القومُ بأجْمَعهم ، فحَصبوا النَّاسَ حتى أخرجُوهم ، وحَصبوا عثمانَ حتى صُرِعَ عن المِنْبَر مَغْشِيَّاً عليه، فاحْتُمِلَ وأُدْخِلَ الدار . وكان المصريُّون لا يَطمَعون في أحد من أهل المدينة أنْ يَنصُرَهم إلاَّ ثلاثة ، فإنَّهم (١) انظر السير: (عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ٨٧/١ -٨٨. ٢٥٤ كانوا يُراسِلُونهم ، وهم : محمدُ بنُ أبي بكر الصديق ، ومحمدُ بن جعفر ، وعمَّار بن ياسر . قال : واستقْتَلَ أناسٌ: منهم زَيْدُ بنُ ثابت، وأبو هُريرَة ، وسعدُ ابنُ مالك ، والحسنُ بنُ عليّ، ونهَضُوا لِنُصْرَة عُثمانَ، فَبَعثَ إليهم يَعِزِمُ عليهم لما انْصَرفوا ، فانْصَرفوا ، وأقبلَ عليٍّ حتى دَخَلَ على عُثمانَ هو وطَلحَةُ والزُّبَيرُ يَعودُونَه من صَرعَته ، ثم رجعوا إلى مَنازلهم . وقال الواقديُّ : حَدَّثني ابنُ جُريج وغيرُه ، عن عَمرٍو ، عن جابر أنَّ المصرييِّن لمَّا أقْبَلوا يُريدُون عُثمانَ ، دَعا عُثمانُ محمدَ بنَ مَسْلمَة ، فقال : اخْرُج إليهم فارْدُدهم وأعْطِهِم الرِّضا، وكان رُؤساؤُهم أربَعة : عبدَ الرحمانَ بنَ عُدَيْس ، وسُودانَ بنَ حُمران ، وعَمرُو بنَ الحَمِقِ الخُزاعِيّ ، وابنَ النِّبَاعِ، فأتاهم ابنُ مَسْلمَة ، فَلَم يزَلْ بهم حتى رجَعوا، فلمَّا كانوا بالبُوَيّب رَأوْا جَملاً عليه مِيسَم الصَّدَقة، فأخذوه ، فإذا غُلامٌ لعثمان، ففتّشوا مَتاعَه ، فوجدوا قَصبةً من رَصاص فيها كتابٌ في جَوف الإداوَة في الماء : إلى عبد الله بنِ سَعد بنِ أبي سَرْح أن افْعَل بفُلان كَذا ، وبفُلان كَذا ، من القَوم الذين شَرَعوا في قَتل عُثمانَ ، فرَجَع القَومُ ثانيةً ونازَلوا عثمانَ وحَصَروه . قال الواقديُّ : فحدَّثني عبدُ الله بنُ الحارث ، عن أبيه قال : أنكرَ عثمانُ أن يكون كَتبَ ذلك الكتاب ، وقال : فُعِلَ ذلك بلا أمْري . وقال ابنُ سيرين: إنَّ عُثمانَ بعثَ إليهم عَليَّاً فقال: تُعْطَوْن كتابَ الله وتُعْتَبون من كلِّ ما سَخطُم(١) ، فأقبل معه ناسٌ من وُجوههم، فاصْطَلَحوا علىُ خَمسٍ : علىُ أنَّ المَنِفِيَّ يُقْلَبُ(٢) ، والمَحْرِومَ يُعطَى، ويُوفَّرُ الفَيءُ، ويُعْدَلُ في القَسْم ، ويُستعمَلُ ذو الأمانة والقُوة كَتبوا ذلكَ في كتاب ، وأن يردُّوا ابنَ عامر إلى البَصْرَة ، وأبا موسى إلى الكوفَة . وقال أبو الأشْهَب ، عن الحَسن قال : لقد رَأيْتُهم تَحاصَبوا في المسجد حتى (١) قال صاحب النزهة: أي تُرَضَّوْنَ ممّا أغضبكم . (٢). قال صاحب النزهة : أي يرجع . ٢٥٥ ما أبْصرُ السماءَ ، وإنَّ رَجلاً رَفعَ مُصْحَفاً من حُجُرات النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم نادَى: أَلَمْ تَعلَموا أنَّ محمداً قد بَرِىءَ ممَّن فَرَّقُوا دينهم وكانوا شِيَعاً . وقال سلامٌ : سَمعتُ الحَسنَ قال : خرجَ عثمانُ يومَ الجُمعة ، فقام إليه رجلٌ فقال: أسْألُكَ كتابَ الله، فقال: وَيْحَكِ، أَلَيسَ معكَ كتابُ الله !! ، قال: ثم جاءَ رجلٌ آخر فنَهاه ، وقامَ آخرُ، وآخرُ، حتىُ كَثُروا، ثم تَحاصَبوا حتى لمْ أَرَ أديمَ السَّماءِ . ورَوَى بِشْرُ بنُ شَغاف ، عن عبد الله بنِ سلام قال : بينما عثمانُ يَخطبُ ، فقامَ رجلٌ فنال منه فَوَذَأْتُهُ(١)، فاتَّذَأْ، فقال رجلٌ: لا يَمنَعُك مكانُ ابنَ سلام أن تَسُبَّ نَعْثَلاً ، فإنَّه من شِيعَته، فقُلتُ له : لقد قُلتَ القَولَ العَظيم في الخَلِيفَةِ من بعد نُوح(٢)، (٣) . وقال ابنُ عُمَر : بينما عُثمانُ يَخطُب إذْ قامَ إليه جهْجاه الغِفاريّ ، فَأَخَذَ من يده العَصا فكَسَرها علىْ رُكْبَته، فدخلت منها شَظيةٌ في رُكَبَتِهِ ، فَوَقَعت فيها الأكَلَةِ (٤) . وقال غيرُه: ثم إنَّهم أحاطوا بالدَّارِ وحَصَروه ، فقال سعدُ ابنُ إبراهيم ، عن أبيه : سَمعتُ عُثمانَ يقولُ : إنْ وجدتم في الحَقِّ أن تَضَعوا رِجْلَي في القَيْدِ فضَعوهُما(٥) . وقال ثُمَامَةُ بنُ حَزْن القُشَيْرِيّ: شَهدْتُ الدَّارَ وأشْرَفَ عليهم عُثمانُ فقال : اثْتُوني بصاحِبَيْكم اللذَين ألَّاكُم، فدُعيا له كأنَّهما جَملان أو حِماران، فقال: أنشُدُكم اللهَ أَتَعلَمون أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قدِمَ المدينةَ وليسَ فيها ماءٌ عَذبٌ غَيرِ بِئرَ رُومَة، فقال صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ يَشْتَرِيها فيَكونُ دَلْوُه كدِلاءِ المسلمين ، وله الجَنَّةُ خَيرٌ منها))، فاشْترِيتُها، وأنتم اليوم تَمنَعوني أنْ أَشْرَبَ منها حتى أُشْرَبَ من (١) وَذَتُهُ : زجرتُه وقمعتُه . (٢) قالوا لعثمان: نَعْثَلاً، تشبيها له برجل مصري اسمه نَعْثَل كان طويل اللحية، والنَّعْثَل : الذكر من الضباع ، وكان عُمرُ يُشبه بنوح في الشدة . انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة: ١/٨٩. (٣) انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة : ١/٩٠. (٤) (٥) انظر السير: (عُثمان بن عفّان)، وانظر النزهة: ١/٩١. ٢٥٦ الماء المالح ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعم، قال: أنشُدُكم اللهَ والإسْلامَ، هل تَعلمونَ أنَّ المَسجِدَ ضاقَ بأهله ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةً بخَيرٍ له منها في الجَنَّة ))، فاشْتريتُها وزِدْتُها في المَسجِدِ ، وأنتم تَمنَعُوني اليومَ أن أُصَلِّي فيها ؟ قالوا : اللَّهُمَّ نَعم ، قال: أنشُدُكم اللهَ ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان علىُ ثَبِيرٍ(١) مكةَ، فتحرَّكَ وعليه أبو بكر وعُمَرُ وأنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((اسْكُنْ فَلَيْسَ عليكَ إلاَّ نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهيدان)) قالوا: اللَّهُمَّ نَعم، فقال: الله أكبر شَهِدوا وربّ الكعبة أنِّي شَهيد . ورَواه أبو سلمَة بنُ عبد الرحمن بنَحوه ، وزادَ فيه أنَّه جَهَّزَ جَيشَ العُسْرَة . ثم قال رضي الله عنه : ولكن طالَ عليكم أمري فاسْتعجَلتُم ، وأردتُم خَلعَ سِرْبالٍ سَرْبَلَنِيه اللهُ، وإنَّي لا أخلَعُه حتى أموتَ أو أُقْتَل . وعن ابنِ عُمَر قال : فأشْرَفَ عليهم وقال : عَلامَ تقْتُلوني ؟ فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يَحِلُّ دَمُ امْرىءٍ مُسْلمٍ إلَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: كفْرٍ بعدَ إِسْلام ، أوْ رَجُلٍ زَنَى بعدَ إِحْصَانٍ، أَوْ رَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَاً))، فوالله ما زَنَيَّتُ في جاهليّة ولا إِسْلام، ولا قَتَلتُ رجلاً ولا كَفرتُ . عن الحَسَن ، قال عُثمانُ : لِئِنْ قَتَلوني لا يُقاتِلُون عَدُواً جَميعاً أبداً، ولا يَقْسِمُون فَيْئاً جَميعاً أبداً ، ولا يُصَلُّون جَميعاً أبداً . وقال مثلَه عبدُ المَلك بنُ أبي سُليمان ، عن أبي ليلى الكنْديّ ، وزادَ فيه : ثم أرسلَ إلى عبد الله بنِ سَلام فقال : ما تَرى؟ قال : الكَفَّ الكَفَّ، فإنَّه أبلَغُ لك في الحُجَّة ، فدَخلوا عليه فقَتَلُوه وهو صائم رضي الله عنه . وقال الحَسنُ : حدَّثني وثَّابٌ قال: بَعشَي عُثمانُ، فدَعوتُ له الأشْتَرَ فقال : ما يريدُ النَّاسُ؟ قال: إحْدَى ثلاث: يُخَيِّرُونَك بين الخَلْعِ، وبين أن تَقْتَصَّ من (١) قال صاحب النزهة : هو جبل بمكّة. ٢٥٧ نفسك ، فإنْ أبَيتَ فإنَّهم قاتِلُوك ، فقال: ما كُنتُ لأخْلِعُ سِرْبالاً سَرْبَلَنِه اللهُ ، وبدني ما يقومُ لقَصاص(١) . وقال حُمَيْدُ بنُ هلال : حَدَّثنا عبدُ الله بنُ مغفل قال : كان عبدُ الله بنُ سَلام يَجيءُ من أرضٍ له على حِمارٍ يومَ الجُمعة ، فلمَّا حُصِرَ عُثمانُ قال : يا أيُّها النَّاسُ لا تَقَتُلوا عُثمانَ ، واسْتَعْتِبُوه ، فوالذي نفسي بيده ما قَتَلتْ أُمَّةٌ نَبِيَّها فصَلُحَ ذات بينهم حتى يُهْرِيقُوا دَمَ سَبعينَ ألفاً ، وما قَتَلتْ أُمَّةٌ خَليفَتَها فيُصلِحُ اللهُ بينهم حتى يُهْرِيقُوا دَمَ أربعين ألفاً ، وما هَلكَت أُمَّةٌ حتى يَرِفَعوا القُرآنَ على السُّلطانِ قال : فَلَمْ يَنظُرُوا فيما قال ، وقَتَلُوه ، فجَلسَ. على طريق عليٍّ بنِ أبي طالب، فقال له : لا تأتي العِراقَ والْزَمْ مِنْبَرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فوالذي نفسي بيده لَئِنْ تَركتَه لا تَراهُ أبداً، فقال مَنْ حَولَ عليّ : دَعنا نَقْتُله، قال رضي الله عنه: دَعُوا عبدَ الله بنَ سَلام ، فإِنَّه رجلٌ صالح(٢) . ودخلَ ابنُ عُمَر على عُثمانَ وهو مَحْصورٌ، فقال : ما تَرى؟ قال : أرَىُ أنْ تُعطيهم ما سَألوكَ من وَراء عَتَبةِ بابِك غيرَ أنْ لا تَخْلِعْ نفسَك ، فقال : دُونَك عَطاءك - وكان واجداً عليه - فقال: ليس هذا يوم ذاك، ثم خَرجَ ابنُ عُمَر إليهم فقال : إيّاكم وقَتل هذا الشَّيخ، والله لإنْ قَتَلتُموه لَمْ تَحُوا البيتَ جَميعاً أبداً، ولَمْ تُجاهِدوا عَدُؤَّكم جميعاً أبداً ، ولَمْ تَقْتَسِموا فَيْئَكم جميعاً أبداً ، إلاَّ أنْ تَجتمعَ الأجْسادُ والأهْواءُ مُخْتِلِفَة ، ولقد رأيتُنا وأصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مُتُوافِرون نَقولُ : أبو بكر ، ثم عُمَرُ ، ثم عُثمانٌ(٣) . وعن أبي جَعفرِ القاري قال: كان المصريُّون الذين حَصَروا عُثمانَ ستمائة ، رَأْسُهم كِنانَةُ بنُ بِشْر، وابنُ عُدَيْس البَلويّ ، وعَمرُو ابن الحَمِقِ والذين قَدِموا من الكُوفَة مائتين ، رأسُهم حُكَيْمُ بنُ جَبَلَة ، وكانوا يداً واحدة في الشَّرِ، وكانت حُثالةٌ من النَّاسِ (١) انظر السير: (عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة: ٢/٩١. (٢) انظر السير : ( عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة : ١/٩٢ . (٣) انظر السير: ( عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة : ٢/٩٢. ٢٥٨ قد ضَوَوا إليهم ، وكان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذين خَذلُوه كَرِهوا الفِتنةَ وظَنُّوا أنَّ الأمرَ لا يَبلغُ قَتَلَه ، فلمَّا قُتِلَ نَدِموا على ما ضَيَّعوا في أمرِه ، ولَعَمْري لو قاموا أو قامَ بعضُهم فحَثا في وُجوه أولئكَ التُرابَ الانْصَرفوا خاسِئِين . وقال حَبيبُ بنُ أبي ثابت ، عن أبي جَعفَرِ محمدِ بنِ عليّ: إنَّ عُثمانَ بَعثَ إلى عليٍّ يَدعُوه وهو مَحْصور، فأرادَ أنْ يأتيه، فَتَعلَّقوا به ومَنَعوه، فحَسرَ عَمامةً سَوداءَ عن رأسه ، وقال: اللَّهُمَّ لا أرْضَىْ قَتْلَه ولا آمُرُ به . وعن أبي إدريسَ الخَوْلانيّ قال: أرْسلَ عُثمانُ إلى سَعدٍ ، فأتاهُ ، فكلَّمَه ، فقال له سعدٌ: أرْسِل إلى عليٍّ، فإنْ أتاكَ ورَضِيَ صَلُحَ الأمرُ ، قال: فأنتَ رَسولي إليه ، فأتاهُ ، فقامَ عليٍّ ، فمَرَّ بمالك الأشْتَر ، فقال الأشْتَرُ لأصحابه : أينَ يريدُ هذا؟ قالوا : يُريدُ عُثمانَ ، فقال: والله لئن دَخلَ عليه لتُقْتَلُنَّ عن آخِركم ، فقام إليه في أصحابه حتى اخْتَلجَه عن سَعدٍ وأجْلسَه في أصحابه ، وأرسَلَ إلى أهلِ مِصْرَ : إِنْ كُنْتُم تُريدُون قَتَلَه فأسْرِعوا ، فدَخلُوا عليه فقَتَلُوه(١) . وعن أبي حَبيبَة قال: لمَّا اشْتدَّ الأمرُ، قالوا لعُثمانَ - يَعني الذين عندَه في الدَّار - اثْذَن لنا في القتال فقال: أعْزِمُ على مَنْ كانت لي عليه طَاعَةٌ أنْ لا يُقاتِل(٢) . وقال نافعٌ ، عن ابنِ عُمَر : أصْبحَ عُثمانُ يُحدِّثُ النَّاسَ ، قال : رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الليلةَ في المَنام ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أَفْطِرْ عِنْدَنا غَداً))، فأصْبحَ صائماً ، وقُتِلَ من يومِه(٣). ومن وَجهٍ آخَر ، عن ابن سيرين ، قال : انطلَقَ الحسنُ والحُسَينُ وابنُ عُمَر ، ومَرْوانُ ، وابنُ الزُبَيْر ، كلُّهم شاك السِّلاحَ ، حتىْ دَخلُوا على عُثمانَ ، فقال : أعْزِمُ عليكم لما رَجعتُم فوَضَعتُم أسْلِحَتكم ولَزِمْتُم بُيُوتَكم ، فقال ابنُ الزُّبَيْرِ ، ومَرْوَانُ : (١) انظر السير: (عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ١/٩٣. (٢) انظر السير: (عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة : ٢/٩٣. (٣) انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة: ٣/٩٣. ٢٥٩ نحنُ نَعْزِمُ على أنفسِنا أن لا نَبَرحَ، وخَرجَ الآخَرون(١). وقال ابنُ سيرينَ : كان مع عُثمانَ يومئذ في الدَّارِ سبعمائة لو يَدعهم لضَربوهم حتى يُخْرِجوهم من أقْطارِها(٢) . وعن مُسلمٍ أبي سَعيد قال : أعْتقَ عُثمانُ عشرين مَمْلوكاً ، ثم دَعا بسَراويل ، فشدَّها عليه(٣)، ولمْ يَلْبَسْها في جاهليّة ولا إِسْلام، وقال: إنِّي رَأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم البارِحَة ، وأبا بكر وعُمرَ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اصْطَبِرْ فَإِنَّكَ تُفْطِرُ عِنْدَنا القَابِلَة )) ثم نشَرَ المُصْحفَ بين يَدِيْه ، فقُتْلَ وهو بين يديْه . وقال ابنُ عَوْف، عن الحَسَن: أنْبَأني وثَّابٌ مَوْلى عُثمان قال : جاءَ رُوَيجلٌ كأنَّه ذِئبٌ ، فاطَّلع من باب ، ثم رَجعَ ، فجاءَ محمدُ بنُ أبي بكر في ثلاثة عشر رجلاً ، فدخلَ حتى انتهى إلى عُثمانَ ، فَأَخَذَ بلِخْيته ، فقال بها حتىُ سَمعَ وَقَعَ أضْراسِه ، فقال : ما أغْنَى عنكَ مُعاويَة ، ما أغْنَى عنكَ ابنُ عامر ، ما أغْنَت عنكَ كُتُبُك، فقال رضي الله عنه : أرْسِل لِحْيَتي يا ابنَ أخي ، قال: فأنا رأيتُه اسْتَعدى رجلاً من القَومِ عليه يُعينُهُ ، فقام إلى عُثمانَ بمشْقَص ، حتى وَجاً به رأسَه ، ثم تَعاوَروا عليه حتى قَتْلُوه . وعن ريطة مَولاة أسامة قالت : كُنتُ في الدَّارِ، إذْ دَخلوا، فجاءَ محمدٌ فأخَذَ بِلِحْيَة عُثمانَ فهَزَّها ، فقالَ: يا ابنَ أَخِي دَعْ لِحْيَتي ، لِتَجِذِبَ ما يَعِزُّ على أبيك أن تُؤْذِيَها، فرأيتُه كأنَّه اسْتَحِى، فقامَ، فجَعلَ بطَرف ثَوبه هكذا ، ألا ارجِعُوا ، قالت : وجاءَ رجلٌ من خلف عُثمانَ بسَعَفَة رَطبَة ، فضَربَ بها جَبهَتَه فرأيتُ الدمَ يَسيلُ ، وهو يَمسَحُه ويقولُ: ((اللَّهُمَّ لا يُطلَبُ بدَمي غَيْرَكُ))(٤)، وجاءَ آخرُ فضَربَه بالسَّيفِ على (١) انظر السير: ( عُثْمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ٤/٩٣. (٢) انظر السير: ( عُثْمان بن عفّان)، وانظر النزهة : ١/٩٤. (٣) إنما لبسها لئلا تبدو عورته إذا قُتْلَ رضي الله عنه . (٤) ورد من دعاء عثمان عليهم ( في الثقات لابن حبان ٢/ ٢٦١) : اللهم فشتت أمرهم ، وخالف بين كلمتهم ، وانتقم لي منهم ، واطلبهم لي طلباً حثيثاً وقد استُجيب دعاؤه رضي الله عنه في كل ذلك وقال ابن كثير ( في البداية والنهاية ١٨٩/٧ ): لما بلغ سعد بن أبي وقاص - وكان مستجاب الدعاء - قتلَ = ٢٦٠